إن الاستغاثة التي هي طلب التحول من حال إلى حال، وطلب التحول من الكروب والهموم والشدة إلى الفرج واليسر، لا يجوز طلبها إلا من الله ﷾، ومن ظن أن هناك من يفرج الكروب، ويزيل الشدائد غير الله فقد أشرك مع الله غيره.
والاستغاثة تختلف عن الدعاء من بعض الوجوه فقط.
فالاستغاثة لا تكون إلا من مكروب مهموم محزون، بخلاف الدعاء فقد يكون من مكروب ومن غير مكروب والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، ليحذر المسلم من الاعتداء فيه.
[ ١٣ / ١ ]
الاستغاثة وحكم صرفها لغير الله ﷾
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
هذا هو الباب الرابع عشر من كتاب فتح المجيد، وفيه من الشرك أن يستغيث المرء بغير الله، أو يدعو غيره.
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٦ - ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢].
وروى الطبراني بإسناده، أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله).
يستغيث الإنسان بمعنى: يطلب الغوث، فهو يطلب تحول ما هو فيه من ضنك وكرب وشدة، فيغيثه ويجيره مما هو فيه، فيحول شدة الكرب إلى فرج ويسر وإلى ما يحبه الله ﷾.
فكأن الاستغاثة: طلب إزالة الشدة التي وقع فيها الإنسان، واستعان بالله ﷾ عليها، أي: طلب المعونة من الله ﷾.
[ ١٣ / ٢ ]
الفرق بين الاستغاثة والدعاء
يقول العلماء: الاستغاثة هي دعاء، ولكن بينهما عموم وخصوص، فالدعاء أعم والاستغاثة أخص، فالاستغاثة تكون من مكروب، مثل إنسان واقع في كرب فيستغيث ويستجير ويطلب إزالة هذا الكرب ورفع هذه الشدة عنه، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من الإنسان في وقت البلاء وفي وقت الرخاء، والاستغاثة من أنواع الدعاء.
وقد جاء في حديث النبي ﷺ: (من سره أن يستجاب له في وقت البلاء فليكثر من الدعاء في الرخاء)، فإذا اعتاد الإنسان أن يدعو الله في الرخاء، كان جديرًا أن يستجاب له في وقت نزول البلاء والشدة.
ومن الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غير الله سبحانه.
[ ١٣ / ٣ ]
معاني الدعاء
والدعاء له معنيان: فيأتي بمعنى التوحيد، وبمعنى التعبد، يقول تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، فادعوا الله أي وحدوا الله ﷾، وتوجهوا إليه وحده بالعبادة ﷾.
وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، أي: متضرعين مبتهلين إليه مخفين دعاءكم.
والدعاء بالمعنيين مطلوب من العبيد، فيتقربون إليه سبحانه بالصلاة، فمعنى أن يصلي العبد لله ﷿: أن يدعو الله سبحانه.
وجاءت الشريعة فجعلت لفظة الصلاة لهذه العبادة التي فيها هيئات وأدعية وقراءة وفيها دعاء لله ﵎، فالصلاة عبادة والصلاة دعاء، وهذا أصل تسمية الصلاة.
فالغرض: أن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء، وهنا الصلاة تشتمل على الدعاء وعلى غيره، فيصلي العبد ويدعو ربه في صلاته موحدًا الله سبحانه طالبًا من الله فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
أي: نتوجه إليك بالدعاء وبالعبادة، طالبين منك أن تعيننا، فهو مسألة، فيكون عبادة ومسألة في الدعاء.
[ ١٣ / ٤ ]
أنواع الدعاء
والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ومعنى دعاء العبادة: التوجه إلى الله ﷾ بالعبادة، وهذا يدخل فيه المسألة.
والدعاء الآخر يكون مسألة الله ﷾، فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، ولهذا أنكر الله سبحانه على من يدعو أحدًا من دونه ﷾، وقال: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [المائدة:٧٦]، فهم توجهوا إلى غير الله سبحانه فعبدوهم وطلبوا منهم، فطلبوا من اللاة، وطلبوا من العزى، ومن مناة، وطلبوا من غيرها من الأوثان التي اتخذوها آلهةً من دون الله، فقال الله موبخًا لهم، ومنكرًا عليهم: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة:٧٦]، وقال سبحانه على لسان المؤمنين: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأنعام:٧١].
أي: هل يعقل أن نطلب من غير الله سبحانه أن يكشف عنا ضرًا، أو يجلب لنا نفعًا، مع أنه لا يستطيع أن ينفع نفسه ولا يضرها؟ قال: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١]، أي نستسلم ونذعن وننقاد ونطيع رب العالمين.
وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ [يونس:١٠٦] وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه أن يفعل، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]، وهذا خطاب للنبي ﷺ وهو من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة.
فيقول له: أنت وأنت رسول الله لو غفلت ودعوت غير الله سبحانه لصرت من الظالمين، فغيره من باب أولى أن يكون كذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
والعبادة هي أن تتوجه إلى الله ﷿ بكل ما يحبه ويرضاه من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، فالإنسان يعبد الله ﷾، ويتقرب إليه بكل ما يحبه ويرضاه ﷾ من أقوال وأفعال ونوايا.
فلماذا تعبد الله ﵎؟
الجواب
تعبده لأنه يستحق ذلك، وتعبده رغبة في ثوابه وجنته، وتعبده خوفًا من عقابه ونقمته.
فإذًا: أنت وأنت تتوجه إليه بالعبادة فإن هذا التوجه يتضمن أنك خائف من عذابه، طالب لرحمته وجنته، فإذًا العبادة تتضمن المسألة، أي: أنه داخل في داخلها.
