من أتى بتوحيد الله سبحانه على الحق الذي يريده، فإن الله يكفر له بتوحيده ذنوبه سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حتى وإن استحق العبد دخول النار فإن الله سيخرجه منها متى ما شاء سبحانه.
[ ٣ / ١ ]
فضل التوحيد وأثره في تكفير الذنوب
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
إن الباب الثاني من كتاب التوحيد كما يقول المصنف ﵀: (بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أخرجاه.
ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».
إن توحيد الله ﷾ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية.
وتوحيد الإلوهية.
وتوحيد الأسماء والصفات.
فمن أتى بالتوحيد على الوجه الذي يريده الله ﷾ فتوحيده يكفر الله ﷿ به ذنوبه مهما بلغت، وذلك إذا أتى بحق لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي دعا النبي ﷺ إليها العرب والعجم وجميع الخلق، فقد دعا الإنس والجن إلى أن يقولوا: (لا إله إلا الله).
وقد عرفت العرب معنى هذه الكلمة، ولذلك رفضوا أن يدخلوا في دين النبي ﷺ في البداية، حتى عرفوا الحق الذي مع النبي ﷺ، وأسلم منهم طوائف، ثم أسلم الباقون بعد ذلك، وعرفوا التوحيد الذي يريده رب العالمين من عباده.
ففضل التوحيد جاء في الأحاديث كما سنرى، أن الذي وحد الله سبحانه وقال: لا إله إلا الله بحق، أي: قال: هذه الكلمة مخلصًا وأتى بشروطها التي أراد الله سبحانه من العباد، فإن هذا يستحق أن يدخل الجنة، ومن كان آخر كلامه قبل مماته (لا إله إلا الله) يغفر الله له بذلك، ويدخله الجنة.
قال: (بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب)، يعني: ما يكفره توحيد العبد ربه من الذنوب من صغائر ومن كبائر، فالله يغفر ويتجاوز، حتى وإن استحق هذا العبد أن يدخل النار بشيء من ذنوبه، ولكن هذه الكلمة في النهاية تنفعه أن يخرج من النار، ويدخل الجنة.
[ ٣ / ٢ ]
معنى الظلم في قوله تعالى: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
في هذه الآية العظيمة ذكر الله ﷿ المؤمنين الذين آمنوا بالله سبحانه، وآمنوا برسوله صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام:٨٢] واللبس بمعنى: الخلط، أي: لم يخلطوا هذا الإيمان بشرك بالله سبحانه.
قال: يقول الله تعالى: (﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] يقول الربيع بن أنس: (الإيمان: الإخلاص لله وحده) يعني: آمن وأخلص لله رب العالمين.
يقول زيد بن أسلم وابن إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه.
يعني: أن الله ﷾ قضى للمؤمن أن يكون من أهل جنته إذا لم يلبس إيمانه بظلم، يعني: بشرك.
يقول ابن مسعود ﵄ كما جاء في الصحيحين: أن الصحابة سألوا النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية: (أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: ليس بذلكم، ألم تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]).
وجاء في لفظ البخاري عن ابن مسعود: (لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قلنا: يا رسول الله! أينا لم يظلم نفسه؟) ثم سرد نفس هذا الحديث العظيم.
وكان الصحابة قد فهموا من الآية أن الظلم على عمومه، والظلم يأتي بمعنى الشرك والكفر بالله سبحانه وهو الظلم الأكبر، ويأتي بمعنى الظلم الذي هو دون ذلك، إما كبيرة من الكبائر، وإما صغيرة من الصغائر، فمنه أن يظلم الإنسان غيره، ومنه أن يظلم الإنسان نفسه، فالصحابة فهموا الآية على إطلاقها وعمومها، فقوله: (ولم يلبسوا) أي: ولم يخلطوا إيمانهم بظلم، فقالوا: ومن منا لم يظلم نفسه؟ فلذلك حزنوا وفزعوا من هذه الآية وذهبوا إلى النبي ﷺ وقد شق عليهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله، فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال ﷺ: (إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]).
ففهموا من حديث النبي ﷺ أن المقصود بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: لم يخلطوا هذا الإيمان بشرك بالله سبحانه، لذا جاءوا بالتوحيد على حقيقته، ولم يشركوا بالله ﷾ شيئًا.
فالظلم في هذه الآية الأصل أنه على عمومه، ولكن بين النبي ﷺ أن المقصود في هذه الآية: خصوص نوع معين من الظلم وهو الظلم الأكبر، وهو الشرك بالله ﷾.
وفسرها بالآية التي في سورة لقمان، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] وهذا أعظم الظلم الذي يظلم الإنسان نفسه به.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والذي شق عليهم: ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه.
وفيها أن من وراء الإيمان الخالص يستفاد الأمن والأمان في الدنيا وفي الآخرة.
في الدنيا: بعصمة الدماء، وبعصمة المال، وبعصمة الأعراض.
وفي الآخرة: ينجيه الله ﷾ من النار.
فلهم هذا الأمن: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: يهديهم الله ﷿ في الدنيا إلى هذا الإسلام العظيم، ويزيدهم إيمانًا، ويهديهم في قبورهم للجواب السديد على الملكين في القبر، ويهديهم يوم القيامة لطريق الجنة، فلهم الأمن وهم مهتدون.
