مَجَالَاتُ الْعَبَثِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ
نعرض في هذا الباب بعض المجالات التي كانت مَسْرَحًا لخوض الخائضين -بغير علم- في بعض أشراط الساعة، وإن مطالعة هذا الباب لتحتاج من القارئ أن يستجمع صبره على ما سوف نورده من مزاعم فجَّة، وأكاذيب مفضوحة.
لقد أذاع ممثل سينمائي عالمي يدعى "أورسون ويلز" يوم أول أبريل قبل نحو خمسة وأربعين عامًا من محطة إذاعة "لندن" خبر تعرض الأرض لهجوم ساحق من سكان المريخ، وراح يصف الهجوم وأحداثه لحظة بلحظة، وكأنها تقع فعلًا، حتى أشاع الذعر والرعب والهلع بين الناس لمدة ساعتين قبل أن يعترف بأنها مجرد "كذبة أبريل" (١).
وإن العابثين بأشراط الساعة مِن بني جلدتنا ليريدون أن يجعلوا كل أيامنا أول أبريل، ويجعلوا منا -إذا صدقناهم- حمقى ومغفلين (٢).
_________________
(١) انظر: "الأطباق الطائرة ومثلث برمودا بين الحقيقة والخرافة" ص (٦٢).
(٢) يطلق الإنكليز على أول أبريل يوم "جميع الحمقى" All Fools Day»، ولعل من أشهر ما وقع في أوربا في أول أبريل: (أن جريدة " Evening Star" أعلنت في ٣١ مارس ١٨٤٦م أن غدًا -أول أبريل- سيقام معرض للحمير عام في غرفة =
[ ٥٥ ]
وقد يتعجب القارئ المكرَّم لهذه المقدمة، ولكن سرعان ما سيزول العجب إذا عُرفَ السبب!!
_________________
(١) = الزراعة لمدينة "اسلنجتون" من البلاد الإنكليزية، فهُرع الناس لمشاهدة تلك الحيوانات، واحتشدوا احتشادًا عظيمًا، وظلوا ينتظرون، فلما أعياهم الانتظار سألوا عن وقت عرض الحمير، فلم يجدوا شيئًا، فعلموا أنهم المقصودون) اهـ. بتصرف من "كذبة أبريل: أصلها التاريخي، وحكمها الشرعي" للدكتور عاصم القريوتي ص (١٥).
[ ٥٦ ]
نماذج من هذيان العابثين في حق "المهدي"
الفَصلُ الْأَوّلُ
عَبَثُهُم بِعَلَامَةِ خُرُوجِ المَهدِيِّ
وهذه من أكثر الظواهر تكْرَارًا كما بيَّنتُه مفصلًا في كتاب "المهدي"، حتى اشتكى ابن خلدون -رحمه الله تعالى- من كثرة مُدَّعي المهدية، وتوقعاتِ الذين يَرْجُمُونَ بالغيب فقال: "إلى كلام من أمثال هذا، يُعَيِّنون فيه الوقتَ، والرجلَ، والمكانَ، بأدلة واهية، وتحكمات مختلفة، فينقضي الزمانُ، ولا أثرَ لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تجديد رأي آخرَ مُنْتَحَلٍ كما تراه من مفهومات لغوية، وأشياء تخيلية، وأحكام نجومية، في هذا انقضت أعمار الأول منهم والآخِر" (١). اهـ.
ومن ذلك قول "محمد عيسى داود" (٢): إن المهدي "إسرائيلي الجسم"، ويشرحها بأن المقصود أنه ليس من البدو، ثم يضيف: "فهي لمسة لطيفة تعني: لا تلتفتوا لمن يدعي المهدية لنفسه، خاصة من البلاد التي ترتدي الجلباب والعقال" (٣)!!
بل تراه يحدد -بدقة- زي المهدي، فيقول:
"المهدي يلبس الزيَّ الرومي؛ يعني لبسه الأساسي هو الزي المدني الحالي بجميع أشكاله الحضارية المدنية الحالية، فهو ليس غريبًا في
_________________
(١) "تارلخ ابن خلدون" (١/ ٥٨٢).
(٢) رائد العابثين بأشراط الساعة الملقب -لكثرة أسفاره- ب "السندباد المصري".
(٣) "المفاجأة" ص (٨٨، ٨٩).
[ ٥٧ ]
هيئته عن الحضارة الغربية، وأحيانًا يرتدي العباءة والجلباب كما يرتديها أحدنا، وفي البرودة له "بالطو" مثل بالطو الإسكيندناف الروس، ولكن زَّيه الرسمي البدلة والكرافت" (١).
ويقول "محمد عيسى داود" وهو يفتري ملابسات خروج المهدي، وما يعقبه: "يعلن تلفاز المهدي وإذاعاته على العالم كلِّه أن سلطات الأمن قبضت على جواسيس ومخربين من روما والفاتيكان، واعترفوا بأن "البابا" الجالس على عرش الفاتيكان يومئذٍ بدأ يجهز خطة سرية للقضاء على المهدي اغتيالًا، وأن الحكومة الإيطالية اشتركت معه بشبكات من المافيا (٢)، ثم يعترف الجواسيس بالصوت والصورة على الهواء مباشرة، ثم تتحرك جيوش المهدي قاصدة روما والفاتيكان " وهكذا -على نفس المنوال- يسبح في بحر من الكذب والافتراء، وفي غيبوبة هذا الدجل لا يجد غضاضة من أن يتبجح بقوله: "هذه الأحداث نبوءات ليست من تأليفي، إنها واردة في المخطوطات العربية والإسلامية لدى شرق وغرب" (٣).
وفي موضع آخر يصف لحظة وقوف المهدي أمام الركن اليماني: "فإذا برجل يهجم عليه، ويصيح: "أنت المهدي المنتظر"، صرخ في الملأ بالحرم المكي الشريف: "إن خير البشر (؟) قد ظهر، إنه المهدي المنتظر"، وهنا يتقدم جمع من علماء المسلمين الذين يحجون البيت في
_________________
(١) "نفسه" ص (٩٥).
(٢) "المهدي المنتظر على الأبواب" ص (٢٣٨) وما بعدها.
(٣) "نفسه" ص (٧١) وما بعدها.
[ ٥٨ ]
حتى المهدي "تايواني"
هذا العام المبارك، ومنهم من كان يرقب توقيته، أشجعهم عالم من مصر يواجهه بقوله: أنت بإذن الله هو المهدي" (١)!
ومن غرائب الصفات المزعومة للمهدي قول بعضهم: "في لسانه ثِقَلٌ، إذا أبطأ عليه الكلام ضرب فخذه اليسرى بيده اليمنى فينطلق، هذا ما وردت به الآثار، وفي كثير من الأسفار، ولا داعي للإطالة بإيراد نصوصها، فإن الاختصار من صفات البيانات العاجله.
أما عن سبب تلقيبه بالمهدي؛ فلأنه يهدي لأمر خفي، ويستخرج التوارة والإنجيل" (٢).
ولقد قرأت مقالا، في إحدى الساحات الحوارية (٣) لكاتب أفاض في الأحداث التي خَمَّنَ وقوعها بين أمريكا والصين عمَّا قريب، والتي ستنتهي في زعمه بخروج المهدي من تايوان، إي والله حتى المهدي "تايواني" في نظر أولئك العابثين!!
_________________
(١) "نفسه" ص (٦٥) وما بعدها.
(٢) "هرمجدون" ص (٧٨).
(٣) "موقع القلعة العربي" بتاريخ (١٥/ ١١/ ١٤٢١ هـ)، مقالة بقلم "نور الدين" بعنوان: "المهدي يخرج من تايوان".
[ ٥٩ ]
فارغ
[ ٦٠ ]
ضلالات "السندباد المصري" وافتراءاته في شأن "المسيح الدجال"
الفَصلُ الثَّاني
عَبَثُهم بِعَلَامةِ المْسِيح الدَّجَّالِ
وإذ أتينا إلى ذكر الدجال فإنه يتحتم أن نقول مقدما: إن وجود العابثين اللاعبين بأشراط الساعة، وبالهيئة التي سنراها، هو في حد ذاته من أشراط الساعة التي أخبر بها الصادق المصدوق فيما رواه أبو هريرة -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» (١).
وأخص بالذكر منهم: الصحافي المتلبس بجريمة القول على الله بغير علم.
وسأقتصر على ذكر كلام بعضهم دون تعليق؛ لأن مجرد سرده وثيقة إدانة تُوجبُ الحَجْرَ عليهم استصلاحا للديانة؛ ولأن فساد كلامهم يُغني عن إفساده، وبطلانه يغني عن إبطاله.
ينقل "محمد عيسى داود" عن "دان شمرون" في خطبته أمام الخريجين الجدد اليهود لإحدى الكليات الحربية بتل أبيب قولَه: "إن سنة ٢٠٠٠ سوف تشهد نشوء قيادة جديدة"، ثم يقول -أي: محمد عيسى- "يقصد
_________________
(١) رواه مسلم في "المقدمة" رقم (٧)، والطحاوي في "المشكل " (٤/ ٢٠٤).
[ ٦١ ]
غلو الناس في "مثلث برمودا"
المسيخ الدجَّال" ثم يقول: "والحقيقة أن ما صرح به (دان شمرون) معتمدًا على معلومات أكيدة من رجال المسيخ بالكنيست الإسرائيلي، أو مستنبطًا من وثائق سرية لنبوءات حقيقية بالتوراة "المخبوءة"، وهو مطابق أو قريب جدًّا لحساباتي، وحَدْسي، واستبصاري الذي استلهمت فيه إيماني بالله، واستقرأت ما بين السطور في أحاديثَ عن النبي -ﷺ- نبي البشرية الأمين، ولو كره ذلك الأغبياء والضالون" (١).
ويدعي أن كتابه المسمى "احذروا: المسيخ الدجَّال يغزو العالم من مثلث برمودا" (٢) سيصدم المسيخ الدجَّال؛ فيقول: "والصدمة هنا
_________________
(١) "احذروا: المسيخ الدجال يغزو العالم من مثلث برمودا"، ص (١٤١، ١٤٢).
(٢) وإنما اختار "السندباد المصري" جزيرة "برمودا" استثمارًا لما يشيع من حوادث اختفاء الطائرات والسفن في مثلث "برمودا" الشهير، وما أُلّف حولها من عشرات الكتب، في حين [توضح الإحصائيات أن ما يحدث في مثلث برمودا من حوادث الموت والتدمير أقل مما يحدث في أماكن كثيرة مماثلة في العالم، مما ينفي تلك اللعنة التي أُلصقت بذلك المثلث البريء، والذي تشير الإحصائيات إلى أنه أكثر أمانًا من أية مساحة مماثلة فوق أرض الولايات المتحدة ذاتها. (وتظهر عدم دقة هؤلاء المؤلفين وتقديم معلومات خاطئة، أو ذكر عبارات مثيرة مضللة، أو أقوال ليس لها من أساس، يظهر هذا وغيره من التحقيقات الجادة التي تثار عادة بعد نشر هذه المعلومات الغريبة ..). وربما غرقت بعض السفن في أماكن بعيدة، ثم إذا بالمؤلفين الدجالين يدعون أنها كانت تبحر في مثلث برمودا، فالسفينة البريطانية (British York) غرقت قريبًا من (New Found Land) المقابلة لسواحل أيرلندا، والسفينة الألمانية "فريبا" غرقت في المحيط الهادي، لكن خيال المؤلفين ادعى غرقهما في مثلث برمودا]. اهـ. من (الأطباق الطائرة ومثلث برمودا بين الحقيقة والخرافة)، ص (٥٦، ٥٧).
[ ٦٢ ]
"السندباد المصري" محمد عيسى داود فقد جعل من سيرة الدجال المطولة بالأكاذيب سيرة شعبية
للمسيخ (١)؛ لأن هذا الكتاب بلا شك -وإن شاء الله- هو أول كتاب يعرض المسيخ عاريًا في كل شيء؛ في فكره، في تصوراته، في تحركاته، في أماكنه الخفية وعلاقاته" (٢).
