الفصل الأول: مهدينا ليس مُنْتَظَرًا
الفَصْلُ الثاني: في وُجُوبِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَعَدَمِ مُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلتَّوَكُّلِ
الفصل الثالث: هل تعود الخلافة قبل ظهور المهدي؟
[ ٢٩٥ ]
فارغ
[ ٢٩٦ ]
لا نُعَطِّلُ السننَ، وَالْأسْبَابَ بِحُجَّةِ انْتِظَارِ المَهْدِيّ
فمن الناس من يُعَطّلُ العمل اكتفاء بالأمل، ويهرب من إصلاح الواقع المرير للأمة بحجة أنه تسبب فيه مَن قبلنا، وسيصلحه من بعدنا، ويتوقف عن السعي للتمكين لدين الله؛ بحجة أن المهدي هو الذي سيفعل؛ مما حدا ببعض الأدباء إلى أن يتهكم بهم، وبمتابعتهم الرافضة في هذا النمط السلبي من التفكير؛ قائلا:
فَلْندَعِ الأرضَ لمن غَصَبُوا
ولمن ظَلَمُوا في كل مكان
وَلْنَذْهَبْ نبتاعُ لنا فَرَسا
ولنبحثْ أَيْضًا (١) عن سِرداب
وَلْنَضَعِ الْفَرَسَ المذكور
وجوالًا من فولٍ عند السرداب
ونَظَل وُقُوفا وعكوفا
كالفرسِ على رأسِ السرداب
فسيخرجُ يومًا مَهْدِينا لكن من سامراء!
_________________
(١) يُعَرِّض الشاعر هنا باعتقاد الرافضة في مهديهم المعدوم الذي لم يُخْلَق أصلَا، والذي يقول فيه ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وهم ينتظرونه كل يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: "إخرج يا مولانا! "، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه"، ثم قال -رحمه الله تعالى-: "ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل". اهـ. من "المنار المنيف" ص (١٥٣،١٥٢). =
[ ٢٩٧ ]
إنه هروب إلى الأماني، مع تعطيل الأسباب الشرعية، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء].
أَمَانِيُ إِنْ تَكُ حَقا تَكُنْ أَحْسَنَ المنى وَإلَّا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنًا رَغَدا
إن هذا الإغراق في ترقب ظهور المهدي مظهر سلبي يعكس الانحراف في فَهم العَلاقة بين الأمور الكونية القدرية، وبين الأمور الشرعية الإرادية؛ أما الأمور الكونية، والأحكام القدرية -والتي يقع ضمنَها الغُيوبُ المستقبلية- فهي واقعة لا محالة، وواجبنا حيالها التصديق بها قبل وقوعها، ثم امتثال الأحكام الشرعية المتعلقة بها إذا حضر وقتها. وأما الأحكام الشرعيةُ الإراديةُ الطلبية فنحن متعبدون في كل وقت بامتثالها.
وما أصدق ما نُسِبَ إلى جعفر الصادق -رحمه الله تعالى- من قوله- لمن خاض في الأحكام القدرية، وانشغل بها عن واجب الوقت-: "إن الله أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فما أراده بنا أخفاه عنا، وما أراده منا بينه لنا، فما بالنا ننشغل بما أراده بنا عما أراده منا؟! ".
_________________
(١) = ويقول الشاعر متهكما بهم: مأ آنَ للسردابِ أن يَلِدَ الذي كَلمتموه بحهلِكم ما آنا فعلى عقولِكُمُ العَفاءُ فإنكم ثَلَّثتُمُ العنقاءَ والغِيلانا ولقد ضاق الرافضة بهذه السخرية ذرعا، حتى قالوا في مناشدتهم مهديِّهم الخرافي: "اخرج يا مولانا! فقد طال الانتظار، وشمت بنا الفجار" كما في "أصول مذهب الشيعة" للقفاري (٢/ ١٠٣٠).
[ ٢٩٨ ]
مَهْدِيُّنا لَيس منْتَظَرًا
إذا كان مفهوم "الانتظار" في وصف المهدي بأنه "منتظر" يعني تأجيلَ كلِّ جَهْدٍ، وتعطيلَ كلِّ سعيٍ من شأنه التمكينُ للإسلام، ورفعُ رايته، وإعلاءُ كلمته- ترقبًا لميلاد المهدي، أو انتظارًا لخروجه- فإن مهدِينا -أهلَ السنة- ليس منتظرًا. أما إذا كان "الانتظار" يعني مجرد ترقب ظهوره كشرط من أشراط الساعة، والاستبشار بذلك كما روي عنه -ﷺ- أنه قال: "أبشركم بالمهدي" (١)، ذلك الاستبشار الذي يزرع الأمل في صحراء اليأس (٢)؛ فلا حرج في ذلك بشرط عدم تعليق الأعمال الشرعية
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٣٧)، (٣/ ٥٢)، وإسناده ضعيف، كما في "الموسوعة في أحاديث المهدي الضعيفة والموضوعة" ص (٧١ - ٧٣).
(٢) وقد كان من هدي النبي -ﷺ- تبشير المؤمنين بالنصر والتمكين وحسن العاقبة في وقت المحن، كما في حديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». أخرجه البخاري (٦/ ٤٥٦ - فتح)، وانظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ١٣٣، ١٣٤).
[ ٢٩٩ ]
مفهوم "انتظار المهدي" عند الرافضة وآثاره
على خروجه (١)، فيكون حالنا كحال الجيش الذي يقاتل العدو، لكنه يتوقع رحمة الله بمجيء المدد ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى:٢٨]. هذا هو المقصود من وصف بعض علمائنا المهديَّ بأنه "منتظر"، عكس حال إخواننا الذين انتقلت إليهم عدوى "الانتظار" بالمفهوم الشيعي الرافضي (٢).
_________________
(١) كما مر آنفًا ص (٢٩٧).
(٢) يرى علماء الرافضة عدم شرعية أية راية ترفع قبل ظهور مهديهم الخرافة؛ فقد جاء في "الكافي" لشيخهم "المفيد": "كل راية ترفع قبل راية القائم؛ فصاحبها طاغوت"، وقال المازندراني في شرح النص الآنف الذكر: "وإن كان رافعها يدعو إلى الحق". اهـ. من "شرح الكافي" (١٢/ ٣٧١). وفي "الكافي" عن أبي عبد الله، قال: "القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير". اهـ. من "فروع الكافي" (١/ ٣٣٤). والإمام المفترض الطاعة على المسلمين -في زعمهم- أختفى منذ (١١٦٨) سنة، وقبل سنة (٢٦٠ هـ) هم بقية أئمتهم الاثنى عشر؛ وعليه فالجهاد مع أبي بكر وعمر وعثمان -﵃- وبقية خلفاء المسلمين إلى اليوم هو حرام كحرمة الميتة والدم، ومجاهدو الصدر الأول عند الرافضة قتلة، وجهادهم باطل، لا أجر لهم فيه ولا ثواب، روى شيخهم الطوسي في "التهذيب": عن عبد الله بن سنان، قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: جُعِلتُ فداك، ما تقول في هؤلاء الذين يُقتلون في الثغور؟ قال: فقال: "الويلَ يتعجلون، قتلة في الدنيا، وقتلة في الآخرة، والله ما الشهيد إلا شيعتنا، ولو ماتوا على فراشهم". اهـ. من "تهذيب الأحكام" (٢/ ٤٢).
[ ٣٠٠ ]
أدلة القرآن الكريم، والسنة الشريفة على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله تعالى
الفَصْلُ الثاني
في وُجُوبِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَعَدَمِ مُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلتَّوَكُّلِ (١)
قال الله -﷿-: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]،
وقال -عزَّ
وجلَّ-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين]، وقال سبحانه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات: ٦١]،
وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وأمر الله مريم -﵍- أن تأخذ بالأسباب، وهي في أشد
ضعفها، فقال -﷿-: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥].
_________________
(١) التوكل شرعًا: هو الثقة بالله، والإيقان بأن قضاءه ماضٍ، واتباع سنة نبيه -ﷺ- في السعي فيما لابد منه من الأسباب، انظر "تفسير القرطبي" (٤/ ١٨٩). ومن التوكل على الله: أن يراعيَ الإنسانُ الأسبابَ الظاهرة، ولكن لا يُعَوِّل بقلبه عليها، بل يعول على الله تعالى.
[ ٣٠١ ]
ألم تر أن الله قال لمريم وهُزِّي إليكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ ولو شاء أن تجنيه مِن غيرِ هَزِّهِ جَنَتْهُ ولكنْ كلُّ شيءٍ له سببُ وكان رسول الله -ﷺ- يُعِدُّ لكل أَمْرٍ عُدَّتَهُ، ويرسم له خُطَّتَهُ، كما حدث في رحلة الهجرة؛ فقد أَعَدَّ الرواحِلَ والدليلَ، واختارَ الرَّفِيقَ، وَحَدَّدَ مكانَ الاختفاء إلى أن يهدأ الطلب، وأحاط ذلك كله بسياجٍ من الكتمان، وكذلك كانت سيرته في غزواته كُلِّهَا، وعليه رَبَّى أصحابه الكرام، فكانوا يَلْقَوْنَ عدوهم متحصنين بأنواع السلاح، ودخل رسول الله -ﷺ- مكة، والبيضة على رأسه، مع أن الله -﷾- قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وكان إذا سافر في جهاد، أو حج، أو عمرة، حمل الزاد والمزاد.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فحال النبي ﷺ، وحال أصحابه، مَحَكُّ الأحوال، وميزانها، بها يُعْلَمُ صحيحُها من سقيمها، فإن هِمَمَهُمْ كانت في التوكل أعلى من همم مَن بعدهم" (١).
وقال سهل: "من قال: التوكل يكون بترك العمل، فقد طعن في سنة رسول الله -ﷺ-" (٢).
فقد بيَّن -ﷺ- أن الأخذ بالأسباب لا يُنافي التوكل على الله سبحانه وحده؛ فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (٣).
_________________
(١) "مدارج السالكين" (٢/ ١٣٥).
(٢) "تفسير القرطبي" (٤/ ١٨٩).
(٣) رواه الترمذي رقم (٥٣٧)، (٤/ ٦٦٨)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٢٥٤٩)، "موارد" ص (٦٣٣)، وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار": "إسناده جيد" (٤/ ٢٧٩)، بهامش "الإحياء".
[ ٣٠٢ ]
وعن أمير المؤمنين عمر﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (١)، وهو ظاهر في أن التوكل يكون مع السعي، لأنه ذكر للطير عملًا، وهو الذهاب صباحًا في طلب الرزق، وهي فارغة البطون، والرجوع وهي ممتلئتها.
قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "ليس في الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق؛ لأن الطير إذا غدت فإنما تغدو لطلب الرزق" (٢).
وقيل للإمام أحمد -أيضًا-: ما تقول فيمن جلس في بيته ومسجده، وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتي رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجلُ جَهِل العلم، أما سمع قول النبي -ﷺ-: "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي" (٣)؟!
وقال -ﷺ-: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» (٤).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (١/ ٣٠، ٥٢)، والترمذي رقم (٢٣٤٤) (٤/ ٥٧٣)، وقال: "حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وابن ماجه رقم (٤١٦٤) (٢/ ١٣٩٤)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٨١)، وصححه، ووافقه الذهبي، ورواه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٦٩).
(٢) "شعب الإيمان" (٢/ ٦٦، ٦٧).
(٣) رواه البخاري رقم (٤/ ٤٠).
(٤) أخرجه البخاري (٣/ ٣٣٥ - سلفية)، ومسلم (٢/ ٧٢١).
[ ٣٠٣ ]
وقال -ﷺ-: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ" (١) الحديث.
وعن عوف بن مالك -﵁-: "أن رسول الله -ﷺ- قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» (٢).
ونَدَّدَ عمر -﵁- بالكسالى القاعدين عن طلب الرزق، فقال: "لا يَقْعُدَنَّ أحدُكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تُمْطِرُ ذهبًا، ولا فِضَةً، وإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠].
قالوا جُدودٌ (٣) وأقسامٌ فقلتُ لهم بلى ولكن علينا السعيُ والطلبُ
وللمطالبِ أسبابٌ فقدَّرةٌ وبعض سعيِكَ في مطلوبك السببُ
لقد كانوا يُدْرِكُونَ أن لله تعالى سُنَنًا في هذا الكون، وفي حياة البشر، غير قابلة للتغيير، ومع أن لله سبحانه سننًا خارقةً لا يعجزها شيء، إلَّا
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٦٦٤)، (٤/ ٢٠٥٢)، وابن ماجه في "المقدمة" رقم (٧٩)، (١/ ٣١)، والإمام أحمد (٢/ ٣٦٦، ٣٧٠).
(٢) رواه الإمام أحمد (٦/ ٢٤، ٢٥)، وأبو داود رقم (٣٦١٠)، وضَعَّفَهُ النووي في "الأذكار"، وقال المنذري: "في إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال"، وضَعَّفَهُ الألباني في "تحقيق الكلم الطيب" ص (٧٩).
(٣) الجُدود: جمع جَدٍّ، وهو الحظ والبخت.
[ ٣٠٤ ]
أن الله -﷿- قضى أن تكون سنته الجارية هي الأصل الثابت في الحياة الدنيا، وأن تكون سُنَّته الخارقة استثناءً من هذا الأصل، وكلتا السُّنَّتين مرتبطة بمشيئته جل وعلا؛ ولذلك كان الصحابة -﵃- يحترمون السنن، ويأخذون بالأسباب دون تعليق القلوب بها، أو التوكل عليها؛ لأن الله -﷿- أمرهم بها، وعَلَّمهم أن الوصول إلى نتيجة معينة في واقع حياتهم مَنُوطٌ بالأخذ بالأسباب المؤدية إليها، وعلى ذلك جرت سُنَّة الله سبحانه في خلقه.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "واعلم أن تحقيق التَّوَكُّلِ لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله ﷾ المقدورات بها، وجرت سُنَّته في خلقه بذلك؛ فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له، والتوكل بالقلب عليه إيمانٌ به" (١).
ولنا أن نتخيل الحال التي كان يمكن أن يئول إليها مصير الدعوة والأمة؛ لو أن الأجيال السابقة أصغوا إلى نداءات الاستسلام، وأحلام الانتظار حتى يخرج المهدي، هل كانوا سيهزمون التتار والصليبيين، ويفتحون القسطنطينية؟!
_________________
(١) "جامع العلوم والحكم" ص (٤٠٩).
[ ٣٠٥ ]
جماعة "شكري مصطفى" والفرار إلى "التوسمات"
الإفرَاطُ في الإِحسَاسِ بالعَجزِ
يَنشَاُ عَنهُ التَّفرِيط في إزَالهِ العَجزِ
حينما يحاول الناس ملء الفجوة بين الواقع المشهود، وبين الأمل المنشود، يختلف موقفهم تبعًا لنوعية مفاهيمهم، والذي نقصده هنا ذلك الفريق الذي إذا فكر في حل هذه المعضلة، وملء هذه الفجوة، وكان هناك اتجاهان:
أحدهما: إيجابي يَطْلُبُ منه مواجهة الواقع، ومجابهة الباطل، والمثابرة على الأخذ بأسباب نهوض الأمة.
