لما كان خطر الشرك عظيمًا على الإنسان حذر النبي ﷺ منه أشد التحذير، ومنع الوسائل والأسباب المؤدية إليه حتى لا يقع فيه المرء وهو لا يشعر.
كما بين أن النذر لا يكون إلا لله وحده دون أحد من الخلق، وأن من نذر لغير الله لا يلزمه هذا النذر بشيء.
[ ١٢ / ١ ]
لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا.
قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا.
فقال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله ولا في ما لا يملك ابن آدم)، رواه أبو داود وإسناده على شرطهما.
هذا الباب الحادي عشر من كتاب التوحيد، والمقصود منه المحافظة على مقام التوحيد، وأن الإنسان المسلم لا يتشبه بالمشركين في شيء كانوا يفعلونه لئلا يؤدي به الأمر بعد ذلك إلى الوقوع فيما كانوا يفعلونه على ما كانوا ينوونه في أفعالهم، فكان المشركون لهم أعياد في الجاهلية، يعني: أماكن يجتمعون فيها ويعود عليهم الحول فيجتمعون فيها مرة ثانية وثالثة، وهذا أصل العيد، وهو الاجتماع سواء في المكان أو في الزمان.
يقول هنا: باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، والذبح عبادة وهو نسك، وسمي نسكًا من النسك وهو التعبد، يقول الله: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
والصلاة هي العبادة البدنية والنسك هو العبادة المالية، والصلاة والنسك لا يكونان إلا لله وكذلك كل العبادات لا تكون إلا لله ﷾.
يقول المصنف: [وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين].
يعني: في هذا الأمر، والإنسان لو أنه أشرك بالله ﷾ في شيء من العبادة أو في الذبح بأن جعله لغير الله فيكون في البداية متوجهًا لله ﷿ فيتشبه بالمشركين في شيء فعلوه، ثم بعد ذلك شيئًا فشيئًا حتى يتوجه لغير الله ﷿ بهذه العبادة كما يفعل الكثيرون من المشركين في عباداتهم لغير الله سبحانه.
وكان الحديث الذي قبل ذلك في الرجل الذي قرب ذبابة والرجل الذي لم يقرب الذبابة، فقد كان هناك صنم للكفار وقالوا لرجل: قرب ولو ذبابًا فقرب ذبابًا فكان من أهل النار.
وقالوا لرجل آخر: قرب ولو ذبابًا.
قال: ما كنت لأقرب شيئًا لغير الله سبحانه.
[ ١٢ / ٢ ]
قدر التوحيد في قلب المؤمن
إن قدر التوحيد في قلب المؤمن يجعله يمتنع عن التشبه بالمشركين في شيء حتى ولو كان مكرهًا وله مندوحة في فعل هذا الشيء ولا شيء عليه؛ لأنه مكره، ولكن حبه للتوحيد وقدر التوحيد في قلبه يجعله يصبر ولو على القتل وإن كان القرآن جعل الإنسان المكره معذورًا: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
فقدر التوحيد في قلب الإنسان المؤمن قدر عظيم جدًا.
فهو يفتدي توحيد الله ﷾ وعبادة الله سبحانه والصبر عليها بنفسه وبماله وبكل شيء ليكون من أهل الجنة موحدًا لله ﷿.
فالتوحيد عظيم القدر في قلب الإنسان المؤمن، فهو يحافظ على توحيده، ويحافظ على دينه وعبادته فقد يقلد الكفار في شيء وهو لا يقصد ولا يدري، ثم لعله بعد ذلك يقلد وهو يقصد فيقع في الشرك بالله سبحانه.
وأول شرك حدث على وجه الأرض كان في عهد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد كان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أناسًا صالحين، ثم مات هؤلاء الصالحون فأراد أقوامهم أن يخلدوا ذكراهم، فألقى الشيطان في قلوبهم أن اصنعوا لهم صورًا حتى تذكروهم فصنعوا الصور ومثلوا لهم التماثيل وفي النهاية عبدوهم من دون الله سبحانه.
ثم مات القوم الذين يعرفون أن هذا باطل وأن هذه أصنام لا تنفع ولا تضر وإنما صوروها للذكرى، فجاء أولادهم فقالوا: كان آباؤنا يتبركون بهؤلاء، ثم ماتوا وجاء من بعدهم أولادهم فقالوا: كان آباؤنا يعبدون هؤلاء فعبدوهم من دون الله.
والإنسان في بداية الانحراف يكون انحرافه بسيطًا والزاوية المستقيمة لما تبدأ تنحرف تبدأ بشيء بسيط وكلما طال الخط كلما كبر الانحراف، حتى يصير هذا في وادٍ وهذا في واد آخر.