والعبادة متضمنة للدعاء، والصلاة عبادة وهي تتضمن الدعاء بل إن من الدعاء ما هو واجب ولا تصح الصلاة بغيره مثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي أنا أتوجه إليك يا رب! بهذه العبادة، وأطلب منك العون، وهذه مسألة فلو أنك لم تسأله ولم تقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] لم تصح صلاتك.
فإذًا: الصلاة عبادة، وهي تتضمن الدعاء، وهذا معنى قول ابن تيمية ﵀: إن العبادة تتضمن الدعاء، وقال: كل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
فدعاء المسألة هو كأن يقول العبد: يا رب! ارزقني مالًا، ونحوه، فأنت تسأل الله ﷿، وكونك تتوجه إليه وتقول: يا رب! ولم تطلب من أحد غيره، فأنت تعبد الله ﷾ وحده، وحين تقول: يا ربي! يا من خلقتني! يا من ربيتني! يا من أعطيتني! يا قادر على الإعطاء والمنع! أعطني كذا.
فكونك تطلب منه وحده فأنت تقر بأنه الرب الذي يملك ذلك سبحانه، فتتوجه إليه وحده فهو الإله المعبود، وهذا من دعاء المسألة الذي هو داخل في دعاء العبادة، إذًا: فكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
وسنضرب أمثلة مما جاء في كتاب الله ﷾، كقوله سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، فالدعاء هنا هو أن تطلب من الله سبحانه متضرعًا مخفيًا ذلك، فلا ترفع صوتك بالدعاء؛ لأنك لا تدعو أصم ولا غائبًا، إنما تدعو سميعًا بصيرًا قريبًا ﷾.
فالإنسان يدعو ربه متضرعًا له، متذللًا بين يديه سبحانه، خاشعًا متمسكنًا.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] المتعدي في دعاء الله سبحانه: هو الذي يطلب ما لا يكون لمثله.
وكذلك الذي يصرخ في دعائه لربه سبحانه، وقد قال النبي ﷺ: (أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا).
[ ١٣ / ٥ ]
الإخلاص من أسباب استجابة الدعاء
قال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:٤٠]، أي: من الذي تسألونه أن يكشف الكرب في هذا الوقت: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام:٤١]، والأصل أن يقول: (بل تدعونه)، فقدم المفعول على الفعل للاختصاص، يعني: أنه يدعى وحده لا شريك له، ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام:٤١] ﷾.
ولاحظ قوله: (إِنْ شَاءَ)، أي: فإن شاء عجل لك ما تطلبه، وإن شاء لم يعطك عين الذي طلبت وأعطاك غيره، وإن شاء كشف عنك ضرك، وإن شاء جعل لك ذلك ثوابًا في الآخرة، أما أن تطلب من الله شيئًا معينًا ولا تريد سواه فليس بلازم على الله أن يعطيك إياه، بل يعطيك ما يشاء ﷾.
وهنا تظهر عزة الله وحكمته وعلمه سبحانه، فهو يعطيك ما يشاؤه ﷾، ولذلك لما كان المشركون يدعون غير الله ﷾، ويقول لهم النبي ﷺ: هؤلاء لا يملكون لكم شيئًا، اطلبوا من الله ﷾، قالوا: نتوسل بهم إلى الله سبحانه ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فيسألونهم ويتقربون إليهم من أجل أن يوصلوا الدعاء إلى الله ﷾، والله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].
فربنا لا يحتاج إلى واسطة تكون بينه وبين العبد، بل إن العبد قريب منه.
فالله سبحانه قال لنا: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤١]، أي: إذا جاء وقت الضر نسي المشرك شركه وتوجه إلى الله ﷾، ولم يطلب من غيره سبحانه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، أي: المسجد بيت الله سبحانه، فإذا طلبت فاطلب منه وحده، ولا تشرك به سبحانه لا في دعاء عبادة ولا في دعاء مسألة.
وقال الله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤]، فانظر إلى قوله سبحانه: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ) أي: لله ﷿ الدعوة الحق: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الرعد:١٤] أي: يدعون الأنداد الذين اتخذوهم من دون الله وهم لا ينفعون ولا ينتفعون، ولا يملكون شيئًا، ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤]، وهنا تشبيه جملة بجملة، فشبه المشركين الذين يطلبون من آلهتهم أشياء وهي لا تعطيهم شيئًا، ولا تملك لهم شيئًا، كإنسان واقف أمام نهر، والنهر بعيد منه، وهو باسط يديه يقول للماء: تعال، والماء لا يأتي إليه، فالذي ينظر إليه يقول: هذا مجنون، إذ كيف يطلب من الماء أن يأتي إليه؟ فمثل هذا كمثل هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى آلهتهم، وهم يعرفون أنها لا تملك شيئًا.
قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤]، أي: في ذهاب وفي تيه وفي باطل، ولا يفلح صاحبه.
[ ١٣ / ٦ ]
الدعاء يشمل أنواع التوحيد الثلاثة
وأمثلة دعاء المسألة في القرآن أكثر من أن تحصر، فأنت حين تقول: يا رب! اكشف عني هذا الضر، فهنا كأنك تقول: يا ربي! أنا أوحدك، وأنا أعبدك، وأنا مستيقن أنك وحدك الذي تملك ذلك، ولذلك أنا أتوجه إليك.
ويدخل في هذا جميع أنواع التوحيد: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فأنت تجمعها عندما تقول: يا رب! أعطني، لا يملك أن يعطي إلا أنت، ولا يملك كشف الضر إلا أنت، فأنا أتوجه إليك بهذا الدعاء.
