كلمة لا إله إلا الله لها فضل عظيم، فمن قالها مخلصًا أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، فينبغي الإيمان بها وتحقيق شروطها والعمل بمقتضاها.
[ ٤ / ١ ]
الإيمان بأن عيسى عبد الله ورسوله
[ ٤ / ٢ ]
معنى اشتراط أن يشهد المؤمن أن عيسى عبد الله ورسوله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
إن من الإيمان أن تؤمن برسل الله عليهم الصلاة والسلام عامة، وتؤمن أن عيسى عبد الله ورسوله، فهو كان أقرب الأنبياء من النبي ﷺ، والذين يتكلمون عن عيسى ويصفونه بصفات الألوهية، كانوا قريبين من عهد النبي ﷺ، فالذي يؤمن بالله ﷿ يؤمن بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، ويؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله، قال الله سبحانه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة:٧٣].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:٧٢].
فعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام عبد الله ورسوله كما أن محمدًا عبد الله ورسوله.
والمسيح عبد ورسول وكلمة الله ألقاها إلى مريم؛ لذا فهو صاحب رسالة، وهو أحد أولي العزم من الرسل، فالله ﷿ له أنبياء كثيرون قد نبئوا بأخبار من الغيب، وأمروا بإعلام الناس بتوحيد الله سبحانه ودعوتهم إليه، ومنهم أصحاب الرسالات وهم الرسل، معهم رسالة من رب العالمين وشريعة أمرهم أن يبلغوها ويدعوا الناس إليها، فعيسى صاحب رسالة، وهو عبد الله ورسوله، قال سبحانه: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢].
أيضًا تؤمن أنه كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، وكلمة الله تعني: كلمة من الله ﷾، وهي كلمة (كن)، أي: بـ (بكن) كان المسيح صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يعني: أن الله أمره في كل شيء: إذا أراد شيئًا أن يقول له كن، فيكون على ما أراد الله سبحانه، فكان المسيح بهذه الكلمة: كن عبدًا فكان عبدًا لله، وخلقه الله ﷿ بذلك، وأرانا الآيات العظيمة فيه.
وقد خلق المسيح ﵊ من أم فقط، أي: من غير أب، وهذا الذي جعل النصارى يرفعونه فوق مرتبته، فقالوا: إذا كان هذا خلق من أم فقط، فهذا شيء عجب، فعلى ذلك يكون أبوه الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا! وإن خلق الله للمسيح من أم ليس بأعجب من خلق آدم بغير أب ولا أم، ومن خلق حواء من ذكر من غير أنثى، فالله خلق آدم من تراب لا أب ولا أم، وهذا خلق عجيب، وهذا الذي يتعجب من خلق المسيح فلينظر إلى خلق حواء، خلقت من ضلع من أضلاع آدم، فهي من ذكر من غير أنثى، وآدم من غير ذكر ولا أنثى.
فالمسيح من أنثى من غير ذكر، وباقي الخلق من ذكر وأنثى، وفي الوقت الحاضر ولّدوا النعجة (دولّي) من أثنى فقط، فهل يعبدونها من دون الله سبحانه، لكن هذا خلق الله سبحانه، وعجبنا يكون في أن يرينا آياته ﷾، أنه هو الذي يقدر أن يخلق من العدم، والذي يوجد الشيء من ذكر، ويوجده من أنثى، ويوجده من ذكر وأنثى، ويوجده من غير ذكر ولا أنثى، فتؤمن بأن المسيح ﵊ كلمة الله أي: أنه بها خلق وبها كان.
[ ٤ / ٣ ]
معنى كون عيسى كلمة من الله وروح منه
يقول الإمام أحمد ﵀ في الكلمة التي ألقاها إلى مريم: حين قال له كن فكان عيسى بـ (كن)، وليس هو (كن)، أي: ليس عيسى هو الكلمة، الكلمة من كلام الله ليست مخلوقة، والمسيح مخلوق، فهو بها كان أي: أوجده وخلقه بـ (كن).
وجاء في الحديث: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) فذكر في الحديث أنه روح من الأرواح التي خلقها الله ﷾.