لذلك منع النبي ﷺ ذرائع الشرك من أولها فلا تقع في الشرك ولا تقع في ذريعة تؤدي بك إلى الشرك.
وهذا المقصود من الترجمة (لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ﵎).
[ ١٢ / ٣ ]
شرح حديث: (أن رجلًا نذر أن ينحر)
الحديث الذي يتعلق بهذه الترجمة حديث ثابت بن الضحاك وهو حديث صحيح وفيه: أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانة.
يعني: في مكان اسمه بوانة والرجل نذر أن ينحر في هذا المكان، فسأل النبي ﷺ عن ذلك.
فقال النبي ﷺ: (هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية؟) لأن عهدهم قريب بالجاهلية، يعني: مكث النبي ﷺ في المدينة عشرة أعوام ثم توفي ﷺ، فمن أسلم في هذا الحين فإنه يكون قريب عهد بجاهلية وقريب عهد بشرك، فلذلك كان يخاف عليهم النبي ﷺ من التشبه بالمشركين والرجوع إلى عوائد المشركين.
فالنبي ﷺ سأل الناس عن المكان الذي يريد الرجل أن يذبح فيه الإبل لله ﷿ ليوفي بنذره فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ فقالوا: لا.
قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟) أي: هل كان في هذا المكان الذي اسمه (بوانة) عيد من أعيادهم يجتمعون فيه، وأعياد الجاهلية كانت كثيرة وكان للأنصار يومان في الجاهلية يلعبون فيها في المدينة، والكفار بمكة كان لهم مثل ذلك فعبر عنها النبي ﷺ بقوله: (فيها عيد من أعيادهم) والعيد من العود وهي أماكن يجتمعون فيها يعود الزمان كل سنة بمثلها، أو أنها اجتماع الناس في مكان ووقت معين أو أن الاجتماع نفسه يسمى عيدًا.
[ ١٢ / ٤ ]
تعريف العيد
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: العيد اسم لما يعود من اجتماع عام على وجه معتاد عائد، فهو اجتماع للناس كلهم على وجه يعتادونه في كل سنة مرة، أو في كل شهر مرة، وهكذا.
يقول: إما بعود السنة أو الأسبوع أو الشهر، والمراد به في هذا الحديث الاجتماع المعتاد من اجتماع أهل الجاهلية.
فالعيد يجمع أمورًا منها أنه عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع الناس فيه، ومنها أنه تعمل فيه أعمال من العبادات والعادات.
وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقًا، أي: قد يوجد مكان يسمى العيد أو أنه يطلق على اجتماع الناس.
يقول: وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدًا ويدلل عليها بالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ.
منها: ما رواه ابن ماجة بإسناد حسن: (كان النبي ﷺ يقول في يوم الجمعة: إن هذا يوم قد جعله الله للمسلمين عيدًا) ويوم الجمعة عيد بمعنى أنه يعود كل أسبوع فيجتمع المسلمون للصلاة فيه فجعله الله ﷿ عيدًا للمسلمين.
كذلك في اجتماع الأعمال كقول ابن عباس ﵄: والحديث في الصحيحين وفيه أنه شهد العيد مع النبي ﷺ.
يعني: شهد أعمال العيد في هذا اليوم مع النبي ﷺ وإلا فالعيد نفسه لا يشهد، وإنما أعمال العيد هي التي تشاهد.
كذلك يطلق على المكان كقول النبي ﷺ: (لا تتخذوا قبري عيدًا).
واتخاذ القبر عيد هو بأن يجتمع عليه الناس لعبادة معينة تنافي توحيد الله ﷾، كأن يجتمعوا فيدعون النبي ﷺ بدلًا من أن يدعوا الله ﷾، فدعا النبي ﷺ ربه وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)، وقال: (لا تتخذوا قبري عيدًا) والحديث صحيح رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني.
أيضًا: يكون العيد اسمًا لمجموع اليوم والعمل فيه كقول النبي ﷺ: (دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا).
وهذا لما دخل النبي ﷺ بيته فوجد عائشة ﵂ ومعها جواري يغنين معها في يوم عيد، فالنبي ﷺ ولاهن ظهره ونام وابتعد عن ذلك، ودخل أبو بكر فنهرهن وفرقهن، فالنبي ﷺ قال: (دعهن يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدًا).
أي اتركهن فإن هذا عيد، فيطلق العيد على اليوم وعلى الاجتماع فيه وعلى ما يكون في هذا اليوم من أفعال.
وقول النبي ﷺ: (هل كان فيه عيد من أعيادهم؟) أي: هذا المكان هل كان المشركون يجتمعون فيه على شيء من العبادات الباطلة سواء في زمن معين أو حتى مجرد اجتماع لعبادة غير الله سبحانه؟ فلما قالوا: (لا.
