على خيل أحمس ورجالها خمسًا» (١).
وعادة البخاري -﵀- إذا لم يكن الحديث على شرطه ذكره في الترجمة، ثم أتى بما يدل على معناه مما هو على شرطه، ولفظ الترجمة وهو قوله: «يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان»، لفظ حديث (٢) أخرجه غيره من الأئمة، والله ﷾ أعلم (٣٦/ش).
(٣٦/ش) من المهم والمهم جدًا أن يتعلم المؤمن كيف تغير الزمان، وتبدل الدين، وطرأ الشرك على عباد الله الموحدين.
فأوائل هذه الأمة لما قاموا بالتوحيد الصافي -من دخن الشرك- قولًا وعملًا واعتقادًا خرجوا وأخرجوا الناس من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية.
ثم بدأ العلم في الذهاب بقبض العلماء، وأخذ الجهل في الانتشار، وقل الناصحون، وتعاون شياطين الإنس والجن على إفساد الناس، فعملوا على فتح باب الشرك على مصراعيه، عن طريق فتح الباب لذرائعه وأسبابه ووسائله مثل: بناء المشاهد على القبور، والصلاة في المساجد المبنية عليها،
والتوجه إلى الله بالأموات، وكثرة الحلف بغير الله، واتخذت التولة
والتمائم، وغلب على الناس الشرك في الألفاظ والمقاصد والنيات، وقل الأمر
_________________
(١) متفق عليه، صحيح البخاري (٢٨٥٧)، وصحيح مسلم (٢٤٧٦).
(٢) بحثت عنه فلم أجده، والحافظ ابن حجر في الفتح لم يذكر حديثًا بهذا اللفظ تحت ترجمة الباب، انظر فتح الباري (١٣/ ٧٦).
[ ٣٩١ ]
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثر ثم غلب التشبه بالمشركين، والتسني بسنة أهل الكتاب في كثير من المعتقدات والأعمال والعادات، وموافقتهم في الأعياد، وعادت ثم سادت البدع والمحدثات، ومعلوم أن البدع بريد الكفر والمروق من الملة.
فتغير بذلك الزمان وعادت عبادة الأوثان والأنداد، وغلب على العامة عبادة الأموات، والتحاكم إلى الطواغيت، حتى صارت فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها، وحيرت العقول عن طرق قصدها، نشأ فيه الصغير، وهرم عليها الكبير حتى ظنوها سنة، فإذا جاء من يريد تغييرها قالوا: أراد تغيير السنة!!!
إلا أن الله قد قيض لدينه من يحفظه، وينصره، ويحافظ على شعائره، ويقوم على ثغوره، ويجاهد أعداءه بماله ونفسه وقلبه وبنانه ..
قال - ﷺ -: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (١).
وقال - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من
_________________
(١) سنن أبي داود (٤٢٩١)، والحاكم في المستدرك (٨٥٩٣)، وصححه وسكت عنه الذهبي، والطبراني في الأوسط (٦٥٢٧)، قال العجلوني: سند الطبراني رجاله ثقات اهـ، كشف الخفاء (١/ ٢٨١)، وصححه الألباني في السلسلة، وقال أشار الإمام أحمد إلى تصحيحه. السلسلة الصحيحة (٥٩٩).
[ ٣٩٢ ]
المسلمين يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» (١).
وقال - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة» (٢).
قال الإمام الرباني ابن قيم الجوزية في العبر المستفادة من هدم وثن ذي الخلصة: «ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم. فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وغلب الشرك على أكثر
_________________
(١) صحيح مسلم (١٠٣٧)، ومسند أحمد (١٦٣٣١).
(٢) صحيح مسلم (١٩٢٣)، ومسند أحمد (١٤١٩٣).
[ ٣٩٣ ]
النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين» (١).
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٤٤٣).
[ ٣٩٤ ]
ولنذكر من كلام الله تعالى وكلام رسول الله - ﷺ - وكلام أئمة العلم جملًا في جهاد القلب واللسان ومعاداة أعداء الله وموالاة أوليائه، وأن الدين لا يصح ولا يدخل الإنسان فيه إلا بذلك فنقول: