مَظَاهِرُ العَبَثِ بأَشرَاطِ السَّاعَةِ
[ ١١٣ ]
فارغ
[ ١١٤ ]
الفصل الأول
سرد مجمل لبعض مظاهر الْعَبَثِ بِأَشرَاطِ السَّاعَةِ
- يتخذ العبث بأشراط الساعة مظاهرَ عدةً، ويتجلى في عدة مجالات:
- أما أقبح مظاهر العبث بأشراط الساعة: فاختلاق الكذب، وافتراء القصص، وإطلاق العِنان للخيال الجامح كما فعل كبيرهم ودجالهم "محمد عيسى داود".
- ومن ذلك: تكذيب النصوص الصحيحة، وزعم أنها كلها موضوعة.
- ومنه: إبطال معاني الأحاديث الصحيحة بالتأويل الفاسد (١).
- ومنه: الخوض بغير علم في قضية "تحديد عمر الأمة".
- ومنه: الغلو في محاولة مطابقة ما ورد في النصوص على وقائع وأحداث معينة، أو على أشخاص معينين رجمًا بالغيب.
- ومنه: محاولة توظيف النصوص لخدمة مآربهم، والتعسف في تفسيرها بما يتوافق مع أغراضهم.
_________________
(١) وممن جمع رذيلتي التأويل الفاسد، والتكذيب: أتباعُ المهدي الجونبوري؛ ققد كانوا يحاولون جهدهم أن يطبقوا جميع الأحاديث الواردة في المهدي على مهديهم المزعوم؛ فإن تعذر ذلك: فإما أن يؤوِّلوا الحديث بما يوافق توجهاتهم تأويلًا سخيفًا باردًا، وإما أن يردوه بالكلية؛ فقد قال لهم "الجونبوري": "كثر الخلاف في الحديث، ويصعب تمييز الصحيح من السقيم؛ فالذي يوافق كتاب الله تعالى، ويوافق أحوالي؛ فاقبلوه"، انظر: "فرق الهند" ص (٢٤٨).
[ ١١٥ ]
تكلف بعضهم اصطناع هذه الأشراط، وإيجادها في الواقع عنوة
- ومنه: الاستدلال بما لا يصلح دليلا؛ كالإسرائيليات القديمة والحديثة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومرويات الرافضة، وحساب الجُمَّل، وما يُسَمَّى علمَ الحروف (١).
وبالجملة فكل من حادَ عن "الوسطية" في هذه القضية إلى جفاء المنكرين، أو إلى غلو المثبتين؛ فقد تورط في جريمة القول على الله بغير علم، والعبث بأشراط الساعة.
- ومن العبث بأشراط الساعة:
تكلف بعضهم اصطناع هذه الأشراط، وإيجادها في الواقع عَنْوة، حتى إن من مُدَّعِي المهدية مَن يغير اسمه واسم أبيه، أو يدعي الانتساب إلى آل البيت الشريف، متناسين أن "الْمُنْتَظَرَ" تصنعه المهدية؛ لكنه لا يصنعها، ولا يصطنعها.
- ومن العبث بأشراط الساعة:
الابتهاج بانتشار الفساد والظلم في الأرض، وتمني ذلك؛ بحجة أن هذا يعجل بخروج المهدي الموعود (٢)، مع أنه تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
_________________
(١) بل من العابثين من ضم إلى مصادره في التلقي: "ما تقوله الشياطين في جلسات تحضير الأرواح" كما زعم صاحب كتاب "إقترب خروج المسيخ الدجال" ص (١٥٩).
(٢) كما يفعل الروافض -قبحهم الله-، بل عفَل البعض ما يجري على أيدي الرافضة من المذابح الوحشية لأهل السنة في العراق بأن هذا وسيلة لتعجيل خروج المهدي بناءً على هذا المفهوم الشيطاني، وانظر: "تبديد الظلام" للجبهان ص (٣٦٥).
[ ١١٦ ]
أَيُّهَا الْعَابِثُونَ: بَشِّروا، وَلَا تُنَفِّرُوا
فإن تَوَقعَاتِكم تبعث أحيانَا على الإحباط، وتسوء المسلمين، وتؤذي مشاعرهم الإيمانية، وتُدخل الْحَزَنَ في قلوبهم، خاصة وأنها توقعات مبنية على شفا جرف هار من الظنون والخيالات، فأحرى بها أن تُنْبَذَ نَبْذَ النواة، ولا شك أن هذة الكتابات تُصَادِمُ سُنة النبي -ﷺ- في بعث الأمل في النفوس، فأين قوله -ﷺ-: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"، من ذلك الذي يدعي أن "الجفر" المزعوم؛ الذي يستمد منه كثيرا من دعاواه، يخبر بأن "الهيكل سَيُعَادُ بناؤه" (١).
وذاك الذي يحدد بالسنة والشهر واليوم موعد تفجير اليهود للمسجد الأقصى -صانه الله من كل سوء-، وأن الهيكلَ يُبْنَى على أفقاضه (٢)، وثالث يزعم أن الغربَ سيحتلُّ تركيا، ويسترجع القسطنطينية عام ١٩٩٩ م لمدة أشهر، ورابع يخالفه، ويقول: "بل يحتمل أن يرتد جميع الأتراك عن الإسلام، ويتنصرون، مما سيتطلب فتح القسطنطينية مرة أخرى" (٣)، وخامس يستدل بحديث منكر فيه: "أن الروم سيثبون على من بقي في بلادهم من العرب فيقتلونهم، حتى لا يبقى بأرض الروم عربي ولا عربية، ولا ولد عربي؛ إلا قُتل" (٤)، وسادس يقول: "فحصار العراق قد أعقبه حصار الشام (فلسطين)، وقد يمتد الحصار قريبا إلى سوريا ولبنان، والله أعلم" (٥).
_________________
(١) "المفاجاة" ص (٣١٦).
(٢) "أسرار الساعة" ص (١٣٤ - ١٣٦)، وانظر: "خُدعة هرمجدون" ص (٥٧ - ٦١).
(٣) انظر: "الحرب العالمية القادمة" ص (١٢٢).
(٤) "هرمجدون" ص (٧١).
(٥) "نفسه" ص (٢٥)، وراجع ص (٩٠).
[ ١١٧ ]
من رواد منهج "المطابقة" المزعوم
الرد على أبي الفيض الغماري في نبزه أهل التوحيد بنجد بوصف "القرنيين"
- ومن العبث بأشراط الساعة:
محاولة توظيف النصوص لخدمة مآربهم، والتعسف في تفسيرها بما يتوافق مع أغراضهم.
- ومنه: الغلو في محاولة مطابقة ما ورد في النصوص على وقائع وأحداث معينة، أو على أشخاص معينين رجمًا بالغيب.
ومن رواد هذا المنهج: "أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري" مؤلف كتاب "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية"؛ الذي تكلف فيه عند تطبيقه بعض أحاديث النبي -ﷺ- على المخترعات الحديثة وتنزيلها على وقائع هذا الزمان، وإن كان وُفِّق في بعضها (١)، على أنه شحن الكتاب بالأحاديث الضعيفة دون تنبيه على ضعفها، لمجرد أن متنها يوافق ما يرمي إليه من المطابقة المزعومة. ومع أنه يُلقب بالمحدِّث (٢) الحافظ؛ إلا أنه صوفي قبوري غالٍ، يبغي على الدعوة الوهابية السلفية التجديدية، وينبز أهلها "بالقَرْنيين" (٣)، ويجازف في رميهم بالعظائم (٤)، فالله طليبه، وهو حسيبه.
_________________
(١) مثل: كثرة الأمراض التي لم تكن معروفة، وتبرج النساء، وتقليد الكفار، ونحو ذلك.
(٢) انظر: ص (١٦٤).
(٣) فهو ينسبهم ظلما وعدوانا إلى "قرن الشيطان"، المذكور في الحديث عن نجد: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان" رواه البخاري، والصواب أن المقصود بنجد هنا بادية العراق ونواحيها، وانظر: الجواب المفصل عن هذه الشبهة في "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان" ص (٤٩٦ - ٥٠١)، و"دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" ص (١٨٥ - ١٩٢) و"العراق في أحاديث وآثار الفتن" للشيخ مشهور بن حسن (١/ ٣٣ - ٤٣)، وانظر: ص (٢٧٩)، وما بعدها.
(٤) كقوله: "واحتل القرنيون الحجاز، وهم أعداء أهل المدينة الشريفة لمجاورتهم سيد الخلق وأفضل الرسل صلوات الله وسلامه عليه، فتراهم يضيقون عليهم، =
[ ١١٨ ]
وقد ذكر الشيخ "مقبل بن هادي الوادعي" -رحمه الله تعالى- أن الشيخ حمودا التويجري -﵀- رد على كتاب الغماري المذكور بكتاب أسماه: "إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة" (١).
ومن تكلفه تفسيره حديث: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْدِّينِ ظَاهِرِينَ "الحديث، وفيه: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسٍ "؛ بأن هذا تحقق في المصريين مع الإنكليز والفرنسيين واليهود والأمريكان، وأن الحديث تحقق بالاتحاد بين مصر وسورية في (الجمهورية العربية المتحدة)، إلى أن قال: "وكل هذا آتٍ قريب، وهو يدل على قرب خروج الدجال اليهودي الأعور الكذاب، وعلى أن الأمة المصرية هي التي ستفوز بقتاله وقتال جنده اليهود لعنهم الله"، وذهب إلى أن الله تعالى "سيظهر لهم كرامة كلام الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر للمؤمن: يا عبد الله هذا كافر ورائي فتعال فاقتله، والمؤمن من جيش مصر والاتحاد العربي". اهـ (٢) بتصرف.
تنبيه:
وممن سلك مسلك الغماري المذكور في تكلف تأويل بعض النصوص -ولو كانت ضعيفة ولا تثبت- وتنزيلها على المكتشفات الحديثة:
_________________
(١) = ويعاملونهم بما يحملهم على مفارقتها، والخروجِ منها مرة أخرى لتخرب" اهـ. من "مطابقة الاختراعات العصرية" ص (١٢٧).
(٢) "الصحيح المسند من دلائل النبوة" ص (١١).
(٣) "مطابقة الاختراعات العصرية" ص (٥٤. ٥٥).
[ ١١٩ ]
- فضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري -حفظه الله- في رسالَتَيْهِ: "اللقطات في بعض ما ظهر للساعة من علامات"، و"الأحاديث النبوية الشريفة في أعاجيب المخترعات الحديثة"، وتعقبه فيهما الشيخ "حمود التويجري" -رحمه الله تعالى- في رسالته: "تنبيهات على رسالتين للشيخ أبي بكر الجزائري"، وبيَّن فيها ضعف معظم أحاديث الرسالتين المذكورتين، وردَّ ما حَوَتاه من التأويل المتعسف.
-وكذلك الدكتور "فاروق الدسوقي" الذي قال: "إن الذي أولجني (بهذا) الباب، ووضعني في مدينة هذا العلم هو فضيلة الشيخ العالم الحافظ أحمد بن الصديق الغماري وذلك بكتابه القيم الرائد السابق لعصره: "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية" فهو الرائد الأول في عصرنا في مجال علم مطابقة النصوص على الأحداث" (١).
_________________
(١) "القيامة الصغرى على الأبواب" (١/ ١٥)، وقد أثنى في نفس الموضع على "سعيد أيوب" صاحب كتاب "المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى"، و"محمد عيسى داود" صاحب كتابَي "احذروا المسيخ الدجال يغزو العالم من مثلث برمودا"، و"الخيوط الخفية" قائلًا: "فكل منهما رائد في مجاله، وبقية المكتوب عن المسيح الدجال حديثًا عالة عليهما، واقرارًا بالفضل لله تعالى، ثم لصاحبه أقول: إن المؤلفَيْنِ الفاضِلَيْنِ وبخاصة الثاني قد فتحا أمامي آفاقًا جديدة في علم أشراط الساعة بإزالة بعض علامات الاستفهام حول مطابقة بعض نصوص الوحي: قرآنا وسُنَة بالأحداث المعاصرة" اهـ (١/ ١٥)، وإن مما يؤسف له أن ينخدع هذا الفاضل صاحب "القضاء والقدر" رسالة الدكتوراة التي حصل بها على جائزة الملك فيصل، لمثل "محمد عيسى داود" الصائم عن علوم الشريعة، والذي يبرأ منه العلم الشرعي براءة الشمس من اللمس!
[ ١٢٠ ]
زعيم الخوارج الجدد "شكري مصطفى" وجماعة آخر الزمان
ومن رواد (الغلو) في المطابقة: -شكري أحمد مصطفى (١٩٤٢ - ١٩٧٨ م).
زعيم الخوارج الجدد، وإمام ما أسماه "جماعة المسلمين".
- كتب رسالة "التوسمات " وكان مما تضمنته: الكلام على واقع المسلمين، وواقع جماعة الحق -التي هي جماعتهم بزعمهم- وظهور المهدي.
ومما جاء فيها: ["النصوص تؤكد أن جماعة الحق اليوم أصبحت وشيكة، من الدجال ونزول عيسى ابن مريم، ونرجو الله أن نكون خَلَفًا من حوارييه ".
"وإشارات كبيرة تؤكد أننا سندرك عيسى ابن مريم، وأننا جماعة الحق التي تستحق الخلافة في الأرض على هدي النبوة، ونرجو الله أن يجد فينا خَلَفًا من حوارييه ".
" .. ونحن جماعة الحق في آخر الزمان تشملنا الآيتان: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، و﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ ". "فقد كلفهم الله -أي: جماعة آخر الزمان﷾- من الناحية القدرية التي يعلمها، والتي يريدها؛ بما لم يكلف به صحابة النبي -ﷺ-؛ حيث سوف يتم على يد جماعة آخر الزمان ظهورُ الإسلام على كافة الأديان والملل، ويُعبد الله لا يُشْرَكُ به شيئًا (١)، ولا يبقى بيت من وبر أو مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز
_________________
(١) الصواب: شيءٌ.
[ ١٢١ ]
أو بِذُلّ ذليل، ويتم الله قدره ونعمته على عباده، وينتصر هو ورسله وحزبه على العالمين، ويمكّن لهم في الأرض كما وعد بذلك "] اهـ (١)
"لهذا وغيره كان أعضاء هذه الجماعة يجزمون بأن قائدهم شكري هو مهدي هذه الأمة المنتظر، ولن تستطيع السلطة قتله، وسوف يذهب كل جهد تبذله في هذا السبيل أدراج الرياح؛ لأن الله -﷾- سوف يحفظه؛ ليجاهد اليهود والنصارى، ويرفع رايات النصر في كل صُقْع من أصقاع العالم الفسيح، ويُظهر الله به دينه على كافة الأديان والملل، ويمكِّن له في الأرض ما شاء أن يمكن.
وكان أعضاء الجماعة يؤكدون أنه لو تم إعدام قائدهم؛ لوجب عليهم إعادة النظر بتصورات ومفاهيم الجماعة " (٢).
_________________
(١) "الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو"، لمؤلفه محمد سرور زين العابدين، ص (٢١٥، ٢١٦).
(٢) "نفسه" ص (٢١٦)، وانظر ما يأتي هامش ص (٣٠٦ - ٣٠٩).
[ ١٢٢ ]
تعليق واستطراد
إن تعليق "وجوب إعادة النظر بتصورات ومفاهيم الجماعة" على "إعدام قائدهم" سوءة فكرية، وعورة منهجية خطيرة، ولماذا يأتي التصحيح دائمًا بعد فوات الأوان؟
ولا يتقون الشَرَّ حتى يصيبَهم ولا يعرفون الأمرَ إلا تدبرا
ولماذا لا نُخْضِع الفكر والمناهج للفحص والتفتيش ونحن ما زلنا في دار "الامتحان"؛ حيث توجد فرصة، بل فرص للمراجعة والتصحيح واستدراك الخطإ قبل الانتقال إلى دار "ظهور النتائج"!
وإلى متى ستظل الدعوة الإسلامية تدفع ثمن استبداد بعض فصائلها بالرأي في غيبة عن الرقابة العلمية الشرعية؟
إن هذا النمط العجيب من التفكير ليستدعي من الذاكرة قولَ إمام فتنةٍ من المتأولين: "إننا -والله- نعلم أن بين يدي الله موقفًا يسألنا فيه عن أعمالنا، ويحاسبنا عليها، ولكن نسأل الله -إن كان لنا هوى، أو مقصدنا لغير وجهه الكريم- أن يُخزيَنا، وُيبينَ باطلَنا على رءوس الأشهاد، وأن يفسد مساعينا، ولا يسددها". اهـ.
سبحان الله! "لقد حجَّرتَ واسعًا"، أليس اللسان الذي تلفظ بهذه الدعوة العديمة الفقه، هو نفس اللسان الذي كان يمكن أن يدعو بالعفو والعافية من الهوى، ويسأل الله الذي لا يُخَيِّبُ راجيَه، ولا يَرُدُّ داعيَه؛ أن يُريَه الحق حقًّا، ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا، ويرزقه اجتنابه؟! ولماذا نتأسى بالذين قال الله -﷿- فيهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ
[ ١٢٣ ]
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وننسى هَدْيَ مَن هديُه خير الهدى -ﷺ- الذي عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " سُبْحَانَ اللهِ لَا تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ - أَفَلَا قُلْتَ: اللهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُ، فَشَفَاهُ. (١).
الْعُجْبُ وَالاغتِرَارُ بالظُّنُونِ
ومع عبث هؤلاء القوم بأِشراط الساعة، وقولهم على الله بغير علم، نجدهم موقنين بهذه الأفكار، جازمين بها، حتى يقولَ أحدهم: "أستطيع أن أحلف -ولا أستثني- أن ملاحم آخر الزمان؛ والتي تبدأ بالحرب العالمية الثالثة والأخيرة "هرمجدون" -قد كشرت عن أنيابها، وشَمَّرت ساعديها، وكَشَفَتْ عن ساقيها" (٢)، ويشكو من أنه لم يسلم من
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٦٨٨) (٤/ ٢٠٦٨).
(٢) "هرمجدون" ص (٧)، وانظره: ص (١١٩)؛ حيث قال: "أحلف، ولا أسيثني أن أولى جولاتها بدأت بالفعل"، وقد دافع عن هذا "القَسَم" مستدلا بقَسَم بعض الصحابة على أن ابن صياد هو الدجال، فانظر: الرد عليه في "فتح الباري" (١٣/ ٣٢٥ - ٣٢٧)، و"كشف المكنون في الرد على كتاب هرمجدون" ص (١٠٧) وما بعدها.
[ ١٢٤ ]
"شَغْبِ الصبية (١) "، أي: معارضيه؛ فهم يستقصرون أفهام مخالفيهم، ويسخرون ممن لا يتقبل خرافاتِهِمْ، ويَشُكُّ فيها.
فهذا صاحب "أسرار الساعة" يصف المنكرين عليه بالمرجفين، والمتشككين، ويقول: "لقد كان الواقع المعاصر والمعاش شاهدَ إثباتٍ على صحة كل ما ورد في هذا الكتاب من روايات وأحاديث (٢)؛ ولهذا تمكنتُ بتوفيق الله من إزاحة الستار عن أكثر الأسرار خطورةً؛ إنها أسرار النهاية وقيام الساعة؛ لقد تفككت أمامي -وبكل سهولة- أكثر الرموز المستعصية في روايات الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لقد رأيت أمامي خيوط المؤامرة، وكشفتُ أبعادها السرية والعلنية؛ ولهذا سيجدُ القارئ في هذا الكتاب تحديدَ الزمان والمكان للملاحم، ويجد أسماء بعض قادة الفتن في آخر الزمان وزعماء آخرين، والجميع قادة سياسيون معاصرون، ولكن الرسول -ﷺ- قد وصفهم لنا (٣) " ! لخ.
ثم يُطْرِي كتابه قائلًا:
"ولا أريد أن أُطِيلَ، فهذا الكتاب بين أيديكم، وقد كفيتكم الرد عليه بأفصح لغة علمية، وهي لغة الأرقام، وبأقوى وأصدق المواعيد وهي التاريخ، وليس على المرجفين أو المتشككين إلا الانتظار لعدة شهور
_________________
(١) "هرمجدون" ص (٤٧).
(٢) مع أنها أحاديث، وروايات ضعيفة، أو موضوعة، أو لا أصل لها، أو إسرائيليات، أو شيعيات، أو كهانة، وتنجيم، واعتماد على حساب الحروف.
(٣) "أسرار الساعة" ص (١٥).
[ ١٢٥ ]
فقط (١)، وتظهر الحقيقة أمام الجميع، إما مع الكتاب أو ضده، فعليهم الصمت والترقب حتى لا يحرموا غيرهم من فائدة مرجوة قبل ظهور آية الدخان، أو يظهر الدَّجال في شخصيته المزعومة " (٢) اهـ.
ويحاول أحدهم أن يروج لأفكاره بالإشارة إلى "قرينة" وصفها بأنها "معتبرة عنده"، وهي أن رجلًا لا يعرفه أخبره أنه رأى رسول الله -ﷺ- في رؤيا يبتسم له، ويعطيه كتاب "عمر أمة الإسلام " (٣)، وذلك قبل صدور الكتاب بتسعين يومًا (٤).
ومن نماذج الاغترار بالظنون والخيالات، ما حكاه الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -حفظه الله- فقال: "في بلادنا واحد من هؤلاء، لا هَمَّ له في الآونة الأخيرة إلا تهيئة المُناخ لخروج (المهدي)، ويُقسِم في خُطَبه أيمانًا مغلَّظة أن خروجه سيكون قبل عشر سنوات، ثم نقصت المدة، وبدَّل اليمين بطلاق زوجته، ثم غيَّره إلى حلق شاربه، ولله في خلقه شئون" اهـ (٥).
_________________
(١) وقد انتظرنا أضعاف المدة التي استمهلنا إياها، وانكشف زيف أقواله، ولم يحدث من تنبؤاته شيء!
(٢) "نفسه" ص (١٦).
(٣) راجع: فصل "سلطان المنامات"، في كتابي "المهدي" ص (١٩٣ - ٢٣١)؟ لتقف على مدى حجية هذه القرينة، وانظر: "فتح الباري" (١٢/ ٤٠٤).
(٤) "هرمجدون"، ص (٥٦).
(٥) "العراق في أحاديث وآثار الفتن" هامش (١/ ٧٦٣).
[ ١٢٦ ]
ادعاؤه أن لديه "براءة اختراع" لأفكاره العجيبة
الفصل الثاني
وقفة مع الدجال المصري.
إن هذا الصحَافِي يتيه ويفتخر بأنه أول من "تشرف" باختراع بعض الهذيان المتعلق بالمسيح الدجال، والأطباق الطائرة (١)، ويثبت لنفسه أن لديه "براءة اختراع" (٢) هذه الأفكار، يقول "محمد عيسى داود" في جريدة "صوت آل البيت":
"لم يعرف العالم كله -بفضل الله- كاتبًا أو مفكرًا قال بنظرية وجود المسيخ الدجَّال في مثلث برمودة، وأنه صاحب الأطباق الطائرة سوى الكاتب الصحفي محمد عيسى داود " إلى أن يقول: "ومعلوم للقاصي والداني أنني بصفتي الكاتب محمد عيسى داود عضو نقابة الصحفيين، والمستشار الإعلامي لمؤسسة أمل الإعلامية، الصاحب الأوحد لفكرة أن المسيخ الدجَّال هو مخترع الأطباق الطائرة، وأن له قلعة بمثلث برمودة، ولا يوجد كاتب في كل الدنيا قال بذلك غيري، وقد تعدى "فلان " بسرقة نتائج أبحاثي، وانتحلها لنفسه، وذلك
_________________
(١) وقد تقدم بيان دعاواه مفصلة، ص (٦١ - ٧٩)، وكلامه عن الأطباق الطائرة ص (٧٣).
(٢) وقد انتقدت المؤسسة التي أسماها "المصرية السويسرية"، والتي تتبنى كتبه "قيام البعض بالسطو على فكرة مفكرنا الكبير دون إشارة إلى (الأولية)، أو (براءة الاختراع)، أو (الانفراد) اهـ. من "ما قبل الدمار" ص (٣٨).
[ ١٢٧ ]
قل لي: من يصفق لك أقل لك: من انت!
ثابت بكتابين له تم إبلاع النيابة العامة عنهما، وهي التي قامت بتحريك الدعوى ضده بتهمة السرقة الفكرية " (١) إلخ.
قل لي: من يصفق لكَ أقُلْ لك: من أنت! فمن صفق له (٢) الدكتور فاروق الدسوقي، وتخبطُه في أشراط الساعة مما عُرف واشتهر.
وممن صفق له صاحب "الثمر الداني في ذكر المهدي والقحطاني" (٣) الذي لقبه "بالأستاذ البحاثة"، ثم قال: "وإني لأتقدم بالشكر للأستاذ محمد عيسى داود على ما تضمنته كتبه من نفائس المخطوطات وأعجبها، كما أشكر فيه تواضعه الجم وأمانته العلمية في النقل " (٤).
وإن تعجب فعجب قوله: "أورد الأستاذ محمد عيسى داود في ثنايا ما أورد من مخطوطات أسماء صريحة قد يستغربها البعض، ويظنها موضوعة -ولا أظن الرجل ممن يكذب على الله ورسوله، وهو من آل البيت المحمدي- بل ويرد عليهم ما أورده "نوستراداموس" الفلكي العراف الفرنسي المشهور من أسماء صريحة مثل: هتلر، ونابليون، وغيرهما الكثير " (٥).
_________________
(١) عدد النصف الأول من نوفمبر ٢٠٠٠ م، الموافق شعبان ١٤٢١ هـ، ص (٥) وباستطلاع أعداد من الجريدة، يتضح أنها شيعية التوجه؟ حيث تنشر مقالات من مفهوم شيعي، بما في ذلك سب بعض الصحابة الكرام -﵃-، والترويج لمفاهيم رافضية منحرفة، وقد أوقف إصدارها مؤخرًا.
(٢) انظر نص عبارته: ص (٨٩).
(٣) راجع: ص (٦٥).
(٤) "الثمر الداني"، ص (١٠٣).
(٥) "نفسه" ص (١٠٨).
[ ١٢٨ ]
وممن صفق له: آلاف المعجبين بشطحاته: يقول: "يكفيني فخرًا مئات بل آلاف القراء الذين يؤازرونني لعلمهم بالحقيقة، ويكفيني فخرًا شهادة الدكتور فاروق الدسوقي، الذي شهد لي بأني رائد هذا المجال، وصاحب الفكرة، ومن عداي عالة عليَّ من الهواة والمقلدين" (١) اهـ بتصرف.
وهو هو الذي وصف من يرفضون "اختراعاته" بأنهم "الأغبياء والضالون" (٢).
وفي مقدمة كتابه "الخيوط الخفية" يقول بعد ما ذكر أن كتابه "احذروا المسيخ الدجال" أثار ضجة كبرى، وأنه استقبل مئات الخطابات: "وأحمد الله -﷿- أنه لم يأتني خطاب واحد فيه إنكار لما أوردت من معلومات إلَّا خطابان (!) من مئات الخطابات، وأعذر صاحبيهما لقصور الفكر والتفكير" (٣).
ووصف أحد منتقديه بأنه: "يتهجم بسوء أدبٍ على مفكر مرموق" (٤).
ويصف كتبه بأنها: "أعلى توزيع لكتب في الدنيا" (٥).
ويصف نفسه بأنه: "واحد من ندرة امتلكوا ملكة التحليل الدقيق هبة من الله وصقلًا لها بجهد" (٦).
_________________
(١) "صوت آل البيت" عدد شعبان ١٤٢١ هـ.
(٢) "احذروا" ص (١٤٢).
(٣) "الخيوط الخفية" ص (٩).
(٤) "ما قبل الدمار" ص (١٢٩).
(٥) "نفسه" ص (١٣٧).
(٦) "نفسه" ص (١٣٨).
[ ١٢٩ ]
ويقول: "كان كتاباي "احذروا المسيخ الدجال"، و"الخيوط الخفية" هما أول بحثين على مستوى العالم يقدمان للبشرية جمعاء هذه الحقائق مدعومة بأدلتها العلمية والعقلية والمنطقية والدينية" (١)
_________________
(١) "نفسه" ص (٤٦).
[ ١٣٠ ]
خدعوه فقالوا
سرد "السندباد المصري" قائمة من المعجبين بكتبه وأفكاره، وهاك بعضَ أقواله:
- أما الأستاذ الدكتور عبد الخبير عطا أستاذ العلوم السياسية فاعتبرها "مراجع لطلبة الماجستير، والدكتوراة".
- والصديق السفير الدكتور عبد المنعم جبريل يرى "أن العالم الإسلامي لم يرَ من مائة عام كتبًا بأهمية كتبي".
- أما اللواء الطيار المقاتل أنور أبو خطوة، فقال: "إنني أبصم بأصابعي العشرة على دقة وخطورة ما جئت به في كتبك، ويا ليتنا نفهم".
- أما الأستاذ المفكر حسن جميعي فقال: "كتاباك (احذروا)، و(الخيوط) يزنان أعظم ثقلًا (!) من مكتبتي العامرة التي جمعتها على مدى أربعين عامًا" (١).
- كتاباي قال فيهما الناشر الأستاذ أحمد يحيى: "هما كتابا القرن".
- وقال سفراء ووزراء وكبار ومثقفون: "حرام ألا تعطيك مصرُ -وَدَعْكَ من أمة النائمين- جائزتها التقديرية"، وكان ردي: "لم أكتب لجائزة، إنما كتبت حبُّا في ديني وأمتي الإسلامية، وبلدي مصر والمصريين، وتحذيرًا من خطر بصَّرَني الله به" (٢).
_________________
(١) "ما قبل الدمار" ص (٧٦).
(٢) "نفسه" ص (١٢٩) وانما أوردت هذه النقول؛ لندرك حجم الكارثة، ومدى كثافة الأمية الدينية!.
[ ١٣١ ]
وبعد أن ذكر جملة من المنبهرين بفكره، والمعجبين بكتبه؛ قال: "بعد هؤلاء الأعلام لا آبه بالحشرات والطَّغام بَلْهَ اللئام (١)، يقصد منتقديه. أما هؤلاء المعجبون به، الْمُثْنُونَ عليه، وعلى "فكره"؛ فمرحبًا بهم إذا تكلم كل في تخصصه، لكن أين هم من "أهل الذكر"؟ وهل فيهم فقيه، أو محدث، أو أصولي، أو مفسر؟!