قال النبي ﷺ: أوف بنذرك).
لأن الإنسان قبل أن ينذر لا يلزمه شيء، والذبح لا يجب عليه إلا إذا كان في حج وكان متمتعًا أو قارنًا، أو أتى بشيء مما يلزمه فيه الفدية من محظورات في الإحرام ونحو ذلك، أما غير ذلك فلا يجب الذبح على الإنسان إلا للنذر فإذا نذر وجب عليه أن يوفي بنذره.
فهذا ألزم نفسه بهذا النذر أن ينحر إبلًا في مكان يقال له بوانة.
وفي حديث آخر رواه أبو داود ولعله في نفس الحادثة عن سارة بنت مقسم الثقفية أنها قالت: سمعت ميمونة بنت كردم قالت: خرجت مع أبي في حجة فرأيت رسول الله ﷺ وسمعت الناس يقولون: رسول الله ﷺ.
يعني: جاء في حجة الوداع.
قالت: فجعلت أبده بصري، يعني: جعلت أنظر إليه كأنها من مكان بعيد كانت تنظر إليه، فدنا إليه أبي وهو على ناقة ومعه درة كدرة الكتاب.
قالت: فسمعت الأعراب والناس يقولون: الطبطبية، يعني: المشي على المهل، فدنا إليه أبي فأخذ بقدمه قالت: فوقف له ﵊ واستمع منه، فقال: (يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم).
في هذا الحديث ذكر أنه سينحر مجموعة من الأغنام، والحديث الأول ذكر أنه نذر أن ينحر إبلًا فلعله نفس الرجل أو غيره.
فالغرض أنه بين سبب النذر فقد كان ينجب إناثًا فنذر لو أن الله وهبه ولدًا أن ينحر إبلًا في هذا المكان أو يذبح غنمًا فيه.
الرواية هنا أنه كان سيذبح خمسين رأسًا من الغنم في هذا المكان.
قالت: (فقال رسول الله ﷺ: هل بها من الأوثان شيء؟ قال: لا.
قال: فأوف بما نذرت لله).
أي: طالما أن المكان لم يذبح فيه لغير الله ﷿ ولا كان فيه عيد من أعياد الجاهلية -حتى لا يتشبه بهؤلاء- فاذبح لله ﷿ في هذا المكان.
وفيه: أن المسلم يحرص على عدم التشبه بالمشركين في شيء مما كانوا يصنعونه في جاهليتهم وكفرهم.
وفيه أيضًا: طالما أنه نذر شيئًا مباحًا يجوز له أن ينذر فيه فيجب عليه الوفاء بهذا النذر الذي نذره.
وأيضًا قالوا في هذا الحديث: إن المفتي إذا سمع شيئًا فلا يتعجل بالإجابة حتى يستفصل فلعله يكون وراء ذلك شر، فالرجل قال: أنا نذرت لو أني ولد لي ولد أن أذبح خمسين شاة في هذا المكان أو أنحر إبلًا في هذا المكان، والأصل الوفاء بالنذر، والله ﷿ مدح الذين يوفون بالنذر بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، ولكن لما كانت أحوال الناس تختلف ومن الممكن أن يكون هذا المكان بالذات له في نفوس الناس شيء كشبهة من الشرك لذلك استفصل النبي ﷺ: هل هذا المكان كان فيه من أوثان الجاهلية؟ وهل كانوا يعبدون فيه غير الله سبحانه؟ وهل كان فيه عيد من أعياد الجاهلية؟ ولو كان النبي ﷺ قال له: اذبح في هذا المكان بدون استفصال، فسيقول الناس: النبي ﷺ أجاز ذلك، وقد كان آباؤنا على الصواب فإنهم كانوا يذبحون في هذا المكان لبركة المكان، فيتذكرون ما كان فيه من تماثيل وأصنام فيرجعون لعبادة الأصنام من دون الله ﷾، وقد حذر النبي ﷺ من الشرك وأخبر أنه سيرجع مرة ثانية وقال: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة وكان صنمًا لدوس تعبده في الجاهلية بتبالة) ونساء دوس، أي: نساء قبيلة دوس فسيرجعن مرة أخرى يطفن بالأصنام في هذا المكان الذي هدم في عهد النبي ﷺ وسيعود الناس إلى الشرك، لذلك حذر النبي ﷺ من الشرك وحذر من الذرائع التي توقع الناس في الشرك بالله ﷾.
وفي الحديث أيضًا: المنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله وهذا مأخوذ من باقي الحديث حيث قال رسول الله ﷺ: (أوف بنذرك فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله) فلو كان هذا المكان فيه عيد من أعياد الجاهلية لمنعه النبي ﷺ من الوفاء بالنذر فيه.
