إن الذبح تقربًا وتعظيمًا عبادة عظيمة، فلا يجوز أن تصرف لغير الله تعالى؛ فالله هو المحيي، وهو المميت؛ لذا فهو المستحق للعبادات سبحانه، والعبد المسلم المؤمن يجعل حياته ومماته وذبحه وصلاته وجميع عباداته لله سبحانه، وضل قوم وهلكوا عندما صرفوا هذه العبادة وغيرها لغير الله من الأولياء والجن والملائكة وغير ذلك.
فقد دخل النار رجل بسبب ذبحه ذبابة لغير الله، مع أنه أراد التخلص من شر بعض الناس، فكيف بمن يقرب القربان والذبائح إلى غير الله وهو خاشع ذليل منكسر!!!
[ ١١ / ١ ]
حكم الذبح لغير الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الذبح لغير الله، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢].
وعن علي ﵁ قال: (حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض)، رواه مسلم.
وعن طارق بن شهاب البجلي أن رسول الله ﷺ قال: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب قالوا له: قرب ولو ذبابة، فقرب ذبابة فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة)، رواه أحمد.
[ ١١ / ٢ ]
تفسير قوله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي)
هذا الباب هو الباب العاشر من كتاب التوحيد، وفيه ما جاء في الذبح لغير الله ﵎، أي: ما حكم أن يذبح إنسان لغير الله سبحانه؟ فذكر قول الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فأمر الله ﷿ نبيه ﷺ أن يقول ذلك، أي: إن عبادتي كلها وحياتي كلها ومماتي كله لله رب العالمين سبحانه، ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣].
(قُلْ إِنَّ صَلاتِي (وهي نوع من أنواع العبادات كالصوم والزكاة والحج وغيرها من العبادات، وهي من أركان الإسلام، بل هي أعظم أركان الإسلام بعد التوحيد.
قوله: (وَنُسُكِي) النسك: هو الذبح، فمن أعظم العبادات الصلاة والذبح، والصلاة عبادة بدنية والذبح عبادة مالية، فمن أعظم ما يكون من عبادات البدن الصلاة، ومن أعظم ما يكون من العبادات المالية الذبح لله سبحانه، فخص ثم عمم بعد ذلك، يعني: ليست هذه العبادة فقط، بل كل عباداتي لله رب العالمين سبحانه، ومحياي كله لله، فأحيا مطيعًا لله، عاملًا لله، عابدًا لله، فمماتي يملكه الله، ومرجعي إلى الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] النسك قال مجاهد: هو الذبح في الحج والعمرة.
وقال غيره من العلماء كـ سعيد بن جبير: النسك الذبح سواء كان في حج أو في عمرة أو في أضحية أو في غير ذلك من نذر ونحوه، وهذا لا يكون إلا لله سبحانه.
قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢] أي: وما آتيه في حياتي من أعمال وعبادات وما أموت عليه، فإن ذلك لله رب العالمين.
وقوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] لها معانٍ، فالذي أحياني هو الله رب العالمين، والذي أعمل له ويعينني على هذا العمل الله رب العالمين، والذي أخلص له عملي وأتوجه إليه بعبادتي هو الله رب العالمين، فهذا في محياي.
ومحيا وممات على وزن مفعل وهو مصدر ميمي، ومعناهما: حياتي ومماتي، فالحياة والموت كلها لله رب العالمين سبحانه، فمماتي يملكه الله سبحانه، والحساب بعد الممات والجزاء والثواب والعقاب بيد الله.
وأيضًا مماتي ما أموت عليه في وقت وفاتي، فأموت على كلمة التوحيد وأموت على الإخلاص لله رب العالمين.
قوله: (لله) هذا توحيد الألوهية، فالله وحده أتوجه إليه.
قوله: (رب العالمين): فيه توحيد الربوبية، فالذي أفعل ما يريد والذي أحياني والذي أماتني، والذي شرع لي فأطعته في ذلك هو الرب سبحانه لا شريك له في ألوهيته ولا في ربوبيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته العلا سبحانه.
[ ١١ / ٣ ]
اتفاق الأنبياء في العقيدة واختلافهم في الشرائع
قوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٣] أي: أن تكون حياتي ومماتي وصلاتي ونسكي لله رب العالمين، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤] فأمر الله ﷿ بالإخلاص وهنا قال: ﴿وَبِذَلِكَ﴾ [الأنعام:١٦٣] أي: بإخلاص العبادة لله سبحانه وتوحيده: ﴿أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، فالنبي ﷺ هو أول المسلمين في هذه الأمة، ومن قبله من الأنبياء كل نبي بعث إلى أمته فهو أول المسلمين في تلك الأمة، والإسلام هو دين الله رب العالمين الذي قال فيه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فهو دين الله الذي بعث به الرسل، فكل الرسل دعوا أقوامهم إلى أن يسلموا أنفسهم لله وأن يتوجهوا بعباداتهم إليه.
