وقال ابن وضَّاح «في كتاب البدع والحوادث» (١) بعد حديث ذكره: أنه سيقع في هذه الأمة فتنة الكفر وفتنة الكفر وفتنة الضلالة.
قال ﵀: إن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي ولا الأموال، وقال ﵀ أيضًا (٢).
أخبرنا أسد، أخبرنا رجل، عن ابن المبارك، قال: قال ابن مسعود - ﵁ -: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًّا من أوليائه يذب عنه وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله. قال ابن المبارك: وكفى بالله وكيلًا، ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف (٣)، قال: لأن أرد رجلًا عن رأي سيئ أحب إلى من اعتكاف شهر.
أخبرنا أسد، عن أبي إسحاق الحذاء، عن الأوزاعي قال: كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صدقة، ولا صيامًا، ولا جهادًا، ولا حجًا، ولا صرفًا ولا عدلًا، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم. قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس ما كان لأحد أن يهتك عنهم سترًا، ولا يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها أو بالتوبة عليها، فأما إذا جاهروا به، فنشر العلم حياة، والبلاغ عن رسول الله - ﷺ - رحمة، يعتصم بها على مصرٍّ ملحد.
_________________
(١) كتاب البدع (١/ ٢٧٢).
(٢) كتاب البدع (١/-٣ - ١٨١).
(٣) هو عبد الكريم أو أمية.
[ ٤٩٣ ]
ثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة، وأبو موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلًا ضرب بسيفه غضبًا لله حتى قُتل أفي الجنة أم في النار؟
فقال أبو موسى: في الجنة فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما كان في الثالثة قال: والله لا أستفهمه، فدعا به حذيفة فقال: رويدك، وما يدريك أن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يُصب الحق ولم يوفقه الله للحق فهو في النار، ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا، ثم ذكر بإسناد عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يُمرض قلبك.
ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث:
إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به، فيدخله الله النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموه وإني واثق بنفسي. فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه، ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقِّره فقد أعان على هدم الإسلام.
أخبرنا أسد قال: حدثنا كثير أبو سعيد قال: من جلس إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه. أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل
[ ٤٩٤ ]
الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون.
قال أيوب- وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب.
أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا زيد، عن محمد بن طلحة قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. أخبرنا أسد بالإسناد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) (١).
أخبرنا أسد، أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: دخل على محمد بن سيرين يومًا رجل فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج، فوضع أصبعيه في أذنيه ثم قال: أُحَرِّجُ عليك إن كنت مسلمًا لما خرجت من بيتي. قال فقام بإزاره يشده عليه، وتهيأ للقيام، فأقبلنا على الرجل فقلنا: قد حَرَّج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلًا من بيته؟ قال فخرج. فقلنا يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج.
_________________
(١) مسند أحمد (٧٦٨٥)، وأخرجه الحاكم، وقال صحيح إن شاء الله، ووافقه الذهبي على لفظة المستدرك (٧٢٣٠). وعزاه العجلوني إلى أبي داود والترمذي وقال: حسنه البيهقي. وتساهل ابن الجوزي فأورده في الموضوعات، وخطأه الزركشي، وحسنه الحافظ، انظر كشف الخفاء (٢/ ١٢٧٨)، وحسنه الألباني، انظر كتاب الإيمان لابن تيمية بتحقيقه/٥٥.
[ ٤٩٥ ]
قال إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكنني خفت أن يلقي في قلبي شيئًا، أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع.
أخبرنا أسد قال: أخبرنا ضمرة، عن سودة قال سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول: ما كان عبد على هوى فتركه إلا آل إلى ما هو شر منه قال: فذكرت هذا الحديث لبعض أصحابنا فقال: تصديقه في حديث عن النبي - ﷺ -: (يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلى فوقه) (١).
أخبرنا أسد قال أخبرنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن زيد، عن أيوب قال كان رجل يرى رأيًا فرجع عنه، فأتيت محمدًا فرحًا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه الذي كان يَرى.
فقال: انظروا إلى ما يتحوَّل، إن آخر الحديث أشدُّ عليهم (٢) من أوله (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه) (٣) ثم روى بإسناده عن حذيفة أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفِّه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفًا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الِّدين كما دفنت هذه الحصاة.
_________________
(١) صحيح البخاري (٧٥٦٢)
(٢) أي على الخوارج، ونحوهم من أهل البدع والأهواء.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٤٩٦ ]
أخبرنا محمد بن سعيد بإسناد، عن أبي الدرداء قال: لو خرج رسول الله - ﷺ - اليوم إليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم.
