قالوا: ولو سقى فاسق ولده خمرًا، فنثر أقرباؤه الدراهم والسكر، كفروا.
قلت الصواب أنهم لا يكفرون، والله أعلم.
قالوا: ولو قال كافر لمسلم: اعرض علي الإسلام، فقال: حتى أرى، أو اصبر إلى الغد، أو طلب عرض الإسلام من واعظ، فقال: اجلس إلى آخر المجلس كفر، وقد حكينا نظيره عن المتولي قالوا: ولو قال لعدوه: لو كان نبيًا لم أؤمن به، أو قال: لم يكن أبو بكر الصديق - ﵁ - من الصحابة كفر، قالوا: ولو قيل لرجل: ما الإيمان؟ فقال: لا أدري كفر، أو قال لزوجته: أنت أحب إلي من الله تعالى كفر.
وهذه الصور تتبعوا فيها الألفاظ الواقعة في كلام الناس، وأجابوا فيها اتفاقًا أو اختلافًا بما ذكر، ومذهبنا يقتضي موافقتهم في بعضها، وفي بعضها يشترط وقوع اللفظ في معرض الاستهزاء» (١).
وقال الإمام القاضي عياض -رحمه الله تعالى- في بيان مذهب المالكية في نواقض الإسلام، ومسائل الردة: «فصل، في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر، اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه، والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله، أو مع الله فهي كفر، كمقالة الدهرية، وسائر فرق أصحاب الاثنين، من الديصانية،
_________________
(١) روضة الطالبين وعمدة المفتين (١/ ٦٤ - ٧٠).
[ ٣٠٢ ]
والمانوية، وأشباههم من الصابئين، والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا بعبادة الأوثان، أو الملائكة، أو الشياطين، أو الشمس، أو النجوم، أو النار، أو أحد غير الله، من مشركي العرب وأهل الهند والصين والسودان وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب، وكذلك القرامطة، وأصحاب الحلول، والتناسخ، من الباطنية الطيارة ومن الروافض، وكذلك من اعترف بإلهية الله ووحدانيته، ولكنه اعتقد أنه غير حي، أو غير قديم، وأنه محدث، أو مصور، أو ادعى له ولدًا، أو صاحبة، أو والدًا، أو متولد من شيء، أو كائن عنه، أو أن معه في الأزل شيئًا قديمًا غيره، أو أن ثم صانعًا للعالم سواه، أو مدبرًا غيره فذلك كله كفر بإجماع المسلمين، كقول الإلهيين من الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين، وكذلك من ادعى مجالسة الله، والعروج إليه، ومكالمته، أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة، والباطنية، والنصارى والقرامطة.
وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم، أو بقائه، أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة، والدهرية، أو قال بتناسخ الأرواح، وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص، وتعذيبها أو تنعمها فيها بحسب زكائها وخبثها، وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية، ولكنه جحد النبوة من أصلها عمومًا، أو نبوة
نبينا - ﷺ - خصوصًا، أو أحد من الأنبياء الذين نص الله عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب، كالبراهمة، ومعظم اليهود، والأروسية من النصارى، والغرابية من الروافض، الزاعمين أن عليًا كان المبعوث إليه جبريل،
[ ٣٠٣ ]
وكالمعطلة، والقرامطة والإسماعيلية، والعنبرية من الرافضة، وإن كان بعض هؤلاء قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم.
وكذلك من دان بالوحدانية، وصحة النبوة، ونبوة نبينا - ﷺ -، ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به، ادعى في ذلك المصلحة بزعمه، أو لم يدعها فهو كافر بإجماع، كالمتفلسفين، وبعض الباطنية، والروافض، وغلاة المتصوفة، وأصحاب الإباحة فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع، وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان، ويكون من أمور الآخرة والحشر؛ والقيامة؛ والجنة، والنار ليس منها شيء على مقتضى لفظها، ومفهوم خطابها، وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم، إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم.
