من أنواع الشرك لبس الحلقة والخيط والرقى والتمائم، وهذا الشرك قد يكون أكبر وقد يكون أصغر، بحسب ما يكون في قلب اللابس لذلك، وقد جاءت الأدلة الكثيرة على النهي عن ذلك والزجر عنه، صيانةً للتوحيد، وحفظًا لجنابه.
[ ٩ / ١ ]
حكم لبس الحلقة والخيط والرقى والتمائم
[ ٩ / ٢ ]
العلة من تحريم تعليق الحلقة والخيط
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
الباب السادس في كتاب التوحيد وهو: [باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
وعن عمران بن حصين ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا)، رواه أحمد بسند لا بأس به].
هذا الباب هو: (من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه)، أي: أن يظن الإنسان أنه إذا وضع شيئًا من حجر أو نحوه في يده أو على مكان في جسده به مرض أن هذا الشيء يكشف هذا المرض، وقد يقول: إنه ليس هو الذي يكشف هذا المرض ولكن الله الذي يكشف هذا المرض، فيتعلق بهذه الحلقة أو بهذا الخيط الذي وضعه، وهذا من الشرك بالله ﷾، وإذا أخذ شيئًا وهو يعلم أنه لا ينفع ولا يضر فيجعله على مكان الألم يظن أنه ينفعه فهو من الشرك كذلك.
أما تداوي الإنسان بالأدوية التي جعلها الله ﷿ أسبابًا للشفاء فليس من هذا الباب، فإذا علق إنسان خرطومًا على يده يعتقد أنه يأتي له بالحظ أو ينفعه في المرض الذي هو فيه، فهذا لا ينفع ولا يضر وهو من الشرك، لكن لو علقوا له خرطومًا فيه محلولًا ووصلوه بالوريد، فالظاهر أن هذا خرطوم وذاك خرطوم، وهذا متعلق وذاك متعلق، ولكن الأسباب التي أجراها الله ﷿: أن هذا فيه شفاء بإذن رب العالمين وفيه دواء معلوم، أما ذاك الآخر فهو وهم من الإنسان، فيعتقد شيئًا لا يكون حقيقة، كذلك حين يلف إنسان خرقة على يده ويعتقد أن هذه الخرقة تنفع أو تضر.
فهذا من الشرك.
كذلك لو أن إنسانًا أصيبت يده فوضع حولها الشاش والقطن.
فهذه خرقة كالأولى، لكن الأولى كانت من الشرك لاعتقاده أنها تنفع وتضر، وأما الثانية فاعتقاده فيها أنها سبب جعله الله ﷿ مداواة للجرح، وأجرى العادة على أنها تنفع إذا وضعها بهذه الطريقة، وهو أن يلف الجبس على رجله.
ففرق بين ما أجرى الله ﷿ به العادة أنه ينفع تطببًا، وبين ما لم تجر العادة بذلك، فيعتقد الإنسان أنه ينفع ويضر، وهو من الشرك بالله ﷾، كمن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
فإذا كان يعتقد أنه إذا وضع ذلك في هذا المكان أن الله سيرفع البلاء، وقد كان أجرى الأسباب أن هذا يرفع البلاء بإذن الله ﷿ لم يكن شركًا بالعادة التي أجراها الله ﷿ لذلك، مثل الجبس الذي يلفه على يده.
وإذا أخذ وترًا قديمًا كان على بعير أو قوسًا وأراد أن يعلقه على البعير معتقدًا أن هذا الوتر سيمنع المرض عن هذا البعير فهذا ليس من التطبب وليس دواءً، وقد يزعم أن هذا الشيء يرفع المرض ولكن لم يأذن الله ﷿ بذلك الشيء أن يكون سببًا في رفع المرض قبل ذلك، وقد يكون من وراء ذلك اعتقاد آخر وهو أن هذا الشيء القديم سيجذب الجن حتى يأتوا لشفاء هذا المريض، سواء أظهر ذلك الاعتقاد أو أخفاه.
كما يعتقد بعض الناس فيما يعلقه من تمائم وغيرها أن الجن يعينونه أو يصرفون عنه الضر، وهذا أشرك بالله؛ لأنه اعتقد أن غير الله ينفع مع الله، أو يرفع البأس مع الله سبحانه، وقد لا يكون البلاء موجودًا ولكنه علق حلقة من أجل أن تمنعه مما يأتي، وكما يحصل من بعض الناس إذا اشترى بيتًا جديدًا فإنه يذبح خروفًا على عتبة البيت، ويعتقد أن الدم الذي يسيل من الخروف هو قربان للجن حتى لا يؤذونه في يوم من الأيام، وقد لا يعتقد ذلك، ولكنه يقلد من يفعل هذا الشيء بزعم أن هذا ينفع أو يضر، وهذا من الشرك بالله ﵎.
[ ٩ / ٣ ]
وجوب اعتقاد أن النفع والضر بيد الله
قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، هذه الآية يذكر الله ﷾ فيها أن الذي ينفع ويضر هو الله، ولا شيء ينفع ويضر مع الله ﵎.
وهذه الآلهة والأصنام التي عبدوها من دون الله سبحانه إذا سئلوا عنها قال أهل الجاهلية: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، أي: إن أصل عبادتنا لله، ولكن هذه وسائط بيننا وبينه، وهم بهذا اتخذوا وسائط لم يأمر الله بها، فهم يعتقدون أنها ستقربهم من الله ﷿، وكأنهم اتخذوها شريكًا لله ﷾ مع علمهم بأنها لا تنفع نفسها أو تضرها فضلًا عن غيرها.
«قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ» متعجبًا من هؤلاء وما يعبدون: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، أي: أن هذه الأصنام والآلهة التي يعبدونها من دون الله لا تنفع ولا تضر، وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨] هذه قراءة الجمهور، وقراءة البصريين أبي عمرو ويعقوب «هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتٌ ضُرَّه» أي: هل تقدر أن تكشف الضر الذي يريده الله ﷿ بعبده؟
و
الجواب
لا: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨]، وأيضًا فيها قراءتان: «هل هن ممسكات رحمَتِهِ»، و«هل هن ممسكات رَحْمَتَهَ» أي: هل يقدرن على أن يمسكن رحمة الله سبحانه ويمنعنها؟ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] أي: الله هو الذي يكفيني ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] أي: أنا من المتوكلين على الله، والله يتوكل عليه كل متوكل ويعتمد عليه وحده في إصلاح شأنه وفي نفعه.