فالصحابة خافوا أن أي ظلم يظلم به الإنسان نفسه يخرجه من هذه الآية، فأخبر النبي ﷺ أن المقصود الظلم الأكبر، وهو الشرك بالله ﷾.
[ ٣ / ٣ ]
أنواع الظلم وتعريف كل نوع وما يلحق بكل نوع من جزاء
يقول شيخ الإسلام ﵀: فبين لهم النبي ﷺ ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله، فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم، فإن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢].
أورثنا الكتاب: يعني: الكتب السماوية ورثها من خلفوا الأنبياء بعدهم، «فَمِنْهُمْ» أي: فمن هؤلاء الذين ورثوا الكتاب: ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] فصاروا ثلاثة أصناف، منهم: الذي يظلم نفسه؛ إما بالظلم الأكبر والشرك بالله، والخروج من الدين وإما بالظلم الأصغر، فمنهم ظالم لنفسه فغلبت سيئاته حسناته.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر:٣٢] أي: له حسنات بقدر السيئات.
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] هذا الذي غلبت حسناته سيئاته، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢].
وهذا كلام شيخ الإسلام، حيث يقول: وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه، بذنب إذا لم يتب.
أي: الذي أذنب وتاب فإن التوبة تجب ما قبلها، لكن إذا أذنب ولم يتب فهو في خطر المشيئة، إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه بهذا الذي وقع فيه، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
فهنا في باب الوعد: عندما تعمل قدر وزن ذرة من الخير، يعطيك الله ﷿ ثوابها.
وفي باب الوعيد: من يعمل مثقال وزن ذرة (نملة) من الشر فالله يرى هذا الشيء ويحاسب عليه، إلا أن يعفو الله ﷾ ويتكرم بالعفو عن عباده.
يقول شيخ الإسلام ﵀: وقد سأل أبو بكر الصديق ﵁ النبي ﷺ عن ذلك فقال: (يا رسول الله! أينا لم يعمل سوءًا؟ فقال: يا أبا بكر! ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ أليس يصيبك اللأواء -أي: الشدة-؟ فذلك ما تجزون به) الحديث رواه أحمد في مسنده وإسناده فيه أبو بكر بن أبي زهير لم يوثقه إلا ابن حبان فقط وشيخه مجهول.
لكن الحديث معناه صحيح، أن الله ﷿ يكفر عن المؤمنين بما يبتليهم به من مصائب، حتى الشوكة يشاكها يكون له فيها أجر، وقد ثبت هذا المعنى عن النبي ﷺ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: (لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال النبي ﷺ: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها).
تنكب الشيء بمعنى: سقط أو وقع على الأرض وجرح بسبب ذلك، فالله ﷿ يؤجره على ذلك؛ فالحديث فيه دليل على أن الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] أي: إلا أن يعفو الله سبحانه ويكفر عن ذلك عندما يكون العبد كثير المصائب في الدنيا.
قال: فإنه يجزى بسيئاته في الدنيا بمصائب، فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام، والاهتداء التام.
فالإنسان يظلم نفسه بأن يشرك بالله سبحانه، فإن الله خلقه ورزقه وعلمه وأرشده لتوحيده فإذا به يشرك بالله في العبادة؛ فهذا ظلم أكبر.
وظلم آخر: ظلم العباد، بأن يسرق مال غيره، ويأكل مال غيره بغصب ونحوه، ويفعل الأشياء التي يؤذي بها الغير.
قال: وظلمه لنفسه بما دون الشرك.
وظلم العبد لنفسه: الوقوع في المحرمات التي هي دون الشرك، فالذي ينجو من هذه الثلاث: من الشرك بالله، ومن ظلمه للعباد، ومن ظلمه لنفسه بما دون الشرك، له الأمن التام، والاهتداء التام.
نسأل الله ﷿ أن يجعل لنا الأمن التام، والاهتداء التام.
قال: ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء المطلق.
يعني: أن له من الأمن وله من الاهتداء ما هو داخل في ذلك، وأنه لا بد من دخول الجنة سواءً عذب قبل ذلك بعذاب أو بتأخير عن دخولها، ولكن في النهاية سيؤمنه الله ﷿، ويدخله جنته.
قال: وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم، الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلم نفسه، وليس مراد النبي ﷺ بقوله: (إنما هو الشرك) أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام.
هذا كلام عظيم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يبين لنا أنه وإن فسر النبي ﷺ الآية بأن المقصود بالظلم: الشرك، فليس معناه: أن الإنسان الذي لا يشرك، له أن يظلم ويعمل السوء ثم يقول: أنا آمن بنص حديث النبي ﷺ! لأنا نقول له: لقد جاءت نصوص أخرى كثيرة تبين أنك تجازى على الشيء الذي تظلم به نفسك أو تظلم به غيرك دون الشرك بالله ﷾.
فالإنسان يظلم نفسه بالمعاصي، ويظلم نفسه بأخذ حقوق الغير؛ لذا فإنه إذا وقع في ذلك فتاب تاب الله ﷿ عليه، وكان له الأمن والاهتداء، وإن لم يتب إلى الله كان في خطر المشيئة، ولكن توحيده ينفعه يومًا من الدهر، إذ ليس له الأمن التام، وإنما له الأمن المطلق، ففرق بين أن نقول: الاهتداء التام والأمن التام، وأن نقول: له أمن وله اهتداء فيهديه الله ﷿ يومًا من الدهر ويؤمنه وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه.
