ــ
وليس من المؤمنين في شيء لسعيه في محاربتهم، والعمل على كسر شوكتهم، ولعلو أهل الكفر عليهم.
«حكم من قاتل في صفوف المشركين ضد المسلمين»
طرح الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى- مسألة ثم قام بالإجابة عليها بالتفصيل، فقال رحمه الله تعالى: «مسألة: من صار مختارًا إلى أرض الحرب، مشاقًا للمسلمين أمرتد هو بذلك أم لا؟ ومن اعتضد بأهل الحرب على أهل الإسلام -وإن لم يفارق دار الإسلام- أمرتد هو بذلك أم لا؟
ثم أخذ يذكر الأدلة على جوابه حتى قال -رحمه الله تعالى-: فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من: وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه، وغير ذلك، لأن رسول الله - ﷺ - لم يبرأ من مسلم (١).
وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه
_________________
(١) يشير بذلك إلى قول النبي - ﷺ -: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين» الحديث. أخرجه الترمذي (١٦٠٤)، وأبو داود (٢٢٧٤)، والنسائي (٤٦٩٨)، روي مرسلًا وموصولًا ورجح الإمام البخاري إرساله، انظر سنن الترمذي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢٣٠٤).
[ ٤٤١ ]
_________________
(١) مضطر مكره. وقد ذكرنا: أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازمًا على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم، لأن الوليد بن زيد كان نذر دمه إن قدر عليه، وهو كان الوالي بعد هشام فمن كان هكذا فهو معذور. وكذلك: من سكن بأرض الهند، والسند، والصين، والترك، والسودان، والروم، من المسلمين، فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر، أو لقلة مال، أو لضعف جسم، أو لامتناع طريق، فهو معذور. فإن كان هناك محاربًا للمسلمين معينًا للكفار بخدمة، أو كتابة فهو كافر، وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم، فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذرًا، ونسأل الله العافية. وليس كذلك: من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية، ومن جرى مجراهم، لأن أرض مصر والقيروان، وغيرهما فالإسلام هو الظاهر، وولاتهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام، بل إلى الإسلام ينتمون، وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا. وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فكافر بلا شك، لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام - ونعوذ بالله من ذلك.
[ ٤٤٢ ]
ــ
وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر، فهو ليس بكافر، لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال، من التوحيد، والإقرار برسالة محمد - ﷺ -، والبراءة من كل دين غير الإسلام، وإقامة الصلاة، وصيام رمضان، وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان والحمد لله رب العالمين.
وقول رسول الله - ﷺ -: «أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين» (١) يبين ما قلناه، وأنه ﵇ إنما عني بذلك دار الحرب، وإلا فقد استعمل -﵇- عماله على خيبر، وهم كلهم يهود.
وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يمازجهم غيرهم فلا يسمى الساكن فيهم -لإمارة عليهم، أو لتجارة بينهم- كافرًا، ولا مسيئًا، بل هو مسلم حسن، ودارهم دار إسلام لا دار شرك، لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها، والحاكم فيها، والمالك لها.
ولو أن كافرًا مجاهدًا غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بدين غير الإسلام لكفر بالبقاء معه كل من عاونه، وأقام معه - وإن ادعى أنه
_________________
(١) سنن أبي داود (٢٢٧٤)، وسنن الترمذي (١٦٠٤)، ورجح الإمامان أبو داود والترمذي تبعًا لجبل الحفظ الإمام البخاري إرساله، وقد رواه البيهقي موصولًا، انظر السلسلة الصحيحة (٦٣٦).
[ ٤٤٣ ]
ــ
مسلم - لما ذكرنا.
وأما من حملته الحمية من أهل الثغر من المسلمين فاستعان بالمشركين الحربيين، وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين، أو على أخذ أموالهم، أو سبيهم، فإن كانت يده هي الغالبة وكان الكفار له كأتباع، فهو هالك في غاية الفسوق، ولا يكون بذلك كافرًا، لأنه لم يأت شيئًا أوجب به عليه كفرًا: قرآن أو إجماع، وإن كان حكم الكفار جاريًا عليه فهو بذلك كافر على ما ذكرنا، فإن كانا متساويين، لا يجري حكم أحدهما على الآخر فما نراه بذلك كافرًا -والله أعلم- وإنما الكافر الذي برئ منه رسول الله ﵌، وهو المقيم بين أظهر المشركين. وبالله تعالى التوفيق» (١).
وقال الإمام أبو بكر الجصاص: «قال الحسن بن صالح: من أقام في أرض العدو، وإن انتحل الإسلام، وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين، فأحكامه أحكام المشركين.
وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم، وهو يقدر على الخروج، فليس بمسلم يحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه، وقال الحسن إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام، فهو مرتد بتركه دار الإسلام» (٢).
_________________
(١) المحلى بالآثار (١٢/ ١٢٢ - ١٢٧).
(٢) أحكام القرآن (٥/ ٢٦).
[ ٤٤٤ ]