الفصل الأول: تعريف بمؤلف الكتاب
المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف النص
المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية
للإمام محمد بن عبد الوهاب. ١١١٥-١٢٠٦هـ
شرح العلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي. ١٢٧٣-١٣٤٣هـ
درّسه وحققه: د/ يوسف بن محمد السعيد، الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب الفكرية المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض، الطبعة الأولى: ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م
القسم الأول: الدراسة
وفيه فصلان: التعريف بمؤلفي الكتابين وكتابيهما.، في الجاهلية
الفصل الأول
وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: ترجمة موجزة لمؤلف الأصل.
المبحث الثاني: ترجمة موجزة للشارح.
المبحث الثالث: منهجه في الشرح، ومصادره.
المبحث الرابع: طبعات الشرح، وتقويمها.
المبحث الخامس: التعريف بالنسخة الخطية للشارح.
المبحث الأول
ترجمة موجزة لمؤلف الأصل.
-هو الإمام العلامة الصلح شيخ الإسلام، ومحي ما اندرس من معالمه، أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد ابن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف التميمي.
- ولد -رحمه الله تعالى- في بلدة العيينة في بلاد نجد سنة خمس عشرة ومائة والف من هجرة المصطفى ﷺ في بيت علم ودين، وقد كان والده الشيخ عبد والوهاب (ت١١٥٣) قاضي العيينة ومفتيها، وكان جده الشيخ سليمان (ت ١٠٧٩) قاضي نجد عامة ومفتيها.
بدأ-رحمه الله تعالى- في طلب العلم مبكرا، فقد حفظ القرآن قبل العاشرة من عمره، ثم قرأ على والده مبادئ الفقه الحنبلي، ثم استأذنه في الخروج على الحج، فحج، ثم قصد المدينة النبوية ثم عاد إلى العيينة وأكمل القراءة على والده، ثم سافر بعد إلى مكة والمدينة، وأخذ يتردد على علمائها، فكان ممن أفاد منه الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي الحنبلي نزيل المدينة النبوية، والشيخ محمد حياة السندي (ت ١١٦٥)، ثم عاد مرة أخرى إلى العيينة، وقرا فيها على والده، وبدأ دعوته، حيث دعا على التوحيد والتمسك بالكتاب والسنة، وحذر من الشرك الذي كان سائدا في أعظم ارجاء البسيطة، ثم رحل إلى
[ ١٧ ]
العراق، وكان يتردد فيها بين البصرة والزبير، وأخذ هناك عن الشيخ محمد المجموعي، ثم لما أردا العودة إلى بلاده مر ببلدة الأحساء، ونزل هناك على الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي، وأقام عنده يتلقى عنه العلم، ثم رجع إلى نجد، ونشط في دعوته على الله تعالى آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، مجاهدا في سبيل الله بكل ما يملك فأحيا الله على يديه سننا قد درست، وترك العمل بها، وعمّ التوحيد أرجاء كثير من العالم الإسلامي.
تتلمذ على يدي الشيخ طلبة نجباء، أصبحوا بعد علماء أجلاء، حملوا الدعوة بعده، نهجوا نهجه، فنفع الله تعالى بهم، من هؤلاء: أبناؤه: الشيخ عبد الله (ت ١٢٤٣) والشيخ حسين (ت ١٢٢٤) والشيخ علي (ت ١٢٤٥) وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت ١٢٨٥) والشيخ حمد بن ناصر بن معمر (ت ١٢٢٥) والشيخ حسين بن غنام (ت ١٢٢٥)، والشيخ عبد العزيز الحصين (ت١٢٣٧) .
ألف الإمام رحمه الله تعالى كتبا ورسائل كثيرة، قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية جمع أكثرها، وطبعه على نفقتها، وتوزيعه فكانت كثر من عشر مجلدات.
ومن هذه لكتب:
- كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
- مسائل الجاهلية.
- كشف الشبهات.
- الأصول الثلاثة.
- مختصر زا المعاد.
[ ١٨ ]
- مختصر السيرة.
- مختصر المغني والشرح الكبير.