يقول شيخ الإسلام: (فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام اللذان يكونون بهما مهتدين إلى الصراط المستقيم.
[ ٣ / ٤ ]
الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان
وابن القيم ﵀ يبين كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الآية، يقول: فإن الظلم المطلق التام هو الشرك بالله سبحانه، والأمن والهدى المطلق هما الأمن في الدنيا والآخرة، والهدى إلى الصراط المستقيم، فالظلم المطلق التام رافع للأمن والاهتداء المطلق التام، فلا يمنع أن يكون ظلمًا مانعًا من مطلق الأمن ومطلق الهدى فتأمله.
والفرق بين أن نقول: هذا معه الإيمان المطلق، وهذا معه مطلق الإيمان: أن الإيمان المطلق: الإيمان الكامل، الذي جاء فيه بالواجبات جميعها، فإذا كان كذلك فله الأمن التام، وله الاهتداء التام يوم القيامة.
وأما الآخر فله مطلق الإيمان، يعني: هو من ضمن المسلمين، ومن ضمن المؤمنين، ولكنه يقع في معاصٍ فيعمه اسم الإيمان واسم الإسلام، ولكنه عاص لله ﷾، فلا يحرمه الله من فضله يوم القيامة، وإن كان قد يعذبه في النار على معاصيه التي وقع فيها، لكن لم يخرج من الإيمان، ولا من الإسلام.
فإذا قلنا: هو في دائرة الإسلام، فله النجاة يوم القيامة، ولو دخل النار، فالله ﷿ يومًا من الدهر يخرجه من النار ويدخله جنته، فدائرة الإيمان المطلق أقل، فيها المحسنون وفيها الذين لم يظلموا أنفسهم لا بشرك ولا بغيره، ولم يظلموا غيرهم، فلهم الأمن التام يوم القيامة ولهم الاهتداء التام في الدنيا وفي الآخرة.
أما الذي لم يقع في الشرك الأكبر، ووقع في غير ذلك من المعاصي فهو في مطلق الإيمان، ولم يخرج عن دين رب العالمين، ولكنه مقصر في واجبات الإيمان؛ لذلك استحق أن يعذب إلا أن يعفو الله ﷿ عنه يوم القيامة.
والإيمان المطلق وصف للإيمان وفيه كل الخصال المرجوة التي يطلبها الله ﷿ من عباده، ويرجو العبد أن يكون عليها.
ومطلق الإيمان أن يقول: لا إله إلا الله، ويصلي ويفعل الطاعات، ويفعل المعاصي فهو داخل في مطلق الإيمان، ولكنه ينقص هداه وينقص إيمانه بقدر ما يقع فيه من المعاصي.
[ ٣ / ٥ ]
معنى لا إله إلا الله
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أخرجاه.
يعني: البخاري ومسلمًا.
وفي هذا الحديث بيان أن كلمة التوحيد من الإيمان بالله سبحانه، فتؤمن بالله وتؤمن برسل الله ﷾ على ما قاله ربنا في كتابه، وما ذكره لنا النبي ﷺ.
ومن أصول الإيمان: الإيمان بالجنة، والإيمان بالنار.
والإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وذكر في هذا الحديث بعضًا منها فقال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله) وفرق بين أن يشهد (أن لا إله إلا الله) وبين أن يقولها؛ فقد يقولها معتقدًا لها، وقد يقولها غير معتقد لها، ولذا قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وقال في الحديث: (من شهد أن أن لا إله إلا الله)، والشهادة مأخوذة من المشاهدة، يقال: شهد أي: نظر بعينه فرأى.
إذًا: ليس الأمر ظنيًا بل أمر يقين، ولذلك يشهد الشاهد على ما يستيقنه، ولا بد أن يكون قد شاهد الشيء ببصره، أو استيقن بحواسه من هذا الشيء الذي يشهد عليه؛ فلذلك تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، والأحاديث التي جاء فيها: (من قال لا إله إلا الله) مقصود بها الشهادة، أي: قالها مستيقنًا من قلبه مخلصًا لله ﷿ بما يقول، كما أنك تشهد على الشيء الذي تراه، تقول: أشهد أن فلانًا فعل كذا وكذا، أي: رأيت هذا الإنسان وأنا على يقين مما أقول.
وعندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فأنت لم تر الله، ولكن تقول: أنا مستيقن من ذلك كالذي يرى بعينه، فأنا على علم يقين بأنه لا إله إلا الله، وأنه هو الله وحده الذي يستحق العبادة ولا يستحقها أحد غيره، وهذه الكلمة فيها نفي وفيها إثبات.
وهناك فرق بين أن يقول: من شهد أن الله إله ومن شهد أن لا إله إلا الله: فمن شهد أن الله إله قد يشهد أن غيره إله فلم ينف شيئًا، ولكن لا بد أن يقول: لا إله إلا الله، (لا) نفي للجنس، (إله) جنس الآلهة يعني: أنا أنفي وجود حق لأي إله من الآلهة، إلا الإله الواحد، وهو الله ﷾.
وهذا معنى كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أنني مستيقن أن المعبود واحد لا شريك له.
أما غيره من الآلهة وإن وردت فهي باطلة.
