_________________
(١) لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهودًا أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. الآية. وأما قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فإنه عني بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم، معرفًا بذلك عباده المؤمنين: أن من كان لهم أو لبعضهم وليًا، فإنما هو وليهم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حرب، فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض ولليهودي والنصراني حربًا كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء، لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحرب، ومنهم البراءة، وأبان قطع ولايتهم. تأويل الكلام إذا: فترى يا محمد الذين في قلوبهم مرض، وإيمان بنبوتك، وتصديق ما جئتهم به من عند ربك ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ يعني: في اليهود والنصارى، ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في موالاتهم ومصانعتهم ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾، يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى خوفًا من دائرة تدور علينا من عدونا، ويعني بالدائرة الدولة، كما قال الراجز: «ترد عنك القدر المقدورا ودائرات الدهر أن تدورا»
[ ٤١٤ ]
ــ
يعني: أن تدول للدهر دولة فنحتاج إلى نصرتهم إيانا فنحن نواليهم لذلك.
وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدًا - ﷺ - أن يأتي به هو الجزية؛ ويحتمل أن يكون غيرها. غير أنه أي: ذلك كان فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله ومما يسوء المنافقين ولا يسرهم، وذلك أن الله -تعالى ذكره- قد أخبر عنهم أن ذلك الأمر إذا جاء أصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين» (١).
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذي هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
ثم قال: -أي ابن أبي حاتم- حدثنا محمد بن الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية.
_________________
(١) تفسير الطبري (٤/ ٦١٥).
[ ٤١٥ ]
ــ
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك وريب ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: يبادرون إلى موالاتهم في الباطن والظاهر. ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك عند ذلك» (١).
وقال الإمام السيوطي -رحمه الله تعالى- في سبب نزول الآيات: «أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: «لما حاربت بنو قينقاع رسول الله - ﷺ -، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي بن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - ﷺ -، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وكان أحد بني عوف من الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من عبد الله بن أبي بن سلول، فخلعهم إلى رسول الله - ﷺ -، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم. وفيه، وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس -﵄- قال: أسلم عبد الله بن أبي بن سلول
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٣٢).
[ ٤١٦ ]
ــ
ثم قال: إن بيني وبين قريظة والنضير حلفًا، وإني أخاف الدوائر فارتد كافرًا، وقال عبادة بن الصامت: أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله ورسوله فنزلت» (١).
وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: «قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ أي: يعضدهم على المسلمين ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ بين تعالى أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أبي، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة» (٢).
وقال الإمام الشوكاني مبينًا أن حكم هذه الآية عام لجميع المسلمين، ومطالب به كل المؤمنين: «قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا﴾، الظاهر أنه خطاب للمؤمنين حقيقة، وقيل المراد بهم المنافقون، ووصفهم بالإيمان باعتبار ما كانوا يظهرونه، وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى فنهوا عن ذلك.
والأولى أن يكون خطابًا لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهرًا وباطنًا، أو ظاهرًا فقط، فيدخل المسلم والمنافق، ويؤيد هذا قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والاعتبار بعموم اللفظ، وسيأتي في بيان سبب نزول الآية ما يتضح به المراد.
والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في
_________________
(١) الدر المنثور (٣/ ٩٨).
(٢) تفسير القرطبي (٦/ ٢١٧).
[ ٤١٧ ]
ــ
المصادقة والمعاشرة والمناصرة
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ﴾، أي: فإنه من جملهم وفي عدادهم، وهو وعيد شديد، فإن المعصية الموجبة للكفر، هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ تعليل للجملة التي قبلها، أي: أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر، كمن يوالي الكافرين ..
وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة قال: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وهو لا يشعر. وتلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾» (١).
وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى مبينًا عموم حكم هذه الآية لجميع المؤمنين: «اختلفوا في نزول هذه الآية، وإن كان حكمها عامًا لجميع المؤمنين
قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: نفاق يعني عبد الله بن أبي، وأصحابه من المنافقين، الذي يوالون اليهود: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ في معونتهم وموالاتهم ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ دولة يعني: أن يدول الدهر دولة فنحتاج إلى نصرهم إيانا، وقال ابن عباس ﵄: «معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور الأمر علينا، وقيل: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه.
_________________
(١) فتح القدير (٢/ ٧٣ - ٧٤).
[ ٤١٨ ]
ــ
من جذب وقحط فلا يعطونا الميرة» (١).