إذًا: أنت نذرت أن تذبح في هذا المكان وكان فيه شرك بالله فلا يجوز لك أن توفي به في هذا المكان، لكن أصل النذر موجود إلا أن يكون النذر بذاته لغير الله فلا يجوز الوفاء به ويكفر عن هذا النذر.
قال: (ولا فيما لا يملك ابن آدم).
والإنسان لو نذر شيئًا لا يملكه لم يلزمه الوفاء به، ولا يجوز له أن ينذر بذلك كأن يقول: لله علي إن أعطاني كذا أن أعتق عبد فلان؛ لأن العبد الذي يملكه فلان أنت لا تملكه وقد لا تقدر على شرائه من سيده فيكون هذا النذر لا يجب عليك الوفاء به وعليك كفارة يمين في ذلك لقوله ﷺ: (لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين).
وكذلك فيما لا يطيق ابن آدم.
فالإنسان إذا نذر شيئًا لا يطيقه أو نذر نذر معصية فيلزمه أن يكفر كفارة يمين.
وجاء عن أحمد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين).
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني بشواهده.
[ ١٢ / ٥ ]
تفسير قوله تعالى: (لا تقم فيه أبدًا)
قال: [وقول الله ﷿: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]].
(لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) والآية تتعلق بمسجد بناه أهل النفاق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا﴾ [التوبة:١٠٧] وهذا المسجد الذي بنوه سمي بمسجد الضرار، والذين اتخذوا المسجد إنما اتخذوه ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل هم المنافقون، ومسجد النبي ﷺ في المدينة كان يصلي فيه النبي ﵊ مع المؤمنين، وهؤلاء المنافقون أرادوا مكانًا يجتمعون فيه لوحدهم بعيدًا عن النبي ﷺ يعملون فيه ما يريدون فبنوا مسجدًا، وأرادوا -تمويهًا على الناس- أن يأتوا بالنبي ﷺ ليصلي في المسجد وكان النبي ﷺ خارجًا لغزوة تبوك لذلك لم يذهب ووعدهم أنه ﷺ إذا رجع سيصلي في هذا المكان، وقد بني هذا المسجد سنة تسع من الهجرة في أواخر حياة النبي ﷺ.
وقد بنى هذا المسجد المنافقون ضرارًا أي: مضارة للنبي ﷺ وللمؤمنين ولكي يكيدوا لهم، ويتجسسوا على أخبارهم وإذا جاء أحد من جواسيس الروم وغيرهم أخفوه في هذا المكان وأطلعوه على أسرار المسلمين بعيدًا عن النبي ﷺ وعن المؤمنين.
وأيضًا حتى يحزبوا الناس فحزب يصلي هنا وحزب يصلي هناك، وأيضًا ليبعدوا الناس عن النبي ﷺ وعن مواعظه وعن العلم الذي يؤخذ منه ﵊.
فيكون ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل، فيكون الغريب من جواسيس الكفار والمشركين ينزل في هذا المكان بعيدًا عن النبي ﷺ.
فخرج النبي ﷺ للغزو ورجع ﵊ وأمر بهدم هذا المسجد.
وقيل: إنه أحرقه ﵊ والله أعلم، لكن الغرض أن الله ﷿ أنزل القرآن يفضح هؤلاء، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة:١٠٧] الآية، وقال لنبيه ﵊: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨] والأصل المفترض أن المسجد موقوف لله ﷿ ولكن هذا المسجد لم يكن بنية سليمة، فإنه بني للضرار، وللأذى، ولتفريق المسلمين فلذلك نهاه الله ﷿ عن أن يصلي في هذا المسجد وإن كانت الرواية التي جاءت في تحريق المسجد إسنادها ضعيف لكنها مشهورة عند أهل السير فذكروا أن النبي ﷺ لم يقم فيه وأرسل إليه فهدمه والله أعلم بذلك.
قال الله ﷿ لنبيه ﷺ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة:١٠٨] وانظر إلى كلمة أبدًا فلم يأمره أن يجعله لأمر آخر.
ولم يأمره أن يرسل إليه إمامًا يأتم بالناس فيه لأنه بني للمضارة، فعاقب هؤلاء على ما صنعوا ليكون سبة عليهم ولعنة عليهم فيما صنعوا لتفريق المؤمنين.
وحماية لجناب التوحيد وعبادة الله ﷿ نهى أن يصلي في هذا المكان أحد، حتى يعلم أن هذا مكان المنافقين الذي بنوه مضارة وأذى للمسلمين ومحادة لله ﷿ ولرسوله ﵊.