فمضمون مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر والنواهي، وتكذيب الرسل، والارتياب فيما أتوا به، وكذلك من أضاف إلى نبينا - ﷺ - تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه أو سبه، أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به، أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم، أو قتل نبيًا، أو حاربه فهو كافر بإجماع.
وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرًا ونبيًّا، من القردة والخنازير والدواب والدود وغير ذلك، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة، وفيه من الإزراء على
[ ٣٠٤ ]
هذا المنصف المنيف ما فيه، مع إجماع المسلمين على خلافه، وتكذيب قائله.
وكذلك نكفر من اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم، ونبوة نبينا - ﷺ - ولكن قال: كان أسودًا، أو مات قبل أن يلتحي، أو ليس الذي كان بمكة، والحجاز، أو ليس بقرشي، لأن وصفه بغير صفاته المعلومة، نفي له، وتكذيب به.
وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا - ﷺ -، أو بعده، كالعيسوية من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب، وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل، وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي - ﷺ - وبعده، فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة، وكالبزيغية، والبيانية منهم القائلين بنبوة بزيغ وبيان، وأشباه هؤلاء، أو من ادعى النبوة لنفسه، أو جوز اكتسابها، والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها، كالفلاسفة، وغلاة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه، وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء، ويدخل الجنة، ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين، فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي - ﷺ -، لأنه
أخبر - ﷺ - أنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس، واجتمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص، فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعًا إجماعًا وسمعًا.
[ ٣٠٥ ]
وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب، أو خص حديثًا، مجمعًا على نقله، مقطوعًا به، مجمعًا على حمله على ظاهره، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم.
ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك.
وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة، وتكفير جميع الصحابة، كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد
النبي - ﷺ - إذ لم تقدم عليًا وكفرت عليًا إذ لم يتقدم، ويطلب حقه في التقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوه، لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها، ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة على زعمهم، وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة، ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي - ﷺ - على مقتضى قولهم، وزعمهم أنه عهد إلى علي - ﵁ -، وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم، لعنة الله عليهم، وصلى الله على رسوله وآله.
وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها والتزيي بزيهم،
[ ٣٠٦ ]
من شد الزنانير، فحص الرؤوس (١) فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر، وأن هذه الأفعال علامة على الكفر، وإن صرح فاعلها بالإسلام.
وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم الله بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة، وبعض غلاة المتصوفة.
وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقينًا بالنقل المتواتر من فعل الرسول - ﷺ -، ووقع الإجماع المتصل عليه، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس، وعدد ركعاتها، وسجداتها، ويقول إنما أوجب الله علينا في كتابة الصلاة على الجملة، وكونها خمسًا، وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه، إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي، والخبر به عن الرسول - ﷺ - خبر واحد.
وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج: إن الصلاة طرفي النهار، وعلى تكفير الباطنية في قولهم: إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم، والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، وقول بعض المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها،
_________________
(١) قوله وفحص الرؤوس بفاء مفتوحة وحاء وصاد مهملتين في الصحاح، وفي الحديث فحصوا عن رؤوسهم: كأنهم حلقوا وسطها وتركوها مثل أفاحيص القطا انظر لسان العرب. مادة «فحص».
[ ٣٠٧ ]
وإباحة كل شيء لهم، ورفع عهد الشرائع عنهم، وكذلك إن أنكر منكر مكة، أو البيت، أو المسجد الحرام، أو صفة الحج، أو قال الحج واجب في القرآن، واستقبال القبلة كذلك، ولكن كونه على هذه الهيئة المتعارفة، وأن تلك البقعة هي مكة، والبيت، والمسجد الحرام لا أدري هل هي تلك أو غيرها؟ ولعل الناقلين أن النبي - ﷺ - فسرها بهذه التفاسير غلطوا ووهموا، فهذا ومثله لا مرية في تكفيره، إن كان ممن يظن به علم ذلك، وممن خالط المسلمين، وامتدت صحبته لهم، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، فيقال له سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين فلا تجد بينهم خلافًا، كافة عن كافة إلى معاصر الرسول - ﷺ -، أن هذه الأمور كما قيل لك، وأن تلك البقعة هي مكة، والبيت الذي فيها هو الكعبة، والقبلة التي صلى لها الرسول - ﷺ - والمسلمون، وإن صفات الصلوات المذكورة، هي التي فعل النبي - ﷺ -، وشرح مراد الله بذلك، وأبان حدودها فيقع ذلك العلم كما وقع لهم، ولا ترتاب بذلك بعد، والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث، وصحبة المسلمين كافر باتفاق، ولا يعذر بقوله لا أدري، لا يصدق فيه، بل ظاهره التستر على التكذيب، إذ لا يمكن أنه لا يدري.