انْعِدَامُ التّوْثِيقِ الْعِلْمِيِّ
ومن مظاهر ذلك:
تلك الكتب التي صنفها "محمد عيسى داود" وملأها بالخرافات والهذاءات، وشحنها بالروايات المكذوبة، وجهر في صراحة يُحْسَد عليها بميوله الشيعية (٢)، واعتماده على مصادر الشيعة المزعومة؛
_________________
(١) "أسرار الهاء في الجفر" ص (١٣١).
(٢) انظر نماذج من غلوه في علي -﵁-، وآل البيت -﵃- في: كتابه "المفاجأة"، ص (٣٢ - ٥٦)، وتأمل قوله تحت عنوان: (إهداء كبير جدا، لكبير جدا) في مقدمة كتابه "ما قبل الدمار" ص (٨): "إلى رجل مصمر .. الملقب في النبوءات الكريمة ب (صاحب مصر) .. صاحب المعالي والفخامة (م/ ح ). سليل المجد السامق ابن بيت النبوة العسكري، ذو (!) البأس الفولاذي .. الدبلوماسي الصدوق .. ". إلى أن قال: "وفي جفر الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه جدنا وجد المؤمنين: إن صاحب مصر مكتوب له النصر، وممنوع من الغدر" إلخ. ويبدو أن (م/ ح - العسكري) هو مهدي الرافضة الموهوم محمد بن الحسن العسكري، فإن صح هذا؟ فلست أدري لِمَ هذا (التلغيز) في إسمه؟!.
[ ١٣٢ ]
كالجفر، وغيره، ثم مارس الدجل "العلمي" - إن جاز التعبير- بإيهام القراء بأن هناك مخطوطات "بالجملة" هي مصدر معلوماته، ثم يحكي عن مصادره "الموثوقة"، -في زعمه، وهي أحوج شيء إلى التوثيق- أمورا يحتاج من يصدقها إلى أن يكون غبيَّا بدرجة كافية حتى تنطلي عليه.
يا نعايا "البحث العلمي"
أقيموا عليه ماتما وعويلا!
يقول -مثلًا- تحت عنوان "نقطة على حرف" بعد أن أورد كثيرا من خيالاته (١) حول "المسيح الدجال":
"قد يسأل القارئ الحبيب: وكيف اهتديت إلى كل هذه المعلومات بلا مصادر؟!
وأقول: بل هناك مصادر، ولكن القاعدة الذهبية معروفة لكل خبير وسائل: لا يُسأل الكاتب وُالمفكرُ عن مصادره، فقد يكون الضر في ذكرها أبلغ من النفع، وسد الذرائع (؟!!) مقدم على جلب المنافع".
ثم أخطر الأمور وأقوى المصادر-التي لا قبلها ولا بعدها- استفتاء الله -﷿-، والتضرع إليه جلَّ في علاه؛ للإجابة وبيان ما خفي من الأمور، ثم الأخذ بالأسباب كما أخذ ذو القرنين بسياحته في أرض الله، والأخذ بمفاتيح العلوم، وأعلاها أسماء الله -﷿- الحسنى،
_________________
(١) انظرها: ص (٦١ - ٧٢).
[ ١٣٣ ]
والاجتهاد في "القراءة الواعية"، ثم "استقراء الأحداث"، و"رفع درجات حدة الحدس والاستبصار"، ثم "التقدير"، وتحليل الأحداث تحليلًا دقيقًا، واستبطان المعلومات، ومحاولة سبر غورها "بالتأمل"، وفتح المغاليق بالمفتاح القرآني العظيم الذي أوصى به رب العزة -﷿-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وحبذا بعض المغامرات بيقين التوفيق من الله -﷿-، وعقيدة أن الآجال لا يملكها أحد سوى الله -﷿-، وأن الأقلام رفعت، والأحبار جفت، والصحف طُويت، والمقادير تمت ثم ما أحلى الخلوة مع الفكرة!!.
وهي ليست حالات من السلبية المطلقة كما يتوهم السذج!! إنها عناصر إيجابية جدًّا وخلَّاقة بالنسبة للمفكر إنها "فعل وحركة" و"انطلاقات إلى عوالم أخرى" يرد منها المرء بفكر وعلم ووعي جديد.
وهي "جهاز استقبال لخواطر" يمكن أن يقف أمامها التحليل العلمي والفلسفة عاجِزَيْنِ ..
وكثير من "فكري" "ومضات من البرق" و"استنارات وإلهامات فجائية" إن لم أتداركها بالتسجيل، أو التدوين تصبح بَدَدًا بلا بقاء!! (١) اهـ.
_________________
(١) "ما قبل الدمار" ص (٥٦٩ - ٥٧٠)، "احذروا المسيخ الدجال يغزو العالم من مثلث برمودة "، ص (١٨٣).
[ ١٣٤ ]
ويقول في سياق التسويغ لمنهج "حاطب الليل":
وأنا مع القاعدة التي تقول: "لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، ومع هذا فإنني أيضًا مع أي أثر أو حكمة ليس لها إسناد، وروايتها هي عهدة على من نقلنا عنه، باعتبار أن "لنا فائدة الحكمة، وعليه تبعة الرواية أو الكتابة" (١) اهـ.
ويتكلم "السندباد المصري" ناعيًا على الذين يقتصرون على الاستدلال بالأخبار المسندة، ويتحرون الصحة فيها، وكأن ما يفعلون "تحصيل حاصل"، أما هو فكأنه تمثل قول القائل: "ما للناس لا يتبعوني؟ .. ما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره" (٢)، فمن ثم قال: "ولو أني اعتمدت مبدأ ألا أكتب إلَّا ما له إسناد، وتم توثيقه من قبل؛ فظني أني أحرث في أرض محروثة، إلَّا أن يكشف الله -﷿- لي بعض أزهار أو ثمار لم يبصرها الراءون قبلي، فهنالك يكون تمام جدي وسعدي" (٣) اهـ.
وإني وإن كنت الأخيرَ زمانه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ
_________________
(١) "الجفر" ص (١٢٨، ١٢٩)، وهذا تسطيح للقضية؟ حيث إن استدلاله بهذه "الحِكَم" والآثار يشمل -ولا شك- أخبار المستقبل الغيبية التي لا تتلقى إلا من الوحي المحفوظ، وانظر: ص (١٥٧ - ١٦٦).
(٢) اقتباس من أثر صحيح موقوت على معاذ -﵁-، رواه أبو داود (٤/ ٢٠٢)، والآجري في "الشريعة" (٤٧، ٤٨)، والحاكم (٤/ ٤٦٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٣٢، ٢٣٣)، والفريابي في "صفة النفاق" رقم (٤١).
(٣) "أسرار الهاء في الجفر" ص (١٢٩).
[ ١٣٥ ]
هوس المخطوطات
يتشدق "محمد عيسى دا ود"، باستناده إلى مخطوطات نادرة (١)، انفرد بالاطلاع عليها دون سائر خلق الله، ولا يمكن لغيره أن يحصل عليها، أو يطالبه بإثبات وجودها في الحقيقة، وهاك بعضَ تصريحاته:
١ - وفي بقايا مخطوط نادر يحوزه أحد الأثرياء العرب المقيمون (؟!) دائمًا في ألمانيا -وقد طالعت بعض فقراته- لرسالة قصيرة اسمها "الشرر في خبر شر البشر" لعالم مسلم اسمه (الكامل بن ريح البر) من علماء القرن الخامس الهجري، كان يقطن ببغداد، وله مؤلفات عدة حازها التتار وملوك الغرب .. (٢).
ثم لا يفوته أن يؤكد: "أن صاحب هذا المخطوط يرفض حتى مجرد تصويره" (٣).
٢ - (هذه الرواية سمعتها من عالم من أرض "اليمن السعيد" اسمه حيدر بن عبد الله بن سلام بن شاري، يمتلك مخطوطات رهيبة، يقول: إنها تعود إلى مئات السنين، بل منها ما يعود في أصوله إلى (٧٠٠) عام قبل ميلاد المسيح ﵇، وهو لا يُطلع عليها أحدًا إلَّا خاصة
_________________
(١) "المفاجأة" ص (٣٠٥، ٦٤٤)، وقد قال القاري في "المشرب الوردي في مذهب المهدي": "وقد صرح الإمام ابن الهمام بعدم جواز النقل من غير الكتب المتداولة؛ سواء العلوم الأصلية، والفرعية"، نقله عنه في "خواطر دينية" (٢/ ١٩).
(٢) "الخيوط الخفية" ص (٩٨).
(٣) "نفسه" ص (٩٩).
[ ١٣٦ ]
[لخاصة، وهو من سكان (ريدة) المليئة بيهود اليمن، وهو لا يزال على
] قيد الحياة، ويبلغ المائة وعشر سنوات (١).
وبعد ما ذكر أن أسرة الدجال كانت تعبد وثنا على صورة البقرة، وأن أم الدجال مولدة من زنا المحارم، من زوجها المولد من زنا المحارم، وأنه من مواليد الحيض، وأن الشيطان جامع أمه مع أبيه إلى آخر خيالاته، ثم يتبجح بقوله:
٣ - "إن هذا الكلام لا أقوله من عنديات نفسي إنه مذكور- في نقوش ومخطوطات صخرية في بلدة "إربد" بالأردن، ومع الزمن سُرقت النقوش والصخور الأثرية التي عليها هذه المدونات وغيرها، ولا يعلم أحد أين اختفت أوذُهب بها!! لكن بقيت الرواية في أذهان بعض العلماء الذين تواتروها عن أجدادهم بالشام، وأنها كانت معروفة في أزمنة السابقين- حكايةُ ولدٍ جاء بعد ثلاثين سنة زواجا بلا إنجاب، وتواتروا أنه كان "معيب العينين" منذ الميلاد
ولأن ولدها -أي: أم المسيح الدجال- لا يرضع منها أصيبت باحتباس اللبن مما سبب لها حالة من التسمم! ماتت على إثرها" (٢).
وتحت عنوان: "عندما تكلمت المخطوطات" يقول:
٤ - ومن عدة مخطوطات من أثمن وأندر ما يكون على وجه الأرض يمتلكها أحد العلماء بالقدس الشريف يمكن أن نواصل الرحلة عبر الماضي حتى نصل إلى الحاضر.
_________________
(١) "نفسه" ص (٣٢).
(٢) "الخيوط الخفية" ص (٢٧).
[ ١٣٧ ]
ثم طفق يروي: "كيف كان جبريل يتردد على الطفل (الدجال) وهو في تلك الجزيرة " (١)، ثم قال:
"كل ما كتبته في الفقرة الآنفة بعنوان: "عندما تكلمت المخطوطات" هو من خلاصة عدة مخطوطات أثرية وجدت بسرداب تحت أرض مزارعين فلسطينيين، مدونة باللغة الآرامية القديمة من قبل مبعث موسى ﵇، بحوالي أربعة قرون، وهي -والله أعلم- على ما يبدو أنها مما أملاه (إبراهيم) ﵇، في وادي القدس ودوَّنَ المخطوطات على ورق كورق البردي رجل ذُكِر أن اسمه "آزاد بن حارم بن صافور" حضر نبي الله إبراهيم ﵇، وسأله في فتنة "الرجل الدجال الخطير" (٢).
٥ - "وهذه المخطوطات توارثها أحفاد الرجل، وكانوا يعيدون كتابتها بالآرامية حتى زمان المسيح ﵇، فأخفاها أحفاد الأحفاد، وسألوا المسيح ﵇ عما أخبر به إبراهيم ﵇، فأكد لهم الخبر.
وشاء الله -﷿- أن يعثر مزارع فلسطيني على هذه المخطوطات والبرديات، فسلَّمها لعالم فلسطيني جليل بالقدس، أعلمنا بما فيها بعد ما فك طلاسمها وعباراتها؛ لأنه متخصص في النقوش الآرامية القديمة وعدة لغات ميتة، ولا يزال يحتفظ بها في سرداب بمنزله القديم
_________________
(١) "نفسه" ص (٣٣).
(٢) "نفسه" ص (٣٨).
[ ١٣٨ ]
بالقدس، وكنيته (أبو باسل عز الدين نور) للتوقي والتخفي، أما اسمه الحقيقي، وكنيته الحقيقية فالله وحده يعلم ذلك" (١).
وفي كتابه "الجفر" يتحدث عن مخطوط عجيب، عبارة عن مجموعة وريقات بدار الوثائق بأنقرة بتركيا كان معنونا ب (٣٦٦٤/ تراث المدينة) لعالم مجهول يقال: إنه كان في القرن ٣ هـ ويذكر أنه ائتمنه على النقل منه (أحد العلماء الذين عاهدتهم على كتمان اسمه) (٢).
ومن الواضح أنه -بعدم إثبات صورة واحدة الأي من مخطوطاته الموهومة، وقطعه الإسناد إليها- يريد أن يقول: "لا تسألوا شاهدًا على وجودها غيري"!
وفي كتابه "المهدي المنتظر على الأبواب" أطلق لخياله العنان، وأخذ يختلق قصصًا خرافية مملَّة تتعلق بمخطوطاته الموهومة، ويحكي مغامراته أو مغامرات أبطال القصص أثناء محاولتهم الحصول عليها (٣)، ولما شعر أنه أسرف في الكذب والدجل إذا به يردد مقولته التي لا يمل من تكرارها:
"هذه الأحداث نبوءات ليست من تأليفي، إنها واردة في المخطوطات العربية والإسلامية لدى شرق وغرب" (٤).
_________________
(١) "نفسه" ص (٣٨، ٣٩).
(٢) "أسرار الهاء في الجفر" ص (١١٦).
(٣) انظر نماذج منها في: "المهدي المنتظر على الأبواب" ص (٥٨، ٧٧، ١٥٣، ١٨٣،٢٠٦).
(٤) "المهدي المنتظر على الأبواب" ص (٧١).
[ ١٣٩ ]
ويتمادى في الحديث عن مخطوطاته النادرة:
فهذا مخطوط "مخبأ بمكتبة بابا الفاتيكان" (١)، وهذا من طبيب تركي (د. ك. ع. ب) (٢)، وذاك (مخطوط بإحدى الجامعات الكندية) (٣). وهذا مخطوط ينسبه إلى الإمام أحمد: "رسالة آخر الزمان في خبر المهدي والدجال" (٤)، أما مخطوط "الدنيا كلها للمهدي-بمكتبة طهران العامة" فينسبه إلى جعفر الصادق -رحمه الله تعالى- (٥)، وينسب إلى "كاهن أرض الجزيرة" مخطوطًا بمكتبة أغادير العامة بالمغرب (٦).
ويدَّعي "السندباد المصري" أن مستشرقًا فرنسيا أطلعه على مخطوط لرجل يُسمَّى "ابن حرشل الرومي" اليهودي، ونقل عنه خماسيتين، ثم سداسية يصفها بأنها "قنبلة ومفاجأة" (٧)، ويدَّعي فيها أن "ابن حرشل" نقل هذا الكلام عن "بارش بن حامس" حاضر موسى، وكليم الرب معه. (٨)
ويحاول "السندباد" تعجيز منتقديه، فيتحداهم أن يعرف واحد منهم مجرد أسماء الأعلام الذين لا يعرفهم غيره مثل: "ابن عقدة"،
_________________
(١) "المفا جأة" ص (٢٠٩).
(٢) "نفسه" ص (٢٤٣).
(٣) "نفسه" ص (٣٧٩).
(٤) "المهدي المنتظر على الأبواب" ص (٧٠).
(٥) "نفسه" ص (٢٧٤).
(٦) "نفسه" ص (٦٢).
(٧) انظر: "الخيوط الخفية" ص (٢١٢ - ٢١٥).
(٨) "نفسه" ص (٢١٤، ٢١٥).
[ ١٤٠ ]
أو "الجوالبي"، أو "فستقة"، أو "البرهان السقا"، أو "الوولاتي"، أو "ابن أركماش"، أو "ابن كيكلدي"، أو "الرما دي" (١) ولا يدري صاحبنا أن إتيانه بالمزيد من الغرائب سوف يزيد وحشته، ويضاعف غربته بين العلماء.
والجاهلون لأهل العلم أعداء
لأنهم الذين يكشفون أهل البدع، ويفضحون أكاذيبهم، ويفندون دجلهم، ومن هنا تطاول "السندباد" على قمم سامقة، وجبال شامخة لحاجة في نفسه، فتراه يُعرِّض بوصف الشيخين (البخاري ومسلم) بالجبن؛ لأنهما في زعمه "أهملا الرواية عن آل البيت المحمدي الشريف" (٢)، يقول -عامله الله بما يستحقه-:
_________________
(١) "أسرار الهاء في الجفر" ص (١٣٥، ١٣٦)، ويطيب لي أن أسأله: وهل تعرف أنت "أبا لمعة المصري"؟!
(٢) بفرض صحة هذا الزعم؟ فإن عدم الرواية عن شخص لا يستلزم تجريحه أو انتقاصه، وكم من إمام جليل لم يرو له البخاري لا لشيء إلَّا لأنه ما قصد استيعاب الصحيح، ولعل تصنيف المستدركات أدل دليل على هذا، وكيف يزعم هذا الظالم لنفسه أن البخاري ومسلمًا أهملا الرواية عن أهل البيت؟ وكتاباهما حافلان بالرواية عن علي -﵁-، وأزواج النبي -ﷺ- ورضي الله عنهن، وكذا عن أناس من آل جعفر، وآل علي، وآل العباس، وآل عقيل، فإن أهل بيت النبي -ﷺ- زوجاته، وقرابته الذين تحرم عليهم الصدقة من المذكورين آنفًا، أما الرافضة فقد حصروا أهل بيت النبوة في علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، -﵃-، وأضافوا لهم أئمتهم الثمانية، وأخرجوا منهم كل من سواهم، ثم أخرجوا أولاد عليِّ غير الحسنين من أهل البيت: كمحمد ابن الحنفية، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، والعباس، وجعفر، =
[ ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعبد الله، وعبيد الله، ويحيى، وكذا أولادهم الذكور الاثني عشر، ومن البنات ثماني عشرة ابنة، كما أخرجوا من آل البيت بنات فاطمة -﵂-: زينب، وأم كلثوم، وأولادهما من آل البيت، وأخرجوا أولاد الحسن بن علي منهم، وكذا أخرجوا من أولاد الحسين من لا ينهج منهجهم، وأخرجوا بنات النبي -ﷺ- الثلاث غير فاطمة، وكذا أزواجهن، وأولادهن، وانظر: "الشيعة وأهل البيت" للشيخ إحسان إلهي ظهير -رحمه الله تعالى- ص (١٣ - ٢٠). وما أحسن ما قال الدكتور ناصر بن عبد الله القفاري -حفظه الله- وهو يدحض دعوى الرافضة أن أهل السنة لا يتلقون عن أهل البيت: [مثلًا: "زيد بن علي بن الحسين" وهو من خيار أهل البيت: نجد في كتب الرجال عند أهل السنة توثيقه والثناء عليه وقبول ما صح عنه، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه (*). أما في كتب الشيعة ففي "الاستبصار" للطوسي (والطوسي شيخ الشيعة على الإطلاق، وصاحب كتابين من أُصولهم الأربعة، وكتابين من كتب "الرجال" الأربعة عندهم (في كتاب "الاستبصار" يصرح الطوسي برد مرويات زيد بن علي -مرارًا-. فمن يتلقى عن آل البيت حقيقة؟ هل هو مَن إذا روى عن بعض أهل البيت أحاديث لا توافق مذهبه ردَّها بدعوى التقية، في حين يقبل روايات الكليني والقمي وغيرهما في الطعن في كتاب الله وصحابة رسوله وأهل بيته؛ لأنها تتفق مع تعصبه وشذوذه؟! ومن هم أهل البيت عند الشيعة؟ إن لكل طائفة من طوائف الشيعة تفسيرًا خاصَّا لأهل البيت يختلف من طائفة لأُخرى حول عدد أهل البيت وأعيانهم. والرافضة تخالف أهل البيت في عامة أُصولهم، فليس في أَئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق مَن يقول بالنص على علي، أو بعصمة الأئمة الاثني عشر، أو يسب أبا بكر وعمر، أو ينكر الرؤية، أو يقول بخلق القرآن، أو ينكر القدر، والمنقولات الثابتة المتواترة عن هؤلاء معروفة موجودة، وكانت مما يعتمد عليه أهل السنة (**). = (*) انظر مثلا: "تقريب التهذيب" (١/ ٢٧٦)، و: "الخلاصة" للخزرجي، ص (١٢٩)، و"الكاشف" (١/ ٣٤١). (**) "منهاج السنة" (٢/ ٢٢٨).
[ ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فهم مخالفون لأئمة أهل بيت رسول الله -ﷺ- في أصول دينهم، كما هم مخالفون لأصحابه، بل ولكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- (*). حقيقة أن أهل السنة لا يقبلون روايات الروافض المشهورين بالكذب عن أهل البيت (**). وهذا -كما هو حفظ للسنة وتوثيق لها- هو صون لأهل البيت مما ألصقه بهم أعداء الإسلام. وهذا "الرافضي" يريد بدعوة أهل السنة إلى الرجوع للأخذ من أهل البيت؛ لأنه لا يقنعه منهج أهل السنة في تلقي ما صح عن أئمة العلم والدين من أهل البيت -إنه يريد منهم أن يتعبدوا بحكايات الرقاع التي يزعمون أنها صدرت عن إمامهم المنتظر، والذي لم يولد أصلا، يريد منهم أن يستقوا دينهم من "الكافي" للكليني وهو يطعن في كتاب الله ويحرف آياته، ويكفر صحابة رسول الله -صلى الله علبه وسلم-؛ أي: يريد أن يتلقوا دينهم عمن يسعى في هدمه وتغييره. وهو يريد منهم أن يرجعوا لما يجمعه الروافض من "نصوص" ينسبونها كذبا لأهل البيت في الإمامة والعصمة والتقية والرجعة والغيبة والبداء، وإلا فإن أهل السنة عندهم يتحملون كبر الفرقة والتباعد. ولهذا رأينا بعض "آياتهم" وشيوخهم يجعلون من شرط التقارب أن يوافق أهل السنة على سب صحابة رسول الله ﷺ ()، أي: يوافق أهل السنة على القدح في صحابته، وبالتالي يرجعون لمدونات الروافض. وقد لاحظنا أن معظم أئمة أهل البيت من غير الاثني عشر يتعرضون في كتب الشيعة للسب والطعن والتكفير، كما مر الإشارة لذلك. فمَن الذي يتولى أهل البيت؟ ومَن الذي لا يتولاهم؟ ومَن الذي يقبل مروياتهم؟ ومن الذي يُعرض عنها؟ ومن الذي يطعن فيهم بقبول مرويات الكذبة عليهم؟ ومن الذي = (*) "منهاج السنة" (٢/ ١٨٠) تحقيق: د. محمد رشاد سالم (**) راجع الصفحات (١٦٧ - ١٧٦). () مثل: آيتهم محمد الخالصي، ومثل شيخهم مرتضي الرضوي.
[ ١٤٣ ]
"ولا أعذر البخاري ومسلمًا إلَّا ليقيني بأن الظروف السياسية القائمة آنئذٍ كان يمكن أن تطيح برأسيهما، فلا يصل شيء منهما أصلًا، وهو العذر الوحيد المقبول؛ لأنه يجوز أن يكون المؤمن جبانًا (١)، ولكن لا
_________________
(١) = يصونهم ويرد هاتيك المرويات؟ ومن الذي لا يعتبر من أهل البيت غير الاثني عشر ويطعن في غالب أهل البيت من غيرهم؟! ولا شك أن من تأمل ما نقلناه من نصوص الروافض يدرك أنهم أعداء لأهل البيت والصحابة، وإنما اتخذوا شعار التشيع لأهل البيت لترويج باطلهم] اهـ (*).
(٢) هذه "شِنْشنة نعرفها من أخزم" فإن رمي المحدثين بالجبن والخوف، ومداهنة الحكام ما هو إلَّا رَجْع صدى كلام المستشرقين، وبخاصة صنمهم اليهودي المتعصب الحاقد "جولد تسيهر" وأذنابهم من بني جلدتنا الذين يتكلمون بألسنتنا، ويقصدون بذلك التشكيك في حَمَلَةِ السنة للتوصل بذلك إلى هدم الشريعة الشريفة. إن الأمر لا يرجع إلى خوف أو شجاعة، وإنما إلى شروط التزمها المحدثون ولم يحيدوا عنها، فمنهم متشدد في شروطه كالشيخين، ومنهم دون ذلك، فمِن ثَمَّ رأينا الإمام أحمد قد خرَّج في فضائل بني أمية أكثر مما خرَّج الشيخان في "صحيحيهما". وقد أخرج الشيخان في فضائل علي -﵁- وآل بيته أحاديث عدة أكثر مما أخرجاه في فضائل العباس وابنه عبد الله -﵄-، وخلفاء بني العباس كانوا يعتبرون العلويين مناوئين لهم، فلو كان مبنى الأمر على الخوف والمداهنة للعباسيين لما ذكرا في صحيحيهما شميئا من ذلك. وفي كتب أهل السنة مرويات عن أمير المؤمنين علي - ضي الله عنه- أكثر مما يروى عن أبي بكر وعثمان وبقية العشرة عدا عمر فإن مروياته قريبة من مرويات علي -﵃-، وعن سائر الصحابة أجمعين، ثم إن الخلفاء والأمراء عامتهم كانوا على دين، وخلق، وتعظيم للشرع الشريف، ولا يُظَن بهم أنهم كانوا يرضون الكذب على رسول الله -ﷺ- لأجل مداهنتهم، والحوادث في هذا كثيرة شهيرة، ولو قُدِّر أن أحدهم تورط في ذلك -معاذ الله- لتصدى له المسلمون علماؤهم وعامتهم، ووقفوا له بالمرصاد، وقد حفل التاريخ بكثير من المواقف المشرقة ذبَّا عن السنة، وإنكارًا على من حاد عنها من الأمراء والحكام. (*) "مسالة التقريب بين أهل السنة والشيعة" (٢/ ١٣٨ - ١٤١).
[ ١٤٤ ]
تطاول "السندباد المصري" على البخاري، ومسلم، وابن تيمية، والرد عليه
يجوز أن يكون كذابًا) (١) اهـ.
ويتمادى في عدوانه حتى ينالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، فيقول: "ابن تيمية الذي يحبه هؤلاء القوم الذين ألسنتهم أطول من أجسادهم، ومعلوم أن ابن تيمية أحد عشاق يزيد بن معاوية، وأحد مبغضي سيدنا الحسين (٢)، يقول في تفسير سورة النور: "إنه وقف على ما شاء الله من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مائة تفسير" (٣)، وأنا
_________________
(١) "أسرار الهاء في الجفر" ص (١٣٣).
(٢) وهذا كذب صراح، فإنه سئل ﵀: "ما تقولون في يزيد؟ " فقال ﵀: "لا نَسُبُّه، ولا نُحِبُّه، فإنه لم يكن رجلا صالحًا فنحبه، ونحن لا نسب أحدًا من المسلمين بعينه"، فقيل له: "أفلا تلعنونه؟ أما كان ظالمًا؟ أما قتل الحسين؟! " فقال شيخ الإسلام: "نحن إذا ذُكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله؛ نقول كما قال الله في القرآن: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، ولا نحب أن نلعن أحدًا بعينه؛ وقد لعنه قوم من العلماء؛ وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحبُّ إلينا وأحسن. وأما من قتل "الحسين" أو أعان على قتله، أو رضي بذلك: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه صرفًا ولا عَدلًا" اهـ. من "مجموع الفتاوى" (٤/ ٤٨٧، ٤٨٨)، وانظره: (٤/ ٥١١، ٥١٢)، و"منهاج السنة النبوية" (١/ ٣٢١ - ٣٣٠).
(٣) ومن المعلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كان له اختصاص وتعلق بعلم التفسير، حتى قال وهو يحكي عن شغفه، واهتمامه بهذا الفن الشريف: "ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: (يا معلم آدم إبراهيم علمني)، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرغ وجهي في التراب، وأقول: (يا معلم إبراهيم! فهِّمني) " اهـ. من "العقود الدرية" ص (٦٢). وقال الحافظ الذهبي، وهو يترجم لشيخ الإسلام: "وأما التفسير فمُسَلَّم إليه ولفرط إمامته في التفسير، وعظمة اطلاعه، يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين، وُيوهي أقوالًا عديدة" اهـ، وقال فيه الإمام ابن سيد الناس اليعمري: "إن تكلم في التفسير؛ فهو حامل رايته" اهـ.
[ ١٤٥ ]
أرجو أن يُحْصُوا لي أسماء٧٠ تفسيرًا، لا ١٠٠ كما قال ابن تيمية، فإما الرجل كذاب (١)، وإما هناك ١٠٠ تفسير، ولكن لم يصلنا الكثير" (٢) اهـ.
_________________
(١) = ومِن ثَم لُقِّبَ ب "ترجمان القرآن" ونودي إثر وفاته من منابر جامع دمشق: "الصلاة على ترجمان القرآن"، وذكر الحافظ ابن رجب أنه صُلي عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون أنه نودي بأقصى الصين عليه يوم جمعة: "الصلاة على ترجمان القرآن" اهـ، انظر: "بحوث الندوة العالمية عن شيخ الإسلام ابن تيمية وأعماله الخالدة" ص (٢٣٥ - ٢٦٠).
(٢) ولا أجد تعليقا على هذا الباغي على أئمة الإسلام ورموزه سوى أن أتمثل قول رسول الله -ﷺ- في ابن صياد: "اخسأ! فلن تعدو قدرك"، ولعله لو نهل من علم أبن تيمية لعرف قدره، وحفظ حرمته، وأشفق على نفسه أن يناله قولُ الله تعالى في الحديث القدسي: "من عادى لي وليًا، فقد آذنتُه بالحرب" الحديث، وما أصدق قول أمير البررة، وقتيل الفجرة، ذي النورين عثمان بن عفان -﵁-؟ "واحفظ لكلِّ منزلتَه، وأعطهم جميعَا بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها يُصاب العدل"، وقول الإمام الذهبي -﵀ نعالى-: "الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامِّ المعرفة، تامِّ الورع" اهـ. من "ميزان الاعتدال" أن (٣/ ٤٦)، ومثله قول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "ولذلك يحتاج المسلم أن يكون عارفا بمقادير الناس وبأحوالهم ومنازلهم، فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع"، نقله عنه السخاوي في "ذيل التبر المسبوك" ص (٤)، وانظر: كتابي "حرمة أهل العلم" ص (٣٥٣) وما بعدها.