ويقول "سعيد أيوب" بعد ما ذكر بعض صفات والدَيْ الدجال: "وفي هذا إشارة إلى ضرورة رصد الدجَّال بالبحث وراءه في شهادة ميلاده، وشهادة توثيق زواج أمه من أبيه؛ لتحديد متى ولد بعد زواج أمه من أبيه" (٣)!
أما "السندباد المصري" محمد عيسى داود فقد جعل من سيرة الدجال المطولة بالأكاذيب سيرة شعبية مثل سيرة عنترة بن شداد، وسيرة تغريبة بني هلال، فهو يزعم أن ميلاد المسيح الدجَّال "تم منذ أربعة قرون تقريبًا، وهو ميلاد عجيب؛ لأن النطفة التي تخلَّق منها شارك فيها
_________________
(١) وهو يصر على ترجيح تسميته بالمسيخ، كما في كتابه المذكور ص (١٢، ١٤)، مع كون هذا تصحيفا، انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٩٤)، حتى قال القاضي ابن العربي -رحمه الله تعالى-: "ضَلَّ قومٌ فرووه (المسيخ) بالخاء المعجمة، وشَدَّدَ بَعْضُهُم السين ليفرقوا بينه، وبين المسيح عيسى ابن مريم بزعمهم، وقد فرق النبي -ﷺ- بينهما بقوله في الدجال: "مسيح الضلالة"؛ فدل على أن عيسى مسيح الهدى؛ فأراد هؤلاء تعظيم عيسى، فحرَّفوا الحديث ". اهـ. "فتح الباري" (١٣/ ٩٤)، وأنظره أيضا: (٢/ ٣١٨).
(٢) "احذروا"، ص (١١).
(٣) وذلك بناء على رواية الترمذي، عن أبي بكرة مرفوعا: "يَمْكُثُ أَبُو الدَجَّالِ، وَأُمُّهُ ثَلَاثينَ عَاما لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ، أَضَرُّ شَيء، وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً"، والحديث في (ضعيف الترمذي)، (٣٩٢) ص (٢٥٣).
[ ٦٣ ]
الشيطان، فهو مُهَجَّنٌ، أو خليط بين الإنس والشيطان، فهو من مواليد الحيض، أبوه أتى أمه في الحيض، وحدث الحمل الشيطاني، ويحتمل جدًّا أن يكون أباه (كذا!) ابن أمه، فهو في النهاية مولَّد عن زنًا خطير" (١). هـ.
ويقول أيضًا: "والمسيخ صديق شخصي لإبليس، والعكس صحيح، وهما الآن ملكان يجلسان على عرش واحد أحدهما مرئي، والآخر لا مرئي إلا لجنسه من الأبالسة والجن" (٢).
وتأمل تخبطه في العبارة التالية:
"وربما -والله أعلم- يكون عمره يزيد على ١٥٠٠ سنة، فهو الشبيه البشري بإبليس، أو هو النسخة البشرية من إبليس، ولو شبهنا إبليس بمادة، فالمسيخ الدخال هو القنينة، فما هو إلا جسد يؤدي مهمة المسيخ، وإن كنت أرجِّح أنه من مواليد القرن السابع عشر الميلادي، وعلى أقصى تقدير السادس عشر، والله تعالى أعلم " (٣). اهـ.
نقول: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ الآية، [الأنعام: ١٤٨].
وهو يجزم بأن المسيح الدجال "من مواليد اليمن، فهم أذكى أجناس اليهود" (٤)، ثم يضيف: "وربما -والله أعلم- يكون من مواليد سوريا،
_________________
(١) "احذروا" ص (١٦).
(٢) "ما قبل الدمار" ص (٢٠٥، ٢٠٦).
(٣) "احذروا" ص (٢١).
(٤) "نفسه".
[ ٦٤ ]
لكنني أرجِّحُ أنه يمني المولد" (١)، غير أنه عاد في موضع آخر ليقول: "كذلك هداني الله -﷿- إلى أنه من مواليد الشام وبالذات من السامرة بفلسطين، وكنت أحسبه -مجتهدًا في هذا الحسبان- من مواليد اليمن، لظني أنهم أذكى اليهود" (٢)، وقال: إنه أورد في كتابه "الخيوط الخفية" معلومات عن بداية نشأة الدجال من مخطوطات شديدة الندرة، ثم قال: "وعليه: فإن صح ما أتيت به من معلومات عن نشأة المسيخ الدجَّال؛ فهذا يُلغي ما ذكرته في كتابي "احذروا المسيخ" من أنه من مواليد اليمن -وإن كان عاش في اليمن، ونهل من معين بعض علمائها- وقد حدست من قبل أنه من مواليد سوريا، لكنه من مواليد السامرة، وعلى أي حال كلتاهما بالشام" (٣). اهـ.
ويستمر مسلسل الدجل والكذب، فيفتري قصة طويلة مملة عن نشأة الدجال وأسرته والقوم الذين نشأ فيهم، وكيف أن الله تعالى أمر جبريل الأمين أن يخسف بهم الأرض إلا طفلًا صغيرًا في قصر الحاكم -وهو الدجال- عليه أن يحمله إلى جزيرة في بحر كبير يسمى "بحر اليمن" (٤).
ويحلق بنا "السندباد المصري" في آفاق الدجل والدجالين، فيدعي أن الدجال رحل إلى مصر بعد سنوات من حياته في "السامرة"، حيث الفراعنة يحكمون، وبدأ يتقرب إلى أحد كهنة مصر الكبار، ويُغريه
_________________
(١) "نفسه" ص (٢٣) وحذار أن تسأل عن دليل أو توثيق؛ فإنما هو الحَدْسُ، والتخمين!
(٢) "ما قبل الدمار" ص (١٩٤).
(٣) "الخيوط الخفية" ص (١١).
(٤) "نفسه" ص (٣٢).
[ ٦٥ ]
بمعسول الكلام المهذب أنه سيكون الخادم الأمين له، والابن المطيع على أن يعلمه الحكمة والعلم، ويقربه إلى الفرعون الحاكم (١).
ويدعي "السندباد المصري" أن الدجال هو السامري ذلك الرجل الكافر في عهد الرسول موسى -﵇-، وطرده موسى -﵇- من مصر فهو يخرج في آخر الزمن؛ لينتقم من شعب مصر لأنهم طردوه (٢)
ويدافع عن خيالاته في شأن السامري قائلًا: "إنني لم أجتهد في أصل تام من أصول الشريعة أو العقيدة، أو في معلوم من الدين بالضرورة، فهذه ثوابت لا نقاش فيها، إنما اجتهدت في مجال مفتوح، لا أؤاخذ به إن أخطأت، بل لي أجر، فما البال إن أصبت، وأجرى الله على يدي ما لم يسبقني فيه أحد؟ " (٣).
"والمسيخ الدجال رجل تعلم في "مصر الفراعنة"، وبرع في علوم الكهانة، والنجوم، والسحر، والهندسة بكل فروعها، والطب بكل فروعه، وحتى علوم النبات، والحيوان، والمعادن، والفيزياء، والكيمياء، والرسم .. وإن كان لم يظفر ببغيته من علوم الكهنة، فقد ضنُّوا عليه بها، وأعطوه القشور والفتات الذي نماه مع الزمن!! " (٤).
_________________
(١) "نفسه" ص (٤٥، ٤٦).
(٢) "ما قبل الدمار" ص (٦٦).
(٣) "نفسه" ص (١٣٤) وانظره: ص (١٣٠).
(٤) "نفسه" ص (١٩٩).
[ ٦٦ ]
بيد أنه يقول في موضع آخر: "والمسيخ الدجال رجل تعلم في إنجلترا، وبرع في علوم الهندسة بكل فروعها، والطب بكل فروعه، وحتى علوم النبات، والحيوان، والمعا دن، والفيزياء، والكيمياء، والرسم" (١).
ويدعي أنه مضى في رحلته إلى بلاد العرب، فنزل اليمن والشام والعراق، ثم أفريقيا الجنوبية، ثم إلى بلاد المغرب، ثم توجه إلى الأمريكتين (٢).
ويدعي أن الريح أخذته إلى بلاد الإنجليز والأيرلنديين والأسكتلنديين، ثم بلاد الفرنسيين، ولم يطب له المقام فيها، فعاد إلى أمريكا الجنوبية، ورسا هذه المرة على شاطئ "بورتريكو" (٣).
ويدعي أن المسيح الدجال طاف بلاد "الغال" (؟!)، ثم البلغار، ثم الأورال، ثم الغز، ثم جورجان، ثم عاد إلى جزيرته الخضراء ببحر اليمن، وادعى أنه: أحاط علمًا بعدة لغات من الهيروغليفية إلى لغات شعوب ما وراء النهرين (٤)، ويدعي في موضع آخر أن الدجال رحل إلى بلاد الهند والبوذا، واليابان والصين (٥).
ويزعم أيضًا أن المسيح الدجال قد "تولاه أكثر من شخص بالتبني من اليهود إلى أن تبنته شخصية يهودية في إنجلترا، ونقلته من أرض
_________________
(١) "احذروا" ص (٢٩).
(٢) "الخيوط الخفية" ص (٧٢).
(٣) "نفسه" ص (٧٧).
(٤) "الخيوط الخفية" ص (٥٩).
(٥) "نفسه" ص (٦٣).
[ ٦٧ ]
العرب إلى بلاد الغرب؛ لينشأ هناك، ويدرس كل العلوم الحديثة، ويحتل عقولا بالهيمنة، ويتفق معهم على بناء قلعة خارج العالم" (١).
ويقول في موضع آخر: "وهيمن المسيخ على شخصيات يهودية في إنجلترا، وأقام شبكات على شتى الأنواع في بلاد الغرب، وبث فكره العلماني في كل العلوم الحديثة، ويحتل عقولا بالهيمنة، واتفق معهم على بناء قلعة خارج العالم" (٢).
- ويذكر أن به الآن "بعض الصلع في مقدم رأسه" (٣).
- أما عيناه فهو أعور العين اليسرى، وهي بشعة المنظر؛ لذا يداريها بدائرة سوداء، كما كان يفعل "موشي ديان" (٤).
- ويدعي أنه أحاط بأسرار ومفاتيح علوم عديدة؛ منها: الطب، وأنه استعان حتى بخبراء في طب أعصاب العيون من الجن والشياطين فعجزوا عن معالجته (٥).
- ويصفه بأنه حاكم "ديمقراطي"، بدليل أنه يمشي في الأسواق (٦).
- وهو رجل شاء الله له اشتعال غدته الصنوبرية (٧).
_________________
(١) "احذروا" ص (٢٣، ٢٤).
(٢) "ما قبل الدمار" ص (١٩٦).
(٣) "احذروا" ص (٢٥).
(٤) "نفسه" ص (٢٦).
(٥) "نفسه" ص (٢٧).
(٦) "احذروا" ص (٢٧).
(٧) "نفسه" ص (٢٩).
[ ٦٨ ]
ويدعي أن المسيح الدجال "رجل سيظهر في ثوب حاكم، أو رئيس دولة، وغالبًا ستكون الولايات المتحدة الأمريكية" (١)، ثم يقول: "ولا أستبعد أن يكون آدم وايزهاوبت (٢) يهودي الأصل، بل لا أستبعد أن يكون هو نفسه المسيخ الدجال، لو كان أعور العينين، ولو كان معي صورة له لحددت ذلك الأمر (٣)، وإن كنت أغلِّب أنه حلقة الوصل، أو الصديق المخلص جدًّا للمسيخ الدجَّال، أو ممثله الشخصي أمام الروتشيلديين الأثرياء اليهود، ثم من يختارهم لتكوين المنظمة السرية" (٤) اهـ.
ويدعي أنه "تحالف مع إبليس ووقَّعَا عقدًا كتابيًّا بينهما، واتفقا على إنشاء قصر مركزي لإبليس قرب برمودة، على أن يكون مقرًّا مؤقتًا للدجال، يدير منه شئون الكرة الأرضية " (٥).