والثاني: سلبيٌّ يَؤُزُّهُ على التخلي عن المسئولية الحاضرة، والفرار إلى الأماني المستقبلية، فإنه ينحاز بلا تردد، إلى الاتجاه السلبي (١).
قال الشاعر:
من عادة الإسلام يَنْصُرُ عالمًا ويُسَوِّدُ المِقدامَ والفَعَّالا
ظَلَمَتْهُ ألسنةٌ تؤاخِذه بكم وظلمتموه مقصِّرينَ كُسالى
_________________
(١) ولعل أوضح أنموذج لهذا الاتجاه "جماعة شكري مصطفى" المعتنقين لمذهب الخوارج، والذين كانوا يرسمون خططهم المستقبلية وكأنهم يعيشون في الدنيا وحدهم، وأن ما سوف يقررونه بتفكيرهم "الذاتي" ومن تلقاء أنفسهم، هو حتمَا سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير، وكأنما يمسكون بأيديهم عجلة قيادة الأقدار، (إذ ترى جماعة شكري أن دورهم يبدأ بعد تدمير الكافرين؛ أي: بعد حرب لا تُبقي ولا تذر بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، ومن المستحيل -عندهم- قيام الخلافة الإسلامية قبل نشوب هذه الحرب، ويؤكدون أنه من سنن الله تعالى أن يكون القتال بالسلاح القديم؛ أي: بالسيوف، والحراب، والرماح، والخيول، =
[ ٣٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ولا يكون هذا إلا بعد انقراض الأسلحة الحديثة؛ كالصواريخ، والقنابل الذرية، والطائرات الحربية، وغيرها. جاء في رسالتهم "التوسمات": "لا بد أن تُدمَر الأرض بمن عليها، وتبقى القوة المؤمنة، ويبقى السلاح الفطري". وجاء في الرسالة نفسها تحت عنوان: كيف تقوم دولة الإسلام؟ "إقامة دولة الإسلام على أنقاض دولة الكفر، ومن سننه تعالى الصراعات بين القوتين العظميين المختلفتين فكريًا، وهذا قائم بين الروس والأمريكان، كما كان قائما بين الفرس والرومان، ومن سُنَّة الله في نشوء الدعوات أن تصطرع هاتان القوتان العظيمتان في حروب طاحنة تهلك بعضها بعضًا، والجماعة المسلمة ليست على مستوى هاتين القوتين؛ فتفكير الجماعات التي تزعم الانتساب للإسلام بالانقلابات العسكرية هو سذاجة وانحراف: أن نتصور أننا سنتفوق ماديًا وعسكريًا على الجاهلية، والنصر الجاد للجماعة المسلمة هو أن تعبد الله؛ وبعد هذا يُمكن الله تعالى لها بِقَدَرِه، وبأن تقضي القوتان المتصارعتان على بعضهما تمهيدًا لنصر المؤمنين، وهذا له صلة بأسلوب القتال وسلاحه، فتدمير الكافرين بتدمير سلاحهم، وأصول قتال المسلمين هو قتال رجل لرجل، وليس قتال الجاهلية في تدمير الأرض بمن فيها بالصواريخ والقنابل الذرية، ومن سنة الله أن يكون القتال بالسلاح القديم للجماعة المؤمنة: "الجنة تحت ظلال السيوف"، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، و"يُحرِق أحدهم وَتَر قوسِه فيأكله" رواه أحمد (٤/ ٢١٧). ومن سنة الله تعالى أن يدمر الأرض بالكافرين يوم يملكون الأرض ويتبجحون فيها، ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ ". اهـ. وفي كتابهم "الخلافة" تحدثوا عن الجهد البشري والإعداد وسنن الله في أرضه، فكان مما قالوه: "وأنا لا أقول ذلك لأثبت وجوب التسابق مع الشرق والغرب في عمل قنبلة أو صاروخ، وإنما على العكس من ذلك تماما؛ فلا يمكن أن يكون ذلك التسابق هو الحل؛ حيث إن العدو قد سبق في هذا المجال، مما لا يدرك حتى لو سرنا على درب السنن الذي قد سار هو عليها، وحتى لو سمح لنا بذلك، ولن يسمح". وفي أقوال هذه الجماعة مغالطات كثيرة، من أهمها ما يلي: =
[ ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) لو قرءوا التاريخ الإسلامي جيدًا وسبروا أغواره، لعلموا أن الجماعة المسلمة الأولى لم تقعد عن الجهاد بعد أن أوجبه الله عليها، وتسوغ لنفسها الأعذار، وتنتظر هلاك الفرس والرومان، وإنما خاضت حربا ضروسًا مع الدولتين، استخدمت فيها كل ما تمكنت من الحصول عليه من أسلحة عصرية حديثة، وقدمت قوافل الشهداء قافلة تلو الأخرى، وأكرمها الله بالنصر رغم أنها كانت أقل عددًا وعدة من عدوها، ورغم أن المسلمين كانوا يخوضون حربًا هجومية؛ ولهذا كان قياس جماعة شكري فاسدًا، وجميع النتائج التي انتهوا إليها ليست صحيحة.
(٢) زعموا أن الجهاد الإسلامي لا يكون إلَّا بالسلاح القديم؛ كالسيف والقوس؛ ومن ثَمَّ فلا يصح أن يكون الجهاد الإسلامي المشروع -على حد زعمهم- إلَّا قتال رجل لرجل. ومن أدلتهم على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وهذا الدليل حجة عليهم، وليس لهم؛ فقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ الإعداد: تهيئة الشيء للمستقبل. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: ﴿مَا﴾ من ألفاظ العموم والاستغراق؛ أي: كل ما تقدرون عليه من أسباب القوة المادية والمعنوية. روى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر -﵁- قال سمعت رسول الله ﷺ- وهو على المنبر- يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". وهذا كما قال بعض المفسرين من قبيل حديث "الحج عرفة" بمعنى: أن كلا منهما أعظم الأركان في بابه، وذلك أن رمي العدو عن بُعْدٍ بما يقتله أسلم من مصاولته على القرب بسيف أو رمح أو حربة، وإطلاق الرمي في الحديث يشمل كل ما يُرمى به العدو من سهم أو قذيفة منجنيق أو طيارة أو بندقية أو مدفع وغير ذلك، وإن لم يكن هذا معروفًا في عصره ﷺ، فإن اللفظ يشمله، والمراد منه يقتضيه، ومن قواعد الأصول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالواجب على المسلمين في هذا العصر بنص القرآن صنع المدافع بأنواعها، والبنادق، والدبابات، والطيارات، والمناطيد، والصواريخ، والسفن الحربية، والغواصات، ويجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيرها من قوى الحرب، بدليل: =
[ ٣٠٨ ]
هروب بعض الجماعات _تحت وطأة الواقع_ إلى السنن الاستثنائية، وإهمال السنن العادية
فمنهم من يقول: فلننتظر على أمل أن تخرب الدنيا، وتقع حرب نووية شاملة تدمر معظم البشرية، وتقضي على كل أنواع الأسلحة المتطورة، وعندها يشير إلينا التاريخ برأسه: "أن هلموا! قد جاء دوركم"، إن هذا ليس رجاءً محمودًا، ولكنه "اليأس" الْمُقَنَّعُ.
ومن هؤلاء من يستبشر بانهيار المذاهب الملحدة؛ كالشيوعية، وإفلاس الرأسمالية، وتهافت الأديان الوثنية والْمُحَرَّفَة، ويحسب أن هذا وحده يعني انتصار الإسلام، كلا؛ إن هذا لا يعني التمكين للإسلام، حتى يعود المسلمون إلى دينهم، ويثوبوا إلى ربهم، ويؤدوا واجبهم في إبلاغ الإسلام إلى البشرية، ويبذلوا الجهد في النهوض من كبوتهم.
ومنهم من يترقب حصول خوارق عادات يترتب عليها التمكين لدين الله في الأرض، وهؤلاء يتناسون سُنة الله في الذين خلوا من قبلُ، وأن الابتلاء حتمي قبل التمكين؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، وقال -﷿-: ﴿الم (١)
_________________
(١) = ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، فهو واجب. وقد ورد أن الصحابة استعملوا المنجنيق مع رسول الله -ﷺ- في غزوة خيبر وغيرها. وكل الصناعات التي عليها مدار المعيشة من فروض الكفاية؛ كصناعات آلات القتال. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ رباط الخيل: حبسها واقتناؤها. ورَابَطَ الجيشُ: أقام في الثغر. والغرض من هذه المرابطة يُبَيِّنه قوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، ولن نرهب أعداء الله بالخيل إذا كانوا يواجهوننا بالطائرات والصواربخ والمدرعات. وجملة القول: إن قول رسول الله -ﷺ-: "ألا ان القوة الرمي" ينسف أباطيلهم كلها، ولا يُبقي لها أثرًا). اهـ. بطوله من "الحكم بما أنزل الله وأهل الغلو" (ص ٢٦٥ - ٢٦٨). وتجدر الإشارة إلى أن المؤلف دَوَّنَ في هذا الكتاب -بأمانة وموضوعية- ما كاد يندثر من وثائق تلك الجماعة وأخبارها.
[ ٣٠٩ ]
السنن لا تحابي أحدا
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٠]، وقال -عز من قائل-: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
لقد اقترن ميلاد الدعوة الإسلامية في غار حِرَاء بالإخبار عن حتمية جريان سُنَّة الابتلاء؛ إذ قال ورقة بن نوفل للنبي -ﷺ-: "لم يَأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلَّا عُودِيَ". وقال الراهب للغلام: "أيْ بُنَيَّ، إنك خيرٌ مني، وإنك سَتُبْتَلَى". وقال -ﷺ-: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأمْثَلُ، فَالأمثَلُ"، ولما سُئِلَ الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: أَيُّهُمَا خيرٌ للرجل: أن يُمَكَّنَ أو يُبْتَلَى؟ قال: "لا تُمَكَّنُ حتى تُبْتَلَى".
فمع أن الله -﷿- قادر على أن يجعل البشر جميعًا على أتقى قلب رجل واحد منهم بكلمة من حرفين: "كن"، فيكون؛ إلَّا أن حِكْمَتَهُ -جل وعلا- اقتضت أن يُبْتَلَى الناس بعضهم ببعض؛ لتكون العاقبة للتقوى.
واقتضت حكمته تعالى -أيضًا- أن تُربط المسبَّباتُ بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، وقد أودع الله سبحانه في هذا الوجود قوانين وسننًا تحكمه، وهذه السنن تحترم من يحترمها، ولو كان كافرًا، ولا تحابي أحدًا إذا أهملها، ولو كان مؤمنًا.
ولو تصور مسلم أنه إذا ألقى نفسه من مبنى شاهق فإن سنَّة أو ما يسمى "قانون الجاذبية" سوف تحابيه لإيمانه، أو تجامله ليهبط بسلام؛ فهو واهم، لأن الأصل هو إعمال تلك السنن التي لا تتبدل ولا تتحول إلَّا أن يشاء الله تعالى أن يخرق العادة، وهذا استثناء، وليس الأصل.
[ ٣١٠ ]
مقالات لبعض الناصحين للأمة يحذرون فيها من المثبطين
قال العلامة المجدد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-: "لا يجوز للمسلمين اليوم أن يتركوا العمل للإسلام، وإقامة دولته على وجه الأرض انتظارا منهم لخروج المهدي
إن كثيرًا من الجماعات الدعوية تبني خططها على أساس ترقب حصول هذا الاستثناء، وتهمل قانون السنن الإلهية الثابتة العادلة.
إن خرق العادة في كلّ موقفِ محنةٍ للمسلمين -ينافي كون الدنيا دار عمل وامتحان، والإيمان الذي ينشأ نتيجة الاضطرار لا اعتداد به؛ كإيمان الكافر عند حضور ملك الموت، واليقين الذي ينشأ اضطرارًا لا عبرة به ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].
لقد أزعج هذا النمط العجيب من التفكير كثيرًا من الناصحين؛ فكتبوا يُصَحِّحُونَ المفاهيم، ويُحَذِّرُونَ الأمةَ من الذين ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾، وهاك مقالات بعضهم:
أولًا: قال العلَّامَةُ المجدِّد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-: "لا يجوز للمسلمين اليوم أن يتركوا العمل للإسلام، وإقامة دولته على وجه الأرض انتظارًا منهم لخروج المهدي، ونزول عيسى -﵉- يأسًا منهم أو توهمًا أن ذلك غير ممكن قبلهما، فإن هذا تَوَهُّم باطل، ويأسٌ عاطل؛ فإن الله تعالى أو رسوله -ﷺ- لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام، ولا سلطان له على وجه الأرض إلَّا في زمانهما؛ فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إذا أخذ المسلمون بالأسباب الموجبة لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقوله": ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
ولقد كان هذا التوهم من أقوى الأسباب التي حملت بعض الأساتذة المرشدين، والكتاب المعاصرين، على إنكار أحاديث المهدي وعيسى ﵉، على كثرتها وتواترها؛ لما رأوا أنها عند المتوهمين
[ ٣١١ ]
مَدْعَاة للتواكل عليها، وترك العمل لعز الإسلام من أجلها؛ فأخطئوا في ذلك أشد الخطأ من وجهين:
الأول: أنهم أقرُّوهم على هذا التوهم؛ على اعتبار أن مصدره تلك الأحاديث المشار إليها؛ وإلا لم يبادروا إلى إنكارها.
والآخر: أنهم لم يعرفوا كيف ينبغي عليهم أن يعالجوا التوهم المذكور؟ وذلك بإثبات الأحاديث، وإبطال المفاهيم الخاطئة مِن حولها، وما مَثَلُهُمْ في ذلك إلا كَمَثَلِ من أنكر عقيدة الإيمان بالقدر خيرِهِ وشرّهِ؛ لأن بعض المؤمنين به فَهِمُوا منه أن لازمه الجبر، وأنَّ المكلَّف لا كسب له، ولا اختيار، ولما كان هذا الفَهْمُ باطلا بَدَاهةً سارعوا إلى إنكاره، ولكنهم أنكروا معه القدر أيضا؛ لتوهمهم -أيضا- مع المتوهمين أنه يعني الجبرَ، فوافقوهم في خطئهم في التوهم المذكور، ثم زادوا عليهم خطأً آخرَ -فِرَارا من الأول- وهو إنكارهم للقدر نفسه؛ فلولا أنهم شاركوهم في فَهْمِهِمْ منه الجبرَ لما أنكروه.
وهذا عين ما صنعه البعض المشارُ إليه من الأساتذة والكُتَّاب؛ فإنهم لما رأوا تواكل المسلمين، إلا قليلًا منهم، على أحاديث المهدي وعيسى، بادروا إلى إنكارها لتخليصهم -بزعمهم- من التواكل المذكور، فلم يصنعوا شيئًا؛ لأنهم لم يستطيعوا تخليصهم بذلك من جهة؛ ولا هم كانوا على هُدًى في إنكارهم للأحاديث الصحيحة من جهة أخرى.
والحقيقة: أن هؤلاء المنكرين الذين يفهمون من هذه الأحاديث ما لا تدلُّ عليه من التواكل المزعوم؛ ولذلك يبادرون إلى إنكارها تَخلُّصًا منه، قد جمعوا بين المصيبتين: الضلال في الفَهم، والكفر بالنص، ولكنهم عَرَفُوا أن الفَهْمَ المذكورَ ضلال في نفسه؛ فأنكروه بإنكار النص الذي فهموا ذلك منه.