فكل نبي بعث بأن يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وصرح أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام بأنهم مسلمون لله سبحانه، وهذا تجده كثيرًا في كتاب الله سبحانه.
وقد دعا إبراهيم ﵊ ربه فقال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧]، وهذا حين رفع القواعد من البيت، ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧] قائلين: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٨].
وإبراهيم ﵊ هو أبو الأنبياء من بعده جميعهم، وقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨]، وذكر أيضًا: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ [البقرة:١٣٢] أي: بهذه الوصية وبهذه الكلمة، وهي كلمة التوحيد والإسلام، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢].
إذًا: فقد قالها إبراهيم وقالها إسماعيل ووصى بها يعقوب بنيه أن يموتوا على الإسلام.
وكذلك ذكر الله ﷾ في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ﴾ [البقرة:١٣٦] أي: لله ﷿: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦].
فكلمة الإسلام: هي التسليم لله سبحانه، وهي الحياة على هذا الدين والوفاة على هذا الذي أمر الله ﷿ به عباده، وانظر في سورة آل عمران إلى قول الله ﷿: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران:٥٢] وهم أتباع المسيح ﵊، ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢].
فهذا الذي قاله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وقاله إسماعيل كذلك قاله المسيح ﵊، وقاله الحواريون، قال الله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١] فقالها الحواريون لله سبحانه.
وقالها أيضًا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد ذكر الله ﷿ في سورة يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ [يونس:٧١] أي: يدعو قومه، وقد كان نوح قبل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقال لقومه: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧١ - ٧٢]، فأمر نوح ﵊ أن يكون من المسلمين، وقال ذلك لقومه.
وكذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام في السورة نفسها: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤].
إذًا: قالها نوح، وقالها إبراهيم، وقالها إسماعيل، وقالها يعقوب، وقالها موسى، وقالها المسيح ابن مريم، وقالها الحواريون.
إن الإسلام هو دين رب العالمين سبحانه، وقد قال لنا سبحانه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، فكلمة الإسلام جعلها الله أعظم وأحلى وأجمل كلمة، وكلمة التوحيد هي كلمة الإسلام، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، لا أحد أحسن من هذا.
وإذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﷿ لهم: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩]، فهذه الكلمة العظيمة التي قالها الأنبياء قالوها وهم يدعون الناس إلى هذا الدين العظيم: دين الإسلام.
فكل الأنبياء يدعون إلى كلمة التوحيد، فالعقيدة واحدة لا تتغير ولا تتبدل، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، فهذه لا تتغير في كل الأديان، فالله ﷿ يأمر بهذا التوحيد العظيم في كل الأديان، ولكن تختلف الشرائع، فهناك أشياء يحلها الله لأقوام ويحرمها على آخرين بحسب أعمال العباد، فقد يضيق على بعض الأمم بسبب ظلمهم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١] فبكفرهم وبصدهم عن سبيل الله سبحانه، وأكلهم الربا، وأخذهم إياه، حرم الله سبحانه عليهم بعض الطيبات.
وأما في ديننا فقد وسع لنا أمر الطيبات وأباح لنا كل الطيبات، ولم يحرم علينا شيئًا طيبًا، فقال عن النبي ﷺ: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: بكل معروف، ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: عن كل منكر، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] واللام في الطيبات لام الجنس فتعم كل الطيبات التي خلقها الله سبحانه، فهي حلال تفضلًا من الله على هذه الأمة.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] يعني: جنس الخبائث، فكل ما كان خبيثًا فهو محرم علينا في ديننا، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فالأغلال التي كانت على السابقين ليست علينا كما سيظهر في الأحاديث التي ستأتي.
وقال هنا: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣] يعني: في هذه الأمة، فهو ﵊ أول من قال هذه المقالة ودعا الناس عليها ﵊، قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣].
والكوثر نهر عظيم في الجنة يشرب منه المؤمنون، ماؤه أحلى من العسل، وأشد بياضًا من الثلج، وعدد آنيته كعدد النجوم، فهذا شيء عظيم جدًا، ومن شرب منه لا يظمأ بعده أبدًا، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا ممن يشربون منه.
وقال هنا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] أي: إن أعطاك ربنا هذا الحوض العظيم في جنته كي تشرب منه وتسقي منه المؤمنين، فإن الواجب عليك والجزاء منك: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، فعبر هنا بأعظم عبادتين؛ ولذلك عقب بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب والتسبب في ذلك، أي: لأننا أعطيناك الكوثر فتعبد لله بأعظم ما يكون من العبادة فصل لله وانحر واذبح لله سبحانه، فعرفنا بذلك فضل هاتين العبادتين: الصلاة لله ﷿، والذبح لله سبحانه، فالصلاة عبادة بدنية، والذبح عبادة مالية، وفيها تعب بدني إن كان الإنسان يذبح بنفسه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أمره الله سبحانه أن يجمع بين هاتين العبادتين -وهما: الصلاة والنسك- الدالتين على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عدة الله سبحانه، عكس أهل الكبر والنفرة.