[ ١٢ / ٦ ]
المسجد الذي أسس على التقوى
ثم عظم الله شأن مسجد قباء ومسجد النبي ﷺ فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
فالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، قالوا: هو مسجد قباء.
وقالوا: هو مسجد النبي ﷺ.
وقيل غير ذلك، والنبي ﷺ أول ما نزل في المدينة على الأنصار خط في المكان الذي نزل فيه مسجدًا ﵊، فأي مسجد خطه النبي ﷺ وبناه فهو مسجد أسس على التقوى من أول يوم، وقد سئل النبي ﷺ عنه، فقد جاء في حديث أبي سعيد قال: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم.
فقال رجل: هو مسجد قباء.
وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ.
فقال رسول الله ﷺ: هو مسجدي هذا).
وقباء كان قبل المسجد النبوي ولكن أشار النبي ﷺ إلى مسجده أنه أسس على التقوى من أول يوم وذلك لا ينافي أن قباء أيضًا كذلك وإنما فضل مسجد النبي ﷺ على غيره، وكان النبي ﷺ يزور مسجد قباء في كل سبت ويصلي فيه ركعتين صلوات الله وسلامه عليه ويقول: (صلاة في مسجد قباء كعمرة).
وفي الصحيح: (أن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكبًا وماشيًا).
فذهب بعض أهل العلم إلى أنه هو المسجد الذي أسس على التقوى ومنهم ابن عباس وعروة وعطية والشعبي والحسن وغيرهم، والحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري يبين أنه مسجد النبي ﷺ.
ومسجد النبي ﷺ أعظم من غيره.
وإذا قيل: هو مسجد أسس التقوى فلا شك في أنه أسس على التقوى وقد أشار إليه النبي ﷺ، ومسجد قباء كذلك أسس على التقوى من أول يوم وكان قبل بناء مسجده ﵊.
فالغرض أن كلا المسجدين قد أسس على التقوى وقد مدح الله ﷿ قباء وإن كان النبي ﷺ أشار إلى الثاني وهو المسجد النبوي.
قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
وقد روى الإمام أحمد وابن خزيمة عن عوين بن ساعدة الأنصاري: (أن النبي ﷺ أتاه في مسجد قباء فقال: إن الله قد أحسن عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدكم).
وهذا بيان أن مسجد قباء أسس على التقوى؛ لأنه هنا متعلق بالآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] فالحديث هنا يبين أنه مسجد قباء أيضًا، قال النبي ﷺ لهم: (إن الله قد أحسن عليكم الثناء بالطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟) والطهور بمعنى: التطهر، والطهور بمعنى: الآلة المستخدمة في التطهر.
فيكون الطهور الوضوء أو الغسل أو التنظف بالاستنجاء ونحوه.
والطهور: الماء الذي يستخدم في ذلك.
فهنا أثنى عليهم الله ﷿ بالطهور، فقال هنا: (ما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا.
فقال النبي ﷺ: هو ذاك فعليكموه).
والحديث له أسانيد حسنة وذكر الألباني في الإرواء أنه صحيح.
والحديث فيه أن الله ﷿ قال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] وذكر في الحديث هنا أن النبي ﷺ قال ذلك لأهل مسجد قباء فدل على أن مسجد قباء مقصود بهذه الآية، ومسجد قباء الصلاة فيه ركعتين كعمرة لكنه لا يعدل فضيلة مسجده ﵊، فإذا كان مسجد قباء أسس على التقوى فمسجده من باب أولى فلذلك أشار النبي ﷺ إلى أن هذا المسجد هو المسجد النبوي.
فدل الحديثان على أن مسجد قباء أسس على التقوى ومسجده ﵊ أيضًا أسس على التقوى.
والمدح لأهل قباء وهم من الأنصار والأنصار كانوا معاشرين لليهود في المدينة، وكانت عادة القرشي أنه إذا أتى الغائط أو أتى البول استجمر بعده لقلة المياه عندهم، وقد علمهم النبي ﷺ استخدام ثلاثة أحجار في التنزه وما كانوا يعتادون استخدام الماء في مكة لأنه إن وجد فيكون قليلًا ونادرًا، لكن في المدينة كان أحدهم إذا أتى الغائط يستجمر بالحجر ثم يستنجي بالماء، وكأنه بالحجر يخفف وبالماء يزيل ما تبقى، فمدحهم الله ﷿ على حبهم للتطهر ومدحهم النبي ﷺ حين قالوا: كنا نتبع الحجارة الماء، ليكون أنقى.
فقال النبي ﷺ: (هو ذاك فعليكموه).
ولما ذكر الله ﷿ مسجد الضرار قال للنبي ﷺ: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة:١٠٧] والمنافقون كذابون، فكانوا يكذبون على النبي ﷺ، بل سيكذبون على الله يوم القيامة.
