لما كان التوحيد لب العبادة وأساسها فقد استحق من حقق كماله، وتخلص من شوائب الشرك، أن يدخل الجنة بغير حساب، وقد أثنى الله على إبراهيم بأنه كان أمة، لأنه حقق التوحيد.
[ ٥ / ١ ]
بيان أن من حقق التوحيد دخل الجنة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال المؤلف: [باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩].
وعن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: فقلت: أنا.
ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قال: قلت حديث حدثناه الشعبي.
قال: وما حدثكم؟ قال: قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة)، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت، فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة)].
[ ٥ / ٢ ]
الكلام على قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة)
هذا الباب الثالث من كتاب التوحيد، وفيه من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وتحقيق التوحيد، أي: تخليصه، وتصفيته، وتنقيته من شوائب الشرك والبدع، والمعاصي قال الله ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:١٢٠ - ١٢١].
لما حقق إبراهيم التوحيد لرب العالمين، استحق أن يكون أمة وحده، واستحق أن يمدحه الله ﷿ بهذه الصفة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، الأمة: بمعنى القدوة في جميع أعمال الخير، وإبراهيم ﵊ هو أبو الأنبياء، وكان يلقب بأبي الضيفان، وهو أحد الخمسة من أولي العزم من رسل الله سبحانه ﵎، وقد جعل الله ﷿ ذريته على التوحيد الخالص ببركة دعوته قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، فجعل من ذريته الأنبياء الذين يدعون إلى ربهم سبحانه، فما جاء بعده نبي إلا وهو من ذريته ﵊.
وذكروا أن الله ﷿ مدح إبراهيم ﵊ في هذه الآية بأنه حقق كمال التوحيد، وحسن العبادة، بل أحسن العبادة وأفضلها فوصفه بأنه: كان أمة: بمعنى: كان قدوة في الخير، وإمامًا ومعلمًا له.
وهناك فرق بين أن يكون إمامًا وأن يكون أمة، فإنه إن يكن أمةً يدخل تحتها أن يكون إمامًا، وإن يكن إمامًا فلا يلزم أن يكون أمة، إذ الأمة هو الذي جمع خصالًا من الخير لا تجتمع إلا في أمة كاملة، فكأن خصال الخير التي في إبراهيم لا تجتمع لغيره من الناس فرادى، ولكن تجتمع لمجموعة من الناس، فلما قام إبراهيم وحده بذلك كان أمة.
قالوا: والإمام كل من يقتدى به ويؤتم به، سواء قصد ذلك وشعر به أو لم يقصده ولم يشعر به.
ولذلك فمن تقتدي به أو تسير على نهجه وهديه فهو إمامك، ومن ذلك تسمية الطريق إمامًا، قال الله ﷿: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:٧٩]، أي: طريق مسلوك يسلكه الناس فيعرفون أن ديار ثمود كانت هنا، وأن أصحاب الأيكة كانوا هنا، فالإمام كل من تقتدي به شعر بذلك أو لم يشعر.
أما الأمة ففيها زيادة معنى فوق معنى الإمام، فإذا كان الإمام الفرد الواحد، فالأمة المجموعة من الناس، ولكن قد تطلق الأمة على الواحد على اعتبار أنه جمع خصالًا مجموعة من الناس، وليس إنسانًا واحدًا، فلفظ الأمة يشعر بذلك، فقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠]، يعني: أن فيه خصالًا عظيمة من خصال الخير لا تكون إلا في أمة من الناس.
[ ٥ / ٣ ]
ابتلاء إبراهيم في أبيه وقومه
كان إبراهيم قدوة، وكان إمامًا، وكان معلمًا للخير؛ لتكميله مقام الصبر، ومقام اليقين، اللذين تنال بهما الإمامة في الدين.
