ــ وقال أيضًا - رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب، فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب (١).
«حادثة حاطب - ﵁ -، وحكم ما وقع فيه»
لقد حاول كثير من المنهزمين أن يتترسوا بهذه الواقعة، وينفذوا من خلالها إلى أنه لا يوجد ناقض من نواقض الإسلام عنوانه: موالاة الكافرين ونصرتهم على المسلمين. وأرادوا أن يجعلوا هذه الحادثة بفهمهم هم قاعدة كلية ينبغي رد النصوص- التي تفوت الحصر- من الكتاب والسُّنَّة إليها.
ولكن أهل السنة والجماعة تتقرر القواعد الكلية عندهم من نصوص كثيرة من القرآن والسُّنَّة، ثم بعد ذلك ينزلون ويفهمون ما خالف- في الظاهر- مقتضاها على ضوء ما تقرر من معنى القواعد الكلية.
على سبيل المثال: قد تقرر من نصوص الكتاب والسُّنَّة أن الإيمان قول وعمل، وانعقد عليه الإجماع حتى صار معلومًا بالاضطرار من الدين. ثم جاء نص في ظاهره مخالفة ما تقرر من مقتضى هذه القاعدة، وهو قوله - ﷺ - في حق الجهنميين «فيقبض- أي أرحم الراحمين ﷾- قبضة من النار
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٣).
[ ٤٦١ ]
ــ
فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط (١). الحديث
وهنا نحن أمام منهجين:
أ- منهج أهل السُّنَّة والعدل: فيقولون بمقتضى القاعدة المقررة من نصوص تفوق الحصر، من الكتاب والسُّنَّة بفهم سلف الأمة وأئمتها، وهو أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال من الإيمان، ثم بعد ذلك يحاولون الجمع بين مقضى القاعدة وهذا النص الجزئي، فإن تعذر ذلك، عملوا بمقتضى القاعدة الكلية وتركوا العمل بمقتضى النص الجزئي، لئلا يتركوا العمل بالنصوص الكثيرة المقررة للقاعدة الكلية.
ب- منهج أهل البدع والظلم: يجعلون معنى النص الجزئي قاعدة كلية، ثم يقومون برد النصوص الكثيرة إليها.
فيقولون هنا: هذا الحديث يقطع بخروج الأعمال من الإيمان، ومن ثم فالإيمان هو الاعتقاد والقول فقط دون الأعمال.
وأهل السُّنَّة يقولون هنا: قوله - ﷺ -: «لم يعملوا خيرًا قط» يطلق على من عمل أعمالًا من أعمال البر، إلا أنها قليلة تكاد لا تذكر في جانب الأعمال السيئة الأخرى، ولا أدلّ على ذلك من حديث الرجل الذي قتل مائة نفس فعندما اختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، قالت ملائكة العذاب:
_________________
(١) صحيح مسلم (١٨٣)
[ ٤٦٢ ]
ــ
«لم يعمل خيرًا قط» (١). مع أن الرجل ذهب إلى الراهب ليسأله عن التوبة، ثم ذهب إلى العالم ليسأله عن التوبة بعد ندمه على قتل الراهب، ثم امتثل وعمل كل ما قاله العالم له من شروط التوبة وكل ذلك من أعمال البر، لكنها بجانب سيئاته ومعاصيه، فكأنه لم يعمل خيرًا قط.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي- رحمه الله تعالى- " والمراد بقوله: (لم يعملوا خيرًا قط) من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم" (٢).
قلت ولا شك أن التوحيد قول وعمل واعتقاد، وهذا دليل على فعل بعض الأعمال الصالحة.
وقد ساغ في لغة العرب أن يؤتى بلفظ الكل ويكون المراد به البعض لا الكل.
قال الإمام الحافظ ابن عبد البر-رحمه الله تعالى- في بيان هذه القاعدة المهمة، في أثناء شرحه لحديث الرجل الذي أمر بذرّ نفسه، والمعروف بحديث القدرة: «روي من حديث أبي رافع، عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال: قال رجل (لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد) وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال غير جائز أن يُغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله - ﷿- قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن
_________________
(١) متفق عليه، انظر البخاري (٣٤٧)، وصحيح مسلم (٢٧٦٦).
(٢) التخويف من النار/٢٥٩.
[ ٤٦٣ ]
ــ
مات كافرً، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة.
وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث: لم يعمل حسنة قط، أو لم يعمل خيرًا قط لم يعذبه إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير.
وهذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض» (١).
نعود لحادثة حاطب ابن أبي بلتعة- فنقول بوجوب فهمهما، وردّ معناها إلى ما تقرر من معنى النصوص المستفيضة في مسألة موالاة الكفار، والحكم بالردة على أصحابها، ولو كانوا ما وقعوا في نصرتهم ومظاهرتهم إلا بسبب عرض من الدنيا زائل بعلة الخوف من غائلة دوائر الدهر، ونحو ذلك.