والإله قد يكون وثنًا وصنمًا وقد يكون هوىً، وقد قد يكون شيطانًا، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] فعبدوا الهوى من دون الله ﷾، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم:٨١] فعبدوا آلهة من دون الله، وهذا هو الشيء الذي أشرك المشركون بالله ﷾ فيه.
أي: فهم لم يشركوا بالله ﷿ في كونه يخلق أو يرزق، بل هم يعلمون أن الله وحده هو الذي يفعل ذلك؛ ولذلك جاء عند الترمذي أن عمران بن حصين يذكر عن أبيه حصين أنه أتى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: (يا حصين! كم تعبد في اليوم إلهًا؟ قال: سبعة.
ستة في الأرض وواحدًا في السماء، قال النبي ﷺ: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء).
فهو يعلم وهو كافر أن الذي ينفع ويضر هو الله الذي في السماء، فقال النبي ﷺ: (يا حصين، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك! فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله، علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: قل: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي) والحديث من رواية الحسن البصري عن عمران بن حصين وقيل: إن الحسن البصري لم يسمع من عمران إلا أحاديث قليلة، فعلى ذلك يكون الحديث منقطعًا، لكن له شاهد عند البزار بإسناد فيه ضعف، فيشهد لهذا الحديث، أو يتابعه ويقويه، فالحديث حسن لغيره.
ففيه أن الرجل الذي سأله النبي ﷺ: كم تعبد من إله؟ قال: سبعة، فالكفار كانوا يعلمون أن الإله الواحد الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر هو الذي في السماء، ويعرفون أن الله في السماء، ولذلك قال الرجل للنبي ﷺ: الذي ينفع ويضر هو الذي في السماء، فالنبي ﷺ قال له: لو أنك أسلمت علمتك دعاءً، فأسلم الرجل بعد ذلك، قال: (قل: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي).
[ ٣ / ٦ ]
إعراب كلمة (لا إله إلا الله)
فمعنى (لا إله إلا الله)، أي: لا معبود بحق إلا الله.
الأصل في لا النافية للجنس أن يستغنى عن خبرها؛ لأنه مقدر.
أي: يقدر الخبر في (لا) النافية للجنس بأنه موجود، تقول: لا أحد في الدار، أي: لا أحد موجود في الدار، لكن لا يجوز هذا الإعراب مع هذه الكلمة العظيمة، فلا تقول: لا إله موجود إلا الله، فكم من آلهة غير الله موجودة، وكلها باطلة، فلا بد من التقدير بهذا الوصف: لا معبود بحق إلا الله ﷾.
فليس من اللائق أن تقول: لا إله موجود غير الله سبحانه، قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم:٨١] فكلمة (لا إله موجود) هذه لا تصلح وإنما الذي يصلح فيها أن يقال: التقدير هنا: لا إله حقًا، أما باقي الآلهة فهي آلهة باطلة.
وقولك: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توكيد للإثبات؛ لأن (وحده) حال، ولذلك لا يصح أن تقول: (وحدُه)، كما نسمع كثيرًا من الناس يقولون: لا إله إلا الله وحدُه، فهذا خطأ، والصحيح أن تقول: لا إله إلا الله وحدَه، فتنصبها على الحال تأكيدًا للإثبات.
فقولك: (لا إله) هذا نفي، (إلا الله) هذا إثبات.
(وحده) تأكيد لهذا الإثبات، أن الله وحده الذي يستحق العبادة، فلا شريك لله ﷾، بل هو الإله المعبود بحق، كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣].
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:٦٩ - ٧٠] فقد عرفوا أنه المعبود، ولكن يعبدون آلهة معه ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
فالعبادة بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل رغبًا ورهبًا؛ لذلك مدح الله ﷿ الأنبياء الذين يعبدونه، فقال: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] فهؤلاء الأنبياء هم الذين شرفهم الله سبحانه، وجعلهم فوق جميع خلقه بأن جعلهم رسله وأنبيائه، فذكر من عبادتهم أنهم كانوا يدعونه رغبًا ورهبًا، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] فقوله: (يدعوننا رغبًا) أي: يطلبون الجنة ويرغبون فيما عندنا، (ورهبًا) أي: يخافون من النار.
فالأنبياء يطلبون الجنة ويخافون من النار، إذًا: فمن باب أولى أن كل إنسان مؤمن يرجو من الله رحمته وجنته، ويخاف من عذابه سبحانه.
[ ٣ / ٧ ]
كلام العلماء في معنى لا إله إلا الله
قال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: (شهادة أن لا إله إلا الله) يقتضي أن يكون الشاهد عالمًا بأنه لا إله إلا الله، كما قال الله ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩].
ومعناه: استيقن من ذلك، وهذا علم ينافي الجهل، وعلم يوافقه اليقين الذي في القلب.
ثم قال بعد ذكره للآية السابقة: واسم الله بعد إلا من حيث أنه الواجب له الإلهية فلا يستحقها غيره سبحانه، وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك حين تقول: أشهد أن لا إله الله، معناه: هو المعبود وحده، وأن كل ما يعبد من دونه لا يستحقون العبادة، فأنت تؤمن بالله وتكفر بالطاغوت، ولذلك قال عقب آية الكرسي: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] والمقصود بها: كلمة التوحيد، قال تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].
