أي أن حب العاجلة قد يحمل العبد على فعل الكفر فيكفر دون أن يغير اعتقاده بصحة الإسلام، وببطلان كل ما دونه من الأديان.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والكافر قد لا يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر.
يبين ذلك قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١٠٩]، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه، وذكر وعيده في الآخرة، ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا.
ومعلوم: أن باب التصديق والتكذيب، والعلم والجهل، ليس هو من باب الحب والبغض.
وهؤلاء -أي غلاة المرجئة- يقولون: إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة.
والله ﷾ جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن
[ ٢٧٢ ]
الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق.
وأيضًا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر لا في حال الإكراه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قول النبي: «يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا» (١)» (٢).
وقال محمد بن عبد الوهاب: «قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١٠٧] الآية، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره، مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان.
وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفًا، أو طمعًا، أو مداراة، أو مشحة بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض، إلا المكره. فالآية تدل على هذا من جهتين.
الأولى: قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ﴾ فلم يستثن الله تعالى إلا المكره.
_________________
(١) صحيح مسلم (١١٨)، وسنن الترمذي (٢١٩٥)، ومسند أحمد (٧٦٨٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٩/٥٦٠).
[ ٢٧٣ ]
ومعلوم: أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب فلا يكره عليه أحد.
والثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ﴾.
فصرح أن هذا الكفر والعذاب، لم يكن بسبب الاعتقاد، أو الجهل، أو البغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه: أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا فآثره على الدين» (١).
وقال الإمام الطبري مبينًا أن إيثار الحياة الدنيا هو الذي أحل بالمرتدين عن الإيمان سخط الله وأليم عقابه:
قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
«يقول -تعالى ذكره-: حل بهؤلاء المشركين غضب الله، ووجب لهم العذاب العظيم من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة، ولأن الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته، مع إصرارهم على جحودها» (٢).
وضرب إمام الدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب مثلًاَ رائعًا يبين به كفر من قال الكفر لأجل الدنيا، ولو لم يعتقد حقيقته في الباطن، ولم يتغير اعتقاده
_________________
(١) كشف الشبهات /٤١.
(٢) تفسير الطبري (٧/ ٦٥٢).
[ ٢٧٤ ]