[ ٩ / ٤ ]
حجة أهل الجاهلية في عبادة آلهتهم
يقول مقاتل في معنى هذه الآية فسألهم النبي ﷺ فسكتوا: أي: أنهم لا يعتقدون ذلك فيها.
يعني: لما أمر الله ﷿ أن يسألهم عن ذلك، فلم يقدروا على الجواب إلا أن يقولوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]؛ لأنهم لا يعتقدون أنها تنفع أو تضر، ولكن يقولون: إنها تقربهم من الله، فهي واسطة بينهم وبين الله بزعمهم.
يقول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣]، أي: أن أهل الجاهلية في وقت الرخاء ونزول الخير يدعون غير الله ويتقربون إلى الآلهة، فإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله وجأروا إليه، قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] يجأر أي: يرفع صوته بالاستغاثة بالله ﷾، ويطلب منه أن يكشف عنه الضر.
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٥٤] أي: بعد أن يرتفع عنهم هذا الضر بفضل الله يرجع فريق منهم إلى الإشراك بالله سبحانه.
[ ٩ / ٥ ]
آثار الشرك على صاحبه
ذكر المصنف في الباب عن عمران بن حصين ﵁: (أن النبي ﷺ رأى رجلًا في يده حلقة من صفر)، والصفر: النحاس، فقال: (ويحك ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا)، الحديث معناه صحيح لكن إسناده ضعيف، فهو من رواية الحسن عن عمران، وقد قالوا: إن الحسن لم يسمع من عمران، وإن أثبت الإمام الحاكم أنه سمع منه، لكن في إسناده أيضًا مبارك بن فضالة، وهو إن كان صدوقًا لكنه يدلس ويسوي، والتسوية شر أنواع التدليس، فالحديث ضعيف حتى ولو كان الحسن سمعه من عمران، وقد ساق إسناد هذا الحديث قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا المبارك -وهو مبارك بن فضالة - عن الحسن قال: أخبرني عمران، وفي هذه الرواية أن الحسن سمع من عمران، وإن كان لم يسمع الأحاديث التي يرويها عن عمران أو عبادة أو غيره.
لكنه سمع منهم بعض الأحاديث، وبعضها دلسها عنهم، فالأحاديث التي سمعها منهم يقول فيها: أخبرني ولكن قوله أخبرني لا تنفع في هذا الحديث؛ لأن الراوي هو مبارك بن فضالة ومبارك كان مدلسًا شر أنواع التدليس وهو تدليس التسوية، وقد عنعن هنا في روايته عن الحسن وهذا هو سبب ضعف الحديث.
ومعنى الحديث: أنه لو مات وعليه هذه الحلقة وهو يعتقد أنها تنفع وتضر مع الله ﵎ فقد أشرك بالله، ولا يفلح المشرك إذا لقي الله ﷾، والله يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك)، (من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، ويقول لنا في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وكأنه يريد أن يقول: ينبغي على الإنسان المؤمن أن يحافظ على عبادة الله سبحانه وتوحيده، وأن يلجأ إلى الله وليس إلى غيره.
[ ٩ / ٦ ]
الله الحافظ والمعين
وكان النبي ﷺ يعلم ذلك حتى الصغار من أصحابه، ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عباس ﵁ يقول: (كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك)، وفي رواية عند أحمد قال: (يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى)، يا غليم تصغير له، فقد كان صغيرًا ﵁، والغلام: هو الصبي الذي كاد يبلغ، وهو المراهق الذي راهق الحلم، وكان عمره حين توفي النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة، وهذا يدل على أنه كان صبيًا ﵁ حين قال له النبي ﷺ ذلك.
وكأنه ﷺ يعلم المسلمين أن يعلموا أولادهم التوحيد فيشب الصغير وهو يعرف توحيد الله سبحانه ولا يشرك به شيئًا.
قال في رواية الترمذي: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك)، ومعنى: حفظك لله أي: حفظك لدين الله ولأوامره ونواهيه وذلك بفعل الأوامر وترك المناهي، وأن تخاف من الله ﷾، فأنت حينئذ حافظ لكتابه ولسنة نبيك ﷺ، ومحافظ على دينك، فالله ﷿ يحفظك ويحافظ عليك، ومعنى: (احفظ الله تجده تجاهك)، أي: في كل مأزق وفي كل شيء صعب وقعت فيه تجد الله ﷿ معك يحفظك، (إذا سألت فاسأل الله)، هنا يعلمه التوحيد، وأن يدعو الله ﷿ ولا يدعو أحدًا سواه، قال: (وإذا استعنت فاستعن بالله)، أي: اعتقد أن الذي ينفعك ويعينك هو الله سبحانه، ولم ينف أن يستعين الإنسان بغيره فيما لا يقدر عليه، فالمؤمن يجعل الله ﷿ وكيله ويكون اعتماده كله عليه سبحانه، ولا يمنع أن يجعل وكيلًا له من الناس يقوم ببعض حوائجه، فهذا معنى وذاك معنى آخر، فالوكالة في الدنيا: أن يقيم الإنسان شخصًا نائبًا عنه في أمر يقدر عليه أو لا يقدر، فالوكالة مبناها على النيابة والأمانة، مع الاعتقاد أنه إذا طلب من الناس أن يعينوه في حمل شيء أو تيسير شيء من الأمور أنهم أسباب وأن الذي يفعل ذلك هو الله ﷾، وهو الذي يقدر الجميع على ذلك، فهو نعم الوكيل، ونعم الناصر، وهو الذي يقدر الأقدار، ولا نافع ينفع معه ولا ضار يضر معه سبحانه، إذا اعتقد ذلك فلا مانع أن يستعين بالناس فيما سخر الله بعضهم لبعض، وفيما جعل الله فيه بعضهم لبعض سخريًا، ولابد من الاعتقاد كذلك أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العبد إذا أراد شيئًا والله لا يريده فإنه لن يكون، وإذا أراده الله يسره به أو بغيره، فنتيجة أي عمل يقوم به العبد الله هو الذي يملكها وحده لا شريك له.