فالمستكبرون يتركون الصلاة، وإذا جاء وقت الأضحية أو غيرها فإنه لا يكلف نفسه أن يفعل ذلك.
قال: عكس أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في الصلاة إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر؛ ولهذا جمعها الله ﷿ في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] الآية، قال: والنسك: الذبيحة لله ﷿ ابتغاء وجهه.
فأجل الع
[ ١١ / ٤ ]
لعن النبي لأصناف من الناس في حديث علي بن أبي طالب
وعن علي ﵁ قال: (حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات)، وهذا الحديث سببه كما قال أبو الطفيل: قلنا لـ علي: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله ﷺ، فقد كانوا يظنون أن النبي ﷺ أسر له بشيء؛ لكون علي ابن عمه، ولكونه زوج ابنته، والنبي ﷺ كان يذهب إليه في بيته كثيرًا، وهو الذي رباه ﵊، إذًا فيكون قد أسرّ له بشيء لم يذكره لغيره.
فقال علي ﵁: ما أسر إلي بشيء كتمه الناس وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه أن يخص عليًا بشيء من الشرع دون غيره من الناس، فقد قال له ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، ولو أنه كتم شيئًا ﵊ فإنه لم يبلغ الرسالة، فقد أمره الله ﷿ بتبليغ كل شيء، فالشريعة تكون للجميع، وقد يسر لأحد أصحابه سرًا في أن فلانًا هذا منافق، وهذا لن يعمل به المسلمون شيئًا، فهذا المنافق سيموت وسينتهي هذا الجيل، فالذين يأتون بعد ذلك لن يستفيدوا شيئًا من هذا الشيء، فيسر النبي ﷺ ذلك إلى البعض كما أسر لـ حذيفة بأسماء مجموعة من المنافقين، فكان حذيفة لا يصلي على هؤلاء إذا ماتوا، فهذا السر ليس من الأحكام التي يطالب الناس بالعمل بها ولذلك لم يقله النبي ﷺ لأحد غير حذيفة وجعله على وجه الإسرار، فهذا يكون فيه الإسرار، وأما الشريعة والتكليف والأعمال التي تقرب إلى الله والتي تباعد من الله فليس للنبي ﷺ أن يسرها لأحد من أصحابه، بل يجب أن يبلغ هذا إلى كل المؤمنين.
قال علي ﵁: ولكن سمعته يقول: (لعن الله من ذبح لغير الله).
إذًا: فالذبح إما أن يكون لله ﷿، فهذا الذي يؤكل منه، وإما أن يكون لغير الله فهو ميتة وهو شرك بالله سبحانه، ولا يجوز لأحد أن يأكل منه.
قال: (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثًا)، وهذه فيها وجهان: (من آوى محدِثًا) و(من آوى محدَثًا)، وكلاهما صحيح، فالمحدِث: اسم فاعل، وهو الذي يحدث الحدث، كأن يقتل إنسان إنسانًا ويهرب ويلجأ إلى قوم، فأخذوه بعدما قتل عمدًا وعدوانًا وأخفوه عندهم من أجل ألا يقتص منه، فهذا محدث أحدث حدثًا، والمحدث أيضًا قد يكون وقع في جرم يستحق عليه العقوبة، أو في ابتداع يستحق عليه التعزير، فيأتي إنسان ويأوي صاحب الحدث، (لعن الله من آوى محدثًا).
والمحدَث -بالفتح- هي البدعة والشيء الذي أحدث في الإسلام ولم يكن قبل ذلك، فالذي يأوي المحدث الذي يدافع عن البدعة، والذي يأويها، والذي ينشرها بين الناس قد لعنه النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال: (لعن الله من آوى محدِثًا)، وكذلك (من آوى محدَثًا).
وقال هنا في الحديث: (لعن الله من لعن والديه)، فالذي يلعن ويسب ويشتم والديه ويدعو عليهما هذا ملعون.
قوله: (لعن الله من غير منار الأرض)، مثل أن يغير علامات الطريق، فالناس يعرفون أن الطريق يكون في السكة الفلانية، فيقوم إنسان ويغير علامات الطريق كي يتوه الناس.
ويدخل في ذلك من يغير العلامات والحدود بينه وبين جاره، فأرضه تنتهي إلى العلامة الفلانية ثم تبدأ علامة جاره، فيذهب ويغير هذه العلامة ويزيد في حقه مترًا أو مترين من أرض جاره.
وجاء في رواية: (من غير تخوم الأرض)، وكأنها الحدود والعلامات التي تكون على الأرض.
[ ١١ / ٥ ]
معنى اللعن وحكمه
واللعن: هو الطرد من رحمة رب العالمين سبحانه، فإذا لعن الله أحدًا فيكون قد حكم عليه بأنه مطرود من رحمته سبحانه، فاللعن: هو البعد عن رحمة الله سبحانه.