[ ٣١٢ ]
وعَكَسَ ذلك العامَّةُ، فآمنوا بالنص مع الفَهْم المذكور، فمع كلِّ مِن الفريقين هدًى وضلال. والحق: الأخذ بهُدَى كل منهما، ونبذ الضلال الذي عندهما؛ وذلك بالإيمان بالنص دون الفهم الخاطئ.
وما مثل هؤلاء وهؤلاء إلا كمثل المعتزلة من جهة، والمشبّهة من جهةٍ أخرى؛ فإن الأولين تأوَّلوا آياتِ وأحاديثَ الصفات بتاَويلَ باطلةٍ، أودت بهم إلى إنكار الصفات الإلهية، وما حملهم على ذلك إلا فِرَارُهُمْ من التشبيه الذي وقع فيه المشبِّهة. والحقيقة: أن المعتزِلَة أنفسهم شاركوا المشبّهة في فَهْم التشبيه من آيات الصفات، ولكنهم افترقوا عنهم بإنكار التشبيه بطريق التأويل الذي هو باطل -أيضًا- كالتشبيه؛ لِمَا لزم منه من إنكار الصفات الإلهية، وأما المشبّهة فلم يقعوا في هذا الباطل، ولكنهم ثبتوا على التشبيه.
والحق: الجمعُ بين صواب هؤلاء وهؤلاء، وردُّ باطل هؤلاء وهؤلاء؛ وذلك بالإثبات والتنزيه؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وكذلك أقول في أحاديث نزول عيسى ﵇، وغيرها؛ فإن الواجب فيها إنما هو الإيمان بها، وردُ ما توهمه المتوهمون منها؛ من ترك العمل، والاستعداد الذي يجب القيامُ به في كل زمان ومكان، وبذلك نكون قد جمعنا بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورددنا باطل هؤلاء وهؤلاء، والله المستعان" (١). اهـ.
_________________
(١) "قصة المسيح الدجال"، للألباني -رحمه الله تعالى- ص (٣٦ - ٣٨).
[ ٣١٣ ]
ثانيًا: الأستاذ الشيخ أبو الأعلى المودودي -رحمه الله تعالى-:
بعد أن أنكر على من ينكرون ظهور المهدي، أنحى فضيلته باللائمة على الذين يؤمنون بظهور المهدي لكنهم يتخذون ذلك ذريعة إلى السلبية والتواكل والاستكانة بحجة انتظار المهدي، فقال -رحمه الله تعالى-: بهم "يتصورون أن الإمام المهدي سيكون رجلًا من نمط قدماء المشايخ الصوفية الذين يُفَضِّلون أورادَهم وأذكارَهم على أوراد وأذكار المصطفى ﷺ، والذين يزيدون في الدين نوعًا من تزكية النفس كما يدَّعون، لأن الذي نزلت عليه الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ قصَّر بهذا، فأتت أمتُه -بدون خزعبلاتهم- قاسيةَ القلوب، رققوها وهذبوها بما استوردوه من ديانات الهند والسند، ومن رقصات السامبا والتويست، وغاب عن ذهنهم أن تزكية النفوس بالجهاد والحركة المستمرة الدءوب، فلا يسمع به الناس إلا وقد ظهر من معهد قديم، أو خرج من زاوية اعتكاف يُصَرِّف السُّبْحة بيده، ويتلو الأوراد بلسانه، ويعلن على الخلق: "أنا المهدي أيها الناس! "، وإذا العلماء والمشايخ يُهَرْوِلون إليه حاملين بأيديهم الكتبَ والأسفار، يقابلون هيئته وهندامه بما ورد فيها من سماته وعلاماته فيعرفونه، ثم تكون البيعة العامة، ويتبعها إعلان الجهاد، وهنالك يبادر جميع الدراويش المعتكفين في خلواتهم، وأما إذا قام الجهاد ووقع القتال، فلا يستعمل فيه السيف إلا تَحِلَّة القسم (١)، وانما تعمل البركة والتصرفاتُ الروحية عملَها في
_________________
(١) تحلة القسم: أن يباشر من الفعل الذي أقسم عليه المقدار الذي يبر به قسمه، وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسَّه النارُ إلا تحلةَ القَسَم" رواه البخاري =
[ ٣١٤ ]
المعارك، ويُحاز الظفر والانتصار بفضل النفثات والأوراد، حيث لا يرمي المجاهدون بنظرهم إلى كافر إلا ويخِرّ مغشيًّا عليه، ولا يرفعون أيديهم بالدعاء على الأعداء إلا وتخور هممهم، وتنخر الديدان في طائراتهم ودباباتهم فهذا مثل تصورات عامة المسلمين في ظهور الإمام المهدي، ولكن الذي أفهمه في أمره هو أن الحقيقة على عكس ذلك كلّه؛ فالذي أقدِّره وأتصوره أن الإمام المنتظر سيكون زعيمًا من الطراز الأحدث في زمانه، بصيرًا بالعلوم الجديدة بصر المجتهد المُطَّلِع، ويكون جيد الفهم لمسائل الحياة، ويبرهن للعالمين رجاحة عقله وفكره، وبراعة تفكيره السياسي، وكمال حذقه لفنون الحرب، ويبز كلَّ أبناء زمانه الجدد في تقدمه وارتقائه، وإني لأخشى أن حضرات المشايخ ورجال الدين هؤلاء هم يكونون أول من يرفع النكير على رجحانه إلى الوسائل العصرية وعلى طرقه المحدثة للإصلاح، ثم لا أراه (أي: المهدي) سيكون مختلفًا في بيئته وهيئته عن عامة البشر، بحيث يعرفه الناس بعلاماته الخاصة وسماته المعلومة، كما لا أتوقع أنه يعلن
_________________
(١) = (١١/ ٤٧٢ - فتح)، ومسلم رقم (٢٦٣٢). قيل: إن المقصود بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ والأقرب أنه معطوف على قوله -﷿-: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾. أو يقال: ليس في الآية ولا في الحديث قسم؛ لأن من أساليب العرب التعبير بتحلة القسم عن القلة الشديدة، وإن لم يكن هناك قسم أصلًا؛ يقولون: "ما فعلت كذا إلا تحلة الفسم" يعنون: إلا فعلًا قليلًا جدًّا ما يحلل به الحالف قسمه، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته: تخْدِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لاحِقةً ذوابل وَقْعُهُن الأرضَ تَحلِيلُ أي: أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلا بقدر تحليل القسم، وانظر: "أضواء البيان" (٤/ ٣٥٤).
[ ٣١٥ ]
بكونه المهدي المعلوم، وإنما يتبين خلقُ اللهِ بعد موته (١) أنه هو المقيم للخلافة على منهاج النبوة المبشر به، فليس لأحد غير النبي إعلان بدء عمله، ولا أحد غير النبي -ﷺ- يعلم علم اليقين أيَّ وظيفة عهدها إليه الله في هذه الدنيا والذي أتصوره من نوعية عمل الإمام يختلف كل الاختلاف عما يتصوره الناس؛ وذلك أني لا أرى في عمله مجالًا للكرامات والخوارق والكشف والإلهام وأعمال الرياضة الروحية ومجاهدة النفس، وأعتقد أن المهدي لن تكون له مندوحة عن أن يجتاز مراحل الجهد والكفاح والسعي الشديد، ما يضطر إلى اجتيازه كل زعيم انقلابي (٢). والمهدي سيسير على أساس الإسلام الخالص، ويقلب عقلية الناس، ويبعث حركة قوة تكون ثقافية وسياسية، وستهب في وجهه الجاهلية بجميع قواها تعارض دعوته، وتقاوم حركته، ولكنه سيوفق آخر الأمر للقضاء على سلطتها، ويشيد دولة إسلامية موطدة الدعائم، تجري في هيكلها روح الإسلام الخالصة، ويبلغ رقيها في العلوم التجريبية والطبيعية ذروة الكمال". اهـ (٣)
ثالثًا: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله تعالى-:
تعرض في تعليقه على كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" للرد على القاعدين المتخاذلين عن نصرة الإسلام بحجة انتظار المهدي ونزول المسيح ﵇، فقال:
_________________
(١) هذا صحيح، لولا أن الأحاديث الصحيحة دلت على أن المهدي ينزل في عهده المسيحُ -﵇- من السماء، ويصلي خلفه عند نزوله. وانظر: "المهدي" للمؤلف ص (٥٧٤. ٥٧٥).
(٢) أي: كل زعيم يصبو إلى تغيير أوضاع الأمة إلى الأفضل.
(٣) "تجديد الدين واحياؤه" ص (٣٧ - ٤٠).
[ ٣١٦ ]
"ولو كانت هذه الفكرة صحيحة سليمة ثابتة لما كان الجهد والجهاد من السلف في دفع كل زيغ وانحراف من أي مبطل كان: أجنبيًّا أو عربيًّا، مسلمًا في الصورة أو كافرًا؛ لأننا إذا مشينا في ظل هذا الفكر الزائغ لزمنا أن نستسلم لكل ما يواجهنا من صعوبات وتحديات في مختلف الشئون والمستويات! وهذا أمر لا يقول به عاقل فضلًا عن أن يكون الشرع الإسلامي أراده منا، وحاشا شرع الله من أن يضاف إليه ذلك.
فلماذا يسعى هؤلاء الجاهلون المصابون بهذه الفكرة المريضة في تنمية أموالهم وأحوالهم وتحسين عيشهم ومسكنهم وما إلى ذلك من أمور الدنيا ومرافق الحياة؟ فإذا جاءوا إلى أمور الدين والجهاد لبستهم هذه الفكرة الشيطانية، فضلوا، وتخاذلوا عن نصرة دينهم، فأين عقلهم وفهمهم من صريح قول النبي -ﷺ-: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة" (١)، وأمثاله من الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وقد علم العالمون البصراء أن سنة الله في عباده: الجهد والجهاد والأخذ بالأسباب، كما هو بديهي عند كل مسلم فاقهٍ لدينه وإسلامه.
_________________
(١) قطعة من حديث رواه أنس -﵁- ولفظها: "والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله الى أن يقاتل آخرُ أمتي الدجالَ، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل "رواه أبو داود رقم (٢٥٣٢)، وفيه يزيد بن أبي نشبة، قال المنذري في "مختصره": "في معنى المجهول". اهـ. وقال الألباني في "تحقيق المشكاة": "إسناده ضعيف، فيه مجهول، وإن كان معناه صحيحًا". اهـ (١/ ٢٥)، وانظر: "نصب الراية" (٣/ ٣٧٧)، "مجمع الزوائد" (١/ ١٠٦).
[ ٣١٧ ]
فترك الجهد والعمل في نصرة الدين والإسلام جريمة، وترك دفع المبطلين والظالمين والكافرين الصائلين على المسلمين -بسبب هذا الاعتقاد الباطل- جريمة فوق جريمة ومصيبة عظيمة أصيب بها عقل المرضى بهذا الاعتقاد، ويجب الإسراع بعلاجهم وإنقاذهم من هذا الداء الوبيل" (١). اهـ.
رابعًا: قال الدكتور/ عبد العزيز مصطفى -وفقه الله تعالى-:
"جهاد الكفار -أيًّا كانوا، وأينما كانوا، وفي أي زمان كانوا- واجبٌ بالشرع المحكم غير المنسوخ، وهذه حقيقة إسلامية ثابتة، وهذا الجهاد واجب بشروطه، وضوابطه، وأحكامه، وليس من هذه الشروط، أو الضوابط، أو الأحكام، أن يُؤَخَّرَ الجهادُ انتظارَا لتحول الغيب إلى شهادة، ما هكذا فَهِمَ المسلمون الأوائل، وما هكذا فعلوا، بل إنهم لما أُخْبِرُوا بأن الله -تعالى- سيكسر مُلك كسرى بسيوفهم؛ ما قبعوا في البيوت ينتظرون تحقق الخبر، ووقوع الأمر بلا مقدمات يبذلونها، وجهود يقدمونها، لا؛ بل أعدوا للأمر عُدَّتَهُ، وأخذوا للشأن أُهْبَتَهُ، حتى وقع النصر، وتطابق أمر الشرع مع أمر القدر.
وإن المسلمين الأوائل لما أُنْبِئُوا بأن اللهَ سيكسر مُلك قَيْصَرَ على أيديهم لم يناموا على الأسِرَّة منتظرين تحقق النبوءة، ووقوع المعجزة؛ بل شمَّروا عن ساعد الجد، وجردوا الحسام من الغِمْد، وانطلقوا في أرض الله يقاتلون باسم الله مَن كفر بالله، حتى سقطت مملكةُ قيصرَ، وتطابق المشروع مع المقدور، وهكذا كان الشأن في النبوءات الأخرى عن فتح مصر، والشام، والعراق، وحتى القسطنطينية، لم يقل السلطان
_________________
(١) مقدمة "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" ص (ذ، ر).
[ ٣١٨ ]
محمد الفاتح: "إن فتحها ليس وقته الآن"، بل قامت موجبات الجهاد الشرعية في عهده، فامتثل، وجاهد، وفتح، وانتصر، أما بعض مسلمي اليوم، فيقولون: "لا، إن جهاد اليهود لن يكون حتى يخرج الدجَّال"، ولعله هذا من جملة فِتَنِ الدجَّال في هذه الدنيا.
وانطلى هذا الكلام السخيفُ على قطاعات من الشباب المسلم، فألقوا عن كواهلهم تحمل أية مسئولية تجاه المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله؛ تماما كما انطلى على كثير منهم مِن قبلُ كلامٌ أسخفُ منه؛ مُؤَدَاهُ أن الدولةَ الإسلاميةَ والخلافةَ لن تقومَ حتى يخرجَ المهدي! وعجبا لمروجي هذا الكلام، ومردديه، كأنهم يقولون بلسان حالهم لليهود: "اشتدوا في عدائكم"، وللنصارى: "استمروا في طغيانكم"، وللمسلمين: "استمروا في تَشَتُّتِكُمْ، وتفرقكم، وتنازعكم، وغُثَائِيَّتِكُمْ، حتى يخرج المهدي إليكم"، ولا أدري: بأيَّة حُجَجِ وأدلة يقعون في هذه الزَّلة، متوهمين أن المهدي سيخرج إلى قوم قاعدين، أو سينصره أُناسٌ خاملون؟ " (١).
"لقد تبين لنا أن اليهودَ والنصارى ينطلقون من خلال نبوءاتهم التي دخلها كثير من التحريف إلى وضع تصورات عملية لما يمكن أن تدار على أساسه الصراعاتُ، وإلى بذل الوُسْعِ من أجل الوصول إلى أهدافٍ دينية تسَلُّطِيَّةٍ على العالم، ولم يمنعهم الاقتناع ذهنيًّا بهذه الأمور من الانصراف -أيضًا- إلى بناء الحضارة، وتوسيع العمران، وزيادة الإعداد والاستعداد للمستقبل، فماذا أقول؟! أأقول: إنهم يفهمون الروح المقصودة من التدين أكثر منا وهم على غير دين صحيح؟! أأقول: إنهم إلى
_________________
(١) "قبل أن يهدم الأقصى"، ص (٢٧٦، ٢٧٧).