ويذكر هنا حديثًا عن أبي بن كعب بإسناد فيه ضعف، قال: عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله تعالى واستنطقها بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] بعثه إلى مريم فدخل فيها.
يعني: نحن نؤمن بما جاء في القرآن أنه روح الله ﷾، أي: روح من عند الله سبحانه، وأنه ألقاها إلى مريم بواسطة جبريل، حيث أتاها من عند ربها ﷾ ونفخ فيها بأمر الله سبحانه.
ولا ندري كيف نفخ فيها، هل نفخ في جيب قميصها فجاءت النفخة في صدرها؟ الله أعلم بذلك، لم يثبت في ذلك حديث مرفوع للنبي ﷺ، وأما حديث أبي بن كعب ففي إسناده ضعيف.
قوله: (وكلمة من الله) (من) ليست للتبعيض، فليس معنى (من الله) بعض من الله، بل (من) لابتداء الغاية، عندما تقول: ذهبت من الاسكندرية على الطائرة، أي: ابتداء ذهابك منها.
فهو روح من الله، أي: جاءت من عند الله سبحانه، فألقاها في رحم مريم ﵍.
وقال سبحانه في خلق الإنسان: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٩] فقد ذكر في آدم أنه نفخ فيه من روحه، يعني: أن الروح من عنده ﷾ فالمسيح روح الله، أي: خلق الله، كما أنك تشرف الشيء فتضيفه إلى الله، تقول: هذا بيت الله، هذه أرض الله، هذه سماء الله، والمسيح روح الله، وآدم نفخ فيه من روح الله، يعني: من روح خلقها الله ﷾.
يقول شيخ الإسلام: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفةً لله تعالى قائمةً به، وامتنع أن يكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عينًا قائمة بنفسها كعيسى وجبرائيل ﵉، وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله.
فالمضاف إما عين من الأعيان وإما عرض من الأعراض، ولكنه هنا عين من الأعيان، فهو ذات، والذات لها صفات، فلا توصف ذات بذات فهذا ليس من صفات الله، ولكن الوصف الذي يقال: هذه صفة، فالله ﷾ له أسماؤه الحسنى وصفاته العلى التي تضاف إليه ﷾، فعندما نقول: حياة الله، نعرف أنها معنى يقوم بغيره، فهي من صفاته هو سبحانه، وكذلك عندما نقول: المسيح ابن مريم روح الله، وهو بشر مخلوق، فهو عين وذات لها صفات، فيستحيل أن يكون هو بذاته صفة لله ﷾.
[ ٤ / ٤ ]
الإيمان بأن الجنة حق وأن النار حق من أسباب دخول الجنة
وقوله ﷺ: (والجنة حق) يعني: من يشهد أن الجنة حق (والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).
فمن ضمن الإيمان: أن تؤمن أن الجنة حق، وتعمل لها لتكون من أهلها، فتدعو ربك رغبًا فيها، والنار حق فتخاف منها، فتدعوه رهبًا وخوفًا منها، فإذا كنت كذلك أدخلك الله الجنة على ما كان من العمل.
[ ٤ / ٥ ]
معنى قوله ﷺ: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)
إما أن يكون العمل الذي عمله جعل عنده حسنات وعنده سيئات ولكن أتى بالتوحيد حقه؛ فإذا به يحب الله سبحانه، ويخلص لله سبحانه، ويندم على ذنوبه، فالله يكفر عنه سيئاته بذلك، والمحبة تدفعه للطاعة وتمنعه من المعصية، وإن كان أحيانًا يقع فيها، فعلى ما كان من العمل بتحقيقه للتوحيد وإخلاصه لله وحبه لله، وبغضه للمعاصي يدخله الله ﷿ الجنة.