[ ٩ / ٧ ]
قدرة الله فوق كل قدرة
يقول النبي ﷺ: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك)، فالنبي ﷺ حين يجيش الجيوش لقتال الكفار في سبيل الله كان يعتقد بقول الله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] فعلى المؤمن أن يأخذ بالأسباب في نصرة دين الله وبجمع المؤمنين للجهاد في سبيل الله، ولكن لابد من الاعتقاد أن النصر من عند الله وليس بأيدي هؤلاء.
لذلك كان النبي ﷺ يصحح مفاهيم الصحابة حين يخطئ بعضهم في الفهم مثل سيدنا سعد بن أبي وقاص ﵁ حين ظن أنه من الأقوياء، وحين ظن أن الأقوياء من الصحابة فضل في القتال في سبيل الله ﷾، فطلب من النبي ﷺ سيفًا شديدًا قويًا وقال: أعطني هذا السيف، لعلك تعطيه من لا يبلي بلائي، فقال له النبي ﷺ: (اذهب فضعه من حيث أخذته)، فلما ظن سعد أن له قوة وأن له عاملًا من عوامل النصر قال النبي ﷺ: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم)، فهل هنا بمعنى النفي، أي: ما تنصرون إلا بضعفائكم.
وربما يقول قائل: إن القوي هو الذي يقاتل ويقهر عدوه، ولكن الحديث يقول غير ذلك، وهو أنكم إنما تنصرون بالضعفاء، فالضعيف في وقت القتال أشد الناس دعاءً لله ﷿ وتضرعًا واستغاثة به سبحانه، فيأتي النصر مع دعاء هذا الضعيف، ويكون هذا النصر في الأصل من عند الله سبحانه القائل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، فينبغي على المسلمين أن يأخذوا بالأسباب ويجمعوا الجموع للجهاد في سبيل الله، وأن يعتقدوا أن هذه الأسباب التي يسر الله ﷿ لهم النصر بها، ليست وحدها النصر إنما النصر من عند الله ﷾: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
قال النبي ﷺ: (ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، أي: لو اجتمع الناس أن يضروا إنسانًا ما قدروا إلا بشيء قد قدره الله، فينبغي على الإنسان ألا يتحسر ولا يغضب ويقول: لو كان كذا لكان كذا، فالله قد قدر له هذا الشيء أن يكون فما عليه إلا أن يرد أمره إلى الله سبحانه ويصبر على ما ابتلاه الله ﷿ به، وليعلم أن هذا من قدر الله سبحانه، وما كان ليفر من هذا القدر أبدًا.
[ ٩ / ٨ ]
النجاة في الاعتصام بحبل الله
قال ﷺ: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، (رفعت الأقلام)، يعني: على ما انتهى من علم الله ﷾، وهو أن فلانًا يعيش قدر كذا، ويموت في يوم كذا، ويفعل كذا وكذا، فكل شيء هو فاعله إلى أن يموت قد كتب عند الله ﷾ في اللوح المحفوظ، و(جفت الصحف)، أي: بما هو كائن ومكتوب، فما سيفعله ويقوله كله مكتوب عند الله لن يزداد في قوله ولا عمله شيء فوق ما كتبه الله سبحانه في كتابه.
وفي رواية أخرى للإمام أحمد بسند حسن، قال النبي ﷺ: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك)، وفي الرواية الأولى: (تجده تجاهك)، والمعنى واحد، (تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، فالنبي ﷺ يعلم الصبي الصغير أن يتعرف إلى الله في الرخاء وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سرك أن يستجاب لك في البلاء فأكثر من الدعاء في الرخاء)، رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني ﵀، وفيه أنك إذا أحببت أن يستجيب الله ﷿ لك عندما تنزل بك بلية أو مصيبة فأكثر من الدعاء وعود لسانك عليه في وقت رخائك، ولا تتركه أبدًا لا في رخاء ولا بلاء، فإذا كنت على ذلك فالله ﷿ يستجيب لك.
وهذا معنى قول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة)، أي: تعرف إلى الله في الرخاء والله يعرفك في كل وقت، ومعنى المعرفة هنا: أنك في الرخاء إذا أكثرت من الطلب والعبادة ففي وقت شدتك لا يتركك الله ﷿ ترك المنسي، ولن يعاملك معاملة المنسيين، فعندما ترفع يدك تدعو ربك سبحانه فإن الملائكة تعرف ما تصنعه فتدعو لك، ويعرف الله ﷿ لك صنيعك في وقت الشدة فيعطيك.
قال: (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن)، أي: كل ما ستفعله حتى تلقى الله مكتوب عند الله ﷿، ومن المستحيل أن يزاد في ذلك؛ لأن علم الله ﷿ لا يتغير.
فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، فالذي كتبه الله ﷿ لك هو الذي يصيبك فلا تبتئس إذا لم يأتك الشيء الذي تتمناه، وكم رأينا من أناس يتمنون بقاء الشيء، ويكتب شكاوى وطلبات والتماسات من أجل حاجة يريدها ثم لا يحصل على شيء، وقد يكون الذي لا يتمناه ولا يريده حتى يموت على ذلك.
فعلى المؤمن أن يأخذ بالأسباب، ويعلم أنه لن يأتيه شيء لم يكتبه الله ﷿ ولن يمنع شيئًا قد أراده الله ﷾، الله ﷿ ما ينفعه من أمر دينه وديناه.
يقول: (وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا)، يعلم النبي ﷺ الصبي الصغير هذا الكلام العظيم، وهذه من الحكم النبوية الكريمة الجليلة حتى ينشأ هذا الصغير وقد علمه النبي ﷺ ذلك فينطق بالحكمة، ولذلك كان ابن عباس ﵁ حبر هذه الأمة وترجمان القرآن رضي الله ﵎ عنه ببركة دعاء النبي ﷺ له: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).
[ ٩ / ٩ ]
الصبر على المكاره في ذات الله
يقول: (وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا)، أي: إذا أصبت بمصيبة فاصبر لأنك لا تملك شيئًا غير الصبر، فإذا تضجرت أو جزعت فقد قال النبي ﷺ: (فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع).