وأيضًا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما نقلوه من ذلك، وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله، وتفسير مراد الله به، أدخل الاسترابة في جميع الشريعة إذ هم الناقلون لها، وللقرآن، وانحلت عرى الدين كرة، ومن قال هذا كافر، وكذلك من أنكر القرآن، أو حرفًا منه، أو غير شيئًا منه، أو زاد
[ ٣٠٨ ]
فيه، كفعل الباطنية، والإسماعيلية، أو زعم أنه ليس بحجة للنبي - ﷺ -، أو ليس فيه حجة، ولا معجزة، كقول هشام الفوطي، ومعمر الصيمري: إنه لا يدل على الله، ولا حجة فيه لرسوله، ولا يدل على ثواب، ولا عقاب، ولا حكم، ولا محالة في كفرهما بذلك القول، وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي - ﷺ - حجة له، أو في خلق السماوات والأرض دليل على الله لمخالفتهم الإجماع، والنقل المتواتر عن النبي - ﷺ - باحتجاجه بهذا كله، وتصريح القرآن به، وكذلك من أنكر شيئًا، مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس، ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلًا به، ولا قريب عهد بالإٍسلام، واحتج لإنكاره، إما بأنه لم يصح النقل عنده، ولا بلغه العلم به، أو لتجويز الوهم على ناقله، فنكفره بالطريقين المتقدمين، لأنه مكذب للقرآن، مكذب للنبي - ﷺ -، لكنه تستر بدعواه.
وكذلك من أنكر الجنة، أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا، وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب: معنى غير ظاهره، وأنها لذات روحانية، ومعان باطنة، كقول النصارى، والفلاسفة، والباطنية، وبعض المتصوفة، وزعم أن معنى القيامة الموت، أو فناء محض، وانتقاض هيئة الأفلاك، وتحليل العالم، كقول بعض الفلاسفة، وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء.
[ ٣٠٩ ]
فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد، التي لا يرجع إلى إبطال شريعة، ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين، كإنكار غزوة تبوك، أو مؤتة، أو وجود أبي بكر وعمر، أو قتل عثمان، أو خلافة علي ﵃، مما علم بالنقل ضرورة، وليس في إنكار وجحد شريعة، فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك، وإنكار وقوع العلم له، إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة، كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل، ومحاربة علي من خالفه.
فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة الناقلين، ووهم المسلمين أجمع، فنكفره بذلك لسريانه إلى إبطال الشريعة.
فأما من أنكر الإجماع المجرد، الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع، فأكثر المتكلمين، ومن الفقهاء، والنظار في هذا الباب قالوا: بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح، الجامع لشروط الإجماع، المتفق عليه عمومًا، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] الآية، وقوله - ﷺ -: «من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (١) وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع،
_________________
(١) سنن الترمذي (٢٨٦٣) وقال: حديث حسن صحيح غريب، ومسند أحمد (١٧١٣٢) وصححه ابن خزيمة (١٨٩٥)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢٥٩)، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي في التلخيص: على شرطهما، وقال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله ثقات، رجال الصحيح خلا علي ابن إسحاق، وهو ثقة / مجمع الزوائد (٩٠٩٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
[ ٣١٠ ]
وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع، الذي يختص بنقل العلماء، وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائن عن نظر، كتكفير النظام بإنكاره الإجماع، لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به خارق للإجماع.
