فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها، ويزيد المؤمن يقينًا، ما جرى من
النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃، والعلماء بعدهم -﵏- فيمن انتسب إلى الإسلام، كما ذكر أنه - ﷺ - بعث البراء - ﵁ -، ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله (١)، ومثله همه بغزو بني المصطلق، لما قيل: إنهم منعوا الزكاة (٣٢/ش).
(٣٢/ش) قال الله تعالى في شأن هذه القصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
قال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسيرها: «وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله - ﷺ - على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده، من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي، أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي - ﵁ - يقول: «قدمت على رسول الله - ﷺ - فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت يا رسول الله: أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٣٦٨ ]
الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولًا إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة.
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد
رسول الله - ﷺ - أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول لم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات (١) قومه، فقال لهم: إن رسول الله - ﷺ - كان وقت لي وقتًا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله - ﷺ - الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة فانطلقوا بنا نأتي رسول الله - ﷺ -.
وبعث رسول الله - ﷺ - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق -أي: خاف-، فرجع حتى أتى رسول الله - ﷺ -، فقال يا رسول الله: إن الحارث قد منعني الزكاة، وأراد قتلي، فغضب رسول الله - ﷺ -، وبعث البعث إلى الحارث - ﵁ -، وأتى الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث، وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله - ﷺ - بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال - ﵁ -: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على
_________________
(١) أي: زعمائهم وسادتهم.
[ ٣٦٩ ]
رسول الله - ﷺ -: قال: «منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟»، قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله - ﷺ - خشيت أن يكون كانت سخطة الله تعالى ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات: ٦ - ٨]- إلى قوله- ﴿حَكِيمٌ﴾ (١) (٢).
_________________
(١) مسند أحمد (١٧٧٣١)، وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات (١١٣٥٢)، وقال ابن تيمية: «هذه القصة معروفة من وجوه كثيرة» مجموع الفتاوى (٧/ ٢٤٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٧٠ - ٣٧١).
[ ٣٧٠ ]