(٣) "أسرار الهاء في الجفر" ص (١٢٧).
[ ١٤٦ ]
عَوْدٌ إلى خرافة المخطوطات
لقد ادَّعى "السندباد المصري" اطلاعه على إحدى المخطوطات الإسلامية (١) الموجودة في دار الكتابخانة بتركيا تحت مسمى أو تصنيف (٣٦٦٤/ تراث المدينة المنورة) (٢)، لعالم مدني كان يعيش بالمدينة المنورة في القرن الثالث الهجري، وهو "كلدة بن زيد بن بركة المدني" (٣)، بعنوان "أسمى المسالك لأيام المهدي الملك لكل الدنيا بأمر الله المالك" (٤)، ومما جاء في هذا المخطوط المزعوم: "وحرب في بلد أصغر من عَجْب الذَّنب، يجمع أهل الدنيا لها، كأنها أغنى بلد أولم عليها الوالمون (٥)، وأمير فيها سلَّم رايته لزعيمة الشر
_________________
(١) ولم يُثبت أي إسناد للمخطوطة المزعومة، ومخطوط بلا سند رجل بلا نسب، كما أنه لم يثبت صورة واحدة لأي جزء من أجزاء تلك المخطوطة كما هو ديدن المحققين الذين يحترمون علمهم وقُرَّاءهم.
(٢) هذا التهويش لا يغني عنه شيئًا؛ لأن المكان الذي ادعى وجود المخطوطة فيه مُمَوَّه، ولفظة (الكتابخانة) تعني دار الكتب، ودور الكتب في تركيا مختلفة من حيث الاسم والمكان، ويبلغ عدد مكتبات المخطوطات في تركيا اثنتين وخمسين ومائة مكتبة، فأيها حظي باحتضان تلك المخطوطة؟ وانظر: (تاريخ التراث العربي) لفؤاد سزكين (١/ ٣٥ - ٥٦)، (١/ ١٠٠، ١٠١).
(٣) فهلا أقمت بينة على أن هذا الشخص قد خُلِقَ أصلا؟ فإن عرفنا من هو؛ فكيف هو؟ ومن ترجم له؟
(٤) وإن ركاكة هذا العنوان، وما به من سجع متكلف بارد يُبعد انتسابه إلى القرن الثالث؛ حيث لم يكن قد شاع هذا الأسلوب في تسمية الكتب.
(٥) وهذا لحنٌ بغيض حيث إن اسم الفاعل من "أولم": "مولم" وليس والمًا، مما يشير إلى أن مؤلف هذه المخطوطة من القرن "الخامس عشر" وليس القرن الثالث!! =
[ ١٤٧ ]
الآتية من الشواطئ البعيدة الغربية بداية آخر الزمن، فتجمع له صريخها من كل الدنيا، وترد له عرش الملك، ويخرب عراق في ملاحم بداية آخر الزمن، ويحارب أمير الذنب الصغير جيوش المهدي (١).
وفي نفس المرجع السابق في مخطوط آخر من القرن الثالث الهجري لتابعي شامي (٢)، وجاء في ذلك المخطوط "النادر":
"وفي عراق الشام رجل متجبر و سفياني، في إحدى عينيه كسلٌ قليل، واسمه من الصدام، وهو صدام لمن يعارضه، الدنيا جمعت له في (كوت) صغير، دخلها وهو مدهون، ولا خير في السفياني إلَّا بالإسلام، وهو خير وشر، والويل لخائن المهدي الأمين (٣).
ومما جاء في "المخطوط " المزعوم:
"حربُ آخر الزمن حرب كونية، المرة الثالثة بعد اثنين (٤) كبريين، يموت فيهما خلائق كثيرة، الأولى: أشعلها رجل كنيته السيد الكبير، وتنادي
_________________
(١) = ويتأكد هذا إذا لاحظنا ركاكة الألفاظ، وتفكك السياق، وسماجة الكلام، وكونه مما يُسخر منه، ويمجه السمع، ويسمُج معناه للفطِن.
(٢) "المهدي المنتظر على الأبواب" ص (١٣٢) ويلاحظ أنه لم يوضح مَن قائل هذه النبوءات، ولو افترضنا أنه أسندها إلى النبي -ﷺ-؟ فلن يغني عنه السند شيئا؛ لأن هذه الأخبار استوفت علامات وضع الحديث بالنظر إلى متنه، فانظرها مفصَّلة في "المنار المنيف" للإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-.
(٣) كيف يكون (تابعيُّا) ومن (القرن الثالث)؟!
(٤) "نفسه"، ص (٢١٦).
(٥) والصحيح: اثنتين!
[ ١٤٨ ]
الدنيا باسم (هِتْلَرْ) ، وهذا مما رواه أبو هريرة، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب -﵃- وفي رواية: خاف أن يحدث بها أبو هريرة، ولما أحس بالموت خاف أن يكتم علمًا، فقال لمن حوله: في نبأ علمته عما هو كائن في حروب آخر الزمن، فقالوا: أخبرنا ولا بأس -جزاك الله خيرًا- فقال: في عقود الهجرة بعد الألف وثلاثمائة -واعقدوا عقودًا- يرى ملك الروم أن حرب الدنيا كلها يجب أن تكون، فأراد الله له حربًا، ولم يذهب طويل زمن، عقد وعقد، فسلط رجل من بلاد اسمها (جِرْمِن)، له اسم الهِر، أراد أن يملك الدنيا، ويحارب الكل في بلاد ثلج وخير، فأمسى في غضب الله بعد سنوات نار، أرداه قتيلًا سِرُّ الروش أو الروس (١).
وفي عقود الهجرة بعد الألف وثلاثمائة عُدَّ خمسًا أو ستًّا، يحكم مصر رجلٌ يُكْنى "ناصر"، يدعوه العرب "شجاع العرب"، وأذلَّه الله في حرب وحرب، وما كان منصورًا، ويريد الله لمصر نصرًا له حقًّا في أحب شهوره، وهو له، فأرضى مصرَ ربُّ البيت والعرب بأسمر سادا، أبوه أنور (٢) منه، لكنه صالح لصوص المسجد الأقصى بالبلد الحزين، وفي عراق الشام رجل متجبر و سفياني (إلى أن يقول:
"وفي عقود الهجرة الألف وأربعمائة، واعقد اثنين أو ثلاثًا يخرج المهدي الأمين، ويحارب كل الكون، يجمعون له الضالون والمغضوب عليهم، والذين مردوا على النفاق في بلاد الإسراء والمعراج، عند جبل
_________________
(١) ولمزيد من التحقيق، والتوثيق، و"الإيهام، والدجل" قال في هذا الموضع: "الشك من الراوي، ومكان النقط مطموس متآكل في المخطوطة!! ".
(٢) أحسب أن اسم "محمد أنور" مركب؟ فليس "أنور" اسم أبيه.
[ ١٤٩ ]
"حاطب ليل" يقلد "الدجال المصري" ويردد صدى صوته
مَجِدُّون، وتخرج له ملكة الدنيا والمكر، زانية اسمها "أمريكا"، تُراود العالم يومئذ في الضلال والكفر، ويهود الدنيا يومئذ في أعلى عليين، يملكون كل القدس والمدينة المقدسة" إلخ (١).
وقال أيضا: وقد وقعت على نص توراتي في سفر أشعياء الحقيقي، به تفاصيل أكثر، أورده بلا تعليق، ففي نسخة الفاتيكان يقول النص: "وجاءوا إلى سيناي، وحاربوا الملك المصري الذي كان خاسرًا في مواجهتهم، وكل الخيانة كان خدعة نصر لإسرائيل وجاء ملك أسمر اللون، رأسه حاسر من الشعر، له أسود ونسور (٢)، فانتصر على إسرائيل، وكلمهم أن يكونوا أصدقاء، وسلام عَمَّ كل المصريين، ولكن ملكهم أسمر اللون أضحى شهيدًا " إلى أن قال: "وحراسه كانوا الذين اغتالوه، وكانوا شرارا وتجارًا" (٣).
هذا الشبل من ذاك الأسد
وقد اغتر به "حاطب ليل"، فاتخذ الغراب دليلًا، ومارس -مثله- هواية التهويش بأن لديه مراجع "بالجملة"، ودون إحراج بطلب ذكر التفاصيل، فقال في مقدمة كتابه: "كما ينبغي التنبيه على أنَّ ثمة مخطوطات نادرة لم تُطبع، تحوي أضعاف الأحاديث المعروفة، سواء
_________________
(١) "المهدي المنتظر على الأبواب"، ص (٢١٦).
(٢) وهو هنا (يغازل) الضربة الجوية الأولى في حرب العاشر من رمضان ١٣٩٣ هـ (٦ أكتوبر ١٩٧٣ م)!
(٣) "نفسه" ص (١٢٢).
[ ١٥٠ ]
في الكتب المشهورة والغير مشهورة، محفوظة في المكتبات العالمية، كمخطوطات، منها ما هو موجود في المكتبة العراقية الكبرى ببغداد، ومنها في دار الكتبخانة باسطنبول بتركيا، وكذلك مكتبة التراث في "طنجة"، ومنها في مكتبة دار الكتب القديمة بالرباط، ومنها بمكتبة بحرة الشام؛ وهي دمشق في الجامع الأموي، هذا غير كثير من المخطوطات الإسلامية النادرة الموجودة في الفاتيكان، مكتبة البابا" (١).
لقد سرت عدوى "هوس المخطوطات" إلى صاحبنا، فراح يهذي بنفس ضلالات "السندباد المصري"، ويردد صدى صوته:
أثَّر البهتان فيه وانطلى الزورُ عَلَيهْ
يا له من ببغاءٍ عقلُه في أذنيه
تلمح ذلك واضحًا في قوله يحاكي مُقلَّدَه في الهروب من "المحاكمة" العلمية: "كما أن كثيرًا من أحداث الفتن وملاحم آخر الزمان وردت في أحاديث وآثار غير مشهورة، مثبتة في مخطوطات
_________________
(١) "هرمجدون، آخر بيان يا أمة الإسلام" ص (١١) ونقول تعليقا على هذا "التهويش": ما زِدتَ على أن قلت: "في المكتبات مخطوطات" فكان ماذا؟! وأين صور هذه المخطوطات، وأرقامها، وتوثيقها؟ خاصة، وأنها تتحدث عن أمور غيبية خطيرة؟ وننصح القارئ المكرم أن يطالع شيئا من المصنفات التي توضح الضوابط العلمية في التعامل مع المخطوطات، منها: "تحقيق النصوص ونشرها"، للعلامة عبد السلام هارون. "تحقيق التراث العربي: منهجه وتطوره" للدكتور عبد المجيد دياب. "مبادئ لفهم التراث" للشيخ محمد بن إبراهيم الشيبالي. "مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين" للدكتور رمضان عبد التواب.
[ ١٥١ ]
وكتب ليست سهلة المنال، فكذلك حال الآثار التي بها توجيهات نبوية، ونصائح غالية تستبين بها سبيل النجاة، ولذلك خَفيت على أكثر الناس قديما وحديثًا، إلَّا من اختصه الله تعالى بعلمها، حتى يبثها وينشرها إذا جاء وقتها وحان أوانها" (١).
ثم ذكر أنه بعد أن يستدل بالأحاديث والآثار المشهورة يُثَنِّي "بتلك الآثار الخفية غير المشهورة، مع عدم التشديد في اعتبارات مدى صحة أو ضعف الأثر من ناحية السند؛ إذ إنها نصائح وإرشادات (٢) من باب فضائل الأعمال التي يتساهل العلماء في قبول أحاديثها وآثارها، وإن كانت ضعيفة السند، مع الأخذ في الاعتبار أن ضعف سندها ليس شديدًا ولا موضوعا، ثم إنها قد جاءت من أكثر من طريق (٣)؛ مما يجعلني مطمئنا، لإيرادها وذكرها" (٤) اهـ.
أقول: صدق الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إذ قال: "من طلب غريب الحديث كَذَبَ".
_________________
(١) "هرمجدون" ص (١١٠).
(٢) وهل التزمتَ التوثيق، والتحقيق يا عبد الله فيما ليس من فضائل الأعمال؛ كالإخبار عن الغيوب المستقبلة؟ أم تردد مقولة مقلَّدك: "أقول للمرة الألف: حديث الفتن ليس من العقيدة، وليس من التشريع". اهـ، "من أسرار الهاء في الجفر" ص (١٨).
(٣) اعلم -رحمك الله- أن كثرة الطرق لا تقوي الحديث الضعيف بإطلاق، فليس كل ضعيف ينجبر بكثرة طرقه، وليس كل شاهد ومتابع يصلح لتقويته، بل ربما زادت كثرةُ الطرق الضعيف ضعفا، حين يتداوله ويحتكر روايته الوضاعون الكذابون، والضعفاء المتروكون، فأين كان الجهابذة المتقنون؟!
(٤) وهذا الكلام ظلمات بعضها فوق بعض، إذ يتعامل مع هذه الأخبار بالجملة، ويعمم الأحكام بصورة جائرة، عسى أن ينجو من المحاكمة العلمية.
[ ١٥٢ ]
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-: "وينبغي للمنتخب أن يقصد تخير الأسانيد العالية، والطرق الواضحة، والأحاديث الصحيحة، والروايات المستقيمة، ولا يُذْهِب وقته في التّرَّهات، من تتبع الأباطيل والموضوعات، وتَطلّبِ الغرائب والمنكرات" (١) اهـ.
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: "أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصروفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين، والأعلام من أسلافنا الماضين" (٢) اهـ.
مِنْ فَمِكَ اُدينُكَ
ومن مغالطات هذا المقلِّد قوله معلقًا على الأثر الذي ادعى أن أبا هريرة كان يكتمه ثم بثه: "وقد قلت في "قبل البيان" إنني سأورد بعض الآثار العجيبة معزوة إلى مصادرها، منسوبة إلى قائليها (٣)،
_________________
(١) "الجامع" (٢/ ١٥٩).
(٢) "الكفاية" ص (١٤١).
(٣) إنما يستقيم لك ذلك إذا كان مصنفوها قد اشترطوا الصحة فيما يروون من الأحاديث، أما الكتب التي اقتصر مؤلفوها على الجمع والتقميش فإنه يتعين على من ينقل عنها أن يثبت صحة الأحاديث إن كان يحتج بها.
[ ١٥٣ ]
فائدة: من أسند فقد أحالك
جاعلًا عهدتها على قائليها (١)، ولولا أنني أقبلها ما أوردتها" (٢)، ثم
_________________
(١) إنما يصح هذا إذا أوردتها مقرونة بأسانيدها، أما إذا حذفت الإسناد أو اختصرته، فالعهدة عليك.
(٢) وهذا ما يجعل عهدة هذه الأخبار عليك لا على من رَوَوْها مقرونة بأسانيدها، وانظر ص (١٦٣) وما بعدها. فائدة: "من أسند؛ فقد أحالَكَ": إن اشتغال الكثير من العلماء في عصر التدوين بجمع الأحاديث مسندة دون تفتيش في أسانيدها لا يصح فهمه على أنهم يحتجون بالأحاديث الضعيفة، وإنما كان جلُّ اهتمامهم بالجمع والتدوين مبادرة للعوارض التي قد تعرض للمحدِّث نفسه، واغتنامًا لفرصة لقيا الراوي الذي قد يعرض له سفر أو تغير أو موت، وهذا سر قولهم: "سيندم المنتخب"، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التحقيق والتمحيص إعمالًا لقاعدة "قَمِّشْ ثم فتش"، وللعلامة المحدث ناصر الدين الألباني -قدس الله روحه، ونور ضريحه- كلام نفيس ذكره ﵀، في مقدمة تحقيقه لكتاب "اقتضاء العلم العمل". قال ﵀: "قد يقول قائل: إذا كان المؤلف بتلك المنزلة العالية في المعرفة بصحيح الحديث، ومطروحه؛ فما بالنا نرى كتابه هذا وغيره من كتبه قد شحنها بالأحاديث الواهية؟ والجواب: أن القاعدة عند علماء الحديث أن المحدث إذا ساق الحديث بسنده؛ فقد برئت عهدته منه، ولا مسئولية عليه في روايته ما دام أنه قد قرن معه الوسيلة التي تمكن العالم من معرفة ما إذا كان الحديث صحيحًا أو غير صحيح، ألا وهي الإسناد. نعم، كان الأولى بهم أن يُتبعوا كلَّ حديث ببيان درجته من الصحة أو الضعف، ولكن الواقع يشهد أن ذلك غير ممكن بالنسبة لكل واحد منهم، وفي جميع أحاديثه على كثرتها؛ لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، ولكن أذكر منها أهمها، وهي أن كثيرًا من الأحاديث لا تظهر صحتها أو ضعفها إلا بجمع الطرق والأسانيد، فإن ذلك مما يساعد على معرفة علل الحديث، وما يصح من أحاديث لغيره، ولو أن المحدثين كلهم انصرفوا إلى التحقيق وتمييز الصحيح من الضعيف لما استطاعوا -والله أعلم- أن يحفظوا لنا هذه الثروة الضخمة من الأحاديث والأسانيد، =
[ ١٥٤ ]
أضاف -إمعانًا في المغالطة-: أن أبا هريرة -﵁- كان من أحفظ الصحابة لحديث رسول الله -ﷺ- إلخ (١)، وتجاهل أن عليه أن يثبت ابتداءً صحة السند إلى أبي هريرة -﵁-؛ لأننا لن نؤتى من صحابي قطُّ، فالصحابة -﵃-، كلهم عدول، وراوية الإسلام أبو هريرة -﵁- من أحفظهم وأضبطهم.
_________________
(١) = ولذلك انصبت همم جمهورهم على مجرد الرواية إلَّا فيما شاء الله، وانصرف سائرهم إلى النقد والتحقيق مع الحفظ والرواية، وقليل ما هم، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ " انتهى ص (٤). ومثل الأئمة المحدثين في إيرادهم الأخبار الضعيفة كمثل رجال القضاء إذا أرادوا أن يبحثوا في قضية، فإنهم يجمعون كل ما تصل إليه أيديهم من الأدلة والشواهد المتصلة بها مع علمهم بضعف بعضها اعتمادًا منهم على أن كل شيء سيقدر بقدره، انظر: "تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة" د. محمد أمحزون (١/ ٢٦٠ - ٢٦٣).
(٢) "هرمجدون" ص (٤٠).
[ ١٥٥ ]
[ ١٥٦ ]
الفصل الثالث
اسْتِدْلَالُ العابثين بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا
المطلب الأول
الاسْتِدْلَالُ بِالأَحادِيثِ الضَّعيفَةِ وَالموضُوعَةِ
وهذه الآفة "قاسم مشترك" بين الخائضين بالظن في أشراط الساعة، فهم يوردون الأحاديث الضعيفة والباطلة، ثم يؤسسون عليها توقعاتٍ وأحكامًا، متناسين أن التفسير فرع التصحيح، ولو أعملنا قول بعض السلف: "أثبت العرش ثم انقش"؛ لطرح ذلك عن كاهلنا عبئًا ثقيلًا من هذه المرويات الباطلة، ولأرحنا واسترحنا من عناء الجواب عما يطرأ بسببها من إشكالات وتوقعات (١).
_________________
(١) وقد لمسنا أثر الأحاديث الضعيفة في رمضان (١٤٢٢ هـ) حين كان بعض الشباب يجزم بأن "الفزعة سوف تحصل منتصف الشهر الكريم"؛ بناءً على الأحداث السياسية، والعسكرية الصاخبة في أفغانستان في ذلك الوقت، مع ضعف الحديث الذي اتَّكَئُوا عليه، وانظر: "المفاجاة"، ص (١٨٥).
[ ١٥٧ ]
الحافظ نُعيم بن حماد، وكتابه "الفتن"
يعد كتاب "الفتن" للحافظ نُعيم بن حماد المروزي -رحمه الله تعالى- المرجع الأساس الذي ينهل منه العابثون بأشراط الساعة، ولنضرب لذلك مثلًا صاحبَ "هرمجدون" الذي وصفه بأنه كتاب "بديع" (١)، وتارة: "السِّفْر الجليل" (٢) ولا يفتأ يكرر وصف مؤلفه نُعيم بن حماد بأنه: "شيخ البخاري" (٣)، وقال في موضع آخر: "جمع فيه كوكبة هائلة من أحاديث الفتن وملاحم آخر الزمان، يعزُّ وجودها في مكان آخر" (٤)، فماذا عن الكتاب ومؤلفه؟
أما الكتاب: فقال فيه مسلمة بن قاسم: "له أحاديث منكرة في الملاحم، انفرد بها" (٥).
وقال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى-: "وقد صنف كتاب (الفتن) فأتى فيه بعجائب ومناكير" (٦).
وقال الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي حفظه الله: "إن في صحة نسبة الكتاب إليه نظرًا، ولا نستطيع أن نحمله كل المسئولية"، إلى
_________________
(١) "هرمجدون آخر بيان" ص (٨٠).
(٢) "نفسه" ص (٨٦).
(٣) "نفسه" ص (١٠، ٨٠).
(٤) "نفسه" ص (١٠).
(٥) "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٦٢).
(٦) "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٦٠٩).
[ ١٥٨ ]
أن قال: "وهكذا فجميع الروايات التي تفرد بها هذا الكتاب لم أحتج بها، وإنما هي تصلح للاعتبار" (١).
وأما المولف: فهو الحافظ أبو عبد الله نُعيم بن حماد المروزي (ت٢٢٨) -رحمه الله تعالى- (٢).
قال الحافظ في "هدي الساري": "لقيه البخاري، ولكنه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلَّق له أشياء أُخر، وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا".
وقال في "التهذيب": "روى عنه البخاري مقرونًا" (٣)، وقال أيضًا: "وأما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه، ولكن في حديثه أوهام معروفة". وقال في "التقريب": "صدوق يخطئ كثيرًا".
_________________
(١) "المهدي المنتظر" ص (١٢١ - ١٢٢).
(٢) انظر ترجمته في: "طبقات ابن سعد" (٧/ ٥١٩)، "التاريخ الكبير" (٨/ ١٠٠)، "الجرح والتعديل " (٨/ ٤٦٢)، "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٠٦، ٣١٤)، "تذهيب التهذيب" (٤/ ١٠١/٢)، "تذكرة الحفاظ " (٢/ ٤١٨)، "ميزان الاعتدال" (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠)، "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٥٨)، "مقدمة فتح الباري" (٤٤٧)، "طبقات الحفاظ" (١٨٠، ١٨١)، "شذرات الذهب" (٢/ ٦٧)، "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٥٩٥).
(٣) اعلم أن الرواة عند البخاري نوعان: الأول: من روى له البخاري احتجاجا. والثاني: من لم يحتج به البخاري، وإنما روى له أستشهادا. ونعيم من النوع الثاني، ولذلك قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "روى عنه البخاري مقرونا" اهـ.
[ ١٥٩ ]
وقال الذهبي: "نعيم من كبار أوعية العلم، لكنه لا تركن النفس إلى رواياته"، وقال في "تذكرة الحفاظ": "وهو مع إمامته منكر الحديث"، وقال أيضًا: "كان من أوعية العلم ولا يحتج به".
وقال في "سير أعلام النبلاء": "لا يجوز لأحدٍ أن يحتج به" وتتبع كثيرًا من أوهامه.
وقال في "ميزان الاعتدال": "أحد الأئمة الأعلام، على لين في حديثه".
وقال في "تلخيص المستدرك": "وفي قوة روايته نزاع"، وقال: "ونعيم منكر الحديث إلى الغاية".
وقال يوسف بن عبد الله الخوارزمي: "سألت أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد، فقال: "لقد كان من الثقات".
وقال أحمد العجلي: "نعيم بن حماد ثقة مروزي".
وقال أبو حاتم: "محله الصدق".
وعن أحمد بن ثابت أبي يحيى قال: "سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان: "نعيم بن حماد معروف بالطلب"، ثم ذمه يحيى، وقال: "يروي عن غير الثقات".
وقال أبو علي صالح بن محمد الأسدي: "وكان نعيم يحدث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة، لا يتابع عليها".
وقال أبو زرعة الدمشقي: "يصل أحاديث يوقفها الناس"، يعني أنه يرفع الموقوفات.
[ ١٦٠ ]
وساق له الخطيب في "تاريخه" حديثًا في ذم أهل الرأي، ثم قال: "وبهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل العلم بالحديث، إلَّا أن يحيى بن معين لم يكن ينسبه إلى الكذب، بل كان ينسبه إلى الوهم".
وقال الأزدي: "كان نعيم ممن يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان: كلها كذب"
وقال الآجري، عن أبي داود: "عند نعيم بن حماد نحو عشرين حديثًا عن النبي -ﷺ- ليس لها أصل".
وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال مرة: "ضعيف".
وقال أبو علي النيسابوري: "سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين، بأحاديث كثيرة؛ فصار في حدِّ من لا يُحتج به ".
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "ربما أخطأ ووهِم".
وقال أبو سعيد بن يونس: "وكان يفهم الحديث، وروى أحاديث مناكير عن الثقات".
وقال مسلمة بن قاسم: "كان صدوقًا، وهو كثير الخطأ (١)، وله أحاديث منكرة في الملاحم، انفرد بها".
_________________
(١) قال الحافظ العراقي في "فتح المغيث" ص (٧): "من كثر الخطأ في حديثه، وفَحُش؛ استحق الترك، وإن كان عدلا" اهـ.
[ ١٦١ ]
وقال الدارقطني: "إمامٌ في السُّنَة، كثير الوهم".
وقال أبو أحمد الحاكم: "ربما يخالف في بعض أحاديثه".
وقال ابن الجوزي في "التحقيق": "نعيم بن حماد مجروح".
وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ: "وكان نعيم يحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة، لا يُتابَع عليها" قال: وسمعت يحيى بن معين سُئل عنه فقال: "ليس في الحديث بشيء، ولكنه صاحب سُنَّة". فها أنت ترى إطباق النقاد على وصفه بالوهم، والخطأ الكثير، وكثرة المناكير، ورواية ما لا أصل (١) له، أما من أثنوا عليه خيرًا ووثقوه؛ فذلك بالنظر إلى دينه وصلابته في السُّنَّة، وكونه عدلًا صدوقًا، لا يتعمد الكذب.
_________________
(١) ولو قلنا للعابثين: حدثونا عن أشراط الساعة والفتن، ولكن لا تحدثونا عن كتاب "الفتن" لأبي نعيم -رحمه الله تعالى- ولا عمَّن نقل عنه؛ لصارت كتبهم خاوية على عروشها.
[ ١٦٢ ]
ذِكرُ نُصوصِ بَعضِ أهْلِ الْعِلْمِ في حُكْمِ
رِوايَةِ الأحَاديثِ الضّعيفَةِ والموضُوعةِ
قال العلماء: لا يحل رواية الحديث الموضوع في أي باب من الأبواب إلَّا مقترنًا ببيان أنه موضوع مكذوب، سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام، أو الفضائل، أو الترغيب والترهيب، أو القصص والتواريخ (١).
ومن رواه من غير بيان وضعه فقد باء بالإثم العظيم، وَحَشَرَ نفسه في عِداد الكذابين؛ وذلك لما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده أن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى (٢) أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (٣).
وعن أبي قتادة -﵁-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ، فَلْيَقُلْ حَقًّا أَوْ صِدْقًا، وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٤).
_________________
(١) انظر: "علوم الحديث"، لابن الصلاح، ص (١٠٩) و"تدريب الرا وي"، ص (٩٨)، و"شرح علل الترمذي" (١/ ٣٩٧).
(٢) ولم يقل: "يتيقن أنه كذب"، فكل شاكٍّ فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح، داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر، أفاده ابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٧).
(٣) رواه مسلم (٤) في المقدمة.
(٤) رواه الإمام أحمد (٥/ ٢٩٧)، وابن ماجه في "المقدمة" رقم (٣٥).
[ ١٦٣ ]
لا أنه يدخل به في قوله -ﷺ-: "نضر الله امرأ" المحدثون بأسرهم، بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب إلا من أدى صحيح حديث رسول الله -ﷺ- دون سقيمه
معنى قول مالك "ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع»
وعن عبد الله بن عمرو -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيةً، وَحَدِّثوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" (١).
قال ابن حبان -رحمه الله تعالى-: "في أمر النبي -ﷺ- أمته بالتبليغ عنه مَنْ بَعدهم -مع ذكره إيجابَ النار للكاذب عليه- دليل على أنه إنما أُمِر بالتبليغ عنه ما قاله ﵇، وما كان من سنته فعلًا أو سكوتًا عند المشاهدة، لا أنه يدخل به في قوله -ﷺ-: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً" المحدثون بأسرهم، بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب إلا من أدى صحيح حديث رسول الله -ﷺ- دون سقيمه، وإني خائف على من روى ما سمع من الصحيح والسقيم أن يدخل في جملة الكذبة على رسول الله -ﷺ- إذا كان عالمًا بما يروى" (٢) اهـ.
وعن أبي هريرة -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٣).
وعن عبد الله بن وهب قال: قال لي مالك: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا (٤) أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٥).
_________________
(١) انظر تخريجه ص (١٧٨).
(٢) "كتاب المجروحين " ص (٦).
(٣) رواه مسلم في مقدمة "صحيحه " (٥).
(٤) رواه مسلم في "السابق" (٤).
(٥) قال النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه: "معناه أنه إذا حدَّث بكل ما سمع كثُر الخطأ في روايته، فتُرك الاعتماد عليه، والأخذ عنه" اهـ. من "شرح النووي" (١/ ٧٥).
[ ١٦٤ ]
قال عمرو بن ميمون -رحمه الله تعالى-: " مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ فِيهِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَنَكَسَ " قَالَ: «فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً، أَزْرَارُ قَمِيصِهِ، قَدْ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ» قَالَ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ" (١).