وقد تقدم بعض من هذه النصوص وما سكتنا عنه فهو مثله أو أكثر.
وإليكم قصة حاطب - ﵁ -، عن عبيد الله بن أبي رافع، وكان كاتبًا لعلي بن أبي طالب - ﵁ - قال: سمعت عليًّا يقول: بعثني رسول الله - ﷺ - أنا والزيير والمقداد، فقال «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: هلمي الكتاب، قالت: ما عندي من كتاب، فقلت: لتخرجن
_________________
(١) التمهيد (١٨/ ٤٠)
[ ٤٦٤ ]
_________________
(١) الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي - ﷺ - فإذا هو من حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله - ﷺ - فقال: «ما هذا يا حاطب؟» فقال: يا رسول الله لا تعجل عليَّ فإني كنتُ امرأ ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وإن قريشًا لهم بها قرابات يحمون بها أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي بها، والله يا رسول الله ما كان بي من كفر ولا ارتداد، فقال رسول الله - ﷺ -: «صدقكم» فقال عمر - ﵁ -: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله - ﷺ -: «قد شهد بدرًاَ، ويدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١). وبادئ ذي بدء عند النظر في هذا الحديث نجد فيه ما يلي:
(٢) أن حاطبًا - ﵁ - قد أراد أن يصنع يد له عند مشركي قريش بفعل لا يعود بالضرر على رسول الله - ﷺ - والمسلمين، فهو يعلم يقينًا أن الله ناصر رسولهﷺ- وأنه متم له دينه، وعليه فهذا الفعل لن يستفيد منه المشركون بنصرة على المسلمين، وهذا بخلاف من يصنع يدًا للكفار ليتنصروا بها على المسلمين، وليلحق الضرر بهم. ففي بعض الروايات لما سأل النبي - ﷺ - حاطبًاَ عن سبب صنيعه فقال حاطب - ﵁ -: يا رسول الله كان أهلي فيهم فخشيت أن يصرموا عليهم،
(٣) متفق عليه: صحيح البخاري (٣٠٨١)، وصحيح مسلم (٢٤٩٤)، وسنن أبي داود (٢٢٧٩) واللفظ له.
[ ٤٦٥ ]
_________________
(١) فقلت: أكتب كتابًا لا يضر الله ورسوله - ﷺ - (١). وفي رواية: «فقال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبًاَ فيهم، كان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا، وقد علمتُ أن الله ﷿ ينزل بهم بأسه، وكتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه رسول الله وعذره» (٢) وفي رواية: فقال أي رسول الله - ﷺ -: (يا حاطب أفعلت؟)، قال: نعم إني لم أفعله غشًّا لرسول الله - ﷺ -، ولا نفاقًا، ولقد علمت أن الله سيظهر رسوله، ويتم أمره غير أني كنت غريبًا بين ظهرانيهم فكانت أهلي معهم، فأردت أن أتخذها عندهم يدًا. (٣) وفي رواية أخرجها الإمام أحمد في مسنده، عن جابر بن عبد الله - ﵁ - «أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة، يذكر أن رسول الله - ﷺ - أراد غزوهم فدل رسول الله - ﷺ - على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها فأخذ»
(٢) أخرجه أبو يعلي والحاكم وصححه، وابن مردويه والضياء في المختارة، قاله السيوطي في الدر المنثور (٩/ ٤٧٨).
(٣) انظر زاد المسير (٦/ ١٦)
(٤) صحيح ابن حبان (٤٨٨٤)
[ ٤٦٦ ]
_________________
(١) كتابها من رأسها، قال: (يا حاطب أفعلت؟) قال: نعم، قال: أما إني لم أفعله غشًا لرسول الله - ﷺ - ولا نفاقًا. قد علمت أن الله مظهر رسوله، ومتم له أمره غير أني كنت غريبًا بين ظهرانيه وكانت والدتي معهم فأردت أن أتخذ يدًا) (١). فهذا عذر حاطب - ﵁ - واضح جلي، أراد أن يصنع يدًا له عند الكفار ليحمي بها أهله وماله، عن طريق فعل لن يعود منه ضرر على الإسلام وأهله، وتأول أن خوفه على أهله وماله يُجوز له هذا الفعل، لأنه بمثابة المكره على فعل الكفر، ولأن الله قد أجاز للمسلم عند ظهور الكفار وغلبتهم أن يصانعهم في الظاهر بقدر ما يدرأ عنه به شرهم، لكن بشرط أن يكون قلبه مطمئنًاَ بالإيمان في الباطن، ودون أن يقع في سفك دم حرام، أو أخذ مال حرام، ودون أن يعين على ذلك. قال أبو بكر الجصاص: «ظاهر ما فعله حاطب لا يوجب الردة، وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز له ليدفع به عن ولده وماله، كما يدفع عن نفسه بمثله عند التقية، ويستبيح إظهار كلمة الكفر. ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذي كتبه فإنه لا يوجب الإكفار،
(٢) مسند أحمد (١٤٢٤٧)، وقال الحافظ ابن كثير: هذا الحديث إسناده على شرط مسلم، انظر البداية والنهاية (٤/ ٣٢٥)، وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح (٩/ ٣٠٣).