ويقول: "كان المسيخ الدجَّال يحلم بتأسيس قلعة رهيبة؛ لتكون قاعدة لمدينة تعتبر في هذه الأرض، ولكنها خارجها أيضًا، وانتقى إبليس له
_________________
(١) "نفسه" ص (٣٣).
(٢) (أستاذ قانون يسوعي في جامعة إنجولدشتات، ترك النصرانية، وتحالف مع المرابين الذين قاموا بتنظيم مؤسسة روتشيلد؛ لأجل تدمير الحكومات والأديان الموجودة، ثم نظم جماعة النورانيين؛ لوضع المؤامرة موضع التنفيذ)، باختصار من "احذروا" ص (٤٣ - ٤٦).
(٣) وبلغت قناعته بهذه الخيالات إلى حد أنه حاول الحصول على صورة له من مكتبات ألمانيا، أو مما سجل بأجهزة الكمبيوتر، كلما وجد. "احذروا" هامش ص (٤٦).
(٤) "نفسه" ص (٤٦).
(٥) "الخيوط الخفية" ص (٨٩، ٩٠).
[ ٦٩ ]
المكان بالمحيط الأطلسي، حيث عرش إبليس، وذهب بمن اتفق معهم، وفعلوا ما فعلوا، وأسسوا ما أسسوا، قاعدة رهيبة، عبارة عن قلعة هائلة منيعة في مثلث برمودا، واستوحى التصميم المعماري لها من الهرم الأكبر، والنجمة السداسية الإسرائيلية.
وهذه القلعة الرهيبة يتواصل اتساعها وتمددها وبناء جدرانها؛ أجزاء من الفولاذ؛ وأخرى من الزجاج غير قابل للكسر ولا للتحطيم" (١).
"ومنظر القلعة المسيخية الخاصة بأسراره هو الشخصية فريد للغاية، وبها قطاعات على هيئة أهرامات متداخلة، بعضها يمكن تنقله في أي لحظة من اللحظات كأنها غواصة هائلة.
وجزء من قلعته ظاهر للعيون فوق الماء، ولكن حوله مجال مغناطيسي قوي "شافطة" "خاطفة" يمكنها اقتناص أي شيء مهما كان حجمه، فهو يخشى دخول مركبة أو طائرة إلى مجال الرؤية فترى شيئًا ما بسهولة، ومن ثم كانت خطوطه الدفاعية الرهيبة، والقاعدة عنده: "من رأى لا يخرج".
.. وفي هذه القلعة غرفة تحكم خاصة يمكنه من خلالها تدمير الأجزاء الأخرى من القلعة في حالة الاستيلاء عليها من قوى مجهولة " (٢).
"وقد نظم الدجال مع مجموعة علماء صوتيات لغة خاصة بشعبه بوحي اللغة السنسكريتية، كما أنها لغة شفرة، لو التقى رجلان لا يعرف
_________________
(١) انظر: "احذروا" ص (٤٨، ٤٩).
(٢) "ما قبل الدمار" ص (٤٧٥).
[ ٧٠ ]
كلاهما الآخر من رجاله أو شعبه، فهي علامة امتياز خاصة وهنالك تُفتح الأبواب" (١).
"وقد استغل الدجَّال وأعوانه وشعبه الذي يعيش في قلاعه ثروات ومعادن "أطلانطس"، القارة الغارقة تحت المحيط الأطلنطي" (٢).
ويدعي أن المسيح الدجَّال يربي جيشًا ضخمًا تحت الأرض، تحت المسجد الأقصى، وقريبًا منه، ثم يتمادى بمحاولة تعليل اختياره هذا الموقع الفريد ..
ويصل به خياله الواسع إلى حد زعم أن مهندسي المسيح الدجَّال راحوا يصنعون مع الحفريات أنفاقًا مكيفة، ومجهزة للحياة تحت الأرض؛ لتجميع الأطفال بها، وعمل كتائب من الأطفال اليهود؛ كرؤساء وقوَّاد إلخ (٣).
ثم يدعي أن المسيح الدجَّال قد "تحكم في سرعة الرياح بأجهزة إشعاعية، وتحكم في الذبذبات، واخترع أجهزة إشعاعية تلون الهواء باللون الذي يريد، بل أجهزة أخرى تصنع حوائط هلامية في الهواء؛ كألواح من زجاج.
واخترع طواحين هوائية ذات أجهزة شافطة وجاذبة، لدرجة إمكانية جذب عدة طائرات، أو سفن ضخمة للاستيلاء عليها (٤).
_________________
(١) "الخيوط الخفية" ص (١٧٧).
(٢) "احذروا" ص (٤٩، ٥٠).
(٣) "نفسه" ص (١٢٦).
(٤) وهو هنا يعلل الظواهر المزعومة حول مثلث "برمودا" بأن وراءها "المسيح الدجال"
[ ٧١ ]
وللرجل بقلعته الهائلة إدارات، ومعامل، ومصالح، حتى الجوازات، وعنده أجهزة إرسال، وتشويش، وبث، وشل، فلو أراد أن يوقف الإرسال في تلفزيونات الأرض كلها لأوقفها" (١).
وقلاعه أو مدنه أماكن مترفة جدًّا، لدرجة أن من يعيش هناك قد لا يتمنى مغادرة المكان (٢).
ثم يفشي "السندباد المصري" سِرًّا خطيرًا فيقول: "وقد تكون مفاجأة لقرائي الأحباء أن أقول: إن الدجال كتب بعض مذكراته، وكتب بعض القصص التي تُحوَّل إلى أفلام هوليوودية، أما مذكراته السرية وقصص مغامراته وخططه الظلامية فهو يحفظها بقلعته الهائلة في مكتبة سرية، ويسجلها على جهاز كمبيوتر بعدما يكتبها بيده.
وقد كتب هذا المتجبر المتألِّه المزوِّر حوالي (١٠ مجلدات) كل مجلد يقع في (٢٠٠٠ صفحة) من القطع الكبير، ووضع على كل مجلد (خاتمة) وعنونه بعنوان:
- الخمس مجلدات الأولى عنوانها: "عندما أملك الدنيا"!!
- والخمس الأخرى: "يوم يكون الكون في قبضتي والكرة الأرضية مكتبي " .. إن الرجل أسرف في أمانيه التي ناوشت الكون كله" (٣). اهـ.
_________________
(١) "نفسه"هامش ص (٥١).
(٢) "نفسه" ص (٥٣).
(٣) "الخيوط الخفية" ص (٩٤).
[ ٧٢ ]
خرافة الأطباق الطائرة
ثم انتقل بعقليته "السندبادية" الطوَّافة إلى الحديث عن "الأطباق الطائرة" قائلًا: "وأقسم لكم بالله غير حانث أنهم من هذه الأرض، ومن أبنائها، ولكنهم رجال المسيخ الدجَّال، وتلك الأطباق من اختراعه الذي سبق به زماننا بقرون" (١). اهـ.
أقول لهذا الظالم لنفسه: "حنثت يمينك يا سندبادُ فَكَفِّرِ! ".
إن ما سُمِّي بظاهرة الأطباق الطائرة، وشغل الناس رَدَحًا من الزمان؛ قد بان لنا الآن أنه لا يخرج عن كونه "سرابًا" أو "تكلفًا" أو "دجلًا سياسيًّا".
أما كونه "سرابًا":
فما حكاه بعض الطيارين من أنهم رأوا تلك الأطباق الطائرة؛ لا يعدو أن يكون سرابًا خادعًا يظهر نتيجة لما يسمى "الانعكاس الحراري" Temperature Inversion حيث تؤثر حرارة الشمس في الكتل الهوائية الساكنة، فتجعل منها طبقات فوق طبقات، لكل منها حرارتها وكثافتها، فيحدث انكسار ضوئي أو انعكاس ضوئي خلال تلك الطبقات بصورة أشياء في الهواء أو على الأرض (٢).
ولما أطلقت روسيا سِرًّا صاروخ "سويوز" حاملًا قمر التجسس "كوزموس ٩٥٥" من قاعدة سرية، ساعدت الأحوال الجوية السائدة في
_________________
(١) "احذروا " ص (٥٩).
(٢) "الأطباق الطائرة ومثلث برمودا بين الحقيقة والخرافة" ص (١٥، ١٦).
[ ٧٣ ]
فجر ٢٠ سبتمبر ١٩٧٧ م على تشكيل صورة جسم غريب من عوادم الاحتراق الناشئة من النفاثات الخمس الضخمة للصاروخ، فبقيت معلقة ومنتشرة على هيئة قنديل البحر الهلامي الضخم، فحسبه الناس طبقًا طائرًا، وأطلقوا لخيالهم العِنان في تفسير ما رأوه (١).
وأما كونه "تكلفًا وتلفيقًا":
ففي عام ١٩٦٨ م شهد ثلاثون أمريكيًّا في جنوب "دنفر" بأنهم رصدوا طبقًا طائرًا، وبعدما أثار هذا ضجَّة أوضحت "مسز ديتريش" أن هذا الشيء هو من صنع وَلَديْها "توم" (١٤ سنة)، و"جاك" (١٦ سنة) اللذين أحضرا كيسًا كبيرًا من البلاستيك الرقيق الشفاف، وعددًا قليلًا من الشموع الصغيرة، ووضعاها داخل الكيس بطريقة خاصة، فارتفع إلى أعلى بفعل الحرارة المنبعثة من الشموع.
وهذا صبي يعلق جسمًا مستديرًا على أغصان شجرة، ثم يلتقط لها صورًا ويذيعها على أنه رأى هذا "الطبق" يطير متنقلًا بين الأشجار، بسرعة ٢٠ ميلًا في الساعة.
وهذا آخر يعلق عَصَّارة ليمون، وآخر يلتقط صورة لمصباح نيون مستدير، وآخر يلصق رأس ماكينة كهربائية على زجاج نافذة ثم يصورها، وينشر صورها على أنها "طبق طائر" (٢).
_________________
(١) انظر: "نفسه" ص (٢٥).
(٢) انظر: "نفس المصدر" ص (٣٢ - ٣٩).
[ ٧٤ ]
زعم بعضهم أن الطبق الطائر هو حمار الدجال
وأما كونه "دجلًا" سياسيّا:
فلأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) اعترفت بعد انتهاء ما سُمِّي بالحرب الباردة أنها كانت وراء إشغال الناس بهذا الموضوع (١) لتحقيق مآرب سياسية.
والذي يلفت النظر أن الموضوع الآن خمد، وهمد، ولا يكاد يذكره أحد، فهل انقرض أهل الفضاء الخارجي الذين كانوا - في زعمهم- يأتون لغزو الأرض واستكشافها، أم أنه حقًّا الدجل السياسي؟! أما "هشام كمال" صاحب كتاب "اقترب خروج المسيخ الدجال" فيدلي بدلوه في هذا الحديث تحت عنوان: "الأطباق الطائرة هي السلاح الجوي للمسيح الدجال".
ثم يذهب إلى أن "الحمار الذي سيمتطيه الدجال ما هو إلا طبق طائر
صنعته له الشياطين" (٢).
ولم يكتفِ بهذا حتى قال في موضع آخر: "تفاصيل ما كشفت عنه الشياطين في جلسات تحضير الأرواح عن مجيء المسيح الدجال على طبق طائر" (٣)، فهل صارت جلسات "تحضير الأرواح" وما تلقيه فيها الشياطين بزعمكم مصدرًا معتمدًا لديكم للإطلاع على الغيب؟!
_________________
(١) ولقد كُتب حتى سنة (١٩٧٨م) أكثر من مائة ألف تقرير عما أسموه "الأطباق الطائرة" UFO، وروَّجت المطابع والصحافة لها، كعادتها في مثل هذه الغرائب.
(٢) "اقترب خروج المسيخ الدجال" ص (١٥٦) و"الحرب العالمية القادمة في الشرق الأوسط" ص (١٢٧).
(٣) "نفسه" ص (١٥٩).