فقولك: (لا إله) نفي لجميع الآلهة أن يستحقوا العبادة، وهو نفيٌ يعني الكفر بالطاغوت، ومعنى (يكفر الشيء): يستره ويطمسه ويمحوه، فالإنسان المؤمن يكفر بالطواغيت ولا يعبدها.
وقوله تعالى: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] العروة: الحلقة، قال تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] فأنت حين تمسك حلقة من حديد مقفلة محكمة مبهمة وتحاول أن تفصلها وتشقها لا تقدر على ذلك، فكلمة التوحيد أعظم عروة، وهي العروة الموثقة من رب العالمين التي تمسكها ولا تنكسر، فتدخل الجنة بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)! وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.
وقوله: (وحده لا شريك له) تأكيد وبيان لمضمون معنى هذه الكلمة، فالله يختص بهذا الوصف أنه الإله الحق ﷾، وكلمة لا إله إلا الله والإتيان بشروطها مفتاح للجنة، والمفتاح لا بد أن يكون له أسنان توافق القفل الذي في الباب، فكلمة لا إله إلا الله مع الإتيان بشروطها مفتاح للجنة.
[ ٣ / ٨ ]
شروط كلمة لا إله إلا الله
ذكر العلماء أن لها سبعة شروط أشرنا إليها قبل ذلك، وهي: العلم ثم اليقين، أي: اعلم أنه لا إله إلا الله علمًا يقينًا، بمعنى: أن يقولها الإنسان مستيقنًا ومصدقًا في قلبه وواثقًا من أنه لا إله إلا الله ﷾؛ لذا فهو ينفي أن يكون شاكًا في ذلك.
ومن شروط لا إله إلا الله القبول: أن تعبد الله ﷿ بشرعه، فتقبل منه ما أتاك عن طريق النبي صلوات الله وسلامه عليه، أن تقبل ولا تستكبر على ذلك، إذًا: يقين وقبول لما جاء من عند رب العالمين ينافي أن تشك وأن تستكبر أو أن تعاند ذلك، فالقبول: أن يقبل الإنسان شرع الله سبحانه ولا يرده، وقد يفعل قد لا يفعل، يعني: الإنسان قبل الشريعة فقد يعمل ما يرضي الله، ولكن أحيانًا يقع في المعاصي، وليس معنى ذلك أنه لم يقبل.
هناك فرق بين من يجحد ذلك ويرده على الله، وبين من يقبله، فمن الرخصة: أن يفطر المعذور في رمضان، والنبي ﷺ يقول: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) فأنت تقبل صدقة الله سبحانه، وقد تسافر فتفطر وأنت قبلت هذه الصدقة من الله ﷿، وقد تسافر وتصوم وأنت قد قبلت أيضًا هذه الصدقة من الله رب العالمين.
فالقبول: معناه: عدم الرد، والفرق كبير بين أن يقول: أنا أقبل هذه الرخصة وأفطر في السفر؛ لأنه يشق علي ذلك، وبين أن يقول: الرخصة من الله صدقة تصدق بها علي، قبلت رخصة الله ﷾، ولكني أخاف أن أموت قبل أن أقضي هذا اليوم، فأنا لا يشق علي الصيام الآن، لكنني أخاف أن يشق علي بعدما أكون حاضرًا بعد رمضان، فهو قابل لذلك.
وانظروا إلى إبليس لما أمره الله ﷿ أن يسجد لآدم لم يقبل ذلك من ربه، قال تعالى: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١] فلم يسجد ورد ما أمره الله ﷿ به، فاستكبر على هذا الأمر.
فهناك فرق بين أن يقبل العبد هذه الشريعة العظيمة ويعصيه، ولكن الأصل أنه قبل ذلك إذا عصى الله استغفر، وأقر بأنه عاص، فهو قابل لشرع الله رب العالمين ولكن غلبت عليه شقوته فوقع في المعصية، وبين أن يرد ذلك ولا يقبله، كالذين يرفضون قول الله ﷾: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ويقولون: الرجل مثل المرأة، والمرأة لا تأخذ النصف من نصيب الرجل، بل تأخذ مثل نصيبه، فمن يقل ذلك فقد حاد الله ﷾، وجحد ورفض ما جاء من عند رب العالمين ويعد مستكبرًا على ما جاء من عند الله، فإن هذا لم يقبل شرع الله سبحانه.
فالعلم، واليقين، والقبول، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والانقياد، سبعة شروط لـ (لا إله إلا الله) ذكرها في كتاب معارج القبول قال: العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبه وفقك الله لما أحبه هذه سبعة شروط، وزاد البعض عليها: أن توالي من يوالي الله ﷾، وتبرأ من أعداء الله سبحانه، وإن كانت داخلة في هذه التي ذكرناها.
لكن الغرض: أن هذه الشروط إذا أتيت بها أتيت بمفتاح الجنة، ولا يجوز له أن يحقق شرطًا ويخل بشرط آخر، فلابد من الانقياد لجميع ما جاء من عند رب العالمين سبحانه.
فإذا قبل البعض ورفض البعض ولم ينقد لدين رب العالمين فقد قصر في شرط من شروط لا إله إلا الله.
