وعن قتادة عن الحسن: ليس بينك وبين الفاسق حُرمة، وقال الحسن: لا تُجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك، وقال النخعي: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلِّموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم.
فانظر -رحمك الله- إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مُجالسة أهل البدع والإصغاء لهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم.
فكيف بالرافضة: الذين أخرجهم أهل السُّنَّة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم، ومواكلتهم والسلام عليهم - والحالة هذه - من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين.
قال البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه: «باب من لم يسلِّم على من ارتكب ذنبًا، ولم يرد سلامه، حتى تتبيَّن توبته، وإلى متى تتبين توبة العاصي» (١).
قال ابن حجر في الفتح (٢): وابتداء الكفار بالسلام، أجازه طائفة من العلماء
_________________
(١) أورده الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الاستئذان.
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٠).
[ ٥٠٤ ]
_________________
(١) ومنعه طائفة، قال: والحق مع المانعين، إلا أن يترتب عليه مصلحة دينية، وكذلك أهل البدع والمعاصي المجاهرين بها، يمنع من ابتدائهم بالسلام والرد عليهم، قال المهلَّب: ترك السلام على أهل المعاصي والبدع، سُّنة ماضية، وبه قال كثير من أهل العلم. وقال النووي: وأما المبتدع، ومن اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب منه، لا يسلَّم عليهم، ولا يرد ﵈، كما قاله جماعة من أهل العلم، واحتج البخاري بقصة كعب، انتهى. فانظر: يا طالب الحق إلى ما قاله البخاري، واستدل به، وإلى قول صاحب الفتح: والحق مع من منع، وإلى قول المهلب والنووي، ووازن بين أقوالهم، وبين قول من أجازه وأباحه وجادل عليه، تعرف أنه لا بصيرة له، ولا معرفة له بأصول الشرع وأقوال العلماء، وأما قول صاحب الفتح: إلا أن يترتب عليه مصلحة دينية، فالمصلحة هي أن يُرجى بها إسلام غيره، أو تأليفه، أو غير ذلك، وأما المصالح الدنيوية فلا تترتب عليها الأمور الشرعية، ولا تناط بها أحكامها، ولا تُجعل سلَّمًا وذريعة إلى الجمع بين ما فرَّق الله ورسوله بينهما. وقال البغوي - ﵀ - في كتاب السُّنَّة: وأما هجر أهل المعاصي وأهل الريب والبدع في الدين، فيشرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم، وتظهر علامات توبتهم وأماراتها.
[ ٥٠٥ ]
ــ
وقال ابن القيم (١) - رحمه الله تعالى - في الهدي النبوي: وفي نهي النبي - ﷺ - عن السلام على هؤلاء الثلاثة، يعني كعبًا وصاحبيه، من بين من تخلَّف عنه، دليل عل صدقهم، وكذب المنافقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب - إلى أن قال - وفيه دليل أيضًا: على هجران الإمام، والعالم، والمطاع، لمن فعل ما يستوجب العتب، ويكون هجرانه دواء له - إلى أن قال -: وفي إشارة الناس للنبطي الذي يقول: من يدل على كعب ابن مالك؟ دون نطقهم له، تحقيق لمقصود الهجر، وإلا لو قالوا له صريحًا كعب بن مالك، لم يكن ذلك سلامًا، ولا يكونون به مخالفين للنهي، لكن لفرط تحريهم وتمسكهم بالأمر، إذ لم يذكروه بصريح اسمه.
وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع، نوع مكالمة، لا سيما إذا جعل ذلك ذريعة إلى المقصود بالسلام، وهي ذريعة قريبة، فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع، وهذا أحسن وأفقه، انتهى كلامه رحمه الله تعالى -.
فانظر إلى قوله: وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته، وهو يسمع، نوع مكالمة إلخ، فإذا كان في ذكره باسمه نوع مكالمة، فكيف بمن ابتدأ المشرك والعاصي والمبتدع بالسلام، وأظهر له الإكرام، وأكثر عنه الجدال، والخصام!
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٥٠٦).
[ ٥٠٦ ]
ــ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) - ﵀ -، وقد سئل عن الهجر المشروع، ومن يجب هجره أو يجوز هجره، قال في أثناء كلامه: ولهذا كان النبي - ﷺ - يتألف أقوامًا ويهجر آخرين، وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالا من المهجورين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيرًا من المؤلفة قلوبهم، لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، وكانت المصلحة الدينية في تأليفهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، وفي هجرهم عزّ الدين، وتطهير لهم من ذنوبهم. انتهى كلامه ﵀.
فانظر: أيها المنصف بعين الإنصاف، واحذر التعصب والاعتساف إلى ما قاله شيخ الإسلام، من أن في هجرهم عزا للدين، هذا إذا كانوا مسلمين لكنهم أصحاب معاص واقتراف لبعض الأوزار، فيجب هجرهم واعتزالهم حتى يقلعوا، وأما المشرك والمبتدع: فلا نزاع في هجرهما ولا خلاف فيه إلا عند من قلَّ حظه ونصيبه، من العلم الموروث عن صفوة الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم
- ثم اتخذ في سرد الأدلة على وجوب الإنكار على أهل البدع والمعاصي حتى قال - فتأمل رحمك الله ما ذكره هذا الإمام - أي الإمام البخاري -: من الأحاديث والآثار الدالة على وجوب هجر أهل المعاصي، وأن ذلك هو هديه وسنَّته، فمن أعرض عنهما، ونبذهما وراء ظهره، فقد خاب سعيه وضل عمله، فلا نجاة للخلق ولا سعادة ولا كفاية ولا هداية، إلا باتباع محمد - ﷺ - واتباع ما
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٣ - ٢١٠) ومحل الشاهد في/ ٢٠٦.
[ ٥٠٧ ]
ــ
جاء به، ورفض ما خالفه، وهجر من نكب عن سنَّته، وإن كان الحبيب المواتيا ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]
فمن أكرم من تلك نحلته، وتلك طريقته، كان دليلًا على عدم فقهه، وبصيرته في دين الإسلام، وعدم فرقه بين عابدي الرحمن وعابدي الأوثان، والضدان عنده يجتمعان، فلضعف بصيرته، نهج هذا المنهج، وأعرض عن الحق بعدما اتضح وأبلولج، فيخشى عليه أن يحشر يوم القيامة معهم، ويكون من جملتهم، كما كان في الدين من أصدقائهم ومعاشريهم، عياذًا بك اللَّهم من تلك الأحوال والأعمال، التي تؤول بصاحبها إلى الخزي والوبال، وسوء المنقلب في الحال والمآل.
وأكثر الخلق إنما يحمله على الوقوع في تلك الورطات، الحرص على تحصيل الدنيا، والتقرب عند أهلها، وتسليك حاله معهم، ولو فسد عليه دينه وانهدم إيمانه، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللَّهُمَّ يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك.
- وأخذ الشيخ يسرد الأدلة الدالة على حرمة موالاة المشركين حتى قال - وأما حكم الرافضة - فيما تقدَّم - فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀- في «الصارم المسلول» (١): ومن سبَّ الصحابة، أو أحدًا منهم، واقترن بسبه أن جبرائيل غلط في الرسالة، فلا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في
_________________
(١) الصارم المسلول (٣/ ٥٩٠ إلى آخر الكتاب).
[ ٥٠٨ ]