ألمّ بالشيخ رحمه الله تعالى مرض شديد في أواخر شهر شوال عام ١٢٠٦، واستمر معه المرض حتى توفاه الله تعالى في أواخر شهر ذي القعدة من العام نفسه، فاللهم ارفع درجته في عليين، واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
[ ١٩ ]
المبحث الثاني
ترجمة الشارح
هو أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بهاء الدين بن محمد بن أبي الثناء شهاب الدين بن عبد الله بن صلاح الدين بن محمود لخطيب الألوسي.
-ولد رحمه الله تعالى في اليوم التاسع عشر من شهر رمضان عام ثلاثة وسبعين ومائتين وألف من هجرة النبي ﷺ في بغداد من بلاد العراق.
-نشأ رحمه الله تعالى، في بيت علم ودين، فقد كان كثير من أسرته علماء وأدباء، فأبوه عبد الله (ت١٢٩١) كان عالما، له مؤلفات، وجده أبو الثناء محمود بن شهاب الدين صاحب "روح المعاني" كان –أيضا- عالما، وإن كان عنده شيء من البدع، فالله يسامحه، ومن أولاء عمه نعمان خير الدين صاحب جلاء العينين، فقد كان خيرا دينا عالما وقورا.
-بدأ أبو المعالي رحمه الله تعالى في طلب العلم في سن مبكرة جدا، فأخذ عن أبيه مبادئ العربية والخط، ثم بعد وفاة أبيه كفله عمه خير الدين فأخذ عنه، كما أخذ عن مشايخ بلده، ومنهم الشيخ إسماعيل بن مصطفى.
-وبعد أن استوى على سوقه عقد حلقا للعلم في داره ينهل منها الطلاب، ويفيدون منها، كما درّس في جامع عادل خاتون، وجامع
[ ٢٠ ]
الحيدرية، وجامع السيد سلطان علي، ومدرسة المرجان.
-ألف أبو المعالي-رحمه الله تعالى- مؤلفات كثيرة نفع الله تعالى بها، ومن هذه المؤلفات:
-غاية الأماني في الرد على النبهاني.
-فتح المنان، وهو كتاب أتم به التأسيس في الرد على داود بن جرجيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب﵀-.
-صب العذاب على من سبّ الأصحاب.
-بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب.
-تاريخ نجد.
-شرح مسائل الجاهلية، وهو كتابنا هذا.
-شرح منظومة عمود النسب.
-الضرائر الشعرية.
لقد كان الشيخ رحمه الله تعالى على عقيدة السلف أهل السنة والجماعة، يظهر ذلك جليا في مؤلفاته، وخاصة في "بلوغ الأماني"، و"شرح مسائل الجاهلية" و"فتح المنان"، وكان رحمه الله تعالى شديدا على أهل البدع، محاربا لهم، متأثرا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
توفي أبو المعالي-رحمه الله تعالى- في اليوم الرابع من شهر شوال عام (١٣٤٢هـ) على أثر مرض ألمّ به في أواخر شهر رمضان من العام
[ ٢١ ]
نفسه، نسأل الله تعالى له الرحمة والنجاة من النار، وجزاه على ما قدم للمسلمين خير الجزاء١.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته: "محمود شكري الألوسي-سيرته ودراساته اللغوية" لمحمد بهجة الأثري، "أعلام العراق" لمحمد بهجة الأثري (ص٨٦-٢٤١)، مقدمة المسك الأذفر (ص١٣-٤٥) مقدمة كتاب "صب العذاب على من سب الأصحاب" للألوسي، ومقدمة من وضع الشيخ عبد الله البخاري (ص٣٧-١٨٣) .
[ ٢٢ ]
المبحث الثالث
منهج الشرح
لقد بيّن المؤلف رحمه الله تعالى منهجه في شرحه هذا الكتاب في مقدمة كتابه حيث قال: " ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة الآخذة بيد من تمسّك بها إلى منازل الرحمة، أحببت أن أعلّق عليها شرحا يفصّل مجملها، ويكشف معضلها، من غير إيجاز مخل، ولا إطناب ممل، مقتصرا فيه على أوضح الأقاويل، ومبينا ما أورده من برهان ودليل".
فهذا منهجه قد أبانه بهذه السطور.
وقد أخل رحمه الله تعالى بما ذكره في بعض المواضع، فتجده تارة يطيل في بعضها إطالة غير معتادة، بينما نجده تارة أخرى يذكر المسألة دون أن يتكلم فيها بشيء.
في تفسيره للآيات جل اعتماده على كتاب جده أبي الثناء "روح المعاني".
وفي مسائل الاعتقاد يعتمد اعتمادا كبيرا على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
[ ٢٣ ]
وهو تارة يصرح بالمصدر الذي نقل عنه، وتارة لا يصرح.
كما أن الشارح رحمه الله تعالى عني كثيرا بربط هذه المسائل بما يشاهده من أهل زمانه، مما يجعل هذا الكتاب مصدرا معتبرا لمعرفة أحوال الناس وقت الشارح.
[ ٢٤ ]
المبحث الرابع
طبعات الكتاب
لقد تمّ طبع هذا الكتاب أول مرة عام ١٣٤٧هـ بالمطبعة السلفية للسيد محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى بمصر، أي بعد وفاة المؤلف رحمه الله تعالى بأربع سنوات، واعتمد فيها على نسخة أهداه إياها الأستاذ محمد بهجة الأثري أحد تلامذة المؤلف، ثم صُوِّر عن هذه الطبعات مرات كثيرة.
وقد حرص محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى على أخراجها للناس، كي يفيدوا منها، فكان له ما أراد، فأفاد الناس من هذه الطبعة، وانتشرت بينهم فجزاه الله عنهم خير الجزاء.
وفي عام ١٤١٢هـ قامت دار المجد للنشر والتوزيع بالرياض بصف حروف الكتاب صفا جيدا، معتمدة على طبعة الكتاب السابقة، بما فيها تعليقات الناشر.
الملحوظات على مطبوعة السلفية ومطبوعة دار المجد:
إن كل عمل بشري لا بد أن يلحقه شيء من النقص، وإنه مع حرص السيد محب الدين على إخراج الكتاب بصورة حسنة، لم تسلم هذه الطبعة من الأخطاء، فمن الأخطاء:
[ ٢٥ ]
١-عدم وصف النسخة الخطية التي اعتمدها في إخراج الكتاب.
٢-عدم تمييزه بين تعليقاته وتعليقات المؤلف، فقد كان له رحمه الله تعالى تعليقات، وللمؤلف تعليقات، فلم يميز بينهما، ولا يعرف ذلك إلا من وقف على المخطوط.
٣-التدخل في نص المؤلف، فقد وضعت عناوين للمسائل ليست في النسخة الخطية التي بين أيدينا، فإن كانت موجودة في النسخة الخطية التي اعتمدها، فهذا يدلل على أهمية وصفها، وتصوير بعض أوراقها في أول الكتاب، وإن لم تكن موجودة فهذا تدخل في النص لم يشر إليه.
٤-جاء على طرّة النسخة التي الخطية التي بين أيدينا ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلى حضرة الإمام الهمام، إمام الأئمة، أعني به جناب الشيخ عبد الله بن خلف بن دحيّان المحترم، أعلى الله تعالى آمين، وبعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام، أقدم إليك هذا الكتاب، وهو شرح مسائل الجاهلية، هدية لك، فالرجاء قبولها والتحفظ عليها، لأن إبراهيم أفندي نجل السيد ثابت الألوسي وبهجة الأثري أرسلاها إلى مصر لأجل الطبع، لكن بعد ما غيرا فيها وبدّلا، وهذه صححت مرارا وتكرارا، فلذلك أوصيك بحفظها والسلام، ٣ ذي القعدة ١٣٤٥هـ عبد الكريم السيد عباس".
وبعد المقابلة لم يظهر لي سوى ما ذكرته قبل، فلعله يشير بهذا الكلام إليه.
_________________
(١) ١ هنا كلمة لم أستبنها.
[ ٢٦ ]
المبحث الخامس
وصف النسخة الخطية
حصلت على هذه النسخة من صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ-وفقه الله تعالى- وهي مصورة عن مكتبة الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.
وتتكون من خمس وأربعين لوحة، في كل لوحة وجهان، متوسط أسطر كل وجه عشرون سطرا، ومتوسط عدد كلمات كل سطر أربعة عشرة كلمة.
وخطها جيد، وهي مكتوبة بقلم عبد الكريم السيد عباس الشيخلي عام ١٣٤٤هـ.
[ ٢٧ ]
الفصل الثاني: في الجاهلية
المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية
المبحث الثالث: حكم مخالفة أهل الجاهلية
لقد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية، وتحريم التشبه بهم، سواء في عباداتهم أو في أعيادهم، وأجمع أهل العلم على ذلك١.
ولكثرة النصوص الواردة في هذا، اجتهدت في حصر دلالاتها، مع الاستدلال لكل دلالة بنص أو أكثر، فكانت على النحو الآتي:
أولا: الأمر الصريح بالمخالفة:
جاءت أحاديث عن النبي ﷺ صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية، مما يعني وجوب مخالفتهم، لأن الأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف٢، ولا صارف هنا، ومن هذه الأحاديث ما يأتي:
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى"٣.
_________________
(١) ١ انظر اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٢و٣٢٠) ٢ انظر: "العدة في أصول الفقه" لأبي يعلى (١/٢٢٤)، "التمهيد" لأبي الخطاب الكلوذاني (١/١٤٥)، "المحصول في علم الأصول" للرازي (٢/٦٦)، روضة الناظر لا بن قدامة ص١٩٣، وغيرها من كتب الاصول ٣ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب اللباس- باب تقليم الأظافر- (٧/٥٦) ومسلم في صحيحه-كتاب الطهارة- (١/١٢٢) ح٢٥٩، واللفظ له.
[ ٣٩ ]
وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: "خرج رسول الله ﷺ على مشيخة الأنصار، بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرو، فقال ﷺ تسرولوا واتزروا وخالفوا أهل الكتاب، قال فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، قال: فقال النبي ﷺ فتخففوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب، قال: فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصّون عثانينهم١ ويوفرون سبالهم٢، فقال النبي ﷺ قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب"٣.
وقال ﷺ: "خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم"٤.
_________________
(١) ١ العثانين: جمع عثنون وهو اللحية، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير (٣/١٣٣) ٢ السبال جمع سبلة بالتحريك، وهي الشارب، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير (٣/٣٣٩) ٣ أخرجه أحمد في مسنده (٥/٢٦٤) والطبراني في الكبير (٨ / ٢٨٢)، قال الهيثمي في مجمه الزوائد (٥ /١٣١): "رجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة وفيه كلام لا يضر" وجسّن إسناد أحمد ابن حجر في فتح الباري (١٠/٣٦٧)، والألباني في السلسلة الصحيحة (٣/٢٤٩) . ٤ أخرجه أبو داود في سننه – كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعل- (١/٤٢٧) ح٦٥٢، وابن حبان كما في الإحسان- كتاب الصلاة-باب فرض متابعة الإمام (٣/٣٠٦) ح ٢١٨٣، والحاكم في مستدركه –كتاب الصلاة- (١/٢٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعلين (٢/٤٣٢)، والبغوي في شرح السنة-كتاب الصلاة- باب الصلاة في النعال (٢/٤٤٣) ح ٥٣٤.
[ ٤٠ ]
ثانيا: النهي عن مشابهة أهل الجاهلية في أهوائهم بصيغته:
كما جاءت الأدلة صريحة في الأمر بمخالفة أهل الجاهلية، فقد جاءت أيضا صريحة في النهي عن مشابهتهم في أهوائهم بصيغة النهي الحقيقية "لا تفعل" ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ١
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾ ٢
وقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٣
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤
ففي هذه الآيات نهي من الله تعالى لنبيه ﷺ أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، "وقد في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
واهواؤهم هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه"٥.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ المائدة: ٤٨ ٢ المائدة: ٤٩ ٣ الشورى: ١٥ ٤ الجاثية:١٨ ٥ اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٥) ٦ البقرة: ١٠٤
[ ٤١ ]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم"١.
فهذه بعض الأدلة على النهي عن مشابهة أهل الجاهلية بصيغته.
ثالثا: بيان سوء عاقبة من اتبع أهل الجاهلية:
لقد جاءت الأدلة صريحة في بيان العاقبة المخزية التي أعدها الله تعالى لمن خالف أمره، وتشبه بأعدائه، مما يدل على شناعة الفعل وقبحه، ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
ففي هاتين الآيتين تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول ﷺ والمراد أمته٤، ووصف –تعالى- التابعين بأنهم ظالمون، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ومتابعتهم فيما
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (١/١٤٨) ٢ البقرة:١٢٠ ٣ البقرة: ١٤٥ ٤ انظر تفسير ابن كثير (١/١٦٣) ٥ الانسان: ٣١
[ ٤٢ ]
يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك"١.
وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)﴾ ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ثم قوله فاستمتعتم وخضتم، خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة، كسائر من أخبر الله به عن الكفار والمنافقين عند مبعث محمد ﷺ، فإنه ذم لمن حالهم كحالهم إلى يوم القيامة"٣.
رابعا: نعت المتشبهين بما يفيد شناعة فعلهم:
كما في قوله ﷺ: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، وبتغ في الإسلام سنة جاهلية، ومطَّلِب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريقه"٤.
وقوله ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع،
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم (١/-٨٦٨٥) (التوبة:٦٩) ٣ اقتضاء الصراط المستقيم (١٠٤-١٠٥) ٤ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب الديات- باب من طلب دم امرئ بغير حق (٨/٣٩)
[ ٤٣ ]
حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن"
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: "وكان ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله ﷺ على جهة التعيير والتوبيخ: " لتتبعن سنن من كان قبلكم ".
وقال المناوي: "وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي والكفر، ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام".
فهذه بعض الأدلة الدالة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية وحرمة التشبه بهم، وبقي كثير تركتها اختصارا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١" أخرجه البخاري في صحيحه-كتاب الأنبياء- باب ما ذكر عن النبي ﷺ:" لتتبعن سنن من كان قبلكم" - (٨/١٥١)، ومسلم في صحيحه –كتاب العلم- باب اتباع سنن اليهود والنصارى- (٤/٢٠٥٤) ح ١٦٦٩. ٢"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٥/٤٥) . ٣"فيض القدير بشرح الجامع الصغير (٥/٢٦١) ٤" راجعها في مقدمة شرح المحقق لمسائل الجاهلية.
[ ٤٤ ]
المبحث الثاني
أنواع الجاهلية
تنوع الجاهلية أنواعا بحسب اعتبارات مختلفة، وغليك بعض أنواعها:
أولا: أنواعها من حيث الإطلاق والتقييد:
تتنوع الجاهلية من حيث الإطلاق والتقييد نوعين:
النوع الأول: جاهلية مطلقة، وهي الجاهلية العامة، وهذه كانت قبل مبعث النبي ﷺ، أما بعد المبعث فلا، وذلك لقوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس"١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: "فأما في زمان مطلق،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب المناقب- باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر- (٤/١٨٧)، وفي كتاب التوحيد-باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ - (٨/١٨٩)، مسلم في صحيحه- كتاب الإمارة-باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم"- (٣/١٥٢٤) من حديث معاوية. وأخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة –باب قول النبي ﷺ: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، وهم أهل العلم- (٨/١٤٩)، ومسلم في صحيحه-كتاب الإمارة- باب قوله ﷺ: " لا تزال طائفة من أمتي" (٣/١٤٢٥) ح ١٩٢٣ من حديث المغيرة بن شعبة.
[ ٣٥ ]
فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ "١ وذكر معنى الحديث السابق.
ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ٢
وقول حذيفة ﵁: "إنا كنا أهل جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير "٣.
وعلى هذا، فلا يجوز إطلاق الجاهلية على قرن من القرون منذ بعثة النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وما يقع فيه بعض الكتاب من هذه الإطلاقات ينبغي أن يتفادى بالتصحيح٤.
النوع الثاني: جاهلية مقيدة، وهي الجاهلية التي تقوم في بعض البلدان، أو ببعض الأشخاص والجماعات.
وهذا النوع يكون حتى بعد مبعثه ﷺ.
ومنه قوله ﷺ لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"٥.
ثانيا: أنواعها من حيث الفترة الزمنية:
تتنوع الجاهية من حيث الفترة الزمنية نوعين:
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٢٧) . (الأحزاب: ٣٣) ٣ أخرج البخاري في صحيحه –كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام (٤/١٧٦)، ومسلم في صحيحه-كتاب الإمارة- باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة- (٣/١٤٧٤) ح ١٨٤٧ ضمن حديث طويل. ٤ انظر: تعليق الدكتور ناصر العقل على " اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٢٧) . ٥ أخرجه البخاري في صحيحه-كتاب الإيمان- باب المعاصي من أمر الجاهلية، ومسلم في صحيحه –كتاب الإيمان- باب إطعام المملوك مما يأكل..- (٣/١٢٨٢-١٢٨٣) ح ١٦٦١
[ ٣٦ ]
النوع الأول: جاهلية قبل مبعث النبي ﷺ.
وهذا النوع يطلق عليه بعضهم " الجاهلية الأولى".
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾: "هي ما قبل الإسلام"١
النوع الثاني: جاهلية ما بعد مبعثه ﷺ.
ويطلق عليها بعضهم " الجاهلية الأخرى".
والمراد بها: ما شابه فيه الناس بعد مبعث النبي ﷺ أهل الجاهلية.
قال ابن جرير-رحمه الله تعالى-: "فإن فال قائل: أو في الإسلام جاهلية حتى يقال عنى بقوله: ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ التي قبل الإسلام، قيل: فيه أخلاق من أخلاق الجاهلية"٢.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل"٣.
ثالثا: أنواعها من حيث متعلقها:
تتنوع الجاهلية من حيث متعلقها أنواعا كثيرة جدا، يصعب حصرها، فمنها جاهلية المعتقد، ومنها جاهلية الأخلاق، ومنها جاهلية الاقتصاد، ومنها جاهلية الحكم والسياسة، ومنها جاهلية الفنإلخ٤
_________________
(١) ١ ذكره البغوي في تفسيره (٤/٥٢٨) ٢ تفسير ابن جرير (٢٢/٤-٥) ٣ فتح القدير (٤/٢٧٨) ٤ انظر بتوسع في هذا: "جاهلية القرن العشرين" لمحمد قطب، "مصطلحات إسلامية" لمحيي الدين القضماني (ص٤٦-٥٢)
[ ٣٧ ]
وبالجملة، فكل أمر من الأمور خولف فيه رسول الله ﷺ فهو أمر جاهلي١.
رابعا: أنواعها من حيث الحكم
تتنوع الجاهلية من حيث الحكم نوعين:
النوع الأول: جاهلية كفر.
ومن هذا النوع قوله-تعالى-: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٣.
النوع الثاني: جاهلية معصية، وهي ما تكون بترك واجب أو فعل محرم دون الكفر٤، وهذه لا يكفر صاحبها٥.
ومن هذا النوع قوله ﷺ لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"٦ وكذا الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة على الميت.
هذه أهم أنواع الجاهلية حسب علمي، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص٢٦١. ٢ آل عمران: ١٥٤ ٣ المائدة: ٥٠ ٤ انظر: فتح الباري (١/٨٥) . ٥ انظر صحيح البخاري –كتاب الإيمان- باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك. ٦ سبق تخريجه ص٣٤.
[ ٣٨ ]
المبحث الأول: تعريف الجاهلية لغة واصطلاحا
المبحث الأول
تعريف الجاهلية
أولا التعريف اللغوي:
الجاهلية في اللغة: مصدر صناعي مأخوذ من الجاهلي نسبة على الجاهل المشتق من الجهل.
والجهل خلاف العلم ونقيضه.
يقال جَهِل فلان جهلا وجهالة، وجُهِل عليه وتجاهل واستجهل.
والجمع منه: جُهل، وجُهُل، وجُهَّل، وجُهَّال، وجُهلاء.
قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ ١.
ومنه قولهم للمفازة التي لا علم بها: "مَجهَل".
ويطلق الجهل ويراد به الخفة التي هي خلاف الطمأنينة، ويراد به الطيش، ومنه قولهم للخشبة التي يحرك بها الجمر"مجهل"٢، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٧٣ ٢ انظر: معجم " مقاييس اللغة" لابن فارس: جهل (١/٤٨٩)، وتهذيب اللغة للأزهري: جهل (٦/٥٦-٥٧)، "المحكم" لابن سيده: "جهل" (٤/١١٩)، الصحاح للأزهري "جهل" (٤/١٦٦٣-١٦٦٤)، "لسان العرب" لابن منظور: "جهل" (١١/١٢٩)، "تاج العروس" للزبيدي: "جهل" (٧/٣٦٨) . ؟؟ ؟؟ ؟؟ ؟؟
[ ٣١ ]
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا١
والجهل ثلاثة أنواع:
أحدها: بسيط، وهو خلو النفس من العلم.
ثانيها: جهل مركب، وهو اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
ثالثها: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل٢.
التعريف الاصطلاحي:
اختلفت عبارات الناس في تعريف الجاهلية والمراد منها، وسأذكر هنا بعضا منها، ثم أختم ذلك بالمختار.
التعريف الأول:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "المراد بالجاهلية الفترة قبل الإسلام"٣
ويؤخذ على هذا التعريف كونه غير جامع، وذلك أن الجاهلية جاء إطلاقها حتى بعد البعثة، كما قال بن عباس ﵄: "سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسا دهاقا"٤، وابن عباس إنما ولد بعد البعثة٥.
_________________
(١) ١ " ديوان عمرو بن كلثوم" (ص٧٨)،" جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشي ص٣٠٠، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص٢٨٨، "شرح القصائد المشهورات" لابن النحاس (١/٢/١٢٥) ٢ انظر: "المفردات في غريب القرآن" للرغاب الاصفهاني ص١٠٢، "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٢٤-٢٢٥) . ٣ شرح صحيح مسلم (٢/١١٠) ٤ أخرجه البخاري في صحيحه –كتاب لمناقب الأنصار- باب أيام الجاهلية (٤/٢٣٦) . ٥ انظر طبقات ابن سعد: (٢/٣٦٥-٣٧٢)، "تهذيب الكمال" للمزي (١٥/١٥٤-١٦٢)، فتح الباري لابن حجر (٧/١٨٣) .
[ ٣٢ ]
التعريف الثاني:
قال ابن الأثير- وتبعه ابن منظور-: " هي-أي الجاهلية- الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام، من الجهل بالله ﷾ ورسوله ﷺ وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك"١.
ويؤخذ على هذا التعريف:
أ-تخصيصه العرب بذلك، مع أن غيرهم من الأمم يشركهم فيه.
ب- أنه جعل نهاية هذه الحال بظهور الإسلام، وقد مرّ قبل قليل أن الجاهلية أطلقت حتى بعد الإسلام.
التعريف الثالث:
وهو للأستاذ محمد قطب حيث قال: " هي-أي الجاهلية- حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله"٢.
ويؤخذ على هذا التعريف كونه غير جامع، لأنه أخرج الحال التي تكون عليه أمة من الأمم قبل مجيئها هدى الله.
وفيه قصر على الوضع التنظيمي الذي يرفض الحكم بما أنزل الله، مع أن الأمر أعظم من ذلك، فحكم الله ليس في الأمور التنظيمية فقط، بل هو أعم من ذلك كله.
التعريف الرابع:
وهو التعريف الذي وضعه مجمع اللغة العربية بالقاهرة: "الجاهلية:
_________________
(١) ١ "التهاية في غريب الحديث" (١/٢٣٢)، لسان العرب "جهل" (١١/١٣٠) . ٢ جاهلية القرن العشرين ص١١
[ ٣٣ ]
هي الحالة التي تكون عليها الأمة قبل أن يجيئها الهدى والنبوة".
ويؤخذ على هذا التعريف ما أخذ على التعريف الأول.
التعريف الخامس:
" الجاهلية: هي الحالة التي تكون عليها أمة قبل مجيئها هدى الله، والحالة التي تمتنع فيها أمة ما أو بعض أمة من الاستجابة لهدى الله".
وهذا التعريف هو المختار عندي، والذي أراه مناسبا لهذا المقام، وذلك للآتي:
١-كون هذا التعريف أدخل أهل الفترات، وأدخل من امتنع من أتباع الهدى بعد إذ جاءه.
فرسول الله ﷺ بعث في قوم أميين لا علم لهم بالكتاب، فهؤلاء يناسبهم الجزء الأول من التعريف، كما أنه ﷺ لعموم رسالته بعث –أيضا لقوم أهل كتاب، وهؤلاء يناسبهم الجزء الثاني، كما أن في أمته ﷺ من يمتنع من الاهتداء بهديه.
٢-موافقة هذا التعريف لما ذكره العلماء من أقسام الجهل.
_________________
(١) ١ "معجم ألفاظ القرآن الكريم" الذي وضعه مجمع اللغة العربية بالقاهرة (١/٢٢٠)
[ ٣٤ ]