ــ "
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في نواقض الإسلام، الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١].
فمن اتصف بشئ من هذه الصفات، مما ينقض الإسلام، أو منه شيئاَ من شعائر الإسلام الظاهرة، أو امتنع عن أداء شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، فإنه يجاهد حتى يقر بذلك ويلتزمه. (١)
ونزيد حكم مسألة القتال في صفوف المشركين وضوحًا، لأنها اليوم ذات شأن عظيم في دنيا المسلمين، فنقول: لما تقابل المسلمون بقيادة النبي - ﷺ - مع المشركين بقيادة أبي سفيان في غزوة أحد، انخزل عبد الله بن أبي بن سلول، ومعه ثلث الجيش، وتولوا مدبرين عن نصرة المسلمين، فنزل قوله تعالى ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٨ - ٩٠]، فحكم القرآن بكفرهم، وردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وأموالهم، ونزل فيهم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا
_________________
(١) الدرر السنية (٩/ ٢٨٩ - ٢٩٢)
[ ٤٥٥ ]
ــ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦، ١٦٧]، فحكم القرآن بكفرهم ونفاقهم، وأنكر على المسلمين اختلافهم فيهم فرقتين، وكيف لا تجتمع كلمتهم على كفرهم وردتهم.
وهذا في حق من انخزل عن نصرة المسلمين لإضعافهم، فكيف بمن قاتل مع المشركين مختارًا ضد المسلمين، وكان حكم الكفر جاريًا عليه؟!!
فهؤلاء إن لم يكونوا كفارًا فلا نعلم كفارًا على وجه الأرض، وهؤلاء إن لم يكونوا مرتدين عن دين المسلمين فلا نعلم مرتدين على مر التاريخ.
قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾.
قال أبو جعفر الطبري: يعني -جل ثناؤه- بقوله ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: فما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فئتين مختلفتين؟!! ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ يعني بذلك: والله ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم (١).
وقال الإمام الشوكاني- رحمه الله تعالى-: " الاستفهام في قوله تعالى" فَمَا لَكُمْ﴾ للإنكار، واسم الاستفهام مبتدأ، وما بعده خبره.
_________________
(١) تفسير الطبري (٨/ ٨).
[ ٤٥٦ ]
ــ
والمعنى: أي شيء كائن لكم ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ أي: في أمرهم وشأنهم حال كونكم ﴿فِئَتَيْنِ﴾ في ذلك.
وحاصله: الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ معناه: ردهم إلى الكفر" (١)
وقال الإمام أبو بكر بن العربي - ﵀-: أخبر الله ﷾ أن الله رد المنافقين إلى الكفر، وهو الإركاس، وهو عبارة عن الرجوع إلى الحالة المكروهة، كما قال في الروثة: إنها رجس، أي: رجعت إلى حالة مكروهة؛ فنهى الله ﷾ أصحاب محمد - ﷺ - أن يتعلقوا فيهم بظاهر الإيمان، إذا كان أمرهم في الباطن على الكفر، وأمرهم بقتلهم حيث وجدوهم، وأينما ثقفوهم؛ وفي هذا دليل على أن الزنديق يقتل، ولا يستتاب لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا﴾ [النساء ٨٩].
وقال الإمام أبو بكر الجصاص: وقوله تعالى ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ قال ابن عباس - ﵁ - ردهم؛ وقال قتادة ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أهلكهم.
وقال غيرهم ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ نكسهم؛ قال الكسائي: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ وركسهم بمعنى.
_________________
(١) فتح القدير (٢/ ١٨٦)
[ ٤٥٧ ]
ــ
وإنما المعنى في ردهم في حكم الكفار من الصغار والذلة، وقيل من السبي والقتل لأنهم أظهروا الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وإنما وصفوا بالنفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام لأنهم نسبوا إلى ما كانوا عليه قبل من إضمار الكفر، قاله الحسن (١).
قال الحافظ ابن كثير، في وصفه لغزوة أحد: «قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي، والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمانكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله -أعداء الله- فسيغني الله عنكم نبيه - ﷺ -.
قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، يعني: أنهم كاذبون في قولهم: لو نعلم قتالا
_________________
(١) أحكام القرآن (٤/ ٤٦٥)
[ ٤٥٨ ]
ــ
لاتبعناكم، وذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء ولا شك فيه.
وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية، وذلك أن طائفة قالت نقاتلهم، وقال آخرون: لا نقاتلهم كما ثبت وبين الصحيح (١) (٢).
ويبين علامة الأمة، الإمام ابن تيمية: أن الذين انخزلوا مع ابن أُبي- عليه لعنة الله- لم يكونوا كلهم من قبل منافقين، ولكنهم نافقوا وكفروا بهذا الفعل، فقال رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧].
فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ ظاهر فيمن أحدث نفاقًا، وهو يتناول من لم ينافق قبل، ومن نافق ثم جدد نفاقًا ثانيًا، وقوله ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، يبين أنهم لم يكونوا قبل ذلك أقرب منهم، بل إما أن يتساويا، وإما أن يكونوا للإيمان أقرب، وكذلك كان. فإن ابن أبي لما انخزل عن
_________________
(١) يشير إلى حديث زيد بن ثابت - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله - ﷺ - فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم. وفرقة تقول لا. فأنزل الله ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. فقال رسول الله - ﷺ -: «إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة» متفق عليه، صحيح البخاري (١٨٨٤، ٤٠٥٠)، وصحيح مسلم (١٣٨٤).
(٢) البداية والنهاية (٤/ ١٦).
[ ٤٥٩ ]
ــ
النبي - ﷺ - يوم أحد انخزل معه ثلث الناس، قيل كانوا نحو ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن، إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق.
فإن ابن أبي كان مظهرًا لطاعة النبي - ﷺ -، والإيمان به، وكان كل يوم جمعة يقوم خطيبًا في المسجد يأمر باتباع النبي - ﷺ -، ولم يكن ما في قلبه يظهر إلا لقليل من الناس -إن ظهر- وكان معظمًا في قومه كانوا قد عزموا على أن يتوجوه ويجعلوه مثل الملك عليهم، فلما جاءت النبوة بطل ذلك، فحمله الحسد على النفاق، وإلا فلم يكن له قبل ذلك دين يدعوا إليه، وإنما كان هذا في اليهود.
فلما جاء النبي - ﷺ - بدينه، وقد أظهر الله حسنه ونوره مالت إليه القلوب، لا سيما لما نصره الله يوم بدر، ونصره على يهود بني قينقاع صار معه الدين والدنيا، فكان المقتضى للإيمان في عامة الأنصار قائماَ، وكان كثير منهم يعظم ابن أُبي تعظيمًا كثيرًا ويواليه، ولم يكن ابن أُبي أظهر مخالفة توجب الامتياز، فلما انخزل يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان أو كما قال، انخزل معه خلق كثير منهم من لم ينافق قبل ذلك.
وفي الجملة ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا (١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٠).
[ ٤٦٠ ]