توحيد الله ﷾ يتضمن توحيده في العبادة والربوبية، وأن نصفه بما وصف به نفسه في الكتاب والسنة من أسماء وصفات من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف، وكل معبود من دون الله تعالى في الحقيقة فهو يعبد الله سبحانه ويرجوه؛ ولذلك يجب على المؤمن التبرؤ من الشرك وأهله، قبل أن يتبرأ يوم القيامة فلا يقبل منه، وطاعة غير الله واتباعه معناه: اتخاذه ربًا من دون الله، وهذا شرك بالله سبحانه.
[ ٨ / ١ ]
معنى التوحيد وأقسامه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
وقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] وقوله ﷾: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨].
هذا الباب هو الباب السادس من كتاب التوحيد وفيه تفسير توحيد الله ﷾، توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
فالله ﷿ هو الإله، ومعنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله ﷾، وتوحيد الألوهية من توحيد العبادة: وهو إفراد الله ﷾ بالعبادة، وذكرنا قبل ذلك أن الله ﷿ هو الإله سبحانه، بمعنى: المعبود، وغيره آلهة باطلة يعبدها أهل الشرك، وهي لا تستحق العبادة، فلما تقول: لا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا إله واحد وهو الله سبحانه.
وتوحيد الألوهية مقتضاه: أن العباد يتوجهون إلى الله سبحانه بالعبادة.
وتوحيد الربوبية مقتضاه: أن الله ﷾ وحده الرب الذي ينفرد بالخلق، وبالأمر، وبالتشريع، وبالتدبير للكون، وبتربية خلقه وتنشئتهم سبحانه، وأن يرزقهم ويعطيهم وينفعهم، ويضرهم، ويمنعهم ويعزهم ويذلهم، ومقتضى أنه رب: أنه يفعل أفعالًا ﷾ لا يقدر أن يفعلها غيره.
ولله الأسماء الحسنى، فتوحيد الأسماء والصفات: أن تؤمن بأن الله ﷾ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (أسألك بكل اسم هو لك) فالله واحد سبحانه وله أسماء حسنى كثيرة، يقول: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي وغمي) فالله ﷿ له الأسماء الحسنى، وفي الحديث: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة).
إذًا: فتوحيد الأسماء والصفات يتعلق بأسمائه، وله أسماء كثيرة وصفات عالية عظيمة، كلها له وحده ﷾، فنصفه بما وصف به نفسه، ولا ندخل في صفاته ﷾ متوهمين ولا متأولين ولا محرفين ولا نافين، ولكن نثبت له ما أثبت لنفسه سبحانه على المعنى الذي علمه وعلم خلقه إياه، فتفسير التوحيد: أن توحد الله ﷾ في ألوهيته وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، فهو الإله الواحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكلها ترجع إليه وحده لا شريك له، ولا يشابهه فيها أحد من خلقه، فهو متعال عن الألقاب والأنساب والأشباه والنظائر ﷾.
[ ٨ / ٢ ]
تفسير قول الله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة)
وتفسير قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧] أي: أولئك الذين يدعون من المشركين، يعني: هؤلاء الذين يطلب منهم المشركون النفع والضر يبتغون إلى ربهم الوسيلة، والمشركون عبدوا غير الله، واليهود عبدت عزيرًا من دون الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] فالمسيح وعزير ممن يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يعني: يعبدون الله ويتقربون إليه ويرجون المنزلة عنده سبحانه، ويتوسلون بالأعمال الصالحة للقبول عنده وللقرب منه ﷾.
فقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: يسارعون إلى طاعة الله ﷾، ويتسابقون إليه، سواء كان المسيح أو العزير أو الملائكة أو الجن، ولذلك جاء فيها من كلام بعض الصحابة كـ ابن عباس ﵄ أن أناسًا من المشركين كانوا يعبدون الجن، فأسلم الجن وبقي هؤلاء على شركهم، والمعبودون الذين عبدوا من دون الله لم يرضوا بذلك، وعبدوا الله وحده، وهؤلاء المشركون ما زالوا في عبادتهم لهؤلاء الجن الذين أسلموا، قال سبحانه في هذه العبادة: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]، والعبادة تكون على الرجاء والرهبة، فتحب الله ﷿ وتخاف منه، وهذا لا يكون إلا لله ﷿، أي: كمال الحب مع كمال الخوف، وكمال الرغبة مع كمال الرهبة، فتحب ربك وأنت تخاف منه ﷾، فهؤلاء من ملائكة ومن رسل كرام عليهم الصلاة والسلام ومن جان عبدوا الله ﷾ راجين رحمته خائفين من عقوبته، فالإنسان الذي يعبد الله حق العبادة يكون خائفًا منه سبحانه راجيًا له، قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧] يعني: المؤمن يحذر من عذاب الله، ومن اطلع على هذا العذاب منه، ولذلك (لما خلق الله سبحانه الجنة والنار أمر جبريل أن يذهب فينظر إلى الجنة، فنظر إليها ورجع قال: لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم خلق النار وأمره أن يذهب فينظر إليها، فنظر إليها ورجع، فقال لربه سبحانه: لا يدخلها أحد) فالله ﷿ جعل الجنة حولها المكاره، وحفت الجنة بالمكاره، وجعل النار حولها الشهوات، وحفت النار بالشهوات، وأمر جبريل أن يذهب فينظر فرجع فقال عن الجنة: أخشى أن لا يدخلها أحد من كثرة المكاره التي حولها، والنار من كثرة الشهوات التي تؤدي إليها قال: أخشى أن يدخلوها، يعني: كلهم.
فالغرض: أن الله ﷾ أخبر عن عذابه وعن ناره أنها كانت محذورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، فمن اطلع حذر، لذلك جبريل يقول: لو سمعوا عنها ما دخلوها، بسبب نسيان العذاب والشهوات الكثيرة التي يقدم الإنسان عليها وينسى ربه ﷾.