[ ٧٥ ]
عودٌ إلى السندباد المصري
لقد أقسم "السندباد" بالله غير حانث على ما زعم بشأن علاقة المسيح الدجال بخرافة "الأطباق الطائرة"، وهو يفتخر بأنه رائد الفكرة التي أحدثها، حتى لتقول مؤسسة سويسرية مزعومة:
(إننا نتحدى العالم كله في قضية أن أول إنسان على وجه الأرض يكشف هذا السر الكبير عن الأطباق الطائرة، وعن مثلث برمودة، وملكية المسيخ الدجال لهما (١)، هو مفكرنا المصري الكبير "أ/ محمد عيسى داود") (٢).
وتأمل حجم البلية وأنت تقرأ قواله:
"وسبحان الله .. بعدما نُشر كتابي "احذروا المسيخ الدجال"، وتحدثت فيه عن علاقته بالأطباق الطائرة؛ قال لي أمير عربي كبير صديق: لا يُنكر ما أتيت به إلا شخصان: إما "جاهل جدًّا" وإما "عميل جدًّا" يعلم جيِّدًا الحقيقة التي أتيت بها، لكن رأسه غالية عليه!! " (٣).
وبعد تأليفه تلك القصص الطريفة من "الخيال العلمي" يتهدد من يكذِّبه قائلًا: "ومن لم يصدقني فسيكون حاله ومآله كشعب "زرقاء اليمامة"، حينما أبصرت ما لا يبصرون، فأنذرت وحذَّرت، وكُذِّبت، فكان ما كان مما يمكن أن يتكرر مع مطلع شمس يوم قادم، نسأل الله منه السلامة" (٤).
_________________
(١) انظر (٦١) وما بعدها.
(٢) "ما قبل الدمار" ص (٤٠).
(٣) "الخيوط الخفية" ص (١٥٩).
(٤) "احذروا" ص (٩٨).
[ ٧٦ ]
ويدَّعي أن أَغلب أتباع الدَّجَّال يعيشون في أمريكا، "وله قصر رهيب مهيب لا أدري موضعه بالتحديد، ولكنني بالحدس الإسلامي أقول: إنه في فلوريدا".
ثم يعيِّن ممثلين من "هولي وود" يرى أنهم من رجال المسيح الدجال: "ولي حدسي في أن "برت لانكستر"، و"كلينت إيستوود" من رجاله"، ثم يشير إلى أن الأخير رشَّحَ نفسه لمنصب الرئاسة، ثم تراجع، ويتساءل: "تُرى ممن صدرت الأوامر؟ " (١).
ثم يقول: "كذلك السيد (!) الماسوني "آلان ديلون" فكَّر في رئاسة فرنسا، لكن دوره كممثل أكثر إفادة وتأثيرا، فكان التراجع، تُرى ممن تصدر الأوامر بالتراجع؟ " (٢).
ويذهب إلى أن "جورج بوش" الأب أحد عملاء الدجال يتلقى منه التعليمات (٣).
_________________
(١) "نفسه" ص (١١٧).
(٢) "السابق" ص (١١٧).
(٣) "ما قبل الدمار" ص (٢٤١).
[ ٧٧ ]
خيوط المؤامرة
يحرص "السندباد المصري" على إضفاء نوع من الغموض على "قصصه" الخيالية، فهو يدعي أنه تتبع خيوط المؤامرة من خلال رحلاته المكوكية في أقطار الأرض:
١ - فيدعي أنه التقى في السويد بنبيل من الأسرة الحاكمة للمملكة السويدية، وأنه اعترف له فيه صراحة بأن الذي قتل الأمير "شيريب" هو "الملك المنتظر لليهود"، ثم أضاف: "فقط كل المطلوب مني أمام هذا الاعتراف الصريح والثمين جدا أن يكون هذا هو اللقاء الأخير معه شخصيًّا في السويد، وألا يذكر اسمه في كتاب ولا حتى في حديث لي، أما لقاؤنا فيما بعد ففي أماكن أخرى!! (١).
٢ - ومن السويد أمسكت بخيط غير هذا الخيط، وفي ألمانيا تواصلت الخيوط، وفي فرنسا تأكدت الخيوط، وكلها مشدودة في النهاية إلى القلعة الرهيبة التي يقترب رأسها أو يشير -بالمعنى الأدق- إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتؤكد الإشارة أن "المخ" "والعقل المدبر" من ها هنا!! (٢).
٣ - .. وصارحتني أسرة ألمانية أن دورًا معينة حكومية، وغير حكومية، وسراديب ودفائن في "السويد"، و"ألمانيا"، و"الأمريكتين"، و"مصر"، و"اليمن"، و"فلسطين"، و"المغرب"، و"الفاتيكان" تشير صراحة إلى كل ما يحدث في هذه الأيام، وما سيحدث بعدها، ومن بين
_________________
(١) "الخيوط الخفية" ص (١٣).
(٢) "نفسه" ص (١٦).
[ ٧٨ ]
ثنايا بعض الوثائق التي اطلع عليها رب هذه الأسرة، قال لي: إنكم أيها المسلمون مناط (!) بأعناقكم مسئولية كبرى وهي إنقاذ العالم من أكبر دجال عالمي (١) ".
وَيفترض أن بعض الناس ادَّعوا أن الذي أمده بهذه المعلومات عن الدجال هو ذلك الجني الذي قابله وأجرى معه حوارًا، وسجَّله في كتابه "حوار مع الجني المسلم مصطفى كنجور"، غير أنه يرفض بشدة هذا الادعاء، ويقول: "إن حادث الحوار كان عرضًا، وعندما أخبرت الجني ببعض ما وصلت إليه عن الدجال، فزع وتظاهر بالنوم، ثم طلب تغيير الموضوع؛ وغيرته لأنني كنت قد بدأت أمسك بأغلب الخيوط في قضية الدجال، ولا حاجة لي أن أسأل جنيًّا ولا إنسيًّا" (٢).
أما "فهد سالم" فيجزم بأن الدجَّال يزعم أنه مسلم، وأنه يُعطَى الرئاسة في إيران قبل ظهور المهدي، بل يُلَمِّح ثم يصرح بأنه "محمد خاتمي"، ويسميه: "آية الله جورباتشوف" (٣)، ثم يحدد بدقة موعد خروج المسيح الدجال فيقول: "في ١٥ شعبان، ١٤٢٠، الموافق ٢٣ نوفمبر ١٩٩٩ يخرج المسيح الدجال بفتنته الكبرى؛ حيث يدعي الألوهية، ويظهر المعجزات لفتنة الناس" (٤).
_________________
(١) "نفسه" ص (١٩).
(٢) "ما قبل الدمار" ص (٣٩).
(٣) "أسرار الساعة" ص (٣٩).
(٤) "نفسه" ص (١٤٦).
[ ٧٩ ]
إدعاء بعضهم وجود الدجال في مثلث برمودا
وهذا مؤلف "العالم ينتظر ثلاثًا"، يرتضي الغرابَ له دليلًا، فيقول: "وأنقل بعض كلام العلماء الذي ورد في هذا الموضوع مع أدلة موضوعية تثبت هذا الحديث، أن المسيح الدجال موجود بيننا الآن، وأنه موجود ماديًّا في مثلث برمودا، أو مثلث الرعب والشيطان كما يقول الغرب"، ثم يسرد أدلته على دعواه؛ وهي:
- أنه لا تستطيع غواصة أن تسير في هذا المكان، ولا طائرة.
- وجود صورة المسيح الدجَّال على ظهر فئة الواحد دولار.
- وجود الجن في بيوت المسلمين وإيذاؤهم.
وهذه أدلة مادية تثبت اتحاد المسيح الدجَّال مع الشيطان وجنوده لإيذاء المسلمين، ثم يضيف إلى أدلته:
- ما يحدث من مذابحَ للمسلمين في دول أوربية في البوسنة وغيرها، وكذلك معظم (!) الدول العربية (١) اهـ.
_________________
(١) "العالم ينتظر ثلاثًا" ص (٦٩، ٧٠).
[ ٨٠ ]
زعم بعضهم أن صداما هو المهدي المنتظر
الفَصْلُ الثالِثُ
اضْطرَابُهُمْ بِشَأْنِ "صَدَّام حُسَين"
ومن الكتب التي أثارت ضجة كتاب "المسيح الدجال، قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى"، لمؤلفه "سعيد أيوب"، ضمَّنه خليطا من النصوص الإسلامية، والأحاديث الضعيفة والموضوعة، وَجفر الرافضة، والإسرائيليات، ثم مزجها بتخيلاته وأوهامه الشخصية التي وصفها بأنها تصوراته للأحداث "المنظورة والمقروءة"، و"المرآة التي ينعكس عليها الحدث الذي يتطابق مع دائرة الزمن، أو عالم المشاهدة المنظور الذي ينطبق مع مخزون دائرة الذهن"، أو "عالم المشاهدة المنظور الذي ينطبق مع أحاديث عالم الغيب المخبوء الذي أخبر به النبي - ﷺ- " (١).
والغريب -أيضًا- أنه لم يقتصر على استدلاله بالإسرائيليات، حتى أضاف إليها تفسيرات إسرائيلية حديثة؛ كتفسير دانيال لإيرنسايد، وتفسير أشعيا لناشد، حنا، وتفسير حزقيال لرشاد فكري.
ويدعي "سعيد أيوب" أن المهدي المنتظر هو: الرئيس العراقي "صدام حسين"، وبني ذلك على تفسيراتٍ لكُتَّابٍ من النصارى المعاصرين
_________________
(١) "المسيح الدجال: قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى" ص (١٢).
[ ٨١ ]
قالوا: "ستكون هناك قوتان متضاربتان متنافستان على مركز السيادة في العالم: دول غرب أوربا والآشوري"، وقالوا: "الفرات هو الحد الطبيعي بين اليهود والآشوري"، وقالوا: "يد الله هي التي ستضرب بواسطة الآشوري" (١)، أما الحِلْف الذي سيكونه فقد قالوا: "ستكون القوة داخل حلفه مكونة من إيران، وسوريا، وليبيا، والسودان، وصُور، وشعوب منطقة الشرق الأدنى، وقبائل دول بحر قزوين، والبحر الأسود، والإسماعيليين، والهاجريين".
لقد حُقَّ لصدام حسين أن يقع في حَيرة، فتارة يقولون هو الآشوري، وتارة المهدي المنتظر، وتارة السفياني، وأحسب أن صَدَّامَا لو مات لانهارت كل هذه التخرصات (٢)، ولقال المتشبثون بها يومئذ:
أُمْنِيةٌ ظَفرَتْ نَفْسِي بِهَا زَمَنًا وَاليَوْمَ أَحْسَبُهَا أَضْغَاثَ اَحْلَامِ
_________________
(١) ومن المحتمل أن يكون "الآشوري المزعوم"، أو "صدام حسين" قد اطَّلع على هذه النصوص، وحسب أنه المهدي المنتظر؛ وقد يشير إلى هذا الاحتمال إعلانه قبل غزو الكويت أنه من أهل البيت، وإلحاحه على استعمال عبارة: "ساحرق نصف إسرائيل"، فقد قال رشاد فكري في تفسير حزقيال: "وسيحتل الآشوري نصف إسرائيل في أول أيامه"، وقال ناشد حنا في تفسير دانيال: "وسيستخدم العصا على إسرائيل "، وقال فكري: "وسيغزو أورشليم في حرب النهاية".
(٢) وقد انتهى الآن أمر صَّدام باحتلال العراق، وإقصائه عن السلطة، واعتقاله، ثم إعدامه وموته على خاتمة يظهر أنها حسنة -والله تعالى أعلم- فهل يثوب العابثون إلى رشدهم، أم يبقون سادرين في ظلمات الأماني والأوهام؟، وراجع محاضرة المؤلف: "شيعة أهل البيت الأبيض".
[ ٨٢ ]
مؤلف "هرمجدون" يقطع بأن صدام حسين هو "السفياني"
وهذا مؤلف "هرمجدون" يقطع بأن صَدَّام حسين هو "السفياني" (١)، وأن غزوه للكويت وما تلاه هو "فتنة السرَّاء"، وهو الجولة الأولى من الحرب العالمية الثالثة التي يسميها -موافقة لأهل الكتاب- بحرب "هرمجدون" (٢).
