_________________
(١) (الولاء والبراء) أبى الله -جل في علاه- للعصبة المؤمنة إلا أن يكونوا حربًا لأعدائه وسلمًا لأوليائه. فكل عبد التزم بالتوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا فلا بد أن يأتي بلازمه -إن كان صادقًا- من موالاة المسلمين والبراءة من الشرك وأهله قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. فهذه الآية وفي معناها الكثير الكثير -قد فصلت وبينت حدود العلاقة بين المسلمين والكافرين، ونصت على أن الملة التي توارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، والتي جعلها إمام الحنفاء -إبراهيم الخليل- كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين، هذه الملة تتشخص في حتمية البراءة من الشرك وأهله- ولو كانوا من أقرب الناس نسبًا وصهرًا- حتى ينخلعوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن النفاق إلى الإخلاص، ومن التولي إلى الطاعة فعندئذ تنقلب العداوة إلى المحبة، والبغضاء إلى المودة، والبراءة إلى النصرة. قال العلامة ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-: «وقطع -الله سبحانه- الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين، وأخبر أنه من تولاهم فإنه منهم في حكمه المبين، فقال تعالى، وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا
[ ٣٩٦ ]
_________________
(١) الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلى فساد العقل والدين، فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]، ثم أخبر عن حبوط أعمال متوليهم ليكون المؤمن لذلك من الحذرين، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣]، ونهى المؤمنين عن اتخاذ أعدائه أولياء، وقد كفروا بالحق الذي جاءهم من ربهم، وأنهم لا يمتنعون من سوء ينالونهم به بأيديهم وألسنتهم إذا قدروا عليه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ١، ٢] وجعل سبحانه لعباده المسلمين أسوة حسنة في إمام الحنفاء، ومن معه من المؤمنين، إذ تبرأوا ممن ليس على دينهم امتثالًا لأمر الله، وإيثارًا لمرضاته
[ ٣٩٧ ]