[ ٨ / ٣ ]
تفسير قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إلا الذي فطرني فإنه سيهدين)
وقول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧]، هذا إبراهيم إمام الحنفاء وأبو الأنبياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال لأبيه وقومه وهم على كفرهم: إنني براء مما تعبدون، يعني: أبرأ إلى الله مما تعبدون، ففيها التبرأ من الكفر ومن أصحابه، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦] إلا إله واحد أعبده وهو الله سبحانه الذي خلقني فهو يهدين، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧] وجعل هذه الكلمة كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتبرأ مما يعبد من دون الله سبحانه كلمة باقية في عقبه من الأنبياء ومن الخلق إلى يوم يرجعون إلى الله ﷾.
[ ٨ / ٤ ]
تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله)
كذلك قول الله سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، الحبر: هو العالم، والراهب: هو العابد، فهؤلاء أهل الكتاب اتخذوا علماءهم مشرعين يشرعون لهم مع الله ﷾، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم كذلك قدوة يقتدون بهم فيما حرم الله فيحلونه، وفيما أحل الله فيحرمونه، فاتبعوهم في ذلك وصارت لهم ديانة، غيروا الملة والدين، كما فعل بولس في الملة النصرانية فأحل لهم كل شيء حرمه عليهم المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلا أشياء قليلة، فاتبعوه على ذلك وجعلوه رسولًا من رسل الله ﷾ وكذبوا في ذلك، فاتبعوه وقد أحل لهم ما حرم عليهم المسيح صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك اليهود اتبعوا كبراءهم من أحلوا لهم ما حرم الله سبحانه، فإذا بهم أمام النبي ﷺ يعترفون بأنهم حرفوا في التوراة حين سألهم عن الرجم قائلًا لهم: (أما تجدون في كتابكم الرجم؟ فقالوا: لا)، وأشهدهم النبي ﷺ على أنفسهم وأقسم عليهم بالله سبحانه، وجاء قارئهم يقرأ التوراة ووضع يده على آية الرجم حتى لا يقرأها، وهؤلاء هم اليهود الكذابون لعنة الله عليهم، فلما قال له أحد الجالسين: ارفع يدك، فرفع يده وقرأ آية الرجم، فالنبي ﷺ أشهد الله سبحانه أنه أول من أقام ما أمر الله ﷿ به، وقد بدله أهل الكتاب.
فإن أهل الكتاب حرفوا كتب الله باتباعهم الكبراء الذين فيهم، والبعض منهم برؤوسهم وبأهوائهم قالوا: إن فينا قبائل قوية وشريفة وفينا قبائل قليلة وضعيفة، فالشريف إذا سرق تركوه، والضعيف إذا سرق أقاموا عليه الحد، وأرادوا أن يضعوا حكمًا من دون الله، فقالوا: نلغي الرجم الذي قاله الله ونسخم وجوههم، وننكسهم على دابة، ونفضحهم بين الناس، فهذا الذي شرعوه من دون الله ﷾، واتفقوا عليه، وكفروا بالله العظيم سبحانه، وبدلوا شرع الله واستحلوا ما حرم ﷾.
كذلك قول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فأهل الكتاب كان كتب عليهم الصيام كما كتب علينا نحن فإذا بهم يبدلونه ويحرفونه، يمرض أحد أبناء ملوكهم فينذر الملك لله سبحانه أنه إذا شفى الله ابنه أن يزيد في هذا الصوم، فزاد في الصيام أيامًا؛ بسبب أن الله شفى ابنه، ويشرع لهم على ذلك بدلًا من أن يكون شهرًا واحدًا يقول: اجعلوه أربعين يومًا، كذلك إذا جاء الصيام في وقت الصيف، يجعلونه في الشهور المعتدلة في السنة ويجعلونه ستين يومًا، ويأكلون ويشربون في النهار، ويحرمون ما فيه الروح فقط دون غيره، فيفعلون ذلك معتقدين أن من حقهم أن يحلوا وأن يحرموا مع الله سبحانه، فكفروا بهذا الشيء، فقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] يعني: مشرعين؛ لأن من صفات ربوبية الخالق ﷾ أنه رب يفعل ويأمر، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ﷾، أمره: افعل ولا تفعل، أمره: التشريع، أمره: كن فيكون، فمن جعل لأحد سوى الله سبحانه أن يأمر ويشرع فقد جعله إلهًا من دون الله وجعله ربًا من دون الرب العظيم ﷾.
ولذلك عدي بن حاتم لما قال للنبي ﷺ وقد سمع هذه الآية: يا رسول الله لسنا نعبدهم؟ فقال: (أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى) وأقر واعترف بأنهم يفعلون ذلك، فقال النبي ﷺ: (فتلك عبادتهم)، إذًا: عبادة أهل الكتاب لأحبارهم ورهبانهم لم تكن بصلاة وصيام وركوع وسجود، وإنما كانت بطاعة في مخالفة أمر الله سبحانه، وباعتقاد أن هؤلاء يملكون أن يشرعوا من دون الله ﷾.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في قول الله سبحانه ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] (وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين)، هذه القسمة تفهم القارئ ما الذي يقصد بهذه الآية، ومن يلحق بأمثال هؤلاء ومن الذي يخرج من الدين، ومن الذي لا يخرج منه، يقول: يكونون على وجهين، أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله)، يعني: الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله وهم عالمون بأنهم يفعلون خلاف ما قضى الله ﷿ به، فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، إذا فعل الكبراء ذلك واتبعهم أشياعهم عليه معتقدين أنهم يملكون ذلك، وهو من حقهم ذلك.
قال: (مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يصلوا ويسجدوا لهم، أي: ليس شرطًا أنه يصلي أو يسجد له، ولكن يعتقد أنه يملك أن يحل وأن يحرم، فالله يقول: هذا حرام، وهذا الإنسان يقول: لا، هذا حلال، الله يقول: هذا حلال، وهذا الإنسان يقول: هذا حرام، ومن اعتقد أن هذا يملك ذلك فقد كفر، ومن فعل أيضًا فقد كفر مع علمه بأنه خلاف ما قضى الله ﷿ به.