وقال الإمام ابن تيمية مبينًا أن موالاة الكفار المنهي عنها في هذه الآيات تقع غالبًا بسبب الدنيا، دون أن يمس ذلك اعتقاد الموالي لهم بصحة الإسلام، قال هذا في معرض الرد على الجهمية: «ولم يكف الجهمية أن جعلوا كل كافر جاهلًا بالحق حتى قالوا: هو لا يعرف أن الله موجود حق، والكفر عندهم ليس هو الجهل بأي حق كان، بل الجهل بهذا الحق المعين، ونحن والناس كلهم يرون خلقًا من الكفار يعرفون في الباطن أن دين الإسلام حق ويذكرون ما يمنعهم من الإيمان: إما معاداة أهلهم، وإما مال يحصل لهم من جهتهم يقطعونه عنهم، وإما خوفهم إذا آمنوا أن لا يكون لهم حرمة عند المسلمين كحرمتهم في دينهم، وأمثال ذلك من أغراضهم التي يبينون أنها المانعة لهم من الإيمان، مع علمهم بأن دين الإسلام حق ودينهم باطل.
وهذا موجود في جميع الأمور التي هي حق، يوجد من يعرف بقلبه أنها حق، وهو في الظاهر يجحد ذلك، ويعادي أهله، لظنه أن ذلك يجلب له منفعة، ويدفع عنه مضرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ *
_________________
(١) تفسير البغوي (١/ ٦٧).
[ ٤١٩ ]
ــ
وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٣].
والمفسرون متفقون: على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام، وفي قلبه مرض خاف أن يغلب أهل الإسلام، فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقادهم: أن محمدًا كاذب واليهود والنصارى صادقون» (١).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- مبينًا كفر المسلم إذا والى المشرك، ولو لم يشرك: «اعلموا: أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح، إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على الموحدين، ولو لم يشرك، أكثر من أن تحصر، من كلام الله -﷿-، وكلام رسوله - ﷺ -، وكلام أهل العلم كلهم» (٢).
وقال أيضًا في نواقض الإسلام العشرة: «الناقض الثامن مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾» (٣).
وتحدث الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن نواقض الإسلام فذكر منها:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١١١ - ١١٢).
(٢) الدرر السنية (١٠/ ٨ - ٩).
(٣) عقيدة الموحدين/ ٤٥٧.
[ ٤٢٠ ]
ــ
الأمر الثاني من النواقض: انشراح الصدر لمن أشرك بالله وموادة أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧]، فمن فعل ذلك، فقد أبطل توحيده ولو لم يفعل الشرك بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. قال شيخ الإسلام: أخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، فمن واده فليس بمؤمن، قال: والمشابهة مظنة الموادة فتكون محرمة.
الأمر الثالث: موالاة المشرك، والركون إليه، ونصرته، وإعانته باليد، أو اللسان، والمال، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] وهذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين في هذه الأمة، فانظر أيها السامع أين تقع من هذا الخطاب وحكم هذه الآيات» (١).
وقال الشيخ حمد بن عتيق: «قد دل القرآن والسنة على أن المسلم إذا
_________________
(١) فتاوى الأئمة النجدية (٣/ ٤٤١ - ٤٤٣).
[ ٤٢١ ]
ــ
حصلت منه موالاة أهل الشرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]، مع قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأمعن النظر في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وأدلة هذا كثيرة» (١).
لا شك أن التوحيد مناقض ومضاد للشرك من كل وجه، وهكذا ينبغي أن تكون العلاقة بين أهل التوحيد وأهل الكفر المحاربين، وأن يكون الفرق بين المعسكرين كالفرق بين معتقد كل منهما.
فالمسلم مطالب دومًا بتميزه عن المشرك، وأن يكون هذا التميز تحت راية الله وحدها، داخل معسكر العصبة المؤمنة الموحدة لربها بالألوهية والربوبية، والمفردة له بالطاعة والعبادة.
ولما كان ذلك كذلك، صار لا فرق في حس المؤمن، في تحقيق البراءة من المشركين، من أن يكونوا من ذوي قربى، أم غير ذلك.
ومن ثم كان مستحيلًا على المؤمن بالله واليوم الآخر أن يواد أعداء الله، ولو كانوا أقرب الناس إليه. لأن حب الله لا يجتمع مع حب أعدائه في قلب
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٧٤٥ - ٧٤٦).
[ ٤٢٢ ]