قال عيسى: يعني الراوي عن الأوزاعي - فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان.
أخبرنا محمد بن سليمان بإسناده، عن علي أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان يُنكر الحق فيه تسعة أعشارهم.
أخبرنا يحيى بن يحيى بإسناده، عن أبي سهل بن مالك، عن أبيه أنه قال: ما أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة.
حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال: ما أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة.
حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال ما أعرف منكم شيئًا كنت أعهده على عهد رسول الله - ﷺ - ليس قولكم لا إله إلا الله.
أخبرنا محمد بن سعيد قال: نا أسد بإسناده، عن الحسن قال: لو أن رجلًا أدرك السلف الأول، ثم بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا قال: ووضع يده على خدِّه، ثم قال: إلا هذه الصلاة؛ ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرا -ولم يدرك هذا السلف الصالح- فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى
[ ٤٩٧ ]
دنياه فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحنُّ إلى ذكر هذا السلف الصالح، يسأل عن سبيلهم ويقتصُّ آثارهم، ويتبع سبيلهم ليعوَّض أجرًا عظيمًا، فكذلك فكونوا إن شاء الله تعالى.
حدثني عبد الله بن محمد بإسناده، عن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلًا نُشر فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة.
أخبرنا محمد بن قدامة الهاشمي بإسناده، عن أم الدرداء قالت دخل عليَّ أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد - ﷺ - شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا. وفي لفظ: لو أن رجلًا تعلم الإسلام وأهمه ثم تفقده ما عرف منه شيئًا.
حدثني إبراهيم بإسناده، عن عبد الله بن عمرو قال: لو رجلان من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئًا مما كانا عليه.
قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة - ﵁ - تلا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١، ٢].
فقال: والذي نفسي بيده إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا.
قف تأمل رحمك الله: إذا كان هذا في زمن التابعين بحضرة أواخر الصحابة، فكيف يغتر المسلم بالكثرة، أو تشكل عليه، أو يستدل بها على الباطل.
[ ٤٩٨ ]
ثم روى ابن وضاح (١) بإسناده عن أبي أمية قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تصنع في هذه الآية فقال: أية آية؟ قال قول الله تعالى: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
قال: أما والله قد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله - ﷺ - فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًا مطاعًا وهوى مُتبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام. فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله، قيل يا رسول الله أجر خمسين منهم، قال أجر خمسين منكم» (٢) ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: طوبى للغرباء ثلاثًا، قالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم (٣).
_________________
(١) البدع لابن وضاح.
(٢) سنن أبي داود (٤٣٤١)، وسنن الترمذي وقال: حسن غريب ٣٥٨، وصححه ابن حبان (٣٨٥)، وقال الألباني: صحيح لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب (٣١٧٢).
(٣) نسبه الهيثمي في المجمع إلى مسند أحمد، والأوسط للطبراني، وقال: وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف -المجمع (١٢١٩١).
[ ٤٩٩ ]
أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده عن المعافري قال: قال رسول الله - ﷺ - «طوبى للغرباء الذين يتمسكون بكتاب الله حين ينكر، ويعملون بالسُّنَّة حين تُطفأ» (١).
أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا أسد بإسناده عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: (بدأ الإسلام غريبًا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس) (٢)، نا محمد بن يحيى، نا أسد بإسناده عن عبد الرحمن، أنه سمع رسول الله يقول: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) (٣) هذا آخر ما نقلته من كتاب البدع والحوادث للإمام الحافظ محمد بن وضاح - ﵀ - (٤١/ش).
ــ
(٤١/ش) هذا سبيل أهل السُّنَّة والجماعة في معاملة أهل البدع والشقاق، حتى يظل المنهج القويم الذي تركه لنا رسولنا الأمين - ﷺ - ظاهرًا واضحًا نقيًا من شوائب البدع والمحدثات. وحتى يظل الطريق مسدودًا أمام أهل الزندقة
_________________
(١) لم أجد له ذكر إلا في كتاب الاعتصام للشاطبي أثناء كلامه على حديث الغربة، ولم يزد على قوله، وفي رواية لابن وهب، ثم ساق هذه الرواية انظر: الاعتصام (١/ ١٢).
(٢) بحثت عنه فلم أجده بهذا اللفظ.
(٣) مسند أحمد (١٦٧٣٦)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٧٣).
[ ٥٠٠ ]