وقد ابتلي إبراهيم ﵇ بلاءً عظيمًا، فاستحق أن يكون في النهاية خليل الرحمن سبحانه ﵎، فقد ابتلي في نفسه، وابتلي في أبيه وفي أبنائه، وفي بلده، فقد كان قومه يعبدون الأصنام، فهاجر إلى بلاد الشام فوجدهم يعبدون الكواكب من دون الله ﷿، فناظر هؤلاء وأولئك، فأما قومه فقد عصوا وكفروا وعبدوا الأصنام من دون الله سبحانه، وانتهى بهم الجحود إلى أن جعلوا له خندقًا وأضرموا وفيه النيران، ثم ألقوه فيها فنجاه الله سبحانه ﵎، ثم تركهم إبراهيم ﵊، وتوجه مهاجرًا من حران وهي ولاية في العراق إلى بلاد الشام ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩].
أما بلاؤه بأبيه فقد كان أبوه صانع الأصنام لقومه، فدعا أباه إلى الله سبحانه ﵎، قال ﷾ عن دعوة إبراهيم لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥].
فأبى أبوه إلا الاستمرار على ما هو فيه، قال الله حاكيًا رده على إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]، أي: لأسبنك، ولأشتمنك، ولأطردنك، ولأرمينك بالحجارة.
فرد عليه إبراهيم كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٧ - ٤٨].
[ ٥ / ٤ ]
مناظرة إبراهيم لعباد الأصنام
اعتزل إبراهيم أباه وقومه وما يعبدون من دون الله سبحانه ﵎، ثم ناظر قومه، فلما رفضوا دينه ﵊ وخرجوا إلى عيدهم توجه إلى أصنامهم، وقد جعلوا طعامهم تحت هذه الأوثان، ليتبركوا بها بزعمهم، آملين أنهم سيرجعون فيأكلون هذا الطعام الذي وضعوه تحت أصنامهم.
وكان إبراهيم معتزلًا قومه، وحين دعوه لعيدهم قال: إني سقيم، لن أخرج معكم إلى العيد، ثم توجه إلى هذه الأصنام فخاطبها خطاب تهكم قائلًا: ألا تأكلون، مالكم لا تنطقون، وهو يعلم يقينًا أنها لا تنفع ولا تضر، ثم هوى بمعوله محطمًا لها قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣]، فكسر أصنامهم جميعها إلا واحدًا، علق فأسه عليه.
وجاء القوم إلى أصنامهم، فقالوا كما أخبر الله عنهم: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٥٩ - ٦١]، فجاءوا بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم سألوه كما أخبر الله عنهم: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣].
وفي الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن كانوا ينطقون فهم يصنعون ذلك ويكون كبيرهم قد فعلها، وإن كانوا لا ينطقون فهم لا يفعلون شيئًا، فاعقلوا إن كنتم تعقلون.
ولم يكذب كذبًا صراحًا، وإنما عرض في الكلام.
فكانت إجابتهم حين عجزوا عن المحاجة استخدام القوة، قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧]، أي: اصنعوا له بنيانًا فيه النار ثم ألقوه فيه، وأرادوا إلقاء إبراهيم فيها، فنجاه الله سبحانه ﵎ بقوله: كن، فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
[ ٥ / ٥ ]
مناظرة إبراهيم لعباد الكواكب
وبعد أن نجا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هاجر من هذه البلاد، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات:٩٩]، أي: إني مهاجر وتارك هذا المكان الذي يعبدون فيه غير الله سبحانه، فتوجه إلى الشام.
ولما توجه إلى ديار الشام وجدهم يعبدون الكواكب والنجوم من دون الله ﷿، فنظر متأملًا لهذه العبادة الباطلة، وأخذ يدعوهم إلى ربه سبحانه ﵎ ويسألهم: ما هذا الذي تعبدون؟ قالوا: نعبد هذه الكواكب وهذه النجوم، وحين جن عليه الليل رأى كوكبًا فقال: هذا ربي وربكم، فلما أفل قام وكأنه يتفكر أمامهم، حتى يردهم عما هم فيه من باطل، فقال: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، أي، كيف أعبد هذا الذي بعدما طلع وأضاء أخذ يتوارى ويظلم؟ إني لا أحب ربًا بهذه الصورة.