فقال الله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧] أي: يحلفون لك كذبًا أنهم أسسوا هذا المسجد للتقوى وللعبادة والله يشهد إنهم لكاذبون، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
[ ١٢ / ٧ ]
لا بأس بتخصيص البقعة بالنذر إذا خلت من الموانع
من المسائل التي ذكرها الشيخ في هذا الباب: (تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع).
والمعنى: إذا نذرت لله ﷾ فكأنك قيدت نفسك بعبادة من العبادات لله ﷾، والنذر منه النذير والنذارة فكأنك أخفت نفسك من عدم الوفاء بهذا الذي قطعته على نفسك به، وإذا قطعت على نفسك نذرًا فإنه يلزمك أن توفي به.
وإذا نذرت في بقعة معينة كأن تقول: لله علي نذر أن أطعم أهل مسجد كذا من الفقراء كذا أو أن أذبح في المكان الفلاني لأهله الفقراء.
فإنه يلزمك الوفاء بما قيدت نفسك به إلا أن يكون هذا المكان فيه مظهر من مظاهر الشرك فلا يجوز لك أن تنحر فيه وانحر في أي مكان آخر.
ولو أن إنسانًا قال: لله علي أن أنحر إبلًا في المكان الفلاني وكان هذا المكان فيه عبادة لغير الله سبحانه كمولد من الموالد، أو بدعة من البدع، أو شرك بالله ﷾ فلا يجوز له أن يوفي بالنذر في هذا المكان ويلزمه أن يوفي في مكان آخر.
[ ١٢ / ٨ ]
الطاعة والمعصية تؤثران في مكانة المكان الذي وقعت فيه
من المسائل التي ذكرها الشيخ هنا: (أن المعصية قد تؤثر في الأرض وكذلك الطاعة).
ومقصده: أن عبادة الله ﷿ في أي مكان ترفع من قيمة هذا المكان، وإذا كان هذا المكان فيه شرك بالله ﷿ فإنه لا يكون له نفس المكانة التي كانت له قبل وقوع الشرك فيه، فأثرت المعصية على هذه البقعة من الأرض بأن يجتنب الإنسان الموضع لأنه كان يعبد فيه غير الله ﷾، وإن كانت المعصية أثرها على أصحابها والأرض لا تحمل من أوزار الناس شيئًا.
قال: (وكذلك الطاعة).
يعني: المكان الذي أسس على تقوى الله كانت النتيجة أن صلوا في هذا المكان وقوموا فيه، والمكان الذي أسس على مضارة المؤمنين ومحادة الله ورسوله كانت النتيجة (لا تقم فيه أبدًا).
هذا مقصد كلامه.
وفيه أيضًا: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال، يعني: إذا سأل إنسان عن شيء موهم مشكل يمكن أن يكون له جواب متعارض فاصبر حتى تفهم المسألة ويزال عنك الإشكال لتجيب بالصواب.
وفيه أيضًا: المنع منه إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية ولو بعد زواله وإبعاده إلا ما ذكرناه قبل ذلك.
فيه المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله، يعني: لا ينذر نذرًا في مكان كان فيه شرك بالله، أو كان فيه عيد من أعياد الجاهلية، أو كان فيه وثن من أوثانهم، ولا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة لأنه معصية، وفيه الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصدهم.
وكذلك الحذر من مشابهتهم في أفعالهم، وكما ذكرنا قبل ذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا بنى أحدهم بيتًا ذبح في مكان من البيت يتقرب للجن بذلك حتى لا يضروه، ومن فعل مثل هذا الآن بمثل هذه النية فإنه يتشبه بهم، وعلى الإنسان ألا يفعل أفعال هؤلاء كما قدمنا قبل ذلك، والذي يبني عمارة ويذبح فيها بقرة أو يذبح فيها شيئًا قد يعرف وقد لا يعرف أصل هذا العمل، فإن كان يعرف فقد شابه هؤلاء وقصد قصدهم، وإذا كان لا يعرف ينبه على ذلك وأنه لا ينبغي أن يذبح ويقلد المشركين في ما كانوا يصنعون.
ومن المسائل أيضًا: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، وقد دل الحديث على أن الشيء الذي لا تملكه لا يجب عليك الوفاء به إذا نذرت فيه ولا يتم نذرك بذلك، والأفضل في ذلك أن تكفر عنه كفارة يمين، مثل أن يقول: لله علي إذا حدث كذا أن أذبح بقرة جاري، فهنا هو لا يدري أن جاره سيسمح له بذلك أو لا؟ وهل سيبيع له البقرة أو لا؟ إذًا: هو نذر شيئًا لا يقدر عليه، وفي هذه الحالة يكفر كفارة يمين.