وقال إياس بن معاوية لسفيان بن حسين: "احفظ عليَّ ما أقول لك: «إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ» (٢).
قال النووي -رحمه الله تعالى-: "معنى كلامه أنه حذره أن يُحدِّث بالأحاديث المنكرة التي يُشَنَّع على صاحبها، ويُنكر، ويُقبح حَال صاحبها فيُكَذَّب أو يُستراب في روياته، فتسقط منزلته، ويذل في نفسه" (٣) اهـ.
وحَكَمَ كثير من العلماء على من روى حديثًا موضوعًا -دون تنبيه إلى وضعه وتحذير الناس منه- بالتعزير والتأديب؛ فقد قال البخاري في حق أحد هؤلاء: "من حَدَّثَ بهذا؛ استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل"، بل قال يحيى بن معين -لما ذُكِرَ له حديث سويد الأنباري-:
_________________
(١) "صحيح سنن ابن ماجه" رقم (٢١).
(٢) رواه مسلم في "المقدمة" (١/ ٧٥ - نووي).
(٣) "شرح النووي" (١/ ٧٦).
[ ١٦٥ ]
"من عشق، وعف، وكتم، ثم مات؛ مات شهيدًا"، قال: "هو حلال الدم" (١).
وقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: "أما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة؛ ليلبِّسوا بها على أهل الإسلام، أو الأحاديث الضعيفة -إمَّا لضعف رواتها، أو جهالتهم، أو لعلة فيها- فلا يجوز أن يُقال بها، ولا اعتقاد ما فيها، بل وجودها كعدمها" (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "فالواجب أن يُفرَّقَ بين الحديث الصحيح والحديث الكَذبِ؛ فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا، ولمن يدعي السنة خصوصًا" (٣).
وقال أيضًا: "الاستدلال بما لا تُعلم صحته لا يجوز بالاتفاق؛ فإنه قولٌ بلا علم، وهو حرام بالكتاب والسنة، والإجماع" (٤).
وقال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: "إن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، لا فرق بينها، فلا يحلُّ إذاعة شيء منها إلَّا بما يقوم به الحجة، وإلا كان من التقوُّل على الله ما لم يَقُلْ، وفيه من العقوبة ما هو معروف" (٥).
_________________
(١) انظر: "الإسرائيليات، والموضوعات في كتب التفسير"، ص (٢٩).
(٢) "ذم التأويل"، ص (٤٧).
(٣) "مجموع الفتاوى" (٣/ ٣٨٠).
(٤) "منهاج السنة النبوية" (٧/ ٦٧، ٦٨).
(٥) "الفوائد المجموعة"، ص (١٠٠).
[ ١٦٦ ]
المطلب الثاني
الاعتمادُ على مَرويَّات الرَّافضةِ، وغُلاةِ الصّوفيَّةِ
أولًا: مرويات الرافضة (١):
"أكذب من رافضي" عبارة سارت مثلًا، وأصلها: اتفاق علماء الجرح والتعديل على أن الكذب في الرافضة الشيعة أظهر منه في سائر الطوائف، فمن قرأ كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة وأحوالهم مثل كتب البخاري، وابن معين، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم من جهابذة النقاد وأهل المعرفة بأحوال الإسناد، سوف يجد أن الرأي المجمع عليه: أن الكذب في الشيعة أكثر منه في جميع طوائف أهل القبلة.
نصوص أئمة الحديث على أن الكذب شعار الرافضة
قال أبو معاوية: سمعت الأعمش يقول: "أدركت الناس وما يسمونهم إلَّا الكذَّابين" (٢). وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى ابن المبارك قال: "سأل أبو عصمة أبا حنيفة: ممن تأمرني أن أسمع؟ قال: "مِن كل عَدْلٍ في هواه إلَّا الشيعة، فإن أصلَّ عقدهم تضليلُ أصحاب محمد -ﷺ-" (٣).
_________________
(١) انظر: "تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة" للدكتور محمد أمحزون ص (٣ - ٧٦).
(٢) "منهاج السنة" (١/ ١٦).
(٣) "الكفاية في علم الرواية" ص (٢٠٣).
[ ١٦٧ ]
وقال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة-: قال: "كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئًا، جعلناه حديثا" (١).
وقال محمد بن سعيد الأصفهاني: سمعت شريكًا يقول: "احمل العلم عن كل من لقيته إلَّا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينًا" (٢).
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال أشهب: سئل مالك -﵁- عن الرافضة فقال: "لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون" (٣).
وقال عبد الله بن المبارك: "الدين لأهل الحديث، والكلام والحيل لأهل الرأي، والكذب للرافضة" (٤).
وقال حرملة: سمعت الشافعي -﵁- يقول: "لم أر أحدًا أشهد بالزور من الرافضة" (٥).
وقال مؤمِّل بن إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: "يكتب عن كل مبتدع إذا لم يكن داعية -أي إلى بدعته- إلا الرافضة فإنهم يكذبون" (٦).
والشيعة جعلوا الكذب شعارًا لهم، وصبغوه صبغةً دينيةً باسم التقية، حيث قالوا: "لا إيمان لمن لا تقية له"، ونسبوا هذه الرواية إلى محمد الباقر زورا وبهتانا (٧).
_________________
(١) "منهاج السنة" (١/ ١٦).
(٢) "المنتقى" للذهبي ص (٢٢).
(٣) "المصدر نفسه" ص (٢١).
(٤) "المصدر نفسه"، ص (٤٨٠).
(٥) "الكفاية" للخطيب ص (٢٠٢).
(٦) "منهاج السنة" (١/ ١٦).
(٧) "الكافي في الأصول" (٢/ ١٩).
[ ١٦٨ ]
هذا وقد اشتكى منهم ومن أكاذيبهم الكثيرة عليٌّ -﵁- وأهل بيته، إذ لا يتورعون في افتراء الكذب على لسانهم.
فقد ذكر أبو عمرو الكشي في "الرجال": "قال أبو عبد الله -جعفر الصادق-: إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس. كان رسول الله -ﷺ- أصدق البرية لهجة، وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين -علي بن أبي طالب- أصدق من برأ الله من بعد رسول الله، وكان الذي يكذب عليه عبد الله بن سبأ -لعنه الله-، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي قد ابتلي بالمختار -الثقفي- ثم ذكر علي بن الحسين فقال: كان يكذب عليه أبو عبد الله الحارث الشامي وبنان، ثم ذكر المغيرة بن سعيد والسري، وأبا الخطاب فقال: "لعنهم الله، إنا لا نخلو من كذاب يكذب علينا، كفانا الله مؤنة كل كذَّاب، وأذاقهم الله حرَّ الحديد" (١).
وقد أسرفت الرافضة في وضع الأحاديث والأخبار بما يتفق مع أهوائها، فكما وضعوا الأحاديث في فضل علي وآل البيت (٢)، فقد وضعوا أيضا الأحاديث في ذم الصحابة وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر، حتى قال ابن أبي الحديد (٣): "فالأمور المستبشعة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة وأنه ضربها بالسوط، فصار في عَضُدها كالدُّمْلُج، وأن عمر ضغطها بين الباب والجدار، فصاحت:
_________________
(١) "الرجال" للكشي، ص (٢٥٧).
(٢) نقل أبو الحسن علي بن محمد بن عراق عن صاحب (الإرشاد) قولَه: قال بعض الحفاظ: تأملت ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل البيت؛ فزاد على ثلاثمائة ألف" اهـ.
(٣) شيعي معتزلي أديب، من مصنفاته: "شرح نهج البلاغة"، وهو هنا "شاهد من أهلها".
[ ١٦٩ ]
يا أبتاه، وجعل في عنق علي حبلًا يقاد به، وفاطمة خلفه تصرخ، وابناه الحسن والحسين يبكيان -وأخذ ابن أبي الحديد في ذكر كثير من المثالب، ثم قال-: فكل ذلك لا أصل له عند أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله" (١).
وكذلك وضعوا الأحاديث في ذم معاوية -﵁- ومثال ذلك الحديث المنسوب إلى رسول الله -ﷺ-: "إذا رأيتم معاوية على منبري، فاقتلوه" (٢) كما رووا أحاديث كثيرة موضوعة في غيره من الصحابة مع العلم أن من يكذب على رسول الله -ﷺ- من باب أولى أن يكذب على غيره.
من نصوص شيخ الإسلام في كشف كذب الرافضة
تعتبر كتابات ابن تيمية من أجلِّ ما صنف في فضح مخططات الرافضة والكشف عن افتراءاتهم في مجال العقائد والحديث والفقه والتاريخ، حيث امتلأت كتبه وفتاويه بدفاع مجيد عن مختلف هذه القضايا من وجهة نظر إسلامية خالصة، مع بيان دور الشيعة الفعال في الدس وتلفيق الأخبار تحت ستار التشيع لآل البيت.
يقول -رحمه الله تعالى- في هذا الشأن: "وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب" (٣).
_________________
(١) "شرح نهج البلاغة" (١/ ١٣٥).
(٢) انظر: "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للسيوطي (١/ ٣٢٣).
(٣) "منهاج السنة" (١/ ١٦).
[ ١٧٠ ]
وقال في موطن آخر: "والقوم من أكذب الناس في النقليات (١) وأجهل الناس في العقليات، ولهذا كانوا عند العلماء أجهل الطوائف وإنما عمدتهم على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب، فيعتمدون على نقل أبي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن الكلبي والخوارج -مع مروقهم من الدين- فهم من أصدق الناس، حتى قيل: إن حديثهم من أصح الحديث. والرافضة يقرون بالكذب حيث يقولون: ديننا التقية، وهذا هو النفاق، ثم يزعمون أنهم المؤمنون، ويصفون السابقين الأولين بالردة والنفاق، فهو كما قيل "رمتني بدائها وانسلت" بل هذه صفة الرافضة، فشعارهم الذل، ودثارهم النفاق والتقية، ورأس مالهم الكذب والأيمان الفاجرة إن لم يقعوا في الغلو والزندقة، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم " (٢).
_________________
(١) فالشيعة لا يعبئون في الحديث وروايته بشيء من أمر الأمانة والعدالة والحفظ، ويروون في "الكافي" وأمثاله من كتبهم المعتبرة عندهم عن أكذب الناس، لأن مدار التوثيق عندهم على التعصب والهوى والحقد على أئمة المسلمين وعلمائهم، إذ لا يقبلون إلَّا رواية من كان على مذهبهم، أي أن يكون الراوي إماميا سواء حفظ أم غلط، صدق أم كذب، فهم لا يخضعون الحديث لمنهج علمي من ناحية سنده ومتنه كما هو الحال عند علماء أهل السنة، فيتبين بذلك صحة الحديث من ضعفه، وإنما اعتمدوا رواية الآحاد، وجعلوا العصمة التي ادعوها لأئمتهم تغني بزعمهم عن إخضاع الحديث للنقد والنظر، فإذا سُئلوا عن سند حديث، قالوا: رواه الحسين أو محمد الباقر، أو موسى الكاظم، مرددين قول شاعرهم: فشايع أناسًا قولهم وحديثهم روى جدنا عن جبرئيل عن الباري "الشيعة في عقائدهم وأحكامهم" لأمير محمد الكاظمي القزويني، ص (٦) نقلا عن: "وجاء دور المجوس" للدكتور عبد الله الغريب، ص (١٢١).
(٢) "المنتقى" للذهبي، ص (١٩، ٢١، ٢٣، ٦٨).
[ ١٧١ ]
شيخ الإسلام يقارن بين أهل السنة والشيعة في نقد الرجال
وحين ادعى ابن المطهر الحلِيُّ أن "رجال الشيعة ثقات" انبرى له شيخ الإسلام قائلًا:
"نحن ننتقد رجالنا من أهل السنة والحديث نقدًا لا مزيد عليه، ولنا مصنفات كثيرة جدًّا في تعديلهم وضعفهم وصدقهم وغلطهم وكذبهم ووهمهم، لا نحابيهم أصلًا -مع صلاحهم وعبادتهم- ونُسْقِط الاحتجاجَ بالرجل منهم لكثرة غلطه وسوء حفظه، ولو كان من أولياء الله. وأنتم حد الثقة عندكم أن يكون إماميًّا سواء غلط أو حفظ، أو كذب أو صدق وغالب ما في أيديكم صحف وأخبار على ألسنتكم مكذوبة، أو لم تعلم صحتها، كدأب أهل الكتابين سواء -اليهود والنصارى- وكذب الرافضة مما يُضرب به المثل، ونحن نعلم أن الخوارج شر منكم، ومع هذا فما نقدر أن نرميهم بالكذب، لأننا جربناهم فوجدناهم يتحرون الصدق، لهم وعليهم، وأنتم الصادق فيكم شامة! ..
فأهل السنة والحديث لا يرضون بالكذب ولو وافق أهواءهم، فكم قد روي من فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، بل ومعاوية وغيرهم أحاديث بالأسانيد يرويها مثل النقاش، والقَطِيعي، والثعلبي، والأهوازي، وأبي نعيم، والخطيب، وابن عساكر، وأضعافهم، ولم يقبل علماء الحديث شيئًا يتبينون الكذب منه، بل إذا كان في إسناد الحديث واحد مجهول الحال توقفوا في الحديث. وأنتم شرط الحديث عندكم أن يوافق أهواءكم غثًّا كان أو سمينًا" (١).
_________________
(١) "المنتقى" للذهبي، ص (٤٨٠).
[ ١٧٢ ]
ابن القيم يوضح أن الرافضة أفسدوا كثيرا من علم علي ﵁ بكذبهم عليه
وقال أيضًا في "مجموع الفتاوى": "إن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبًا وجهلًا. ودينهم يُدخل على المسلمين كل زنديقٍ مرتد، كما دخل فيهم النّصيرية والإسماعيلية وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأئمة يعادونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يُعْلَم فساده يقيمونه ولهذا كانوا أبهت الناس وأشدهم فرية مثلما يذكرون عن معاوية والشيعة لا يكاد يوثق برواية أحد منهم من شيوخهم؛ لكثرة الكذب فيهم، ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح، فلا يروي البخاري ومسلم أحاديث عليّ إلَّا من أهل بيته كأولاده مثل الحسن والحسين، ومثل محمد بن الحنفية، وكاتبه عبيد الله بن رافع، والحارث التيمي، وقيس بن عبَّاد، وأمثالهم، إذ هؤلاء صادقون فيما يروون في علي " (١).
وحين ذكرهم ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- قال: "وأما علي بن أبي طالب فانتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلَّا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود" (٢).
وتجب الإشارة إلى أن أكثر الرواة الذين ذكروا تلك التهم والمطاعن عن خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، هم من الشيعة. ولم ينقلوا
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٤/ ٤٧١) (١٣/ ٣١).
(٢) "إعلام الموقعين " (١/ ٢١).
[ ١٧٣ ]
ثانيا: اعتماد العابثين بأشراط الساعة على مرويات الرافضة، وغلاة الصوفية
لم يختص علي ﵁ بعلم انفرد به عن الصحابة ﵃
هذه الوقائع عمن شاهدوها، بل كانت سمعًا على سمع، وكذبًا على كذب، فكثيرًا ما يروي الراوي الحادثة والواقعة وبينه وبينها عشرات السنين. وهؤلاء الرواة مع كذبهم، وكونهم دعاةً إلى مذهبهم هم طرف في تلك الوقائع والحوادث؛ حيث يتبعون تلك الشلَّة أو الطائفة التي سَعَّرت نار الفتنة. فهم على شاكلتهم يعملون نفس العمل بالقلم واللسان الذي سعى به أسلافهم السبئية بالجسد والروح.
ثانيًا: اعتماد العابثين بأشراط الساعة على مرويات الرافضة، وغلاة الصوفية كاعتماد بعضهم على كتاب "عنقاء مُغرِب" لابن عربي الصوفي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وابن عربي في كتاب "عنقاء مُغرِب" وغيره أخبر بمستقبلات كثيرة، عامتها كذب" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه-: "ومن أمثلة ذلك: أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة ومن أخذ عنهم من دعوى علوم الأسرار والحقائق التي يدَّعون أخذها عن أهل البيت، إمَّا من العلوم الدينية، وإما من علم الحوادث الكائنة، ما هو عندهم من أجَلِّ الأمور التي يجب التواصي بكتمانها، والإيمان بما لا يعلم حقيقته من ذلك، وجميعها كذبٌ مختلق، وإفكٌ مفترى، فإن هذه الطائفة "الرافضة" من أكثر الطوائف كذبًا، وادّعاءً للعلم المكتوم، ولهذا انتسبت إليهم الباطنية والقرامطة.
وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-، وصاروا يدَّعون أنه خُصَّ بأسرار من العلوم والوصية، حتى
_________________
(١) "مجموع الفتاوى"، (٤/ ٨١).
[ ١٧٤ ]
دعوى "محمد عيسى داود" أن أمير المؤمنين عليا ﵁ اختص بأسرار عيبية، وأنه قام بتلغيزها بالرموز والحروف المقطعة، وأنه لا يطلع عليها إلا ورثته من آل البيت الشريف
كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه، فيخبرهم بانتفاء ذلك، ولما بلغه أن ذلك قد قيل؛ كان يخطب الناس، وينفي ذلك عن نفسه" (١) اهـ.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص عليّ بعلم انفرد به عن الصحابة؛ فكله باطل وكذلك ما يذكر أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما، فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية" (٢).
وقد ادَّعى "محمد عيسى داود" أن عليّا -﵁- تلقى العلوم الظاهرة والباطنة من النبي -ﷺ- (٣)، وكذا الأسرارَ الغيبيةَ المتعلقةَ بكل ما يحدث في العالم حتى يوم القيامة، ثم إن عليّا لغَّزَ (٤) هذه العلوم بالرموز، والحروف المقطعة، والأشكال الخاصة، وادَّعى أن ذلك لا يطلع عليه إلَّا ورثة علم سيدنا علي من آل البيت الشريف (٥).
_________________
(١) "نفسه" (٤/ ٧٧).
(٢) "نفسه" (٤/ ٤١٢، ٤١٣)، وانظره (٣٥/ ١٨٦).
(٣) وهذا أحد مظاهر التزاوج بين الشيعة، والصوفية، انظر: "قطر الولي"، ص (٨٠، ٨١).
(٤) وتساءل: "هل يمكن أن تكون هذه القوانين مصاغة (!) في صورة كلمات، وجمل، هي رموز، و"شفرات"؟ وسمَّى هذا الفعل الْمُفتَرى على أمير المؤمنين علي -﵁- "التلغيز الكريم" و"التشفير العظيم"، وزعم أنه كان بتوجيه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، انظر كتابه "المفاجأة"، ص (٦١).
(٥) "المفاجأة"، ص (٥٨، ٥٩)، وقد نشر بداخل الكتاب دائرة فيها رموز، وطلاسم، ورسوم غريبة، أشبه ما تكون بما يرسمه الدجالون، وصناع الأحجبة!
[ ١٧٥ ]
"محمد عيسى داود" يدعي حجية "الجامعة" و"الجفر"
وزعم أيضًا أن أهل البيت توارثوا كتاب "الجامعة"، وادَّعى أنه إملاءٌ من رسول الله -ﷺ-، وخط علي -﵁- (١).
وادَّعى أيضًا حجية "الجفر" المزعوم (٢)، وذكر استدلالات منه على إعادة بناء الهيكل اليهودي (٣).
وقال في شأن "الجفر": (وفي الجفر الكبير "الأحمر" علوم صريحة واضحة الأحداث والمعالم، و"الجفر الصغير" مجموعات علوم، وتنبؤات ملغزة بقواعد علم الحرف، تلك العلوم الشديدة الخصوصية، والتي لا يعرفها إلَّا ندرة من أهل العلم (٤). اهـ.
فيا أسفا على مصنفين من أهل السنة، يُخدعون بمثل هذا الإنسان، ويرتضونه لهم قائدًا:
أَعمَى يَقُودُ بَصيرًا لَا أَبَا لَكُمُ قدْ ضَلَّ مَنْ كانَتِ الْعُميَانُ تَهْدِيه
_________________
(١) "نفسه" ص (٥٦).
(٢) "نفسه"، ص (٥٧) وراجع: "المهدي" هامش (٤)، ص (٣٨٩، ٣٩٠)، وانظر فيما يأتي ص (٢٠٩ - ٢١٢)، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وأما الكذب والأسرار التي يدَّعونها عن جعفر الصادق فمن أكبر الأشياء كذبًا، حتى يقال: ما كُذِب على أحدٍ ما كُذبَ علي جعفر -﵁-". "ومن هذه الأمور المضافة: كتاب "الجفر" الذي يدعون أنه كتب فيه الحوادث" اهـ. من "مجموع الفتاوى" (٤/ ٧٧، ٧٨)، وانظره أيضًا: (٣٥/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٣) "نفسه" ص (٣١٦) وما بعدها.
(٤) "المفاجأة" ص (٦١) وقد أفرد "السندباد المصري" الجفر بمصنف أسماه "أسرار الهاء في الجفر" في ست وثلاثين وخمسمائة صفحة، أتي فيه بطامَّات تستوجب تعزيره، والحجر عليه استصلاحًا للديانة، وحماية للمسلمين من دجله.
[ ١٧٦ ]
بيان الأقسام الثلاثة للإسرائيليات، والموقف الصحيح من كل منها
المطلب الثالث
الغُلُوُّ في تَقبُّلِ الإِسْرائيليَّاتِ (١)
تمتلئ كتب "العابثين بأشراط الساعة" بعشرات الأخبار الإسرائيلية المنقولة عن كتب اليهود والنصارى، وقد فصَّل العلماء الموقف من هذه الإسرائيليات، وبينوا أنها على ثلاثة أقسام (٢):
الْقِسمُ الْأَوَّلُ
ما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه فهو حقٌّ وصدق، وما خالفه فهو باطل وكذب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨].
_________________
(١) الإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبة إلى بني إسرائيل؛ والنسبة في مثل هذا تكون لِعَجُزِ المركب الإضافي، لا لصدره، وإسرائيل هو يعقوب -﵇- أي: عبد الله؛ وبنو إسرائيل هم: أبناء يعقوب، ومن تناسلوا منهم فيما بعد إلى عهد موسى، ومن جاء بعده من الأنبياء، حتى عهد عيسى -﵇- وحتى عهد نبينا محمد -ﷺ-، وانظر: "الإسرائيليات، والموضوعات في كتب التفسير"، ص (٢١).
(٢) انظر: "التفسير والمفسرون"، (١/ ١٦٥ - ١٨٣)، و"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير"، ص (١٥٠ - ١٥٦).
[ ١٧٧ ]
وهذا القسم صحيح وفيما عندنا غُنْيَة عنه، ولكن يَجوز ذكره، وروايته للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم؛ وذلك مثل ما ذُكر في صاحب موسى -﵇- وأنه الْخَضِرُ، فقد ورد في الحديث الصحيح، ومثل ما يتعلق بالبشارة بالنبي -ﷺ- وبرسالته، وأن التوحيد هو دين جميع الأنبياء، مما غفلوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شعاع منه يدل على الحق.
وفي هذا القسم: ورد قوله -ﷺ-: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، قال الحافظ في "الفتح": "أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدَّم منه -ﷺ- الزجر من الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية؛ خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك؛ لما في سماع الأخبار التي كانت في زمنهم من الاعتبار" (٢).
الْقِسمُ الثَّانِي
ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه؛ وذلك مثل ما ذكروه في قصص الأنبياء، من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كقصة يوسف، وداود، وسليمان، ومثل ما ذكروه في توراتهم: من أن الذبيح إسحاق، لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره، إلَّا مقترنًا
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٦١)، (٦/ ٤٩٦ - فتح).
(٢) "فتح الباري "، (٦/ ٤٩٨).
[ ١٧٨ ]
ببيان كذبه، وأنه مما حرفوه وبدلوه، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
وفي هذا القسم: ورد النهي عن النبي -ﷺ- للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم، وسؤالهم عنه، قال الإمام مالك -رحمه الله تعالى- في حديث "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ": المرادُ جوازُ التحدث عنهم بما كان من أمر حَسَنٍ، أَما ما عُلِمَ كذِبُهُ فلا (١).
ولعل هذا هو المراد من قول ابن عباس -﵄-:
" يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ (٢) الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ (٣)، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الكُتُبَ، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلاَ وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ " (٤).
_________________
(١) "نفسه" (٦/ ٤٩٨،٤٩٩).
(٢) أحدث: آخر الكتب السماوية نزولًا من عند الله -تعالى- وفي رواية: "أحدث الأخبار بالله".
(٣) لم يُشَب: لم يُخْلَط بغيره قط؛ لأنه محفوظٌ من التبديل والزيادة.
(٤) رواه البخاري في صحيحه (٢٦٨٥) (٥/ ٢٩١ - فتح)، (٧٥٢٣)، (١٣/ ٣٣٤،٣٣٣)
[ ١٧٩ ]
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
ما هو مسكوت عنه: لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولا نُكَذِّبُهُ؛ لاحتمال أن يكون حقّا فنكذبه، أو باطلًا فنصدقه، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم (١).
ولعل هذا القسم هو المراد بما رواه أبو هريرة -﵁- قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ» وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] (٢)، ومع هذا فالأولى عدم ذكره، وأن لا نضيع الوقت في الاشتغال به (٣)، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: (وَرَدَ حديث أخرجه الإمام أحمد، وابن أَبي شيبة والبزار، من حديث جابر: أن عمر أَتى النبي -ﷺ- بكتاب أَصابه من بعض أَهل الكتاب، فقرأَه عليه، فغضب، وقال: "لقد جِئْتكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لا تَسْأَلُوهُم عَنْ شَيءٍ فيُخْبِرُوكُم بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِباطِلٍ، فَتُصَدِّقُوا به، والذي نَفْسِي بِيَده، لَوْ أن مُوسَى كَانَ حَيُّا مَا وَسِعَهُ الَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي"، ورجاله موثقون: إلَّا أن في مجالدٍ -أحدِ رواته- ضَعْفًا، وأخرج البزَّارُ أيضًا من طريق عبد الله بن ثابت الأَنصاري: أَن عُمَرَ نسخ
_________________
(١) انظر: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" للإمام المفسر برهان الدين البقاعي، (١/ ٢٧٢ - ٢٧٧).
(٢) رواه البخاري (٧٣٦٢)، (١٣/ ٣٣٣ - فتح).
(٣) وهذا القسم غالبه مما ليس فيه فائدة تعود إلى أمر ديني مما أبهمه الله تعالى في القرآن، ولا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم، أو دنياهم.
[ ١٨٠ ]
صحيفة من التوراة، فقال رسول الله -ﷺ-: "لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَئءٍ" وفي سنده جابر الجعفي، وهو ضعيف، واستعمله -يعني البخاري- فى الترجمة لورود ما يشهد بصحته من الحديث الصحيح " (١).
قال ابن بَطَّال عن المهلب: "هذا النهي في سؤالهم عما لا نصَّ فيه؛ لأَن شرعنا مُكْتَفٍ بنفسه، فإذا لم يوجَدْ فيه نصّ؛ ففي النظر والاستدلال غِنًى عن سُؤَالِهِم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأَخبار المصدقة لشرعنا، والأَخبار عن الأُمم السالفة" (٢).
تَشْدِيدُ أَمِير الْمُومِيين عُمَرَ -﵁- عَلَى مَنْ كَانَ يَكْتُبُ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ:
وقد كانت مَقَالة النبي -ﷺ- لعمرَ -﵁-، وغضبه لكتابته شيئًا من التوراة درسًا تعلم منه سيدنا عمر، ومنهجًا أخذ الناسَ به؛ فقد روى الحافظ أَبو يعلى، بسنده عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسًا عند عمرَ، إذ أُتي برجل من عبد القيس، مسكنه بالسوس، فقال له عمر، أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم، قال: وأَنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أَمير المؤْمنين؟! فقال له عُمَرُ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٣٣٤)، وانظره (١٣/ ٥٢٥).
(٢) "السابق".
[ ١٨١ ]
هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف:١ - ٣]، فقرأها عليه ثلاثًا، وضربه ثلاثًا، فقال له الرجل: مالي يا أميرَ المؤمنين؟! قال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال (١)، قال: مُرْنِي بأَمرِك أَتَّبِعْهُ، قال: انطلق فامحه بالحميم (٢)، والصوف الأَبيض، ثم لا تقرَأهُ، ولا تُقْرِئهُ أَحَدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أَقرأته أَحدًا من الناس لأُنهكنك عقوبة، ثم قال: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقتُ أَنا فانتسختُ كتابًا من أَهل الكتاب، ثم جئت به في أَديم (٣)، فقال لي رسول الله -ﷺ-: "مَا هَذَا فِي يَدِكَ يَا عُمَرُ؟ " قلت: يا رسولَ الله، كتاب نسختُهُ لنزداد به علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله -ﷺ- حتى احمرت وجنتاه، ثم نُوديَ ب (الصَّلاةُ جَامِعَة)، فقالت الأَنصار: أَغَضِب نبِيكُّم؟ السلاحَ السلاحَ، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله -ﷺ- فقال: "يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أُؤييتُ جَوَامِعَ الْكَلِم، وَخَوَاتِيمَهُ، وَاخْتُصِرَ لِيَ اخْتِصَارًا، وَلَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نقِيَّةً، فَلَا تَهَوَّكُوا، وَلَا يَغُرَّنَكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ" (٤).
قال عمر: فقمتُ، فقُلتُ: "رضِيتُ بالله ربَّا، والإسلام دينَا، وبك رسولًا، ثم نَزَلَ رسول الله -ﷺ-".
وروى الحافظ أَبو بكر الإسماعيلي بسنده عن جبير بن نفير: أَن رجلين كانا بحمص في خلافة عُمَرَ -﵁- فأرسل إِليهما فيمن
_________________
(١) أحد أنبياء بني إسرائيل
(٢) الحميم: الماء الحار.
(٣) الأديم: الجلد.
(٤) المتهوك: المتحير الشاكُّ.