وقالوا أيضًا: الإنسان اللعين والإنسان الملعون هو الذي استحق ذلك، وأصل اللعن كما يقول أبو السعادات بن الجزري: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء.
فاللعن بين الناس هو السب، وكلمة اللعن كلمة خطيرة جدًا، فالإنسان الذي يقول لإنسان آخر: لعنك الله، هذه اللعنة تضيق عنها أرجاء الأرض والسماء، فالكلمة تخرج من فم هذا الإنسان فلا تجد لها مكانًا، فتصعد إلى السماء فلا تجد مكانًا، وتنزل إلى الأرض فتضيق عنها الأماكن، فليس هناك إلا اثنان: القائل والمقول له، فإما أن يكون هذا الملعون يستحق أن تنزل عليه هذه الكلمة فتصيبه، وإما أنه لا يستحقها فترجع على قائلها، إلا أن يكون الذي قال ذلك هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فبينه وبين الله ﷿ عهد أنه أيما إنسان لعنه النبي ﷺ أو دعا عليه وكان لا يستحق ذلك تحولت هذه اللعنة إلى رحمة من الله سبحانه، وأما غير النبي ﷺ فإذا لعن أحدًا ففيه ما ذكرنا.
والله ﷿ قد لعن الكافرين وأعد لهم سعيرًا، وأخبر باللعن على أقوام، فهل يجوز للإنسان أن يلعن هؤلاء الأقوام بأعيانهم أم بعمومهم؟ اختلف العلماء في ذلك، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦٤]، إذًا فالكافر ملعون، لكن هل أقول لفلان الكافر: لعنة الله عليك؟ اختلف العلماء في ذلك، فرجح بعضهم الجواز؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، والبعض الآخر من العلماء قالوا: الأحوط ترك ذلك؛ لأنك لا تدري فعلك تدعو عليه باللعنة والطرد من رحمة الله ثم هو يموت على غير ذلك، فلعله يسلم بعد ذلك فيموت على الإسلام، فلا تدعو على أحد بعينه باللعنة، فلعل هذا الإنسان يرحمه الله ﷿ ويتوب، وكم من أناس كانوا في الجاهلية كفارًا ومن أشد المؤذين للنبي ﷺ ثم تاب الله ﷿ عليهم بعد ذلك فأسلموا.
قالوا: ولا تقس نفسك على النبي ﷺ، فإنه يلعن من علم أن الله ﷿ قد لعنه، وهو لا ينطق عن الهوى، فإذا لعن إنسانًا وكان هذا الإنسان يستحق ذلك فهو ملعون، وإن كان لا يستحق ذلك فهذا اجتهاد منه ﷺ، وتحول هذه اللعنة عند الله ﷿ إلى رحمة على هذا الإنسان.
إذًا: فالراجح في ذلك أنك لا تدعو على أحد بعينه باللعنة، ولكن إذا لعنت فقل: لعنة الله على الكافرين، أو تلعن أشخاصًا قد لعنهم الله ﷿ وماتوا على ذلك كـ أبي لهب وأبي جهل وغيرهم من الذين من قبلهم، كقوم فرعون وجنوده، وهامان وقارون، فقد ماتوا على ذلك، وقد ذكر الله سبحانه في كتابه أنهم من رءوس الكفر، فيجوز أن نلعن هؤلاء، وأما الأحياء فإن كانوا على الكفر وما زالوا أحياءً فلعلهم يموتون على الكفر، ولعلهم أن يتوبوا إلى الله ﷿، إذًا فلا داعي للعنهم بأعيانهم، وكذلك الظلمة تقول فيهم: لعنة الله على الظالمين، ولعنة الله على المجرمين، ولعنة الله على الكافرين، لكن لا تلعن إنسانًا بعينه.
[ ١١ / ٦ ]
خطورة الذبح لغير الله تعالى
قوله: (لعن الله من ذبح لغير الله)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ظاهره أنه ما ذُبح لغير الله.
فالإنسان الذي يذبح شيئًا لغير الله سبحانه مثل أن يقول: هذا الذبح للبدوي، وهذا الذبح لكذا، ويسمي من يذبح له بدلًا من أن يسمي الله سبحانه، أو يسمي الاثنين فيقول: هذا لله وللبدوي، أو هذا لله ولـ أبي العباس، فهذا من الشرك بالله سبحانه، ولا يكون الذبح إلا لله وحده لا شريك له، وكذلك غيرهم يذبحون ويقولون: باسم المسيح، فلا يجوز أكل ما ذكر اسم غير الله ﷿ عليه، هذا إن كان المسلم يعرف ذلك.
ولذلك فذبائح أهل الكتاب قد أحلها الله ﷿ في كتابه بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]، فطعام الذين أوتوا الكتاب المقصود به هنا باتفاق المفسرين: أنه ذبائح أهل الكتاب، فهذا مخصوص وليس على عمومه، فأهل الكتاب يأكلون الموقوذة، ويأكلون المذبوح وغير المذبوح، إذًا فالآية مخصوصة بما ذبح.