يقول: (الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله) معناه: المعصية، وليس هو الكفر الذي يخرج الإنسان من الملة، فهو كفر دون كفر، إذْ علموا أن الله حرم ذلك وعلم هؤلاء المتبعون أنه ليس من حق أحد أن يحل وأن يحرم إلا الله ﷾، ولكن لما وجدوا من أحل الشيء اتبعوه في ذلك، ليس لأنهم يملكون ذلك، ولا لأن الله يريد ذلك، ولا لأنه شرعه، ولا لأن هؤلاء يشرعون مع الله، فهم يعرفون أن هؤلاء بشر ولكن اتبعوهم حبًا في المعصية، فهؤلاء هم الفريق الثاني، الذين لم يعتقدوا تحليل ما حرم الله، ولم يعتقدوا أن إنسانًا يملك أن يحل ما حرم الله سبحانه ولا أن يحرم ما أحل الله.
ويقول شيخ الإسلام: (أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتًا لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ).
إذًا: على ذلك فهؤلاء ليسوا كفارًا ولكنهم عصاة، اتبعوا اتباعًا للشهوة، لا لأن هؤلاء يملكون أن يحلوا وأن يحرموا مع الله ﷾، قال: (فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت عن النبي ﷺ في الحديث: (إنما الطاعة في المعروف».
[ ٨ / ٥ ]
خطأ المجتهد
على العموم: كل من أحل حرامًا أو حرم حلالًا له قسمة، وهذا قسم من الأقسام، أي: من أوصله اجتهاده إلى أن هذا حلال، أو أن هذا حرام، كقياس مثلًا، أي: قاس شيئًا على شيء فأخطأ في قياسه، وظن أن هذا حلال أو أن هذا حرام، ليس عنادًا لله سبحانه، ولا تطاولًا على دينه، ولا اعتقادًا أنه يملك التشريع والتحليل والتحريم، فهذا كما يقول شيخ الإسلام في هذا القسم: (إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسل، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه.
فعلى ذلك: إذا كان من أهل الاجتهاد فهو مأجور أجرًا واحدًا على اجتهاده، وإذا لم يكن من أهل الاجتهاد فهو آثم في ذلك.
أما الصورة الأولى: أي: الذي أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، لا يُظَنُّ أبدًا أن هذا له أجر، كأن يقول: هذا حلال، هذا حرام، ولكن الذي يقيس كأن يقول: أحل الله لنا ما في الأرض جميعًا وحرم علينا أشياء، فجاء بشيء يشبه القمح، وقال: هذا حرام، قياسًا على شيء من المحرمات مثلًا، فهذا ليس من الأول، أما أنه يأتي على ما أحل الله وأكله النبي ﷺ ويقول: هذا حرام، فهذا كفر بالله سبحانه؛ لأنه يحرم ما أحل الله ﷾، لكن قد يقيس شيئًا ليعرف هل هذا من باب الحلال أم من باب الحرام فأخطأ وقاس على الحرام فحرم شيئًا، فعلى ذلك إذا كان هذا مجتهدًا فله أجر على اجتهاده، أما أن يحرم ما هو منصوص على حله في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع فليس من حق أي إنسان أن يصنع ذلك، ولا يدخل تحت هذا الباب.
[ ٨ / ٦ ]
من تبع المجتهد وهو يعلم أنه مخطئ
والمجتهد إذا اجتهد وأخطأ، والذي تبعه علم أنه اجتهد وعلم أنه أخطأ في اجتهاده، فهل من حقه أن يتبعه؟ يقول شيخ الإسلام: من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ﷺ ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول ﷺ فهذا له نصيب من الشرك وإن لم يكن شركًا أكبر، ولكن فيه شيء من الشرك؛ لأنه علم أن هذه المسألة حرام واتبع فلانًا العالم وهو يعلم أنه أخطأ فيها، فترك اتباع الكتاب والسنة واتبع فلانًا من دون الله سبحانه، فهذا له نصيب من الشرك، وهذا الذي فعله ذمه الله سبحانه، قال: (لاسيما إن اتبع ذلك لهواه، ونصره باليد واللسان مع علمه أنه مخالف للرسول ﷺ، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه) يعني: هذا من أنواع الشرك، والغالب في كثير من الناس من أتباع المذاهب أنهم يتبعون على هذا الوصل فيقول لك: مستحيل أن أبا حنيفة يخطئ، أو مستحيل أن الإمام الشافعي يخطئ، فإن قلت له: الحديث يقول خلاف ما يقول العالم، قال: لهم تأويل في هذا الشيء، فيكون حينها قد عرف الحديث وصحته ومع ذلك لم يتبعه وإنما اتبع الإمام الفلاني، فهذا فيه نصيب من الشرك وإن لم يكن خارجًا من دين الله سبحانه، ولكنه فيه شيء من الشرك.
[ ٨ / ٧ ]
اختلاف العلماء في جواز التقليد للقادر على الاستدلال
يقول: (ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلاف، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال)، يعني: الإنسان الذي يعرف الحق لا يجوز له أن يتركه، لكن اختلف العلماء في القادر على الاستدلال ولم يستدل، يعني: إنسان فقيه وجد إمامًا من الأئمة اتبعه في ذلك مع قدرته هو على النظر في الأدلة، فلم يفعل ذلك، هل يأثم في ذلك أم لا يأثم؟ فالإنسان طالما عنده قدرة على النظر والفهم ينظر في دليل الإمام الذي قاله، فإن كان دليلًا ضعيفًا عمل بالصحيح الذي جاء في الكتاب وفي سنة نبيه ﷺ، يقول: (إن كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه، قد يكون الإنسان يعرف الحق ولكن الظروف التي حوله تمنعه من إظهار هذا الحق الذي يعلمه، قال فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه وهؤلاء ك النجاشي وغيره).
فـ النجاشي أصحمة الذي كان ملكًا على الحبشة في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه، عرف الحق واتبع النبي ﷺ، ولكن لم يهاجر إلى النبي ﷺ، ولم يرغمه النبي ﷺ على ذلك، إذْ كان ملكًا في قومه، وسلب ملكه ثم رده الله ﷿ عليه، فعبد الله وأسلم وأظهر ذلك، وهذا كل ما يملكه، أما أنه يجبر أتباعه على ذلك فليس بيده، ولا يقدر على غيره، فهو معذور فيما لا يقدر عليه من ذلك.