والمقام من إبراهيم كان مقام مناظرة، وليس مقام نظر، ومقام المناظرة يتنزل فيه لبيان ضعف حجة الخصم، فأنت حين تناظر الخصم، تقول له: أنا أقول كذا، فيقول لك: وأنا أقول كذا، فتقول: لو فرضنا أن قولك صحيح فإنه ينبني عليه كذا وكذا، وأنت لا تعتقد صحة ما يقول، بل تقوله في مقام المناظرة.
ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، ففي الآية مقام التمانع أي: لو كان فيها آلهة غير الله لفسدت السموات والأرض، فلما لم تفسد السموات ولا الأرض، فإنه لا يوجد آلهة غير الله ﷿، ومنه أيضًا قول الله ﷿: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، على قول من أقوال المفسرين.
فالمراد أن إبراهيم كان في مقام المناظرة مع قومه، لا مقام النظر من الإنسان الذي لا يعرف فيطلب المعرفة وينظر ويتأمل حتى يعرف بعد ذلك، وحاشا لإبراهيم أن يكون كذلك، بل إبراهيم عرف ربه سبحانه ﵎، فناظر على معرفته ولم يكن ناظرًا يتفكر ويتأمل وهو لا يعرف، فكان يعرف يقينًا أن الله واحد لا شريك له، وأن الله خالق كل شيء سبحانه.
فلما قال لقومه: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، طلع عليهم القمر فقال: هذا ربي هذا أكبر من الأول قال تعالى حاكيًا لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٨]، أي: هذه أكبر شيء يرى من النجوم: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩]، فإذا به يصل في النهاية معهم إلى أن هذه لا تنفع ولا تضر، بل هي أشياء تبزغ ثم تنصرف بعد ذلك وتأفل، فلا تستحق أن تعبد من دون الله، وظل يناظرهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهم يأبون ذلك، فإذا بإبراهيم ﵊، يعتزل هؤلاء في عبادتهم لغير الله، بعد أن دارت بينه وبينهم مناظرات وثبته ربه سبحانه ونصره على هؤلاء كما نصره على الذين من قبلهم بالحجة والبرهان.
[ ٥ / ٦ ]
ابتلاء إبراهيم بذبح ولده إسماعيل
ثم ابتلى إبراهيم ﵇ في ابنه، فقد أمره ربه سبحانه ﵎: أن اذبح ولدك إسماعيل، فيصبر لذلك ويقول لابنه كما قال تعالى حاكيًا عنه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، يقول لابنه: إني أرى في المنام أني أذبحك.
فلم يقل ابنه إنها أضغاث أحلام مثلًا، ولكن قال كما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٦].
فإذا بالله ﷿ كلما يبتليه بشيء وينجح إبراهيم في الامتحان يضيف إليه خصلة من خصال الخير، ويزيده رفعة إلى أن بلغ في النهاية أن يكون خليل الله سبحانه ﵎، وتلك المرتبة أعلى مرتبة يصل إليها بشر.
وكذلك كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قال ﷺ: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن صاحبكم خليل الرحمن).
وقال أيضًا ﵊: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا)، فالخليل أعظم من الحبيب.
[ ٥ / ٧ ]
إبراهيم أبو الضيفان
لما كان إبراهيم أمة فقد جمع خصال الخير ومنها الكرم، فقد سمي أبا الضيفان، وقد جاءه أضياف من الملائكة وهو لا يعرف أنهم ملائكة، فذهب إلى بيته وجاءهم بعجل حنيذ، وكان الملائكة ثلاثة، وعلى قلة عددهم كان يكفيهم القليل من اللحم، إلا أن إبراهيم يذهب إلى بيته ويجيء بعجل حنيذ، ثم يقبل عليهم ويقول: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧].
فكان في غاية الكرم، وغاية الأدب مع ضيوفه، فإنه لما أتاهم بهذا الطعام الطيب، جلس معهم وما قال لهم: كلوا، ولكن قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧]، أي: ألا تتفضلون فتأكلون، وهذا غاية الأدب في الحوار، وفرق بين أن تقول للضيف: كل، بصيغة الأمر، فقد يأنف ويرفض الأكل، وبين أن تقول: تفضل، ألا تأكل من طعامنا، فإنك بخطابك هذا تتلطف مع الضيف ليأكل من طعامك.