[ ٣١٩ ]
أهل الضلال يخرجون من "شرنقة" الانتظار السلبي ويطورون مفاهيمهم
جانب فهمهم للدنيا، وكيفية التعامل معها، يَفْهَمُونَ -وهم على ضلال- أن ما يجيء به الدين هو قضايا من صُلْبِ الحياة، وصميم الواقع؟! إن اليهود والنصارى بين أيديهم أخبارٌ غير موثوقة، وتفسيرات غير مأمونة، وعقائدُ مضطربةٌ تزيدها التأويلات اضطرابًا، واختلافاتٌ فيما بينهم في الأصول والفروع، يستحيلُ معها الجمع بين الأقوال، ومع كل ذلك فهم جعلوا هذه الأخبارَ، وتلك النبوءاتِ، منارًا يسيرون على ضوئه خلال أحقاب طويلة؛ ففي مسيرة اليهود خلال الألفي سنة الخالية لم تكن تدفعهم إلا نبوءاتُ العهدِ القديم، ولم تستحثَّ آمالَهم إلا أخبارُ الأنبياء السابقين، ولم تستنهض هممهم إلا أمانيُّ بعيدةٌ في العودة، والعلو، والسيطرة.
وفي المقابل نرى مِن بعض قومنا مَنْ إذا أخذ بأخبارٍ من الدين عن المستقبل فإنه يجعلها سدَّا أمام الحركة، وعائقًا في وجه التقدم، ويتخذ منها وسادة وثيرة ينام عليها، أو أريكة وطيئة يقتعدها" (١). اهـ.
إن مما يؤسف له أشد الأسف شيوع هذه "السلبية" بحجة انتظار خروج المهدي، مع أن أشد الناس سلبية -فيما مضى- طوَّروا مفاهيمهم تحت وطأة العقل والمصلحة والخوف من خطر الانقراض، وتحرروا من أسر السلبية والتخاذل، وترقب ما يمليه الأمر الواقع، فرأينا الرافضة يطورون مفهوم "الانتظار السلبي" لمهديهم المزعوم، ويخترع لهم الخميني مفهوم "ولاية الفقيه" ليُخرج الرافضة من "شرنقة" الانتظار السلبي لمهديهم الموهوم إلى التحرك الإيجابي وإقامة دولة قبل أن يخرج المهدي من السرداب، الأمر الذي كان مرفوضًا من قبل، ومن بعد أن
_________________
(١) السابق، ص (٢٤٧، ٢٤٨).
[ ٣٢٠ ]
هل آن لنا أن نقوم بدور "المطرقة"، ونودع دور "السندان"؟
مرت قرون كانوا خلالها السَّندانَ، حولتهم "وِلاية الفقيه" (١) إلى مِطرقة مؤثرة فعالة، وَوَدعوا الانتظارَ السلبي المُمِلَّ.
وكذلك فعلت "الصِّهْيَوْنيَّةُ السياسية" التي طورت مفهوم الانتظار السلبي عند اليهود، بل تمردت عليه، وقفزت منه إلى العمل الإيجابي (٢).
أما نحن -معشرَ المسلمينَ- فلسنا في حاجة إلى ابتداع منهج: ولا تعطوير مفهوم؛ لأن ديننا هو دين الحق، دين يُبغِض السلبية والسلبيين، ويكره القاعدين المتخاذلين، ويحث على الأخذ بالأسباب مع التوكل علىَ الملك الوهَّاب، ونحن في الحقيقة متخلفون عن ذروته السامية، وقمته السامقة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وإذا كانت "الانتصارات" قد أسكرت أعداءنا، وفَتَنَتْهم بباطلهم؛ فإن "الانكسارات" ينبغي أن توقظنا من سباتنا، وتفعلَ بنا ما تافعله الأحجار إذا ألقيت في الماء الراكد.
إن الإيمان بالغيب هو أقوى حافز ودافع للعمل في عالم الشهادة، وقد رأينا ذلك ماثلًا في واقع خير أجيال البشرية من أصحاب رسول الله ﷺ، ومَن تبعهم بإحسان؛ حيث لم يتخذوا من إيمانهم بأشراط الساعة تُكَأَةً يقعدون عليها بحجة انتظار تحققها في المستقبل، أفلم يَأنِ لنا أن نقوم بدور "المطرقة"، ونودِّعَ دور "السَّنْدانِ"؟ سؤال ينتظر الإجابة في زمن "الانتظار".
_________________
(١) انظر: نقد فكرة "ولاية الفقيه" في "أصول مذهب الشيعة" للدكتور ناصر القفاري، (٣/ ١٤٠٥ - ١٤٢٠)، و"نقد ولاية الفقيه" للشيخ محمد مال الله.
(٢) انظر: "خدعة هرمجدون" للمؤلف، نشر دار بلنسية -الرياض- ١٤٢٤ هـ.
[ ٣٢١ ]
المَقالُ الخامس: فَارِسُ أَحْلاَمِ الدَّعْوَةِ
للأستاذ/ عبد السلام البسيوني -وفقه الله تعالى-:
"في إطار العمل الإسلامي، تحت وطأة المعاناة، وأثقال التقصير، يتطلع الحالمون إلى "فارس أحلام" في صورة مهديٍّ يصوغه خيالهم، وتُشَكِّلُهُ أحلامُهُمْ ورَغَائِبُهُم، يؤمنون به رغم أن كل القرائن تؤكد أن المهدي الذي وردت الإشارات إليه في بعض كتب السنة لَمَّا يُظِلَّنَا زمانُه، بل كثيرًا ما خرج هنا وهناك من يزعم أنه المهدي بشحمه، ولحمه، ومواهبه، ثم يتمخض الجبل فَيَلِدُ بِدَعًا، ومنكراتٍ، وتنكبًا للسنة، بل ربما ولد كفرًا، وضلالًا، وزندقة.
وواقع المسلمين لا يحتاج علاجًا سحريا، ولا يحتمل الآن متمهدين، بل يحتاج إلى قادة رعاةٍ يملكون من الوعي القيادي ما يستطيعون من خلاله أن يقودوا الأمة نحو مرافئ السلامة، وشاطئ الرشاد، دنيا وأخرى".
ثم يتحدث عن حاجة الدعوة إلى: "رمز يُشْبعُ في الأذهان فكرةَ (فارس الأحلام)، ويكون رجلًا تقيَّاَ واعيًا، وأَبًا رفيعًا حانيًا، وعالمًا ربانيًّا فوق الطعن واللمز، فإن فكرة الارتباط مهمة، وفكرة توفر الرمز كذلك مهمة؛ فإننا نرى المسلمين صغارًا وكبارًا لا يزالون يستنجدون برموز الأمة الموتى؛ كصلاح الدين الذي أرَّقناه في مضجعه من كثرة ندائنا له، وكعماد الدين زنكي، وقطز، وابن تيمية حتى ضاق -من ظاهرة الاستنجاد بصلاح الدين- الشاعر "أحمد مطر"، الذي استنكر على الناس كثرةَ استنجادهم بمن يستحيل أن ينجدَهم، أو يغيثَهم، فهتف:
[ ٣٢٢ ]
كم مَرَّةٍ في الْعامِ توقِظُونَهْ
كم مرةٍ تحت سِيًاطِ الجُبنِ تَجْلِدونَهْ
وَغَايَةُ الْخُشُونَة:
أَن تَهتِفُوا: قُمْ يَا صَلَاحَ الدين قُمْ
حَتَّى اشْتَكَى مَرقَدُهُ مِنْ حَوْلِهِ الْعُفُونَهْ
دَعُوا صَلَاحَ الدِّينِ في تُرَابِهِ، وَاحْتَرِمُوا سُكُونَهْ
فإِنَهُ لَو قامَ حَيًا بَينَكُم
فَسَوفَ تقتلونَهْ!! ". اهـ. (١)
_________________
(١) "فقه الواقع" ص (٩١ - ٩٣) باختصار.
[ ٣٢٣ ]
الْمقَالُ السادس: مِنْ سنَن الأنْبِياءٍ الأخْذُ بالأسبَاب المادِيةِ
قال الأستاذ/ محمد العبدة -حفظه الله تعالى-:
"في غمرة الاندفاع العاطفي، وزحمة الأحداث السطحية، يتناسى المسلمون، أو قد يجهلون سننَ التغيير التي أودعها الله -﷾- في كتابه، أو أجراها على لسان نبيه ﷺ، وبعض هذه السنن يعرفها الناس بالتجرِبَةِ الطويلة، والخبرات المتراكمة المتأملة. ومن هذه السنن أن الدعواتِ الصادقةَ إذا أُرِيدَ لها النجاحُ؛ لابد لها من قُوًى تؤيدها، وتنصرها؛ قوى من التكتل الجماهيري الذي يلتف حول هدف واضح محدد، أو بمصطلح ابن خلدون: لابد من "العصبية" التي تعني الالتحام، والتعاضد، والتنافر؛ لتحقيق هدف معين، وليس المعنى المذموم لكلمة "عصبية".
وإذا كان التكتل سابقًا يَعْتَمِدُ على القبائل، والعشائر، فإنه في العصر الحديث يعتمد على جميع شرائح المجتمع، الذين يلتفون حول علماء فقهاء؛ يُعمِلون بفقههم، وتفكيرهم سننَ التغيير، وتحويل المجتمعات، والتأثير فيها، وخاصةً ما نحن فيه من تعقيدات هذا العصر.
هذه القوة والمنعة هي التي افتقدها نبي الله لوط -﵇- حين قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]، فقال رسول الله -ﷺ-: "رَحِمَ اللهُ لُوطًا كانَ يَأوِي إِلى رُكنٍ شَدِيدٍ، وَمَا بَعَثَ الله بَعدَهُ نَبِيًّا إِلا وَهوَ في ثَرْوَةٍ مِنْ قَومِهِ" (١).
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة -﵁- الإمام أحمد، (٢/ ٢٣٢)، والحاكم، (٥/ ٥٦١)، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وأورده الألباني في "الصحيحة"، رقم (١٨٦٧).
[ ٣٢٤ ]
تعليق على عبارة "نعمل والنتائج على الله"
ويقول الإمام الجويني: "ما ابتعث الله نبيَّا في الأمم السالفة حتى أيَّده، وعضَّده بسلطان ذي عدة ونجدة، ومن الرسل -﵈- مَن اجتمعت له النبوة، والأيد، والقوة؛ كداود، وموسى، وسليمان -صلوات الله عليهم أجمعين-" (١).
فإذا كان الأنبياء يؤيَّدون "بثروة من قومهم"؛ وهي القوة والمنعة في العدد والعدة، وهم مع ذلك مُؤَيَّدونَ بالمعجزات وخوارق العادات، فكيف بغيرهم الذين يرومون التغيير بالعشرات أو المئات (٢)، ويقولون نحن نتوكل على الله؟! لا شك أن المسلم يطلب العون من الله، ويتوكل عليه، والله -سبحانه- وعد المسلمين بالنصر، ولكن لا بد من الأخذ بالأسباب الشرعية، ومن أهمها تجميع القوى التي تناصر وتعاضد.
هل درسنا هذا الموضوع بعمق وأناة، أم أن مقولة: "نعمل والنتائج على الله"، لا تزال هي الشائعة، والأكثر قبولًا ورواجًا، مع أنها ظاهريًّا صحيحة؛ فهي كلمة حق تُسْتَخْدَمُ في غير محلِّها؛ فالقول بأننا نعمل يجب أن يُمَحَّصَ؛ إذ ما يدريك أن عملك صواب، قد أَخَذْتَ فيه بالأسباب؟ نعم، إذا بُذِلَ الجهد الصحيح؛ فالنتائج على الله، أما أن يُعمل أيُّ عمل، ثم يقالَ: "النتائج على الله"؛ فهذا ضرب من حب
_________________
(١) "غياث الأمم"، ص (١٨٢).
(٢) وقد نعت ابن خلدون هذا الصنف من المغامرين بقوله: "أخذوا أنفسهم بإقامة الحق، ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته". اهـ. من "مقدمة ابن خلدون" ص (١٥٩)، ط. دار القلم ١٩٨١م.
[ ٣٢٥ ]
التمييز بين "التفاؤل المرضي" والتفاؤل الإيجابي
السهولة (١)، وهروب من النقد، وحتى نستريحَ نفسيًّا من اللوم والتقريع، وحتى مع توفر عنصر الإخلاص في هذا العمل، فهذا لا يكفي؛ فلا بد من معرفة سنن الله في التغيير" (٢). اهـ.
_________________
(١) بل يمكن أن نسميه "التفاؤل الْمَرَضيَّ"، والذي نراه في تصرفات بعض المضطربين وجدانيا؛ كحالات الزَّهْو، ونوبات النشوة والاغتباط (mania) أو (hybomania) التي يكون كل شيء أثناءها ممكنًا، فترى صاحبها "يتفاءل" بلا حدود، وبدون أي إدراك لحدود إمكاناته المادية، فتجده يشتري سيارة باهظة الثمن في الوقت الذي لا يجد له مأوى، فكل شيء بالنسبة إليه كان ممكنًا، وينتهي الأمر بالتورط في أقساط والتزامات ومديونيات وكوارث! والمطلوب هو "التفاؤل الإيجابي" الذي يُنَشِّط الدافعية للإنجاز في إطار عملي واقعي.
(٢) "خواطر في الدعوة"، ص (٦٩، ٧٠).
[ ٣٢٦ ]
كيف سيكون حال الأمة قبل ظهور المهدي؟
الفصل الثالث
هل تعود الخلافة قبل ظهور المهدي؟
ربط بعض الناس بين الأحاديث الواردة في أحوال آخر الزمان، وأشراط الساعة، وبين حال العالم في زماننا هذا، ورتبوا بعضَها على بعض، ليس هذا فحسب، بل بَنَوْا على ذلك أمورًا نتج عنها فتن جسيمة، وانتهاك للحرمات، والمخرج من ذلك كله أن نتركَ الواقع نفسَه يُفَسِّرُ لنا هذه الأحاديثَ، حتى لا نَرْجُمَ بالغيبِ، أو نَقْفُوَ ما ليس لنا به علم؛ اقتداءً بعلماء السلف الصالح الذين أدَّوْا إلينا هذه النصوص بكل صدق وأمانة، ولم يُقْحِمُوا الظنونَ في تعيينها، وترتيب بعضها على بعض بمجرد الرأي. ولئن وقع منا تردد في: هل زماننا هو زمان ظهور المهدي؟ فلا ينبغي أن نتردد في الجزم بأننا -سواء كان هذا زمان ظهوره أو لا- مُلْزَمُونَ بكافة التكاليف الشرعية: من طاعةِ الله، والجهادِ في سبيله، وطلبِ العلمِ، والدعوة إلى دينه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في ذلك كله، وغير ذلك من الواجبات، فما يتوهمه بعض الكسالى -من أن ظهور المهدي سيكون بداية عصر الاسترخاء والدعة- باطلٌ باطل، بل النصوص تُشِيرُ إلى أنه سيكون بدايةً للفتوح، والجهاد، والبذل في سبيل إعلاء كلمة الله -﷿-.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف سيكون حال الأمة قبل ظهور المهدي؟ وهل سَتَقُومُ الخلافة الإسلامية من جديد قبل المهدي؟
[ ٣٢٧ ]
مسلكان للعلماء في العلامة بين حال الأمة، وخروج المهدي
قال الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي
وبما أن هذا المستقبل غيب، فلا يصح محاولة استطلاعه إلا مِن قِبَلِ وحي الله -﷿- إلى رسوله ﵌، وفي هذا الفصل نعرض اتجاهين سلكهما بعض العلماء جوابًا عن هذا السؤال؛ استنادًا إلى أحاديث رسول الله ﷺ.