[ ١٨٢ ]
أَرسل من أَهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود شيئًا في صحيفة، فأَخذاها معهما يستفتيان فيها أَمير المؤمنين عمر، فلما قدما عليه قالا: إِنا بأَرض أَهل الكتاب، وإِنا نسمع منهم كلامًا تقشعرُّ منه جلودنا، أَفنَأخُذُ منه ونترك؟ فقال: سأحدثكما ثم ذكر قصته لما كتب شيئًا أعجبه من كلام اليهود، وقرأه عليه، فغضب الرسول -ﷺ-، وصار يمحوه بريقه، ويقول: "لَا تتَبِعُوا هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ قَد هَوَّكُوا، وَتَهَوَّكُوا" (١)، حتى محا آخِرَهُ، حَرْفًا حَرْفًا، ثم قال عمر: "فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكَالًا لهذه الأمة" قالا: "والله ما نكتبُ منه شيئًا"، ثم خرجا بصحيفتيهما، فَحَفَرَا لها، وَعَمَّقَا في الحفر، ودفناها، فكان آخر العهد منها (٢).
ونقل الحافظ في "الفتح" عن الإمام الشافعي -﵀ ئعالى- قوله في حديث: "حدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ": "من المعلوم أن النبي -ﷺ- لا يُجِيزُ التحدث بالكذب؛ فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كَذِبَهُ، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: "إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ"، ولم يرد الإذن (٣) ولا المنع من التحدث بما يُقطع بصدقه" (٤).
_________________
(١) أي: شَكُّوا، وشككوا غيرهم.
(٢) "تفسير القرآن العظيم" للحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- (٤/ ٤١٢ - ٤١٣)، ط. المنار.
(٣) أي: "فِيمَا عُلِمَ كَذِبُهُ"؛ لتستقيم العبارة.
(٤) "فتح الباري"، (٦/ ٤٩٩).
[ ١٨٣ ]
كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الموقف من الإسرائيليات
وقال الحافظ في "الفتح" في حديث: "لَا تُصَدّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تُكَذّبُوهُمْ": "أي: إذا كان ما يخبرونكم به مُحْتَمَلًا؛ لئلا يكون في نفس الأَمر صدقًا فتكذبوه، أَو كذِبًا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعُنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعُنا بوفاقه، نَبَّه على ذلك الشافعي -رحمه الله تعالى-، ويؤخذ من هذا الحديث: التوقف عن الخوض في المشكلات، والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا: يُحْمَلُ ما جاءَ عن السلف من ذلك" (١). اهـ.
وبهذا البيان والتوفيق بين المرويات في هذا الباب ظهر أَن لا تعارض بينها، ولا يخالف بعضُها بعضًا، وأَنَّ لكل حالة حكمها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يُعْلَمُ بغير ذلك، إذ العلم: إِمَّا نقل مُصَدَّقٌ، وإِمَا استدلالٌ مُحَقَّقٌ.
والمنقول: إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم -وهذا هو النوع الأول- منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف؛ ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهذا القسم الثاني من المنقول؛ وهو: ما لا طريقَ إلى الجزم بالصدق منه، فالبحث عنه مما لا فائدة فيه، والكلام فيه من فضول الكلام، وأَمَّا ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلًا.
_________________
(١) "نفسه" (٨/ ١٧٠).
[ ١٨٤ ]
فمثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم في أَحوال "أصحاب الكهف" وفي "البعض" الذي ضَرَبَ به موسى من البقرة، وفي مقدار "سفينة نوح"، وما كان خَشَبُها، وفي اسم "الغلام" الذي قتله الْخَضِرُ، ونحو ذلك، فهذه الأُمور طريق العلم بها: النقل، فما كان من هذا منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبيِّ -ﷺ- كاسم صاحب موسى أنه الخَضرُ- فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يُؤْخَذُ عن أَهل الكتاب؛ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم؟ ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه، ولا تكذيبه إلا بحجة (١)، كما ثبت في الصحيح عن النبى -ﷺ- أنه قال: "إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكمْ بِحَق فَتُكذِّبُوهُ، وَاِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكمْ بِبَاطِل فَتُصَدِّقُوهُ".
وكذلك: ما نُقِلَ عن بعض التابعين، وإن لم يَذْكُرْ أَنَهُ أَخَذَهُ عن أَهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعضُ أقوالهم حجةً على بعض، وما نُقِلَ في ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحًا، فالنفس إليه أسكَنُ مما نُقِلَ عن بعض التابعين؛ لأَنَّ احتمال أن يكون سمعه من النبيِّ -ﷺ- أَو من بعض من سمعه منه أَقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله، كيف يُقَالُ: إنه أَخَذه عن أَهل الكتاب وقد نُهوا عن تصديقهم (٢)؟! والمقصود أَن الاختلاف الذي لا يُعْلَمُ صحيحه، ولا
_________________
(١) انظر: "الرد على البكري"، ص (٦).
(٢) والجواب عن ذلك: أنهم أخذوا عنهم لما فهموا من الإذن والإباحة من قوله -ﷺ-: "حَدثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا حَرَج"، ما دام لم يدل دليل على كذبه.
[ ١٨٥ ]
تفيد حكايةُ الأَقوال فيه: هو كالمعرفة؛ لما يُرْوَى من الحديث الذي لا دليل على صحته، وأمثَالُ ذلك.
وأَمَّا القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود فيما يُحْتَاجُ إليه، ولله الحمد" (١). اهـ.
وقال، في موضعٍ آخر: "وغالب ذلك -يعني: المسكوت عنه- مما لا فائدة فيه يعود إلى أَمر ديني؛ ولهذا يختلف علماء أَهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماءَ أَصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعِدَّتهم، وعصا موسى، من أي الشجر كانت؟، وأَسْماءَ الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به المقتول من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك؟ مما أبهمه الله في القرآن؛ مما لا فائدة في تعيينه تعود على الْمُكَلَّفِين في دنياهم، ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز؛ كما قال -تعالى-: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف: ٢٢].
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأَدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا؛ فإنه -تعالى- أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضَعَّفَ القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدلَّ على صحته؛ إذ لو كان باطلًا لرَدَّه كما رَدَّهُما، ثم أَرْشَدَ إِلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته،
_________________
(١) "مقدمة في أصول التفسير"، ص (١٧ - ٢٠).
[ ١٨٦ ]
فَيُقَالُ في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أَطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: لا تُجْهِدْ نفسك فيما لا طائِلَ تحته، ولا وتسأَلهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أَحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أَن تُستَوعَبَ الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنبَهَ على الصحيح منها، ويُبْطَلَ الباطل، وتُذْكَرَ فَائِدَةُ الخلاف، وثَمَرَتُهُ؛ لئلا يطول النزاع، والخلاف فيما لا فائدة تحته، فَيُشْتَغَلَ به عن الأَهَم. فأَمَّا من حكى خلافا في مسألة، ولم يستوعب أَقْوَالَ الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص -أيضا- فإن صحح غير الصحيح عامدًا، فقد تعمد الكذبَ، أو جاهلا فقد أخطأَ، كذلك من نصب الخلافَ فيما لا فائدةَ تحته، أو حكى أَقوالًا متعددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول، أو قولين معنى، فقد ضَيَّعَ الزمان، وتكَثَّر مما ليس بصحيح، فهو كلابس ثَوْبَي زور، والله الموفق للصواب" (١).
مَوْقِفُ الْحَافظ ابْنِ كَثِيرٍ مِن
الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِن الإِسْرَائيليَّاتِ
قال -رحمه الله تعالى- في مقدمة "البداية والنهاية":
"ولسنا نَذْكُرُ من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-؛ وهو القسمُ
_________________
(١) "نفسه" (٤٦، ٤٧).
[ ١٨٧ ]
الذي لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب؛ مما فيه بسط لمختَصَر عندنا، أو تسمية لمبهم وَرَدَ به شرعُنا، مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به، لا على سبيل الاحتياج إليه، والاعتماد عليه.
وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنةِ رسوله -ﷺ-، ما صحَّ نقله أو حَسُنَ، وما كان فيه ضعف نُبَيِّنُهُ، والله المستعانُ، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، العلي العظيم" (١).
وقال -رحمه الله تعالى- مبينًا المقصودَ من قوله -ﷺ-: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائيلَ وَلَا حَرَجَ": إنه "محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار، وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا، فأما ما شهد له شرعنا بالصدق، فلا حاجة بنا إليه؛ استغناءً بما عندنا، وما شَهِدَ له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال.
فإذا كان الله -سبحانه وله الحمد- قد أغنانا برسولنا محمد -ﷺ- عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكَذِب ووضع، وتحريفٌ وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير" (٢).
_________________
(١) "البداية والنهاية" (١/ ٦).
(٢) "نفسه" (١/ ٧،٦).
[ ١٨٨ ]
نقول أخرى عن الحافظ ابن كثير في القضية
تعْليقُ الْعَلَّامَةِ أحْمَد شَاكِر
عَلَى كَلام الحافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ وَمَنْ وافَقَهُ
قال -﵀- في مقدمة "عمدة التفسير":
"إن إباحة التحدث عنهم -فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه- شَيء، وَذِكْرُ ذلك في تفسير القراَن -وَجَعْلُهُ قَوْلًا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يُعَيَّن فيها، أو في تفصيلِ ما أُجْمِل فيها- شيءٌ آخر!! لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يُوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مُبَيِّن لمعنى قول الله -سبحانه- ومُفَصِّل لما أُجْمِلَ فيه، وحاشا لله وكتابه من ذلك.
وإن رسول الله -ﷺ- -إذ أذن بالتحدث عنهم- أَمَرَنَا أن لا نُصَدِّقَهُمْ ولا نكَذِّبَهُم، فأيُّ تصديقِ لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفرًا".
ثم نقل عن الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- قوله: " وفي القرآن غُنْيَة عن كل ما عَدَاهُ من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وُضِعَ فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الْحُفَّاظِ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين؛ كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، من الجهابذة النقاد، والْحُفَّاظ الجياد، الذين دَوَّنوا الحديث وحرَّروه، وبيَّنوا صحيحه من حسنه من ضعيفه، من منكَره
[ ١٨٩ ]
وموضوعه، ومتروكه ومكذوبه، وعزَفوا الوضَّاعين، والكذَّابين، والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال؛ كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتَم الرُّسُل، وسيد البشر -ﷺ- أن يُنْسَبَ إليه كَذِبٌ، أَو يُحَدَّثَ عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل".
وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى- عند تفسير الآيات (٥١ - ٥٦) من سورة الأنبياء، بعد إشارته إلى حال إبراهيم -﵇- مع أبيه، ونظره إلى الكواكب والمخلوقات: "وما قَصَّهُ كثيرٌ من المفسرين وغيرِهم فعَامَّتُها أحاديثُ بني إسرائيل، فما وافقَ منها الحقَّ مما بأيدينا عن المعصوم قَبِلْنَاهُ؛ لموافقته الصحيح، وما خالف منها شيئا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة، لا نصدِّقهُ ولا نكذِّبه، بل نجعله وَقْفًا، وما كان من هذا الضَّرْب منها فقد رخَّص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له مما يُنْتَفَعُ به في الدِّين، ولو كانت فائدتُهُ تعود على المكلَّفين في دينهم لبينَتْهُ هذه الشريعةُ الكاملةُ الشاملةُ، والذي نَسْلُكُه في هذا التفسير الإعراضَ عن كثير من الأَحاديث الإسرائيلية؛ لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتَمل عليه كثير منها من الكذب الْمُرَوَّج عليهم؛ فإنهم لا تَفْرِقَةَ عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حَرَّره الأئمة الحُفَّاظُ المتْقِنُون من هذه الأمة".
وقال -أي: ابن كثير- عند تفسير الآية (١٠٢) من سورة البقرة: "وقد رُوي في قصة هاروتَ وماروتَ عن جماعة من التَّابعين؛ كمجاهد، والسُّدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والرَّبيع بن أنس، ومقاتل بن حيَّان، وغيرهم، وقصَّها خلق من المفسرين؛ من المتقدِّمين
[ ١٩٠ ]
والمتأَخرين، وحاصلُها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديثٌ مرفوعٌ صحيح متَّصلُ الإسنادِ إلى الصادقِ المصدوقِ المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهرُ سياق القرآن إجمالُ القصة من غير بَسْطٍ ولا إطنابٍ فيها، فنحن نُؤْمِنُ بما ورد في القرآن على ما أراده الله -تعالى- والله أعلم بحقيقة الحال".
وقال -ابن كثير- في أول سورة (ق): "وقد رُوي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق جبلٌ مُحيط بجميع الأرض، يقال له جبل قاف!! وكأنَّ هذا -والله أعلم- من خرافاتِ بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعضُ الناس؛ لِمَا رأَى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدَق ولا يكذَّب، وعندي أن هذا وأمثالَهُ وأشباهَهُ من اختلاقِ بعض زنادقتهم، يُلَبِّسُونَ به على الناس أمرَ دينهم؛ كما افْتُرِي في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها، وحُفَّاظها، وأئمتها- أحاديثُ على النبي -ﷺ- وما بالعَهْدِ من قِدَمٍ؛ فكيف بأمةِ بني إسرائيلَ، مع طول المدَى، وقلةِ الحُفَّاظ النُقَّاد فيهم، وشُرْبِهِمُ الخمورَ، وتحريف علمائهم الكلمَ عن مَوَاضِعِه، وتبديلِ كُتُبِ الله وآياتِه، وإنما أباح الشارعُ الروايةَ عنهم في قوله: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائيلَ وَلَا حَرَجَ " فِيمَا قد يُجَوِّزُهُ العقل، فأما فيما تُحِيلُه العقول، ويُحْكَمُ فيه بالبُطلان، ويَغْلُبُ على الظنون كذبُهُ، فليس من هذا القبيل".
وقال أيضًا عند تفسير الآيات (٤١ - ٤٤) من سورة النمل، وقد ذكر في قصة ملكة سبأ أثرًا طويلا عن ابن عباس، وَصَفَه بأنه "منكر غريبٌ جدًّا"، ثم قال: "والأقربُ في مثل هذه السياقات أنَّها مُتَلقَّاة عن أهل الكتاب، مما وُجِدَ في صُحُفِهِم، كروايات كَعْب، وَوَهْب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد، والغرائب،
[ ١٩١ ]
والعجائب، مما كان، وما لم يكن، ومما حُرِّف، وبُدِّل، ونُسِخَ، وقد أغنانا الله -سبحانه- عن ذلك بما هو أصحُّ منه، وأنفعُ، وأوضحُ، وأبلغُ، ولله الحمْدُ والمنَّة".
وقال عند تفسير الآية (٤٦) من سورة العنكبوت، بعد أن رَوَى الحديث: "إذَا حَدَّثَكُم أَهْلُ الكِتَاب فَلا تُصَدِّقُوهُم، ولا يكَذّبُوهُم "، قال: " ثُمَّ ليُعْلَم أنَّ أكثرَ ما يتحدَّثون به غالبُهُ كذبٌ وبهتانٌ؛ لأنه قد دخله تحريفٌ، وتبديلٌ، وتغييرٌ، وتاويلٌ، وما أقلَّ الصدق فيه! ثم ما أقلَّ فائدتَه لو كان صحيحًا! "
وقال عند تفسير الآية (١٩٠) من سورة الأعراف: "ثم أخبارُهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحتَهُ، بما دلَّ عليه الدليلُ من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبَه، بما دلَّ على خلافه من الكتاب والسنة -أيضًا-، ومنها ما هو مسكوتٌ عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله -﵇-: "حَدّثُوا عَنْ بَنِي اِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ "، وهو الذي لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّب؛ لقوله: "فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تكَذِّبُوهُم ".
وهناك قصةٌ طويلةٌ جدًّا، رواها النسائي في باب التفسير من السنن الكبرى، التي لم نَرَها، وابن أبي حاتم في تفسيره، عن ابن عباس، ويسميها الحافظُ ابن كثير "حديث الفُتُون" ساقه بِطُوله عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، من الآية (٤٠) من سورة طه، ثم قال: "وهو موقوفٌ من كلام ابن عبَّاس، وليس فيه مرفوعٌ إلَّا قليلٌ منه، وكأنَّهُ تلقَّاه ابن عباس مما أُبيح نقله من الإسرائيليات، عن كعب الأحبار، أو غيره، والله أعلم، وسمعتُ شيخنا أبا الحجاج المِزِّيَّ يقول ذلك أيضا".
[ ١٩٢ ]
الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- يشترط فيمن يجوز له النظر في كتب أهل الكتاب أن يكون متمكنا راسخا في الإيمان
وهذا الحديث -حديث الفُتُون- يشيرُ إليه الحافظ ابن كثير، في مواضعَ متعددةٍ من تفسيره، وقد نفيتُه عن كتابي هذا نَفْيًا، ولم أُشر إليه إلَّا مرةً واحدةً، عند أول مرة أشار إليه ابنُ كثير فيها، عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة، ثم أعرضتُ عن الإشارة إليه -إن شاء الله- فلا أُشِيرُ إليه إِلَّا أنْ أُضطَرَّ إلى ذلك اضطرارًا، وأسأل الله التوفيق والتيسير، والهدى والسداد.
ومن أعظَمِ الكَلِمِ في الدلالة على تنزيه القرآن العظيم عن هذه الأخبار الإسرائيلية؛ كلمةٌ لابن عباس، رواها البخاري في "صحيحه"، ونقلها عنه الحافظُ ابنُ كثير، عند تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة، فقال ابن عباس: "يا معشَرَ المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابُكم الذي أنزل الله على نبيّهِ أحْدَثُ أخبارِ الله، تقرءونه مَحْضًا لم يُشَبْ! وقد حدَّثكم الله أنَّ أهل الكتابِ قد بَدَّلُوا كتابَ اللهِ وغَيَّرُوه، وكتموا بِأيديهم الكتابَ، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفَلَا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءَلَتِهِم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قَطُّ سألكم عن الذي أُنزل إليكم ".
وهذه الموعظةُ القويةُ الرائعةُ رواها البخاري في ثلاثة مواضِعَ من "صحِيحِه ": [٥: ٢١٥، ١٣: ٢٨٢، ٤١٤ من فتح الباري] (١). اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- وهو يناقش حكم النظر في كتب أهل الكتاب: "والذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويَصِرْ من الراسخين
_________________
(١) "عمدة التفاسير"، (١/ ١٣ - ١٧)
[ ١٩٣ ]
وقال علامة الشام "محمد جمال الدين القاسمي" -رحمه الله تعالى-
في الإيمان؛ فلا يجوز له النظر في شيءٍ من ذلك، بخلاف الراسخ؛ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقلُ الأئمة قديمًا وحديثًا من التوراة، وإلزامُهُمُ اليهودَ بالتصديق بمحمد -ﷺ- بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جوازَ النظر فيه لما فعلوه، وتواردوا عليه" (١).
وقال علَّامة الشام "محمد جمال الدين القاسمي" -رحمه الله تعالى- بعد بحث طويل عن وقوع التبديل في كتب أهل الكتاب: "وبالجملة فكتب الكتابيِّين كأقوالهم، لا يُعتمد عليها كلَّها؛ لظهور الكذب والتناقض فيها إلى اليوم، ولظهور تلفيقها؛ فهي ككتب القصص عندنا، فيها شيء من القرآن والسنة، ولكنه ممزوج بالأكاذيب والآراء المقتبسة من الأمم، ثم إن موافقة القرآن الكريم، أو الحديث الصحيح، لبعض ما في كتبهم دون بعض، تدل على أن الله -تعالى- بَين له حقَّ كلامهم من باطله، وصِدقَه من كَذِبِهِ، وهذا معنى قوله -تعالى-: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
قال بعضهم: "لا شيءَ يُعَوَّلُ عليه في صِحَّةِ بعضِ أقوالِ كُتُبِ اليهود دون بعض بعدما طَرَأَ عليها من الضياع، والتحريف، والخلط، إلا الوحي، وقد ثبتت نبوةُ محمد -ﷺ- بالدلائل الساطعة، والآثار النافعة". انتهى؛ أي: فَعَلَى وحيه الْمُعَوَّل، فالحمد لله الذي وفقنا لاتباعه " (٢). اهـ.
_________________
(١) "فتح الباري"، (١٣/ ٥٢٥، ٥٢٦).
(٢) "محاسن التاويل"، (١/ ٥٠).
[ ١٩٤ ]
بيان أن العابثين بأشراط الساعة لم يلتزموا بضوابط جواز حكاية الإسرائيليات
وبعدُ: فهذه أقسام الإسرائيليات، والموقف الصحيح من كل قسم منها، وعلينا الآن أن نتساءل:
هل المنهج الذي سَلَكَهُ العابثون بأشراط الساعة يعكس التزامهم بالضوابط التي وضعها العلماء في حكاية الإسرائيليات؟ والجواب بالنفي:
أولًا: لأن مِن القوم مَن يروون كل ما يقفون عليه منها بغض النظر عن هذا التقسيم.
ثانيًا: ولأن من يقتصرون على حكاية "القسم الثالث" منها (١) لا يذكرون ذلك استشهادًا وتحلية -على حد تعبير ابن كثير-، وإنما اعتقادا واستدلالًا واحتجاجًا، بل منهم من يُقْسِمُ على صحة ما فيه، ومنهم من يُعَبِّرُ عن هذه "الإسرائيلياتِ" بالوحي القديمِ (٢).
وثالثًا: لأنهم عامَّتهم -كما يتضح من كتاباتهم- ليسوا من الراسخين الذين يجوز لهم النظر في كتب أهل الكتاب، كما قال الحافظ ابن حجر (٣) -رحمه الله تعالى-؛ ولذلك تأتي أقوالهم -بل أقوال الواحد منهم- متعارضة متضاربة، يكذب بعضها بعضا، وينقض آخرها أولها.
ورابعًا: أن منهم من يتجاوز الاستشهاد بالإسرائيليات إلى الاستدلال بها، ثم يزيد الطينَ بِلَّة حين يُضِيفُ إلى ذلك الاستدلالَ بتفسيرات
_________________
(١) راجع ص (١٨٠).
(٢) راجع ص (٨٥).
(٣) تقدم نقله عنه آنفا (١٩٣ - ١٩٤).
[ ١٩٥ ]
ظاهرة (التطبيع) مع الإسرائيليات
علمائهم ومفكريهم لها، فإذا كانت هذه الإسرائيليات نفسها محل توقف في كونها وحيًا معصومًا أو لا، فهل هناك توقف أو تردد في أن علماءهم وأحبارهم ومفكريهم غارقون في التيه، والحيرة، والضلال المبين؟ ظَاهِرَة (التَّطْبِيعِ) مَعَ الإِسْرَائِيليَّاتِ
إن النقل عن أهل الكتاب لم يقف عند الحد المسموح به، وإنما خرج الأمر عن كونه استشهادًا مشروطًا بشروط إلى كونه "ظاهرةً ملحةً متكررةً"، أكسبت الإسرائيليات في نفوس العوام صفة المرجعية، ولأول مرة ترتقي الإسرائيليات -على يد هذه الكوكبة من رواد "التطبيع الفكري مع الإسرائيليات"- إلى مستوى الحجية والمصداقية، وإذا بالقوم يفخرون "بالتهوك" (١)، ويمعنون فيه حتى إنه لتؤلف كتب ممحضة للنقل من الإسرائيليات فحسب (٢)، مع نبذهم المصادرَ الإسلاميةَ وراءهم ظهريًّا؛ عن أبي عبيدة قال: "من شغل نفسه بغير المهم، أضرَّ بالمهم"، وقال الإمام أحمد: "الاشتغال بهذه الأخبار القديمة يقطع عن العلم الذي فُرضَ علينا طلبُه" (٣).
وإذا بالمناظرات الإسلامية النصرانية التي تجرى تحت ظل الهيمنة الثقافية الغربية في ديار الغرب تجوس أشرطتها السمعية والمرئية خلال
_________________
(١) راجع حديث جابر بن عبد الله، وحديث خالد بن عرفطة، ص (١٨٠، ١٨١).
(٢) كما فعل صاحبا "تاريخ اليهود" في جزأين، "موسى في الأساطير الإسرائيلية"، في ثلاثمائة صفحة، ليس فيها آية قرآنية واحدة، ولا حديث عن المعصوم ﷺ بل محض نقل من توراة اليهود، وإسرائيلياتهم، فالله المستعان.
(٣) "الجامع" للخطيب (٢/ ١٦٠).
[ ١٩٦ ]
نقد ظاهرة ترجمة المناظرات الإسلامية النصرانية وترويجها في العوام
بيوت المسلمين؛ لتمرن قلوبهم على سماع سب الله -﷿-، وشتم رسول الله -ﷺ-، والطعن في كتاب الله -تعالى- والتطاول على دين الحق على لسان شياطينهم، ويُغَضُّ الطرف عن هذه الجرائم بحجة لزوم الإنصاف والعدل بين المتناظرين، مع أن غالب استدلالات المناظر المسلم تحوم حول الإسرائيليات، وقلما يستدلّ بشيء من القرآن الكريم، أو السنة النبوية (١).
واذا أنكرت عليهم هذا "الإغراق" في إشاعة الإسرائيليات بادروا بذكر قول النبي -ﷺ-: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَي اِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ"، وبأن العلماء أجازوا حكاية "القسم الثالث" من الإسرائيليات.
_________________
(١) وإن مما يؤسف له أشد الأسف استمراء هذا الوضع، وعدم إنكاره، لقد قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية: [آل عمران:١٨٦]، وها نحن -الآن- نسمع الأذى من "بعض المسلمين" الذين يترجمون هذه المحاضرات السمعية البصرية بما فيها من طعن، وسب لدين الإسلام، ويذيعونها في أوساط العوام بغير فقه، ونحن لا ننكر مناظرة أهل الكتاب؟ فإن هذا أحد أساليب الدعوة إلى الله، وإقامة الحجة، ولكن للمناظرة ضوابط، وكلما كانت في دائرة محدودة، كلما كانت أعون على الإقناع؛ كي لا تأخذ المجادلَ العزةُ بالإثم أمام جمهور الحاضرين؟ فيستكبر عن الانصياع للحق، ولا بد أن يتولى المناظرة عن الجانب الإسلامي عالم فقيه بصير يحسن الاستدلال- أولًا، وقبل كل شيء- بأدلة القرآن، والسنة الصحيحة، وأن يكون مؤهلًا ذا خبرة بشبهات القوم؛ لأنه إذا رد ردًّا ضعيفًا زادهم فتنة بكفرهم، ثم ينبغي أن تحجب شبهات وطعون المناظر الكافر عن عوام المسلمين؛ خشية أن تفتن قلوبهم بشبهات أعداء الله الذين يجهرون بالسوء من القول، ويحترفون التشويه، والتضليل للصد عن سبيل الله -تعالى-.
[ ١٩٧ ]
أحاديث تدل -بمجموعها- على شدة إنكار رسول الله ﷺ على من اشتغل بكتب أهل الكتاب
نقول: نعم يجوز ذلك، لكن البياضَ إذا اشتد صار بَرَصًا، فلماذا نبدأ من حيث انتهى بنا الشرع؟ ونجعل نقطة النهاية نقطة انطلاق إلى الإفراط في الاستدلال بالإسرائيليات، "والتمحور" حول كتبهم الْمُحَرَّفَةِ، الأمر الذي ينعكس سلبًا على ارتباط الناس بالقرآن الكريم، وسنة النبي -ﷺ- والاعتماد عليهما في المحاججة.
إن من أسلحة "الصهيونية النصرانية" في حربها ضد الإسلام الترويجَ للتأويلات الباطلة لما لديهم من نبوءات، ومن خلال ذلك تمارس حربًا نفسية لتخذيل المسلمين، وتثبيط هممهم (١).
فأين ما نحن فيه الآن من "التطبيع مع الإسرائيليات"، وموقفنا "البارد" تجاهه من سلفنا الصالح الذين كانت الدماء تغلي في عروقِهِم إذا رأوا من ينشغل بهذه الكتب عن القرآن الكريم، كتابِ الله المعجزِ المهيمن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
وما غَرَسَ في قلوبهم تلك الغيرةَ الأيمانيةَ على كتاب الله -﷿- إلا هَدْيُ رسول الله -ﷺ-، الذي وَرَدَ عنه أنه كان يغضب أشدَّ الغضب إذا وجد مِن أصحابه مَن يشتغل بكتب أهل الكتاب عن القرآن الكريم؛ فقد روى الإمام أحمد من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله -﵄-: "أن عمر بن الخطاب -﵁- أتى النبي -ﷺ- بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي -ﷺ-، فغضب، فقال: "أَمُتَهَوِّكُون فِيهَا يَا بْنَ الخطَّابِ؟ والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا نَقِيَّةً،
_________________
(١) انظر: "خُدعة هرمجدون" للمؤلف، نشر دار بلنسية، الرياض.
[ ١٩٨ ]
لا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَئءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَق فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى -ﷺ- كانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي".
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، ورجاله موثقُون، إلا أن في مجالدٍ ضعفًا" (١). اهـ.
قال الألباني -رحمه الله تعالى-: "لكنَّ الحديثَ قَوِيٌّ؛ فإن له شواهدَ كثيرة"، ثم ذكر بعضها، ومنها: ما رُوي عن عقبةَ بنِ عامرٍ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لَوْ كانَ فِيكُم مُوسَى واتبعْتُمُوه وَعَصَيتُمُوني؛ لَدَخَلْتُمُ النَّارَ".
ومنها: ما رُوِيَ عن خالد بن عرفطةَ قال:
"كنت جالسا عند عمرَ -﵁-؛ إذ أُتِيَ برجل من عبد القيس سَكَنُهُ بالسوس، فقال له عمر: أنت فُلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم، قال: وأنت النازلُ بالسوس؟ قال: نعم، فضربَهُ بعصَاة معه، فقال: ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال له عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ﴾ [يوسف] الآية، فقرأها عليه ثلاثا، وضربه ثلاثًا، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال: أنت الذي نسخت كتاب "دانيال"؟! فقال: مُرْنِي بأمرك أَتَّبِعْهُ، قال: انطلق فامْحُهُ بالحميم، والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه، ولا تُقْرِئْهُ
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٣٣٤).