قال: (وقد أنزل الله في هؤلاء الآيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٩] وذكر عنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع، مما عرفوا من الحق) فـ النجاشي وأتباعه عرفوا الحق الذي كان عليه النبي ﷺ فاتبعوا قدر المستطاع، وقدر الطاقة، وفعلوا ما يمكنهم فعله.
يقول: (وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه، أي: إذا اتبع إنسانًا اجتهد سواء أصاب أو أخطأ، والذي اتبعه يعرف أن هذا مجتهد وهذا من أهل العلم وهذا من أهل الدين، فاتبعه على ذلك، ولا يعرف أن يميز، فكثير من الناس لا يقرأ ولا يكتب، أو إن كان يقرأ فلا يفهم هذا الذي في الكتاب ولا في السنة، فيسأل من يظنه أعلم الناس، ويتبعه على ذلك، وقد يخطئ هذا الذي يفتيه، ولكن هذا الذي اتبعه لا يملك سوى أن يتبعه، فليس عليه حرج في ذلك.
يقول: (هذا الإنسان لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة) أي: إنسان نزل في بلد ولا يعرف اتجاه القبلة لا عن طريق الشمس ولا عن طريق القمر منازله، ولا يعرف الشمال من الجنوب، ولا تحديد القبلة، فسأل إنسانًا أين القبلة؟ قال: هنا، فأخذ يصلي في هذا المكان، ثم تبين له خطؤه، فهذا معذور، ولا يلزمه إعادة الصلاة؛ لأنه فعل ما أمر به شرعًا، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] فسأل أهل البلد فدله إنسان مخطئ على القبلة فصلى بناءً على ذلك، فالصلاة صحيحة ولا تلزمه الإعادة.
[ ٨ / ٨ ]
حالُ من يتبع شخصًا دون نظيره لهوى في النفس
يقول شيخ الإسلام: (وأما من قلد شخصًا دون نظيرة بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية) يعني: أحيانًا الشخص يتبع فلانًا عصبية؛ لأنه يحبه، فيسمعه يجادل أو يناظر فيقول: كلامه صحيح، وإن قال هذا المناظر: خطأ، قال: خطأ، ويريد أن يلزم الناس به، فليس هذا من الدين، إنما دين الله ﷿ أن تبحث عن الحق وأن تنصر دين الله، يقول: (فهذا من أهل الجاهلية أي: الذي يتعصب لشخص دون سواه، فهو امرؤ فيه جاهلية.
يقول شيخ الإسلام: (هذا إن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا) أي: لو فرضنا أن هذا الذي تحزب له وتعصب له كلامه صحيح لم يكن هذا مصيبًا فيما فعل ولا مثابًا عليه؛ لأنه اتبع من غير علم، وإنما عصيبة فقط، وإن كان الذي اتبعه مخطئًا في ذلك.
فهذا أيضًا آثم في ذلك، يقول: (كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار)، أي: من قال في القرآن برأيه من غير علم كأنه يقول: الله يقول: كذا، والقياس الأولى في حديث النبي ﷺ: (إن كذبًا علي ليس ككذب على أحدكم، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، فالذي يكذب على النبي ﷺ ليس كالذي يكذب على غيره من البشر، والكذب على النبي ﷺ أشد وأفظع وأعظم.
إذًا: من كذب عليه متعمدًا هذا مخطئ وليتبوأ مقعده من النار، حتى وإن قال: إنما أكذب له، لا أكذب عليه، وأقرب الناس إلى الدين، مثل كثير من أهل البدع الذين يكذبون الحديث عن النبي ﷺ، ويظنون أنهم يقربون الناس إلى العبادة، فبعض الناس يزعمون ذلك، مثل نوح بن أبي مريم، وهو رجل من الكذابين كذب على النبي ﷺ أحاديث في فضائل القرآن، يقول الحافظ العراقي فيه: وابن أبي عصمة إذ رأى الورى زعمًا نأوا عن القرآن فافترى لهم حديثًا في فضائل السور عن ابن عباس فبئسما ابتكر فألف لهم أحاديث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في فضائل القرآن، بزعمه أن الناس أعرضوا عن القرآن قال: فبئس ما ابتكر من أحاديث وافترى على النبي ﷺ، هذا في الحديث، فما بالك في القرآن، فإن كان الذي يكذب على النبي ﷺ يتبوأ مقعده من النار، فالذي يفسر القرآن بغير علم فهو يكذب على الله فهو أولى بذلك، وهذا هو المعنى الذي ذكره شيخ الإسلام في قوله: (كمن قال في القرآن برأيه) كأنه يقصد ذلك، أنه يفسر ويعبر عن الله سبحانه بكلام كذب من رأيه هو.
قال: (وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة) فعبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، دعا عليهم النبي ﷺ ولم يخرجهم من الدين، فهم أهل طمع في الدنيا بفعلهم ذلك، ففيهم من الشرك، وإن لم يكن الشرك أكبر يخرجهم من الدين.
قال: (وكذلك هؤلاء فيكون فيهم شرك أصغر)، يعني: ليس مخرجًا لهم من ملة الإسلام.
فالإنسان لا يتعصب لعالم من غير معرفة دليله، سواء كان مخطئًا أو مصيبًا فليس في الدين مثل ذلك.
[ ٨ / ٩ ]
تفسير قوله تعالى (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وقول الله ﷾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك».
فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة:١٦٥] أنداد: جمع ند، والند: المثيل والنظير، يعني: جعل لله ﷿ مقابلًا له يعطيه صفات الله ﷾ ويعبده من دون الله ﷾.
وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: يحبون هؤلاء الأنداد كحب المؤمنين الله ﷾، أو يحبون هؤلاء الأنداد بنفس القدر الذي يحبون به الله ﷾.
إذًا: فالمشركون وزعوا المحبة التي لا تكون إلا لله بين الله وبين الأصنام والأوثان ومن يعبدونهم من دون الله، فهم قسموا المحبة بين الله سبحانه وبين هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله، فكفروا بالله وأشركوا به، والله أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل هذه المحبة حتى يكون الحب خالصًا له وحده لا شريك له، فيحب الله لأنه الإله الذي يحب، ولا يحب غيره على أنه إله.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: والذين آمنوا أشد حبًا لله من هؤلاء في حبهم لله ولمعبوداتهم من دون الله ﷾.
وذكر الله ﷿ جزاء المشركين يوم القيامة، فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٦].
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: لو يروا هذا العذاب العظيم وما يحدث فيه ويحدث منهم، من تبرؤ من هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله، وقراءة الجمهور: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] وقرأها نافع وابن وردان عن أبي جعفر بخلفه، وابن عامر ويعقوب: (ولو ترى) والخطاب للنبي صلى.
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] أي: إذ يرون بأعينهم العذاب، وقرأ ابن عامر: ﴿إِذْ يُرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] بضم الياء يعني: يريهم الله ﷾ هذا العذاب يوم القيامة فيرون أن القوة لله جميعًا، أو على القطع ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥]، إذًا: يرون ذلك ويعلمون أن القوة لله جميعًا، أو يقول الله سبحانه في هذا الحال: ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:١٦٥] وهذه قراءة أبي جعفر ويعقوب، وبكسر (إن): ﴿إِنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥].
ويوم القيامة سيرى المشركون ما كان من أمرهم في الدنيا، وما كان من شركهم بالله سبحانه، فإن الجزاء يوم القيامة، إذ يرون القوة لله وحده لا شريك له، لا قوة لأشياعهم وأتباعهم، ولا قوة لآلهتهم التي عبدوها من دون الله سبحانه، ورأوا أن الله شديد العذاب.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] الآلهة والكبراء ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] ممن كانوا وراءهم يتبعونهم ويعبدونهم من دون الله، إذًا: تبرأ المتبوعون الذين هم السادة الكبراء والآلهة الباطلة التي عبدت من دون الله سبحانه من الذين اتبعوهم، والذين ساروا وراءهم في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] أي: رأوا عذاب الله ﷾، قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥] ﴿وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٦].
أي: لا يعذب عذاب الله ﷿ أحد، ولا يقدر أحد أن يعذب كعذاب الله سبحانه، ولا أن يوثق هؤلاء كما يوثقهم ربهم سبحانه، ويربطهم في نار جهنم والعياذ بالله، فهؤلاء يتبرأون ويقولون لله سبحانه: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣] والملائكة الذين عبدوا من دون الله يقولون: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١].
قال سبحانه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، أي: ما كان في الدنيا من أسباب ومنافع تصل بين الناس، فيتصل الإنسان بالإنسان عن طريق النسب، وعن طريق المصاهرة ومن الأسباب الاحتياج، هذا يحتاج لذاك، وهذا يتقرب من هذا لمنفعة، فيقطع هذا كله يوم القيامة، وتقطعت بهم أسباب المواصلة فلم يعد يتصل بعضهم ببعض يوم القيامة، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٧] أي: التابعون ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:١٦٧] أي: لو نرجع ثانيًا إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧] أي: لو نحن نرجع مرة أخرى إلى الدنيا ونتبرأ من هؤلاء مثلما تبرأوا منا الآن، ولا مرجع إلى الدنيا مرة ثانية إنما هي مرة واحدة.
[ ٨ / ١٠ ]
من الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] براءة الكافر والفاسق يوم القيامة لن تنفعه، أما في الدنيا إذا تبرأ الإنسان من الشرك والمشركين فتنفعه هذه البراءة يوم القيامة، أما في الآخرة فقد مضى الوقت، قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣].
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ففي الآية: بيان أن من أشرك مع الله تعالى غيره في المحبة فقد جعله شريكًا لله في العبادة، واتخذه ندًا من دون الله، وأن ذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
قال شيخ الإسلام: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة لزم أن يكون محبًا له، ومحبته هي الأصل في ذلك)، والمعنى: أن الإنسان لا يرغب إلا إلى الله ﷾، فلما يدعو يقول: يا رب، فإذا رغب إلى غير الله فقد طلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾ ووقع في الشرك بذلك.
يقول ابن القيم ﵀: (فتوحيد المحبوب: أن لا يتعدد محبوبه، أي: مع الله تعالى بعبادته له)، والمقصد هنا: الذي لا يكون إلا لله ﷿، وهو حب يملأ قلب الإنسان، ويفضل ربه سبحانه على ما سواه ولا أحد معه ﷾، ويكون مع هذا الحب الخوف الشديد من الله سبحانه، فالإنسان قد يحب إنسانًا في الدنيا ولكن لا يخاف منه، قد يخاف من إنسان ويرعب منه ولكن لا يحبه، لكن جمع كمال الحب مع كمال الخوف والذل، هذا لا يكون إلا لله ﷾، ولو أن الإنسان يخاف من ولي وقيل له: احلف بالله أنك لم تأخذ هذا الشيء، وقال: والله لم آخذ ذلك الشيء، فقيل له: احلف بفلان فخاف من ذلك، فهو يحبه ويخاف منه أن يعاقبه، فهذا مشرك بالله ﷾؛ لأن الحب والخوف لا يكون إلا لله ﷾.
يقول ابن القيم ﵀: (وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له، فهذا الحب وإن سمي عشقًا فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما)، يعني: قوله: وإن سمي عشقًا في كلام أهل الدنيا وإلا فالتأدب مع الله ﷾ أنه يحب بالألفاظ التي وردت في الكتاب وفي السنة، أما لفظة (عشق) لم تأتِ في القرآن ولا في السنة، فهو لا يقول: إنه قال ذلك عن الله، وإن سمي مثل ذلك، فالأدب مع الله أن لا نقول: غير ما قاله ﷾، فنحن نحب الله، والذين آمنوا يحبون الله سبحانه وهم أشد حبًا لله، ولم يقل عشقًا لله سبحانه.
يقول ابن القيم ﵀: (وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله تعالى، فلا يحب إلا لله ولا يحب إلا الله).