المسلَكُ الأَوَّلُ: ستزداد غُربَةُ الإسلام حتى يظهرَ المهدي، إن شاء الله
١ - قال الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي -رحمه الله تعالى-: "وأما بعد قرن أتباع التابعين، فقد تغيرت الأحوال تَغَيُّرًا فاحشًا، وغلبت البدع، وصارت السنة غريبة، واتخذ الناس البدعة سنة، والسنة بدعة، ولا تزال السنة في المستقبل غريبة إلا ما استُثْني في زمان المهدي -﵁-، وعيسى -﵇-، إلى أن تقوم الساعة على شرار الناس" (١). اهـ.
٢ - وسئل الشيخ عبد الله بن الصِّدِّيق سؤالًا نصه:
إذا كانت القيامة تقوم على المهدي وعيسى، ودين الإسلام حسب ما ذكرنا، فما معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "الإِسْلَامُ غَرِيب، وَكمَا بَدَأَ يَعُودُ"؟
فأجاب: "تواتر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا (٢)، وهو يشير إلى وقتنا
_________________
(١) "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان"، ص (٣٢٩).
(٢) رواه من حديث أبي هريرة -﵁- مسلمٌ (١٤٥)، في الإيمان: باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا، وتتمته: "فطوبى للغرباء".
[ ٣٢٨ ]
هذا؛ فإن الإسلام فيه غريب بمعنى الكلمة، وسيظل كذلك، بل ستزداد غربته إلى أن يأتي المهدي، فيُظهر الإسلام، ويحيي العدل، وتَزُولُ الفتن والإحن بين المسلمين، ويبقى الحال كذلك مدة المهدي، ومدة عيسى ﵇ (١)، ثم بعد ذلك تأتي ريحٌ طيبة تأخُذ نَفْسَ كل مؤمن (٣)،
_________________
(١) ومما يدل على أن زمن المهدي سيعم فيه الخير بكل أنواعه: ما رواه عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم، حتى يُبعث فيه رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا" رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والترمذي (٢٢٣١)، وقال: "حسن صحيح "، وانظر: "المهدي" للمؤلف ص (٤١). وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يخرج في آخر أمتي المهدي، يَسقيه الله الغيث، وتُخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا -يعني: حِجَّةَ" رواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٥٧)، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال الألباني: "هذا سند صحيح، رجاله ثقات" كما في "الصحيحة" رقم (٧١١). لكن هذا الخير ستشوبه أخطر فتنة في تاريخ البشرية، وهي فتنة الدجال، كما أن الخير في عهد المسيح -﵇- سيزاحمه شر يأجوج ومأجوج. (كما ثبت عن أم المؤمنين عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- قال: " ثم يبعث الله ريحًا طيبة فَتَوَفَّى كلً من في قلبه مثقال حبةِ خردلٍ من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" رواه مسلم رقم (٢٩٠٧). وفي "المسند" عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شَريطته من أهل الأرض، فيبقى فيها عَجاج، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا" رواه الإمام أحمد رقم (٦٩٦٤)، والحاكم في "المستدرك" رقم (٨٣٤١)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو، وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ١): "رواه أحمد مرفوعَا وموقوفًا، ورجالهما رجال الصحيح ". اهـ. =
[ ٣٢٩ ]
فلا يبقى على الأرض من يعرف الله أو يذكره (١)، وإنما يبقى أقوام يتهارجون كما تتهارج الْحُمُرُ، فعليهم تقوم الساعة كما جاء في صحيح مسلم، وغيره والله أعلم " (٢). اهـ.
وقد يُستدل لهذا الْمَنْحَى بما رواه الطبراني عن ابن مسعود -﵁- موقوفًا: "ليس عام إلا والذي بعده شر منه"، قال الحافظ في "الفتح": "أخرجه الطبراني بسند جيد (٣) ".
وعن ابن مسعود ﵁موقوفًا أيضًا- بسند صححه الحافظ في "الفتح" (٤): "أَمْسِ خَيْرٌ مِنَ الْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ خَيْرٌ مِنْ غَدٍ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (٥).
_________________
(١) = والشريطة هنا: الخيار من الناس، انظر: "النهاية" (٢/ ٤٦٠). والعَجاج: الغوغاء، والأراذل، ومن لا خير فيه، واحدهم: عَجاجة، كما في "النهاية" (٣/ ١٨٤).
(٢) فما من زمان خير إلا يشوبه بعض الشر، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ولن يكون هناك زمان شر محض إلا الزمان الذي تقوم فيه الساعة، قال رسول الله -ﷺ-: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" رواه مسلم (٢٩٤٩)، وابن حبان (٦٨٥٠)، وأحمد رقم (٣٧٣٥). وفي رواية لمسلم: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا ولا بنكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم يُنفخ في الصور" (٢٩٤٠).
(٣) "المهدي المنتظر"، ص (٥١، ٥٢).
(٤) "فتح الباري" (١٣/ ٢٠)، والحديث وراه الطبراني في "الكبير" (٩/ ١٠٥/٨٥٥٠).
(٥) "الموضع السابق" نفسه.
(٦) رواه الطبراني في "الكبير" (٩/ ١٥٤/٨٧٧٣)، وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٨٦): "رواه الطبراني، ورجاله وجال الصحيح".
[ ٣٣٠ ]
وعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك -﵁-، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ (١).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٣/ ١٣٢، ١٧٧، ١٧٩)، والبخاري، (٧٠٦٨)، (١٣/ ١٩، ٢٠)، والترمذي، (٣٣٥٧)، وانظر: "فتح الباري"، (١٣/ ٢٠ - ٢٢).
[ ٣٣١ ]
ذكر أجوبة العلماء عن حديث انس -﵁- وما في معناه
أولًا: جواب الإمام ابن حبان -رحمه الله تعالى-:
ترجم الإمام ابن حِبَّان -رحمه الله تعالى- لحديث أنس -﵁-:
"ذِكْرُ خبرٍ أَوْهَمَ مَنْ لم يُحْكِم صناعةَ الحديثِ أن آخرَ الزمان على العمومِ يكون شرَّا من أوَّلِهِ" (١)، ثم أَتْبَعَهُ بترجمة تَدْفَعُ هذا الإيهام، فقال:
"ذِكْرُ الخبرِ المصرِّح بأن خبر أنس بن مالك لم يُرَدْ بعموم خطابه على الأحوال كلها" (٢).
ثُمَّ أَسْنَدَ إلى أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: "لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا لَيْلَةٌ، لَمَلَكَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النبي ﷺ" (٣).
إذن حديث أنس -﵁- الآنف الذكر ليس على عمومه أو إطلاقه؛ لثبوت أدلة تخصص عمومه، وتقيد مطلقه؛ ولذلك ينبغي حمله على الأغلب من الزمان، أو يحمل معناه على أن كل زمان بجملة
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان"، (٢٨٢/ ١٣).
(٢) "نفسه"، (١٣/ ٢٨٣)
(٣) رواه ابن حبان، (١٣/ ٢٨٣)، وابن ماجه (٢٧٧٩)، والترمذي، (٢٢٣١)، وقال: "حسن صحيح".
[ ٣٣٢ ]
ما فيه من خير أفضلُ من الزمان الذي يليه، وهذا لا ينفي أن يكون في كل زمان خير -كما أكدت ذلك الأحاديث- ولمجيء بعض الخير في أزمان أعقبت زمن النبي ﷺ؛ كزمن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- وغيره من الأزمان.
ثانيًا: جواب الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى-:
قال -رحمه الله تعالى-: "وقد استُشْكِل هذا الإطلاقُ مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التىِ قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز؛ بل لو قيل: (إن الشر اضمحل في زمانه)؛ لما كان بعيدًا، فضلًا عن أن يكون شرًّا من الزمن الذي قبله، وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، فسئل عن وجود عمر بن العزيز بعد الحجاج، فقال: (لا بد للناس من تنفيس). وأجاب بعضهم: أن المراد بالتفضيل تفضيلُ مجموعِ العصر على مجموع العصر؛ فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده؛ لقوله -ﷺ-: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي" وهو في الصحيحين (١)، وقوله: "وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٢٦٥٢) بلفظ: "خير الناس قرني"، ومسلم رقم (٢٥٣٥)، وانظر: "موسوعة الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة" للدكتور سعود الصاعدي (١/ ٣٤٧ - ٣٨٤).
(٢) رواه مسلم رقم (٢٥٣١)، وانظر: "الموسوعة" الآنفة الذكر (١/ ٣٨٥ - ٣٩٩).
[ ٣٣٣ ]
وقال: "ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على أنهم هم المخاطَبون بذلك فيختص بهم، فأما من بعدهم فلم يُقصد في الخبر المذكور، لكن الصحابي فهم التعميم، فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك، وأمرهم بالصبر، وهم أو جلهم من التابعين، واستدل ابن حبان في (صحيحه) بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي، وأنه يملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا (١).
ثالثًا: جواب العلامة ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-:
قال -رحمه الله تعالى- معلقًا على حديث أنس -﵁-: "هذا الحديثُ ينبغي أن يُفْهَمَ على ضوء الأحاديث التي تُبَشِّرُ بأن المستقبلَ للإسلام، وغيرها، مثل أحاديث المهدي، ونزول عيسى ﵇؛ فإنها تدل على أن هذا الحديثَ ليس على عمومه، بل هو من العام المخصوص؛ فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه، فيقعوا في اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧] ". اهـ (٢).
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ٢١)، وانظره أيضًا: (٧/ ٦، ٧).
(٢) "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، المجلد الأول، ص (١٠).
[ ٣٣٤ ]
العلامة ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى ينتصر لهذا القول
الْمَسلَكُ الثانى: ستقوم -بإذن الله- خلافَةٍ على مِنهاج النبوة قبل ظهور المهدي، أو على الأقل ستنهض الأمة نهضةً شاملةً، ولا يبقى إلا ظهور القائد
١ - سمعت العلَّامَةَ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- يقول (١) في معرض مناقشته للذين ادَّعَوْا اقتراب ظهور المهدي:
"ما أظُنُّ هذا أوانَ ظهورِه، فهذا مُقْتَضَى السنة الكونية، وما أحسب المهدي يَقْدِرُ -خلال سبع سنين- على أن يحدث ممن التغيير في العالم أكثر مما أحدثه رسول الله -ﷺ- خلال ثلاث وعشرين سنة، وظني أن المهديَّ سيكون رجلًا فريدًا في كل باب: فَرِيدًا في علمه، فريدًا في ورعه، فريدًا في عبادته، فريدًا في خُلُقه، وأنه سيظهر، وقد تهيأ للعالم الإسلامي وضعٌ صَلُحَ فيه أمر الأمة، وتَمَّت فيه مرحلتا "التصفية والتربية"، ولم يَبْقَ إلا ظهور الزعيم الْمُصْلِح الذي يقوده، وهو المهدي". اهـ.
_________________
(١) وذلك بخيمته في منى في موسم الحج عام (١٣٩٩هـ) قبيل فتنة "المهدي القحطاني" بأسبوعين، وكان قد شاع وقتها أن المهدي يوشك أن يخرج، لكن العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- ببصيرته النافذة اتخذ موقفًا صارمًا، وقطع بأنه لا يمكن أن يصح للقحطاني دعوى المهدية، وأن هذا ليس زمان خروج المهدي، وذكر الكلام المذكور هنا، والذي حُفِرَ في ذاكرتي لشدة الحاجة إليه وقتها، وكنت أُرِيتُ رؤيا في تلك الأيام أن هناك رجلًا يشير إلى منبرٍ هزيل من أعواد ضعيفة في جمع من الناس يدعي أنه منبر رسول الله -ﷺ-، فوقفت في الناس أفند دعواه، وأذكر الفروق بين منبر رسول الله -ﷺ- وذاك المنبر الركيك المتهاوي، ومنها: أن منبره -ﷺ- كان ثلاث لث درجات، وهذا أكثر إلخ، فإن كانت رؤيا حق؛ فلعل تأويلها تصنيفي كتاب "المهدي" الذي صدرت طبعته الأولى بالأسكندرية في العشرين من المحرم ١٤٠٠هـ.
[ ٣٣٥ ]
ثم حمل فضيلته على الجُهَّال الذين يسيئون فَهْم عقائد الإسلام، ثم ينحرفون، ويتخبطون؛ نتيجةَ قلة علمهم، وسوء فهمهم.
وكتب -أيضًا- مُفصِّلًا ما يَعْنِيهِ بمرحلتي "التصفية والتربية": "لا بد اليوم من أجل استئناف الحياة الإسلامية من القيام بهذين الواجبين: التصفية والتربية".
وأردتُ بالأول منهما أمورًا: الأول: تصفية العقيدة الإسلامية مما هو غريب عنها؛ كالشرك، وجحد الصفات الإلهية، وتأويلها، ورد الأحاديث الصحيحة؛ لتعلقها بالعقيدة ونحوها.
الثاني: تصفية الفقه الإسلامي من الاجتهادات الخاطئة المخالفة للكتاب والسنة.
الثالث: تصفية كتب التفسير، والفقه، والرقائق، وغيرها، من الأحاديث الضعيفة، والموضوعة، والإسرائيليات المنكرة إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "وأما الواجِبُ الآخَرُ فأريد به تربية الجيل الناشئ على هذا الإسلام الْمُصَفَّى من كل ما ذكرنا تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظفاره، ودون أي تأثر بالتربية الغربية الكافرة.
ومما لا رَيْبَ فيه أن تحقيق هذين الواجبين يتطلب جهودًا جبارة متعاونة من الجماعات الإسلامية المخلصة، التي يهمها حقًّا إقامة المجتمع الإسلامي المنشود، كُل في مَجَالِهِ، واختصاصه، وأما بقاؤنا راضين عن أوضاعنا، متفاخرين بكثرة عددنا، متوكلين على فضل ربنا،
[ ٣٣٦ ]
أو خروج المهدي، ونزول عيسى، صائحين بأن الإسلام دستورنا، جازمين بأنا سنقيم دولتنا، فذلك محال، بل وضلال؛ لمخالفته لسنَّة الله الكونية والشرعية معًا، قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقال -ﷺ-: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (١).
من أجل ذلك قال أحد الدعاة الإسلاميين اليوم: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تَقُمْ لكم في أرضكم"، وهذا كلام جميل جدًّا، ولكن أجمل منه العمل به ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (٢) [التوبة].
وقال -رحمه الله تعالى- في سياق رده على من زعم أن دولة الخلافة الإسلامية لن تعود قبل ظهور المهدي:
"واعلم يا أخي المسلم أن كثيرًا من المسلمين اليوم قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع؛ فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي، وهَذِهِ خُرَافَةٌ وضلالة ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامَّة، وبخاصة الصوفية منهم، وليس في شيء من
_________________
(١) رواه أبو داود، (٣٤٦٢) في البيوع، باب "النهي عن العينة". والعينة: أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر، يدفعه نقدا، وانظر: "السلسلة الصحيحة"، رقم (١١).