[ ١٩٩ ]
أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أقرأته أحدًا من النَّاس، لَأُنْهِكَنكَ عقوبةً، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقتُ أَنا فانتسختُ كتابًا من أَهل الكتاب، ثم جئت به في أَديمٍ، فقال النبي -ﷺ-: "مَا هَذَا فِي يَدِكَ يَا عُمَرُ؟ " قال: قلت: يا رسولَ الله، كتاب نسختُهُ لِنَزْدَادَ به علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله -ﷺ- حتى احمرت وجنتاه، ثم نُوديَ ب (الصَّلاةُ جَامِعَةٌ)، فقالت الأَنصار: أَغَضِب نبِيّكُم؟ هَلُمَّ السلاحَ السلاحَ، فجاءوا حتى أحدقوا بِمِنْبَرِ رسول الله -ﷺ- فقال -ﷺ-: "يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنّي أُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَخَوَاتِيمَهُ، وَاخْتُصِرَ لِيَ اخْتِصَارًا، وَلَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَا تتَهَوَّكُوا، وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ"، قال عمرُ: فقمتُ، فقُلتُ: رضِيتُ بالله ربّا، وبالإسلام دينًا، وبك رسولًا، ثم نَزَلَ رسول الله -ﷺ- ".
ومنها: ما رُوِيَ عن أبي الدرداء -﵁- قال: "جاء عمرُ بجوامِعَ من التوراةِ إلى رسول الله -ﷺ- " الحديثَ، نحوَ روايةِ جابر باختصارٍ، وفيه: "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيده لَو كَانَ مُوسَى بَينَ أَظْهُركُم، ثمَّ اتَبعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُوني، لَضَلَلْتُمُ ضلَالًا بَعِيدًا، أَنْتُمُ حَظّي مِنَ الأمَمِ، وَأَنَا حَظكُمُ مِنَ النَّبِيينَ".
ومنها: ما رُوِيَ عن حفصةَ -﵂- أنها: "جاءت إلى النبي -ﷺ- بكتاب من قصَص يوسفَ في كِنْفٍ (١)، فجعلت
_________________
(١) الكِنْفُ: كل وعاءِ مثل العَيْبَة لحفظ الشيء، وكِنْفُ الراعي والصانع والتاجر: ما يحفظ فيه متاعه وأَسْقَاطَه.
[ ٢٠٠ ]
ذم السلف من انكب على كتب "أخبار الأوائل" ككتاب "دانيال"
تقرأ عليه، والنبي -ﷺ- يتلون وجهه، فقال: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَو أَتَاكُم يُوسُفُ وَأَنَا مَعَكُم، فَاتَبعْتُمُوهُ وَتَرَكتُمُوني؛ ضَلَلْتُمُ ".
ثم قال الألباني -عليه رحمة الله- بعد أن بَيَّنَ ضعفَ عامَّةِ هذه الشواهِد: "وجملة القول: إن مجيء الحديث في هذه الطرق المتباينة، والألفاظ المتقاربة، لَمِمَّا يدل على أن مجالد بن سعيد قد حَفِظَ الحديث، فهو على أقل تقدير حديثٌ حسنٌ، والله أعلم " (١).
ذَمُّ السَّلَفِ مَنِ انْكَبَّ عَلَى كتُبِ "أَخْبَارِ الْأَوَائِلِ" روى الخطيب بسنده عن ابن أبي أُويس قال: سمعت خالي مالكَ بن أنس، وسأَلَهُ رجلٌ عَنْ زَبُورِ داودَ، فقال له مالكٌ: "ما أَجْهَلَكَ! مَا أَفْرَغَكَ! أما لنَا في نافع، عن ابن عُمَرَ عن نبينا -ﷺ- ما شَغلنا بصحيحه عما بيننا وبين داود -﵇-؟ " (٢).
وعن صدقة بن يسار سمع عمرو بن ميمون يقول: "كنا جلوسًا في مسجد الكوفة، وذاك أولَ ما نُزِلَ (٣)، فأقبل مِنْ نحو الجسر رجلٌ معه كتاب، قلنا: ما هذا؟ قال: هذا كتاب، قلنا: وما كتاب؟ قال: كتابُ "دانيال"، فلولا أن القوم تحاجزوا لقتلوه، وقالوا: كتاب سوى القرآن؟ أكتاب سوى القرآن؟ " (٤).
_________________
(١) "إرواء الغليل"، (٦/ ٣٤ - ٣٨).
(٢) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "، (٢/ ١٦١).
(٣) أي: أول ما افتُتح المسجد للصلاة، والوعظ، وما أشبه ذلك.
(٤) "الجامع"، (٢/ ١٦٢).
[ ٢٠١ ]
اللهُ أكبرُ إنَّ دينَ محمدٍ وكتابَه أقوى وأقومُ قِيلا
لا تذكروا الكتبَ السوالفَ عنده طلع الصباحُ فأطفأ القِنديلا
وصدق القائل: نور الصباح يُغني عن المصباح.
وقال الخطيبُ البغدادي -رحمه الله تعالى-: "ويترك المنْتَخِب -أيضًا- الاشتغالَ بأخبار الأوائلِ؛ مثل كتاب "المبتدأ" ونحوه؛ فإنَّ الشُغْلَ بذلك غيرُ نافعٍ، وهو عن التَّوَفُّرِ على ما هو أولى قاطع" (١)، ثم أُسنِدَ عن الإمام أحمد قوله: "الاشتغال بهذه الأخبار القديمة يقطع عن العلم الذي فُرِضَ علينا طلبه" (٢)، ثم قال: "ونَظِيرُ ما ذكرناهُ آنفًا أحاديثُ الملاحِمِ، وما يكون من الحوادِثِ؛ فإِنَّ أَكثرها موضوع، وجُلَّها مصنوع، كالكتاب المنسوب إلى "دانيال"، والخُطب المروية عن علي بن أبي طالب" (٣).
وأخرج الخطيب في "الجامع": "أن عُمَرَ -﵁- بلغه أن رجلًا كتب "كتاب دانيال"، قال: فكتب إليه يرتفع إليه، قال: فلما قدم عليه جعل عُمَرُ يضرب بَطنَ كفِّه بيده، ويقول: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فقال عمر: أَقَصَصُ أحسن من كتاب ربنا؟! فقال: يا أمير المؤمنين، أَعْفِنِي؛ فوالله لأمْحُوَنَّهُ" (٤).
_________________
(١) "نفسه"، (٢/ ١٦٠).
(٢) "نفسه"، (٢/ ١٦١).
(٣) "نفسه"، (٢/ ١٦١).
(٤) "نفسه"، (٢/ ١٦١ - ١٦٢).
[ ٢٠٢ ]
وقال الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري -رحمه الله تعالى-: (وفي حديث ابن عمرٍو: "من أشراط الساعة أن يُقرأ فيما بينهم بالَمْثناة، ليس أحد يُغَيرها"، قيل: وما المَثْناة؟ قال: "ما استُكْتِبَ من غير كتاب الله تعالى" (١)، وقيل: إن المثناة هي أن أحبار بني إسرائيل بعد موسى ﵇ وضعوا كتابًا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو المثناة، فكأن ابن عمرٍو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كانت عنده كُتُب وقعت إليه يوم اليرموك منهم، فقال هذا لمعرفته بما فيها) اهـ (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ما معناه: (وقد انتفع عُمَرُ -﵁- في هذا بما وقع منه حين رأى النبي -ﷺ- بيده شيئًا من التوراة، فقال: "لَوْ كَانَ مُوسَى حَيا ثُمًّ تَبعْتُمُوه وَتَرَكْتُمُوني لَضَلَلْتُمُ"، وفي رواية: "مَا وَسِعَه إِلا اتباعِي"، وفي لفظ: "فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رسول الله -ﷺ- لَمَّا عَرَضَ عليه عمر ذلك، فقال له بعضُ الأنصارِ: يا بنَ الخطَّابِ، ألا ترى إلى وجه رسول الله -صلى الله ص عليه وسلم-؟ فقال عمر: رَضِيْنَا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيُّا"؛ ولهذا كان الصحابَةُ يَنهون عن اتباع كتبٍ غيرِ القرآن) (٣).
_________________
(١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قال رسول الله -ﷺ-: "من اقتراب -وفي رواية: أشراط- الساعة أن ترفع الأشرار، وتوضعَ الأخيار، وُيفتح القول، وُيخزن العمل، ويُقرأ بالقوم المّثْناةُ، ليس فيهم أحد ينكرها، قيل: وما المثناة؟ قال ما اسْتُكتب سوى كتاب الله -﷿-" رواه الحاكم (٤/ ٥٥٤)، وقال الهيثميْ "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح" اهـ. من "المجمع" (٧/ ٣٢٦)، وصححه الألباني في "الصحيحة" رقم (٢٨٢١).
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٣) "مجموع الفتاوى"، (١٧/ ٤١).
[ ٢٠٣ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أيضًا:
" ولما كان القرآن أحسن الكلام؛ نُهُوا عن اتباع ما سواه؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]، إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "وروى ابن أبي حاتم، حَدَثَّنَا أبي، حَدَثَّنَا إسماعيلُ بْنُ خليلٍ، حَدًثنَا عَلى بن مسهر، حَدَّثنَا عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطةَ، قال: كنت عند عمرَ بن الخظَاب -﵁- إذ أُتِيَ برجلٍ من عبد القيس مَسْكَنُهُ بالسوس، فقال له عمر: "أنت فلانُ بن فلانٍ العبدي؟ " قال: نعم، قال: "وأنت النازلُ بالسوسِ؟ "قال: نعم، فَضَرَبَهُ بقناة معه، فقال له: ما ذنبي؟ قال: فَقَرَأَ عليه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ فقرأها عليه ثلاث مرات، وضربه ثلاث ضربات، ثم قال له عمر: "أنت الذي انتسخت كتاب دانيال؟ " قال: نعم، قال: "اذهب فامحُهُ بالحميم، والصوف الأبيض، ولا تقرأه، ولا تُقْرِئْهُ أَحَدًا من الناس".
فقرأ عليه عُمَرُ هذه الآية ليبين له أن القرآن أحسن القصص؛ فلا يُحتاج معه إلى غيره، وهذا يدل على أن القصصَ عَامٌّ لا يختصُّ بسورة يوسف، ويدل على أنهم كانوا يعلمون أن القرآنَ أفضل من كتاب "دانيال"، ونحوه من كتب الأنبياء، وكذلك مثل هذه القصة مأثورة عن ابن مسعود -﵁- لَمَّا أُتِيَ بما كُتِبَ من الكُتُبِ مَحَاهُ، وذَكَرَ فضيلةَ القرآنِ كما فعل عُمَرُ -﵁-، ثم شَرَعَ -رحمه الله تعالى- في بيان معنى كون القرآن المجيد مهيمنًا على الكتب السابقة إلى أن قال:
[ ٢٠٤ ]
"ولهذا لم تَحْتَجِ الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر، وكتاب آخر، فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه عن غيره، سواء كان من علم المحدَّثين والملهمين، أو من علم أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتابٍ مُنَزَّلٍ من السماء" (١).
ونقل القرطبيُّ في "التذكرة" عن الحافظ أبي الْخَطَّاب بن دحية أنه قال عن "دانيال": "نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، كَلَامه عبراني، وهو على شريعة موسى بن عمران، وكان قبل عيسى ابن مريم بزمان، ومن أسند مثل هذا إلى نبي عن غير ثقة أو توقيف من نبينا -ﷺ-؛ فقد سقطت عدالته، إلى أن يُبين وضعه، لتصح أمانته، وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم، وما كان من الحوادث، وسيكون، وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون، وأغرب فيما أعرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يُكَذِّبُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، ويتعذر على المتأول لها تأويلُها، وما يتعلق به جماعة الزنادقة، من تكذيب الصادق المصدوق محمد -ﷺ- أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجَّال من يهودية أصبهان، وقد طعنَّا في أوائل سبعمائة في هذا الزمان، وذلك شيء ما وقع ولا كان، ومن الموضوع فيه المصنوع، والتهافت الموضوع، الحديث الطويل الذي استفتح به كِتَابَهُ، فهلا اتقى الله! وَخَافَ عِقَابَهُ! وإِنَّ من أفضح فضيحة في الدين نقلَ مثل هذه الإسرائيليات عن المتهودين؛ فإنه لا طريق فيما ذُكِرَ عن دانيال إلا عنهم، ولا رواية تُؤْخَذُ في ذلك إلا منهم " (٢).
_________________
(١) "نفسه"، (١٧/ ٤١ - ٤٦) باختصار.
(٢) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، (٧١٦ - ٧١٧).
[ ٢٠٥ ]
وروى الخطيب بسنده إلى يحيى بن معين، قال: "كان أبو اليمان يقول لنا: "الحقوا ألواحًا، فإنه يَجيءُ هاهنا الآن خليفة بسَلَمْيَةَ (١)، فيتزوج ابنة هذا القرشي الذي عندنا، ويُفْتَحُ بَابٌ هاهنا، وتكونُ فتنةٌ عظيمة، قال أبو زكريا: فما كان من هذا شيء، وكان كله باطل (٢)، قال أبو زكريا: وهذه الأحاديث كلها التي يحدثون بها في الفتن وفي الخلفاء، تكون كلها كذب (٣) وريح، لا يعلم هذا أحد إلا بوحي من السماء".
ثم أسند إلى أحمد بن حنبل قوله: "ثلاثةُ كتب ليس لها أصول: (٤) المغازي، والملاحم، والتفسير" (٥).
ثم قال: "وهذا الكلام محمولٌ على وجه، وهو أن المرادَ به كتبٌ مخصوصةٌ في هذه المعاني الثلاثة غير مُعْتَمَدٍ عليها، ولا مَوْثُوقٍ
_________________
(١) سَلَمْية: بلد بالشام، شرقي مدينة حماة.
(٢) كذا بالأصل، والصواب النصب.
(٣) كذا بالأصل، والصواب النصب.
(٤) أي: أسانيد؛ لأن الغالب عليها المراسيل، وانظر: "مقدمة في أصول التفسير"، ص (٢٠ - ٢٢).
(٥) انظر: "الرد على البكري"، لشيخ الإسلام، ص (١٧، ١٨)، وقال الحافظ ابن حجر معلِّقًا على العبارة المذكورة: "قلتُ: وينبغي أن يضاف إليها الفضائل، فهذه أودية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، إذ كانت العمدة في المغازي، على مثل الواقدي، وفي التفسير على مثل مقاتل والكلبي، وفي الملاحم على الإسرائيليات، وأما الفضائل؛ فلا يُحصى كم وضع الرافضة في فضل أهل البيت، وعارضهم جهلة أهل السنة بفضائل معاوية، بل وبفضائل الشيخين، وقد أغناهما الله وأعلى مرتبتهما عنها". اهـ. من "لسان الميزان" (١/ ٩٢).
[ ٢٠٦ ]
بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات الْقُصَّاصِ فيها".
ثم قال: "فأما كتب الملاحم، فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتَّصلت أسانيدها إلى الرسول -ﷺ- من وجوه مرضيَّة، وطرق واضحة جليَّة" (١).
_________________
(١) "الجامع"، (١/ ١٦٢، ١٦٣).
[ ٢٠٧ ]
المطلب الرابع
حُرُوفُ أَبِي جَادٍ، وُالاستِدْلَالُ بِهَا عَلَى الُمُغَيَّبَاتِ (١)
أربابُ هذه الطريقة يزعمون أن لهذه الحروف علاقةً ورابطةً قويَّةً بحياة الإنسان ومستقبله، وبالكون وما يحدث فيه من الحوادث؛ ويزعمون أنهم يعرفون حوادث هذا العالم من هذه الحروف، وطريقتهم في ذلك أنهم يكتبون حروف أبي جاد، ويجعلون لكل حرف منها قدرًا من العدد معلومًا عندهم، ويُجرون على ذلك أسماء الآدميين، والأزمنة، والأمكنة، وغيرها، ثم يُجرون على هذه الأعداد عملية حسابية من جمع وطرح بطريقة ما، وينسب العدد الباقي من هذه العملية إلى الأبراج الاثني عشر، ثم يقضون بالسعود والنحوس، وبأوقات الحوادث والملاحم، وبمدد الملك وأعمار الناس، إلى آخر ذلك من أمور الغيب، على وفق ما أصَّله لهم أسلافُهم، وأملاه عليهم شيطانُهم، ومن ذلك ما فعله يعقوب بن إسحاق الكندي، الذي عمل تسييرًا لهذه الأمة، وزعم أنها تنقضي عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة، وزعم بعض أتباعه أنه استخرج ذلك من حساب الْجُمَّل الذي للحروف التي في أوائل السور (٢).
_________________
(١) انظر: كتاب "التنجيم والمنجمون "، للدكتور/ عبد المجيد بن سالم المشعبي، ص (٣١١ - ٣١٨).
(٢) انظر: "الفتاوى الكبرى"، (١/ ٣٣٦).
[ ٢٠٨ ]
إبطال شيخ الإسلام ابن تيمية منهج الاستدلال على المغيبات بحروف أبي جاد
كتاب الجفر، المنسوب كذبا وبهتانا إلى جعفر الصادق -رحمه الله تعالى-
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:
"فلهذا تجد عامة مَن في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية، مثل أهل الاتحاد، فإن ابن عربي -في كتاب "عنقاء مُغْرِب" وغيرِه- أخبر بمستقبلات كثيرة عامتها كذب، وكذلك ابن سبعين، وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمَّل من حروف المعجم الذي ورثوه من اليهود، ومن حركات الكواكب الذي ورثوه من الكصابئة، كما فعل أبو نصر الكندي، وغيُره من الفلاسفة، وكما فعل بعضُ من تكلم في تفسير القرآن من أصحاب الرازي، ومن تكلم في تأويل وقائع النساك من المائلين إلى التشيع.
وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائفَ يدَّعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة، وخاطبت في ذلك طوائف منهم، وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى، وأنه لا يجري من هذه الأمور شيءٌ، وطلبت مباهلة بعضهم؛ لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين" (١). اهـ.
ويدخل ضمن هذه الصناعة ما يسميه الرافضة بعلم أسرار الحروف، وأهم مؤلف فيه عندهم كتاب الجفر، المنسوب كذبًا وبهتانًا إلى جعفر الصادق -رحمه الله تعالى-، ونسبته إليه كَذِبٌ عليه باتفاق أهل العلم به (٢)،
_________________
(١) "نفس المرجع" (٤/ ٨١، ٨٢).
(٢) وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "ونحن نعلم من أحوال أمتنا أنه قد أضيف إلى جعفر الصادق -وليس هو بنبي من الأنبياء- من جنس هذه الأمور -أي علم النجوم- ما يعلم كل عالم بحال جعفر -﵁- أن ذلك كذب عليه؛ فإن الكذب عليه من أعظم الكذب، حتى أنهم قد نسبوا إليه أحكام الحركات السفلية، =
[ ٢٠٩ ]
إذ إن واضع هذا الكتاب هو هارون بن سعيد العجلي (١)، وهو رأس الزيدية، وكان له كتاب يزعم أنه يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وقع ذلك لجعفر الصادق ونظائره عن طريق الكشف والكرامة كما يزعمون، ويزعمون أنه كان مكتوبًا عند جعفر في جلد جفر صغير، فرواه عنه هارون العجلي وكتبه، وسماه الجفر، باسم الجلد الذي كُتِبَ فيه، وصار هذا الاسم علمًا على هذا الكتاب عندهم.
وهذا الكتاب لم تتحمل روايته، ولا عُرِفَ عينه، وإنما تَظْهَرُ منه شواذُّ من الكلمات التي لا يصحبها دليل (٢)، ويزعمون أن هذا الكتاب مشتمل على حوادث الأزمان على مر العصور، عُرِفَتْ عن طريق علم الحروف المتعلق بآثار النجوم (٣).
_________________
(١) = والعلماء يعلمون أنه برئ من ذلك كله". اهـ. من "الفتاوى الكبرى"، (١/ ٣٣٢)، بل قد أورد بعضهم عنه -أي: جعفر الصادق- أنه سُئل عن النجوم؛ فقال: "هو علم قلَّتْ منافعه، وكثرت مضراته؛ لأنه لا يدفع به المقدور، ولا يُتقى به المحذور، وإن أخبر المنجم بالبلاء، لم ينجه التحرز من القضاء، وإن أخبرهم بخبر لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم ينازع الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه ". اهـ. من "مرآة العقول" (٤/ ٤٦٢).
(٢) هو هارون بن سعيد العجلي، ويقال: الجعفي، الكوفي الأعور، كان من غلاة الرافضة، توفي سنة خمس وأربعين ومائة. انظر: "الجرح والتعديل"، (٩/ ٩٠)، و"ميزان الاعتدال"، (٤/ ٢٨٤)، و"تهذيب التهذيب"، (١١/ ٦)
(٣) انظر: "مقدمة ابن خلدون"، ص (٣٣٤).
(٤) انظر: "نفس المصدر".
[ ٢١٠ ]
ومما يتشبثون به لتعضيد هذا المعتقد عندهم ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال: "وإن عندنا الجفرَ، وما يدريهم ما الجفرُ؟ فقيل له: ما الجفرُ؟ قال: وِعَاءٌ من أَدَمٍ فيه علم النبيين والوَصِيِّينَ، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل" (١).
وما رواه -أيضًا- أن أبا عبد الله سُئِلَ عن الجفر، فقال: "هو جلد ثور (٢) مملوء علمًا" (٣)، وتارة يذكرون أن هذا العلم مأثور عن آدم -﵇-؛ فقد نقل عن اليزيدي الحائري عن كتاب الينابيع: "أما آدمُ -﵇- فهو نبيٌّ مرسل خلقه الله -تعالى- بيده، ونفخ فيه من روحه، فأنزل عليه عَشْرَ صحائفَ، وهو أول من تكلم في علم الحروف، وله كتاب سفر الخفايا، وهو أول كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، ثم ذكر أن آدم -﵇- وَرَّثَهُ لأبنائه من بعده، وأبناؤه وَرَّثوهُ لمن بعدهم"، وهكذا إلى أن قال: "ثم وَرِثَ هذا العلمَ عن أبيه جعفر الصادقُ، وهو الذي حَلَّ مَعَاقِدَ رموزه، وفك طلاسم كنوزه".
ثم ذكر أن له كتابَ الجفرِ الأكبر، والجفر الأصغر، وأن الجفرَ الأكبرَ إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي من أ، ب، ت، ث، إلى آخرها، وأنها أَلفُ وفق، وأن الجفر الأصغر إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي مركبة من أبجد إلى قرشت، وهي سبعمائة وفق (٤).
_________________
(١) "الأصول من الكافي"، (١/ ١٨٦).
(٢) هذا مخالف لأصل التسمية؛ إذ إن الجفر ولد الماعز، لا الثور، انظر: "الصحاح"، (٢/ ٦١٥).
(٣) "الأصول من الكافي"، (١/ ١٨٧).
(٤) انظر "إلزام الناصب"، (١/ ٢٣٢ - ٢٣٥)، "رسالة شريفة" للصنعاني ص (٢٠ - ٢٨).
[ ٢١١ ]
وهذا كلُّهُ من أكاذيب الرافضةِ على ال بيت رسول الله -ﷺ-، وهذا الكتابُ كما ذكرتُ آنفًا نُسبَ كَذبا إلى جعفَر الصادق -رحمه الله تعالى- وليس لهم برهان على إثباته سوى القول المجرد عن الدليل، بل قد نفى علي بن أبي طالب -﵁- أن يكون هو وذريته مخصوصين بشيء من الوحي دون الناس، وذلك فيما رواه البخاري -رحمه الله تعالى-: "أنه قيل لعلي -﵁- هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: " لاَ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ (٢)، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " (٣)
أما نسبة هذا العلم إلى آدَمَ -﵇- فليست صحيحة، إذ إن كل ما رُوي في ذلك عن آدَمَ -﵇- من أنه كان عالمًا بحروف أبي جاد، وأن الله أنزلها عليه، فقد نُقِلَتْ عن أخبار إسرائيلية، لا يُوثَقُ بها، وقد أجمع المسلمون على أن ما روي عن بني إسرائيل في الأنبياء المتقدمين لا يُجْعَلُ عُمدَةً في ديننا، ولا يجوز التصديقُ بصحتها إلا بحجة صحيحة واضحة (٤)، كما قال النبي -ﷺ- في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة: "لَا تُصَدّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ، و﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ " (٥).
_________________
(١) العقل: الدية، "النهاية في غريب الحديث"، (٣/ ٢٧٨).
(٢) أخرجه البخاري، (١٦٠٤)، كتاب الجهاد والسير.
(٣) انظر: "مجموع الرسائل والمسائل" (١/ ٣٨٣).
(٤) أخرجه البخاري، (٩/ ٢٨٠)، كتاب التوحيد.
[ ٢١٢ ]
ما روي عن النبي -ﷺ- في الحث على تعلم أبي جاد، وتعلم تفسيرها، لا يصح
وما رواه البخاري أيضًا -عن ابن عَبَّاس﵄- قال: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عن شيء، وَكِتَابُكُم الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رسول الله -ﷺ- أَحْدَثُ الْأخْبَارِ بِاللهِ؟! تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا، لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كتابَ اللَّهُ، وَغَيَّرُوه، وكتبوا بِأَيْدِيهِم الْكِتَابَ، وَقَالُوا: هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ليَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِن العِلمِ عَن مُسَاءَلَتِهِمْ؟ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَن الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ" (١).
وبهذا يتبين أن ما ذُكِرَ عن آدمَ ﵇ من ذلك لا يجوز تصديقه، وكذلك ما روي عن النبي -ﷺ- في الحث على تعلم أبي جاد، وتعلم تفسيرها، لا يصح أيضًا؛ وذلك لأن هذا الحديثَ رُوِيَ من طريقين كلاهما لا يَصِحُّ عن النبي -ﷺ-: أولهما: ما ذكره ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن أبا بكر النَّقَّاش (٢) رواه في تفسيره، وغيره من المفسرين، كما ذكره ابن جرير الطبري في آخر تفسيره، ورد عليه، فذكر أن أبا بكر النقَّاش روى بسنده من طريق
_________________
(١) انظر تخريجه ص (١٧٩).
(٢) هو محمد بن الحسين بن محمد بن زياد بن هارون، أبو بكر النقاش، عالم بالقرآن وتفسيره، توفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، قال الخطيب البغدادي: "في أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة"، وقال أبو القاسم اللالكائي: "تفسير النقاش إشقاء الصدور، وليس بشفاء الصدور"، وقال البرقاني: "كل حديث النقاش منكر"، وقال الذهبي: "فيه ضعف". انظر: "تاريخ بغداد"، (٢/ ٢٠١)، و"ميزان الاعتدال"، (٣/ ٥٢٠)، و"لسان الميزان"، (٥/ ١٣٢).
[ ٢١٣ ]
محمد بن زياد الجزري (١)، أن رسول الله -ﷺ- قال: "تعلموا أبا جاد وتفسيرها، ويل لعالم جهل تفسير أبي جاد ".
وذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- قال بعد إيراد هذا الحديث: "لو كانت الأخبار التي رُوِيَتْ عن النبي -ﷺ- في ذلك صِحَاحَ الأسانيد، لم يُعدل عن القول بها إلى غيرها، ولكنها واهية الأسانيد، غير جائز الاحتجاج بمثلها، وذلك أن محمد بن زياد الجزري غير موثوق بنقله".
وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بعد ذلك: "الحديث فيه فرات بن السائب، وهو ضعيف لا يُحْتَجّ به، وهو فُرَاتُ بن أبي الفرات (٢)، ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضًا" (٣).
أما الطريق الثاني: فقد رواه الصدوق القمي الرافضي بسنده عن الأصبغ بن نُبَاتَةَ (٤)، أن النبي -ﷺ- قال: "تعلموا تفسير أبجد؛ فإن فيه الأعاجيبَ كلها، ويل لعالم جهل تفسيره " (٥).
_________________
(١) انظر: "كتاب الضعفاء الصغير"، رقم (٣١٧)، و"الضعفاء"، لأبي زُرعة، (٢/ ٤٤٧)، و"تهذيب التهذيب"، (٩/ ١٧٠)، و"التقريب"، (٥٨٩٠).
(٢) انظر: "الجرح والتعديل"، (٧/ ٨٠)، و"ميزان الاعتدال"، (٣/ ٣٤٣)، و"لسان الميزان"، (٤/ ٤٣٢).
(٣) انظر: "مجموعة الرسائل والمسائل"، (١/ ٣٨٤ - ٣٨٦).
(٤) هو الأصبغ بن نبَاتَةَ الحنظلي المجاشعي الكوفي، قال النسائيْ "متروك الحديث "، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال عنه -أيضَا-: "ليس بثقة"، وقال ابن حمدان: "متروك"، وقال أبو بكر بن عياش: "كذاب"، وقال ابن عدي: "بيِّنُ الضعف"، وقال ابن سعد: "كان شيعيُّا، وكان يضعف في روايته". انظر: "الضعفاء والمتروكين"، للنسائي، ص ١٥٦، و"الجرح والتعديل"، (٢/ ٣١٩)، و"ميزان الاعتدال"، (١/ ٢٧١)، و"تهذيب التهذيب"، (١/ ٣٦٢).
(٥) "التوحيد"، لابن بابويه القمي، ص (٢٣٧).
[ ٢١٤ ]
حساب الجمل صناعة الوثنيين وفلاسفة اليونان الصابئة
والأصبغ بن نُباتة لا يُحتَجُّ بروايته.
وقد ورد أن هذه الصناعةَ مأثورةٌ عن فلاسفة اليونان الصابئة الذين يعبدون الأوثان، فقد جعل أرسطو في آخر كتاب "السياسة" فصلا في حساب الجُمَّل، وادعى أنه يعرف بها الغالب من المغلوب، ونحو ذلك من أمور الغيب (١).
والذي ينبغي أن يُعْلَمَ في هذا الموضع أن هذه الحروفَ ليست أسماء لمسميات، ولا علاقةَ لها بمستقبل الإنسان ولا بحياته، وإنما أُلِّفَتْ ليُعْرَفَ تأليف الأسماء من حروف المعجم، بعد معرفة حروف المعجم، ثم إن كثيرا من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد، فيجعلون الألِف واحدًا، والباء اثنين، والجيم ثلاثة وهكذا، ثم أخذ هؤلاء هذا الاصطلاح، ولفقوا عليه الأباطيل وادَّعوا أَنَّهُ علم، وأن به تُعْرَفُ الأمورُ الغيبية، وربطوه بالتنجيم؛ لخفاء بطلان التنجيم على كثير من الناسِ، والعلم لا يُؤْخَذُ عن مثل هذه النظريات الفاسدة، ولا من هذه العقليات الجاهلية الباطلة، بل لابد فيه من عقل مُصَدَّق، ونقل مُحَقَّقٍ (٢)، وهذا الذي يزعمون ما هو إلا ادعاء علم استأثر الله به، وهذا بلا شك من أعظم الشرك في الربوبية، ومن صَدَّقَ به، واعتقد فيه كفر -والعياذ بالله (٣) -؛ كما قال ابن عباس -رضي الله
_________________
(١) انظر: "مقدمة ابن خلدون"، ص (١١٤).
(٢) انظر: "مجموعة المسائل"، (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
(٣) انظر: "معارج القبول"، (١/ ٣٢٦)، و"كفر من ادعى علم الغيب" لمؤلفة أبي هارون عيسى بن يحيى، نشر مكتبة الصحابة -جدة- ١٤١٥هـ.
[ ٢١٥ ]
عنهما- مُنْكِرًا على الذين يتخذون هذه الصناعة: "إن قومًا يحسبون أبا جاد، وينظرون في النجوم، ولا أرى لمن فعل ذلك من خلاق" (١).
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "وقد ثبت عن ابن عباس -﵄- الزجر عن عدِّ أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد؛ فإنه لا أصل له في الشريعة" (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن مُحَمَّد بن عبد الوهاب -رحمهما الله تعالى-: "وكتابة أبي جاد، وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب، هو الذي يسمى علم الحرف، وهو الذي فيه الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجُمل، فلا بأس به" (٣). اهـ.
_________________
(١) أخرجه عبد الرازق في "المصنف"، (١١/ ٢٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف "، (٥/ ٢٤٠)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق"، ص (٣٠٩)، رقم (٧٧٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى"، (٨/ ١٣٩)، ورواه الطبراني في "المعجم الكبير"، (١٠٩٨٠) مرفوعا، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" "وفيه خالد بن يزيد العمري، وهو كذاب"، (٥/ ١١٧).
(٢) "فتح الباري" (١١/ ٣٥١).
(٣) "فتح المجيد"، (٢/ ٤٩٧)، وانظر: "الدين الخالص"، (٢/ ٣٤٠). وقول الشيخ ﵀: "فأما تعلمها للتهجي وحساب الجُمَّل، فلا بأس به"؛ يقصد به استعماله في التأريخ للمعارك والوفيات والأبنية ونحو ذلك كما شاع عند بعض المسلمين، حيث إن لكل حرف قيمة عددية وفق الترتيب الأبجدي هكذا: أ١ ب٢ ج٣ د٤ هـ٥ و٦ ز٧ ح٨ ط٩ ي١٠ ك٢٠ ل٣٠ م٤٠ ن٥٠ =
[ ٢١٦ ]
وقال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله تعالى-: "وزعم بعضهم أن الساعة تقوم سنة ١٤٠٧ هـ؛ بناء على أن عدد حروف "بغتة" في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ ١٤٠٧" (١)، وبيَّن -رحمه الله تعالى- أن
_________________
(١) = س٦٠ ع٧٠ ف٨٠ ص٩٠ ق١٠٠ ر٢٠٠ ش٣٠٠ ت٤٠٠ ث٥٠٠ خ٦٠٠ ذ٧٠٠ ض٨٠٠ ظ٩٠٠ غ١٠٠٠ ومن أمثلة تطبيقه في التأريخ للوفاة: - عندما توفى السلطان "برقوق" وهو من سلاطين المماليك، قاموا بصياغة عبارة طريفة تحدد تاريخ وفاته، وهي: "في المشمش" وقيمته العددية طبقًا لحساب الجمل = (٨٠١) هـ. وقال الشاعر يرثي الشاعر الدلنجاوي: سألت الشعْرَ هل لك من صديق وقد سكن الدلنجاوي لحْدَهْ فصاح وخَر مغشيا عليه وأصبح راقدًا في القبر عنده فقلت لمن يقول الشعر: أقصِر لقد أرَّختُ: مات الشِّعْرُ بعده فعبارة: "مات الشعر بعده" تشير إلى تاريخ وفاة الشاعر الدلنجاوي: فمجموع م٤٠ ا١ ت٤٠٠ ا١ ل٣٠ ش٣٠٠ ع٧٠ ر٢٠٠ ب٢ ع٧٠ د٤ هـ٥ يساوي: ١١٢٣ هـ. وكثيرًا ما يستعمل في التأريخ للفراغ من نظم المتون وتصنيف الكتب، ومثاله: قول ناظم "تحفة الأطفال": (تاريخها بُشْرى لمن يتقنها)، أي: ١١٩٨ هـ. ومن اللطائف قول الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن السرائي: "كان أول خروج (تِمرلنك) فِي سنة (عذاب) يشير إلى أن ظهوره سنة (٧٧٣)، كما فِي "شذرات الذهب" (٤/ ١٣).
(٢) "تفسير المنار" (٩/ ٤٠١).
[ ٢١٧ ]
بعض الناس حاول تحديد عمر هذه الأمة عن طريق "عدد أبي جاد"، ثم قال: "وقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن عَدِّ أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد؛ فإنه لا أصلَ له في الشريعة" (١)، وقال -أيضًا-: "وأما عَدَدُ أبي جاد فليس بِلُغَوِيٍّ، ولا شرعي، بل هو اصطلاح يهودي" (٢).
أَصْلُ طَرِيقَةِ "حِسَابِ الْجُمَّلِ"
التي اعتمد عليها البعض في تحديد عمر الدنيا، وبعض أشراط الساعة، وبيان بدعية اعتمادها في تفسير فواتح السور: رُوِيَ أن أول من أدخل حساب الجُمَّل في تأويل حروف المعجم التي وردت في أوائل السور هم اليهود -لعنهم الله- كيدًا للإسلام وأهله، وأن حُييَّ بن أخطبَ عَدَّ جملة السنين التي تدل عليها هذه الحروف، وحسب عمر الأمة المحمدية؛ طبقًا لحساب الجُمَّل، غير أن هذا الحديث ضعيف (٣)، ولو صح؛ فكيف يكون لنا في هذا اليهودي أسوةٌ؟
_________________
(١) "نفسه" (٩/ ٣٩٦).
(٢) "نفسه" (٩/ ٣٩٧).
(٣) رواه -مختصرا- البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ٢٠٨)، والطبري في "التفسير" (١/ ٢١٦) رقم (٢٤٦) من طريق ابن إسحاق بأسانيد ضعيفة مضطربة، وقال ابن كثير: "وهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي؟ وهو ممن لا يُحتج بما انفرد به، بل قد رُمي بالكذب"، وقال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى- عند ذكره الخلاف في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور: "وقال بعضهم: هي حروف من حساب الجُمَّل، كرهنا ذكر الذي حُكي ذلك عنه؛ إذ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله". اهـ من تفسير الطبري (١/ ٢٠٨).
[ ٢١٨ ]
نقد إقحام حساب الجمل في تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور
ولقد ذهب البعض إلى أن "المتشابهات" الواردة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية [آل عمران:٧]، يُرَادُ بِهَا "الحروف المقطعة في أوائل السور"، وحكى الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- قَوْلَ من ذهب إلى أن الحروف المقطعة في أوائل السور من "المتشابه" وقولهم في تعليل ذلك: "لأنهن متشابهات في الألفاظ، وموافقات حروف حساب الجُمَّل"، ثم قال -رحمه الله تعالى-: "وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله -ﷺ- طَمِعوا أن يدركوا مِن قِبَلها معرفة مدة الإسلام وأهله، ويعلموا نهاية أُكْلِ (١) محمد -ﷺ- وأمته؛ فأكذب الله أحدوثتهم بذلك، وأعلمهم أن ما ابتغوا علمه من ذلك من قِبَل هذه الحروف المتشابهة لا يدركونه، ولا من قبل غيرها، وأن ذلك لا يعلمه إلا الله".
ثم قال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى-: "وهذا القول أشبه بتأويل الآية" (٢).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في شرح قوله -ﷺ-: "فَإِذَا رَأَيْتِ (٣) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ":
_________________
(١) الأُكْل: مدة العُمُر.
(٢) "جامع البيان عن تأويل آي القرآن" (٦/ ١٧٩، ١٨٠).
(٣) بكسر التاء؛ لأنه كان يخاطب أم المؤمنين عائشة -﵂-.
[ ٢١٩ ]
"والمراد التحذير من الإصغاء إلى الذين يَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ من القرآن، وأول ما ظهر ذلك من اليهود؛ كما ذكره ابن إسحاق في تأويلهم الحروف المقطعة، وأن عددها بالجُمَّل مقدار مدة هذه الأمة" (١).
وإن مما يُؤْسَفُ له أن فكرة "حساب الجمَّل" هذه انتقلت إلى بعض كتب التفسير التي تَقَبَّلَتْهَا دون رَوَّية؛ ولهذا استخرج بعض أئمة المغرب من: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ [الروم: ١، ٢] فتح بيت المقدس، واستنقاذه من يد العدو في سنة معينة (٢).
وقال العز بن عبد السلام عند تفسيره ﴿الم (١)﴾ [البقرة:١]: "هي حروف من حساب الجُمَّل"، ثم ذكر حكاية حُييِّ بن أخطب مع النبي -ﷺ-.
وقال السهيلي: "لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر؛ للإشارة إلى بقاء هذه الأمة" (٣).
ونقل السيوطي عن أبي الفضل المرسي قوله في الحروف المقطعة: "وإن فيها ذكر مدد، وأعوام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقي مَضْرُوبٌ بعضها في بعض" (٤).
_________________
(١) "فتح الباري" (٨/ ٢١١).
(٢) "الحروف المتقطعة" ص (٥٦)، نقلَا عن "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن" ص (٦٠).
(٣) "الإتقان في علوم القرآن" (٢/ ١٠).
(٤) "نفسه" (٢/ ١٢٨).
[ ٢٢٠ ]
ويقول السهيلي (١) كذلك تعليقًا على الحساب اليهودي: "وهذا القول من أحبار يهود، وما تأولوه من معاني هذه الحروف محتمل- حتى الآن- أن يكون من بعض ما دلت عليه الحروف المُقَطَّعَة ".
ولقد أدى تَسَربُ هذه الفكرة إلى أن توقع بعض العلماء انقضاء هذه الأمة المحمدية بعد الخمس مائة سنة الأولى، وها نحن الآن في عام ١٤٢٨هـ، والأمة باقية بحمد الله -تعالى-، ومَنِّه، وكرامته، وهي تزيد عددًا، ويكثر أتباع دين الحق.
يَقُولُ الدُّكتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو فراخ مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا المسْلَكِ:
"وإني لأعجب أشد العجب من قوم يَعْلَمُون أن الله -تعالى- قد استأثر بعلم الغيوب، ورأوا أن رسول الله -ﷺ- لم يثبت عنه أنه قال في شيء من ذلك كلامًا صريحًا؛ كيف يشقون على أنفسهم، ويتحملون العناء؛ ليذكروا من هذا ما لا يقبله العقل، ولا يطمئن إليه، ثم إنهم إذا أرأدوا أن يجعلوا الحروف التي وقعت في أوائل السور تدل -فيما تدل عليه- على ذلك المعنى، لماذا اقتصروا على بعضها دون بعض؟ وَهَلَّا جمعوها كلها؛ سواءٌ أتكَررت، أم لم تتكرر، ثم ذهبوا إلى أن مجموع جميعها هو المقصود" إلى أن قال: "وبعد؛ فإنَّا لا نسيغ لأنفسنا، ولا نرضى لأحدٍ سوانا أن يخوض في هذا، وفيما أشبه هذا؛ فإن علم ذلك كله عند الله وحده" (٢).
_________________
(١) وعلَّق الحافظ ابن حجر على موقف السهيلي هنا بقوله: "ولم أذكر ذلك -أي تطبيق حساب الجمَّل على الحروف المقطعة- ليُعتمد عليه؟ إلا لأبين أن الذي جنح إليه السهيلي لا ينبغي الاعتماد عليه لشدة التخالف فيه". اهـ من الفتح (١١/ ٣٥٢).
(٢) "الحروف المتقطعة" ص (٥٩).
[ ٢٢١ ]
ثم قا ل: "قال الخويبي: وقد استخرج بعضهم من ﴿الم (١)﴾ [الروم:١] فتح بيت المقدس؛ يفتحه المسلمون في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ووقع كما قاله"، ويوضح ابن عربي الكيفية التي تَمَّ بها ذلك الحساب الغريب، فَارْجِعْ إلى "روح المعاني" في ذلك إن شئت".
وذكر بعضهم أن "طه" معناه: يا بدر؛ لأن الطاء بتسعة، والهاء بخمسة؛ فذلك أربع عشرة؛ إشارةً إلى البدر؛ لأنه يتم فيها، وقريب من هذا ما عُنِيَ به بعض الشيعة من حذف المكرر من هذه الحروف، وصياغة جمل مما بقي منها في علي -﵁-، أو تفضيله، وترجيح خلافته؛ كقولهم: "صراط علي حق نمسكة"، ولكنهم قوبلوا بجمل أخرى مثلها من بعض السنيين تنقض ما قالوه؛ كقولهم: "صح طريقك مع السنة" (١)، إلى غير ذلك من الأقوال الغريبة الأخرى، ليس هذا موضع بسطها (٢).
ولقد نهى ابن عباس -﵄- عن مثل هذا المسلك، الذي اعتبره من جملة السحر، واعتبر أصحابه من الذين يتبعون المتشابه؛ لما في قلوبهم من الزيغ، والفتنة، والضلال، وذكر ابن حجر أن حساب الجمل: "باطلٌ لا يُعْتَمدُ عليه، ولا أصل له في الشريعة" (٣).
وقال ابن كثير: "وأما من زعم أنها دَالَّةٌ على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث، والفتن الملاحم؛ فقد ادَّعى ما ليس
_________________
(١) وقال بعضهم: "نص حكيمٌ قاطعٌ له سِرٌّ"، وما صح معناه من ذلك فإنما هو من "المُلَح"، وليس من "صُلْب" العلم.
(٢) انظرها في "الإتقان" (٢/ ٨ - ١٣)، "روح المعاني" (١/ ١٠٤)، "المنار" (١/ ١٢٣)، "سيرة النبي -ﷺ-" لابن هشام (١٧٢/ ٢).
(٣) "فتح الباري" (٨/ ٢١١)، وانظر: "الإتقان" (٢/ ١١).
[ ٢٢٢ ]
له، وطار في غير مطاره" (١)، وفي "تفسير المنار": "أضعف ما قيل في هذه الحروف وأسخفه: إن المراد بها الإشارة بأعدادها في حساب الجملة إلى مدة هذه الأمة، أو ما شابه ذلك".
وقال القاضي أبو بكر: "ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد تحصل لي فيها عشرون قولًا وَأَزْيَدُ، ولا أعرف أحدًا يحكم عليها بعلم، ولا يصل منها إلى فَهْمٍ، والذي أقوله: إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولا، متداولًا عندهم؛ لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي -ﷺ-؛ تلا عليهم ﴿حم (١)﴾ [فصلت:١]، ﴿ص﴾ وغيرها، فلم ينكروا ذلك، بل صرحوا بالتسليم له في بالبلاغة، والفصاحة مع تشوقهم إلى عثرة، وحرصهم على زلة؛ فدل على أنه كان أمرًا معروفًا بينهم لا إنكار فيه" (٢).
إنه لم يُعْرَفْ عن هؤلاء العرب مثل هذه الحسابات العددية لتلك الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية؛ فوجب رد هذه التأويلات التي لم يقصد بها وجه الحق، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء] (٣).
وممن استروح لمنهج حساب الجمل الشيخ "طنطاوي جوهري" الذي زَعَمَ إمكانية الرمز، والإشارة بالحروف إلى حساب الجمل، وقد نزل القرآن بذلك؛ ليأخذ الناس في فَهْمهَا؛ "حيث كان اليهود والنصارى
_________________
(١) "تفسير القرآن العظيم" (٣٨/ ١).
(٢) انظر "الإتقان" (٢/ ١١).
(٣) "الحروف المتقطعة" ص (٦٥ - ٦٢).
[ ٢٢٣ ]
يتخذون رموزًا، وإشاراتٍ مشهورةً في دينهم، فنزل القرآن بهذه الرموز؛ ليكون مفهومًا لجميع الطوائف؛ لأنه نزل للعرب، والعجم جميعًا".
قال الشيخ في ذلك: "اعلم أن القران كتابٌ سماويٌّ، والكتب السماوية تصَرِّحُ تارَةً، وترمز أخرى، والرمز والإشارة من المقاصد السامية، والمعاني والمغازي الشريفة، وقديمًا كان ذلك في أهل الديانات؛ ألم ترَ إلى اليهود الذين كانوا منتشرين في المدينة، وفي بلاد الشرق أيام النبوة، كيف كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجُمَّل المعروفة اليوم في الحروف العربية؛ فيجعلون الألف بواحدٍ، والباء باثنين، والجيم بثلاثة، والدال بأربعة، وهكذا مارِّين على الحروف الأبجدية إلى الياء بعشرة، والكاف بعشرين، وهكذا إلى القاف بمائة، والراء بمائتين، وهكذا إلى الغين بألف، كما ستراه في هذا المقام؛ كذلك ترى أن النصارى في إسكندرية، ومصر، وبلاد الروم، وفي سوريا قد اتخذوا الحروف رموزًا دينية معروفة فيما بينهم أيام نزول القرآن، وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية في مصر، وكانوا يرمزون بلفظ "اكسيس" لهذه الجملة: "يسوع المسيح ابن الله المخلص" فالألف من "اكسيس" هي الحرف الأول من لفظ "ايسوس" يسوع، والكاف منها هي الحرف الأول من "كرستوس" المسيح، والسين منها هي حرف الثاء التي تبدل منها في النطق في لفظ "ثيو" الله، والياء منها تدل على "ايوث" ابن، والسين الثانية منها تشير إلى "ثوتير" المخلص، ومجموع هذه الكلمات "يسوع المسيح ابن الله المخلص" (١)، ولفظ "اكسيس" اتفق أنه يدل على معنى سمكة؛ فأصبحت السمكة عند هؤلاء رمزًا لإلههم.
_________________
(١) تعالى الله عما يقول الظالمون علوُّا كبيرًا.
[ ٢٢٤ ]
فانظر، كيف انتقلوا من الأسماء إلى الرمز بالحرف، ومن الرمز بالحرف إلى الرمز بحيوان دلت عليه الحروف، قال الحَبْرُ الإنجليزي "صموئيل مونتج": "إنه كان يوجد كثيرا في قبور رومة صور أسماك صغيرة مصنوعة من الخشب، والعظم، وكان كل مسيحي يحمل سمكة؛ إشارةً للتعارف فيما بينهم " (١).
وجنح الشيخ "محمد عبد العظيم الزرقاني" صاحب "مناهل العرفان" إلى تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور بالرموز التي تعارفت عليها الطوائف اليهودية من حساب الجمل، وأن القرآن قد جاء بها؛ لتتفق مع مذاهبهم، قال الشيخ: "إذا كان من طبائع الأمم التي أحاطت بالبلاد العربية، وتغلغلت فيها، ونزل القرآن لجميع الناس من عرب، وعجم، كان لابد أن يكون على منهج تَلَذُّهُ الأمم، ويكون فيه ما يألفون".
ثم ذكر الشيخ حكاية حييِّ بن أخطب اليهودي؛ الذي عَدّ فيها عُمر الأمة الإسلامية (٢)، وانتهى الشيخ بعد أن ذكر هذه الرواية -دون أن ينبه على ضعفها- إلى أن حساب الجمل كان للتعارف عند اليهود، وهو نوع من الرموز الحرفية؛ فكانت هذه الحروف لابد من نزولها في القرآن (٣).
ويعلق الدكتور "محمد محمد أبو فراخ" -حفظه الله- قائلًا: "إن هذه الحروف لم تأتِ على منهج يَلُذُّهُ اليهود، أو غيرهم؛ وإنما جاءت على منهج القرآن العظيم المتلائم المتناسب، فيما قدمه من حروف وكلمات،
_________________
(١) "الجواهر في تفسير القرآن الكريم " (٢/ ٥).
(٢) تقدم تضعيفها ص (٢١٨).
(٣) "مناهل العرفان" (١/ ٢٢٤، ٢٢٥).
[ ٢٢٥ ]
ومع المعاني المرادة منها، والمقاصد التي أتى بها؛ لإثبات الحق، ونفي الباطل بأعظم وجه، وأتم بيان" (١) اهـ.
_________________
(١) "الحروف المتقطعة" ص (٦٦).
[ ٢٢٦ ]
الخوض في هذه القضية مما لا يترتب عليه عمل
لم يصح حديث في مقدار عمر الدنيا
الفصل الرابع
تحديد عُمُر الدنيا
بادئ ذي بَدْءٍ نُقَرّرُ أن الخوض في هذه القضية مما لا يترتب عليه عمل؛ إذ يشبه السؤال عنها قول السائل لرسول الله -ﷺ-: "مَتَى السَّاعَةُ؟ "، فأجابه -ﷺ- جوابَ الحكيم، بخلاف ما يترقب (١) فقال: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " (٢)، فلكلِّ إنسانٍ ساعته، وقيامته (٣)، والذي يعنيه: أن يستعد للقاء الله إذا حضر أجله بالعمل الصالح.
قال الإمام العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير -رحمه الله تعالى-: "اعلم أن مقدار الدنيا لا يعلمه إلَّا الله، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة في بيان ذلك، ووردت أحاديث وآثار ما يحصل بها جزم بأنه مقدار معين" (٤) اهـ.
ومع هذا، فقد خاض البعض في هذا الأمر وغلطوا؛ كما فعل الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- في كتابه "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف" (٥) احتج فيه بأحاديث لم تصح؛ منها ما رواه الضحاك بن زمل
_________________
(١) ووجهه أنه سأله عن الساعة بالمعنى الأول، وهي الساعة الكبرى، فأجابهم بالساعة الوسطى إشارة إلى أن الأهم هو ذلك، وإعلامًا بأن الساعة الكبرى قد طوى الله سبحانه عن عباده تعيينها، وأنه لا يعلمها إلَّا هو، ولا يُجَليها لوقتها إلَّا هو سبحانه.
(٢) انظر تخريجه، ص (٤٤)، هامش رقم (٤).
(٣) انظر: "تفسير المنار" (٩/ ٣٨٧)، وانظر: هنا ص (١٩ - ٢١).
(٤) "رسالة شريفة" ص (٣٠).
(٥) ضمن "الحاوي" (٢/ ٨٦).
[ ٢٢٧ ]
الجهني (١)، قال: رأيت رؤيا، قصصتها على رسول الله -ﷺ- فذكر الحديث، وفيه: إذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، فقال -ﷺ-: "أَمَّا المِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ سَبْعِ دَرَجَاتٍ، وَأَنَا أَعْلَاهَا دَرَجَة؛ فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَة، وَأَنَا في آخِرِهَا ألفًا" (٢).
وذكر الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- في "المنار المنيف" أمورًا كلية، يُعْرَفُ بها كونُ الحديث موضوعا؛ منها: "مخالفته صريحَ القرآن؛ كحديث مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن الآن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا، لكان كل واحد عالمًا أنه بقي للقيامة من وقتنا هذا مائة وإحدى وخمسون سنة" (٣) اهـ. علمًا بأن ابن القيم عاش في القرن الثامن الهجري.
وقال ابن كثير في "النهاية في الفتن والملاحم": حديث (أن النبي -ﷺ- يُؤَلِّفُ تحت الأرض) لا أصل له (٤)، وحديث "الدُّنيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الآخِرَةِ، سبعة آلاف سنة" (٥) لا يصح إسناده، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد وقت القيامة على التعيين، لا يثبت إسناده (٦).
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١١/ ٣٥١).
(٢) وهذا حديث موضوع، انظر: "ضعيف الجامع الصغير" (٣/ ١٦٠) رقم (٣٠١٣)
(٣) "المنار المنيف" ص (٨٠).
(٤) "نهاية البداية والنهاية" (١/ ١٩)، ومعنى يؤلف هنا: يُكَمِّل ألف سنة.
(٥) أخرجه ابن جرير في "التاريخ" (٨/ ١) بسنده، وفيه يحيى بن يعقوب بن مدرك بن سعيد الأنصاري، قال البخاري: "منكر الحديث" كما في "التاريخ الكبير" (٤/ قسم٢/ ص ٣١٣)، وشيخه حماد بن أبي سليمان فيه مقال، وشيخ ابن جرير محمد بن حميد الرازي كذبه أبو زرعة كما في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٥٣٠).
(٦) "نهاية البداية والنهاية" (١/ ٢٢)، بتصرف.
[ ٢٢٨ ]
واحتج السيوطي -رحمه الله تعالى- بآثار فيها تحديد عمر الدنيا، وأغلبها إسرائيليات، وقال -رحمه الله تعالى-: "الذي دَلَّت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة".
تَعليقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَلامِ السُّيُوطِيِّ ﵀
قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير -رحمه الله تعالى-: "إذا أحطت علمًا بجميع ما سقناه؛ علمت بأن القول بتعيين مدة الدنيا من أولها إلى آخرها بأنه سبعة آلاف سنة لم يثبت فيه نصٌّ يُعْتَمَدُ عليه؛ وغاية ما فيه آثار عن السلف، وإن كانت لا تقال إلا عن توقيف؛ فلعلها مأخوذة عن أهل الكتاب، وفي أسانيدها مقال، وقد عُلم تغييرهم لما لديهم عن الله تعالى، وعن رسله -﵈-" (١) اهـ.
وممن تعقب السيوطي -رحمه الله تعالى- الشيخ مرعي الكرمي في "بهجة الناظرين" قائلًا: "وهذا مردود؛ لأنَّ كل من يتكلَّم بشيء من ذلك؛ فهو ظنّ، وحسبانٌ، لا يقوم عليه برهان" (٢).
وقد بين الصنعاني -رحمه الله تعالى- أن السيوطي أقام رسالته "الكشف" على آثار بواطيل، وجمع ما تضمنته من تواريخ، وحسابات؛ فبلغت معه مائتي سنة وثلاثًا وستين سنة، ثم قال الصنعاني: "ونحن الآن في القرن الثاني عشر، ويضاف إليه مائتان وثلاث وستون سنة؛ فيكون الجميع
_________________
(١) "رسالة شريفة" ص (٥٠).
(٢) نقله عنه في "السابق" ص (١٨٩).
[ ٢٢٩ ]
أربعة عشرة مائة وثلاثة وستين"، ثم قال متعقبًا السيوطي: "وعلى قوله: إنه لا يبلغ خمسمائة سنة بعد الألف، يكون منتهى بقاء الأمة بعد الألف أربعمائة سنة وثلاثًا وستين سنةً، ويتخرَّج منه أن خروج الدَّجَّال -أعاذنا اللهُ من فتنته- قبل انخرامِ هذه المائة التي نحن فيها؛ وهي المائة الثانية عشرة من الهجرة النبوية" (١).
وعًقَّبَ عَلَى قَوْلِ الصَّنْعَانِي هَذَا القَنَّوجي؛ فَقَالَ:
"وقد مضى إلى الآن على الألف نحوٌ من ثلاثمائة سنة، ولم يظهر المهدي! ولم ينزل عيسى! ولم يخرج الدَّجَّال!! فدلَّ على أن هذا الحساب ليس بصحيح" (٢).
وممن انتقد رسالة السيوطي -رحمه الله تعالى- الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله تعالى-؛ إذ قال في "المنار": "فكأن رسالته كلها مستنبطة من الخبرين الموضوعين، أي: المكذوبَيْن على رسول الله -ﷺ-، فتأمل -هداك الله تعالى- ما يفعل الغرور بظاهر الروايات حتى في أنفس المشتغلين بالحديث؛ كالسيوطي الذي عُدَّ من الحفاظ، وأنكر ذلك زميله السخاوي، وكلاهما من تلاميذ الحافظ ابن حجر" (٣).
وكان قد انتقد الآثار التي أوردها السيوطي، والتي فيها أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، فقال: "وقد اغتر بها من لا ينظرون في نقد الروايات إلا من جهة أسانيدها؛ حتى استنبط بعضهم منها ما بقي من عمر الدنيا،
_________________
(١) "رسالة شريفة" ص (٤٥)، وتاريخ كتابتها سنة (١١٦٧ هـ) كما صرح بذلك الصنعاني نفسه ص (٤٠).
(٢) "الإذاعة" ص (١٨٤).
(٣) "تفسير المنار" (٣٩٨/ ٩).
[ ٢٣٠ ]
أولا: الإمام أبو محمد علي بن حزم
وللجلال السيوطي في هذا رسالة قد هدمها عليه الزمان؛ كما هدم أمثالها من التخرصات، والأوهام، وما بُث في الإسرائيليات من الكيد للإسلام" (١).
وقال الشيخ يوسف بن عبد الله الوابل -حفظه الله-:
"وكما أنه لا يعلم أحد متى تقوم الساعة، فكذلك لا يعلم أحد متى تظهر أشراط الساعة، وما ورد أنه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحصل كذا فهو ليس بصحيح؛ فإن التاريخ لم يوضع في عهد النبي -ﷺ-، وإنما وضعه عمر بن الخطاب -﵁-؛ اجتهادًا منه، وجعل بدايته هجرة النبي -ﷺ- إلى المدينة" (٢).
ذِكْرُ نُصُوص عنِ الْعُلمَاءِ الْمُتَقَدِّمينَ عَلَى السُّيُوطِيِّ
في قَضِيَّةِ "تَحْدِيْدِ عُمرِ الدُّنْيَا"
أَوَّلًا: الإمام أبو محمد علي بن حزم (ت ٤٥٦) -رحمه الله تعالى-: لم يعبأ بشيء من تلك الروايات المأثورة في هذه المسألة على طول باعه، وسَعة حفظه للآثار، وقد سبق القاضي عياضًا، والقاضي أبا بكر بن العربي، وابن خلدون في رفضه لما قيل في عمر الدنيا، والعجب أن الحافظ فاته إيرادُ ما قاله ابن حزم في هذه المسألة على سعة اطلاعه.
_________________
(١) "نفسه" (٩/ ٣٩٣).
(٢) "أشراط الساعة" ص (٦٥).
[ ٢٣١ ]
قال -رحمه الله تعالى- في "الفِصَل":
مطلب بيان كذب من ادَّعى لمدة الدنيا عددًا معلومًا قال (أبو محمد): "وأما اختلاف الناس في التاريخ فإن اليهود يقولون: للدنيا أربعة آلاف سنة ونيف، والنصارى يقولون: للدنيا خمسة آلاف سنة، وأما نحن فلا نقطع على عدد معروف عندنا، وأما من ادَّعَى في ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر، أو أقل؛ فقد كذب، وقال ما لم يأتِ قط عن رسول الله -ﷺ- فيه لفظة تصح، بل صح عنه -ﷺ- خلافُه، بل نقطع على أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله تعالى، قال الله -سبحانه-: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقال رسول الله -ﷺ-: "مَا أَنْتُم فِي الأمَمِ قَبْلَكُم إِلَّا كالشَّعْرَةِ البيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأسْوَدِ أَوْ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ"، هذا عنه ﵇ ثابت، وهو ﵇ لا يقول إلا عين الحق، ولا يسامح بشيء من الباطل، وهذه نسبة مَن تدبرها، وعرف مقدار أعداد أهل الإسلام، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض، وأنه الأكثر؛ علم أن للدنيا عددًا لا يحصيه إلا الله الخالق تعالى، وكذلك قوله -ﷺ-: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" وضم أصبعيه المقدستين السبابة، والوسطى، وقد جاء النص بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا الله -تعالى- لا أحد سواه؛ فصح أنه -ﷺ- إنما عنى شدة القرب، وله -ﷺ- منذ بُعث أربعمائة عام ونيف، والله -تعالى- أعلم بمقدار ما بقي من عمر الدنيا؛ فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما
[ ٢٣٢ ]
سلف؛ لقلته وتفاهته، بالإضافة إلى ما مضى، فهذا الذي قاله -ﷺ- من أننا فيما مضى كالشعرة في الثور، أو الرقمة في ذراع الحمار" اهـ. كلام ابن حزم -رحمه الله تعالى- (١).
ثَانيًا: الْقَاضِي عِيَاضٌ -رحمه الله تعالى-:
فقد نقل عنه الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لحديث: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كلهَاتَينِ" قوله: حاول بعضهم في تأويله أن نسبة ما بين الأصبعين؛ كنسبة ما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى، وأن جملتها سبعة آلاف سنة، واستند إلى أخبار لا تَصِحُّ، وذكر ما أخرجه أبو داود في تأخير هذه الأمة نصف يوم، وفسَّره بخمسمائة سنة؛ فيؤخذ من ذلك أن الذي بقي نصفُ سُبع، وهو قريب مما بين السبابة، والوسطى في الطول.
قال: وقد ظهر عدم صحة ذلك؛ لوقوع خلافه، ومجاوزة هذا المقدار، ولو كان ذلك ثابتًا؛ لم يقع خلافه.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رحمه الله تعالى-:
"قلت: وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد عياض إلى هذا الحين ثلاثمائة سنة، وقال ابن العربي: قيل: الوُسْطَى تزيد على السبابة نصف سبعها، وكذلك الباقي من الدنيا من البعثة إلى قيام الساعة، قال: وهذا بعيدٌ، ولا يُعلَم مقدار الدنيا؛ فكيف يتحصل لنا نصف سبع أمدٍ مجهول؟ فالصواب الإعراض عن ذلك" (٢) اهـ.
_________________
(١) "الفِصَل في الملل والأهواء والنحل" (٢/ ٨٤، ٨٥).
(٢) "فتح الباري" (١١/ ٣٥٠).
[ ٢٣٣ ]
ثَالِثًا: الإِمَامُ القُرْطُبِي:
قال -رحمه الله تعالى-: "إن ما أخبر به النبي -ﷺ- من الفتن، والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك كوقت قيام الساعة؛ فلا يعلم أحدٌ أيَّ سنة هي؟ ولا أيَّ شهر؟ أما أنها تكون في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم ﵇، ولكن أي جمعة؟ لا يعلم تعيين ذلك اليوم إلا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يُعْلم، والله أعلم " (١).
رَابِعًا: شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال -رحمه الله تعالى-: " ومن تكلم في وقتها المعين، مثل الذي صنف كتابًا سمَّاه "الدر المنظم في معرفة الأعظم" وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها، والذين تكلموا على ذلك من "حروف المعجم"، والذي تكلم في "عنقاء مغرب"، وأمثال هؤلاء، فإنهم -وان كان لهم صورة عظيمة عند أتباعهم- فغالبهم كاذبون مفترون، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم؛ وإن ادَّعَوْا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف] " (٢) اهـ.
_________________
(١) "التذكرة" للقوطبي، ص (٦٢٨).
(٢) "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٤٢).
[ ٢٣٤ ]
خَامِسًا: الإِمَامُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ:
قال -رحمه الله تعالى-: "والذي في كتب الإسرائيليين، وأهل الكتاب؛ من تحديد ما سلف بألوفٍ، ومِئين من السنين، قد نص غير واحد من العلماء على تخطئتهم فيه، وتغليطهم، وهم جديرون بذلك، حقيقون به، وقد ورد في حديث: "الذُنيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الآخِرَةِ"، ولا يصح إسناده أيضًا، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده" (١).
سَادِسًا: الحافظ ابن رجب الحنبلي:
قال -رحمه الله تعالى- بعدما سرد جملة من النصوص التي استدل بها من يحددون ما تبقى من عمر الدنيا:
"وأخذُ بقاء ما بقي من الدنيا على التَّحديد من هذه النصوص لا يصح، فإن الله استأثر بعلم الساعة، ولم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه، وهو من مفاتح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله؛ ولهذا قال النبي -ﷺ-: "ما المَسْئُولُ عَنْهَا بأَعْلمَ مِنَ السَّائِلِ"، وإنما خرج هذا من النبي -ﷺ- على وجه التقريب للساعة بغير تحديد لوقتها.
وقد قدمنا أن المراد بهذا الحديث مدة أمةِ محمد -ﷺ- مع مدة أمةِ موسى وعيسى ﵉.
_________________
(١) "نهاية البداية والنهاية" (١/ ٢٢).
[ ٢٣٥ ]
فمدة هذه الأمم الثلاثِ كيوم تام، ومدة ما مضى من الأمم في أول الدنيا كليلة هذا اليوم، فإن الليل سابق للنهار، وقد خُلِقَ قبلَه -على أصح القولين- وتلك الليلة السابقة كان فيها نجوم تضيء، ويُهتدى بها، وهم الأنبياء المبعوثون فيها، وقد كان -أيضًا- فيهم قمرٌ منيرٌ وهو إبراهيم الخليل ﵇، إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، وكان بين آدم ونوح ألف سنة، وبين نوح وابراهيم ألف سنة، وبين إبراهيم وموسى ﵇ ألف سنة، قال ذلك غير واحد من المتقدمين، حكاه عنهم الواقدي وأما ابتداء رسالة موسى ﵇ فكانت كابتداء النهار، فإن موسى وعيسى ومحمدًا -ﷺ- هم أصحاب الشرائع، والكتب المتبعة، والأمم العظيمة. وقد أقسم الله بمواضع رسالاتهم في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين]، وفي التوراة: "جاء الله من طور سيناءَ، وأشرقَ مِنْ سَاعير، واستعلنَ من جبال فاران" ولهذا سَمَّى محمَّدًا -ﷺ- سِرَاجًا منيرًا؛ لأنَّ نوره للدنيا كنورِ الشَّمس، وأعمُّ، وأعظَمُ، وأنفَعُ، فكانتْ مدةُ عمل بني إسرائيلَ إلى ظهور عيسى كنصف النَّهارِ الأولِ، ومدةُ عملِ أُمَّةِ عيسى كما بينَ الظُّهرِ والعصر، ومُدَّةُ عملِ المسلمينَ كما بينَ العصرِ إلى غروب الشمسِ، وهذا أفضلُ أوقات النَّهار، ولهذا كانت الصَّلاةُ الوسطى العصَرَ على الصحيح، وأفضل ساعاتِ الجمعةِ، ويومٍ عرفةَ مِنَ العصر إلى غروب الشمسِ؛ فلهذا كان خيرُ قرونِ بني آدم القرن الذي بُعِثَ فيه محمَّد -ﷺ-، وقد خرَّجَ البخاريُّ ذلك من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا" (١). اهـ
_________________
(١) "فتح الباري" لابن وجب (٤/ ٣٣٨ - ٣٤٠).
[ ٢٣٦ ]
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى- مشيرًا إلى حديث: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ مِن الْأُمَمِ قبلكم؛ كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا، حَتَّى إذا انْتَصَفَ النَّهَارُ؛ عَجَزُوا" الحديث-: "وهذا الحديث إنما ساقه النبي -ﷺ- مساق ضرب الأمثال، والأمثال مظنة التوسع فيها" (١). اهـ
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: "مدة الماضي من الدنيا إلى بعثة محمد -ﷺ-، ومدة الباقي منها إلى يوم القيامة؛ لا يعلمه على الحقيقة إلا الله -﷿-، وما يُذكر في ذلك فإنما هو ظنون لا تفيد علمًا" (٢).
سَابِعًا: الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ -رحمه الله تعالى-:
قال في شرح حديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: "ما أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إلَّا مِن صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ".
قال الحافظ: "وله محملان: أحدهما: أن المراد بالتشبيه التقريب، ولا يُرَادُ حقيقة المقدار.
وَالثَّانِي: أن يحمل على ظاهره، ويكون فيه دلالة على أن مدة هذه الأمة قدر خمسِ النهار تقريبًا" (٣).
_________________
(١) "نفسه" (٣٤١/ ٤).
(٢) "نفسه"، (٣٤٤/ ٤).
(٣) انظر "فتح الباري" (١١/ ٣٥١).
[ ٢٣٧ ]
وقال -رحمه الله تعالى- في شرح حديث: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ"، مُبَيّنًا وجه الشبه: "هل المراد به قرب إحداهما من الأخرى، أم التفاوت الذي بينهما في الطول؟ وما المراد به؟ والأرجح المختار عندنا من هذه الأقوال أنه ليس بينه -ﷺ-، وبين الساعة نبي آخر؛ فهي تليه" (١) اهـ.
ثامنًا: العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني:
قال -رحمه الله تعالى-: (والإخبار عن قربها من مبعثه -ﷺ- يحتمل أنه إخبار عن قربها عند الله -تعالى- وان كانت بعيدة في المدة ردًّا لقول المشركين بأنه لا قيام لها، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ فإنه أخرج عبد بن حميد عن الأعمش: ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ قال: "الساعة".
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ قال: تكذيبهم، ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ قال: "صدقًا كائنًا"، ويحتمل أن المراد: قرب أشراطها من بعثته -ﷺ-) إلى أن قال: (وما وقع من الأشراط وغيره من الأحاديث مما يدل على أن المراد أنه ﵌ بُعثَ وقد قربت أشراط الساعة، وتقدير المضاف للقرائن ثابت لغة كتابًا وسنةً لا نكير فيه ثم إنه يدل لتقدير المضاف أمر آخر، وهو أنه قد مضى بعد وفاته -ﷺ- قريب من اثنتي عشرة مائة، ولم تقم الساعة، فلا قرب لقيامها ببعثته؛ بل بأشراطها، والله أعلم) (٢) اهـ.
_________________
(١) نقله عنه في "المنار" (٩/ ٣٩٤).
(٢) "رسالة شريفة" ص (٥٣. ٥٥).
[ ٢٣٨ ]
والحاصل أن تحديد عمر الدنيا بشيء؛ لم يثبت فيه نص في حكم المرفوع (١) أبدًا، وكيف يُعقل أن يحدد رسول الله -ﷺ- عمر الدنيا، وقد أوحى الله تعالى إليه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال -﷿-: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ [الزخرف: ٨٥]، والصادق المصدوق الذي تنسب إليه الروايات الواهية في تحديد عمر الدنيا وهو -ﷺ- منها براء، هو هو القائل لجبريل ﵇ لما سأله: "متى الساعة؟ ": "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، وقد قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال -ﷺ-: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها لا الله .. ولا يعلم متى تقوم الساعة إلَّا الله" متفق عليه.
_________________
(١) أما الآثار المروية في ذلك عن بعض السلف فإنها -مع معارضتها القرآن الكريم- قد دخلت على بعض التابعين أو بعض الصحابة من قِبل مسلمي أهل الكتاب ككعب الأحبار ووهب بن منبه.
[ ٢٣٩ ]
فصل: نقد استدلال صاحب كتاب "عمر أمة الإسلام"
فَصْلٌ
وممن خاض في هذا البحث "أمين محمد جمال الدين" في كتابه "عمر أمة الإسلام" وانتهى إلى أننا نعيش حقبة ما قبل النهاية، وهي مرحلة الاستعداد للفتن، والملاحم الأخيرة التي تسبق ظهور العلامات الكبرى.
ومما استدل به: ما رواه ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنَّما بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِن الْأمَم (١) كَمَا بَيْنَ
_________________
(١) قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: وقولهﷺ-: "إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم "إنما أراد به -والله أعلم- أتباع موسى وعيسى ﵉، وقد سمى الله بني إسرائيل بانفرادهم أُمما فقال: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨]، ولهذا فسر النبي -ﷺ- ذلك بعمل أهل التوراة بها إلى انتصاف النهار، وعملِ أهل الإنجيل إلى العصر، وعمل المسلمين بالقرآن إلى غروب الشمس. ويدل على ذلك -أيضَا- حديثُ أبي موسى الذي خرَّجَه البخاريُ بعد هذا، ولفظُه: "مثلُ المسلمينَ، واليهود، والنصارى كمثلِ رجل استأجرَ قوما يعملون له إلى الليل"، وذكرَ الحديثَ كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى، وإنما قلنا: إنَّ هذا هو المرادُ من الحديث؛ لأنَّ مدة هذه الأمة بالنسبة إلى مدة الدنيا من أولها إلى آخرها لا يبلغُ قدرَ ما ببَن العصر إلى غروب الشمسِ بالنسبة إلى ما مضى من النَهار؛ بل هو أقلُّ من ذلكَ بكثيرِ. ويدلُّ عليه صريحًا: ما خرَّجه الإمام أحمدُ، والترمذيُّ من حديث أبي سعيد أن النَّبيَّ -ﷺ- صلى بهم صلاة العصر يومًا بنهارٍ، ثم قامَ خطيبًا، فلم يدع شيئًا يكونُ إلى قيام الساعة إلا أخبرنَا به، فذكرَ الحديثَ بطولِهِ، وقال في آخره: قال: وجعلنا نلتفتُ إلى الشَّمسِ هل بقي منها شيء؟ =
[ ٢٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقالَ رسول الله -ﷺ-: "ألا إنَّه لم يبقَ من الدنيا فيما مَضَى إلا كما بَقِي من يومِكم هذا فيما مضى منه". وقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ من حديِث ابنِ عُمَرَ قال: كُنَا جلوسَا عندَ النَّبيِّ -ﷺ- والشَّمسُ على قُعَيقِعانَ بعد العصر، فقالَ: "ما أعمارُكم في أعمارِ مَن مَضَى إلا كَمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ فيما مَضَى منه". ومن حديث ابنِ عُمَرَ أَنه كَانَ واقِفًا بعرفاتٍ ينظرُ إلى الشَّمسِ حينَ تَدَلَّتْ مِثلَ التُّرسِ للغروبِ، فبكى، وقالَ: ذَكَرتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- وهو واقف بمَكاني هذا، فقالَ: "أيها الناس لم يبقَ من دنياكم فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه". ويشهدُ لذلك من الأحاديثِ الصحيحةِ: قولُ النَّبي -ﷺ-: "بعثتُ أنا والساعة كهاتينِ"، وقرنَ بين أصبعيه: السبَّابةِ والوسطى. خرَّجَاهُ في الصحيحين من حديثِ أنسٍ. وخرَجَاه -أيضًا- بمعناه من حديثِ أبي هريرةَ، وسهلِ بنِ سعدٍ. وخرَّجَه مسلمٌ بمعناه من حديثِ جابرٍ. وخرَجَ الترمذيُ من حديث المستورد بنِ شدَّادٍ عن النَّبِي -ﷺ- قال: "بُعِثْتُ في نَفَسِ الساعةِ فسبقتُهَا كما سبقت هذه هذه "لأصبعيه: السبَابةِ والوسطى. وفي "مسند الإمامِ أحمدَ" عن بُرَيدةَ، عن النَّبِي -ﷺ- قال: "بعثتُ أنا والساعةُ جميعًا إن كادت لَتَسبقُني". ورَوىَ الإمامُ أحمدُ -أيضًا- حَدَّثنا أبو حمزةَ: حَدَثني أبو حازم: لا أعلمُه إلا عن سهلِ بنِ سعدٍ، عن النَّبِي -ﷺ-، قال: "مَثلي وَمَثَلُ السَّاعةِ كهاتين"، وفرَقَ كذا بينَ أصبعيهِ الوسطى والتي تلي الإبهامَ، ثم قال: "مَثلي وَمَثَلُ السَّاعةِ كمثلِ فَرسي رِهَانٍ"، ثُم قالَ: "مَثلي وَمَثَلُ الساعةِ كمثلِ رَجُلٍ بَعَثَه قوم طليعةَ، فلمَا خَشِي أن يُسْبَقَ ألاحَ بثوبه: أُتيتم أُتيتم"، ثُم يقولُ رسولُ الله -ﷺ-: "أَنَا ذَاكَ". =
[ ٢٤١ ]
صَلَاةِ الْعَصْرِ اِلىَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا، حَتَّى اذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلٍ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إلى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُم أُوتينَا الْقُرْآنَ، فَعَمِلْنَا الى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فقَالَ أَهْلُ الكِتَابِ: أَيْ رَبّنا أَعْطَيتَ هَوُلَاءِ قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ، وَأَعطَيتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ونَحْنُ أكثَر عَمَلًا؟ قَالَ: قَالَ الله -﷿-: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قًالَ: فهو فَضْلِي أُؤتيهِ مَنْ أَشَاءُ".
وفي رواية "إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِيمَا خَلَا مِن الْأُمَمِ، كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ اِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى،
_________________
(١) = وكلُّ هذه النصوص تدلُّ على شدَّة اِقتراب الساعةِ كما دل عليه قولُهُ تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]، وقولُهُ تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، وقد فُسِّرَ قولُه -ﷺ-: "بُعثْتُ أنا والساعةَ كهاتينِ"، وقَرنَ بين السبابةِ والوسطى، فَقربُ زمانِهِ من الساعةِ كقربِ السبابةِ من الوسطى، وكأن زمنَ بعثتِه يعقُبُه الساعةُ من غير نبي آخرَ بينه وبين الساعة، كما قال في الحديث الصحيح: "أَنَا الحاشرُ يُحشرُ الناسُ عَلَى قَدَمِي، وأنا العاقبُ". فالحاشر: الذي يَحشرُ الناسَ لبعثِهِم يومَ القيامةِ على قدمِهِ، يعني أن بعثَهم وحَشرَهم، يكونُ عَقِيب رسالتِهِ فهو مبعوثٌ بالرسالةِ، وعقيبه يُجمعُ الناسُ لحشرِهم. والعاقب: الذي جاء عَقيبَ الأنبياء كلهم، وليس بعدَه نبي، فكان إرسالُه من علاماتِ الساعةِ. وفي "المسند" عن ابن عمرَ، عن النَبي -ﷺ- قال: "بعثتُ بالسيفِ بينَ يدي الساعة، حَتَى يُعبَدَ اللهُ وحدهُ لا شريكَ له". اهـ من "فتح الباري شرح صحيح البخاري" لابن رجب (٤/ ٣٣٤ - ٣٦٦).
[ ٢٤٢ ]
كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ من غُدوةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثم قال: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ اِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ العَصْرِ إِلى أَنْ تَغِيبَ الشمسُ عَلَى قِيرَاطَين قِيرَاطَين؟ فَأَنْتُم هُمْ، فَغَضِبتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى، وَقَالُوا: مَا لَنا أَكْثَر عَمَلًا، وَأَقَل عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُم مِنْ حَقِّكُم شَيئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلكَ فَضِلي أُؤتيْه مَنْ أَشَاءُ" (١).
وعن أبي موسى -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "مَثَلُ المسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا اِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لنَا إِلَى أَجْرِكَ؛ فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: اَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ " (٢).
قال الحافظ في "الفتح": "واستُدِلَّ به على أن بقاء هذه الأمة يزيد على الألف؛ لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي -ﷺ-
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٧)، (٢/ ٣٨ - فتح)، (٢٢٦٨)، (٢٢٦٩)، (٣٤٥٩)، (٥٠٢١)، (٧٤٦٧)، والترمذي (٢٨٧٥).
(٢) رواه البخاري (٥٥٨)، (٢/ ٣٨ - الفتح).
[ ٢٤٣ ]
كانت أكثر من ألفي سنة (١)، ومدة النصارى من ذلك ستمائة- وقيل: أقل- فتكون مدة المسلمين أكثر من ألفٍ قطعًا" (٢).
ثم إن صاحب كتاب "عمر أمة الإسلام" يقول: "إن مدة عمر اليهود تساوي مدتي عمر النصارى والمسلمين مجتمعتين، ومدة عمر النصارى هي
_________________
(١) ينبغي التنبه إلى أن هذا لا يعني أن مدة اليهود أكثر من ألفي سنة؛ لأن عمر أي أمة يكون منذ بعثة نبيها إلى بعثة النبي الذي بعده، فعمر أمة اليهود من بعثة موسى إلى بعثة عيسى ﵉، وعليه فإن عمر أمة اليهود= ٢٠٠٠ - ٦٠٠= ١٤٠٠سنة. وبما أن عمر اليهود= عمر النصارى والمسلمين معًا؛ إذًا: عمر المسلمين= عمر اليهود- عمر النصارى. أي: ١٤٠٠ - ٦٠٠= ٨٠٠ عامَا فقط. وهذه النتيجة تتناقض مع زعم أن مدة المسلمين أكثر من ألف عام كما ادعى المستدل المجهول الذي نقل عنه الحافظ، وكذا مقلدُه أمين جمال الدين، الذي وقع في ورطة، وإزاء إصراره على أن الأمة في النزع الأخير، وأننا الآن في حقبة ما قبل النهاية، وجد مخرجًا يسمح له بزيادة خمسمائة سنة، وذلك في حديث: "إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم"، فاتكأ على الزيادة الضعيفة، واستنتج أن عمر الأمة ٨٠٠ مضافَا إليها خمسة مائة سنة، فيكون المجموع ٨٠٠ مضافَا إليها ٥٠٠= ١٣٠٠ سنة. وكان قد ظفر بقول نُسب إلى أهل النقل أنهم اتففوا على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي -ﷺ- (أكثر) من ألفي سنة، فالتقط كلمة (أكثر)، وزعم أنها تقدر بحوالي مائة سنة. وبهذا صار عمر أمة الإسلام ١٣٠٠ سنة مضافًا إليها ١٠٠ سنة= ١٤٠٠ سنة. وبهذا يتضح افتقار "بحثه" إلى الموضوعية والمصداقية؟ لأنه خاضع لهوى النفس، مُنقاد لرغبة جامحة تلح عليه في كل سطر بأن تكون النتيجة -وبكل سبيل- أن الأمة الان تلفظ أنفاسها الأخيرة!!
(٢) "فتح الباري" (٤/ ٤٤٩).
[ ٢٤٤ ]
ستمائة سنة (١)؛ فإذا طرحنا مدة عمر النصارى ٦٠٠ سنة من ألفين- وهي مدة أهل الكتاب إلى بعثة محمد -ﷺ- كان الناتج عمر أمة اليهود.
٢٠٠٠ - ٦٠٠= ١٤٠٠ سنة، وتزيد قليلًا.
وذكر أهل النقل والتاريخ (٢) أن هذه الزيادة تزيد عن المائة قليلًا، إذًا وبالتقريب؛ فإن عمر أمة اليهود يساوي ١٥٠٠ سنة.
وحيث إن عمر أمة الإسلام يساوي عمر أمة اليهود مطروحًا منه عمر أمة النصارى؛ فيكون عمر أمة الإسلام ١٥٠٠ - ٦٠٠= ٩٠٠ سنة، وتزيد قليلًا.
وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْم»، قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: «خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ» (٣).
فعمر أمة الإسلام= ٩٠٠ مضافًا إليها ٥٠٠= ١٤٠٠ سنة، وتزيد قليلًا.
_________________
(١) بناء على قول سلمان -﵁-: "فترة بين عيسى ومحمد -ﷺ- ستمائة سنة" عزاه في "الفتح" (٢/ ٤٠) إلى صحيح البخاري.
(٢) ولم يذكر مَنْ هؤلاء؟ ولا: أين قالوا ذلك؟
(٣) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٧٠)، وأبو داود "صحيح أبي داود" (٣/ ٨٢١)، وصححه الألباني أيضا في "الصحيحة" رقم (١٦٤٣)، دون زيادة: "قيل لسعد: كم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة"، فإن في إسنادها انقطاعًا، كما قال الحافظ في الفتح (٣٥١/ ١١).
[ ٢٤٥ ]
ثم يستند إلى قول الإمام السيوطي في رسالته المسماة "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف" في بيان خروج المهدي: "الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف، ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلًا".
ثم يقول: "ونحن الآن في سنة ١٤١٨ من الهجرة، ولكننا في سنة ١٤٣٠ من البعثة، فنحن نعيش حقبة ما قبل النهاية، وفي مرحلة الاستعداد للفتن، والملاحم الأخيرة التي تسبق ظهور العلامات الكبرى" (١).
وَالجوَابُ عَنْ هَذَا:
أن الأحاديث التي استدل بها مجرد مثال، وقد قال إمام الحرمين: "إن الأحكام لا تُؤْخَذُ من الأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال" (٢)، وقال الحافظ ابن رجب: "وهذا الحديث إنما ساقه النبي -ﷺ- مساق ضرب الأمثال، والأمثال مظنة التوسع فيها" (٣) اهـ.
ولا يلزم من التمثيل والتشبيه التسويةُ من كل جهة، قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "لا يلزمهم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمانًا؛ لاحتمال كون العمل في زمنهم كان أشق؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
_________________
(١) "عمر أمة الإسلام" ص (٤٣، ٤٥، ٤٨).
(٢) نقله عنه الحافظ في "الفتح" (٣٩/ ٢).
(٣) "فتح الباري" للحافظ ابن رجب (٤/ ٣٤١).
[ ٢٤٦ ]
ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته، لا بالنسبة إلى طول الزمان، وقصره: كونُ أهل الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا -ﷺ- دون المدة التي بين نبينا -ﷺ- وقيام الساعة؛ لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا: إن مدة الفترة بين عيسى ونبينا -ﷺ- ستمائة سنة، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سلمان، وقيل: إنها دون ذلك؛ حتى جاء عن بعضهم أنها مائة وخمس وعشرون سنة، وهذه مدة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصَرهما؛ للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به؛ فَدَلَّ على أن المراد كثرة العمل وقلته، والله -﷾- أعلم " (١) اهـ.
وخلاصة القول في هذا: أن هذه الأحاديث إنما تدل على أنه ما بقي بالنسبة لما مضى شيء يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى وما بقي إلا الله تعالى، ولم يَجِئْ فيه تحديد يصح سنده.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "مدةُ الماضي من الدنيا إلى بعثة محمد -ﷺ-، ومدةُ الباقي منها إلى يوم القيامة لا يعلمُهُ على الحقيقةِ إلاَّ اللهُ -﷿-، وما يُذْكَرُ في ذلكَ؛ فإنَّما هو ظنون لا تفيدُ علمَا" (٢). اهـ
_________________
(١) "فتح الباري" (٢/ ٤٠).
(٢) "فتح الباري" لابن رجب (٤/ ٣٤٤).
[ ٢٤٧ ]
قال بعض العلماء: المرادُ تشبيه من تقدم بأول النهار إلى الظهر والعصر، في كثرة العمل الشَّاقِ والتكليف، وتشبيه هذه الأمة بما بين العصر والليل في قلة ذلك وتخفيفه، وليس المراد طول الزمن وقصره؛ إذ مدة هذه الأمة أطول من مدة أهل الإنجيل.
وكان لهذه الأمة قيراطان من الأجر؛ لإيمانهم بموسى وعيسى مع إيمانهم بمحمد -ﷺ-؛ لأن التصديقَ عَمَلٌ.
ويدل على ذلك قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩].
ونختم هذا المبحث بما قالهُ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في سياق ذم الفلاسفة والمنجّمين، إذ قال -رحمه الله تعالى-: "ولهذا لا تزال أحكامهم كاذبة متهافتة، حتى إن كبير الفلاسفة الذي يسمونه "فيلسوف الإسلام" يعقوب بن إسحاق الكندي عملَ تسييرًا لهذه الملة: زعم أنها تنقضي عام ثلاث وتسعين وستمائة، وأَخَذَ ذلك منه مَن أخرج "مخرج الاستخراج" من حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من أعاده، ووافقهم على ذلك مَن زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل، الذي للحروف التي في أوائل السور" إلى أن قال -رحمه الله تعالى-:
"فهذه الأمور التي توجد في ضُلَّال اليهود والنصارى وضُلَّال المشركين والصابئين من المتفلسفة والمنجمين: مشتملة من هذا الباطل على ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
[ ٢٤٨ ]
وهذه الأمور وأشباهها خارجة عن دين الإسلام، مُحَرَّمَة فيه، فيجب إنكارها، والنهي عنها على المسلمين، على كل قادر: بالعلم والبيان، واليد واللسان، فإن ذلك من أعظم ما أوجبه الله من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل، وسُوسُ الملل " (١). اهـ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٨٩ - ١٩٠).
[ ٢٤٩ ]
فارغ
[ ٢٥٠ ]