لكن لو كان الإنسان يحب المعاصي، ولا يحقق التوحيد ويقع في الشرك بالله ﷾، فهو لا يدخل تحت هذا الحديث، يقول الحافظ: معنى قوله: (على ما كان من العمل) أي: من صلاح أو من فساد؛ لأن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة، وهذا يفسره الحديث الآخر قال ﷺ: (أصابه قبل ما أصابه) يعني: في الدنيا يبتليه الله ﷿ بمصائب تكفر عنه هذه الأعمال، أو أنه يوم القيامة يطول عليه الحساب، ويجعله الله فوق الصراط تلفحه النار مرة، ويكبو مرة، ويمشي مرة حتى ينجو في النهاية، أو أنه يقع في النار، ثم يخرج بعد ذلك برحمة رب العالمين، وبشفاعة الشافعين، فيدخله جنته، ولكن طالما أنه أتى بلا إله إلا الله فتنفعه يومًا من الدهر أصابه قبل ذلك ما أصاب.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون معنى: (على ما كان من العمل) أي: يدخل أهل الجنة الجنة على حسب أعمال كل منهم، يعني: قد يكون مع السابقين وقد يكون مع من هم دونهم.
[ ٤ / ٦ ]
شرح حديث تحريم النار على من أتى بالشهادة مخلصًا
[ ٤ / ٧ ]
قول العبد لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله من أسباب النجاة من النار
قال: [ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)].
ففي هذا الحديث يقول: لا إله إلا الله بشرط: (يبتغي بذلك وجه الله)، يعني: الإخلاص، أن يكون مخلصًا في قول لا إله إلا الله؛ لأن الإخلاص يدفعه إلى العمل لله رب العالمين، وحسن العبادة، فهذا يستحق الجنة.
وحديث عتبان بن مالك حديث طويل، وفي الحديث أن النبي ﷺ وهو في دار عتبان بن مالك قال: (أين مالك بن الدخشم؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله) ثم في آخر الحديث قال: (فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) والمعنى: أن الذي يقول: لا إله إلا الله لا يسارع العبد برميه بأنه منافق، ولا بأنه كافر طالما أنه يقول: لا إله إلا الله ويأتي بأعمال تفيد أنه ليس على الشرك.
فالذي يقول: لا إله إلا الله الأصل أنه مسلم إلا أن يثبت عكس ذلك.
وذكرنا في حديث النبي ﷺ أنه: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن المسيح عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).
[ ٤ / ٨ ]
شرح حديث معاذ في تحريم النار على من قال لا إله إلا الله
[ ٤ / ٩ ]
اشتراط خلوص التوحيد من الشرك
قال: وأخرج البخاري عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك، أن النبي ﷺ ومعاذ رديفه على الرحل قال: (يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه) فقيد رسول الله قولها بأنه مستيقن من قلبه، وقيد آخر: (من علم أنه لا إله إلا الله) بمعنى: استيقن، قال: (إلا حرمه الله تعالى على النار، قال: يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذًا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا).
لحديث ذكرناه قبل ذلك، وفيه أن النبي ﷺ خشي على الناس من الاتكال لعله يأتي من لا يفهم معنى هذا الحديث فإذا به يظن أنه يقول: لا إله إلا الله بلسانه ولا يعمل شيئًا، ولا يأتي بشروط لا إله إلا الله، ولا يعلم علم اليقين فيستغيث بغير الله، ويعبد غير الله، ويتوجه بالنذر والحلف لغير الله، ويظن أنه داخل تحت ذلك.
فلابد أن يقول: لا إله إلا الله، ويكفر بما يعبد من دون الله سبحانه، ويحقق التوحيد، فيستحق هذا الأجر والثواب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الحديث ونحوه: إنها فيمن قالها ومات عليها؛ لأنه جاء في الأحاديث: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) فهذه من علامات حسن الخاتمة، أن يقول: لا إله إلا الله ويموت على هذه الكلمة.
يقول شيخ الإسلام: كما جاءت مقيدة بقوله: خالصًا من قلبه، غير شاك فيها، بصدق ويقين، أي: أتى بها مخلصًا في هذه الكلمة من قلبه يقولها ولا يشك فيها، وهو أتى بها بالصدق واليقين، فيستحق أن يكون في الجنة.
يقول: فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة؛ لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحًا، وهذا هو الفهم الدقيق لهذه الكلمة ومبناها ومقتضاها.