الأمر الثاني: معلوم أن أهل الكتاب يعبدون غير الله سبحانه، فيتوجهون بالعبادة إلى المسيح، وإلى عزير، وإلى غير ذلك، فإذا ذبحوا وكان ذلك مما يحل لنا في ديننا جاز لنا أن نأكله طالما عرفنا أن هذا قد ذبح.
وأما إذا كان ميتة أو خنزيرًا أو شيئًا لا يحل لنا في ديننا حتى ولو ذبحوه فلا يجوز لنا أن نأكله، لكن إذا كان ما يحل لنا في ديننا فذبحه أهل الكتاب ولم نعرف هل ذكروا الله أو ذكروا غير الله ولم نسمع ذلك، فالراجح أنه يحل لنا أن نأكله.
ومن باب أولى ما ذبحوه أمامنا ولم يذكروا عليه شيئًا فإنه يجوز لنا أن نأكله، لكن إن ذبح وسمعته يقول: باسم المسيح، أو باسم عزير فهذا لا يجوز لنا أن نأكله؛ لأن الله ﷿ قال لنا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١].
إذًا: لا يجوز للمؤمن أن يأكل مما ذكر اسم غير الله ﷿ عليه.
يقول شيخ الإسلام ﵀: وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال: باسم المسيح أو نحوه.
يعني: أن من تقرب إلى الشيخ الفلاني كأن يذبح للبدوي يتقرب إليه بذلك هذا أعظم مما ذبحه إنسان نصراني وقال: باسم المسيح وليس على باله شيء، كأن يذبحها جزار من أجل أن يوزعها للناس أو يبيعها للناس، وليس من أجل أن يهديها للأموات ولا لغيرهم، فهذا حرام وهذا حرام، لكن الأول أشد؛ لأنه صرف عبادة لغير الله، فهذا مسلم لا يجوز له أن يذبح إلا لله ﷿، وهو الآن توجه إلى غير الله سبحانه يرجو رضا هذا الغير، فهذا أعظم على قول ابن تيمية ﵀.
يقول: كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه: باسم الله.
يعني: لو أني ذبحت شاة وقلت: باسم الله، وذلك من أجل لحمها.
أو من أجل البيع فهذا لا بأس به، لكن خير وأعظم منه أذبحها أضحية أو هديًا مع قولي: باسم الله، وتقربي بذلك إلى الله.
يقول ﵀: فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله تعالى أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله سبحانه، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه يحرم حتى وإن قال: باسم الله.
يعني: لو أن إنسانًا ذبح من أجل الجن وتقربًا للجن، ولسانه يقول: باسم الله، فالعبرة هنا بما في قلبه، فهو يتقرب لمن بهذا الشيء؟ هو يتقرب إلى الجن بذلك، فلا يحل أكل مثل ذلك طالما أن قصد القلب والنية أنها لغير الله سبحانه حتى وإن قال بلسانه: باسم الله.
يقول: كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور.
أي: وإن كانوا يظهرون أمام الناس أنهم يعالجون بالقرآن، فتجد أحدهم يقول: أنا أعالج بالقرآن، ويقرأ أمامك القرآن لكنه بينه وبين نفسه يفعل أشياء يتقرب بها إلى الكواكب وإلى النجوم، فذبيحته إذا ذبح للجن حتى وإن ذكر اسم الله سبحانه لا تحل.
يقول ﵀: كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال.
يعني: أن الذين يذبحون ويتقربون إلى الكواكب، ويعملون لها البخور فهذا من الشرك بالله سبحانه.
يقول ﵀: لكن يجتمع في الذبيحة مانعان -أي: ذبيحة هؤلاء- الأول: أنه مما أُهلّ به لغير الله.
الأمر الثاني: أنه باعتقاده أن غير الله ينفع ويضر وبتقربه إلى ذلك قد خرج من دين الإسلام.
أي: تحرم ذبيحة هؤلاء من وجهين.
قال: ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح، ولهذا روي عن النبي ﷺ: (أنه نهى عن ذبائح الجن)، وهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ.
قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارًا أو بنوها أو استخرجوا عينًا ذبحوا ذبيحة، وانظر الآن ستجد بعض الناس إذا بنى بيتًا ذبح ذبيحة، وإذا أتى بسيارة ذبح ذبيحة، ويصر على أنه لا بد أن تكون الذبيحة على عتبة البيت، وقبل أن يضع الأساس يذبح في ذلك المكان، كأنه سيطهر المكان بذلك، مع أن دم الذبيحة نجس، والدم لا يعمل شيئًا، فيأخذ من الدم ثم يضعه بكفه على الحائط ويقول: خمسة وخميسة؛ من أجل أن يمنع عين العفاريت وعين الجن وعين الناس بهذا الشيء.
وهذا الأمر كان يفعله أهل الجاهلية يتقربون إلى الجن بذلك، فكانوا إذا اشتروا دارًا أو بنو دارًا أو استخرجوا عين ماء ذبحوا ذبيحة خوفًا من أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح بذلك.