وفي الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) إذًا: لا ينفي أنه يحب غير الله وغير الرسول ﷺ، فالمحبة موجودة، فهو يحب المؤمنين ويحب أهل الإسلام، ويحب نصر المسلمين، وفي قلبه الحب لأهل الدين، ولكن المقصود هنا: كمال المحبة، وكمال المحبة لا تكون إلا لله وحده ﷾، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فهو يحب إنسانًا لكونه مطيعًا لله، ويحبه لكونه أمر أن يحبه لأنه مسلم، ويحب زوجته؛ لأن الله جعل بينهما مودة ورأفة ورحمة منه سبحانه فيحب على ذلك، فهو يحب ما أحب الله ويحب بحبه لله سبحانه.
قال رسول الله ﷺ: (وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) وهذا من كمال إيمان الإنسان، ومن وجد هذه الثلاثة الأشياء وجد كمال الإيمان وحلاوته.
فمن حب الله سبحانه ورسوله صلوات الله وسلامه عليه: أن يحب في الله سبحانه.
ومن كمال الإيمان أن يكره الكفر أهله، ويكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار، فيجتمع في قلبه الإيمان، ويكون قد ذاق حلاوته.
يقول ابن القيم ﵀: (ومحبة رسول الله ﷺ هي من محبة الله تعالى، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبته)، يعني: لا مانع أن يحب الناس، لكن يحب الناس حبًا في الله سبحانه؛ لأنه أمر بذلك شرعًا، قال: (ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر)، يعني: يكره ما يكرهه الله، وأبغض الأشياء إلى الله الكفر وأهله، كذلك المؤمن يكره هذا الذي هو بغيض عند الله ﷾.
يقول ﵀: (ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهيته لإلقائه في النار أو أشد، ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة).
ثم قال: (وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها) أي: الذي تحبه لله تقدمه على كل شيء، إلى آخر كلامه ﵀.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي الصحيحين (عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟» أعظم الذنوب: الشرك بالله سبحانه، (قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)، يعني: والحال أنه قد خلقه، فكيف يكون ذلك؟! الله يخلق والله يرزق ثم تجعل له ندًا في ذلك، فهذا من أعظم الذنوب التي يقع فيها الإنسان.
[ ٨ / ١١ ]
حرمة الأموال والدماء بكلمة التوحيد والكفر بما يعبد من دون الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: وفي الصحيح يعني: في صحيح مسلم: (من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿)، أنت تقول: لا إله إلا الله، يعني: لا أعبد إلا الله ﷾، فحصرت هذه العبادة أنها لا تكون إلا له وحده لا شريك له، والله ﷾ يقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فهما متلازمان، يتلازم حبك لله مع بغضك للشرك بالله والكفر به ﷾، ويتلازم إيمانك بالله مع كفرك بالطاغوت، وبكل ما يعبد من دون الله ﷾، والنبي ﷺ يؤكد هذا المعنى فيقول: (من قال لا إله إلا الله وكفر ما يعبد من دون الله) فعبد الله وحده لا شريك له، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ودخل في هذا الدين (حرم ماله ودمه وحسابه على الله).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)، فالأصل أن يأتي الإنسان بكلمة التوحيد فيعصم دمه ويعصم ماله، ومن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وشهد للنبي ﷺ بالرسالة بهذه الكلمة دخل في هذا الدين، ولما دخل في هذا الدين نقول: عصم دمه وعصم ماله، إلا إذا ترك الصلاة وترك الزكاة وترك ما أمر الله ﷿ به؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ويقول أيضًا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)، وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله).
إذًا: للدخول في الإسلام لا بد من قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ، والإقرار بما جاء من عند الله ﷾، واليقين بذلك، الإتيان بشروط لا إله إلا الله المعروفة: العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والإخلاص والمحبة، وتارك الصلاة يعاقب، ولو وصل الأمر للمقاتلة؛ لكونه ترك أمرًا من أمور الدين التي فرضها الله ﷾، كما قاتل الصحابة مانعي الزكاة، وسموهم مرتدين، وإن لم يكونوا كلهم مرتدين، فمن مانعي الزكاة من ارتد وجحد هذه الزكاة فهذا مرتد، ومنهم من قاتل ورفض أن يدفعها تأولًا منه أن الزكاة كان يقبلها النبي ﷺ، والذين مكان النبي ﷺ ليسوا مثله، فعلى ذلك لا نعطيها لهم، أو أنهم شحوا بها وبخلوا، أو أنهم قالوا: إن النبي ﷺ في وجوده كان يصلي علينا، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، وهؤلاء ليسوا مثل النبي ﷺ، ولكن الصحابة قاتلوا الجميع، وسموا هذا القتال: قتال المرتدين، باعتبار أن البعض كانوا مرتدين، ولكن ليس الجميع، فمن بخل بالزكاة ليس كافرًا، والذي تكاسل عن الصلاة اختلف العلماء فيه، هل هو كافر أم ليس كافرًا، والذي جحد الصلاة ورفض أن يصلي وقوتل وفضل أن يقتل على أن يصلي فهذا لا يظن به الإيمان، لكن من ترك الصلاة يؤتى به ويعذر على ذلك ويحبس، فإن صلى وإلا قتل على تركه للصلاة.
فالإسلام يعصم الدماء ويعصم الأموال إلا بالحق.
إذًا: فهذا مسلم معصوم الدم، لكنه تارك للصلاة، فيؤمر بالصلاة، فإن صلى وإلا قتل؛ لأنه ليس معصومًا الدم الآن إذا ترك هذه الصلاة وأصر على تركها، كذلك الزكاة يؤمر بإيتاء الزكاة، وتركه للزكاة وهو مقر بها ليس معناه أن هذا الإنسان كافرٌ أو خارج من الدين، ولكن كونه يمنع ويقاتل عليها فهذا يشكك في إسلامه، فإذا كان يرفض دفع الزكاة ويقاتل وهو يرفض دفعها ويظن أن من حقه أن يمنعها أو أنها ليست فريضة فرضها الله سبحانه فهو كافر، لكن إذا كان الإنسان منعها تكاسلًا أو بخلًا وشحًا فهذا تؤخذ منه الزكاة ويعزر على ذلك وليس كافرًا.