[ ٥ / ٨ ]
إبراهيم يترك أهله في واد غير ذي زرع
ومن خصال الخير التي جمعها إبراهيم ﵇ أنه بنى الكعبة ﵊ يعينه إسماعيل وقبل ذلك يستعين بربه سبحانه ﵎.
فقد ذهب إبراهيم بأم ولده إلى مكة بأمر الله سبحانه، وتركها هنالك مع ابنه ووحيده إسماعيل، ومعها سقاء فيه ماء، وجراب فيه تمر، ثم تركهما وهي تنادي عليه: إلى من تتركنا يا إبراهيم؟! فيسكت ﵊ ويمضي في تنفيذ أمر الله ﷿، فيترك ابنه الرضيع الذي جاءه وهو شيخ كبير في هذا المكان متوكلًا على الله، واثقًا في الله سبحانه ﵎، مع أم ولده.
ولم تكن هاجر زوجة له، وإنما كانت أم ولده، فقد كانت أمة أهداها ملك مصر لـ سارة، فأهدتها سارة لإبراهيم ﵊، فوطئها فرزقه الله منها إسماعيل ﵇.
فلما تركها هنالك وانصرف قالت: آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم.
قالت: إذًا لا يضيعنا، فأحسنت التوكل على الله، فرزقها الله ﷿ بئر زمزم، تفيض ماء لها ولولدها، ورزقها الله ﷿ من يأتون إليهم جيرانًا ويعيشون معهم في هذا المكان.
وحين ترك إبراهيم هاجر وابنه وتولى عنهما وراء أكمة مرتفعة ظهر منه الشوق والحب لأهله، فتضرع إلى ربه قائلًا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
وقد أخفى عنهم هذا التضرع الذي بينه وبين ربه، إذ لو أظهر هذا أمامهم فقد يبكي ويبكون ويشق عليهم ذلك، ولكنه تعمد أن يتركهم ويذهب وراء أكمة مرتفعة ثم يتضرع إلى ربه أن يهيئ لهم أسباب النجاة؛ لأنه قد تركهم في مكان لا يوجد فيه أنيس ولا جليس، ولا يوجد فيه ماء ولا زرع ولا ضرع، ولكنه تركهم طاعة لله، محسنًا التوكل على الله، فصار هذا المكان مكانًا يحجه الناس ويعتمر إليه من كل فج عميق.
[ ٥ / ٩ ]
ابتلاء إبراهيم في زوجته
من ابتلاء الله لإبراهيم ﵊ ابتلاءه له في زوجته سارة، إذ بينما هو يسير بها في أرض مصر، فإذا بالناس يذكرون لجبار من الجبابرة من ملوك مصر: أن رجلًا جاء إلى هذه البلاد معه امرأة من أجمل النساء، فإذا بالملك يأتي بإبراهيم ويسأله: من هذه التي معك؟ فحار إبراهيم في الجواب، إذ لو قال: زوجتي سيقتله ويأخذها، فإذا به يقول: أختي، يريد أنها أخته في الإسلام.
فيأخذها الجبار من إبراهيم ﵊، وإبراهيم لا حيلة له، وكيف سيدفع عن زوجته وهذا الجبار ملك من الملوك، فأدرك أن ليس له إلا أن يجأر إلى الله، ويتضرع إليه.
وبعد أن أخذ هذا الجبار سارة أراد أن يدنوا منها، فتمتمت بكلمات تناجي ربها سبحانه، فإذا به يخر صريعًا، ويقول لها: ادعي الله لي ولا أوذيك، فتدعو الله فيكشف عنه ما به، فيدنو مرة ثانيه، فتدعو عليه فيصرع كما صرع بالمرة الأولى، وهكذا في الثالثة فينصرف عنها ويقول: إنما جئتموني بشيطانة، ما أتيتوني بإنسية، ثم يهديها هاجر وترجع إلى إبراهيم وهو قائم في صلاته منذ أن خرجت من عنده، فيسألها: ما فعلت مع هذا الرجل؟ فتقول: إن الله ﷿ نصرنا عليه، وأهدى لنا هاجر، فوهبتها لإبراهيم ﵊.
وهكذا كانت حياة إبراهيم ﵊ كلها بلاء، وما ذكر لنا منها قليل، وما أخفي عنا أشياء كثيرة، الله أعلم بها.
وبذلك استحق إبراهيم ﵇ أن يصل إلى درجة كمال العبادة لربه سبحانه فيكون أمة ﵊.
[ ٥ / ١٠ ]
إبراهيم كان قانتًا لربه
الصفة الثانية: ووصف الله إبراهيم ﵇ أنه كان قانتًا لله، والقنوت بالتاء غير القنوط بالطاء، فالقنوت بالتاء بمعنى الخشوع، وبمعنى دوام الطاعة، وبمعنى القيام مصليًا لله رب العالمين سبحانه.
فيقال: هذا قانت لله، أي: خاشع خاضع مذل نفسه لله رب العالمين، قائم في صلاته يركع ويسجد لله سبحانه، ويطيل الدعاء، فهذه كلها من معاني القنوت.
وقد حصل لإبراهيم ﵇ كمال القنوت لرب العالمين سبحانه، وقيل: القنوت دوام الطاعة، يقال: المصلي إذا أطال في قيامه أو ركوعه أو سجوده، فهو قانت، يقول الله ﷿: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وجاء في الحديث أن القنوت بمعنى: القيام في الصلاة، فقد سئل النبي ﷺ: أي الصلاة خير، فقال: (طول القنوت)، وطول القنوت بمعنى: طول القيام والقراءة فيه.
وكذا كان إبراهيم قانتًا لله.
أما القنوط بالطاء فهو بمعنى: اليأس، وقد ورد أن إبراهيم ﵊ لما قالت له الملائكة: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ [الحجر:٥٥]، أجابهم كما حكى الله عنه: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦].
[ ٥ / ١١ ]
إبراهيم أول الحنفاء
الصفة الثالثة في هذه الآية: أن إبراهيم عليه الصلاة السلام كان حنيفًا، والحنف: الميل، والمقصود أنه كان مائلًا عن الباطل؛ لأن كل الأديان عند مبعث إبراهيم ﵊ كانت باطلة فحنف عنها، أي: مال عن جميعها إلى شرع الله سبحانه ﵎.
فكان إبراهيم حنيفًا مسلمًا ﵊؛ لأنه مال عن الباطل واستقام على الحق، ثم صارت هذه الكلمة عرفًا على الاستقامة على الدين، فكان معناها: أنه مستقيم على دين رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠]، يزكيه الله سبحانه أنه ما كان من المشركين وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن يشرك شركًا أكبر حاشاه، ولا شركًا أصغر، ولا شركًا خفيًا.
[ ٥ / ١٢ ]
الأسئلة
[ ٥ / ١٣ ]
معنى قوله ﷺ: (لا يرقون) فيمن يدخلون الجنة بغير حساب
السؤال
قوله في الحديث: (ولا يرقون)، ألا يحمل على الرقى الشركية، بدليل قوله في الحديث الآخر: (اعرضوا علي رقاكم)؟
الجواب
هذا كلام لم يقله به أحد من العلماء، وواضح أن السائل غير فاهم لحديث النبي ﷺ، فرواية: (هم الذين لا يرقون)، ضعيفة، وعلى فرض صحتها كما صححها الحافظ ابن حجر فلم يقل أحد من العلماء: أنهم الذين لا يرقون الرقى الشركية؛ لأنه لو كان المعنى كذلك فإن الحديث له منطوق ومفهوم، فمنطوقة: سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين لا يرقون، تنزلًا على ما قاله السائل من أن المعنى: يرقون الرقى الشركية، فإن مفهومه أن غيرهم ممن يدخلون الجنة هم الذين يرقون الرقى الشركية، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
ولذا فقوله: (لا يرقون)، عند الذين صححوها كالحافظ ابن حجر ﵀، حملوها على معنى (لا يسترقون)، أو قريبًا منه، فالذي لا يسترقي لا يطلب من غيره ذلك، إذ فيه تحقيق لمقام التوكل، ولا يرقي أصلًا، لا هذا ولا ذاك، فيترك الاثنين، لكن كلام شيخ الإسلام أقعد وأقوى من الناحية الأصولية في المعنى، إذ كيف نعلم أن النبي ﷺ كان يرقي نفسه كل ليلة ثم نقول: إنهم يتركونه بالأصل؟ وقد يقال: إنه ما فعل ذلك إلا ليشرع، والجواب: التشريع يكفي فيه أن يفعلها ﷺ مرة، لكنه كان يرقي نفسه كل ليلة ﷺ، فيجمع يديه ﵊ إلى فمه، ويقرأ المعوذات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١].