ثم يلي هذه الشروط: الصدق، والإخلاص، والمحبة: أي: أن يصدق في ذلك، والصدق ينافي الكذب، فلا يكذب، كأن يقول: لا إله إلا الله وهو غير مصدق بها؛ ولذلك الإنسان المنافق والفاجر وهو في قبره عندما يسأل: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ يقول: لا أدري لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
أي: سمع الناس يقولون: شيئًا فقال كما قال الناس، ولم يستيقن في قلبه ولم يتابع بعمله، ولم يعرف ذلك حق المعرفة، وإنما قال كما قال الناس، فكان كاذبًا، يكذب قلبه لسانه، فهذا ينافي الصدق الذي أمر الله ﷿ به المؤمنين وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩].
وقال رسول الله ﷺ: (من قال لا إله إلا الله صادقًا من قلبه) أي: يقولها صادقًا صدقًا منافيًا أن يكون شاكًا، ومنافيًا أن يكون كاذبًا في هذا الذي يقوله.
فالصدق والإخلاص من شروط لا إله إلا الله، والإخلاص: توحيد رب العالمين: أن يخرج العمل لله، وليس لغير الله سبحانه، فيعبد الله، ويدعو الله، وينذر لله، ويخاف من الله، ويحلف بالله.
وعكس ذلك من يحلف بغير الله ﷾، ويعظم غير الله سبحانه، ويدعو غير الله، ويسجد أو ينحني أو يطوف بالقبور، فهذا إنسان قد جعل مع الله آلهة أخرى، وعبد غير الله، فهو ينافي إخلاصه لله، وقد أمرنا الله سبحانه أن نعبده ولا نشرك به شيئًا سبحانه، قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤].
ومن شروط لا إله إلا الله: المحبة لله سبحانه ولرسول الله ﷺ، ولهذه الكلمة العظيمة، ولدين رب العالمين، والمحبة للمؤمنين، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
فالمؤمنون أعزة على الكافرين، ولكنهم يحبون المؤمنين ويخفضون أجنحتهم لهم، ويتواضعون لهم.
فالمؤمن يحب هذه الكلمة بحبه لله سبحانه ولرسوله ﷺ، وبحبه للمؤمن؛ فإذا جاء بهذه الكلمة بشروطها كان من أهل الجنة.
[ ٣ / ٩ ]
إشراك العرب بالله آلهة أخرى وتفرقهم في رئاستهم
قال: فما أجهل عباد القبور بحالهم، وما أعظم ما وقعوا فيه من الشرك المنافي لكلمة الإخلاص، فإن مشركي العرب ونحوهم جحدوا لا إله إلا الله لفظًا ومعنىً، وهؤلاء المشركون أقروا بها لفظًا وجحدوها معنى، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
والمعنى فيها: أنه إله واحد فهم تعجبوا من كونه إلهًا واحدًا فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] فلما جاءهم النبي ﷺ يقول: (قولوا كلمة واحدة أضمن لكم بها الجنة، قولوها كلمة واحدة أشهد لكم بها عند الله، قالوا: قل مائة كلمة نقول لك الذي تريد، قال: قولوا: لا إله إلا الله.
قالوا: أما هذا فلا نريده) لأنهم فهموا أن معنى هذه الكلمة أنه لا معبود بحق إلا الله، لكنهم كانوا يعبدون العزى واللات ومناة وكانوا يعتزون بذلك، وكان العرب في غرورهم يظنون أن كل واحد منهم يصلح أن يصير رئيسًا، ولا أحد يصير رئيسًا عليه، ولذلك لما كان يذلهم الفرس والروم كانوا يتعالون عليهم، ويقولون: أنتم فيكم بيت واحد يصلح للرئاسة فقط، ففي الفرس بيت كسرى، وفي الروم بيت قيصر، أما نحن العرب فكل واحد منا يصلح أن يكون رئيسًا.
وكان من العرب من يعيش عالة على هؤلاء وفي جوارهم، ومنهم: النعمان بن المنذر وغيره، أما بقية العرب فلم يكن لهم قيمة، ولكن كان في أنفسهم التعالي والكبر، فكل واحد منهم يصلح أن يكون رئيسًا أو ملكًا ولا يطيع أحدًا منهم الآخر.
وقد كان كل واحد منهم يتخذ لنفسه صنمًا يعبده، وكان الآحاد من الناس يعبدون التماثيل، وكل واحد يصنع لنفسه تمثالًا لوحده في بيته يعبده من دون الله ﷾.
فلما قال لهم النبي ﷺ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] لم يكونوا يعلمون أنه لا إله إلا الله، وقالوا: إذا عبدنا الإله الذي تزعم أنك أتيت من عنده فستقول بعد ذلك: أنا رسول الله، وبعد ذلك ستأتي لنا بأوامر، ونحن لا نريد منك أوامر، كل واحد يعمل ما يشاء، فأنت لماذا تأمرنا وتتعالى علينا؟ ولذلك كانت هذه النزعة الجاهلية موجودة في داخلهم، وقد تلاشت بعد ذلك حتى أن النبي ﷺ كان يقول لبعضهم: (إنك امرؤ فيك جاهلية) فيندم ويرجع ويتوب إلى الله ﷿ من ذلك.
[ ٣ / ١٠ ]
بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ثم هدمها
وفي آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه، كان يتمنى لو أنه هدم الكعبة، وجعل لها بابين، فقد قال للسيدة عائشة ﵂: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين).
فتسأله السيدة عائشة عن سبب جعل سلم الكعبة عاليًا، وعدم جعل قواعدها على الأرض، فقال ﷺ: (إن قومك أرادوا ألا يدخل الكعبة إلا من شاءوا) وكانوا يزعمون أنهم أعلى من غيرهم، ولا أحد مثلهم يحب الكعبة، فكان لا يدخل الكعبة إلا من يريدون.