فأنت عندما قلت: يا ربي! أتيت بتوحيد الربوبية، فهو وحده الرب الذي يملك ذلك.
ولما قلت: أنا أتوجه إليك فأعطني.
فيه توحيد الألوهية، ولما قلت: إنه لا يملك أن يعطي إلا أنت ولا يملك أن يمنع إلا أنت، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فهذا إقرار بصفاته سبحانه وهي أنه سبحانه الملك الذي يخلق والذي يرزق والذي يغفر ﷾، فلذلك دعاء المسألة يتضمن العبادة، وإن لم يكن في دعائك ذكر العبادة، إنما مقتضى دعاء المسألة أنك تعبد الله ﷾؛ لأنك توجهت إليه وحده.
وقال سبحانه على لسان خليله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩]، قال: أعتزلكم وما تدعون، فذكر الدعاء وذكر العبادة، وكأنه يقول: الدعاء يتضمن العبادة، فاعتزلهم إبراهيم وقال: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩]، فالدعاء كان عبادة لغير الله بفعلهم، وعبادة لله بفعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فصار الدعاء من أنواع العبادة.
قال: وضابط هذا: أن كل أمر شرعه الله لعباده وأمرهم به ففعله لله عبادة، فإذا صرف من تلك العبادة شيئًا لغير الله فهو مشرك مصادم لما بعث الله به رسوله ﷺ من قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤].
[ ١٣ / ٧ ]
أسباب المروق من الدين هي ذاتها في القديم والحديث
وقال ﵀ في رسالته السنية: فإذا كان على عهد النبي ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام لأسباب منها الغلو في بعض المشايخ، ومنها الغلو في علي بن أبي طالب والغلو في المسيح ﵇، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الألوهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، إلى آخر كلامه ﵀.
فالغرض هو بيان أنه وجد في عهد النبي ﷺ من دخل في الإسلام ومرق منه كالمنافقين، أمثال عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد دخل في الإسلام ثم كان في قلبه النفاق والغل والحقد على الإسلام، فلم ينفعه إسلامه.
فكون الإنسان قال: لا إله إلا الله، ليس معناه أنه بهذه الكلمة -سواء فهم معناها أو لم يفهم معناها- ليس من الممكن أن يخرج من هذا الدين، بل من الممكن أن يخرج من الدين بأن يأتي ما يناقض الدين، ففي عهد النبي ﷺ قال عبد الله بن أبي ابن سلول وأمثاله من المنافقين: لا إله إلا الله، ولم تنفعهم هذه الكلمة بسبب ما حوت قلوبهم من شرك وكفر بالله، وبغض للنبي ﷺ وللمسلمين.
فكذلك في أي عصر من العصور يوجد المنافقون الذين يقولون: لا إله إلا الله، ويضمرون البغض للإسلام والمسلمين، فلا يقال لهم مسلمون، ولكن يقال مرقوا من دين الله ﷿.
كذلك إذا وجد من يقول: لا إله إلا الله ثم وقلد المشركين، فالمشركون كانوا يعبدون غير الله ظاهرًا وباطنًا، والمنافقون كانوا يعبدون الله ظاهرًا، وفي الباطن يكفرون بالله سبحانه، فإذا كان الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر قد قال الله فيه أنه منافق في الدرك الأسفل من النار، فكيف بالإنسان الذي يظهر الإسلام ويظهر معه الشرك بالله ﷾، كهؤلاء الذين يغالون فيما يتقربون إليه من دون الله ﷾ فيقولون: يا سيدي فلان! أعطني شيئًا.
وهذا الشيء لا يطلب إلا من الله سبحانه.
فالإنسان لو أنه طلب من إنسان حي شيئًا يملكه فأعطاه أو منعه فلا يقال: هذا شرك، كما لو ذهب إنسان إلى إنسان وقال: يا سيدي! أعطني كذا، فإنه لا شيء عليه، أما إذا توفي هذا الإنسان وجاء رجل يقول: يا سيدي فلان! أعطني كذا.
فكيف يعطيه وهو لا يملك لنفسه شيئًا؟ وكيف يعطيه شيئًا وهو لا يملكه؟ فيقول لنا هنا: إن كثيرًا ممن يزعمون أنهم على التوحيد، وأنهم أهل صوفية وغير ذلك، يتوسلون بغير الله، ويتقربون إلى غير الله سبحانه، بل وقد يذبحون لغير الله وينذرون له، وهذا مشاهد كثيرًا، فترى أحدهم يقول: يا سيدي فلان! أعطني كذا لله علي أن أذبح لسيدي فلان كذا وكذا، فهم وجهوا العبادة -التي لا تكون إلا لله- إلى غير الله سبحانه.
فقال: كالغلو في بعض المشايخ.
بل والغلو في علي بن أبي طالب، فـ علي بن أبي طالب، وجد من غلا فيه وزعم أنه إله من دون الله، أو أنه هو الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، فحرقهم علي بن أبي طالب في زمنه؛ لأنهم ألهوه من دون الله سبحانه، وجاء من بعدهم من غلاة الشيعة من يزعم أن عليًا إله، وأن الناس فيها أسماء وفيها صفات، وأن الاسم علي والحقيقة أنه الإله تعالى الله ﷿ عما يقولون علوًا كبيرًاَ.
وكذلك الغلو في المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد زعم النصارى أنه الله، أو أنه ثالث ثلاثة، ثم زعموا له أشياء لا تكون إلا لله ﷾، فكل من غلا في نبي، أو في رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني أو أغثني أو ارزقني، فهذا كله من الشرك بالله ﷾.
فالذين دعوا غير الله سبحانه، قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فزعموا أن الذي يملك النفع والضر هو الله، وأنهم ما يعبدون هؤلاء إلا ليقربوهم إلى الله سبحانه، والله ﷿ قال في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) لا يريد هذه العبادة التي تكون لله ولغير الله سبحانه، فالله ﷿ يقبل من العبادة ما كان موجهًا إليه وحده ﷾.
[ ١٣ / ٨ ]
طلب الحوائج من الموتى من أنواع الشرك
قال ابن القيم ﵀: ومن أنواعه -يعني: من أنواع الشرك- طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فهم يزعمون أن هؤلاء الموتى يملكون قضاء الحوائج، مع أن الله ﷿ قد قطع عنهم ما كان من أمر الدنيا، فصاروا لا يعرفون شيئًا من أمور الدنيا إلا ما يبلغهم الله ﷾ من شيء.
فهنا يقول ابن القيم: أن من أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم.
وقال السبكي: إن المبالغة في تعظيم الرسول ﷺ واجبة، فهنا لا بد من النظر في معنى هذه الكلمة، أي نوع من المبالغة؟ هل هي إظهار المحبة للنبي ﷺ وتعظيم النبي ﷺ بأنه رسول رب العالمين، أم الاحترام الذي يليق به كبشر، أو أنه المبالغة في ذاته حتى يخرجوه عن حدوده البشرية فيجعلونه في منزلة الله ﷾، فيسمع ويجيب الناس حوائجهم، وهذا مما لا يحل لأحد أن يعتقده.
لذلك يقول ابن عبد الهادي ردًا عليه: إن أُريد بتعظيم النبي ﷺ المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا، حتى الحج إلى قبره والسجود له، والطواف به، واعتقاد أن النبي يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء، فالمبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك.
فهذا قد أعطى للنبي ﷺ ما لا يكون إلا لله ﷾.
وتفصيل الكلام: إذا وجد إنسان يقول أنه سيتوجه إلى قبر النبي ﷺ للطواف به مثلًا، وإن كان لا يحدث مثل هذا والحمد لله، ولا يقدر عليه من يريد أن يفعل ذلك على أن يطوف بقبر النبي صلوات الله وسلامه عليه- ولكن إن اعتقد إنسان أنه يحل له أن يطوف بقبر نبي أو بقبر ولي أو غير ذلك فهذا من الشرك بالله سبحانه؛ لأنه يكون قد توجه بعبادة لغير الله ﷾، وقد قال النبي ﷺ: (اللهم! لا تجعل قبري وثنًا يعبد).
[ ١٣ / ٩ ]
اعتقاد أن النبي ﷺ يعلم الغيب أو يدخل أحدًا من الخلق الجنة بمشيئته
وكذلك اعتقاد أن النبي ﷺ يعلم الغيب، ومسألة اعتقاد علمه الغيب فيها تفصيل: فإذا كان الإنسان يعتقد أن النبي ﷺ لكونه نبيًا أطلعه الله ﷿ على بعض الأشياء الغيبية فهذا صحيح، فقد أطلعه الله ﷿ على أشياء من علم غيبه سبحانه فرأى الجنة ﵊، ورأى النار وعرج به إلى السماء، فلا مانع من اعتقاد هذه الأشياء، بل من أصول هذا الدين أن يعتقد المسلم أن النبي ﷺ رسول رب العالمين، نزل عليه الوحي من السماء، ونزل عليه القرآن، نزل به جبريل من اللوح المحفوظ في السماء، فهو كونه نبيًا قد مكنه الله ﷿ من أن يرى جبريل وأن ينظر إلى الجنة وأن ينظر إلى النار.
وأما إذا كان يعتقد أن الغيوب التي حجبها الله سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، إن كان يعتقد أن النبي ﷺ يعلمها أيضًا فهو يكذب كتاب رب العالمين سبحانه الذي يقول: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ» والذي يعتقد ذلك إنسان مشرك ضال.
فكل نبي من أنبياء الله اسمه نبي، وصفته نبي، وكلمة نبي مأخوذة من النبوءة، والنبوءة هي: الإخبار بالمغيب، فالأنبياء يخبرون عن غيب، ويخبرون عن الله ﷾، والله غيب سبحانه، ويخبرون عن صفاته سبحانه وهي غيب بالنسبة لنا، فالذي يعتقد أن النبي ﷺ علم أشياء من الغيب مثل: صفات الله الغيبية، فهذا صحيح، فهو قد علمها وبلغنا إياها، وقد عرفناها نحن أيضًا بإخبار النبي ﷺ، فهذه من الغيوب التي أطلع الله ﷿ نبيه ﷺ عليها وبلغها للأمة.
أما أن يعتقد أنه ﷺ يعرف الغيب الذي اختص الله به نفسه، فهذا من الشرك بالله سبحانه؛ لأن الله اختص بذلك لنفسه، ولم يطلع أحدًا على ذلك، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا.
ومن الشرك بالله اعتقاد أن النبي ﷺ يجوز السجود له، مع نهيه عن ذلك صلوات الله وسلامه عليه، أو أنه يملك الغوث -لمن يطلب منه ذلك- من دون الله ﷾، أو أنه يقضي حوائج السائلين.
وانظروا للجارية لما قالت في شعرها: وفينا نبي يعلم ما في غد أنكر عليها النبي ﷺ وقال: (لا يعلم ما في غد إلا الله)، وقال ﵊ في حديث آخر: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) صلوات الله وسلامه عليه.