(٢) "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"، (٢/ ٢).
[ ٣٣٧ ]
أحاديث المهدي ما يُشعِر بذلك مطلقًا، بل هي كلها لا تَخرُجُ عن أن النبي -﵌- بَشَّرَ المسلمين بِرَجلٍ من أهل بَيتِهِ، ووصفه بصفات، أبرزها: أنه يحكم بالإسلام، وَينْشُرُ العدل بين الأنام، فهو في الحقيقة من المجدّدِينَ الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة، كما صح عنه -صلى الله غليه وآله وسلم- فكما أن ذلك لا يستلزم ترك السعي وراء طلب العلم، والعمل به لتجديد الدين، فكذلك خروج المهدي لا يستلزم التواكُلَ عليه، وتركَ الاستعدادِ والعملِ لإقامة حكم الله في الأرض، بل العكس هو الصَّواب؛ فإن المهدي لن يكون أعظم سعيًا من نبينا محمد ﷺ، الذي ظل ثلالة وَعشرين عامًا وهو يعمل لتوطيد دعائم الإسلام، وإقامة دولته، فماذا عسى أن يفعل المهدي لو خرج اليوم، فوجد المسلمين شيعًا وأحزابًا، وعلماءهم -إلا القليل منهم- اتخذهم الناس رءوسًا، لما استطاع أن يقيم دولة الإسلام إلا بعد أن يُوَحِّدَ كلمتهم، ويجمعهم في صف واحد، وتحت راية واحدة، وهذا -بلا شك- يحتاج إلى زمن مديدٍ اللهُ أعلم به، فالشرع والعقل معًا يقضيان أن يقوم بهذا الواجب المخْلصُونَ من المسلمين، حتى إذا خَرَجَ المهدي، لم يكن بحاجة إلا أن يقودهم إلى النصر، وإن لم يخرج (١)، فقد قاموا بواجبهم، والله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ (٢). اهـ.
وفي كتابهما "الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة" يُفَصِّلُ المؤلفان هذا المسلك، ويقولان ما ملخصه -بتصرف وإضافات-:
_________________
(١) أي: في زمانهم.
(٢) "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، (٤/ ٢٤،٣٤).
[ ٣٣٨ ]
لا بُدَّ من عودة الخلافة الراشدة
واستعادة القدس قبل ظهور المهدي
(أ) تشير بعض الأحاديث الصَحيحة إلى أن حالة الناس الدينية في تراجع مستمر مع الزمن، ولكنة تَرَاجُعٌ بشكل عام لا بِشَكْلٍ فردي؛ أي هو من العام المخصوص، والمخصِّصُ قوله -ﷺ-: «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ المَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» (١).
وقوله -﵌-: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (٢)، وقوله -﵌-: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة». (٣).
ولا يَرِدُ عليه انعدامُ الدولةِ والصَّوْلةِ؛ لأنه لا يمتنع عقلًا أن تنطلق هذه الأمة انطلاقًا جديدًا؛ حتى يتم قولُه -﷿-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٨٧٣) في الأمثال: باب "مثل أمتي مثل المطر"، ورواه الإمام أحمد في "المسند"، (٣/ ١٣٠، ١٤٣) في حديث أنس، و(٤/ ٣١٩) من حديث عمار بن ياسر، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، ونقل المناوي عن الحافظ ابن حجر قوله: "هو حديث حسن له طرق، قد يرتقي بها إلى الصحة". اهـ. من "فيض القدير" (٥/ ٥١٧).
(٢) أخرجه من حديث ثوبان -﵁- مسلمٌ رقم (١٩٢٠)، وأبو داود رقم (٤٢٥٢)، والترمذي رقم (٢٢٢٩)، وابن ماجه (٢/ ٤٦٤) رقم (٤٠١٦)، وأحمد (٥/ ٢٧٨، ٢٧٩)، والحاكم، (٤/ ٤٤٩،٤٥٠).
(٣) رواه من حديث أبي عنبة الخولاني ابن ماجة رقم (٨) وابن حبان، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٦/ ٢٣١)، رقم (٧٥٦٩).
[ ٣٣٩ ]
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "لَيُظهِرن الله دينَه على الأديان حتى لا يُدانَ اللهُ إلا به، وذلك متى شاء الله تعالى" (١).
والظهور بهذا المعنى الذي أورده الشافعي -وهو الظهور الحقيقي- هو وجه من عدة أوجه فسره بها العلماء -ومنهم الشافعي-، ويقوِّيه عدد من الأحاديث التي سنوردها -إن شاء الله- فيما يأتي.
والقولُ بأنه -أي: الظهور المذكور في الآية- قد تحقق في زمن النبي -ﷺ- أو الخلفاء الراشدين -﵃- أو بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس أو غيرهم قولٌ بعيدٌ، فما تحقق إنما هو جزء منه فقط -كما هو معروف من التاريخ- وسوف يتحقق كاملًا في المستقبل إن شاء الله تعالى.
ومما يؤيد ذلك قولُه -﵌-: "إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا" الحديث (٢).
_________________
(١) "أحكام القرآن للشافعي (٢/ ٥٠) دار الكتب العلمية- بيروت (١٤٠٠هـ).
(٢) صدر حديث، رواه من حديث ثوبان -﵁- مسلم رقم (٢٨٨٩) في الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، والترمذي رقم (٢١٧٧) في الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي -﵌- ثلاثًا في أمته، وأبو داود رقم (٤٢٥٢) في الفتن، باب ذكر الفتن ودلالتها، وانظر: جامع الأصول (١١/ ٣١٧، ٣١٨).
[ ٣٤٠ ]
ومعلوم أن الإسلام لم يُغَطِّ الكرةَ الأرضية بهذا الوصف الموجود في الحديث الشريف، وسيغطيها كما أخبر المعصوم -ﷺ- حين يشاء الله تعالى.
وعن تميمٍ الداري -﵁- قال رسول الله -﵌-: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يبقى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلّا يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ" (١).
وهذا الحديث يؤكد الحديث السابق ويوضحه، ويفيد قولُه: "ما بلغ الليلُ والنهارُ" أن الإسلام سينتشر، ويُمَكَّن له في جميع الكرة الأرضية؛ لأن الليل والنهار يبلغان جميعها، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، وسيتحقق في المستقبل إن شاء الله.
وعن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- وسئل: أيُّ المدينتين تُفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلق، قال: فأخرَج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله -ﷺ- نكتب، إذ سئل
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، والطبراني في "المعجم الكبير"، وابن منده في "كتاب الإيمان"، والحافظ عبد الغني المقدسي في "ذكر الإسلام"، وقال: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي، وكذا أخرجه ابن حبان، وابن عروبة. اهـ، ملخصًا من "تحذير الساجد" للألباني، ص (١٧٣، ١٧٤)، و"السلسلة الصحيحة"، حديث رقم (٢)، وقد صححه على شرط مسلم.
[ ٣٤١ ]
رسول الله -ﷺ-: أيُّ المدينتين تُفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله -ﷺ-: "مدينة هِرَقلَ تُفْتَحُ أولًا" (١).
وقد فتحت القسطنطينية على يد محمد الفاتح -رحمه الله تعالى- بعد هذه البِشارة الموجودة في الحديث بثمانية قرون ونصف تقريبًا، وستفتح مرة أخرى بعد ملحمة تكون بين المسلمين والروم، ينتصر فيها المسلمون نصرًا مؤزرًا، لا يجدون بعده من يحول بينهم وبين فتحها، وقد أشارت إلى ذلك روايات كثيرة عند البخاري ومسلم وغيرهما.
أما "رومية" فهي كما يفهم من "معجم البلدان " (٢) "روما" عاصمة "إيطاليا" الآن، ومعلوم أنها لم تفتح من قبل، والحديث يؤكد أنها ستفتح، فسيكون ذلك إن شاء الله تعالى.
وعن النعمان بن بشير -﵄- قال: كنا جلوسًا في المسجد، وكان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد، أتحفظ حديث رسول الله -ﷺ- في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة الخشني، فقال حذيفة -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا ﵎ إِذَا شَاءَ، ثُمَّ تَكُونُ الْخِلَافَةُ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص (٢٦٧) هامش رقم (٢).
(٢) "معجم البلدان" لياقوت الحموي (٣/ ١٠٠).
[ ٣٤٢ ]
تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا (١) فَتَكُونُ مُلْكًا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً (٢)، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ» (٣).
وهذه المراحل أو الأطوار التي ذكرها الحديث الشريف للخلافة -بمعنى سياسة الناس ورياستهم- قد مر منها طَوْرُ النبوة، ثم الخلافة الراشدة، ثم الملك العاض، ونحن الآن نعيش مرحلة الملك الجبري، وننتظر الخلافة الراشدة الأخيرة إن شاء الله تعالى.
"وفي سنة ١٩٢٤ م أعلن المجلس الوطني في تركيا خنق ذلك الطور من الترتيب النبوي، وبهذا الإعلان الذي انتهت بموجبه الخلافة العثمانية وَدَّعَت الأمةُ الإسلامية طورَ الملك العاض لتبدأ في طور الملك الجبري، وهو الطور الذي تعايشه الأمة هذه الأيام في صورة الانقلابات العسكرية وغيرها" (٤).
_________________
(١) الملك العاض أو العضوض: هو الذي يصيب الرعيةَ فيه جور وظلم؛ كأنهم يُعَضُّون عَضًّا، أو الذي يعضهم فيه الفقر؛ كما قال الشاعر: وعض زمان يابن مروان لم يدع من المال إلا مُسْحِتًا أو مُجلفا وقد يكون الملك العاض بمعنى المعضوض عليه؛ بأن يُورَّثَ من حاكم لآخر؛ وذلك كقوله تعالى ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ أي: مرضية، والله أعلم.
(٢) الملك الجبري أو الجبرية: هو الذي يتم جبرًا ورغمًا عن الرعية، وهو أقرب إلى الحكم الذي يتم بطريق الانقلابات في عصرنا.
(٣) انظر تخريجه ص (٣٥٩) هامش رقم (١).
(٤) "الطريق إلى جماعة المسلمين" ص (٩٧)، وانظر تفصيل الأطوار المذكورة في الحديث في "فتح الباري" (١٣/ ٢١٤)، وانظر أيضًا: "الاتجاهات الوطنية" للدكتور محمد محمد حسين -رحمه الله تعالى- (٢/ ٣٧ - ٤٧).
[ ٣٤٣ ]
وعَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ (١) وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ (٢)، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا، لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا» قَالَ قُلْتُ لِأَبِي نَضْرَةَ وَأَبِي الْعَلَاءِ: أَتَرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَا: لَا. (٣) " (٤).
قال النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه هذا الحديث في "صحيح مسلم": "والحثو هو الحفن باليدين، وهذا الحثو الذي يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه" (٥). اهـ.
_________________
(١) القَفيز: مكيال لأهل العراق، ثمانية مكاكيك، يقدر بخمسة أوسق.
(٢) المُدْيُ: مكيال لأهل الشام يسع خمسة وأربعين رِطلَا، قيل: يسع تسعة عشر صاعًا.
(٣) يبعد أن تحمل الخلافة الراشدة الأخيرة المذكورة في حديث حذيفة -﵁- الآنف الذكر، على خلافة عمر بن عبد العزيز؛ لقربها من الخلافة الراشدة، حتى يقال: إنه خامس الخلفاء الراشدين، ولعل أبا نضرة وأبا العلاء نظرا إلى قوله -ﷺ- في الحديث: "في آخر أمتي"، فإن عمر بن عبد العزيز من أولها وليس من آخرها، كما أن خلافته لم تكن بعد ملكين: ملكٍ عاض، ثم ملك جبري.
(٤) أخرجه مسلم رقم (٢٩١٣)، (٢٩١٤)، والإمام أحمد (٣/ ٣٨، ٣١٧، ٣٣٣)، وانظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ٣١٦).
(٥) "شرح النووي" (١٨/ ٤٠).
[ ٣٤٤ ]
أدلة من قال أن الخلافة الراشدة ستقوم قبل ظهور المهدي
خلافة راشدة قبل المهدي
(ب) وقد وردت أحاديث يُفْهَمُ منها قيام خلافة راشدة قبل خروج المهدي:
١ - منها ما رواه عبد الله بنُ حَوَالَة الأزديّ -﵁- قال: بَعَثَنا رسولُ الله -ﷺ- حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجَعنا ولم نغنم شيئًا، وعَرَفَ الجَهْدَ في وجوهنا، فقام فينا فقال: "اللهم لا تكِلهُم إليَّ فأضعُفَ، ولا تكِلهُم إلى أنفسهم فيعجِزوا عنها، ولا تكِلهُم إلى الناس فيستأثِروا عليهم"، ثم قال: "ليُفْتَحَنَّ لكم الشَّامُ والرُّوم وفارس -أو الروم وفارس- حتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم، حتى يُعْطى أَحَدُهُم مئةَ دينارٍ فيَسْخَطُها". ثم وضع يده على رأسي -أو هامتي- فقال: "يَا بْنَ حَوَالَةَ، إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَت الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إلى النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذه مِنْ رَأْسِكَ" (١).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد رقم (٢٢٤٨٧) (٣٧/ ١٥١)، والبخاري في "تاريخه" (٨/ ٤٣٦، ٤٣٧)، وأبو داود (٢٥٣٥)، والحاكم (٤/ ٤٢٥)، وأبو يعلى (٦٨٦٧)، والطحاوي في "مشكِل الاثار" (١١١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٤،٣) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" رقم (٢٢١٠).
[ ٣٤٥ ]
فأخبر أن الخلافة في آخر الزمان تكون في القدس (١)، وبعد ذلك تظهر الأشراط الكبرى للساعة بما تحمله من زلازل وفتن.
٢ - ومنها ما رواه مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ، - أَوْ مَنْكِبِهِ - ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا»، أَوْ «كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ» (٢)، وفتح القسطنطينية سيتم في زمن المهدي الذي هو في زمن عيسى ﵇.
قالوا: وعمران بيت المقدس سيكون بالخلافة النازلة فيه؛ وهذا يستلزم تحرير القدس؛ وتحريرها يستلزم قيام الجهاد الشرعي الإسلامي ضد اليهود هناك.
٣ - ومنها ما رواه المقداد بن الأسود ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ
_________________
(١) علق الشيخ سعيد حوى -رحمه الله تعالى- على لفظة: "فإذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة ": الظاهر أن الحديث في خلافة تكون عاصمتها القدس، وإلى القدس يذهب المسيح -﵇- بعد نزوله في دمشق، وهذا يشير إلى أن فلسطين وقتذاك بيد المسلمين، وأن دولة اليهود الحالية ذاهبة منتهية". اهـ. من "الأساس في السنة" (٢/ ١٠٢٥).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٩٤) في الملاحم، باب في أمارات الملاحم، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود" (٣٦٠٩).
[ ٣٤٦ ]
مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ بِعِزّ عَزيزٍ أَوْ ذُلّ ذَليلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُم اللَّهُ -﷿- فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلّهُم فَيَدِينُونَ لَهَا" (١).
