_________________
(١) وورد سؤال على علامة الأمة، الإمام ابن تيمية -﵀- في حكم التتار، الذين امتنعوا عن تحكيم شرائع الإسلام مع إقرارهم بالإسلام ونطقهم للشهادتين، وما حكم من يقاتل مختارًا في صفوفهم من المسلمين، فبين الشيخ -﵀- أن الرافضة الخبثاء الجبناء يقاتلون دومًا مع المشركين -أيًا كان دينهم- ضد المسلمين، ونص على أن كل من قفز من المسلمين إلى معسكر التتار فحكمه حكمهم في الكفر والقتال بل وأشد، لأنه قد استقر في الشريعة أن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي، وإليكم نص السؤال: «ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين، وأعانهم على بيان الحق المبين، وكشف غمرات الجاهلين والزائغين في هؤلاء التتار، الذين يقدمون إلى الشام مرة بعد مرة، وتكلموا بالشهادتين، وانتسبوا إلى الإسلام، ولم يبقوا على الكفر الذي كانوا عليه في أول الأمر فهل يجب قتالهم أم لا؟ وما الحجة على قتالهم، وما مذاهب العلماء في ذلك؟ وما حكم من كان معهم، ممن يفر إليهم من عسكر المسلمين الأمراء وغيرهم؟ وما حكم من قد أخرجوه معهم مكرهًا؟ وما حكم من يكون مع عسكرهم، من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر
[ ٤٤٥ ]
_________________
(١) والتصوف ونحو ذلك؟ فأجاب ﵀ بعد أن بين كفر التتار، ووجوب قتالهم بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - واتفاق أئمة المسلمين، ثم قال: «والرافضة تحب التتار ودولتهم لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين، والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين، وهم كانوا من أعظم الأسباب في دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام، وكانوا من أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام وقتل المسلمين، وسبي حريمهم، وقضية ابن العلقمي وأمثاله مع الخليفة، وقضيتهم في حلب مع صاحب حلب مشهورة، يعرفها عموم الناس، وكذلك في الحروب التي بين المسلمين وبين النصارى بسواحل الشام، قد عرف أهل الخبرة أن الرافضة تكون مع النصارى على المسلمين، وأنهم عاونهم على أخذ البلاد لما جاء التتار. وعز على الرافضة فتح عكة وغيرها من السواحل، وإذا غلب المشركون والنصارى المسلمين، كان ذلك عيدًا ومسرة عند الرافضة. ودخل في الرافضة: أهل الزندقة والإلحاد من النصيرية والإسماعيلية، وأمثالهم من الملاحدة القرامطة وغيرهم، ممن كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. الرافضة جهمية قدرية، وفيهم من الكذب والبدع والافتراء على الله ورسوله أعظم مما في الخوارج المارقين، الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي
[ ٤٤٦ ]
_________________
(١) وسائر الصحابة ﵃ بأمر رسول الله - ﷺ -، بل فيهم من الردة عن شرائع الدين أعظم مما في مانعي الزكاة، الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ فهؤلاء الخوارج المارقون من أعظم ما ذمهم به النبي - ﷺ -: أنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، وذكر أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس. والخوارج مع هذا لم يكونوا يعاونون الكفار على قتال المسلمين، والرافضة يعاونون الكفار على قتال المسلمين؛ فلم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع المسلمين حتى قاتلوا المسلمين مع الكفار، فكانوا أعظم مروقًا عن الدين من أولئك المارقين بكثير كثير. وقد أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج والروافض، ونحوهم إذا فارقوا جماعة المسلمين، كما قاتلهم علي - ﵁ - فكيف إذا ضموا إلى ذلك من أحكام المشركين كنائسًا وجنكسخان ملك المشركين ما هو من أعظم المضادة لدين الإسلام. وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام. وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة: مرتدين، مع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله، قاتلًا للمسلمين.
[ ٤٤٧ ]
_________________
(١) مع أنه والعياذ بالله لو استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله، المحادون لله ورسوله، المعادون لله ورسوله على أرض الشام ومصر في مثل هذا الوقت لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام، ودروس شرائعه. فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت، هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام، فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز، ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه. فمن قفز عنهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير من التتار، فإن التتار فيهم المكره وغير المكره، وقد استقرت السنة: بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة. منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي. ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي، الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة ومالك وأحمد. ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد. ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام.
[ ٤٤٨ ]
ــ
وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه، ولهذا كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار، ويعلم أن المرتدين الذين فيهم من الفرس والعرب وغيرهم شر من الكفار الأصليين، من الترك ونحوهم.
وهم بعد أن تكلموا بالشهادتين، مع تركهم لكثير من شرائع الدين خير من المرتدين من الفرس والعرب وغيرهم.
وبهذا يتبين: أن من كان معهم، ممن كان مسلم الأصل هو شر من الترك، الذي كانوا كفارًا. فإن المسلم الأصلي إذا ارتد عن بعض شرائعه كان أسوأ حالًا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعي الزكاة وأمثالهم ممن قتلهم الصديق، وإن كان المرتد عن بعض الشرائع متفقهًا أو متصوفًا أو تاجرًا أو كاتبًا أو غير ذلك. فهؤلاء شر من الترك، الذين لم يدخلوا في تلك الشرائع، وأصروا على الإسلام.
ولهذا يجد المسلمون من ضرر هؤلاء على الدين ما لا يجدونه من ضرر أولئك، وينقادون للإسلام وشرائعه وطاعة الله ورسوله أعظم من انقياد هؤلاء، الذين ارتدوا عن بعض الدين، ونافقوا في بعضه، وإن تظاهروا بالانتساب إلى العلم والدين (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٢٦) وما بعدها.
[ ٤٤٩ ]