ــ
الكافرين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار، وعن معاشرتهم وصداقتهم، والميل إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: تخافوهم على أنفسكم، فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من التقية باللسان، وإظهار ما به تحصل التقية» (١).
وقال الإمام أبو بكر الجصاص في باين حدود العلاقة بين المؤمنين والكافرين، ومتى تجوز التقية «قال ابن عباس ﵄: «نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية أن يلاطفوا الكفار -ثم أخذ في ذكر آيات وأحاديث دالة على حرمة موالاة المشركين حتى قال- فهذه الآي والآثار دالة: على أنه ينبغي أن يعامل الكفار بالغلظة والجفوة دون الملاطفة والملاينة، ما لم تكن حالا يخاف فيها على تلف نفسه، أو تلف بعض أعضائه، أو ضررًا كبيرًا يلحقه في نفسه، فإنه إذا خاف ذلك جاز له إظهار الملاطفة والموالاة من غير صحة اعتقاد
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ يعني: أن تخافوا تلف النفس وبعض الأعضاء، فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها» (٢).
وهذا الإمام العلامة سليمان بن عبد الله يحشد عددًا من الأدلة الصحيحة
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ١٢٧).
(٢) أحكام القرآن (٣/ ٣٨٨).
[ ٤٣١ ]
_________________
(١) الصريحة في كفر من والى المشركين خوف الدوائر، أو لأجل دنيا فانية، وبين -﵀- ردة كل من وقع في هذا الأمر الشنيع، ولو لم يتغير اعتقاده في الباطن بصحة الإسلام وببطلان كل ما دونه من الأديان، قال الشيخ سليمان ابن عبد الله -رحمهما الله تعالى-: «بسم الله الرحمن الرحيم اعلم رحمك الله: أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفًا منهم، ومدارة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم؛ وإن كان يكره دينهم ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم، ودخل في طاعتهم، وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها؛ بعدما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله. فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر، من أشد الناس عداوة لله ولرسوله - ﷺ -، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكفر أو افعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان. وقد أجمع العلماء: على أن من تكلم الكفر هازلًا أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفًا وطمعًا في الدنيا، وأنا أذكر بعض الأدلة على ذلك بعون الله وتأييده. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى، وكذلك المشركين لا يرضون عن
[ ٤٣٢ ]
_________________
(١) النبي - ﷺ - حتى يتبع ملتهم، ويشهد أنهم على حق، ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. فإذا كان النبي - ﷺ - لو يوافقهم على دينهم ظاهرًا من غير عقيدة القلب، لكن خوفًا من شرهم ومداهنة، كان من الظالمين، فكيف بمن أظهر لعباد القبور والقباب، أنهم على حق وهدى مستقيم، فإنهم لا يرضون إلا بذلك. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] فأخبر تعالى أن الكفار لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا، ولم يرخص في موافقتهم خوفًا على النفس والمال والحرمة. بل أخبر عمن وافقهم بعد أن قاتلوه ليدفع شرهم، أنه مرتد، فإن مات على ردته بعد أن قاتله المشركون، فإنه من أهل النار الخالدين فيها، فكيف بمن وافقهم من غير قتال؟ فإذا كان من وافقهم بعد أن قاتلوه لا عذر له، عرفت أن الذين يأتون إليهم ويسارعون في الموافقة لهم من غير خوف ولا قتال، أنهم أولى بعدم العذر، وأنهم كفار مرتدون. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ
[ ٤٣٣ ]