ثم يتابع صاحبُ "هرمجدون" "محمد عيسى داود" في ما ادعاه من نص في "مخطوطات نادرة" -عديمة الأصل والصورة- يقول: "وفي عراق الشام رجل متجبر و سفياني، في إحدى عينيه كسل
_________________
(١) في حين زعم "فهد سالم" في كتابه "أسرار الساعة وهجوم الغرب"، "أن السفياني زعيم عربي معاصر يصنعه الغرب الآن؛ ليكون ملكا للعرب في آخر هذا القرن؛ كما فعلوا مع جده في بداية القرن" ص (٧٨)، ثم صرح بما ورَّى به -هنا- في ص (١١٣)، ص (١٣٠) فقال: "إنه ملك الأردن" وإنه "الملك حسين" ص (١٣٧). ثم يخترع تفاصيل عجيبة عن أن الملك حسينًا يَبُثُّ جيوشه -بعد موت صدام- إلى العراق، والى المدينة، ويتحول الشعب الأردني إلى عدو لَدود، يطالب بمسح العراق من خارطة الوجود". اهـ. ص (١٣٧، ١٣٨) وقد توفي "الملك حسين" منذ سنوات، وبقي صدام بعده سنوات حيًا يُرزَق.
(٢) "هرمجدون" ص (١٩). وقد سلك صاحب "هرمجدون" مسلكًا انتقائيًا في التوصل إلى أن "صدام حسين" هو "السفياني": فمع ضعف الآثار التي استند إليها؛ إلا أنه أثبت منها ما يوافق هواه، وغض الطرف عما يهدم مزاعمه، مثل وصف السفياني بأنه "يخرج من مدينة دمشق" وأن "أصبعه الوسطى شلاء" وأن اسمه "عبد الله أو عبد الإله"، وأنه يملك حمل امرأة "أي تسعة أشهر"، وأن "راياته حُمْر"، وأنه "أعور العين أو أخوصُها"، وأنه "مشوه"، وأنه "يهزم الجماعة مرتين" إلخ تلك الصفات التي لا تنطبق على "صدام حسين"، كما أن صدامًا لا يلقب بالسفياني، ولا يُعْرَف أنه من بني أمية، وانظر: ص (٨٦).
[ ٨٣ ]
قليل، واسمه من الصدام، وهو صدام لمن يعارضه"، ثم يقول أمين جمال الدين: "والسفياني صدَّإم هو السفياني الأول، وسيليه السفياني الثاني المشوَّه، وهو ابنه الذي يعمل برصيد أبيه"، "والسفياني صدَّام فيه خير وشر، فإذا ظهر المهدي ذهب عنه كل خير، وكان شرًّا كلَّه، وحارب المهدي؛ مما يجعل المهدي يأمر بقتله، وتخليص النالس من شره" (١).
وممن تولي كِبْرَ هذه الدعوى الدكتور "فاروق الدسوقي" -عفا الله عنه- إذ يقول: "السفياني سينتصر على كلِّ يحاربه، ويملك بعد دخول فلسطين وتحرير القدس مثل مُلك بختنصر ملك بابل القديم، الذي حكم المنطقة كلَّها".
ثم يقول: "فهل هذا هو مُلك الرئيس العراقي صدَّام حسين، جابر قلوب الأمة الإسلامية المنكسرة، الأزهر، سليل الفاتحين، محرر القدس في زمان الإفسادة الأخيرة؟ المبعوث من شاطئ دجلة (تكريت) ليطهر بمائه القُدْلسَ من رجاسات اليهود؟ " (٢).
ويقول أيضًا: "فهو -أي السفياني- من أعظم شخصيات التاريخ الإسلامي؛ إذ يأتي في زمن ضعف الأمة وذلها، فيعزها الله -تعالى- على يديه بتحرير الأقصى، وتطهيره من رجس اليهود، ومن ثم جاء وصفه بأنه "الجابر" الذي يجبر الله -تعالى- على يديه قلوب أمة الإسلام
_________________
(١) "نفسه" ص (٢٢).
(٢) "البيان النبوي بانتصار العراقيين على، الروم والترك، وتدمير إسرائيل" ص (٨٤).
[ ٨٤ ]
المنكسرة، كما جاء وصفه بأنه "الأزهر" لعلو نجمه وهذا كله ينطبق على الرئيس العراقي صدَّام حسين" (١)، ومن ثم فهو يُهْدِي إليه كتابه مخاطبًا إياه:
"إلى فخامة الرئيس العراقي صدَّام حسين، أيها الجابر، أيها الأزهر، قائد أولي اليأس الشديد" (٢).
ويذكر في موضع آخر أنه "اكتشف" أن السفياني هو الآشوري، ويقول: "ولما شعرت بخطر شخصية السفياني، وعِظَم الأحداث والفتن التي تعاصره، رجعت للكتاب المقدس (؟!!)؛ لكي أجمع كل النصوص التي تتحدث عنه أو جُلَّها، وتفسيرها في ضوء القرآن الكريم"، إلى أن يقول: "وإذا بجميع هذه النصوص والأخبار عن هذه الشخصية في الوحيين القديم (!!!) والخاتَم، تتطابق مع واقع الرئيس العراقي المعاصر من حيث الصفات والأحداث" (٣).
_________________
(١) "البيان النبوي" ص (٢٠).
(٢) "نفسه" ص (٥).
(٣) "القيامة الصغرى على الأبواب" ص (١٦).
[ ٨٥ ]
تنبيهان
الأول: اعلم -رحمك الله تعالى- أنه لم يصح شيء في أحاديث السفياني سواء منها ما كان مرفوعًا أو موقوفًا (١)
قال ابن قدامة -رحمه الله تعالى- تحت عنوان السفياني والمهدي:
قال محمد بن جعفر: "وهي هذه الأحاديث التي نهى أحمدُ إسحاقَ بن داود عن التحديث بها"، وساق الأحاديث (٢).
وقد ذكر صاحب "البيان النبوي" أن الحافظ نعيم بن حماد "خصَّص في كتابه "الفتن" اثني عشر بابًا للسفياني، وعشرة أبواب للمهدي"، ثم علَّق قائلًا: أي أن الأحاديث عن السفياني كثيرة جدّا، ومتواترة المعنى (!!) تواترًا يقوي ضعفها (؟!) اهـ (٣).
وهذه مجازفة شنيعة منه -عفا الله عنه- حيث تضم الأبواب التي أشار إليها آثارًا، والمرفوع فيها إلى النبي -ﷺ- سبعة أحاديث ليس فيها التصريح باسم السفياني إلَّا في حديثين فقط برقم (٧٩٥) ورقم (٨٤٢) وهما شديدا الضعف.
نعم ورد في الكتاب أحاديث أخر في غير الأبواب الاثني عشر المشار إليها فيها النص على اسم السفياني لكنها كلها ضعيفة واهية.
_________________
(١) "إتحاف الجماعة" للتويجري (١/ ٤٩).
(٢) انظر "المنتخب من العلل للخلال" ص (٣٠٣).
(٣) "البيان النبوي" ص (٢١)، وسيأتي بيان كلام العلماء في "نعيم بن حماد"، وكتابه، فانظره ص (١٥٨)، وما بعدها.
[ ٨٦ ]
والعجيب أن مؤلف "البيان النبوي" يكتفي بالعزو إلى كتاب "الفتن" لأبي نعيم، ويتجاهل تحقيقها، ثم يوردها على أنها صحيحة.
وقد بيَّن الإمام الحافظ المزي أسباب وضع أحاديث السفياني وما وافقها من آثار، ونقل عن الزبير بن بكار أنه قال: كان خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سيفان يوصف بالعلم، ويقول الشعر، قال عمي مصعب بن عبد الله: "زعموا أنه هو الذي وضع ذِكْرَ السفياني وكثَّره، وأراد أن يكون للناس فيهم مطمع حين غلبه مروان بن الحكم على الملك، وتزوج أمه أم هاشم، وقد كانت أمه تكنى به" (١).
الثاني: حول شخصية "القحطاني"
اعلم -أصلحك الله- أنه لم يثبت في "القحطاني" المذكور سوى حديثٍ واحدٍ، وهو قوله -ﷺ-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ» (٢).
ومع ذلك قام أحد هؤلاء العابثين بالنفخ في شخصية القحطاني، تارة بالاختراع والافتراء، وتارة بالتقاط مجموعة من الآثار الباطلة من هنا وهناك، حتى الإسرائيليات؛ ليضخم شخصية القحطاني، ويرسم له دورًا كبيرًا في أحداث آخر الزمان (٣).
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٥/ ٤٣٠/ ١٦٤٧).
(٢) رواه البخاري (٣٥١٧) ومسلم (٢٩١٠) وغيرهما.
(٣) وكتابه المذكور: "الثمر الداني في ذكر المهدي والقحطاني".
[ ٨٧ ]
فارغ
[ ٨٨ ]
العابثون يحددون باليوم والساعة "سيناريو" أحداث آخر الزمان
الواقع يخيب تخرصات العابثين
الْفَصْل الرَّابِعُ
الرَّاجِمُونَ بِالْغَيبِ الْقَائِلُونَ مَا لَيسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨] نورد فيما يلي نماذج من تنبؤات بعض العابثين بأشراط الساعة، وبدون تعليق غالبًا؛ لأنها في قسم كبير منها تَهَاوَتْ، وانهارت حين خَيَّبت الأيامُ ظنونَهم، وأخلفت وعودهم، وصدق الشاعر:
كل مَنْ يَدَّعِي بما ليسَ فيه فَضَحَتْة شَواهِدُ الامتحان
فهذا مؤلف كتاب "الحرب العالمية الثالثة بين الإسلام والغرب" (١) يزعم أن المهدي المنتظر سيخرج في صيف ١٩٩١ م (١٤١١ - ١٤١٢ هـ) وأن بداية الحرب القادمة بين اليهود والعالم الإسلامي ستقوم في نهاية ١٩٩٣ م، وفيها سيُباد ثلثا اليهود، وأن المسلمين سيحررون فلسطين قبل نهاية القرن القادم (٢٠٠٠ م)، وأن الدجال سيخرج سنة (٢٠٠٠ م)، وأن موعد قيام الساعة لن يتجاوز سنة ٢٠٣٠ م بحال من الأحوال.
ولا يتحرج هذا المؤلف من أن يختم كتابه بقوله: "أرجو أخي القارئ ألا يقسو في الحكم عليَّ إذا حدثت في المستقبل أحداث مختلفة بعض الشيء زمانيَّا أو مكانيَّا مع ما رويت في هذا الكتاب، فكل ما رُوي من
_________________
(١) وهو كتاب مجهول السند والنسب، طبع سنة (١٩٩٠ م) منسوبًا إلى د. عبد الناصر مدبولي الخضري، وبدون اسم مطبعة ولا ناشر.
[ ٨٩ ]
أحداث في هذا الكتاب قمت باستخراجها بأدلة وأسانيد من بطون الكتب، وليست من الخيال أو الوهم الشخصي" (١) اهـ. كلامه.
وصدق الشاعر إذ يقول: وعلى المُريبِ شواهدُ لا تُدْفَعُ
وهذا صاحب كتاب "أسرار الساعة" يقول تحت عنوان: السيناريو المحتمل لتسلسل حوادث الفتن، والله أعلم:
- في عام ١٩٩٨ يُشغَل الناس باللعب واللهو في أولمبياد باريس، ثم تفاجئهم علامات الساعة الكبرى، وهم في غفلتهم يلعبون
- في ١/ ١/ ١٩٩٩ وفي الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة ١٥ رمضان ١٤١٩ هـ يتم ارتكاب العمل الكوني المفزع، وهو تفجير المسجد الأقصى، وفي نفس اليوم تصل طلائع القوات الغربية، وتنزل في الأردن، وتحاصر بيت المقدس (٢).
- بعد تفجير الأقصى مباشرة يتم دخول الجيوش الغربية الأردن وفلسطين، وتطوق القدس حماية لليهود، حتى يكملوا بناء الهيكل مكان المسجد (٣).