يقول: كذلك من يعتقد أنه ﷺ يفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، فهو يشفع ﷺ ليس فيمن يشاء هو، لكن فيمن يشاء الله سبحانه، يقول تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لاحظ الفرق الدقيق بين الاثنين، فالله ﷿ يشفع ونبيه ﷺ يشفع ويشفع المؤمنون، فالنبي ﷺ يشفع لمن قال له الله ﷿: اشفع فيهم، ولمن حددهم له ربه سبحانه ممن مات لا يشرك بالله، فيشفع النبي ﷺ في هؤلاء، فلذلك قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، لا نبي ولا ولي ولا أحد أبدًا يشفع عند الله إلا بإذنه.
إذًا: ليس بمشيئته ﵊، ولكن بمشيئة رب العالمين حيث أذن له وقال: (اذهب فأخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) إذًا: بإذن الله سبحانه وبمشيئته وليس بمشيئة النبي ﷺ.
وهذا يتبين لنا كذلك من حديث الشفاعة، كيف أنه يتوجه إلى ربه ويسجد تحت عرشه، فلما يسجد يتركه الله ﷾ ما شاء أن يتركه، لبيان عزة رب العالمين سبحانه، ولبيان أنه وحده الذي يملك أن يأذن في الشفاعة أو عدمها.
ثم يفتح على نبيه ﷺ بمحامد يعلمه إياها لا يعرفها الآن، ولكن يوم القيامة يلهمه الله كيف يحمده فله الفضل أولًا وآخرًا ﷾.
فهذا المقصود من كلام ابن عبد الهادي.
ومن الشرك قوله: ويدخل الجنة -أي النبي ﷺ- من يشاء، فالله سبحانه هو الذي يملك أن يدخل من يشاء الجنة وأن يدخل من يشاء النار، لكن النبي ﷺ يعطيه الله ﷿ الشفاعة، ويحد له حدودًا أنه في الوقت كذا اشفع لهؤلاء، وأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم يقول في النهاية: (شفع أنبيائي وشفعت ملائكتي، وشفع الأولياء ولم يبق إلا أرحم الراحمين -﷾- فيقبض قبضة من أهل النار قد استوجبوا العذاب ويدخلهم الجنة ﷾) فهؤلاء ما شفع فيهم نبي ولا ولي ولا ملك ولا غيره، ولكن أرحم الراحمين ﷾ أدخلهم الجنة بفضله وبرحمته ﷾.
[ ١٣ / ١٠ ]
كفر من قال: إن أرواح الأولياء تحضر بين الأحياء وتعلم ما هم فيه ولها تصرفات في الحياة
يقول: وفي الفتاوي البزازية من كتب الحنفية، قال علماؤنا: من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم، يكفر؛ فهو يريد أن يسوق من كلام أئمة المذاهب، حتى لا يأتي إنسان يقول: أنتم حنابلة لذلك تقولون هذا الكلام، ونحن حنفية، فيأتي لهم بكلام الأحناف، حتى أنه قد استفاض في ذكر كلام الأحناف في هذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس في بلدان كثيرة يتبعون المذهب الحنفي، ويتبعون المذهب الشافعي وهكذا.
فهو يذكر لهم أن هذا كلام أئمة الأحناف في زمانهم وأنهم قد قالوا هذا الشيء.
فبعض الصوفية يقول: نحن قاعدون في مجلس وأرواح مشائخنا حاضرة معنا، وهذا كذب؛ لأن الله ﷿ يقبض هؤلاء الأموات، وإذا قبضهم لم يرسلهم ﷾ حتى تقوم القيامة، فمن زعم أن الأرواح تحضر معهم فإنه يفتري على الله سبحانه، ويكذِّب بما ذكر الله ﷾.
كذلك في كتاب الشيخ صنع الله الحنفي أحد الأحناف وهو متأخر والظاهر أنه كان في الدولة العثمانية فهذه الألقاب كان ظهورها في عصر الدولة العثمانية، فالمقصد أن هذا من الأحناف وقد رأى الشرك الذي يصنعه كثير من الناس في البلاد، فقال في الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: هذا وإنه قد ظهر الآن بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم، كأن يقول: إن الولي الفلاني يتصرف في حياته وبعد وفاته، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهمهم تنكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين أن لهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة، والقطب: هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور.
قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة لعقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة.
يقصد المؤلف من كلامه أن البعض من هؤلاء -وهذا يوجد في كتب الصوفية- يطلقون على فلان لقب القطب أو قطب من الأقطاب، أي: ولي من الأولياء، والقطب هو الغوث، وعليه المدار، مثل قطب الرحى الذي هو الخشبة التي بين المحورين، أو هي الخشبة المحورية التي تدور حولها الطاحونة، فيقولون: إن هذا هو القطب الذي يدور حوله العالم.
فهذا القطب تفرد بهذا الشيء وحده، فأين الله ﷾؟ فقد نسبوا لغير الله التصرف في الكون بقولهم هذا، ويقولون: هؤلاء الأقطاب الأربعة في كل قطر من العالم فقد قسموا العالم أرباعًا، كل ربع يتصرف فيه قطب معين.
فإذا كان القطب هو الذي يتصرف فأين الله ﷾؟! وما الذي يصنعه الله ﷾؟! فهم يشركون بالله سبحانه من حيث يعلمون أو يجهلون.
يقول الشيخ هنا: لما فيه من روائح الشرك المحقق.
قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، أي: يكون في شق مخالف للشق الذي فيه النبي ﷺ، وهذه مأخوذة من الخندق الذي يكون فيه المتقاتلون، فأهل الإيمان لهم خندق، وأهل الكفر كذلك، فالذي يشاقق الرسول كأنه ترك خندق النبي ﷺ ونزل في خندق الكفار، فالذي يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين نتركه فيما هو فيه ونحمله ما تحمل من آثام، قال: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
ثم قال الشيخ صنع الله: وأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، فهذا يرده قول الله ﷾: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالله وحده ﷾ هو الذي يخلق ووحده الذي يأمر سبحانه، فما كان من شيء فالله خلقه، فأين الذي خلقوه من دون الله ﷾؟ وقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المائدة:١٢٠] أي: التصرف في ملكوت السماوات والأرض لله، وقدم الجار والمجرور على الاسم في الآيتين، لاختصاصه سبحانه وتفرده بذلك، فقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، وأصلها الخلق والأمر له، وقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المائدة:١٢٠]، والأصل أن يقال: ملك السماوات والأرض لله، ولكن لاختصاصه بذلك وتفرده وحده قدم الجار والمجرور.
قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣]، فالله هو العلي وحده لا شريك له القادر على التصرف، وكل من دونه تحته سبحانه، سواء كانوا صالحين أو طالحين، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، سواء كانوا يعقلون أو لا يعقلون، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، رجالًا أو نساء كل من تدعون من دون الله، لا يملكون فتيلًا ولا نقيرًا ولا قطرة ولا قطميرًا، لا يملكون شيئًا، وعبر هنا بأحقر الأشياء التي ينظر الإنسان إليها، وهي النقرة أو تسمى النقير الذي في النواة، والفتلة التي داخل النقير واسمها الفتيل، والغشاء الرقيق الذي حول النواة اسمه القطمير، فهؤلاء لا يملكون نقيرًا ولا قطميرًا ولا فتيلًا، مع أنها من أهون الأشياء، فهذا الشيء الحقير الذي تحتقره هؤلاء الذين يدعون من دون الله لا يملكون أن يوجدوه، ولا يملكون أن يخلقوه فكيف بهذا الملكوت العظيم؟ وكيف يقال عنهم أنهم يتصرفون في هذا الكون؟ حاشا لله ﷾ أن يكون له شريك في ملكه.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤].
يقول ﵀: وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، فكما أنه جاء عليه الموت فسيجيء أيضًا على غيره ﵊.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢]، ولاحظ التعبير في هذه الآية، فالذي يموت لن يترك ليذهب أينما يشاء، بل يكون مقبوضًا عند الله سبحانه، فقد انقطع أمره عن الدنيا تمامًا.
إذًا: لا يمكن أن يرجع الولي إلى الدنيا ويتحكم في العالم بعد وفاته، ولا يمكن أن يقتل إنسان ثم ترجع روحه إلى الدنيا لتعمل على تخويف الناس، لا يوجد شيء من هذا، إنما هو من كذب هؤلاء، فالله يخبر أن الروح إذا ذهبت قبضها الله سبحانه وأمسكها، قال سبحانه: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢]، وقال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، ومعناه: أن الذي يتحرك ويذهب ويجيء حي، وأن الذي ذاق الموت فهو لا يتحرك وقد صار إلى الله ﷾، فلا يملك أن يرجع إلى الدنيا مرة ثانية، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، وقال النبي ﷺ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)، إذا مات ابن آدم انقطع عمله، والمقصود كل بني آدم بما فيهم الأنبياء والرسل والأولياء وجميع من خلقهم الله ﷿ من ذرية آدم، فإذا مات الإنسان ليس له من عمل بعد موته إلا ثلاثة أشياء، وهذا استثناء معناه الحصر في هذه الثلاثة فقط: (صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
وهذه الأعمال الثلاثة التي تبقى لهم إنما كانت منهم في حياتهم، فبعد أن مات لن يأتي ليعلم الناس، ولكن ينفعه من العلم ما استفاد منه الناس في حياته وبعد موته، وبعد أن مات لن يستطيع أن يرجع ويتصدق، ولكن ما جعله صدقة جارية فانتفع بها الناس بعد وفاته فله أجرها، وإذا كان له ولد فرباه وأحسن تربيته، فهذا هو الذي يدعو لأبيه وهذا هو الذي ينتفع به الميت بعد وفاته.
ومفهوم الحديث أن غير هؤلاء لا ينتفع بها العبد.
[ ١٣ / ١١ ]
المعجزة والكرامة والفرق بينهما
يقول صنع الله الحنفي: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة؛ لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه لا قصد لهم فيه، ولا تحدي ولا قدرة ولا علم كما في قصة مريم ابنة عمران وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني.
المقصود أن الله ﷾ جعل المعجزات لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وجعل الكرامات يكرم بها من يشاء من عباده المؤمنين ﷾.
وفرق بين المعجزة والكرامة، فالمعجزة يتحدى بها، كأن يطلب الكفار شيئًا من النبي ﷺ ويتحدونه أن يفعله ويأتي به فيأتي بهذا الشيء الذي يجعله الله ﷾ له آية، مثل انشقاق القمر، حين دعا النبي ﷺ ربه وأشار إلى القمر فانشق، فهي معجزة وفيها التحدي وأصل المعجزة مأخوذ من التعجيز، والمقصود هنا الذي مبناه على التحدي.
والكرامة من الله ﷿ يكرم بها من يشاء من خلقه سبحانه بما يشاء، كأن يكون عبد من عباد الله صالحًا فيكرمه الله بشيء لم يطلبه العبد، ولكن الله وهبه له سبحانه.
[ ١٣ / ١٢ ]
نماذج من أصحاب الكرامات
ثم ساق ثلاثة أمثلة من أهل الكرامات، قصة مريم بنت عمران، فهي ﵍ كانت صديقة ولم تكن نبية على الصحيح من أقوال أهل العلم، والله ﷾ جعلها وابنها آيتين من آياته ﷾، فأكرمها بأن حملت بغير زوج، فقد حملت بالمسيح ﵊ وليس لها زوج فليس للمسيح ﵇ أب بل هو منها وحدها، فجعل الله ﷿ هذه آية لـ مريم قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٤٥] فذكر أن المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام خلق بكلمة (كن) من الله ﷾.