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١].
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١].
ولذا فالراجح أن صحيح الروايتين هو: (لا يسترقون)، وأن لفظه (لا يرقون)، وهم من الراوي.
[ ٥ / ١٤ ]
حكم تبني الزوج والزوجة لمن رضع من الزوجة
السؤال
ذكرت جريدة الأهرام إعلانًا لدار رعاية الأيتام بأنه يقوم بتوفير جهاز الرضاعة الصناعية، الذي يعمل على إدرار اللبن من ثدي الأم الكفيلة حتى ولو لم يسبق لها حمل أو رضاعة، وبذلك يصبح ابنها في الرضاعة، فهل تجوز في هذه الحالة مسألة التبني؟
الجواب
مسألة التبني لا تجوز في هذه الحالة ولا في غيرها، والتبني بمعنى نسبة الطفل لنفسها، ولكن حتى لو حصل ذلك فإنه يصبح ابنها من الرضاعة ولا ينسب الولد لها ولا لزوجها.
وهذه الصورة التي يذكرونها هنا أنا لا أعرفها كصورة طبية، ويستبعد أن جهازًا سيجعل امرأة لم تحمل قبل ذلك ترضع، لكن لعله يقصد أن امرأة قل اللبن عندها فزاد الجهاز من إدرار اللبن، ولو فرضنا وقوع ذلك فقد ذكر العلماء مثل هذه المسألة: وهي أنه لو ثاب لامرأة اللبن، أي: لو رجع لها لبن من غير أن يكون لها حمل، فأرضعت بهذا اللبن، هل الولد يكون ابنًا لها؟ قالوا: يكون ابنًا لها هذا الولد، لكن هل يكون ابنًا لزوجها؟ المعلوم أنه يكون ابنًا لصاحب اللبن، وهذا ليس صاحبًا اللبن، فاللبن الذي جاءها ليس بسبب وطء هذا الإنسان أو بسبب حملها منه، فيكون ابنًا لهذه المرأة.
فالسائل هنا يقول في سؤاله: هل تجوز مسألة التبني؟ والجواب: إن مسألة التبني بمعنى نسبة هذا الطفل للمرأة وللرجل لا يجوز لا في هذه الحالة، ولا في حالة الرضاعة الحقيقة، وغايتها أن يقال: ابنه من الرضاعة، ولا ينسب إليه؛ لأنه فرق بين الابن من النسب والابن من الرضاعة، وهذا نسيبك بمعنى: قريبك، فأبوك وابنك وأخوك وعمك، يدعون أنسباء للإنسان، ونحن نطلقها خطأً على أقارب الزوجة وأقارب الزوج من الأصهار والأختان.
أما النسب: فهم الأقارب من الأرحام والعصبات كالأب، والأم، والابن، والبنت، والجد، والجدة.
[ ٥ / ١٥ ]
ذهاب المريضة إلى الطبيب
السؤال
هل ذهاب المرأة إلى دكتور أمراض النساء حرام مع العلم أن الذهاب لضرورة؟
الجواب
إذا كان الذهاب ضرورة بمعنى أنه إذا لم تذهب سيحدث لها مكروه ولا يوجد إلا هذا الطبيب جاز لها أن تذهب، سواءً كان تخصصه في أمراض النساء أو غير أمراض النساء، كأن يكون جراحًا ولا يوجد من يجري الجراحة إلا هذا الطبيب.