قال القاضي أبو بكر: القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده، والإيمان بالله هو العلم بوجوده (١)، وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأي إلا أن يكون هو الجهل بالله، فإن عصى بقول، أو فعل نص الله ورسوله، أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر، أو يقوم دليل على ذلك فقد كفر، ليس لأجل قوله أو فعله، لكن لما يقارنه من الكفر.
فالكفر بالله لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور:
أحدها: الجهل بالله تعالى.
والثاني: أن يأتي فعلًا، أو يقول قولًا يخبر الله ورسوله أو يجمع المسلمون أن ذلك لا يكون إلا من كافر، كالسجود للصنم، والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم، أو يكون ذلك القول أو الفعل
_________________
(١) هذه هي عقيدة الجهم بن صفوان في الإيمان، والتي نصرها الإمام الأشعري، ثم رجع عنها إلى قول أهل السنة في الإيمان، وانظر ما قلناه في هامش صفحتي (٢٩٤، ٢٩٥).
[ ٣١١ ]
لا يمكن معه العلم بالله، قال: فهذان الضربان، وإن لم يكونا جهلًا بالله، فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان.
فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية، أو جحدها مستبصرًا في ذلك، كقوله: ليس بعالم، ولا قادر، ولا مريد، ولا متكلم، وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى، فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها، وأعراه عنها، وعلى هذا حمل قول سحنون: من قال: ليس لله كلام فهو كافر، وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه.
فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا، فكفره بعضهم، وحكي ذلك عن أبي جعفر الطبري وغيره، وقال به أبو الحسن الأشعري مرة؛ وذهب طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان، وإليه رجع الأشعري.
قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه، ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق.
واحتج هؤلاء بحديث السوداء، وأن النبي - ﷺ - إنما طلب منها التوحيد لا غير (١)، وبحديث القائل: «لئن قدر الله علي» وفي رواية فيه: «لعلي
_________________
(١) جاء احد الصحابة ﵃ إلى النبي - ﷺ - يريد عتق أمته السوداء فقال لها النبي - ﷺ -: (أين الله؟) قالت: في السماء، قال: (من أنا؟) قالت: أنت رسول الله، قال: (اعتقها فإنها مؤمنة) صحيح مسلم (٥٣٧)، وسنن النسائي (١٢٠٣)، وسنن أبي داود (٧٩٥).
[ ٣١٢ ]
أضل الله ثم قال: فغفر الله له» (١).
قالوا: ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات، وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه منها:
أن قدر بمعنى، قدر، ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه، بل في نفس البعث، الذي لا يعلم إلا بشرع، ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه، فيكون الشك فيه حينئذ كفرًا، فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول.
أو يكون قدر بمعنى: ضيق، وسيكون ما فعله بنفسه إزراء عليها، وغضبًا لعصيانها.
وقيل: إنما قال: ما قاله وهو غير عاقل لكلامه، ولا ضابط للفظه، مما استولى عليه من الجزع والخشية، التي أذهبت لبه فلم يؤاخذ به.
وقيل: كان هذا في زمن الفترة، وحيث ينفع مجرد التوحيد.
وقيل: بل هذا من مجاز كلام العرب، الذي صورته الشك، ومعناه التحقيق، وهو يسمى تجاهل العارف، وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
_________________
(١) متفق عليه، صحيح البخاري (٧٥٠٦)، وصحيح مسلم (٢٧٥٦).
[ ٣١٣ ]
فأما من أثبت الوصف، ونفى الصفة فقال: أقول عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال: بالمآل لما يؤديه إليه قوله، ويسوقه إليه مذهبه كفره، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلا من له بعلم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل، من المشبهة، والقدرية،
وغيرهم.
ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم، قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا، قالوا: لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر، بل نقول: إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه.
فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك، والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحاتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر معاملاتهم، لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر، والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد
كان نشأ على زمن الصحابة، وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال، من القدر ورأي الخوارج، والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبرًا،
[ ٣١٤ ]