كذلك في أمر الصلاة إذا كان متكاسلًا عنها، فالراجح: أنه ليس كافرًا كفرًا مخرجًا من الملة إلا أن ينكر الصلاة ويجحدها، لكن للحاكم أن يعزر هذا الإنسان، وقد يصل به الأمر إلى أن يقتل تارك الصلاة والمانع للزكاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله)، يعني: يقول: لا إله إلا الله، ويصاحبه الكفر بالطاغوت، والكفر بالمعبودات من دون الله، فإذا عبد الله، وتوسل ودعا ورجا وخاف من غير الله فيما لا يكون إلا لله ﷿ فقد أشرك بالله ﷾، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فالإيمان بالله وتوحيده يلازمه الكفر بالأصنام وبكل ما يعبد من دون الله ﷾.
يقول: (حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو تردد).
ولا بد من هذا القيد؛ لأنه ليس لازمًا أن يقول: لا إله إلا الله وأنا أكفر بما يعبد من دون الله، فلم يأت عن النبي ﷺ أنه أمر أحدًا أن يقول ذلك، فأنت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، والآية تقول: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فهذا مقتضى قول لا إله إلا الله، أي: إذا قال ذلك فاللازم له أنه يكفر بالطاغوت، إلا أن يصرح بخلاف ذلك، أي: يقول: لا إله إلا الله وهو يعبد من دون الله كذا وكذا، إذًا: فهذا لم يكفر بالطاغوت.
وهذا هو الشرط المصحح لقوله: لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلًا، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] فأمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويخلصوا أعمالهم لله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعًا، ولكن لم يكفروا إجماعًا، فهم يقاتلون على ترك الصلاة، ولابد أن يفرق بين من يعترف بها ويتكاسل عنها وبين من يجحدها، فالذي يجحدها لم يدخل في دين الله ﷿؛ لأن الله أمر بها، وهذا من المقطوع بعلمه في الدين، كذلك الزكاة، ولكن إن دخل في الإسلام وأقر بالصلاة وبالزكاة ولكنه تكاسل عن هذا أو ذاك لا يكفر بمجرد ذلك، ولكن يعزر ويحبس حتى يفعل ما أمر الله ﷾ به.
إذًا: فكلمة لا إله إلا الله وحدها تدخل الإنسان في دين الإسلام، فإذا ترك شيئًا مما جاء وعلم من الدين بالضرورة مستحلًا للترك، وأنه من حقه أن يشرع، ولا يريد هذا الذي أمر الله ﷿ به، فهذا من الكفر، أما إذا هو مقر بذلك، موقن أنه من عند الله ولكنه متكاسل، فالراجح: أنه ليس كافرًا خارجًا من الملة على ذلك، والله أعلم.
[ ٨ / ١٢ ]
الأسئلة
[ ٨ / ١٣ ]
تقسيم الميراث بين بعض الورثة دون آخرين
السؤال
هل يجوز لامرأة أن تعطي أساورها الذهبية لبناتها بالتساوي حتى لا يرث أحد معهن، وهي ليس لها أبناء رجال، ولكن لها زوج؟
الجواب
هذه النية خطأ وخطر على الإنسان، أي: نية أن يعطي الميراث في حياته حتى لا يورث بعد حياته، فهذا غير جائز، ولكن العطية في غير مرض الموت تجوز للمرأة ويجوز للرجل، فلا بأس أن يعطي أولاده ويسوي بينهما، هذا أمر جائز، فالنبي ﷺ في قصة النعمان بن بشير لما أراد أن ينفل ابنه نفله، فامرأته قالت: أشهد النبي ﷺ، فذهب يشهد النبي ﷺ على ذلك، فقال له النبي ﷺ: (ألك ولد غيره؟ قال: نعم، قال: أكل ولدك أعطيت؟) والزوجة لم تدخل في العطية، قال: (أكل ولدك أعطيت؟ قال: لا، قال: أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: فاعدل بينهم) وقال: (لا تشهدني على جور) فالنبي ﷺ سمى ذلك جورا، فيجوز للرجل أن يعطي عطية لأولاده في حياته وهذا شيء جائز، وكذلك المرأة لبناتها فهذا جائز، لكن بغير هذه النية، أي: نية الحرمان من الميراث، يعني: لا تكون نيتها أن كل ميراثها من الذهب الذي معها تعطيه للبنات حتى لا يأخذ الزوج شيئًا منه فهذا غير جائز، لكن إن أعطت أشياء وتركت أشياء بغير هذه النية، أي: بقصد العطية للأولاد فهذا جائز، إلا أن يكون في مرض الوفاة.
[ ٨ / ١٤ ]
كيفية استشعار مراقبة الله ﷿ والشعور بالخوف والحياء منه سبحانه
السؤال
كيف أستشعر مراقبة الله ﷿، يعني: الشعور بالخوف والحياء اللذين بمثابة الحاجز القوي الذي لا يمكن تخطيه وتجاوزه بالوقوع فيما حرم الله؟
الجواب
يستشعر الإنسان مراقبة الله سبحانه بما ذكره والنبي ﷺ بقوله: (صلِّ صلاة مودع)، أي: يظن أن لا يصلي غيرها، إذًا: وأنت تصلي تظن أنك لن تصلي صلاة ثانية، وتراقب الله كأنه أمامك، وكأنك تنظر إليه أمامك، فلو أنك في عمل والمدير واقف أمامك، ستتقن العمل؛ لأنك تخاف من هذا المدير، ولله ﷿ المثل الأعلى، فلو استشعرت أنك واقف أمام الله الذي سيحاسبك على هذا الذي تفعل، فأنت مراقب لله، ومراقبة الله: دوام التذكر أن الله يراك، وأنه يقدر عليك، وأنه سيحاسبك، وكلما عمل الإنسان شيئًا كلما تلفظ بقول من الأقوال، وكلما استحضر ذلك استحضر مراقبة الله سبحانه، وإذا استحضرت ذلك استحييت من الله؛ لأنك تعلم أنه يقدر عليك، وأن الله يملي للإنسان فإذا أصر على ذلك أخذه أخذ عزيز مقتدر ﷾، فتستشعر الخوف من الله والحياء منه ﷾.