[ ١٢ / ٩ ]
باب من الشرك النذر لغير الله
[ ١٢ / ١٠ ]
أنواع النذر وحكم كل نوع
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] فيها المدح للمؤمنين الذين يوفون بالنذر.
والنذر منه ما هو جائز، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم.
فالنذر الجائز نذر التبرر كأن يقول: لله علي أن أقوم هذه الليلة، أما النذر المكروه فهو نذر المعاوضة ونذر اللجاج، كأن يقول: يا رب! لو شفيت مريضي سأصوم لك ثلاثة أيام، كأنه يتعامل مع الله بهات وخذ، ستعطيني كذا سأعمل لك كذا، فهذه المعاملة لا ينبغي أن تكون مع الله ﷿، فهو بذلك ينسى نعم الله ﷿ عليه وينظر إلى هذا الأمر فقط، فالنبي ﷺ كره ذلك وأخبر: (أن النذر لا يأتي بخير إنما يستخرج به من البخيل)، (النذر لا يأتي) يعني: لن تنال ما تريده بنذرك إلا أن يكون الله قدره لك، إذًا: سواء نذرت أو لم تنذر فسيحصل لك طالما أن الله قدره لك، وإذا لم يقدره لك فلن تحصل عليه سواء نذرت أو لم تنذر، (وإنما يستخرج به من البخيل) والإنسان ببخله يتعود على ذلك، وينسى أن الله أعطاه كل النعم العظيمة التي يعيش فيها ويتقلب فيها ليل نهار.
وكره النبي ﷺ هذا النذر الذي هو نذر المعاوضة، وإنما النذر الجائز المباح نذر التبرر، مثل إنسان يريد أن يلزم نفسه بقيام الليل فيقول: لله علي أن أقوم الليل هذه الليلة، فيقصد إلزام نفسه بهذه العبادة التي كانت مباحة ومستحبة وجائزة وليست واجبة فصارت بنذره واجبة عليه، فإذا وفى بنذره فإنه مأجور على ذلك.
والنذر الممنوع منه نذر الشرك، ونذر المعصية، والنذر فيما لا يطيق ولا يقدر ابن آدم عليه كما جاء في حديثه ﷺ وفيها تفصيل.
ومن الشرك النذر لغير الله، كأن يقول: سأذبح للبدوي كذا لو حصل كذا، وسأذبح لـ أبي العباس كذا لو حصل كذا، فنذر أن يذبح لغير الله ﷾، ولا يجوز له ذلك فالعبادة لا تكون إلا لله ﷾: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١].
وقال الله سبحانه يمدح المؤمنين: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] يخافون يوم القيامة الذي شره عريض واسع عظيم -نسأل الله العفو والعافية- فيوفون بالنذر.
قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة:٢٧٠] أي: يعلمه فيجازيكم عليه على إحسانكم بالإحسان، يقول ابن كثير: يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات ومن النفقات والمنذورات ويتضمن ذلك المجازاة على ذلك.
يقول: وإذا علمت ذلك فهذه النذور الواقعة من عباد القبور تقربًا بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم وليشفعوا لهم كل ذلك شرك في العبادة.
يعني: أن يأتي إلى قبر من القبور ويقول: يا سيدي فلان اعمل لي كذا، أو يكتب ورقة ويعلقها بالقبر، أو يضع رأسه على حديد القبر ويتكلم في السر كأنه يكلم صاحب القبر، والله يقول لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢].
وإن كان أسمع أهل القليب في يوم بدر وهذا كان خاصًا، لكن في غير ذلك الميت لا يسمع من الأحياء شيئًا إلا ما يبلغه الله ﷿ لهؤلاء الأموات عن طريق أرواح الأموات التي تأتي إليهم.
فإن الأموات في قبورهم تأتي إليهم روح الإنسان المتوفى حديثًا فيسألونه: ما فعل فلان وفلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية.
فهم أموات لا يدرون شيئًا عما في الدنيا.
فيقول لهم: تزوج فلان من فلانة وترك فلان فلانة وفعل فلان.
فالغرض: أن الإنسان مهما دعا الأموات، ومهما كانوا من الصالحين أو من غيرهم فإنهم لا يسمعون الدعاء إنما الذي يسمع الدعاء ويستجيب هو الله ﷿.
قال الله ﷿: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦].