وإذا صبرت فإن لك أجر الصبر، وإن جزعت فلن تنتفع بشيء، ولذلك قال ابن القيم ﵀: إن الإنسان إما أن يصبر صبر الكرام، وإما أن يسلو سلو البهائم، فالإنسان الكريم يبتلى فيتجلد ويصبر؛ لأنه يعرف أنها أزمة وستمر، ولا يوجد أزمة تبقى دائمًا، فالله سبحانه سوف يزيحها عنه؛ لأنه يتوكل على الله ويعتصم به، فهذا هو صبر الكرام.
وإما أن تسلو سلو البهائم، معنى ذلك: أن البهيمة إذا ضربها صاحبها فإنها تصرخ وفي النهاية تسكت وتنسى بعد ضرب وصراخ كثير، فهذا سلو البهائم، وهكذا فالإنسان بين الاثنين إن صبر فله الأجر عند الله، وإن جزع فله الجزع.
يقول النبي ﷺ: (واعلم أن في الصبر على ما تكره)، ما يكرهه الإنسان ينبغي أن يصبر عليه، أما ما يحبه فإن حبه له سيدفعه إلى الصبر عليه، ولكن الصبر على المكروه فيه الخير والأجر الكثير.
قال ﷺ: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)، هذه أشياء جعلها الله ﷿ معلقة على أشياء أخر، فإذا صبرتم نصركم الله وإذا اشتد الكرب جاء الفرج من عند الله سبحانه، ولذلك كانوا يقولون: اشتدي أزمة تنفرجي، أي: كلما تشتد الأزمة ويضيق الأمر يقترن الفرج وتحين النهاية، ويقول ربنا سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]، فكلما جاء العسر جاء معه يسران؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥]، فالعسر أتى معرفًا باللام في الآية الأولى والثانية فهو هو، أما اليسر فقد جاء منكرًا في الآيتين هذا يسر وهذا يسر آخر، ولذلك جاء في الحديث: (لن يغلب عسر يسرين).
[ ٩ / ١٠ ]
الأسباب المشروعة للعلاج
ما ذكر في حديث عمران بن الحصين أن الذي علقه كان من الواهنة، وقالوا: إن المقصود بالواهنة: عرق في منكب الإنسان يحصل فيه ألم يصل إلى أطراف الأصابع أو من العضد إلى اليد، فكانوا يعلقون له هذا الشيء، فليس من العلاج أن يضع الإنسان على يده ذلك؛ لأن الله لم يجعله من الأسباب، ولكن هناك أسبابًا أخرى يمكن أن تريحه من هذا الألم كأن يأخذ إبرة مثلًا فهي سبب من الأسباب المشروعة التي أجرى الله ﷿ العوائد فيها أنها سبب للشفاء.
أو يضع قطعة حديد على الألم ثم يوضع في هذا الحديد كهرباء وتمرر على تلك اليد، وينزل الله ﷿ بها النفع، وأيضًا التدليك فإن الله ﷿ أجرى في العادة أنه ينفع الإنسان، وعلى الإنسان أن يعلم أن الشفاء من عند الله جعله في هذه الخاصية التي كانت سببًا للنفع، أما أن يعتقد الإنسان أن الآلة التي استخدمها هي التي تنفع سواء أراد الله أم لم يرد فهذا من الشرك بالله ﷾، وهذا الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فيعلق أحدهم الحديد أو الأوتار زعمًا منه أنها تمنع المرض قبل أن يأتي، والإنسان قد يفعل أشياء من ذلك ولا يكون شركًا بالله سبحانه، كأن يأخذ مصل إنفلونزا عندما يأتي فصل الشتاء، فالعادة التي أجراها الله سبحانه أن هذه تنفع بإذن الله، وقد يأخذ المصل ويكون المصل نفسه سبب إصابته بهذا المرض، وهذا المصل هو مكروبات مضعفة توضع في الجسم، فالله ﷿ يجعل الجسم يقاومها ويفرز المواد التي تمنعها، فيبقى مستعدًا لمقاومة أي شيء بعد ذلك، كأنه وضع عدوًا ضعيفًا داخل الجسم فتقوى الجسم بصد هذا العدو، والذي قوى هذا الجسم هو الله ﷾، فهذا ليس من الشرك، فالإنسان قد علم بالتجربة أن هذا ينفع بإذن الله، وقد يحدث ذلك النفع وقد لا يحدث، أما مجرد أخذ الحديدة ووضعها في مكان معين حتى يذهب المرض فهذا كأنه توكل على هذه الحديدة وأنها هي التي تذهب المرض.
[ ٩ / ١١ ]
حكم تعليق التمائم
قال: وعن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا للنبي ﷺ: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله ل)، وفي رواية: (من تعلق تميمة فقد أشرك)، والرواية الأولى ضعيفة والثانية حسنة، ومعنى الحديث صحيح، فإن من تعلق تميمة فقد أشرك، والتمائم كما يقول المنذري: هي خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات.
كأن يعلق خرزة زرقاء في بيته، أو يعلق خمسة وخميسة، أو يعلق في سيارته قرن من أجل أن تمنع عنه ضرًا يظن أنه سينزل به أو في بيته أو سيارته.
فالاعتقاد أن هذه الأشياء تنفعه أو تدفع الضر وتمنع العين والحسد شيء لم يشرعه صاحب هذه الشريعة العظيمة، ولكن شرع لنا غيره، كقراءة آية الكرسي، والرقية بفاتحة الكتاب، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، فهذه رقية مشروعة، وتلك أشياء مخترعة مبتدعة لم يأمرنا الله ﷿ بها، بل نهينا عنها على لسان النبي ﷺ، فالذي ينفع ويضر هو الله سبحانه، وهو الذي يشرع لنا أسبابًا شرعية تمنع الضر عن الإنسان إلا إذا قدره الله ﷿ له، فمن استخدمها فقد وحد الله؛ لأنه أخذ ما أتاه من عند الله سبحانه ﵎ وعمل به معتقدًا أن الله وحده هو الذي ينفع ويضر، ومن تركها وأخذ بغيرها فكأنه يعتقد أن هذا الغير له أن يشرع مع الله ﷿، فيقول له: اعبد هذا الحجر، وتوكل على هذا الصفر، وضع هذه الحديدة في مكان كذا، فترك أمر الله وأخذ أمر غيره، وأشرك به سبحانه؛ لأنه اعتقد أن هذا ينفع ويضر وقد نهاه النبي ﷺ عن ذلك، فوقع في الشرك من حيث لا يحتسب.