فالذي يقول: لا إله إلا الله محبًا لهذه الكلمة يحب الله، ويحب رسول الله ﷺ، ويحب أهل هذه الكلمة، ولن يؤذي أحدًا من المسلمين؛ لأن الإنسان الذي يقول: لا إله إلا الله يعلم أنه راجع إلى الله، وأن الله يحاسبه، فيخاف من الحساب فلا يقع في الذنوب، وإن وقع تاب إلى الله ﷾، والذي يقول لا إله إلا الله يحب الجنة، ويحب أعلى الجنة، ويعلم أن أعلى الجنة لن ينالها إلا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فيعمل أحسن العمل.
وقول لا إله إلا الله يدفع الإنسان للعمل؛ لأن الكلمة تدل بكلام صاحبها وبفعاله على صدقه أو كذبه فيها.
يقول شيخ الإسلام: وقد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله.
ومعنى ذلك: أن أصحاب المعاصي قد يدخلون النار إلا ما شاء الله، ثم يخرجون بفضل الله وبهذه الكلمة العظيمة.
قال: تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، فيخرج من النار من في قلبه مقدار من الخير، ولكن استحق النار، بأن ذنوبه أكثر من حسناته، كذلك تواترت بأن كثيرًا ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها.
وتواترت الأحاديث بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فإذا حرم على النار أن تأكل أثر السجود، فمعنى ذلك: أن فيها أناسًا من الموحدين وكانوا مصلين، فلما دخلوا النار وعذبوا فيها حرم على النار أن تأكل جباههم، وأن تأكل أيديهم، وأن تأكل أرجلهم، وأن تأكل ركابهم؛ لأنها مواضع للسجود، ولكن غيرها ستأكل منها النار، والمعنى: أن من الموحدين ومن المصلين من يدخل النار بسبب ذنوبه، ثم يومًا من الأيام تنفعه هذه الكلمة أن يخرج من النار.
يقول: وتواترت الأحاديث بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ؛ لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال فلا بد له أن يفهمها.
والذي يقولها وهو لا يفهم معناها، وأنه يستوي عنده أن يعبد الله أو يعبد الهوى، أو يعبد الشيطان، أو يعبد الأحجار، فهذا لم يفهم هذه الكلمة وليس من أهلها.
[ ٤ / ١٠ ]
أكثر الناس فتنة عند الموت وفي القبر
يقول ﵀: وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدًا أو عادة، ولم تخالط حلاوة الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء.
يعني: قالوا: لا إله إلا الله من غير فهم لهذه الكلمة، فهي لا تنفعهم يومًا من الدهر، ولكن الذي نريده، أن الذي يقول: لا إله إلا الله وينجو بها ويكون في الجنة، ولا يكون في النار، هو الذي يأتي بها بشروطها كما ذكرنا.
يقول: وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء، كما في الحديث: (سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته).
هذا الحديث في الصحيحين من حديث السيدة عائشة ﵂ أن أسماء جاءت والسيدة عائشة تصلي فسألتها عن ذلك، فأشارت بيدها إلى السماء، يعني: حصل كسوف، فصلت معهم، ثم سمعت النبي ﷺ بعد ما أكمل صلاته أنه قال: (ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار) يعني: وهو يصلي بالناس صلاة الكسوف فيقول: إنه رأى حتى الجنة والنار.
ثم قال: (فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم قريبًا من فتنة المسيح الدجال يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن، فيقول: هو محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا، يعيدها ثلاث مرات فيقال: له نم صالحًا، قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) فالذي في قلبه النفاق وهو يقول أمام الناس لا إله إلا الله لا ينفعه ذلك؛ لأنها تنفع من قالها بحق وعمل بها، فهذا الذي ينجو من النار، وصاحب الإيمان المطلق تنفعه إن قالها بحق ووقع في معاصٍ ما شاء الله أن يقع فيها، تنفعه يومًا من الدهر، فقد يعذب حينما يشاء الله، ثم ينجو بعد ذلك ويدخل الجنة.
أما من قالها بلسانه وهو لا يفهم معناها، ويستوي عنده من يقول: لا إله إلا الله ومن يقول غيرها، والكل عنده يدخلون الجنة يوم القيامة، ولم يفهم هذه الكلمة، فلا يستحق أن يكون من أهلها.