[ ٥ / ١٦ ]
حكم التداوي بالكي
السؤال
عندي في قدمي (عين سمكة) وأفضل علاج له هو الكي بالحرارة؟
الجواب
الكي جائز في مثل هذه الحالة، الحالة إذا لا يمكن دواؤها إلا به، أو كان لها علاجات والعلاج الوحيد الذي يبرئها الكي؛ لأن صاحبها معذور كما أن النبي ﷺ جعل الكي آخر العلاج، وهو نفسه أمر فكوي أبي بن كعب ﵁ وكوي أنس بن مالك وكوي أسعد بن زرارة، فالكي جائز.
[ ٥ / ١٧ ]
حكم من أدركته صلاة العصر وهو مقيم ثم سافر ولم يصل إلا في وقت صلاة المغرب
السؤال
رجل مسافر وعندما ركب السيارة أذن العصر، وعندما وصل إلى المدينة المسافر إليها دخل المسجد وصلى المغرب جماعة؛ لأن صلاة المغرب كانت قائمة، ثم بعد صلاة المغرب قام بصلاة العصر أربع ركعات، ثم أعاد صلاة المغرب ثم صلى العشاء ركعتين، فهل هذا الفعل صحيح شرعًا؟ وهل من أدركته صلاة في بلده ولم يكن قد صلاها وسافر فهل يتم هذه الصلاة كاملة أم يقصرها؟
الجواب
لو أن إنسانًا كان مقيمًا ثم سمع الأذان وهو مقيم، ثم سافر ولم يصل العصر، ووقت العصر ليس وقتًا ضيقًا إنما وقت العصر وقت موسع، فإذا سافر ونزل فصلى في الطريق جاز له أن يقصر الصلاة.
أما إذا نزل في وقت المغرب، فقد ضاعت عليه صلاة العصر، وكان الواجب عليه أن يصلي العصر قبل أن يسافر ما دام يعرف أنه لن يصل إلا بعد المغرب.
ولو فرضنا أنه لم يعرف ذلك، وحضر وقت صلاة العصر وهو في السيارة كان عليه أن يطلب من السائق أن يقف، ولو فرضنا تعذر ذلك كأن يكون راكبًا قطارًا فليصل في مكانه الذي هو فيه، إن استطاع قام وتوجه إلى القبلة، وإن لم يستطع تحرى بقدر المستطاع، ولكن لا يجوز أن يؤخر العصر حتى تغرب الشمس، فإن العصر لا تجمع مع المغرب.
وقد وقع أن هذا السائل نزل في وقت المغرب ثم دخل المسجد فوجدهم يصلون صلاة المغرب، والراجح في هذه المسألة أن يدخل معهم بنية العصر، هم سيصلون ثلاث ركعات يجلسون في الركعة الثالثة، فيجلس معهم، وعندما يسلم الإمام يقوم هو ويأتي بالركعة الرابعة ثم يصلي بعد ذلك صلاة المغرب وحده.
أما ما فعله من أنه دخل معهم في صلاة المغرب بنية النافلة، ثم أعاد العصر وحده وأعاد المغرب وحده، فقد صحت الصلاة منه.
أما سؤاله: هل يتم أم يقصر؟ فالجواب: يجوز له أنه يتم؛ لأن القصر ليس فرضًا إلا عند الأحناف، أما عند الجمهور فالقصر مستحب وليس فرضًا، فإذا أتم العصر جاز، وإذا قصرها جاز أيضًا؛ لأن وقت الوجوب كان متسعًا وليس وقتًا ضيقًا، لكنه يأثم بتأخيره، فهل كونه يأثم بتأخيره لصلاة العصر حتى يخرج وقتها نلزمه أن يصليها تامة؟ الراجح لا يلزمه لأنه مسافر ويصلي صلاة العصر الآن، قد وجبت عليه وهو في بلده وهو في الطريق واجب عليه، لما ضاق الوقت وجب عليه أن يصليها صلاة قصر وهو مسافر، فالآن سيصليها، ولذا يجوز له أنه يقصر في هذه الحال، وإذا أتم فالصلاة صحيحة.
[ ٥ / ١٨ ]