[ ٨ / ١٥ ]
حكم القول: عزمت عليك بما عليك
السؤال
في قول عائشة ﵂: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، يقول السائل: هل هذه الكلمة تعني: حلفتك، وهل هذا من الحلف بغير الله، وهو الحلف بحق الشخص؟
الجواب
كلمة عزمت عليك تأتي بمعنى الحلف، فإذا قال: عزمت عليك بالله فهو حلف بالله ﷾، وإذا قال: عزمت عليك فقط، رجعت إلى نية الإنسان، أي: هل مراده الحلق بالله ﷾ أم ليس حلفًا؟ يعني: حسب ما يقصده الحالف وهذه الكلمة جاءت كثيرًا في كلام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فهنا في قصة السيدة عائشة ﵂ قالتها لـ فاطمة ﵂، كما في الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة ﵂: لما توفي النبي ﷺ، قالت للسيدة فاطمة ﵂: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني، كأنها تقصد حلفت عليك بالله ﷾، وشددت عليك في هذا القسم ولي عليك من الحق أن تبري يميني، فهذا حق الإنسان المسلم.
إذًا: فالحلف هنا ليس بغير الله سبحانه، وإنما هو بالله ﷿، فكأن السيدة عائشة تحلف، وتعني بـ: عزمت، أقسمت عليك بما لي عليك من الحق فافعلي، إذًا: من حقوق المسلم على المسلم أن يعوده إذا مرض، وأن يشيع جنازته إذا مات، وأن يبره إذا أقسم.
[ ٨ / ١٦ ]
رحمة الله الواسعة
السؤال
في الحلقة الماضية قلت: لا إله إلا الله لها سبعة شروط من حققها دخل الجنة وقلت: سيأتي يوم القيامة إنسان بتسع وتسعين صحيفة مد البصر كلها معاصٍ لم يعمل خيرًا قط، فيقول: لا إله إلا الله وتتطاير الصحف ويربح، فلماذا دخل الجنة على الرغم من أنه لم يعمل خيرًا قط؟
الجواب
أذكرك بحديث النبي ﷺ الذي ذكر فيه أن إنسانًا كان عابدًا لله سبحانه، وآخر كان عاصيًا لله سبحانه، هذا عابد طيلة عمره، وذاك عاصٍ طيلة عمره، فالعابد يمر على العاصي ويقول: اتق الله، اتق الله، ولا يزال يقول له ذلك حتى قال له العاصي مرة من المرات: دعني وربي، ما أرسلت علي بوكيل دعني وربي، فلما قال ذلك قال العابد: والله لا يغفر الله لك، فقال الله ﷿: (من هذا الذي يتألى علي أن لا أغفر له! قد غفرت له وأدخلتك النار).
فلا يسأل الله عما يفعل سبحانه، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فلابد من التأدب مع الله ﷾.
والحديث الذي عند الترمذي ورواه ابن ماجة وفيه: (أن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفه والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء).
فرحمة ربي العظيم عظيمة، ومع ذلك أخبرنا في الحديث أن من المؤمنين من يدخل النار قال النبي ﷺ: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له ثغاء) أو كما قال ﷺ، فذكر البعير وذكر الشاة، وذكر الفرس، وذكر الإنسان، وذكر الرقاع، وذكر الصامت: الذهب أو الفضة، فيقول: (يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لكم شيئًا قد بلغتكم) فهؤلاء الذين جاءوا يحملون هذه المظالم ويدخلون بها النار، لم يكونوا يقولون: لا إله إلا الله صدقًا، فهناك فرق بين هذا الإنسان الذي قال: لا إله إلا الله بعلم ويقين، وإقرار وصدق ومحبة فيغفر له بذلك ما كان من ذنوبه، وبين من قالها بغير توفر شروطها، والله أعلم من يستحق الجنة ممن قال: لا إله إلا الله ومن يستحق النار من أهل لا إله إلا الله، وفي رواية ل ابن ماجة قال: (فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل مد البصر، ثم يقول الله ﷿: هل تنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: يا رب لا، فيقول: أظلمتك كتبتي الحافظون؟ ثم يقول: ألك عن ذلك حسنة؟ فيهاب الرجل)، فالرجل يخاف يوم القيامة، فأعماله في تسعة وتسعين سجلًا، ولم يقل: كلها معاصٍ وكبائر، ولكن سجلات الإنسان يُكتب فيها كل ما فعله من مباح ومكروه وحرام وطاعات، فيها كل ما فعل الإنسان، فكأن هذا الإنسان عرضت عليه السجلات فكانت مليئة بالسيئات ولم يقل: لم تكن له حسنة قط، حتى الإنسان الذي جاء به ربه سبحانه وقال: أعملت خيرًا قط؟ قال: لا، قال أهل العلم: من الدهشة والحيرة نسي، وإلا فالله ﷿ قد ذكره أنه عمل حسنة في يوم من الأيام، (أنه كان يبايع الناس فينظر الإنسان الموسر ويتجاوز عن المعسر، فالله ﷿ قال: نحن أحق بذلك منك فتجاوز عنه)، ومع ذلك قال الرجل: إنه لم يعمل حسنة ولم يعمل خيرًا قط؟ فهنا لم يعمل خيرًا قط في ظنه، إذْ نسي مع الدهشة والخوف، ولفظ الحديث قال: (سيخلص رجلًا من أمتي) هذه رواية الترمذي، ورواية ابن ماجة: (يصاح برجل من أمتي) فيخاف الإنسان ويفزع لما يصاح وينادى به أمام الخلائق، وتعرض أمامه السجلات ولا يعرف شيئًا، ويظن أنها كلها سيئات، والإنسان إذا نظر في الدنيا أنه عصى الله ﷾، وجيء به يوم القيامة وتذكر ذلك، ذهب وهله، وذهب ذهنه، وذهبت ذاكرته، فلا يتذكر خيرًا فعله، مع كونه أمام رب العالمين ﷾، فهنا الإنسان الذي أتى بكلمة لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه مقرًا موقنًا بها محبًا لها ولأهلها، محبًا لله ﷾، راضيًا بدينه، مخلصًا في عمله، هذا تنفعه فهذا الكلمة يوم القيامة حتى وإن أتى بمعاصٍ كثيرة.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحابته أجمعين.
[ ٨ / ١٧ ]