عندهم أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما يتوقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، وأما قتل المقرين بنبوة مسيلمة فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم» (١) انتهى.
فتأمل كلامه -﵀- في تكفير المعين، والشهادة عليه إذا قتل بالنار، وسبي (٢٦/ش) حريمه وأولاده عند منع الزكاة.
فهذا الذي ينسب عنه أعداء الدين عدم تكفير المعين.
قال -﵀- بعد ذلك: «وكفر هؤلاء وإدخالهم في الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنة».
(٢٦/ش) طلع علينا في هذا الزمان بعض من يزعم السلفية: بأنه لا يجوز الحكم على من مات على الشرك بالنار، ولو كان من أئمة الكفر، من النصارى واليهود ونحوهم فتحيرنا، وحق لنا هذا.
فهم لا يريدون تكفير المعين من المشركين، ولا يريدون تحقيق البراءة منهم، ثم من مات أيضًا على كفره، ولو كان مباينًا لملة المسلمين لا يريدون أن نحكم عليه أيضًا بالنار.
ثم تراهم قد توغلوا بعنف في الحكم على كثير من مناطات الشرك الأكبر بأنه من الشرك الأصغر العملي، الذي لا يخرج صاحبه من الملة.
ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل قاموا بشن الغارة على دعاة التوحيد،
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٢، ٥١٩)، والفتاوى الكبرى (٢/ ٣١)، (٣/ ٥٣٤)، وشرح العمدة في الفقه لابن تيمية (٤/ ٦٢).
[ ٢٧٨ ]
ورموهم بالعظائم ونالوا من أعراضهم.
فسبحان الله ما أعظم هذا الإشكال، وما أشد تلك المعضلة.
ولم يدر هؤلاء أنهم يسعون في تهوين أمر الشرك في نفوس العباد شاءوا ذلك أم أبوا، ذاك الذنب الذي حرم الله على أصحابه الجنة، وأوجب لهم به الخلود في النيران، وحجب المولى -جل في علاه- مغفرته العظيمة، وعفوه -الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه- عن أن ينال هذا الذنب الأكبر الأعظم.
واستشهد القوم بقول الإمام الطحاوي في عقيدته: «ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا».
ولو رجعنا إلى قول الإمام الطحاوي، لوجدناه يتحدث عن أهل القبلة، الذين ماتوا في الظاهر على التوحيد والإيمان، فهل بجرؤ أحد على الحكم على أمثال هؤلاء بأنهم من أهل النار، سبحانك هذا بهتان عظيم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: «وأهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ -، في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين
ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، ونصلي على من مات منهم.
ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى» (١).
_________________
(١) العقيدة الطحاوية /٤٥.
[ ٢٧٩ ]
وقال ابن أبي العز الحنفي مبينًا هذا المعنى في شرحه: «يريد: أنا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من أخبر
الصادق - ﷺ - أنه من أهل الجنة، كالعشرة ﵃، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم، لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين» (١).
فإذا كان هذا في حق من مات من أهل القبلة على التوحيد والإيمان، فلماذا يتوسع هؤلاء -وهذا دأبهم دائمًا في مثل هذه المسائل فانتبه- في جعل هذا الحكم ينطبق على المرتدين، وعلى أئمة الكفر المباينين للملة، فضلًا عن اتباعهم، من المقلدة لهم، والمقتدين لآثارهم.
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: ما قاله صديق الأمة، أبو بكر الصديق - ﵁ - في وجوب الشهادة على أعيان القتلى المرتدين بالنار، وكان في محضر من الصحابة، وانقضى عصرهم، ولم يظهر له مخالف في هذا فكان إجماعًا.
وقد ذكرت هذا الوجه أولًا بسبب وروده في متن الرسالة محل الشرح.
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية /٣٧٨.
[ ٢٨٠ ]