وهناك رواية أخرى عند الإمام أحمد وصححها الشيخ الألباني ﵀ عن عقبة بن عامر: (أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد)، جاء هؤلاء الرهط للنبي ﷺ يبايعونه فبايع تسعة منهم وأمسك عن العاشر لم يبايعه ﷺ، (فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وأمسكت عن هذا)، أي: لم تبايع هذا؟ فقال ﷺ: (إن عليه تميمة).
فالرجل كان عليه تميمة وهي علامة الشرك، وجاء يبايع على التوحيد، قال: (فأدخل يده فقطعها)، كأن الرجل كان يلبس على رقبته قلادة قد وضع فيها خرزة أو غيرها، فأدخل يده فقطعها فبايعه النبي ﷺ وقال: (من تعلق تميمة فقد أشرك).
هذا الذي صح عنه ﷺ، وعليه فإن معاني الأحاديث السابقة صحيحة، ولكن الذي صح لفظه عن النبي ﷺ هو هذا الحديث الأخير وهو قول النبي ﷺ: (من تعلق تميمة فقد أشرك).
يقول: [ولـ ابن أبي حاتم عن حذيفة -هذا موقوف على حذيفة ﵁-: أنه رأى رجلًا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]]، وفي رواية عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرًا فقطعه أو انتزعه، ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فكأن حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل دخل على المريض الذي أصابته الحمى وقد ربط على ذراعه ربطتين ففهم حذيفة أن هذا الرباط وضعه الرجل من أجل أن يمنع الحمى، ولم تجر العادة أن الحمى تذهب بمثل ذلك، إنما الذي جرت به العادة أن يوضع المريض في إناء فيه ماء، وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ، وهو أن الحمى من فيح جهنم، وأن هذا الماء يطفئ نار الحمى، أما أن يعلق خيطًا على يده فكأنه اعتقد أن هذا الخيط ينفعه من هذه الحمى مع الله ﷿، فـ حذيفة أخبره أن هذا من الشرك، قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
وروى وكيع عن حذيفة أنه دخل على مريض يعوده فلمس عضده فوجد بها خيطًا فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، أي: أن الخيوط أو السيور كان يقرأ عليها، أو يدعى بدعوات أو غير ذلك، ثم تعطى له فيعلقها، ويظن أن الخيوط هي التي تنفع وليس الله سبحانه، وهذا لم تأت به الشريعة إنما الشرع هو أن تدعو للمريض أو تقرأ وتنفخ عليه.
فقطع حذيفة ذلك وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك، أي: لو أنك مت والخيط على يدك لما كنت صليت عليك.
[ ٩ / ١٢ ]
ما جاء في الرقى والتمائم
قال: [باب ما جاء في الرقى والتمائم].
وهذا كالباب السابق الذي ذكر فيه أن من الشرك لبس الحلقة والخيط والتميمة والودع وما يعلق في البيوت أو السيارات ونحوها من الشرك بالله ﷾.
الرقى: جمع رقية وهي أن يرقي إنسان آخر، كأن ينفث عليه بقراءة قرآن أو بدعاء معتقدًا أن الله هو الذي يشفي، وآخذًا بأسباب مشروعة ليست ممنوعة، فيشفيه الله ﷿ بإذنه.
والتمائم كما جاء في البخاري ومسلم عن أبي بشير الأنصاري ﵁: (أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا ينادي في الناس: أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت).
قوله: (لا يبقين في رقبة بعير قلادة)، القلادة: ما يقلد به الإنسان أو الدابة، أي: يجعل قلادة حول عنقه من حبل أو سلسلة أو نحوه.
قوله: (من وتر أو قلادة إلا قطعت)، الوتر: هو الذي يكون في القوس بحيث يشده ويرمي به السهم.
وكان أهل الجاهلية عندما يبقى عند أحدهم قوس يقطع منه الوتر القديم ويستبدله بآخر جديد، وهذا الوتر القديم فيه بركة فيربطه حول رقبة البعير حتى يمنع منه العين، وقد توارث الناس هذه العادة حتى أن النبي ﷺ وجد من معه فعلوا ذلك فأرسل إليهم: (أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر)؛ لأن الأصل أن تكون القلادة من وتر ثم عمم فقال: (أو قلادة إلا قطعت).
[ ٩ / ١٣ ]
الهدي النبوي في القلائد
الممنوع أن توضع القلادة بهذا الاعتقاد، وإلا فالنبي ﷺ قد قلد هديه صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع، فوضع قلادة من صوف فيها نعلان في رقبتها تكون علامة عليها إذا ضلت حتى تعرف أنها هدي للبيت فإذا وجدها أحدهم فإما أن يوصلها إلى البيت الحرام أو يذبحها إذا كانت بعيدة ويوزعها على الفقراء، هذه هي فائدة القلادة، والإشعار كذلك أن يأتي على سنام الجمل ويشق فيه بحديدة شقًا خفيفًا فإذا سال منه الدم مسح على سنام الجمل بحيث يكون واضحًا يعرف بذلك، فإذا ضلت ووجدها أحدهم عرف أنها هدي فيذبحها ويوزعها على الفقراء في ذلك المكان، وهذا هو السبب الذي من أجله قلد النبي ﷺ البعير بنعلين وشق سنامه.
[ ٩ / ١٤ ]
قلائد أهل الجاهلية وعلة تحريمها
أما القلائد التي كان يضعها أهل الجاهلية وبقيت إلى أن جاء الإسلام حتى نهى عنها النبي ﷺ فقد كانت توضع لدفع الضر والحسد عن المال أو الجمل.