فكان هذا لـ مريم آية من الآيات وهي لم تطلب ذلك، ولم تسأل الله عزل وجل ذلك، ولكن أكرمها فجعلها لها آية وكرامة وابتلاء، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧]، فكانت كرامة من الله ﷿ لـ مريم بنت عمران أن الله يرزقها في مكان صلاتها، وينزل عليها رزقًا من السماء إلى المحراب، وهذه كرامة يكرم الله ﷿ بها من يشاء من خلقه.
والمثال الثاني: قصة أسيد بن حضير، وهو صحابي من أصحاب النبي ﷺ كان يحفظ من القرآن وكان يقوم لله ﷾ فيصلي بما يحفظ، فقام مرة -كما جاء في صحيح البخاري وغيره- يصلي لله ﷿ ليلة من الليالي في مربضه وهو المكان الذي يربط فيه الحصان، وكان ابنه يحيى قريبًا من الحصان، فقرأ من سورة البقرة، فإذا به يجد شيئًا مثل السرج ينزل من السماء، ووجد الحصان ينفر من مكانه، فإذا به يقرأ، وإذا بهذا الشيء ينزل وإذا بالحصان يزداد في النفور، ثم إنه انقطع عن القراءة فارتفع هذا الشيء الذي نزل من السماء.
يقول وهو يحكي القصة: (فخشيت أن يطأ يحيى، فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها، قال: فغدوت على رسول الله ﷺ وذكرت له ذلك، فقال رسول الله ﷺ: تلك الملائكة، كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم).
فهذه ملائكة نزلت من السماء لحسن تلاوته وإخلاصه وتعبده بالليل، ولو ظل يقرأ حتى الفجر لأصبح الناس ينظرون إلى الملائكة، فهذا أسيد بن حضير أكرمه الله بكرامة، وهو لم يطلب هذه الكرامة، ولم يسأل ربه ذلك، ولكن الله أعطاه ذلك.
يقول الشيخ صنع الله: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات فهو من المغالطة.
أي: من يغالي في المشايخ، ويقول: إنهم يتصرفون في العالم، أو أن الله جعل لهم التصرف في بلدة معينة، أو في جزء من الأرض معين، فيقول الشيخ: هذا من الكذب، فلم يجعل الله ﷾ لأحد أن يتصرف في شيء من خلقه سبحانه، بل هو الذي يتصرف في أمور الكون كلها وحده لا شريك له.
ثم ذكر أن الكرامة شيء يكرم الله ﷿ به أولياءه لا قصد لهم فيها، والتصرف فيه قصد، فهو يقصد أنه يتصرف في كذا ويتصرف في كذا ويعمل كذا وهذا يتنافى مع الكرامة، فلم يجعل الله لهم ذلك، فالكرامة أن يكرم الله من يشاء من عباده بشيء لا قصد لهم فيه كما ذكرنا في قصة مريم ﵍ أن الله أكرمها بأن جعل لها رزقًا في محرابها من عنده سبحانه: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧].
الكرامة الثالثة: وكانت لـ أبي مسلم الخولاني، وأبو مسلم الخولاني رجل من المخضرمين أسلم في عهد النبي ﷺ في اليمن ولكنه لم يره، وكان الأسود العنسي قد تنبأ في اليمن واسمه الأسود بن قيس ولقبه ذو الحمار، فبعث الأسود إلى أبي مسلم الخولاني، وقال له: أتشهد أني رسول الله؟ وقد أسلم أبو مسلم رضي عنه، فيقول أبو مسلم: لا أسمع ما تقول، فيقول الأسود العنسي لـ أبي مسلم: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول أبو مسلم: نعم صلوات الله وسلامه عليه، فيكرر عليه الأسود: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، يعني: كلامك سخيف ولا يستحق الجواب عليه، فإذا به من غيظه يأمر بإيقاد نار ليضع أبا مسلم الخولاني فيها، فأوقدوا له نارًا ووضعوه فيها، فنجاه الله ﷾ ولم تحرقه النار، فإذا بهذا الأسود يطرده من اليمن فيتوجه أبو مسلم إلى أبي بكر الصديق ﵁، فلما وصل إليه وعرف بقصته رضي الله ﵎ عنه، قال عمر رضي الله ﵎ عنه: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم ﷺ.
فهذه كرامة من الله ﷿ لـ أبي مسلم الخولاني، هو لم يطلبها ولكن الله أكرمه بهذا الشيء، فهذه كرامات لأولياء الله سبحانه، ولم نسمع أن هؤلاء قد قالوا: نحن نتصرف في الكون أو ظن أحد منهم أن لهم تصرفات في الكون.
[ ١٣ / ١٣ ]
الفرق بين الاستغاثة الممنوعة والاستغاثة المشروعة
يقول ﵀: وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، -يعني بالأولياء- فهذا أقبح مما قبله وأبدع، لمصادمته قوله ﷿: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، ثم ينكر الله على المشركين الذين جعلوا هؤلاء آلهة مع الله، فيقول: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] وفي بداية الآية يقول الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، فلم يقل: نبيًا ولا وليًا ولا إنسانًا ولا جانًا ولكن الله ﷿ وحده هو الذي يجيب المضطرين.