فلو أن إنسانًا ذبح بهذه النية فهذا الذبح لا يحل، ولكن قد يكون الإنسان لا يعرف ذلك، وإنما وجد أن الناس يعملون ذلك، فهم يذبحون عندما يشترون شقة، فهو اشترى شقة وذبح كما يفعلون وقصده لله ﷿ وليس لأحد آخر، فمثل هذا يكره ولا يحرم؛ لأنه لم يتقرب لغير الله ﷿، ولم يستحضر ذلك، لكن نقول لمثل هذا: إذا كنت تريد أن تذبح لله ﷿ فلا تذبح على العمارة، ولا في المكان الذي ستضع فيه الأساس وتظن أن الدم الذي سينزل وسيطهر لك العمارة وسيحفظها، وإنما الذي يحفظ ذلك هو الله سبحانه.
فنقول لهذا: لا تتشبه بهؤلاء في الذبح في هذا المكان واذبح في أي مكان آخر، اذبح عند الجزار، أو اذبح في بيتك، ولا داعي للذبح في هذا المكان الذي أخذته، ولا داعي لتنجيس هذا المكان؛ لأن هذا من التشبه بأهل البدع.
يقول: ذكر إبراهيم المروزي أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله.
أي: أن هذا شرك بالله ﷿، لكن لو أنه فعل ذلك إكرامًا لمن جاءه، وإظهارًا للمحبة بعمل الولائم، فهذا لا يحرم إلا إذا كان يتقرب بذلك إلى من يأتي إليه.
[ ١١ / ٧ ]
من الكبائر تسبب الإنسان في لعن والديه
وقال النبي ﷺ هنا: (لعن الله من لعن والديه)، الوالدان: هما الأب والأم وإن علا الأب وكذلك الأم.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟) أي: كأنه عند العرب ما يتخيل أن واحدًا يشتم أباه، والآن هناك من يضرب أباه، ومن يقتله، أو يذهب يحاكم أباه في المحاكم، فهذه الأمور ما كان الصحابة يتخيلون أبدًا أن تكون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فوضح لهم النبي ﷺ أن هذا الشيء موجود في زمانهم، فقال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه)، إذًا: فالمتسبب بالشتم كالمباشر للشتم، وقد عرفت في فقه الجنايات أنه يقال: هذا مباشر للجناية، وهذا متسبب فيها.
فالمباشر هو الذي يقوم بالضرب بنفسه، والمتسبب مثل أن يضع حجرًا في الطريق فيمشي رجل فيتعثر بها، ومثال آخر للتسبب ما جاء في هذا الحديث.
فالنبي ﷺ ذكر هذه الصورة، فالذي يشتم أبويه مباشرة يكون مرتكبًا لكبيرة من باب أولى.
يقول هنا: (ويسب أمه فيسب أمه).
[ ١١ / ٨ ]
حكم إيواء المحدث
ثم قال: (لعن الله من آوى محدثًا) أي: منعه من أن يؤخذ منه الحق الذي وجب عليه، قال: وآوى بمعنى: ضمه إليه وحماه.
يقول أبو السعادات بن الجزري بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فبالكسر (محدِثًا) معناها: من نصر جانيًا وأجاره من خصمه وحال بينه وبين القضاء عليه.
وبالفتح (محدَثًا): البدعة نفسها.
أي: من يدافع عن البدع.
يقول ابن القيم ﵀: وهذه كبيرة تختلف باختلاف مراتب الحدث في نفسه.
يعني: مثل أن يحدث إنسان حدثًا بأن ضرب إنسانًا، وقالوا له: نقتص منك، فجاء رجل وحمى هذا الإنسان وقال: لا أحد يقتص منه، فهذه جناية، وهذا له نصيبه من عقوبة الله سبحانه، ولو أن هذا قتل عمدًا وعدوانًا فهذه جناية أعظم، فتختلف الجنايات وإيواء هذه الجنايات باعتبار الجرم، فهناك جرم يكون أكبر من جرم آخر.
وكذلك البدع، فقد يأوي إنسان بدعة صغيرة، وقد تكون شيئًا عظيمًا كبيرًا، وقد تكون في أصول الدين وقد تكون في فروع الدين، فبحسب الحدث الذي أحدثه من آواه يكون قد أتى كبيرة من الكبائر، أو أتى ذنبًا من الذنوب.
يقول ابن القيم: وهذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم.
[ ١١ / ٩ ]
المعاني التي يشملها قوله ﷺ: (لعن الله من غير منار الأرض)
قوله: (لعن الله من غير منار الأرض)، في رواية: (ملعون من غير تخوم الأرض)، وهذه الرواية في مسند الإمام أحمد قالوا: أي: معالم وعلامات وحدود الأرض، وواحدها تخم، وتجمع على تخوم.