وقد جاء عن الإمام مالك أنه سئل عن القلادة فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، وكأن الإمام مالك يعني أن القلادة الممنوع منها هي الوتر فقط، والحديث ذكر المنع من الوتر أو أي قلادة أخرى، ولم يكن هناك فرق عند أهل الجاهلية بين أن تكون القلادة من وتر أو حبل يلف حول رقبة البعير أو نحوه يضعه في يده، فكلها مثل بعضها، فإن علقها في الرقبة كانت قلادة، وإن علقها في اليد كانت أساور، لا فرق بين ذلك كله طالما أن الاعتقاد أنها تنفع، وقد نهى النبي ﷺ عن أي مظهر من مظاهر الشرك، والذي جعل الإمام مالك رحمة الله عليه يقول: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، هو تأدبه مع حديث النبي ﷺ الذي فيه أنه قلد هديه، وأيضًا ما جاء عن السيدة عائشة قالت: كنا نفتل قلائد هدي النبي ﷺ، فكان الإمام مالك خشي أن يظن أن القلادة ممنوعة، ومن ثم يأتي إنسان ويقول: إذًا كيف قلد النبي ﷺ هديه؟ فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر، وكأنه يقصد أن غير الوتر من القلائد جائز على الصورة التي فعلها النبي ﷺ، وهو أن يكون علامة للبعير حتى إذا ضل عرف الناس أنه هدي، ولا يعني من ذلك ما كان يفعله أهل الجاهلية، فهذا كله حرام بسبب الاعتقاد أن هذه تنفع أو تدفع الضر، وهذا هو القياس الصحيح الذي يحمل عليه قول الإمام مالك ﵀.
[ ٩ / ١٥ ]
أقسام الرقى والتمائم وحكمها
عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود والحديث صححه الشيخ الألباني ﵀.
والرقى تنقسم إلى: رقية مشروعة كالرقية بفاتحة الكتاب والإخلاص والمعوذتين وغير ذلك من الأدعية المعروفة، وهذه ليست مقصودة في هذا الحديث، والقسم الثاني: الرقية المخترعة الممنوعة، وهي من رقى الجاهلية والتي فيها استعانة بغير الله من الجن ونحو ذلك، هذه هي التي قصد النبي ﷺ أنها من الشرك بالله سبحانه.
والتمائم: جمع تميمة، وهي الخرز الذي كانوا يجعلونه على أعناقهم أو أولادهم أو دوابهم يزعمون أنه يمنع الحسد، ويشفي من المرض، وينفع ويضر، فهذه العادة ومثلها مما يصنعه الناس من تعليق خرز أو خمسة وخميسة أو نحو ذلك ويزعمون أنه ينفع أو يضر كله من الشرك بالله.
[ ٩ / ١٦ ]
معنى التولة وحكمها
والتولة: سحر وهو أن تذهب المرأة إلى الساحر ليجعل لها سحرًا يزعم أنه يحببها إلى زوجها فلا يتزوج عليها، وهذا من الشرك بالله سبحانه، وقد قال الله سبحانه عن هاروت وماروت: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فمن السحر ما يفرقون به بين الرجل وأهله، ومنه ما يقربون به بزعمهم بين الرجل وأهله، وهذا ما نهى عنه النبي ﷺ، وأخبر أنه من الشرك بالله ﷾.
روى أبو داود: عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود وكان عبد الله بن مسعود رجلًا من الصحابة الأفاضل ومن فقهاء الصحابة رضي الله ﵎ عنه، وزوجته كانت من أغنياء الناس ومياسيرهم، وهي التي ذهبت تسأل النبي ﷺ هل من الممكن أن تعطي زكاتها لزوجها؟ فاستحيت أن تسأل هي بنفسها، فأرسلت من يسأل، فقال: (أي الزيانب؟ فقالوا: امرأة ابن مسعود فقال: لها أن تفعل ذلك)، وهو أن تعطي الزكاة لزوجها وأنه أحق من غيره.
فـ زينب ﵂ قالت: إن عبد الله رأى في عنقي خيطًا، أي: معلقًا في رقبتها ومن الممكن أن يكون لحاجة تريدها، ومن الممكن كذلك أن تعلقه اعتقادًا من الاعتقادات الشركية، فقال: ما هذا؟ قالت: خيط رقي لي فيه وهذا من الأسباب الممنوعة والغير مشروعة، وهو أن يؤتى بخيط ويرقى فيه بأي شيء ثم يعلق هذا الخيط وكأنه الذي ينفع ويضر.
قالت زينب: فأخذه ثم قطعه، أي: من رقبتها، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، وفي رواية: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك.
وفي رواية أخرى عند ابن ماجة أن زينب زوجة عبد الله بن مسعود قالت: كانت عجوز تدخل علينا من الحمرة، وكان لنا سرير طويل القوائم، وكان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوت، وصوت أي: رفع صوته شيئًا بحيث لا يزعج أهل البيت، وهذا من الأدب، فالرجل إذا دخل بيته ينبغي عليه ألا يدخل عليهم فجأة فقد يكونون على هيئة يستحيون أن يراهم عليها، فيشعرهم بصوته أنه دخل، والأفضل أن يدخل ويسلم.
قالت: فلما سمعت العجوز صوته احتجبت منه، فجلس إلى جانبي، فمسني فوجد خيطًا فقال: ما هذا؟ فقلت: رقي لي فيه من الحمى، فجذبه فقطعه، وكأن هذه المرأة العجوز هي التي رقت رقية في هذا الخيط وعلقته في رقبتها، فبعد أن قطع هذا الخيط قال ﵁: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك)، فهذه من الشرك بالله سبحانه.
[ ٩ / ١٧ ]
من صور الرقى الشركية
الرقية الشركية هي أن ترقي على عود أو حبل وتعلقه، قالت زينب: فقلت: لقد كانت عيني تقذف، أي: تقذف بالدمع وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، أي: أذهب إليه، فإذا رقى سكنت، وهذه فتنة يختبر الله بها عباده هل سيثبتون على الإيمان أم لا، ومثلها أن يقال: إن فلانًا فيه صرع، وعندما يذهبون به إلى الكنيسة يذهب عنه الصرع، وعندما يأتي للصلاة يركبه العفريت ولا يدري كيف يصلي.
وهذا ابتلاء وفتنة لأنه لم يتوكل هو وأهله على الله، إنما توكلوا على اليهود والنصارى فأضلهم الله ﷾، فعندما قالت زينب ذلك قال لها عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، فإذا كف اليهودي عن الرقية كان ينخسها بيده، أي: أن الشيطان هو الذي يفعل ذلك من أجل أن يأخذ منك أعظم شيء وهو التوحيد فتصيري مشركة، قال: إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا).
كأنه يقول هنا: إن الشيطان كان ينخس بإصبعه في عينك ويفعل هذا الشيء.