إذًا: معنى كلام شيخ الإسلام ﵀: أن هذا الإنسان الذي يقول كما يقول الناس، ولا يفهم معناها، ولا يعرف أنه إله واحد بل يشك في ذلك، هذا لا يستحق أن يكون من أهلها.
[ ٤ / ١١ ]
كمال الإخلاص واليقين في قول لا إله إلا الله كما يوجب محبة الله
قال: وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص.
أي: قال: لا إله إلا الله بإخلاص ويقين.
والإخلاص مقتضاه: أن يوجه العبادة لله وحده لا شريك له، واليقين مقتضاه: أن لا يكون هناك شك في هذه الكلمة ولا في معناها، قال: لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا؛ فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذًا: لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله.
والاستنباط الجميل من ذلك: أن من يقول: لا إله إلا الله حقًا، فوقع في معاصٍ، وأصابه شيء من ذنوبه، وهو يقول هذه الكلمة محبًا لها من قلبه، فهذا الإنسان خوفه من الله يدفعه لأن يتوب إلى الله، وحبه لله يدفعه أنه لا يعصي الله سبحانه، ولا يؤذي أحدًا من خلقه، فيكون من أهل الجنة، ويكون معه الإيمان الكامل بسبب حبه لهذه الكلمة وعمله بمقتضاها.
يقول ﵀: فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء فإذًا: لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهة لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان وهذا الإخلاص، وهذه التوبة، وهذه المحبة، وهذا اليقين لا تترك له ذنبًا إلا محي عنه كما يمحو الليل النهار.
يقول: وإن قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلًا فيغفر له، ويحرم على النار.
وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، أي: فهو لا يشرك به شركًا أكبر، ولكن قد يقع في شيء من الشرك الأصغر، فيحلف بغير الله ﷾، أو ينسب شيئًا لا يكون إلا لله، كالذي يقول: لولا البط في الدار لأتانا اللصوص، أو لولا الكلب لهجم علينا اللصوص البارحة، فينسى الله وينسب الفضل إلى غير الله ﷾ ونحو ذلك من الأشياء، فإن هذه تنقص درجة الإنسان عن درجة أهل الكمال.
قال: فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته، ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار.
أي: أن الذي رجحت سيئاته على حسناته، ويقول: لا إله إلا الله، وقوله لها لا يزجره عن المعاصي، فهذا يستحق يوم القيامة العذاب بذنوب يستحق أن يجازى عليها، وقد تنفعه هذه الكلمة إما عاجلًا أو آجلًا، ولكن تنفعه يومًا من الدهر.
قال: وإن قال لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر ولكنه لم يمت على ذلك بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة التوحيد، فإنه في قولها كان مخلصًا، لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب، حتى أحرقت ذلك إلى آخر كلامه ﵀.
[ ٤ / ١٢ ]
شرح حديث: (لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري)
[ ٤ / ١٣ ]
فضل كلمة لا إله إلا الله
يقول هنا في المتن: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به.
قال: قل يا موسى، لا إله إلا الله.
قال: كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله) رواه ابن حبان والحاكم وصححه لكن إسناده ضعيف؛ لأن في إسناده دراج بن سمعان، وكنيته: أبو السمح، يروي عن أبي الهيثم، ودراج صدوق، وقالوا: ثقة إلا في روايته عن أبي الهيثم وهذا من روايته عنه فهو ضعيف، لكن جاءت أحاديث قريبة من هذا المعنى في فضل لا إله إلا الله.
ففي هذا الحديث أن موسى ﵊ قال: يا رب علمني شيئًا أذكرك به وأدعوك به، فقال: قل لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون: لا إله إلا الله فقال له: (لو أن السموات السبع وعامر السموات السبع من الملائكة غير الله، وكذلك الذين في الأرض؛ لو وضعوا في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله.
وفي حديث آخر صحيح في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: أتى النبي ﷺ أعرابي عليه جبة من طيالسة مكفوفة بديباج أو مزرورة بديباج.
فهذا الأعرابي لابس جبة من طيالسة، عليها شيء من الحرير في الكف، وهذا الرجل أعرابي مغرور، وجاء إلى النبي ﷺ وأخذ يكلم أصحاب النبي ﷺ ويقول: إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل فارس بن فارس، وهذا فيه دلالة على أنه سيئ الأدب، ولعله كان كافرًا في هذا الوقت.