كان أهل الجاهلية إذا زرعوا وحصدوا قالوا: هذا نصيب ربنا ﷾ من الزرع، ويفعلون مثلها في الأنعام ويقولون: هذا نصيب الصنم الفلاني والصنم الفلاني، فإذا اختلط هذا مع هذا جعلوه كله للأصنام، فما كان لله جعلوه لأصنامهم وما كان لأصنامهم لا يجعلونه لله ﷿ ويقولون: الله غني عن هذا وكأن الصنم فقير، ويعبدون هذا الفقير الذي يعرفون أنه لا يملك شيئًا، فإذا اختلطت الأنعام التي جعلوها لله بالأنعام التي جعلوها لأصنامهم جعلوها كلها للأصنام وقالوا: الله غني عن ذلك، وإذا كان الله سبحانه غني فلماذا تتركون عبادته لتعبدوا هذا الفقير بزعمكم؟ ساء ما يحكمون، قال الله سبحانه: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦].
[ ١٢ / ١١ ]
حكم النذر لغير الله
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو في منزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات.
والذي يحلف بغير الله معظمًا غير الله سبحانه فإنه يشرك بالله سبحانه، فإذا حلف الإنسان وهو يقصد تعظيم هذا الشيء، كأن يحلف بالشمس والقمر أو بالأصنام فقد كفر الكفر الأكبر، وإذا كان هذا مما يجري على اللسان ولا يدري بذلك فيقال له: قل لا إله إلا الله لأنه وقع في الشرك الأصغر بذلك.
ولذلك يقول ابن تيمية ﵀: الحلف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، كذلك الناذر للمخلوقات فإن كلاهما شرك والشرك ليس له حرمة بل عليه أن يستغفر الله من هذا ويقول ما قال النبي ﷺ: (من حلف وقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله).
لقد كانوا قريب عهد بشرك فكان على لسانهم: واللات والعزى وكان يحلف الرجل بأبيه أو بأمه فنهاهم الله ﷿ عن ذلك على لسان النبي ﷺ حيث قال: (من حلف فليحلف بالله أو ليصمت).
ثم قال: من نذر للقبور أو نحوها دهنًا لتنور به وقال: إنها تقبل النذر كما يقول بعض الضالين.
فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق المسلمين لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالًا للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، يعني: لا يجوز الوفاء بذلك، كأن يذهب إنسان إلى مكان فيه بدع وأناس يدعون غير الله كقولهم: المدد يا فلان، ويطلبون منه أن يمدهم، ومعنى أمدنا، أي: أعطنا، فتجده يقول: مدد يا بدوي، مدد يا أبو العباس، مدد يا آل البيت، وهؤلاء قد ماتوا وإن كانوا من الصالحين ومن أهل بيت النبي ﷺ كـ العباس عم النبي ﷺ وعبد الله بن عباس ﵄ وغيرهم من آل بيته ولكنهم ماتوا وأمرهم إلى الله ﷿ فأنت تنتفع بعلمهم وبما تركوه من تفسير وغيره.
أما أن يعطيك مددًا فإنه لا يملك لنفسه فضلًا أن يملك لك، فالذي يطلب المدد من الأموات يطلب ما لا يعطيه إلا الله ﷾ فهو مشرك بالله ﷿.
وحاشا لله ﷾ أن يجعل واسطة بينك وبينه سبحانه، وقد قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤].
يقول: والمجاورون لهذه القبور فيهم شبه من الذين قال فيهم الخليل ﵊: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]، الذي يجاور القبر ويكون خادمًا له ويدعو الناس إلى النذر للميت، وكأن هذا الميت سينفعهم والذي ينفع ويضر هو الله والميت لا يملك لنفسه شيئًا ولا لغيره.
قال الرافعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على القبور أو على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من الأولياء أو اسم من حلها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين؛ فإن قصد الناذر بذلك -وهو الغالب أو الواقع من قصور العامة- تعظيم البقعة والمشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه فهذا النذر باطل غير منعقد.
والرافعي من أئمة الشافعية فيذكر أن الذي ينذر نذرًا لقبر من القبور أو لمكان حله ولي من الأولياء أو مكان حله إنسان من الصالحين ويقصد بهذا النذر أن يتقرب به إلى هذا الصالح قال: وهو قصدهم الغالب قال: فهذا باطل غير منعقد؛ فإن معتقدهم - يعني: الناذرين- أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع بها البلاء ويستجلب بها النعماء.
فتجده يقول: أنا عندما ذهبت إلى المكان الفلاني قضيتي نجحت، ولما ذهبت إلى سيدي فلان أو الشيخ فلان كسبت قضيتي، فيعتقدون أنه يطوف بغير الكعبة ويظن مع ذلك أنه بتقربه لهذا المكان سينجح في عمله.
فهذا من الشرك بالله ﷾.
قال: ويعتقدون أنه يستشفى بالنذر لها من الأدواء حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح.
قال: وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت ويقولون: إنها تقبل النذر كما يقوله البعض، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب، قال: فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٢ / ١٢ ]