إذا خاف المسلم من شر الكفار وكانوا غالبين ظاهرين، فرخص له أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه، وبجوارحه لا بقلبه، من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، ومن غير أن يظهر الكفار على عورات المسلمين، فإن فعل غير ذلك، ووالى الكفار من دون المؤمنين اختيارًا فقد انقطعت كل الروابط والصلات بينه وبين الله لارتداده عن دينه، ولنصرته للكفار على المؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٨٧).
(٢) أحكام القرآن (٩/ ٥١).
[ ٤٢٧ ]
ــ
اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
قال الحافظ ابن كثير ﵀: «نهى الله -﵎- عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ثم توعد على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: من يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله.
وقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: (إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا تلعنهم) (١).
وقال الثوري: قال ابن عباس ﵄: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية، وأبو الشعثاء، والضحاك، والربيع بن أنس، ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]» (٢).
وقال الإمام البغوي مبينًا حد التقية، والمحاذير التي ينبغي عدم الوقوع فيها عند الاضطرار إليها: «قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عورة المسلمين. ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي
_________________
(١) ذكره البخاري معلقًا في صحيحه في كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس.
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٠).
[ ٤٢٨ ]
ــ
شَيْءٍ﴾ أي: ليس من دين الله في شيء، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ يعني: إلا أن تخافوا منهم مخافة
ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعًا عن نفسه، من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين.
والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ [النحل: ١٠٦] ثم هذا رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم، وأنكر قوم التقية اليوم. قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في بدو الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم؛ وقال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم: التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان، فقال سعيد: ليس في الإسلام تقية، إنما التقية في أهل الحرب ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار، وارتكاب المنهي عنه، ومخالفة المأمور» (١).
وقال الإمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى- مبينًا حدود التقية، وكيفية استخدامها: «قوله تعالى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل (٢/ ٢٥).
[ ٤٢٩ ]
ــ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقًا وإيضاح، لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة.
ومن يأتي الأمور على اضطرار فليس كمثل آتيها اختيارًا
ويفهم من ظواهر هذه الأبيات: أن من تولى الكفار عمدًا اختيارًا، رغبة فيهم أنه كافر مثلهم» (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى- في ذات المعنى السابق: «وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة، والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين، وتوعد على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب؛ لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع الإيمان، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، فمن والى الكافرين من دون المؤمنين، الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب
_________________
(١) أضواء البيان (١/ ٤٣٧).
[ ٤٣٠ ]