وقال بعض أهل العلم: المقصود بها هنا حدود الحرم، فمكة حرم، والمزدلفة حرم، ومنى حرم، فالذي يغير حدود الحرم ويدخل فيه شيئًا من الحل، أو يكون حلًا ويحكم عليه بأنه حرم، فهذا أيضًا ملعون على قول من الأقوال، فهو داخل تحت قوله: (من غير منار الأرض)، فكل مكان في الأرض فيه حدود وعلامات فمن غيّره فهو داخل تحته، فقيل: هو عام في جميع الأرض، وأراد المعالم التي يهتدى بها في الطريق، وقيل: هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطع منه.
مثل: إنسان عنده أرض بجانب أرض الجار، فيغير ويزحزح العلامة من أجل أن تكبر أرضه على حساب الجار، فتقديمها وتأخيرها هذا من التغيير.
وجاء في حديث النبي ﷺ: (من ظلم شبرًا من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين)، (طوقه) أي: يجعل هذه الأرض التي اغتصب منها شبرًا أو سرق منها شبرًا في عنقه طوقًا، والله على كل شيء قدير، ففي يوم القيامة يضخم هذا الإنسان حتى يسعه ذلك أن يكون طوقًا في رقبته، فعليه أن يحمل ذلك في عنقه!! لذلك على الإنسان أن يتفكر في ذلك قبل أن يأخذ حق الغير، فماذا سيعمل مع ربنا يوم القيامة؟! فهذا لا يحمل يوم القيامة مثل الذي أخذ من أرض واحدة، بل يحمل كما أخذ من سبع أراضين، أي: بعمق سبع أراضين، وإذا كان أخذ بعيرًا، أو فرسًا، أو شاة، فكل هذا يأتي يوم القيامة وهو يحمله على ظهره، وإن كان صامتًا من ذهب أو فضة فإنه يحمله على عنقه يوم القيامة، ثم ينادي: يا رسول الله! أغثني، فيقول: (لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك قد بلغتك).
[ ١١ / ١٠ ]
تفسير قول النبي: (لعن الله من آوى محدثًا)
وهذا حديث آخر يذكره في هذا الباب، وهو حديث طارق بن شهاب البجلي، وطارق بن شهاب قيل: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئًا، وقيل: سمع من النبي ﷺ، فإذا كان لقي النبي ﷺ وهو كبير فيكون على ذلك صحابيًا، وقد يكون رواه عنه مباشرة أو رواه عن غيره فيكون من رواية الصحابي عن الصحابي، فهو مرسل صحابي، والحديث رجال إسناده ثقات، ولكن فيه الأعمش وهو مدلس وقد عنعن في هذا الحديث.
والحديث يقول عنه ابن القيم: قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه -يعني: إلى النبي ﷺ فيقول: قال رسول الله ﷺ- وهذا الحديث ليس في المسند، وإنما هو في الزهد للإمام أحمد ﵀ وكذلك في الزهد لـ ابن أبي عاصم.
قال: حدثنا أبو معاوية، وأبو معاوية ثقة، قال: حدثنا الأعمش وهو ثقة أيضًا، واسمه سليمان بن مهران، عن سليمان بن ميسرة وهو ثقة أيضًا، لكن الأعمش قد عنعن هنا، فهذا مما يضعف به الحديث وإن كان رجال إسناده ثقات.
وهذا الحديث فيه: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟! قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابة، فقرب ذبابة، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب فقال: ما كنت لأقرب شيئًا دون الله ﷿، فضربوا عنقه، فدخل الجنة)، رواه أحمد في الزهد وليس في المسند.
فحديث طارق بن شهاب هذا فيه أن رجلًا دخل الجنة في ذباب، وآخر دخل النار في ذباب، وقوله: (دخل الجنة رجل في ذباب) كأن هذا كان سببًا له في دخول الجنة كما فسرها بعدها.
وقوله: (دخل النار رجل في ذباب) كأن هذا العمل هو الذي استحق به أن يدخل النار، ولو كان هناك عمل آخر أفظع من هذا العمل لذكره النبي ﷺ.
ولو قيل: كان كافرًا وفعل ذلك، فأقول: الواضح أنه لم يكن كافرًا، وأنه بهذا الفعل الذي فعله استحق عذاب رب العالمين سبحانه.
وجاء في الحديث: (مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا)، هؤلاء الناس كفار، وقد صنعوا أصنامًا، فأحد الاثنين مر بهذا الصنم فقالوا له: (قرب شيئًا، فقال: ليس عندي شيء أقربه قالوا: قرب ولو ذبابة، ومن أجل أن يفلت منهم من مضايقتهم فقرب ذبابة لهذا الصنم، فخلوا سبيله، وكأنه مات على ذلك فاستحق النار، وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب شيئًا لأحد دون الله ﷿ فلما رفض ضربوا عنقه، فدخل الجنة، فقد كانت نية هذا الرجل متوجهة إلى الله سبحانه.