وقد جاء عنه ﷺ مثل هذا المعنى في قوله: (ما من مولود إلا والشيطان ينخس بإصبعه في جنبه، فيستهل صارخًا إلا ما كان من مريم ﵍ وابنها المسيح ﵊، لما أتى الشيطان ليفعل ذلك جعل الله ﷿ حاجزًا وحجابًا بينه وبينهما، فما استطاع أن يفعل شيئًا)؛ لذلك كانت السنة أن المولود حين يولد يؤذن في أذنه، فأول ما يسمع الأذان وما فيه من كلمات التوحيد التي يسمعها الشيطان فيفر، والشاهد من هذا: أن ابن مسعود ذكر أن الشيطان كان يأتي وينخس بإصبعه في عين زوجته زينب فإذا رقى هذا اليهودي فإن الشيطان يبعد إصبعه عن عينها؛ وذلك حتى تعتقد أن رقياه تنفع وتضر، ثم قال لها: إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: (أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا)، والحديث صحيح.
[ ٩ / ١٨ ]
الرقية المشروعة وشروطها
جاء عن النبي ﷺ أنه رخص في الرقية من العين والحمى، وإذا كانت الرقية تجوز من العين والحمى فهي جائزة في غير ذلك، ولابد أن تكون الرقية المشروعة بما جاء من القرآن أو من السنة أو بأدعية مفهومة معلومة، أما أن تكون بشيء لا يفهم ولا يعلم فهذا غير مشروع.
جاء في صحيح مسلم عن عوف بن مالك أنه قال: (كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ قال: اعرضوا علي رقاكم)، ومعنى قوله: في الجاهلية: ما جاء من الرقى قبل القرآن والسنة، وقوله ﷺ لهم: (اعرضوا علي رقاكم)، يريد أن يعلم ما هو الدعاء الذي يقولونه في الرقية.
فعرضوا عليه الرقى التي كانوا يقولونها في الجاهلية، فقال ﷺ: (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا)، إذًا: الرقية أن تدعو بدعاء مفهوم ليس فيه شرك، فبدل ما تقول: أذهب البأس يا رب الناس، تقوله: يا رب اشفه أو غير ذلك طالما أنه ليس في دعائك شرك.
[ ٩ / ١٩ ]
الهدي النبوي في الرقى
يقول الإمام الخطابي ﵀: كان ﵊ قد رقى ورقي، فرقته في مرضه السيدة عائشة فكانت تأخذ بيديه ﷺ وتنفخ فيهما بـ «قل هو الله أحد» و«قل أعوذ برب الفلق» و«قل أعوذ برب الناس» وتمسح جسده بيده الكريمة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه، وقد أمر النبي ﷺ بتلك الرقية وأجازها، وقد استرقوا لبني فلان من العين، فأمر أن يرقوهم.
فإذا كانت الرقية بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب؛ لأنه ربما كان كفرًا أو قولًا يدخله شرك.
يقول الشارح: ومن ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي كانوا يتعاطونها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلًا عن أن يدعو به، وذلك كما يسمع من بعض الصوفية كلمات غير مفهومة في الرقية فتجد البعض يرقي ثم يقول: هذه البرهاوتية الصغرى أو البرهاوتية الكبرى، وهذه فيها اسم الله الأعظم، ولو فرضنا أن فيها اسم الله الأعظم ﷾ فما الذي يجبرك على أن تدعو بها وليست بلغتك؟ وما يدريك أن فيها اسم الله الأعظم وأنت لا تفهم لغة هؤلاء، فقد تكون أدعية بالسريانية كما يذكر الشارح هنا حيث يقول: وذلك مثل قول أرباب الصوفية في أورادهم كركدًا دهده أصبأ أهيا شراهية جلجلوت.
وهذه كلمات لو فرضنا أن لها معنى عند أهلها، فما يدرينا أن هذا المعنى ليس من الكفر والاستعانة بغير الله سبحانه.
والقرآن قد جاء فمنعنا أن نأخذ من غيره، فلما رأى النبي ﷺ في يد عمر بن الخطاب ﵁ كتابًا أو صحيفة كتبها له بعض اليهود، قال: ما هذه؟ قال: صفحة من التوراة كتبها لي فلان أتعظ بها، فقال النبي ﷺ منكرًا عليه: (أترجون أن يهدوكم وقد أضلهم الله)، أي: كيف يهدونكم وقد أضلهم الله، (والذي نفسي بيده! لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني)، وذلك أن القرآن قد نسخ كتاب موسى والكتب التي في أيدي اليهود، وفيه أضعاف أضعاف ما فيها من الحق، والحق الذي فيها منسوخ بالقرآن، فلا يجوز لإنسان مسلم أنه يتعاطى مثل هذه الرقى التي بغير كتاب الله سبحانه وبغير اللغة العربية.
يقول السيوطي ﵀: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: الأول: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته.
الثاني: أن تكون باللسان العربي، فلا تجوز الرقية بما كان في التوراة من لغة سريانية.
الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، أي: أنت ترقي ولكن الذي ينزل الشفاء هو الله ﷾، فإذا شاء شفاه، وإذا لم يشأ لم يشفه، وعلى قدر يقين الراقي على قدر ما يأتي من فرج الله وفضله ﷾، وهذا من أهم الأشياء التي ينبغي أن تعتقد في الرقية.
[ ٩ / ٢٠ ]
حكم تعليق آيات من القرآن على المريض
يقول المصنف ﵀: التمائم: شيء يعلق على الأولاد عن العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، أي: إذا كان يعمل كحجاب للناس فهذا حرام لا يجوز، أما إذا كتب آية وعلقها على المريض أو وضع مصحفًا بجوار هذا الإنسان المريض، فالراجح أنه ليس من الشرك، ولكنها لم تكن الوسيلة التي شرعها لنا النبي ﷺ، فلذلك ذكر بعض السلف عن عبد الله بن عمرو أنه كان يفعل ذلك بآية الكرسي، فكان يعلمها من كبر من أولاده، ومن كان صبيًا يكتبها في لوح ويعلقها له، قال بعضهم: يعلقها له من أجل أن يحفظها؛ لأنه كان صبيًا صغيرًا، فالكبير كان يحفظه إياها والصغير يعلقها له.
