ضوابط التعامل مع نصوص الفتن وأشراط الساعة
[ ٢٥١ ]
فارغ
[ ٢٥٢ ]
أهمية المنهجية في البحث العلمي
ضوابط التعامل مع نصوص الفتن
وأشراط الساعة
"المنهجية" شرط لقيام العلم على ساقه، ومعناها أن تكون هناك طريقة صحيحة يلتئم تحتها شتات الوقائع والمفردات المبعثرة هنا وهناك؛ بغية تفسير ما بينها من روابط أو علاقات تنظمها قوانين محددة. و"المنهجية" تحفظ للعلم نظامه واتساقه، وتضبط العقل البشري، والوظائف الذهنية بقواعد ثابتة تعينه على الوصول إلى الحقيقة، وفهمها على ما هي عليه.
إن "المنهج" السلفي قد امتاز بخصائص فائقة، أهمها: وحدة مصدر التلقي وهو مشكاة النبوة، لا غير، ثم إنه منهج توقيفي يقوم على التسليم لنصوص الوحيين الشريفين دون منازعتها بما يخالفها، بل يقف حيث تقف النصوص، بجانب أنه لا يهدر وظيفة العقل، بل يضعه موضعه اللائق به.
وفي هذا الفصل محاولة لاستخراج ضوابط كلية تضبط تعاملنا مع نصوص الكتاب والسُّنَّة الصحيحة الواردة في الفتن وأشراط الساعة عسى أن تبصرنا بالطريق الأمثل لفهمها أو تطبيقها في الواقع دون إفراط ولا تفريط.
[ ٢٥٣ ]
الضَّابِطُ الأول: لاَ يُسْتَنْكَرُ تَوَقعُ حُصُولِ شَيْءٍ
مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ بشُرُوط
إن ترقُّبَ حصول أشراط الساعة التي تقع بإرادة الله -﷿- الكونية القدرية ليس بدعة ولا خطأ؛ خاصَّةً إذا تعاقبت الإرهاصات، والمقدمات التي جاءت بها الأخبار؛ ودليل ذلك أن الصحابة -﵃- لما سمعوا رسولَ الله -ﷺ- يُحَدّثُهُمْ عن الدَجال فَخَفَّضَ فيه ورفَّع؛ ظنوا أنه في طائفة النخل (١)، وشَكُوا في ابن صيَّادٍ أنه المسيحُ الدجال، بل منهم من أقسم لرسول الله -صلى الله عليه واله وسلم- على ذلك؛ كما في الأحاديث الصحيحة عن عمر وجابر -﵄- ورسول الله -ﷺ- لمِ ينكر على عُمَرَ، بل قال -ﷺ-: "إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فيكم؛ فَأنَا حَجِيجُه دُونَكُم"، وكذلك شَكَّت فيه حفصة وابن عمر، وغيرهما من الصحابة -﵃- (٢).
ويُرْوَى عن أبي ذز الغِفاري -﵁-، قال: "ما تؤيسني رقة عظمي، ولا بياض شعري أن ألقى عيسى ابن مريم " (٣).
ولا يزال العلماء في كل عصر ومَصرٍ يتكلمون بذلك، ويتوقعون قربَ حصولِ بعضِ الأشراط، قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: "كل ما وقع في حديث معاوية هذا فقد شاهدناه بتلك البلاد، وعاينَّا معظمَه إلا خروج المهدي" (٤). اهـ
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٩٣٧)، وأبو داود رقم (٤٣٢١)، (٤٣٢٢)، والترمذي رقم (٢٢٤١).
(٢) انظر "جامع الأصول" (١٠/ ٣٦٢ - ٣٧٥).
(٣) "طبقات ابن سعد" (٢٣/ ٤).
(٤) "التذكرة" ص (٧٢٥).
[ ٢٥٤ ]
فأولها: أن تبقى هذه الأشراط في دائرة التوقع المظنون
وثانيها: أن يراعى الترتيب الزمني لتسلسل الأشراط؛
وقال محمد صديق حسن خان -رحمه الله تعالى-: " وهذه الجملة من الأشراط موجودة تحت أديم السماء؛ وهي في التزايد يومًا فيومًا، وقد كادت أن تبلغ الغاية، أو قد بلغت، ولم يبقَ إلا الأشراط الكبرى التي أوَّلُها ظهورُ المهديِّ ﵇ " (١).
ولا شك أننا الآن أقرب إلى هذه العلامة من أي وقتٍ مضى.