[ ٤٦٧ ]
_________________
(١) ولو كان ذلك يوجب الإكفار لاستتابه النبي - ﷺ -، فلمّا لم يستتبه وصدقه على ما قال، عُلم أنه ما كان مرتدًا وفي هذه الآية دلالة على أن: الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه لأن الله نهي المؤمنين عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله، وكذلك قال أصحابنا: إنه لو قيل لرجل: لأقتلن ولدك أو لتكفرن. إنه لا يسعه إظهار الكفر. ومن الناس من يقول فيمن له على رجل مال، فقال: لا أقر لك حتى تطرح عني بعضه، فحط عنه بعضه، أنه لا يصح الحط عنه وجعل خوفه على ذهاب ماله بمنزلة الإكراه على الحط، وهو فيما أظن مذهب ابن أبي ليلي. وما ذكرناه يدل على صحة قولنا، ويدل على أن الخوف على المال والأهل لا يبيح التقية؛ لأن الله فرض الهجرة على المؤمنين، ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأهلهم. فقال: ٍ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ الآية [التوبة:٢٤] وقال: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧]. (١) وقال الحافظ ابن كثير مؤكدًا على هذا المعنى: «فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ
(٢) أحكام القرآن، للجصاص (٩/ ٤٩ - ٥٠).
[ ٤٦٨ ]
_________________
(١) مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم، ونهى أن يُتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾﴾ [النساء:١٤٤]، وقال تعالى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ ولهذا قبل رسول الله - ﷺ - عُذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد (١). وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «قال القاضي أبو يعلي: في هذه القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، كما يبيح في الخوف على النفس، ويبين ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة، ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأولادهم. وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له ليدفع به عن ولده، كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل
(٢) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٨٥ - ٨٦)
[ ٤٦٩ ]
_________________
(١) ذلك عند التقيَّة» (١) وقال الشيخ مباركفوري موصفا فعل حاطب - ﵁ -: «وعذر حاطب ما ذكره فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه» (٢). وقال الإمام ابن مفلح: «قال ابن الجوزي في كشف المشكل: تقرب إلى القوم ليحفظوه في أهله؛ بأن أطلعهم على بعض أسرار رسول الله - ﷺ - في كيدهم وقصد قتالهم، وعلم أن ذلك لا يضر رسول الله - ﷺ - لنصرة الله إياه، وهذا الذي فعله أمر يحتمل التأويل، ولذلك استعمل رسول الله - ﷺ - فيه حسن الظن وقال: (إنه قد صدقكم). وقد دل الحديث على أن حكم المتأول في استباحة المحظور خلاف حكم المتعمد لاستحلال من غير تأويل، ودل على أن من أتى محظورًا، وادعى في ذلك ما يحتمل التأويل كان القول قوله في ذلك وإن كان غالب الظن بخلافه، وقال عن قول عمر: «وهذا لأنه رأى صورة النفاق، ولما احتمل قول عمر، وكان لتأويله مساغ لم ينكر عليه الرسول - ﷺ -» (٣)
(٢) وإذا نظرنا إلى محتوى كتاب حاطب - ﵁ - الى المشركين، الذي
(٣) زاد المسير (٦/ ١٧).
(٤) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (٨/ ١٧٠).
(٥) الفروع لابن مفلح (١١/ ٢١٨).
[ ٤٧٠ ]
_________________
(١) يخبرهم فيه بقدوم النبي - ﷺ - فاتحًا لديارهم، إذا نظرنا إليه وجدنا فيه اليقين الكامل بوعد الله لرسوله - ﷺ -، وصدقه التام فيما أدلى به من حجة بين يدي نبي الإسلام ﵇. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: «وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب: أن رسول الله - ﷺ - قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم، فإنه منجز له ما وعده» (١). وزاد القرطبي: «وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه وناصره» (٢). فهذا كتاب حاطب للمشركين، ليس فيه محذور إلا مجرد إخباره بسير النبي - ﷺ - إليهم، ليس فيه ذكر لكشف عوارات المسلمين، وليس فيه ذكر لنقل أية أسرار عسكرية من شأنها أن تمكن الكفار من رقاب المؤمنين، وليس فيه ذكر لشيء من شأنه أن يساعد على كسر شوكة الموحدين
(٢) ومع كل هذه القرائن التي ذكرناها في النقطة الأولى إلا أن فعل حاطب - ﵁ - كان في غاية الخطورة، بل وكان مترددًا بين الكفر البواح
(٣) البداية والنهاية (٤/ ٣٢٤).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٣٩٦).