فلما قال ذلك قام النبي ﷺ مغضبًا فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه وقال له: أرى عليك ثياب من لا يعقل! أي: أنت مفتخر بهذه الثياب، وهي ثياب من ليس لهم عقول، ولا يخافون الله سبحانه، فتتكلم بكلام من لا يعقل من أهل الجاهلية وأهل الكفر.
ثم رجع رسول الله ﷺ فجلس، فقال: (إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاء دعا ابنيه قال: إني قاصر عليكم الوصية: آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك والكبر، وآمركما بلا إله إلا الله).
فالنبي ﷺ يعلم هذا الأعرابي الجاهل الأحمق أن لا يكون متكبرًا، قال: قال نوح ﵊: (أنهاكما عن الشرك والكبر وآمركما بلا إله إلا الله، فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح، ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة فوضعت لا إله إلا الله لفصمتها أو لقصمتها) أي: لو صيغت منهما حلقة واحدة مقفلة، وفي رواية: مبهمة، يعني: حلقة ليس لها مدخل يدخل إليها، ثم جاءت كلمة لا إله إلا الله فوضعت لقصمت هذه الحلقة أو لفصمتها.
قال: (وآمركما بسبحان الله وبحمد الله فإنها صلاة كل شيء) أي: كل شيء يسبح الله بهذه الكلمة: (سبحان الله وبحمده).
قال: (وبها يرزق كل شيء) فمفاتيح الخزائن والرزق بقوله: سبحان الله وبحمده، فكلمة لا إله إلا الله أعظم الكلام الذي يقوله الإنسان، وأعظم الذكر، وأعظم الدعاء.
وجاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمر وهو حديث حسن قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
فهذه الكلمة من أعظم الكلام الذي يقوله الإنسان في حياته وعند وفاته.
وعند الترمذي أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو (يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا) فهذا إنسان يأتي يوم القيامة، وينادى عليه ويصاح به، والفزع يحيره ويدهشه حتى ينسى كل شيء، فعندما يقف بين يدي الله ﷿ ينشر له عمله في تسعة وتسعين كتابًا، كلها ممتلئة بالذنوب التي فعلها وكل سجل مد البصر.
قال: (ثم يقال له: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا، فيقال له: أظلمك كتبتي الحافظون؟ يقول: لا، يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة، فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم! فيقول العبد: يا رب، أين الحسنة؟ قال: فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة).
فهذه تسعة وتعسون سجلًا، كل سجل مد البصر، وضعت في كفة والبطاقة في كفة مكتوب عليها لا إله إلا الله، فطاشت السجلات، يعني: من ثقل هذه الورقة بحيث إن الكفة الثانية طارت وطاشت، فغفر لهذا العبد بفضل هذه الكلمة (لا إله إلا الله)!
[ ٤ / ١٤ ]
سعة فضل الله وجوده
وللترمذي وحسنه عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة، يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).
أي: أن العبد الذي يدعو الله ويرجو الله ﷾، ويأتي بمعنى التوحيد كما قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤] فمعناه: يا عبدي إنك إذا وحدتني، وطلبت مني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
والله هو الغني ﷾ إذا أعطى من فضله ومن كرمه لا يضره شيء، وخزائنه ملأى لا ينقص منها شيء ولا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار.
قال: (يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي) أي: لو وقعت في المعاصي إلا الشرك بالله ﷾، ثم استغفرت وتبت، فإن التوبة تجب ما قبلها ولو كان كفرًا وشركًا، فإذا كفر بالله، ثم عاد إلى الإسلام، فالله يتوب عليه.
قال: (يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) إذا كنت توحد رب العالمين ﷾، ولا تشرك به شيئًا، وأتيت لله بالحق في كل عباداتك له ﷾، فإنك تستحق أن يغفر الله ﷿ لك ذنوبك.