فمن زعم أن المكروب له أن يلجأ إلى فلان من الناس ليرفع عنه الكرب فإنه مشرك بالله ويدعو إلى الشرك به ﷾، قال الله سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام:٦٤]، أي: من كل ما يقع فيه الإنسان من بلاء ونحوه، قال: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٣ - ٦٤].
يقول المصنف: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية.
يعني: لو أن إنسانًا وجد نفسه في مشكلة كأن يكون حوله الأعداء فيستغيث بالمسلمين ليغيثوه فهذا جائز، ولو أنه ناداهم مثل أن يقول: يا للمسلمين! يا فلان! تعال، من أجل أن يساعده فيما هو فيه، فهذا جائز، أما أن يطلب من بشر ما لا يكون إلا من رب البشر سبحانه سواء كان حيًا أو ميتًا فهذا هو الشرك بالله ﷾.
ولذلك يقول: وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق فهذه من خصائص الله سبحانه، ولا يجوز لأحد أن يطلب من أحد من البشر مثل هذا.
ثم ذكر بعد ذلك قول الله ﷿: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦]، وقد سبق أن ذكرنا معناها.
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، فإذا ادعى إنسان أن غير الله يكشف الضر فإنه يكذّب ما قاله الله سبحانه، فالله وحده هو الذي يكشف الضر، والله وحده هو الذي يستجيب للمضطر إذا دعاه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧].
وكذلك قال الله لهؤلاء المشركين على لسان إبراهيم في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]، فالرزق لا يطلب إلا من عند الله سبحانه، فمن ظن أن غير الله يعطيه رزقه فقد اعتقد الشريك لله ﷾، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥].
فإذًا: هم يدعون هؤلاء الآلهة من دون الله، والآلهة غافلة عنهم لا تدري عنهم شيئًا، فإذا جاءوا يوم القيامة تبرءوا منهم، وكذلك الذين يعبدون عزيرًا من دون الله، والمسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، يأتون يوم القيامة فيتبرأ منهم عزير ويتبرأ منهم المسيح عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الله سبحانه: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف:٥] يعني: في الدنيا، فإذا جاءوا يوم القيامة تبرءوا منهم، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٦].
[ ١٣ / ١٤ ]
فضل الدعاء
وقد ساق الشارح أحاديث في الدعاء وأن الدعاء عبادة لله ﷾، منها قول أنس ﵁ مرفوعًا: (الدعاء مخ العبادة)، وقد ذكرنا هذا الحديث وأنه ضعيف؛ لأن في إسناده ابن لهيعة وهو مدلس، والراوي عنه الوليد بن مسلم وهو مضطرب وعلى هذا فالحديث بهذه الصيغة ضعيف.
لكن صح عنه ﷺ أنه قال: (الدعاء هو العبادة)، فذكر الدعاء وأخبر أنه عبادة لله سبحانه.
وكذلك في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)، فإذا طلبت فلا تطلب من غير الله، ولكن اطلب من الله وهذا حديث حسن رواه الترمذي وغيره، وقال فيه النبي ﷺ: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ).
فإذا كان القلب مستيقنًا بالإجابة أعطى الله للعبد مسألته، وإذا كان العبد لاهيًا غافلًا يدعو باللسان وليس في قلبه الموافقة لما يقوله بلسانه فلا يستحق الإجابة، وهذا الحديث هو حديث حسن.
وكذلك جاء في حديث آخر: (من لم يسأل الله يغضب عليه)، رواه الترمذي وحسنه الشيخ الألباني.
إذًا: الدعاء عبادة لله ﷿، فإذا دعوت فادع الله سبحانه وحده، فالله يفرح بعبادة عبده له كدعائه له، ويستجيب ﷾ له، فإذا ترك الدعاء غضب الله ﷿ عليه.
وكذلك جاء في الحديث الآخر: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء)، رواه الترمذي وقال: حديث غريب، وحسنه الألباني، ففيه أن من أعظم ما تعبد به ربك سبحانه أن تدعوه.
كذلك ذكر الشارح حديثًا لا يصح عنه ﷺ وهو: (الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض) وهذا حديث موضوع لا يصح عن النبي ﷺ.
وأيضًا ذكر حديث: (اسألوا الله كل شيء حتى الشسع إذا انقطع)، والشسع هو الذي يمسك نعل الإنسان في قدمه، وهذا لا يصح مرفوعًا، إنما يصح من قول عائشة ﵂ وهو حديث حسن موقوفًا على عائشة رضي الله ﵎ عنها، فيجب عليك أن تتعود على الدعاء حتى في أقل الأشياء، فإذا انقطع حذاؤك فادع ربك ﷾.
فالدعاء عبادة تتقرب بها إلى الله وتؤجر عليها وتثاب من الله ﷾، وقد كان من دعاء النبي ﷺ قوله: (اللهم! إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان) إلى آخره، وكذلك قوله: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد)، فهذا من دعاء النبي لربه سبحانه والذي فيه الطلب وفيه التعظيم لله سبحانه والعبادة له.
وهذا حديث أخير ذكره في المتن وهو حديث ضعيف قال: روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) والحديث في إسناده ابن لهيعة وفيه أيضًا رجل مجهول وهو الراوي عن عبادة بن الصامت، فالحديث لا يصح.
ورواه الإمام أحمد بلفظ آخر، وفيه أن القائل أبو بكر الصديق ﵁، قال: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ: (إنه لا يقام إلا لله)، فنهاهم عن أن يقوموا للنبي ﷺ مع أنهم يطلبون منه شيئًا، وهو أن يغيثهم من المنافق الذي آذاهم، ولكن ليكونوا على أماكنهم ويطلبوا من النبي صلوات الله وسلامه عليه ما شاءوا، وإسناده أيضًا ضعيف.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٣ / ١٥ ]