والكعبة ليست على جميع قواعد إبراهيم حتى الآن، وقد أراد النبي ﷺ هدمها، ولما جاء ابن الزبير هدمها ثم بناها على قواعد إبراهيم كما تمنى النبي ﷺ، ثم جاء الخلفاء من بعده فهدموها وأرجعوها ثانية، ولما أرادوا أن يعيدوها في عهد مالك ﵀ قال: دعوها على ما هي، حتى لا تكون ألعوبة للملوك، فأصبحت على ما هي عليه حتى الآن.
فالنبي ﷺ تمنى لو أنه أقامها على قواعد إبراهيم، فهناك ستة أذرع خلف الكعبة تحت الميزاب هي من الكعبة ولكنها الآن خارج الكعبة.
وقد كان أموال العرب كلها حرامًا، وما كان حلالًا فهو قليل، فلما أرادوا بناء الكعبة في الجاهلية اشترطوا أنهم لا يضعون فيها إلا مالًا حلالًا، فلم يجدوا من المال الحلال إلا قليلا، فقصرت نفقتهم عن بناء الكعبة على جميع قواعد إبراهيم، فأخرجوا من الكعبة ستة أذرع أو سبعة أذرع، فالنبي ﷺ قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم) فهم حديثو عهد بجاهلية، وهذا صحيح فالقوم أسلموا بعد فتح مكة في سنة ثمان للهجرة، وقد كانوا رءوسًا في الكفر ثم أسلموا في هذا الوقت، فلو أن النبي ﷺ هدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم لثاروا بسبب ذلك، حيث إنهم كانوا يظنون أن المفخرة ستكون للنبي ﷺ وحده إذا قام بما أراد.
وأنتم تعلمون أنهم لما بنوا الكعبة قبل بعثة النبي ﷺ وجاءوا لنصب الحجر تنازعت القبائل حتى كادوا أن يقتتلوا بالسيوف، فاستقر أمرهم على أن يحكم بينهم أول من يخرج عليهم، فكان النبي ﷺ، فقالوا: احكم بيننا فقد رضينا بك حكمًا، فقام النبي صلوات الله وسلامه ﵊ وبسط رداءه ووضع الحجر عليه، وأمر من كل قبيلة برجل يأخذ بهذا الرداء فرفعوه، ثم أخذه هو بيده الكريمة فوضعه في مكانه.
فهناك قاعدة يسمونها بقاعدة سد الذرائع، ما كان ذريعة إلى حرام لا يجوز فعله أو إتيانه حتى لا يقع في الحرام، فهنا النبي ﷺ أراد أن يهدم الكعبة ويعيد بناءها، ولكنه خشي أن يظن من أسلم من قريش أن النبي ﷺ يفعل ذلك من أجل أن يأخذ هذه المفخرة لوحده، فيكفرون مرة أخرى، فترك النبي ﷺ الكعبة على ما هي.
[ ٣ / ١١ ]
جحود كفار قريش بالله
إذًا: أهل الجاهلية كان في قلوبهم عصبية، وكان في قلوبهم التعالي، حيث يتعالى بعضهم على بعض حتى في العبادة، هذا صنمه أفضل من صنم هذا، وهذا الصنم من تمر، وهذا من حجر، وهذا من تراب، فعلى ذلك كان الشرك في قلوب هؤلاء يمنعهم من أن يعبدوا إلهًا واحدًا، فلما قال لهم النبي ﷺ: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، عاندوا وأبوا وأخذ يكلم بعضهم بعضًا ويقول: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
فتعجبوا من غير عجب، حيث إنهم يتعجبون لشيء صحيح، حيث إن الإله إله واحد، وهذا يفهمه العقل، ولكن انطمست قلوبهم بالكفر فلم يفهموا ذلك، أو فهموا وتعالوا أن يقبلوا دين ربهم العالمين، فيسمعوا من النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك كان قائلهم يقول: كنا وبنو هاشم كفؤًا، أطعموا الحجيج فأطعمنا، وسقوا فسقينا، وفعلوا كذا ففعلنا، ثم يقولون: منا نبي، وأنى لنا بنبي؟ وهم يعلمون أنه صادق صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الكبر هو الذي منعهم، ظنًا منهم أن بني هاشم يتفاخرون بنبيهم.
إذًا: مشركو العرب جحدوا كلمة لا إله إلا الله لفظًا وجحدوها معنىً.
والجحد: الرفض للشيء وإن كان يعلمه في نفسه، مثلما تقول: فلان جحد الدين، أي: هو يعرف أنه عليه دين، ولكن يرفض أن يصرح ويقر بذلك، فهؤلاء كذلك جحدوا الله لفظًا وجحدوه معنىً، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] أي: فليس من الممكن أن يكون إلهًا واحدًا بل هي آلهة متعددة.
قال: وهؤلاء المشركون بعد النبي ﷺ لما استقر الإسلام ثم بدأ يظهر الشرك مرة ثانية ويتوجه الناس إلى دعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله وعبادة غير الله والاعتقاد في غير الله سبحانه، فإذا بهم يتوجهون إلى القبور.