[ ٤ / ١٥ ]
المسائل المستنبطة من باب بيان فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
قال: [فيه مسائل] يعني: في هذا الباب: الأولى: سعة فضل الله ﷾، فإن فضله عظيم، وجوده واسع.
الثانية: أنه يغفر للعباد ويعطي الشيء العظيم على أشياء صغيرة يفعلها الإنسان، فقول كلمة التوحيد: لا إله إلا الله سهل، لكن فيها الأجر العظيم الذي يدل على كثرة ثواب التوحيد عند الله سبحانه.
الثالثة: تكفيره للذنوب، فبالتوحيد يكفر الله ﷿ الذنوب، وتوحيدك لله سبحانه يدفعك بأن ترجو ربك، وإذا رجوت الله فالله يعطيك ما ترجوه، فيغفر ويكفر سبحانه.
الرابعة: تفسير الآية التي في سورة الأنعام، يعني: في قصة إبراهيم ومعنى الهدى التام.
الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) الحديث.
السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين.
يعني: ففي حديث عتبان بن مالك ذكر النبي ﷺ أن مالك بن الدخشم يقول: لا إله إلا الله، وكذلك ذكر فيه أنه يقول هذه الكلمة ويرجو بها وجه الله سبحانه، وذلك حين قالوا عن مالك بن الدخشم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: (لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله) فلما شكوا قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال النبي ﷺ: (فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله).
السابعة: التنبيه للشرط في حديث عتبان.
أي: أنه يبتغي بها وجه الله سبحانه.
الثامنة: كون الأنبياء يؤمرون بالتنبيه على فضل لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات.
أي: هذه الكلمة العظيمة لو أن السموات والأرضين وما فيهن في كفة وهي في كفه، طاشت بهن هذه الكلمة العظيمة.
العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] فالله خلق سبع سموات وسبع أرضين، والله أعلم بما يذكر ﷾.
الحادية عشرة: أن لهن عمارًا.
أي: خلق الله الإنس وخلق الجن، وخلق الملائكة، وخلق الدواب، ويخلق ما يشاء سبحانه.
الثانية عشرة: إثبات الصفات لله خلافًا للأشعرية.
يعني: للذين يؤولون صفات الله ﷾، فقد ذكر أنه في السماء ﷾، وجاء القرآن بذلك، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وجاء في أحاديث أن النبي ﷺ سأل الجارية: (أين الله؟ فقالت الجارية: في السماء) وغير ذلك من الأحاديث التي تفيد أنه فوق سمواته وأنه مستو على عرشه، فنؤمن بذلك كما سيأتي في الكلام عن صفاته سبحانه.
الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) أنه ترك الشرك وليس قول هذه الكلمة.
يعني: الكلمة ليست مجرد أن يقول: لا إله إلا الله ثم يطوف بالقبر، أو يقول: لا إله إلا الله، ويقول: يا سيدي فلان أغثني، ويا سيدي فلان اشفني، فانظروا الفرق بين جاهلية العصر وجاهلية أهل الجاهلية.
[ ٤ / ١٦ ]
ضلال أهل الجاهلية في عبادتهم لغير الله في الرخاء ورجوعهم إلى الله في الشدة
فإن أهل الجاهلية إذا كانوا في رخاء عبدوا الله وعبدوا غيره، وأشركوا بالله سبحانه، فإذا مسهم الضر عبدوا الله وحده، ولذلك فإن عكرمة بن أبي جهل لما فر من النبي صلوات الله وسلامه عليه وركب البحر، جاء الموج وعلا، وكانت الأمواج شديدة، وكادت السفينة تغرق به وبمن معه، فقال ربان السفينة: يا قومي إنكم قد علمتم أنه لا ينجيكم من هذه إلا الله ﷾.
وأمرهم أن يخلصوا لله.
فإذا بـ عكرمة يتفكر، أن الذي ينجيهم من هذه الله ولا ينجيهم منها غيره، فهم الآن سيعبدون ربهم، وقبل ذلك لم يكونوا يدعونه، فتنبه للشرك الذي هم فيه فقال: لئن أنجاني الله من ذلك لأذهبن إلى محمد ولأضعن يدي في يده ثم لأجدنه رءوفًا رحيمًا.