- ويزعم أن المهدي يظهر في يوم الثلاثاء الموافق ٢٥ محرم ١٤٢٠ هـ، ويحدد المدة بين ظهور المهدي ونزول عيسى ﵇ بأنها ثمانية أشهر (٤).
_________________
(١) "الحرب العالمية الثالثة بين الإسلام والغرب" ص (٥٩).
(٢) "أسرار الساعة" ص (١٤١)، وما بعدها.
(٣) "نفسه" ص (١٣٦).
(٤) "نفسه" ص (٨٤).
[ ٩٠ ]
- في أول ربيع الثاني ١٤٢٠ هـ، الموافق ١٤/ ٧/ ١٩٩٩ م ينطلق صاروخ نووي من الخليج إلى أوربا مستهدفًا الفاتيكَان حسب الخطة المرسومة (١).
- في أول أغسطس ١٩٩٩ م الموافق ١٩ ربيع الثاني ١٤٢٠ هـ تبسط إيران سيطرتها على معظم دول الخليج، وبعد ذلك يتم إلقاء قنبلة نووية أمريكية تدمر إيران بعد أن دمرت الخليج (٢).
- في جمادى ورجب وشعبان (أي ١٤٢٠ هـ) الموافق من شهر سبتمبر ١٩٩٩ م حتى نوفمبر تبدأ الملحمة الكبرى من مقر قيادة المسلمين في دمشق تحت قيادة المهدي ﵇ (٣).
- في ١٥ شعبان ١٤٢٠ هـ الموافق ٢٣ نوفمبر ١٩٩٩ م يخرج المسيح الدَّجال بفتنته الكبرى؛ حيث يدعي الألوهية، ويظهر المعجزات لفتنة الناس (٤).
- في يوم الجمعة ١/ ١/ ٢٠٠٠ م الموافق ٢٥ رمضان ١٤٢٠ هـ تشرق الأرض بنور النبي والرسول العظيم عيسى ﵇، ينزل في القدس والمسلمون بقيادة المهدي، يحاصرهم الدَّجال هناك (٥).
- يدعي أن عيسى ﵇ ينزل إلى الأرض سنة ٢٠٠٠ م، ثم يقول: "وهذه النتيجة تكاد تتفق تمامًا مع ما يعلنه ويبشر به أهل الكتاب
_________________
(١) "نفسه" ص (١٤٦).
(٢) "نفسه" ص (١٤٦).
(٣) "أسرار الساعة" ص (١٤٦).
(٤) "نفسه".
(٥) "نفسه" ص (١٤٧).
[ ٩١ ]
عن طريق الحساب الموجود في كتبهم، وهو ما يعتقده كثير من الرهبان والقادة الكبار في العالم الغربي، وقد توصلنا إلى ذلك -ولله الحمد- عن طريق الاعتماد على أحاديث رسولنا العظيم (١) -ﷺ- " (٢).
- وعندما يراه الدَّجال يهرب من القدس متوجهًا إلى أكبر مطارات إسرائيل، وهو مطار اللد الدولي، ولكن عيسى يلحق به قبل أن يقلع بطائرته، ويقتله قرب باب اللد الشرقي (٣).
- ويدعي أن وفاة عيسى ﵇ ستكون عام ٢٠٠٧ م، وأن نهاية عمر الدنيا ستكون بإذن الله عند طلوع الشمس من مغربها في عام ٢٠١٠ (٤).
وأمام جرأته على تعيين شخصيات هذه الأحداث فأمر عجيب:
فهو يرى أن "الأبقع" هو ياسر عرفات، وأن الرجل "المشوه" هو الشيخ أحمد ياسين -رحمه الله تعالى-، وأن "الأصهب" حافظ الأسد، وأن "السفياني" هو حسين ملك الأردن، الذي سيبعث جيوشه إلى العراق والمدينة، وأن "صدام حسين" سيقتل في الكوفة (٥)، وأن "عمر
_________________
(١) وهذا افتراء على رسول الله -ﷺ- الذي هو بريء من هذه الأكاذيب؛ وأقوى دليل على ذَلِكَ أَنَّهَا لم تقع في المواعيد التي حددها هذا الظالم لنفسه.
(٢) "نفسه" ص (٧٠) وما بعدها.
(٣) "السابق" ص (١٤٧).
(٤) "السابق" ص (٧٠).
(٥) انظر: "أسرار الساعة" ص (١٣١، ١٣٧، ١٤٠، ١٤١).
[ ٩٢ ]
البشير" حاكم السودان هو الحاكم العادل المقصود بقول أبي قبيل: "يكون بأفريقية أميرًا ثنتي عشرة سنة، ثم تكون بعده فتنة، ثم يملك رجل أسمر يملؤها عدلًا، ثم يسير إلى المهدي، فيؤدي إليه الطاعة، ويقاتل عنه "، رواه نعيم بن حماد في كتاب الفتن (١).
أما مؤلف "هرمجدون":
- فهو يرى أن "قنطرة مصر" هي قناة السويس، وهي المذكورة في رواية نعيم بن حماد عن الزهري قال: "إذا اختلفت الرايات السود فيما بينهم أتاهم الرايات الصفر، فيجتمعون في قنطرة أهل مصر، فيقتتل أهل المشرق وأهل المغرب سبعًا، ثم تكون الدَّبَرة على أهل المشرق" (٢)، وهو يدعي أن الرايات السود المشار إليها في هذا الحديث (؟!) قوات طالبان، وقوات التحالف الشمالي، وأما الرايات الصفر فهي القوات الغربية (٣).
ويقول: (وقد ظهر "الطالبان" حوالي سنة ١٩٩٦ م، وتخبرنا الآثار التي جاءت بشأنهم أنه بين بدء ظهورهم وبين ظهور المهدي اثنان وسبعون شهرًا؛ أي ست سنوات) (٤). اهـ.
_________________
(١) "الفتن" (١/ ٣١٢) رقم (٩٠٣)، واسناده ضعيف جدّا.
(٢) رواه نُعيم في "الفتن" (١/ ٢٧٠) رقم (٧٧٢) بسند ضعيف عن الزهري.
(٣) "هرمجدون" ص (٣٤، ٣٥).
(٤) "نفسه" ص (٣١) ونحن الآن -وقت خروج هذه الطبعة- في شهر أبريل ٢٠٠٧ م، فالمفترض -وففا لمزاعمه- أن يكون المهدي قد ظهر منذ خمس سنوات.
[ ٩٣ ]
ثم هو يستروح لما روى نُعَيْمُ بن حماد بسنده قال: حدثنا أبو يوسف، عن محمد بن عبيد الله بن يزيد السندي عن كعب قال: "علامة خروج المهدي ألوية تقبل من المغرب، عليها رجل أعرج من كِندة" (١).
ويجزم بأن المقصود بهذا "الأعرج" الجنرال الأمريكي "ريتشارد مايرز" رئيس هيئة أركان القوات المشتركة في أفغانستان؛ بدليل أنه رآه "مقبلًا على عكازين؛ ليعلن للشعب الأمريكي بدء عمليات القوات المشتركة الجوية والبرية والبحرية ضد أفغانستان، فقلت: الله أكبر!! صدقتَ يا رسول الله" (٢) ١هـ.
وما أدراك أن رسول الله -ﷺ- نطق بهذا الخبر أصلًا؟ (٣)
وأين رجل مقبل على عكازين من رجل "أعرج"؟ وأين "كِندة" (٤) بكسر الكاف من أمريكا أو حتى كَنَدا؟
_________________
(١) رواه أبو نُعيم في "الفتن" (١/ ٣٣٢)، رقم (٩٥٢)، وهو من مفاريده التي لا يحتج بها.
(٢) "هرهجدون" ص (٣٦).
(٣) فها أنت ترى أن وَلَعَه بمطابقة الآثار الواردة في أشراط الساعة -ولو كانت ضعيفة أو باطلة- عنى الأحداث المعاصرة؛ قد استولى على عقله، وسيطر على وجدانه، واستحوذ على حواسه، وأخذ منه كلَّ مأخذ، حتى ليصدق فيه قول أبي نواس: مضى بها ما مضى من عقل شاربها وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي فكل شيء رآه ظنه قَدَحًا وكل شخص رآه ظنه الساقى
(٤) وهي قبيلة يمانية معروفة ينسب إليها الصحابي الجليل المقداد بن عمرو الكندي -﵁-، والشاعر الجاهلي: امرؤ القيس، والفيلسوف الكندي.
[ ٩٤ ]
ثم يرجح أن سنة (٢٠١٢ م) هي النهاية، وليست بداية النهاية، ثم ادعى أن ظهور المهدي سيكون بعد سنتين أو ثلاث على الأكثر من اليوم (١).
ويحكي "مبارك البرَّاك" عن علماء الكومبيوتر "أنه في ١/ ١/ ٢٠٠٠ سيقف الكومبيوتر، وهذا يصادف العشر الأواخر من رمضان، فلا طائرات، ولا أموال تستخرج من البنوك، ولا اتصالات حتى الثكنات العسكرية تشكل خطورة، والكهرباء والصرف الصحي يتعطل وعلى كل حال، وقع هذا، أم وجدوا له حلا، فإننا على يقين أن الحضارة ستنتهي" (٢).
ثم يدعي أن أنسب تفسير لحديث "فتنة الدهيماء" اضطراب أحوال العالم كله بسبب مشكلة "الصفر" في الكومبيوتر (٣).
_________________
(١) "نفسه" ص (٧٠).
(٢) "العقلانيون ومشكلتهم مع أحاديث الفتن" ص (٧).
(٣) انظر: "السابق" وقد مر عام (٢٠٠٠) بدون ما توقعوه، واتضح أن "مشكلة الصفر" ضُخِّمت بدون مسوغ حقيقي لها.
[ ٩٥ ]
فارغ
[ ٩٦ ]
افتتان العابثين بتخرصات المنجم اليهودي "نوستراداموس"
الفصلُ الخامسُ
التطبيع مَعَ التنجيم وَالمُنَجَمِينَ وَزَلْزَلَةُ ثَوَابِتِ الْعَقِيدَةِ
لم يكتفِ العابثون بأشراط الساعة بالرجم بالغيب، وقَفْوِ ما ليس لهم به علم، حتى أضافوا إلى ذلك قاصمة أخرى، وهي "تطبيع العلاقات مع المنجِّمين"، والاحتجاج بقول بعضهم -بعد حكاية مدحه والثناء عليه- بأنه "أعظم فلكي في التاريخ" (١)!
_________________
(١) بل منهم من تقبل حتى "حكايات عجائز اليهود"؛ فقد جاء في محاضرة لداعية فاضل بعنوان "النظام العالمي الجديد": "عندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨؛ دخلت عجوز يهودية على أم ذلك الداعية، وهي تبكي، فلما سألتها عن سبب بكائها، وقد فرح اليهود، قالت: "إن قيام هذه الدولة سيكون سببًا في ذبح اليهود"، ثم يقول الداعية: إنه سمعها تقول: إن هذه الدولة ستدومِ ٧٦ سنة، وعندما كبر رأى أن الأمر قد يتعلق بدورة المُذَنَب "هالي"؛ إذ إن مُذنَّب "هالي" -كما يقول الداعية- مرتبط بعقائد اليهود". اهـ من "زوال إسرائيل" ص (٥٦) وانظره ص (٧٨) وهذا المذنَّب "هالي" هو الذي قال فيه أبو تمام في بائيته المشهورة: وَخَوفُوا الناسَ مِنْ دَهْيَاءَ مُظْلِمَةٍ إذَا بَدَا الْكَوْكَبُ الْغَرييُ ذُو الذُّنَبِ وهل التنجيم إلا الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية؟! وهذا المذنَّب يقترب من الأرض كل ستة وسبعين عاما، وكان آخر ظهور له عام ١٩٨٦ م (١٤٠٦ هـ)، ويسميه بعض الغربيين "عميل الشيطان" تشاؤمًا به، وزيادة في الكفر؛ لأنه ظهر في عام ١٤٥٦ م، وهو عام فتح القسطنطينية واشراقها بنور الإسلام.