قالوا: وقوله -ﷺ-: "فيدينون لها" فيه إشارة إلى الجزية، وإشارة أخرى إلى أن هذا إنما يكون قبل نزول المسيح ﵇؛ لأنه لا يقبل الجزية من أحد، لما رواه أبو هريرة -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ (٢)، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ (٣)، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ (٤)، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٦/ ٤)، والحاكم (٤/ ٤٣٠) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والبيهقي في "السنن" (٩/ ١٨١)، وصححه الألباني في "تحقيق المشكاة" (١/ ٢٥)، والمَدَر: القُرى والأمصار، والوَبَر: صوف الإبل، والأرانب، ونحوها، يعني: أهل البادية، لأنهم يتخذون بوتهم من الوَبَر.
(٢) يكسر الصليب: أي يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، والصليب رمز لعقيدة صلب المسيح عند النصارى، والتي يزعمون بمقتضاها أن الرب قد ضحى بابنه المسيح، فمكَّن اليهودَ من صلبه؛ وذلك ليخلص البشرية من الخطيئة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
(٣) قال الحافظ في "الفتح" (٣٤٣/ ٤): "أي: يأمر بإعدام الخنزير مبالغة في تحريم أكله. وفيه توبيخ عظيم للنصارى الذين يدَّعون أنهم على طريقة عيسى -﵇- ثم يستحلون أكل الخنزير، ويبالغون في محبته".
(٤) ويضع الجزية-: أي يتركها ويُسقطها؛ لأنه لن يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ودخل في الإسلام بعد نزول عيسى -﵇- فلا يبقى أحد من أهل الذمة ليؤدي الجزية. قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٣٥٦): "ويؤيده أن عند الإمام أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: (وتكون الدعوى -أي: الملة- واحدة) ".
[ ٣٤٧ ]
من المؤهلون لإعادة الخلافة على منهاج النبوة؟
تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: " وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (١)
(جـ) وهذا يؤكد حتمية عودة الخلافة الإسلامية، وسيادتها على العالم كله، والخلافة لن تسقط على المسلمين في قرطاس من السماء، ولكن للنصر أسبابه المتعددة، وقد بشر -﵌- بفتح رومية (٢)؛ وهذا الفتح لن يتم إلا بالجهاد في سبيل الله ﷿، والصبر عليه، وبذل الأموال والأنفس، والخلافة التي يُقيمها هذا الجهاد خلافة راشدةٌ على منهاج النبوة؛ كما أخبر النبي -﵌-؛ ولذلك، فلا بد أن تكون هذه الفئة سالكة طريق النجاة في الدارين؛ حتى لا يطول بها السرى في صحراء الخلافات، والفتن، وطريق السلامة من فتنة الفرقة التي تنبأ بها -﵌- في قوله: "فَإِنَّه مَنْ يَعِشْ بَعْدِي فَسَيَرَي اخْتِلَافًا كثِيرًا" إنما يتلخص في أمرين بَيَّنَهُمَا -ﷺ-: "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، ثم قوله -﵌-: "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ" الحديث (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٠٩)، (٢٣٤٤)، (٣٢٦٤)، ومسلم (١٥٥)، (٢٤٣)، وابن حبان (١٥/ ٢٢٧)، (٦٨١٦)، وغيرهم.
(٢) انظر: هامش رقم (٢)، ص (٢٦٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ١٢٦)، وأبو داود (٤/ ٢٠٠)، (٤٦٠٧)، والترمذي (٥/ ٤٤)، (٢٦٧٦)، وا بن ماجه (١/ ١٦)، والدارمي (١/ ٤٥)، وقال الترمذي: "حسن صحيح "، وصححه الضياء المقدسي، وغيره.
[ ٣٤٨ ]
نهاية الدولة اللقيطة، وقدوم اليهود مع الدجال
فالطائفة المنصورة لا بد أن يكون منهجها موافقًا لمنهاج النبوة؛ الذي هو منهج السلف الصالح، والرعيل الأول القائم على الاتِّبَاعِ، وتَرك الابتداع؛ لأنه هو المنهج الوحيد الصحيح القادر على إعادة الخلافة في الأرض، وهي مع ذلك تحتاج رجالًا أولي عزم وتقى، يقوم على أكتافهم هذا البعث الجديد، فلا بد من تربيتهم على الكتاب والسنة، ولا بد من علاج هذا الواقع الأليم الذي يعاني منه المسلمون في كل مجال في ضوء شريعة الله المصفاة من كل دخيل من الآراء، والأهواء، والبدع فعاد الأمر إلى كلمتين: "التصفية، والتربية".
(د) والزمان هو السِّفر المنظور الشارح لكتاب الله المسطور؛ آيات سورة الإسراء تُبَيِّن أنه لا بد من جولة قادمة بين المسلمين واليهود، وقد روى أبو هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: (١):
_________________
(١) القاعدة عند أهل السنة والجماعة أنهم يُجرون نصوص الكتاب والسنة على ظاهرها -أي: معناها الذي يتبادر إلى الذهن منها- معتقدين أنه هو الحق الذي يوافق مراد الله تعالى، ومرادَ رسوله ﷺ، لا سيما فيما ليس للرأي فيه مجال؛ كنصوص الصفات، والمعاد، وغيرها من أمور الغيب. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "آمنت بالله، وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ ". اهـ. من "مجموع الفتاوى" (٣٥٤/ ٦). فنُطق الحجر والشجر هنا حقيقة لا مجاز، ولهذا نظائر في السنة، انظرها في: "عبودية الكائنات" للشيخ فريد بن إسماعيل التوني، ط. دار الضياء- (١٤١٣ هـ-١٩٩٢ م)، فقد أبدع فيه، وأجاد.
[ ٣٤٩ ]
يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ " (١).
قال الإمام النووي تعليقًا على الحديث: "الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد ييت المقدس، وهناك يكون "قتل الدجال واليهود" (٢).
وفي رواية للحديث عن عبد الله بن عمر -﵄-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَقُولُ الحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي، فَاقْتُلْهُ» (٣).
وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبية -﵁- مرفوعًا: "ينزل الدجال في هذه السَّبَخَة (٤) بمَرِّ قناة (٥) " الحديث، وفيه: "ثم يسلِّط اللهُ المسلمين عليه، فيقتلونه، ويقتلون شيعته، حتى إن اليهوديَّ ليختبِئ تحت الشجرة أو الحجرِ، فيقول الحجرُ أو الشجرةُ للمسلم: هذا يهودي تحتي، فاقتُله" (٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٦/ ١٠٣ - فتح)، مسلم رقم (٢٩٢٢).
(٢) شرح اننووي (١٨/ ٤٤، ٤٥)، ومن الجدير بالذكر أن يهود الدولة اللقيطة يكثرون الآن من زراعة هذا الشجر في المستوطنات والحدائق وغيرها، وانظر: "واقعنا المعاصر" ص (٥٤٣).
(٣) رواه البخاري (٦ - / ٦٩٩)، (٦١)، كتاب المناقب (٢٥)، باب علامات النبوة رقم (٣٥٩٣) (ورواه مسلم،) (٢٢٣٩)، (٥٢)، كتاب الفتن (١٨)، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ، حديث رقم (٨١).
(٤) السَّبَخة: أرض تعلوها الملوحهّ، ولا تكاد تُنْبِتُ إلا بعضَ الشجر.
(٥) مَرُّ قناة: وادٍ بالمدينة.
(٦) رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٩/ ٢٥٥) رقم (٥٣٥٣)، وفيه محمد بن إسحاق، وهّو مدلس، وقد عنعنه.
[ ٣٥٠ ]
وعليه فالمراد بقتال اليهود هنا وقوع ذلك إذا خرج الدجال، ونزل عيسى﵇. (١)
وروى الإمام أحمد عن جابر -﵁- مرفوعًا: " حتى أن الشجرة والحجر ينادي: يا رُوحَ الله، هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله " (٢).
ويتضح من الأحاديث -أيضا- أن المسلمين وقيادتهم سيكونون ببيت المقدس، وأن الدجال ومن معه -وغالبُ مَن معه مِن اليهود- سيقدمون إلى فِلَسطينَ من خارجها، ولن يكونوا فيها، وسيحاصرون المهدي ومن معه حتى ينزل عليهم عيسى ابن مريم، وأنه -﵇- ومعه المؤمنون سيتعقبون الدجال ومن معه، فيقتله المسيح عيسى ابن مريم عند باب لُدٍّ، ويقتل أتباعه حتى إن الحجر والشجر ليدلان المسلمين عليهم.
وهذا كله يعني لنا شيئًا واحدا ومهمًا هو أن دولة الكيان اليهودي المغتصب في فلسطين الآن لن تبقى حتى ذلك الوقت، وإنما هي في سبيلها إلى الزوال.
قال الأستاذ سعيد حوى -رحمه الله تعالى- " إن دولة اليهود الخالية على كل الاتجاهات في الفهم للنصوص ستنتهي، وليست نهايتها معلقة بنزول المسيح عيسى ابن مريم -﵇-، وإن النصوص
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٦١٠).
(٢) رواه الإمام أحمد رقم (١٤٩٥٤) (٢٣/ ٢١٢)، وقال المحقق: "إسناده على شرط مسلم ".
[ ٣٥١ ]
الواردة في أن الحجر والشجر يدلان المسلم على اليهودي ليقتله ليست واردة في هؤلاء اليهود، بل في يهود يقدمون مع الدجال" (١).
ولئن وصف رسول الله -ﷺ- أولئك المجاهدين -في هذا الحديث- بوصف عام هو الإسلام؛ فلقد وصفهم بوصفٍ أخصَّ؛ وهو كونهم "أهلَ السنة والجماعة"، و"الطائفة المنصورة"؛ وذلك فيما رواه عمران بن حصين -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ» (٢)، وهذا الحديث يشير إلى أن من ضمن قتالهم قتال المسيح الدجال وأعوانه؛ وأعوانه أكثرهم اليهود، وقد رُوي عن عثمان بن أبي العاص -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "أكثر أتباع الدجال اليهودُ والنساء" (٣).
-وعن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدين ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهمْ مَنْ جابههم إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأوَاءَ، حَتَّى يَأْتيَهمْ
_________________
(١) "الأساس في السنة وفقهها" (٢/ ١٠٢٥).
(٢) رواه الإمام أحمد (٤/ ٤٢٩)، وأبو داود (٢٤٨٤)، والحاكم (٢/ ٧١)، (٤/ ٤٥٠)، وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" رقم (٢١٧٠).
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٢١٦، ٢١٧)، وفيه علي بن زيد بن جدعان، ضعيف.
[ ٣٥٢ ]
أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا أَيْنَ هم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأكنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (١).
-وهذا الحديث واضح الدلالة على أن القوم المقاتلين الذائدين عن بيت المقدس هم من نفس الطائفة المنصورة؛ أهل السنة والجماعة. وفيه تحديد لأماكن وجودهم في آخر الزمان.
-وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ، وَمَا حَوْلَهُ وَعَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ، لَا يَضُرُّهُمْ خُذْلَانُ مَنْ خَذَلَهُمْ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ» (٢).
قالوا: إن الأحاديث الشريفة تدل على حدوث قتال بين المسلمين واليهود، وانتصارهم على اليهود قبل زمن الدجال، وليس شرطًا أن تكون المعركة بين المسلمين، وبين صنف من أعدائهم واحدة فقط؛ فقد تتعدد المعارك، وتتكرر الفتوحات، فالقسطنطينية (٣) -مثلًا- فتحها السلطان محمد الأول [٨٥٧هـ-١٤٥٣م]، وهذا الفتح غير الفتح الأخير الذي أخبر عنه النبي -ﷺ- قبل خروج الدجال مباشرة،
_________________
(١) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٦٩)، عن أبيه وِجَادَةً، ورواه الطبراني، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٩١): "رجاله ثقات".
(٢) رواه أبو يعلى، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات"، انظر: "مجمع الزوائد" (١٠/ ٦٣، ٦٤).
(٣) مدينة بناها الملك قسطنطين، وهي مثلثة الشكل؛ جَانِبَان منها في البحر، وجانب فى البر.
[ ٣٥٣ ]
وفتح بيت المقدس تم في عهد عمر بن الخطاب -﵁-، ثم احتله النصارى الصليبيون، ثم فتح في عهد صلاح الدين الأيوبي، ثم احتل في عهد التتار ثم فتح، ثم احتله النصارى الإنجليز، ثم احتله اليهود، وسيتم عمرانه، وفتحه مرة أخرى قبل فتح القسطنطينية.
يقول الأستاذ عبد الوهاب عبد السلام طويلة: "لقد فُتحت القسطنطينية لأول مرة في زمن السلطان العثماني محمد الثاني، المعروف بالفاتح -﵀-؛ فحاز بذلك مع جيشه بشارة النبي ﷺ، ومديحه كما سلف، غير أن الضعف حَلَّ بالمسلمين بعد الحرب العالمية الأولى، وتداعت عليهم الأمم؛ بسبب ابتعادهم عن دينهم الذي أعزهم الله به، فأصبحت القسطنطينية تحت حكم الملحد مصطفى كمال، صنيعة الصهيونية والاستعمار، ولا زالت الأمور في تركيا تسير من سيئ إلى أسوأ؛ حتى إنهم حالفوا اليهود، وفتحوا لهم بلادهم، وتوددوا إليهم، وهم -أيضًا- يخطبون وُدَّ الأوربيين بتضييق الخناق على المسلمين، ومحو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، والأوربيون لا يَعْبَئُون بهم، بل يحتقرونهم، وربما يطرأ تغيير على الوضع الدولي قبل ظهور المهدي، وخروج الدجال؛ فتصبح القسطنطينية تحت حوزة النصارى، أو حلفائهم.
والفتح الأخير لها لن يكون بقتال؛ وإنما بالتكبير، والتهليل تسقط المدينة؛ مكافأة للمسلمين الذين أبلوا بلاء حسنًا لدى قتال الروم في الملحمة الكبرى.
-عن أبي هريرة﵁- في حديثه السابق: " وَيَفْتَتِحُ
[ ٣٥٤ ]
الثّلثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينيَّةَ، فبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُون؛ إِذْ صَاحَ فِيهِم الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهالِيكُمْ؛ فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ " الحديث.
-وعنه﵁- أن رسول اللهﷺ- قال: «سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟» قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا - قَالَ ثَوْرٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ - الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ، إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ، فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ "، (١). اهـ (٢).
_________________
(١) "صحيح مسلم" رقم (٢٩٢٠).
(٢) "المسيح المنتظر ونهاية العالم" ص (٨١، ٨٢).
[ ٣٥٥ ]
وَعْدُ اللهِ -تَعَالى-
لقد سقطت دولة الخلافة، وابتعد أكثر المسلمين عن القرآن رويدًا رويدًا؛ فتناولتهم السبل، ومخروا عُبابَ بحرِ الفُرقةِ اللَّجَب، وابتعدوا عن شاطئ النجاة؛ فاستوت بهم سفينة الحيرة على صخرة الاختلاف، وبلغ بهم الأمر إلى أنهم نبذوا كتاب ربهم وراء ظهورهم، وذابوا في غيرهم؛ حتى صار من بين المسلمين من لا تستطيع أن تميزه من الكافر لا في المظهر فحسب، بل حتى في الصميم من الأخلاق والأفكار والعادات.