[ ١١ / ١١ ]
تخفيف الله ﷿ عن هذه الأمة ما لم يخففه عن الأمم السابقة
وانظر هنا إلى ما قاله الله ﷿ عن النبي ﷺ: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]، فهذه كانت من الأصر والأغلال التي كانت على السابقين.
فالله ﷿ ضيق على السابقين، والله يفعل كل شيء بحكمة سبحانه، فكل شيء عنده بحكمة، فهنا علينا أن نتعظ كيف رحمنا الله ﷿ بهذا الدين العظيم، وبهذا النبي الذي أرسله رحمة للعالمين، فهو رحمة لنا ورحمة بنا ﵊.
ففي شرعنا قال تعالى عن المكره: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦]، إذًا: فالإنسان المكره في ديننا إذا كانوا سيقتلونه فقالوا له: اعمل وانطق بكذا وإلا سنقتلك، فإنه يجوز له أن ينطق ولو بكلمة الكفر فرارًا من أن يقتل.
وذكر المفسرون في الآية السابقة: (أن عمارًا ﵁ أخذه الكفار ووضعوه في الماء وغرقوه رضي الله ﵎ عنه، وقالوا له: إذا أردت أن تنجو فاذكر محمدًا بسوء واكفر بدينه، فأعطاهم ما أرادوا، ثم ذهب يبكي للنبي ﷺ فما كان منه -وهو بالمؤمنين رءوف رحيم ﵊- إلا أن قال له: أخذوك فغطوك في الماء وقالوا: اذكر محمدًا بسوء؟ قال: نعم يا رسول الله! وبكى ﵁، فقال: إن عادوا فعد).
فطمأنه ﷺ أنه ليس عليه في ذلك شيء؛ لأنه مكره على ذلك.
وجاءت الآية في هذا المعنى في سورة النحل، وسورة النحل سورة مكية، وأما الذين من قبلنا فلم يكن لهم عذر في الإكراه على الكفر، وإنما أمرهم الله ﷿ بالثبات حتى لو قتلوا في ذلك.
فهذا الذي قيل له: قرب ولو ذبابة فقال: إني لا أقرب شيئًا لغير الله، فقتلوه، فقد صبر على ذلك، فكان ذلك أعظم أعماله فدخل الجنة بذلك، وقد يكون هذا الإنسان قبل ذلك وقع في بعض الذنوب، لكنه لما رفض أن يقرب الذبابة وحافظ على مقام التوحيد كان ذلك سببًا رئيسًا لدخوله الجنة.
والعكس في هذا الأول الذي دخل النار في ذبابة، فكأنه لم يكن قبل ذلك يستحق أن يكون في النار، ولذلك يقول لنا الشيخ هنا في المسألة التاسعة: أنه دخل النار بسبب ذلك الفعل الذي لم يقصده، بل فعله تخلصًا من شرهم.
والمسألة الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرًا لما قال: دخل النار في ذباب، فليس بعد الكفر ذنب، فلو كان كافرًا أصلًا ما زاد شيئًا بأن يقرب ذبابة، لأنه كافر أصلًا، فدل هذا على أنه كان قبل ذلك على الإسلام، وأنه كان يستحق الجنة لولا ما فعل من تقريبه الذباب، فاستحق به أن يدخل النار.
وهذا كان في الأمم السابقة، فمقام التوحيد عظيم عند الله ﷿، وخفف علينا في أن المكره يجوز له أن يتلفظ ولو بلفظة الكفر طالما أنه مكره، فالله ﷿ يعفو عنه إذا كان الإكراه إكراهًا حقيقيًا على هذا الإنسان.
يقول: [فيه شاهد للحديث الصحيح: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك)].
فالجنة قريبة من الإنسان جدًا لو أنه عمل صالحًا، والنار قريبة أيضًا لو أنه ترك الصالحات ووقع في المحرمات.
وأيضًا جاء في حديث النبي ﷺ: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله لا يظن أن تبلغ ما بلغته تهوي به في النار سبعين خريفًا، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من رضا الله ﵎) فيكون على العكس من ذلك.
فالغرض: أن الإنسان قد يحتقر ذنبًا من الذنوب ويكون هذا الذنب سببًا في دخول العبد النار، فأمر التوحيد أهم ما يكون، فالمسلم إذا وقع في شيء من الشرك عليه أن يراجع نفسه، ويوحد ربه سبحانه، ويقول: لا إله إلا الله.
فإذا حلف بغير الله وهو لا يقصد أن يعظم غير الله ولكنها كلمة خرجت من لسانه، فالنبي ﷺ أمره أن يقول: لا إله إلا الله، فكان الصحابة يفلت لسان أحدهم فيقول: واللات والعزى، فالنبي ﷺ أمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله.
ولا يستمرئ الإنسان أن يقع في الشرك بالله سبحانه، ويقول: هذا شيء بسيط، بل عليه أن يتذكر قصة هذا الرجل الذي قرب ذبابة وظن أنه شيء بسيط فدخل بسببه النار.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
[ ١١ / ١٢ ]