[ ٩٧ ]
يقول صاحب "أسرار الساعة":
"في نهاية السابع من عام ١٩٩٩ م سيهبط مَلَك الفزع العظيم من السماء، وسيحكم المريخ -كوكب الحرب- لصاحب الحق، وسيكون دمارًا مروعًا وخرابًا هائلًا، تلك هي واحدة من أكثر نبوءات "نُوسْتراداموس" فزعًا ورعبًا كما يقول المحللون، وهي -طبقًا لمعظم التفسيرات- تعني أن كارثة ضخمة ستحيق بالكرة الأرضية في شهر يولية ١٩٩٩ م، وقد حدد "نُوسْتراداموس"، والذي يعتبرونه أعظم فلكي في التاريخ، بأن شرارة الكارثة الأولى ستنطلق من الشرق الأوسط" (١)، إلى أن يقول:
"وما بين نبوءات "نسْتراداموس" في عام (١٥٥٥م)، ومخططات واينبرغر عام ١٩٩٧ م، تمت جميع المؤامرات الساعية لتدمير العالم الإسلامي وغزوه في عام ١٩٩٩ م ومثقفو هذا العالم لا يزالون يرددون ببلاهة عجيبة: "نحن ضد فكر المؤامرة"، أما قادة العالم الإسلامي فيكفيهم خدعة أن يرأسهم في طهران الدجَّال نفسه (٢)، والمعروف أن الرقم (٩) هو نهاية الأرقام التي تبدأ بالرقم (١) وهو حسب الفلسفة الفيثاغورثية يعني النهاية، وهو الرقم المقدس عند الطائفة البهائية التي خرجت في إيران، واستقرت في فلسطين.
وحسب علوم الجيومترا المشتقة من الكابالاة اليهودية، فإن الرقم (٩) هو رقم الملوك الغزاة.
_________________
(١) "أسرار الساعة" ص (٣٤).
(٢) يقصد رئيس إيران آنذاك "محمد خاتمي"، كما صرح بذلك ص (١١٣، ١١٤).
[ ٩٨ ]
وفي اليهودية -أيضًا- فإن الرقم (٩) هو رقم الخراب" (١) ويقول في موضع آخر: السفياني أو الهاشمي (٢) هو المقصود ب "ملك الجنوب"، الذي يتعاون مع ملك الروم، كما في تنبؤات اليهودي الفلكي "نسْتراداموس" (٣).
يقول صاحب "هرمجدون" فيما يشبه الدعاية لهذا المنجِّم: "إن المنجّم الفلكي اليهودي الشهير "ميشيل نوسْتراداموس" الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي، وتوفي سنة ١٥٥٩ م، والذي كتب رباعيات تنبؤية لأمور مستقبلية وقعت وفق ما أخبر به تمامًا (٤).
_________________
(١) "نفسه" ص (٣٥).
(٢) وهو يقصد هنا "الحسين" ملك الأردن الراحل.
(٣) "أسرار الساعة" ص (١٣٢) وتأمل كيف طوعت له نفسه أن يستدل بتنبؤات ذلك اليهودي المنجم بلا أدنى تحرج؟!!
(٤) حذار أن تسلم بهذا التهويش وهذا الهراء، واعتصم بدلالة النصوص القطعية المعصومة على أن الغيب لا يعلمه إلا الله -﷿-، فما ذكره "محامي نوسْتراداموس" لا يعدو أن لكون دعاية رخيصة يمهد بها لتمرير مجازفاته وتخرصاته، وهو هنا يسلك مسلك الطَّغام من العوام الذين يولعون بحكاية الغرائب دون إخضاعها لتمحيص وتفتيش، وما هو إلا صدى لأصوات الغربيين الذين يتشدقون بهذه المزاعم، بدليل أنه لم يقرأ رباعيات "نوسْتراداموس" في لغتها الأصلية بنفسه، تلك الرباعيات التي كتبت بلغة مراوغة تحتمل الشيء ونقيضه، كما هي عادة المنجمين والكهان والعرافين، ثم تأتي أهواء الشراح والمفسرين والمترجمين لتخضعها لرغباتهم، ثم يأتي دور العوام الذين يتداولونها بشغف ويزيدون عليها ما شاءوا حتى يصير الشبر ذراغا ثم أميالا، وفراسخ، ومع أن الواقع يكذب المنجمين، ويخلف وعودهم غالبا؛ إلا أن العوام لا يتناقلون ذلك، وإنما يعلق بذاكرتهم القليل النادر مما يقع وفق تنبؤاتهم إما اتفاقًا، وإما لأنه مما اختطفته الشياطين من أخبار السماء، والله تعالى أعلم، وانظر ص (١٠٥ - ١١١).
[ ٩٩ ]
فقد أخبر في رباعياته عن الحرب العالمية الأولى والثانية، ووقعتا فعلًا في التاريخ الذي حدده، كما أخبر عن الثورة الفرنسية، وعن ظهور جبابرة سماهم بأسمائهم؟ منهم "هتلر"، و"نابليون"، وتنبأ بنشوب الحرب العالمية الثالثة، وأنها مدمرة، وستكون في أوائل هذا القرن، وأنها نووّيَة، وسيكون فيها حرب بيولوجية" (١).
_________________
(١) "هرمجدون" ص (١٣) وانظر: ص (١٠٣).
[ ١٠٠ ]
تلك أمانيهم!
ولا يغني عن قائل هذا الكلام قوله: "هذا العرَّاف -وهو طبيب في الأصل- لم يأتِ بما أتى به من باب الكهانة أو العرافة، وإنما هو قد اطلع على مخطوطات إسلامية (١) حصل عليها وورثها من أجداده اليهود، كما ذكر في مقدمة "رباعياته"؛ لأن هذه دعوى لا دليل عليها أولا، ثم إن صح أنها مخطوطات إسلامية فأي نوع من المخطوطات هي؟ أهي أحاديث مرفوعة صحت عن المعصوم -ﷺ-، وهي لا تُتَلقَّى عن عرَّاف يهودي، أم هي مصنفات أدبية أو تاريخية أو حتى كتب بدع وتنجيم وكهانة وسحر صنفها أجداد "نوسْتراداموس" تحت تصنيف "مخطوطات إسلامية" لمجرد أنها كُتبت باللغة العربية؟!! ولقد زاد صاحب "هرمجدون" الطين بِلَّة حين زعم أن أجداد "نوسْتراداموس" "كانوا أمناء لمكتبة المسجد الأقصى، فأخذوا هذه الموروثات الإسلامية، فكانت مصدرا رئيسيا له في تنبؤاته بجانب موروثات اليهود والنصارى، والتي فيها بعض العلم الذي لم يُغير ولم يُبدَّل" (٢). اهـ.
_________________
(١) ويقول أيضا: "إن ما جاء به "نوستراداموس" هو من تراثنا المنهوب، وميراثنا المسلوب، الذي سقط منا فالتقطوه، وجهلناه وعلموه". اهـ. من "هرمجدون" ص (١٤) وهو هنا يمارس -بمهارة- هوايته المفضلة في "خداع النفس"، والاستخفاف بعقول الآخرين، ومكابرة الحقائق، على طريقة: "عنزة ولو طارت"؟ فانظر: كيف كذبوا على أنفسهم!
(٢) "هرمجدون" ص (١٤).
[ ١٠١ ]
فيا لَلهول!! ويا لَلعار!! أتنسب إلى المسلمين في ذروة عزهم ومجدهم أنهم استأمنوا اليهود قتلة الأنبياء، ومحرفي الكلم من بعد مواضعه، وأشد الناس عداوة للذين آمنوا على تراثهم الذي هو لباب دينهم، ونتاج عقولهم، ونسل قلوبهم، وكنز علومهم، وعِرض أمتهم؟! وهل يجرؤ مسلم يعرف قدر هذه الأمة وقدر علمائها الربانيين، وولاتها الصادقين؛ على أن يجوِّز أن يفوت شيء من سنة الصادق المصدوق -ﷺ- جميع علماء الأمة المحمدية، في حين يحتكره يهودي كاهن عراف منجم حتى إن الأمة لتحتاج إليه، وتتسول منه، وتتطفل عليه؟!!
لقد تكفل الله -﷾- بحفظ الذكر، فقال -﷿-:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] وحفظ الذكر يشمل حفظ السُّنَّة كما بيَّن العلماء، فلا يمكن أن يفوت جميعَ الأمة شيء من سنة رسول الله -ﷺ-، حتى المخطوطات التي فقدت لا يترتب على فقدها ضياع ما فيها من سُنَّة رسول الله -ﷺ- كجامع سفيان الثوري، وموطأ ابن أبي ذئب، ومسند بقي بن مخلد؛ لأن أحاديث هؤلاء الأئمة مدونة في كتب السُّنَّة التي بأيدينا.
إن علماءنا العاملين الربانيين هم فقط الذين يحتكرون حق القِوامة على تراثنا بحمله وتبليغه مَن بعدهم مصداقَ قولِ رسول الله -ﷺ-: "يَحِمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وتَأوِيلَ الجَاهِلِينَ" (١).
_________________
(١) رواه بنحوه البيهقي في "السنن" (١٠/ ٢٠٩) مرسلًا، لكنه رُوي موصولا عن جماعة من الصحابة، وصحَّحَ بعضَ طرقه الحافظ العلائي، وانظر: "تحقيق المشكاة" (١/ ٨٢) رقم (٢٤٨).
[ ١٠٢ ]
نبوءات "نوستراداموس" في خدمة كل صاحب غرض
نوستراداموس وأحداث سبتمبر ٢٠٠١م
نشرت مجلة "أون لاين" في العدد (١٤) نصف أكتوبر ٢٠٠١ م مقالًا أنحت فيه باللائمة على وكالة "رويتر" للأنباء؛ لأنها التي نشرت شائعة تنبؤ "نوستراداموس" بأحداث ١١ سبتمبر، ونسبت إلى "جون هوج" أحد المتخصصين في دراسة نبوءات "نوستراداموس" قوله: "يبدو أن صحافيي وكالة رويتر نسوا أبسط قواعد الصحافة المحترمة، ألا وهي التأكد من الحقائق قبل نشرها، الأمر الذي لم يفعله أحد"، وقد دعا الوكالة الشهيرة إلى الاعتذار عن خطئها، وتكذيب ذلك الخبر فورًا.
وذكرت المجلة أن طالبًا يُدعى "نيل مارشال" كان قد صمم موقعًا له على شبكة الإنترنت باسم "التحليل النقدي لنوستراداموس"، وقد نشر فيه عددًا من الرباعيات ونسبه إلى الفلكي الشهير، وحرص على أن يجعلها ذات لغة مراوغة ليسخر من فكرة التنبؤ بالمستقبل، ووصل إلى استنتاج أن نصوص "نوستراداموس" يمكنها أن تعني كل شيء، وقد لا تعني شيئًا على الإطلاق.
ويقول محرر موقع "الأساطير الحضارية" urban Lagends: " إن لغة نوستراداموس تجعل نصوصه قابلة للتفسير على أي وجه، يمكنك أن ترى فيها الحروب أو المآسي، أو الانتصارات، أو أي شيء تريد أنت رؤيته" (١).
_________________
(١) ومن أجل ذلك تكرر استغلالها دعائيا في الحرب النفسية: (ففي أوائل عام ١٦٤٩ م قام خصوم الكاردينال "مازاران" بنشر طبعة من "قرون"؛ =
[ ١٠٣ ]
ثم تسخر مجلة Online من "نوستراداموس" وأشباهه، وتتساءل: لماذا يستخدم المنجمون دومًا تلك اللغة المراوغة؟ إذا كانوا بحق قادرين على كسر حاجز الزمن والإبحار عبر المستقبل؛ فلماذا لا يقولون لنا ما سيحدث بوضوح وصراحة دون أن "يوجعوا دماغنا"؟!