فهذا العمل وإن صح عن عبد الله بن عمرو ﵁ لكنه مختلف فيه، والأرجح أنه لا ينبغي أن يفعل ذلك سدًا للذريعة، وذلك أن بعضهم سيكتب آيات ويضعها في جيبه أو يعلقها، والثاني سيكتب حجابًا والثالث سيقول: فيه خاتم سليمان، فينفتح بذلك باب الشرك، فينبغي منعه سدًا للذريعة، ويعلم الناس كيف يدعون الله ﷿ بما جاء في القرآن، وبما جاء في سنة النبي ﷺ من الرقية، أو بما دعت به العرب بلسانهم وخلا من الشرك بالله سبحانه.
يقول المصنف ﵀: [والرقى هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمى].
أي: أنه ﷺ رخص في الرقية من العين، وقال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) أي: لا رقية أنفع من رقية العين أي: الحسد، والحمى: العقرب التي تلسع الإنسان، فإذا رقي فالله ﷿ يذهب ذلك عنه، وثبت عنه ﷺ أنه أمر بالرقية، وأنه رقى نفسه، فكان إذا نام ﷺ رقى نفسه بالمعوذات كما سبق.
يقول المصنف ﵀: [والتولة التي نهى عنها النبي ﷺ شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته، وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: (من تعلق شيئًا وكل إليه)]، والحديث حسنه الشيخ الألباني ﵀، وفيه: أن الإنسان الذي يتعلق شيئًا من تميمة أو ودع ويظن أن هذا ينفع مع الله ﷿ أو يضر أو أنها أسباب يجوز دفع المرض بها.
يقول: (وكل إليه)، أي: يتركه الله سبحانه ينتظر الشفاء من هذا الذي علقه.
[ ٩ / ٢١ ]
حكم من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع أو عظم
روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ: (يا رويفع: لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمدًا ﷺ بريء منه)، والحديث صحيح، وفيه أن النبي ﷺ تبرأ ممن صنع هذه الأشياء، وقوله: (لعل الحياة تطول بك)، قالوا: فيه علم من أعلام نبوته ﷺ حيث طالت حياة رويفع إلى أن مات في سنة ست وخمسين رضي الله ﵎ عنه، أي: أنه عاش بعد النبي ﷺ ستًا وأربعين سنة رضي الله ﵎ عنه، ومات ببرقة وهو أمير عليها وهو أنصاري رضي الله ﵎ عنه، قوله: فأخبر الناس أن من عقد لحيته، تعقيد اللحية كان من أفعال أهل الجاهلية التي يتعاظم ويفتخر بها بعضهم على بعض، فكانوا يظفرون اللحى كبرًا، أو أنه من زي الأعاجم حيث كانوا يصنعونه تكبرًا وعجبًا فيفتلونها ويعقدونها، أو أن المعنى: أن الإنسان يعالج شعر لحيته كنوع من التفخيم لنفسه ليتعقد ويتجعد، قالوا: وهذا من أفعال أهل التأنيث، كالذي يهتم بشعر رأسه وشعر لحيته ويكثر من تسريحه فكأن هذا الأمر للنساء ليس للرجال، فنهى النبي ﷺ عن هذا كله في اللحية وشعر الرأس.
وكذلك حلق بعض الشعر وترك بعضه من أفعال أهل الجاهلية، وقد نهى النبي ﷺ عن القزع وهو موجود الآن بكثرة بين الناس وهم يقلدون بصنيعهم هذا الغرب الكافر في صنيعهم، فالنبي ﷺ أخبر أن الذي يصنع ذلك متشبهًا بالكفار أو مستكبرًا على المؤمنين أنه بريء منه، قال: (فإن محمدًا بريء منه).
وقوله ﷺ: (من عقد لحيته أو تقلد وترًا)، أي: أخذ الوتر ووضعه في الجمل من أجل أن يأتي له الحظ وحتى لا يحصل له مكروه، وقس على ذلك ما يلبسه الناس من أشياء يزعمون أنها تجلب الحظ، فبعضهم يلعب كرة ثم يضع تميمة من أجل أن تأتي له بالحظ ويغلب فيها، وهذه أشياء ذهبت بعقول المسلمين عن دين رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: (أو استنجى برجيع دابة)، نهانا النبي ﷺ عن ذلك، فالدابة إما أن تكون مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم، فإذا كانت غير مأكولة اللحم فالرجيع الذي يخرج منها نجس، فإذا استنجى إنسان بنجاسة فقد زاد النجاسة نجاسة، وهذا لا يجوز، ومن نجس نفسه متعمدًا فقد تبرأ منه النبي ﷺ، أما إذا كان رجيع دابة مأكولة اللحم مثل البقرة فروثها طاهر، ولكن إذا استنجى به لوثه على دواب الجن، فقد أخبر النبي ﷺ أن العظام ورجيع الدواب المأكولة اللحم التي ذكر اسم الله ﷿ عليها يصير طعامًا للجن ولدواب الجن، وكل عظم ذكر اسم الله ﷿ عليه فإنه يصير لحمًا مرة أخرى، ويكون طعامًا للجن، وقد طلب الجن من النبي ﷺ أن يعطيهم طعامًا فأباح لهم كل عظم ذكر اسم الله ﷿ عليه يرجع إليهم أوفر ما يكون لحمًا، فالذي يأخذ هذا العظم وينجسه فلا يأمن أن يدعو عليه الجن أو يفعلون به شيئًا فالطعام الذي أباحه النبي ﷺ للجن يحرم على هذا الإنسان أن ينجسه، وإلا فقد برئ منه النبي ﷺ.
كذلك جعل النبي ﷺ لدواب الجن رجيع دواب المسلمين يكون طعامًا وعلفًا لها، فالذي يستنجي بذلك كأنه يقذره عليهم ويمنعهم من استخدامه فاستحق أن يبرأ منه النبي ﷺ.
[ ٩ / ٢٢ ]
ثواب من قطع تميمة من إنسان
يقول المصنف ﵀: [وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة]، كأن سعيد بن جبير قاله من عنده أو أنه رفعه، فلو رفعه يكون مرسلًا، والمرسل هو مرفوع التابعي إلى النبي ﷺ، ولكن هذا من كلام سعيد بن جبير فليس له حكم المرفوع للنبي ﷺ، وخاصة أنه لم يقل: قال النبي ﷺ، ولو قال لحكم عليه بالضعف؛ لعدم وجود الواسطة بينه وبين النبي ﷺ فيكون مقطوعًا والله أعلم.
[ ٩ / ٢٣ ]