فكان كما ظن! أهل الجاهلية لما كان يصيبهم شر يقولون: يا رب، كما قال الله ﷾: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] يعني: ضاع كل من كنتم تدعونه من دون الله، ولجأتم إلى الإله الواحد الذي في السماء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٦٧] فقد كان الإنسان يخذل نفسه بكفره بالله ﷾ وبشركه وجهله.
والغرض: أن من الناس من يقول: لا إله إلا الله، وإذا به في وقت رخائه يقول: يا فلان، وإذا اشتد كربه يزداد شركًا بالله ﷾.
انظر: الطلبة أيام الامتحانات يذهبون عند سيدهم فلان، وسيدهم فلان، فمنهم من يقول: يا سيدي جابر حصل كذا وكذا، اكتب لي ورقة، ويحطها له في القبر من أجل ينجح في الامتحان، ومنهم من يقول: يا سيدي أبا العباس، اعمل لي كذا وكذا.
وهؤلاء إن كانوا أقوامًا صالحين، فلهم عبادتهم وينتفعون بأعمالهم.
أما تدعو إنسانًا لا يملك لنفسه شيئًا، وتترك الله ﷾، فإن هذا شرك عظيم.
(جاء رجل إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، ما شاء الله وشئت، فغضب النبي ﷺ وقال: أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده)، وفي حديث آخر: (قل: ما شاء الله ثم شئت).
فأخبره النبي ﷺ أن يبدأ بالله وحده، فيعلمهم التوحيد، وأن لا يشركوا بالله سبحانه.
ومن الابتلاء الذي يحدث: ذهاب الناس إلى مولد السيد البدوي، ثم يعتقدون أشياء منها: أن الذهاب إلى مولد السيد البدوي أحسن من عشر حجات فهل نزل وحي بعد النبي ﷺ؟! فإنه لا يحل لمسلم أن يقول ذلك، ولا أن يذهب ويطوف بشيء إلا بالكعبة التي شرع الله ﷿ الطواف بها لتوحيده سبحانه.
تطوف بالكعبة وتقول: يا الله، ولا تقول: يا رسول الله، ولا تقول: يا أهل بيت الله، وإنما تقول: يا الله.
وعندما تذهب إلى عرفات تقول: لا إله إلا الله، قال النبي ﷺ: (خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله).
الفائدة الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه صلوات الله وسلامه عليهما.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله، وكلمة الله يعني: أنه خلق ووجد بها، وليس هو عين الكلمة، وكلام الله ﷿ صفة من صفاته ليس مخلوقًا، إنما المسيح مخلوق بالكلمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] فكان آدم بكن وكان المسيح بكن، وكان كل خلق الله ﷿ بكن.
السادسة عشرة: معرفة كونه روحًا من الله.
يعني: خلقه الله ﷾ كما خلق غيره من الأرواح.
السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار، ومن آمن بالجنة استحق أن يدخلها، ومن لم يؤمن بها استحق أن يحرم منها، ومن آمن بأن الله ﷿ خلق النار عذابًا لمن عصاه ابتعد عن المعاصي واستحق أن لا يدخلها.
الثامنة عشرة: معرفة قوله: (على ما كان من العمل) وإذا كان قد عمل عملًا سيئًا وغلبت سيئاته حسناته استحق أن يدخل النار، ولكن يومًا من الأيام يخرجه رب العالمين ويدخله الجنة، ويعرف عصاة الموحدين في النار بآثار السجود، يعني: عندما يشفع الشافعون من أنبياء وملائكة ينظرون في أهل النار، فيعرفون عصاة الموحدين، ويفرقون بينهم وبين المشركين بآثار السجود، فيشفعون لهم ويخرجون من النار.
التاسعة عشرة: معرفة الميزان أن له كفتين.
والميزان مخلوق خلقه الله، فتوزن عليه الأعمال يوم القيامة.
العشرون: معرفة ذكر وجهه ﷾.
ونؤمن به وبصفاته على النحو الذي ذكر في كتابه، فذكر أن له ﷾ الوجه، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فنؤمن بذلك، وذكر لنفسه السمع والبصر وغير ذلك، فنؤمن بهذا كله.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤ / ١٧ ]