_________________
(١) = وهو اسم كتاب "نوستراداموس" الذي ضمَّنه نبوءاته؟ بعد أن أضافوا إليها رباعيتين ضده، من أجل الحد سن نفوذه في البلاط الفرنسي. - وفي عصر "نابليون" تم إضافة رباعيات زائفة أطلق عليها "نبوءات أوليفارس"، تبعتها: "تنبؤات أورفال"، ونُسِب كلاهما إلى "نوستراداموس". - وخلال الحرب العالمية الثانية ظهر أكثر من خمس طبعات من كتاب "قرون"، وكان كل طرف يقتصر على ذكر ما يفيده، ويتجاهل سائر الرباعيات. - بل استغل وزير الإعلام النازي "جوبلز" نبوءات "نوستراداموس" في الحرب الدعائية أثناء الحرب العالمية الثانية، إذ إنتقى منها بعض الرباعيات التي يمكن أن توحي بعظمة ألمانيا وحتمية انتصاراتها، وأثبتها في نشرة دعائية خاصة، ترجمت إلى الفرنسية، والإنكليزية، والهولندية، وكانت تلقيها الطائرات النازية على المدن الأوروبية التي كانت فزعة تترقب: ماذا سيفعل النازي بجيوشه الجرارة التي اجتاحت النمسا، وبدأت تتأهب لغزو سائر أوربا؟ قابلت المخابرات البريطانية الموقف بسخرية، سرعان ما تحولت إلى عكس ذلك حينما لاحظت التأثير السلبي لتلك المنشورات على الأوربيين، مصداق قول بعضهم: "إذا ما ضعفت النفس؟ استسلمت للخرافة"، وهنا حشدت المخابرات البريطانية كل ما يمكن جمعه من نبوءات "نوستراداموس" مما يمكن أن يفسر على أنه هزيمة لألمانيا في منشورات ترجمت إلى الألمانية لإحباط الشعب الألماني، ثم إلى الفرنسية والهولندية لرفع معنويات سائر الشعوب الأوروبية). اهـ. بتصرف من "روايات مصرية للجيب كوكتيل ٢٠٠٠" ص (٧٣ - ١١٤).
[ ١٠٤ ]
التفسير النبوي لوقوع شئ مما أخبر به الكاهن وفقا لما تنبأ به
كشف حقيقة التنجيم والمنجمين
لقد انبهر صاحب "هرمجدون" بتنبؤات اليهودي اللئيم، وراح يلتمس المعاذير والمسوِّغات؛ ليضفي عليها المصداقية كما رأيت، مع أن الغالب كذب المنجمين، والصدق فيهم نادر، ولا أدري كيف خاض هذا الإنسان في مستنقع "المنجم اليهودي"، وأهمل تفسير من لا ينطق عن الهوى -ﷺ- لظاهرة صدقِ بعض أقوال الكُهَّان أحيانًا، وهو ما رواه أبو هريرة -﵁- قال: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:
" إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ " (١).
وعن أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: "سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ الْكُهَّانِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُم لَيْسُوا بِشَئءٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّئءِ يَكُونُ حَقّا، قَالَ: فَقَالَ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٠٠)، (٨/ ٥٣٧).
[ ١٠٥ ]
بعض الأحاديث الشريفة في النهي عن إتيان المنجمين أو تصديقهم
النَّبِيُّ -ﷺ-: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» (١).
وعن معاوية بن الحكم -﵁- أنه قال للنبي -ﷺ-: "وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» (٢).
قال النووي -رحمه الله تعالى-: "قال العلماء: إنما نهى عن إتيان الكُهَّان؛ لأنهم يتكلمون في مُغَيّبَات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يُلَبِّسُونَ على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم" (٣) اهـ.
وعن بعض أمهات المؤمنين -﵅- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٤).
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: " مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ " -ﷺ-" (٥).
وعن عمران بن حصين -﵄-: قال رسول الله -ﷺ-: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ،
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥٦١)، (١٣/ ٥٣٥).
(٢) رواه مسلم (٥/ ٢٠ - نووي).
(٣) "شرح النووي" (٥/ ٢٢).
(٤) رواه مسلم (٢٢٣٠)، (٤/ ١٧٥١).
(٥) البيهقي في السنن الكبرى (١٦٤٩٦).
[ ١٠٦ ]
الخطيب البغدادي يفضح أحوال المنجمين
أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - أَوْ قَالَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ " (١).
قال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "إنما يدخل الشبه على الناس في أمر المنجمين من قبيل أنهم يرون المنجمَ يُصيب في مسألة تقع بين أمرين؛ كالجنين الذي لا يخلو من أن يكون ذكرًا أو أنثى، أو المريض الذي لا يخلو من أن يصح أو يموت، والغائب الذي لا يخلو من أن يقيم بمكانٍ أو يئوب.
ومن شأن الناس أن يحفظوا الصوابَ؛ للعُجْبِ به والشَّغَف، ويتناسوا الخطأ؛ لأنه الأصل الذي يعرفونه، والأمرُ الذي لا يُنكرونه، ومن ذا الذي يتحدث بأنه سأل المنجمَ فأخطأ؟! وإنما التحدث بأنه سأله فأصاب (٢).
والصواب في المسألة إذا كانت بين أمرين قد يقع أحيانًا للمعتوه والطفل، فضلًا عن المتلطف الرفيق، والقولُ في إصابة المنجِّم كقول الشاعر في الطيرة:
تَعَلَّم أَنّهُ لَا طَيرَ إِلَّا عَلَى مُتَطَيرٍ وَهيَ الثُّبُورُ
وَشَيءٌ قَدْ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيءٍ أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ
_________________
(١) أخرجه البزَّار؛ كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" (٣٠٤٤)، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح، خلاف إسحاق بن الربيع، وهو ثقة" اهـ من "مجمع الزوائد" (٥/ ١١٧)، وصححه في "صحيح الجامع" رقم (٥٣١١).
(٢) وهذا ما فعله بعض العابثين بأشراط الساعة؛ فإنهم أهملوا ذكر ما خابت فيه ظنون "نوستراداموس" وما أكثره! واقتصروا على ذكر القسم الآخر، وراجع: ص (١٠٣ - ١٠٤).
[ ١٠٧ ]
وإن وُجِد لمن يَدَّعي الأحكامَ إصابه في شيء، فخطؤه أضعافُه، ولا تبلغُ إصابتهُ عُشْرَ مِعْشاره، وتكون الإصابة اتفاقًا كما يظن الظانّ المنافي للعلم المقارن للجهل الشيءَ، فيكونُ على ظنه، ويخطئ فيما هو معلومٌ أكثرَ عُمُره، ولا يُقَالُ: إن هذه إصابة يُعَوَّل عليها، ويُرْجَع إليها، بل إذا تكررت منه الإصابة في قوله، وكثر الصدقُ في لفظه، والصحة في حكمه، ولم يُخْرَمْ منه إلا الأقل، حينئذ سلمت له هذه الفضيلة، وشُهِدَ له بهذه المعجزة، ولا فرق بين المنجم والكاهن؛ إذ كلّ واحدٍ منهما يدَّعي الإخبارَ بالغيوب، وكيف يُسَلَّمُ للمنجمين ما يَدَّعونه، وأحدهم على التحقيق ما يعرف ما حدث في منزله، ولا ما يُصلح أهلَه وَوَلَدَهُ؟ بل لا يعرف ما يُصلحهُ في نفسه، ويؤثر عنه أن يخبر بالغيب الذي لم يُؤْتِهِ الله أحدًا، ولم يستودعه بشرًا، إلا لرسول يرتضيه، أو نبيِّ يصطفيه" (١). اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:
"ولما أراد علي بن أبي طالب -﵁- أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم، فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسافر؛ فإن القمر في العقرب؛ فإنك إن سافرت والقمر في العقرب هُزِمَ أصحَابُك -أو كما قال- فقال عليّ: بل أسافر ثقة بالله، وتوكلًا على الله، وتكذيبًا لك؛ فسافر، فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامَّة الخوارج، وكان ذلك من أعظم ما سُرَّ به؛ حيث كان قتاله لهم بأمر النبي -ﷺ-" (٢)
_________________
(١) "القول في علم النجوم" ص (١٩٢ - ١٩٤).
(٢) "مجموع الفتاوى" (٣٥/ ١٧٨ - ١٧٩).
[ ١٠٨ ]
إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "وكذلك أيضًا الاستدلال على الحوادث بما يستدلون به من الحركات العلوية، والاختيارات للأعمال: هذا كله يُعلم قطعًا أن نبيًّا من الأنبياء لم يؤمر قطّ بهذا؛ إذ فيه من الكذب والباطل ما ينزه عنه العقلاء الذين هم دون الأنبياء بكثير" اهـ (١).
وقال الإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي -رحمه الله تعالى- عند تفسيره قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]: (قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدَّح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيبَ أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه؛ بل هو كافر بالله، مفترٍ عليه بحَدْسِه وتخمينه وكذبه. قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم الملك والسُّوقة، والعالم والجاهل، والغنيُّ والفقير، والكبير والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم؛ فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله: إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه
_________________
(١) "السابق" (٣٥/ ١٨٢)، وا نظره: (٣٥/ ١٩١ - ١٩٧).
[ ١٠٩ ]
المخصوص به، فلا فائدة أبدًا في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقيٍّ ولا سعيد، ولم يبقَ إلَّا معاندة القرآن العظيم. وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال:
حَكَمَ المنَجِّمُ أن طالعَ مولِدِي يقضِي عليَّ بِميتةِ الغَرقِ
قُلْ لِلْمُنَجِّمِ صَبحَةَ الطّوفانِ هَل وُلِدَ الجمِيعُ بكوكَبِ الغَرَقِ
وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- لما أراد لقاء الخوارج: "أتلقاهم والقمر في العقرب؟ "، فقال -﵁-: "فأين قمرهم؟ "، وكان ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على مَن يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم. وقال له مسافر بن عوف: "يا أمير المؤمنين! لا تَسِرْ في هذه الساعة، وسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار"، فقال له علي -﵁-: "ولمَ؟ "، قال: "إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت". فقال علي -﵁-: "ما كان لمحمد -ﷺ- مُنَجِّم، ولا لنا من بعده" -في كلام طويل يَحتجُّ فيه بآيات من التنزيل- "فمن صَدَّقَكَ في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نِدًّا أو ضدًّا، اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلَّا خيرك". ثم قال للمتكلم: "نكذّبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها".
ثم أقبل على الناس، فقال: "يأيها الناس، إياكم وتعلمَ النجوم إلَّا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر؛ وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم،
[ ١١٠ ]
وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان". ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم، وهي وقعة النَّهْرَوَان الثابتة في الصحيح لمسلم، ثم قال: "لو سِرْنا في الساعة التي أمرنا بها، وظفرنا، وظهرنا، لقال قائل: سار في الساعة التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد -ﷺ- منجم ولا لنا مِن بعده، فتح الله علينا بلاد كِسرى وقيصر وسائر البُلدان"، ثم قال: "يأيها الناسُّ؛ توكلوا على الله وثقوا به؛ فإنه يكفي ممن سواه" (١) اهـ.
قال الخليل بن أحمد -رحمه الله تعالى-:
خَبِّرا عني المنجمَ أني كافرٌ بالذي قضته الكواكبْ
عالمٌ أن ما يكون وما كان قضاءٌ من المهيمنِ واجبْ (٢)
وقال القاسم بن محمد الأنباري -رحمه الله تعالى-:
إني بأحكام النجوم مُكذِّبٌ وَلمُدَّعيها لائمٌ ومؤنِّبُ
الغيبُ يعلمُه الهيمنُ وحدَه وعن الخلائق أجمعين مُغَيَّبُ
الله يُعطي وهْوَ يمنع قادرًا فمن المنجم وَيْحَهُ والكوكبُ (٣)
وقال المتنبي:
فتبًّا لدينِ عبيدِ النجومِ ومن يدَّعي أنها تعقلُ (٤)
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" (١٩/ ٢٨، ٢٩).
(٢) "بهجة المجالس" لابن عبد البر (٣/ ١١٥).
(٣) "معجم الأدباء" لياقوت الحموي (٤/ ٦٣٤).
(٤) "ديوان المتنبي" ص (٢٥٦).
[ ١١١ ]
فارغ
[ ١١٢ ]