وعلى حين غفلة من هذا المارد النائم، لملمت فلول الشرذمة المغضوب عليها قواها المبعثرة، وأعادوا الكرة على الذين نبذوا كتاب ربهم وراء ظهورهم؛ فأذلوهم، وأذاقوهم ألوان الخزي والعار، وانهالت الإمدادات على أمة القردة، والخنازير من أمة الضالين، وعَبَدة الطاغوت؛ فأصبح اليهود أكثر نفيرًا من المسلمين، ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦]، وها هم رعاة الأمة -إلا من رحم الله- قد نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ حاربوا أولياء الله الداعين إلى طريق النجاة،؟ تبرءوا من الإسلام، وتنكروا له، وأرادوا أن يُحَلِّقُوأ في الدنيا بجناح المادة، فخذلهم جناح الإيمان، فكُبكبوا على وجوههم، وتولى الله تأديبهم على يد مَن لا يرقبون فيهم إلًّا ولا ذمة؛ فتراهم متخبطين في كل قطر، أذلة في كل وجه، يسومهم أعداء الله سوء العذاب، ويفرضون عليهم الخزي والعار، ويتخذونهم مطية رخيصة؛ ليصلوا عليها إلى مآربهم التوراتية، والتلمودية، ولكن لن يتم لهم ذلك، ولن يجنوا ثماره بإذن الله؛ لأن الله -﷿- قضى -وهو أحكم الحاكمين-، ووعد -وهو سبحانه الذي
[ ٣٥٦ ]
لا يخلف الميعاد-: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء: ٧، ٨]
أي: إن عدتم للإفساد، والعلو في الأرض؛ عاد الله عليكم بتسليط أعدائكم عليكم؛ كما فعل في الإفساد الأول (١)؛ إذ قال -سبحانه-: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٥]، وفي المرة التالية قال -تعالى-: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) [الإسراء: ٧]؛ حتى تعود فلسطين المسلمة بعد أن يستيقظ المارد النائم ليصب على الأمة الغضبية جام غضب الله عليهم، ويحرر الأقصى الأسير (٢)، ويفتحه خليفة المسلمين من جديد؛ كما فتحه من قبلُ عمرُ الفاروق، وصلاحُ الدين.
ويقتضي هذا كله أن القتال في فلسطين سيعود إسلاميا خالصًا في سبيل الله وحده، لا قوميًّا رغم أنف العالَمانيين (٣) والقوميين وأذنابهم،
_________________
(١) والثاني، بناءً على أن المرتين مضتا، وعليه فالشاهد هنا عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾.
(٢) انظر: "مجموعة الرسائل الكبرى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/ ٥٧، ٥٨).
(٣) "العِلْمانية" ترجمة غير صحيحة لكلمة (Secularism) في الإنكليزية، زيد فيها ألف ونون في الاسم المنسوب على غير القياس، لأن الكلمة بكسر العين توهِم أن لهذا المذهب علاقةَ بالعلم، مع أنه لا صلة له بالعلم من قريب ولا من بعيد، لأن العلم هو (Science) النسبة إليه: عِلميٌ (Scientific). والترجمة الصحيحة لهذه الكلمة هي (الدنيوية) أو (اللادينية) لا بمعنى ما يقابل (الأخروية) فحسب، بل بمعنى أخص، وهو: ما لا صلة له بالدين (Non-Religious)، أو: ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد (Anti-Religious). =
[ ٣٥٧ ]
ولا يقدر على ردع الشيطان اليهودي سوى نور القرآن؛ يحرقه ويبيده، ولن يَهْزِمَ شِرْكَهُمْ إلا توحيدُنا، ولعل تعقيب الآيات بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، فيه إشارة لطيفة إلى أن سلاح العودة إلى بيت المقدس، وقبلتنا الأولى هو كتاب ربِّنا لا غير، ويقتضي هذا -أيضًا- أن قضية فلسطين لن تُحل سلميًّا، ولن ينعم اليهود أبدًا بالسلام الأبدي الذي يحلمون به، وإن استمرت موجات هجرتهم إلى الأرض المقدسة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ٤]؛ فإنهم سيجتمعون لفيفًا فيما يُسَمُّونه أرضَ (الميعاد) من كل حَدَبٍ، وصوبٍ، ومن كل فَج عميقِ يلبون نداء القدر الذي قضى الله به عليهم منذ الأزل، وإن استمر الإمداد المادي من عبَّاد الصليب، وغيرهم؛ فهذا ما أخبر به -﷿- في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦].
والحاصل: أنه لن يهدأ للمغضوب عليهم بَالٌ، ولن يقر لهم قرار -إن شاء الله-؛ لأن الله -﷿- قضى بمنع ذلك، أما الخريطة التي نقشوها على باب (الكنيست) (١)؛ فلن يكون لها وجود إلا في عقولهم
_________________
(١) = وعليه، فإن كان ولابد -فلنقل: (عالَمانية) نسبة إلى هذا العالَم الدنيوي (مع تجاهل أو إنكار العالم الأخروي بفصل الدين عن الحياة)، حتى نفوت على المدلسين والمغرضين محاولتهم تجميل هذا المذهب والترويج له بين المسلمين بإيهام أنه (عِلْمي)، وانظر: "الإسلام والعلمانية وجهًا لوجه" للدكتور القرضاوي ص (٤٨ - ٥٠)، و"العلمانيهَ" للدكتور سفر الحوالي ص (٢١ - ٢٤).
(٢) بل التي يرمز إليها عُمْلَتُهُمْ، وعَلَمُ دولتهم اللقيطة، الذي يحتوي خطين أزرقين أفقيين متوازيين أحدهما يشير إلى النيل، والآخر يشير إلى الفرات، بينهما أرضية تحمل "نجمة داود"، والتي ترمز إلى امتداد سلطان دولتهم من النيل إلى الفرات، والتي يشير تطابق مثلثيها إلى تعانق السلطة الدينية مع السلطة المدنية كما كان شأن الدولة في عهد داود وسليمان ﵉.
[ ٣٥٨ ]
المحنَّطة، وقلوبهم الصلبة القاسية؛ كحجارة (الكنيست) التي نقشوها عليها، أو أشد قسوة.
وعودة الأقصى للمسلمين بالمثابة التي ذكرنا تستلزم قيام خلافة راشدة على منهاج النبوة؛ فقد قال -﵌-: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا ﵎ إِذَا شَاءَ، ثُمَّ تَكُونُ الْخِلَافَةُ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا (أي: وراثيًّا)؛ فَتَكُونُ مُلْكًا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً (أي: قهريًّا)،ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ» (١).
يقول مؤلفا "الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة":
"وأحاديث المهدي الصحيحة تخبر بظهور مصلح في آخر الزمان؛ يحكم بالكتاب والسنة، يملأ الأرض عدلًا بعد ما ملئت جورًا وظلمًا، يبايَع وهو مكره (٢)، يحكم ثماني أو سبع حجج، يكثر المال في زمانه، ويحثوه، ولا
_________________
(١) رواه من حديث النعمان بن بشير -﵄- الإمام أحمد (٢٧٣/ ٤)، والطيالسي رقم (٤٣٨) (٥٨/ ١)، في "مسنديهما"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ١٨٩): (رواه أحمد، والبزار في "مسنده" (٧/ ٢٢٣) رقم (٢٧٩٦) أتم منه، والطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقات)، وقال الحافظ العراقي: "هذا حديث صحيح" كلما نقله عنه الألباني في "الصحيحة" الحديث الرابع ص (٩).
(٢) وردت أحاديث كثيرة بشأن مبايعة المهدي، وهو كاره، لكن لا يصح منها شيء، وانظر: "الفتن" لأبي نعيم (١/ ٣٤١ - ٣٤٤)، و"سنن أبي داود" (١٠٨/ ٤)، "والمسند" للإمام أحمد (٦/ ٣١٦). و"الموسوعة في أحاديث المهدي" ص (١٤٩ - ١٦١) (٣٣٠ - ٣٣٨).
[ ٣٥٩ ]
يعده؛ اسمه محمد بن عبد الله، من أهل بيت رسول الله ﵌، ومن ولد فاطمة -﵂-، وهو إمام عادل تقي، وحاكم منصف، وليكن معلوما لدى الجميع أن الخلافة الراشدة تعود قبل ظهور المهدي؛ وليس كما يعتقد الناس، وتزعم بعض الجماعات الإسلامية؛ مثل جماعة التبليغ أن الخلافة يرجعها المهدي، وهم ينتظرونه؛ فإن هذا ما لا دليل عليه، بل هو وهمٌ، وخرص، وتخمين.
وأخيرًا يقول الأستاذ سعيد حوى -رحمه الله تعالى، وعفا عنا وعنه-: "وبعض المسلمين علقوا فكرة العمل للخلافة على ظهور المهدي، مع أن العمل لإيجاد خليفة للمسلمين فريضة شرعية، فلا يصح أن يُعَلَّقَ العملُ لها حتى يظهرشخص ما" (١).
ثم يقول: "وأغلب الذين ينتظرون خروج المهدي يعتبرونه كائنا بين يدي نزول المسيح ﵇، ويتوقعون -مع هذا- أن ظهوره أصبح قريبًا، مع أن ظواهر النصوص تشير إلى أن بيننا وبين نزول المسيح -﵇- أمدًا، ففلسطين لا تكون وقتذاك مقرًّا لليهود، بل اليهود الذين يأتون إليها وقتذاك يأتون مع المسيح الدجال، وتكون فلسطين وقتذاك مقرًّا للخلافة الراشدة، وهذا يدل على أن دولة اليهود الحالية ستنتهي، وإذَن فمع إيماننا بظهور المهدي بالصفات التي ذكرها رسول الله ﷺ، فلا يصح لنا أن نعلق الفرائض المطلوبة منا شرعًا سواء كانت فروضا عينية أو كفائية على ظهوره، ولكننا ننوي إذا ظهر وعرفناه بصفاته أن نكون من جنده وأنصاره بإذن الله".
_________________
(١) "الأساس في السنة" ص (١٠٢٢).
[ ٣٦٠ ]
المهدي والمسيح -﵇- سيتعاصران
عودة القدس إلى المسلمين قبل المهدي
وذكر الأستاذ سعيد حوى -رحمه الله تعالى- أنه يستفاد من أن المهدي والمسيح -﵇- سيتعاصران: أن خلافة راشدة ستسبقهما، قال:
"وقد نقل كثير من العلماء نصوصًا وسكتوا عنها (١) تفيد أن نزول المسيح في زمن المهدي، وهذا الذي جعل هذا الأمر ينطبع في أذهان كثير من العلماء: أن المهدي مرتبط زمانُه بزمانِ المسيح ﵇، فإن صح (٢) هذا الاتجاه فهذا يفيد أنه سيكون قبل ذلك خلافةٌ على منهاج النبوة تكتسح الأرضَ كلَّها، وستفتح الأمةُ الإسلامية العالم، ولا يبقى بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرِ إلا دخلته كلمةُ الإسلام بعِز عزيزِ وذُلِّ ذليلٍ، ومظهر الذلَّةِ دفعُ الجزية، بينما المسيح -﵇- لا يقبلها" (٣).
فخلاصة ما ورد في المهدي ما تقدم ذكره، ومن الأدلة الدامغة على أن الخلافة ترجع قبل هذا الخليفة الصالح أن المسلمين يسترجعون بيت المقدس من اليهود؛ كما سبق ذكره، وتبيانه، بينما المهدي يكون عند ظهوره في بيت المقدس (٤)؛ أي أن بيت المقدس يكون في أيدي المسلمين، وبيت المقدس الآن يرزح تحت قهر الاحتلال الصِّهْيَوْنِي
_________________
(١) بل صححها جمع من العلماء كما في كتابي "المهدي" ص (٣٨ - ٤٠).
(٢) وقد صح كما أسلفنا، وذهب إليه جمع من العلماء، كما في "المهدي" ص (٥١ - ٥٦).
(٣) "الأساس في السنة" ص (١٠٢٢).
(٤) ولعل هذا مأخوذ من قوله -ﷺ- في حديث أبي أمامة الطويل في الدجال: "وكلهم -أي: المسلمون- ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلي بهم، إذ نزل عيسى" الحديث، انظر: "فتح الباري" (٦/ ٤٩٣)، واعلم أنه لا يوجد نص صريح يجزم بتحديد مكانِ أولِ ظهورِ للمهدي، البعض يرى أنه سيظهر في الشام بناء على الحديث الآنف الذكر، وكذا حديث -أبي هريرة﵁- =
[ ٣٦١ ]
لا بد من قيام الخلافة قبل المهدي
اليهودي البغيض، فلا بد من قيام الخلافة قبل المهدي؛ لأنها هي السبيل الوحيد لاسترجاع مجد الإسلام التليد" (١). اهـ.
_________________
(١) = مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة" الحديث، وفيه: "فإذا جاءوا الشام خرج -أي: الدجال- فبينما هم يُعِدُّون للقتال، يُسَوُّون الصفوف؛ إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم "الحديث رواه مسلم (١٨/ ٢١، ٢٢ - نووي). ويرى البعض أنه يخرج من المشرق، واستدلوا: - بما يُروى عن ابن مسعود -﵁- مرفوعا: "إذا أقبلت الرايات السود من خراسان؛ فأتُوها، فإن فيها خليفةَ اللهِ المهدي" وهو ضعيف كما في "المهدي المنتظر" للبستوي ص (١٥٨ - ١٦٢). - وبما يُروى عن ثوبان -﵁- مرفوعا: "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قِبَلِ المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يُقْتَله قوم، ثم ذكر شيئا لا أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه، فبايعوه، ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي" قال الألباني: "منكر"، "السلسلة الضغيفة" رقم (٨٥)، وإن صح؛ فإنه لا يحدد مكان خروج المهدي، وليس فيه ربط بين المهدي وبين أصحاب الرايات السود. ويرى البعض أن أول ظهوره يكون في مكة والمدينة، قال القاري في "شرح الفقه الأكبر": "ترتيب القضية أن المهدي -﵇- يظهر أولا في الحرمين الشريفين، ثم يأتي بيت المقدس، فيأتي الدجال، ويحصره في ذلك الحال، فينزل عيسى -﵇- من المنارة الشرقية في دمشق الشام، ويجيء إلى قتال الدجال، فيقتله بضربة في الحال ، فيجتمع عيسى -﵇- بالمهدي -﵁- وقد أقيمت الصلاة ، ويقتدي به ليظهر متابعته لنبينا ﵌". اهـ. ملخصا ص (١١٢). وأغرب بعضهم، فادعى خروجه من المغرب، وأشار القرطبي إلى ضعفه، كما في "التذكرة" ص (٧٢٣ - ٧٢٥).
(٢) بتصرف من: "الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة" ص (٤١ - ٥٨) لمؤلِّفَيْهِ: سليم الهلالي، وزياد الدبيح.
[ ٣٦٢ ]
هذا حاصل اجتهاد هذا الفريق، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه -﷿- أسلم وأحكم.
وهذا آخر ما قصدت جمعه في هذا الباب، تذكرةً لأولي الألباب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله، وسلَّم، وبارك على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[ ٣٦٣ ]