[ ٤٧١ ]
_________________
(١) وبين كونه من كبائر الذنوب، بسبب تأويله الذي ذكرناه، ولا أدل على ذلك من اجتهاده في يمينه أنه ما فعل ذلك غشًا لرسول الله - ﷺ -، ولا نفاقًا، ولا ردة عن دينه ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، بل وأقسم أنه ناصح لله ورسوله - ﷺ -. فقال - ﵁ - بعد سؤال النبي - ﷺ - له: (ما حملك على ما صنعت؟): «مالي أن لاأكون مؤمنًا بالله ورسوله» (١) وفي رواية: «والله ما كفرت، ولا ازددت للإسلام إلا حبًّا (٢) وفي رواية: «لم أفعله كفرًا، ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام» (٣)، وفي رواية: «أما إني لم أفعله غشًّا لرسول الله - ﷺ - ولا نفاقًا قد علمت أن الله مظهر رسوله، ومتم له أمره» (٤) وهذه الروايات تدل دلالة واضحة على أن حاطبًا - ﵁ - كان يعلم خطورة فعله، وأن ظاهره قد يدل على الكفر البواح، ولذلك أخذ يعتذر بكل هذه المعاذير؛ ليبعد شبهة الردة عنه.
(٢) صحيح البخاري (٦٩٣٩).
(٣) صحيح البخاري (٣٠٨١).
(٤) صحيح مسلم (٢٤٩٤).
(٥) قد تقدم تخريجها.
[ ٤٧٢ ]
_________________
(١) استئذان الفاروق عمر - ﵁ - في قتل حاطب، ورميه إياه بالنفاق المخرج عن الملة، وهو من أعلم الصحابة بنواقض الإسلام، مع عدم إنكار النبي - ﷺ - له في ذلك دليل على أن الأصل في هذا الفعل هو ضرب عنق الفاعل، وإلا لأنكر النبي - ﷺ - على عمر - ﵁ -، وقال له مثلًا كيف تستبيح دم مسلم بفعل لا علاقة له بنواقض الإسلام، ولا بإباحة الدماء؟ فلو فرضنا أن المسألة كانت في سرقة متاع، ثم استأذن عمر - ﵁ - في ضرب عنقه، هل يتصور أن النبي - ﷺ - يسكت عن استئذانه، ويغض الطرف عنه؟!! قال الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- في هذا الحديث: طرح الحكم باستعمال الظنون، لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب، كما قال من أنه لم يفعله شكًا في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله وبسط الكلام فيه (١).
(٢) تعليل النبي - ﷺ - لعدم قتل حاطب - ﵁ - بأنه «قد شهد بدرًا» دليل على ضرب عنق كل من أقدم على هذا الفعل من غير أهل بدر. فلو كان المانع من قتله إسلامه لعلل به النبي - ﷺ - فلما لم يعلل بالعلة
(٣) أحكام القرآن للشافعي (١/ ٢٣١)
[ ٤٧٣ ]
_________________
(١) العامة «الإسلام»، وعلل بالعلة الخاصة «شهود بدر» دل ذلك على إلغاء تأثير وصف العلة العامة، وإبطال كونها الحكمة من عدم قتله، واستباحة دمه (١).
(٢) «إن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر، متأولًا وغضبًا لله ورسوله ودينه، لا لهواه وحظه فأنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه» (٢). ولا شك أن هذا يكون في رجل عدل ضابط لأصول وقواعد الإيمان والكفر، ويكون عارفًا بشروط وضوابط وموانع التكفيرـ ومتى يقع دون إقامة حجة، ومتى لا يقع إلا بعد إقامتها. وبعد عرضنا وتحليلنا لقصة حاطب، مع إيراد رواياتها وكلام أهل العلم عليها، بعد ذلك هل تبقى أدنى شبهة لهؤلاء؟ الذين لا يرون كفر من قاتل في صفوف الكفار ضد المسلمين بدعوى الاستناد لفقه قصة حاطب «زعموا» فالله هو الموعد عنده تلتقي الخصوم
(٣) انظر زاد المعاد (٣/ ١٠٤).
(٤) قاله ابن القيم تعليقًا على رمي عمر لحاطب بالنفاق، انظر: زاد المعاد (٣/ ٣٧١).
[ ٤٧٤ ]