ــ
وقال الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد -رحمهم الله تعالى- في أثناء جواب لهما: «المسألة الحادية عشرة: رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم، ولكن لا أقدر أن أكفر أهل لا إله إلا الله، ولو لم يعرفوا معناها، ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض للقباب، وأعلم أنها لا تنفع ولا تضر، ولكن ما أتعرضها.
الجواب: أن الرجل لا يكون مسلمًا إلا إذا عرف التوحيد، ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول - ﷺ - فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به.
فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلا الله، ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلمًان بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]» (١).
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن -رحمهم الله تعالى-: عمن كان في سلطان المشركين، وعرف التوحيد وعمل به، ولكن ما عاداهم، ولا فارق أوطانهم؟
_________________
(١) الدرر السنية (١٠/ ١٣٩ - ١٤٠)
[ ٤٠٨ ]
ــ
فأجاب: هذا السؤال صدر عن عدم التعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به، لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به، ولا يعادي المشركين، ومن لم يعادهم لا يقال له: عرف التوحيد وعمل به، والسؤال متناقض، وحسن السؤال مفتاح العلم.
وأظن مقصودك: من لم يظهر العداوة ولم يفارق، ومسألة إظهار العداوة، غير مسألة وجود العداوة، فالأول يعذر به مع العجز والخوف، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، والثاني لا بد منه لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حب الله ورسوله تلازم كلي، لا ينفك عنه المؤمن، فمن عصى الله بترك إظهار العداوة، فهو عاص لله.
فإذا كان أصل العداوة في قلبه، فله حكم أمثاله من العصاة، فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة، فله نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] لكنه لا يكفر، لأن الآية فيها الوعيد لا التكفير» (١).
وقال علامة الأمة، الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- مبينًا أن الإيمان لا يصح إلا بالبراءة من الشرك، وأن أهل الملل متفقون على ذلك: «فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا عن عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنًا حتى يتبرأ من عبادة
_________________
(١) الدرر السنية (٨/ ٣٥٩).
[ ٤٠٩ ]
ــ
الأصنام، وكل معبود سوى الله. كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]» (١).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: «وأنت يا من مَنَّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئًا، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل: لا بد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي - ﷺ - وهو على الحق، لكن لا أتعرض اللات، والعزى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله ما عليَّ منهم، لم يصح إسلامه» (٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٨).
(٢) فتاوى الأئمة النجدية (٣/ ٥٧).
[ ٤١٠ ]