فوجهوا عبادتهم إلى غير الله، يقولون: لا إله إلا الله لفظًا وإذا بهم يشركون بالله ﷿، مع أنهم ممن شهد أن لا إله إلا الله، وهذا توحيد الألوهية وأن محمدًا عبده ورسوله، أي: وشهد بذلك يقينًا أن محمدًا عبد ورسوله، شرفه الله ﷾ بأنه عبد استخلصه لنفسه سبحانه وجعله رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فقال: وأن محمدًا عبده ورسوله.
[ ٣ / ١٢ ]
مراتب العبودية وأعلاها العبودية الخاصة
يقول: أعلى مراتب العبد العبودية الخاصة، والرسالة من العبودية.
فالعبودية منها عبودية عامة، ومنها عبودية خاصة، وكل الخلق عبيد لله رب العالمين شاءوا أم أبوا، فقد خلقهم الله، ولكن العبودية الخاصة أنه رضي بأن يكون عبدًا لله، فكان عبدًا لله وحده لا شريك له، فهنا يقول: أعلى مراتب العبد: العبودية الخاصة التي كان عليها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعليها المؤمنون من أتباعه ﵊ أنه رسول رب العالمين.
فالمؤمن يشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ، وأنه عبده ورسوله، حتى لا يقع المسلمون في ما وقع فيه أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٣٠] فهؤلاء عبدوا غير الله سبحانه.
أما الإنسان المؤمن فيقول: هذا النبي ﷺ عبد لله، وهو يقول ذلك: (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد) فهو عبد الله ورسول الله ﵊.
ولما سمع النبي ﷺ الجواري ينشدن وتقول واحدة منهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد) وقال لها ولغيرها: (لا يستهوينكم الشيطان)، أي: لا يستجرينكم الشيطان ولا يلعب بكم الشيطان، قولوا ببعض ما تقولون، يعني: نهاها أن تقول إنه يعلم ما في غد، فإنه لا يعلم الغيب إلا الله ﷾.
وشهادتك أن محمدًا عبد الله تقتضي أنك لا تعبد إلا الله وأن محمدًا عبد ليس أعلى من هذه المرتبة ﵊، فهو عبد لله سبحانه، ثم هو رسول رب العالمين، وشهادتك بأنه رسول معناها أنك مقر بأنه جاء من عند رب العالمين بهذه الرسالة، فلا تفعل إلا ما جاء عن طريقه هو صلوات الله وسلامه عليه.
[ ٣ / ١٣ ]
شهادة عبد الله بن سلام وكعب الأحبار برسالة النبي ﷺ
قال: روى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه كان يقول: (أنا لنجد صفة رسول الله في التوراة).
عبد الله بن سلام كان من رؤساء اليهود ومن أحبارهم فأسلم، وعلم المسلمين بما في التوراة من صفات النبي ﷺ.
ولاحظوا أن التوراة ليست باللغة العربية، يعني: العرب إذا قرءوا التوراة لن يفهموا منها شيئًا، فاليهود يقرءون التوراة بالسريانية وليست بالعربية، فهم ترجموها إلى العربية وترجموها إلى الانجليزية، وترجموها إلى الفرنسية وإلى غيرها من اللغات، فمسحوا منها ما جاء من ذكر النبي ﷺ، والذي قرأها بلغتها عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ﵄، فأخبر المسلمين بما في التوراة، فما ترجم اليوم من التوراة ليس فيه هذا الشيء، لأنهم محوا ذلك، وبدلوا بترجمة أخرى ليس فيها ذلك.
ابن سلام ﵁ لما سألوه عن وصف النبي ﷺ قال: (إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨]).
هذا الحديث هذا عند الدارمي وجاء في صحيح البخاري نحو هذا الحديث لكن عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
هنا يقول ابن سلام: إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨] فهذه الصفة في القرآن وهذه الصفة موجودة في التوراة.
قال: وحرزًا للأميين، أذكر أن بعض إخواننا كان يحضر الدكتوراه في الفاتيكان، وكانت دراسته في اللغة القديمة، قال: اطلعت على نسخة مخطوطة في الفاتيكان من التوراة بلغتها، قال: ووجدت فيها هذا الشيء.
فهنا عبد الله بن سلام يقول ذلك، وكعب الأحبار يقول ذلك وهما كانا من اليهود، وكذلك عبد الله بن عمرو بن العاص اطلع على كتب لليهود واطلع على التوراة فوجد فيها هذا الشيء.
يقول عبد الله بن سلام: إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي ﵊، سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويتجاوز، ولن أقبضه حتى يقيم الملة المتعودة، بأن يشهد أن لا إله إلا الله، يفتح به أعينًا عمياء وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا.
هذه هي الرواية التي رواها الدارمي.
أما رواية البخاري عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة؛ لأن ابن عمرو في بعض الفتوح وجد زاملتين من كتب أهل الكتاب فأخذها وقرأها، فكان يعرف أشياء من التوراة لا يعرفها غيره من المسلمين، فهذا السائل هو عطاء بن يسار يقول له: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة.
قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح:٨] وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر.
هذه كانت بشارة بالنبي ﷺ في التوراة وأن هذه صفاته ﵊، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقول لا إله إلا الله ويفتح بها أعينًا عمياء وآذانًا صماء وقلوبًا غلفًا.
وجاءت رواية أخرى عن كعب الأحبار بمثل هذا الشيء.
[ ٣ / ١٤ ]