أَمَّا شُرُوطُ هَذَا الضَّابِطِ:
فَأَوَّلُهَا: أن تبقى هذه الأشراط في دائرة التوقع المظنون دون أن نتكلف إيجادها بإجراءاتٍ من عند أنفسنا؛ لأنها أمور كونية قدرية واقعة لا محالة، ولم نخاطَب باستخراجها من عالَم الغيب إلى عالم الشهادة.
وَثَانيهَا: أن يُراعَى الترتيبُ الزمني لتسلسل الأشراط؛ طبقًا لما دلت عليه نصوص الوحي الشريف، وعدم القطع بزمان أو ترتيب ما لا دليل على زمنه وترتيبه إلا الظن والتخمين (٢).
_________________
(١) "الإذاعة" ص (١١٠، ١١١).
(٢) فمن أشراط الساعة ما قطعت النصوص بتعيين ترتيبها؟ مثل: الدجال، يليه نزول المسيح، يليه يأجوج ومأجوج. ومثل قوله -ﷺ-: "عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال "، رواه أبو داود رقم (٤٢٩٤)، وحسَّنه الألباني في "صحيح إبي داود" رقم (٣٦٠٩). ومنها: مقدمات إجمالية ذُكِرَتْ دون تعيين ترتيبها بالنسبة لما يتوقع من الأشراط؟ كانحسار الفرات عن جبل من ذهب، وعودة أرض العرب مروجا وأنهارا، ونحو ذلك. =
[ ٢٥٥ ]
سر الإختلاف في عدد وترتيب أشراط الساعة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فَائِدَة: أَشْرَاطُ الساعَةِ قِسْمَانِ: صغرى تُوذِنُ بقرب الساعة، وكبرى تُؤْذِنُ بوقوع الساعة. وقد اختلف العلماء في عددها وترتيبها، واختلافهم في العدد يعود إلى سببين: الأوَّل: اختلافهم في صحة سند الحديث؟ فمَن تساهل، زاد في عددها، ومن تشدد ودقق، وجدها أقل. والثَّانِي: اختلافهم في تصنيف بعض الأشراط بين الصغرى والكبرى، فظهور المهدي -مثلاَ- عدَّه بعضهم من الصغرى، ورآه آخرون من الكبرى؛ كما ذهب قوم إلى أن طلوع الشمس من مغربها أول الأمارات الكبرى، ورأى آخرون أن أولها الدجال. وكثيرَا ما يحدث لدى الكلام عن الساعة وأشراطها، وعما يكون بعدها؛ أن يطويَ بعضُ الرواة بعضَ المشاهد، أو يَفهم بعضُهم عمن حدَّثه فَهمًا خاصُّا، فيصوغه بعبارته؛ فيحدث لبس أو وهم. أما اختلافهم في تسلسل وقوع بعضها -أحيانًا- فسببه عدم وجود نص صريح يبين ترتيبها حسب وقوعها، ولا سيما الكبرى، وقد جاء ذكرها في الأحاديث مجتمعة بدون ترتيب غالبًا، فقد عطفت بالواو، أو ب "أو"؟ وكلاهما لا يفيد الترتيب، بل إن الحديث الواحد ليختلف ترتيبه بين رواية ورواية؟ فحديث حذيفة بنِ أسِيد الغفاري﵁ - وفيه قوله -ﷺ-: "إنها -أي: الساعة- لن تقوم حتى تروْنَ قبلها عَشْرَ آياتٍ، فذكر الدخانَ، والدجالَ، والدابة" الحديث رواه مسلم عنه بلفظين مختلفين في الترتيب، رقم (٢٩٠١) (٢٢٢٥/ ٤)، وكذلك حديث أبي هريرة -﵁- "بادروا بالأعمال ستَّا" الحديث رواه مسلم (٢٩٤٧) (٢٢٦٧/ ٤)، وإحدى الروايتين بالواو، والأخرى ب "أو"، وهما لا يدلان على الترتيب، إلا أن تسلسل بعضها يقيني؟ فقد ذكرَتْ بعضُ الروايات الأشراطَ مرتبةً حسب وقوعها؟ كما في حديث النواس بن سمعان -﵁- رواه مسلم رقم (٢٩٣٧)، (٤/ ٢٢٥٠)، ومن ناحية أخرى فإن بعض الروايات ذكرت أن أول الآيات كذا، وبعضها ذكر أن أول الآيات غير ذلك، وقد حاول العلماء الجمع والتوفيق بين الروايات؟ بأن الأولية بينها نسبية، أو من ناحية مخصوصة؛ ففي حديث عبد الله بن عمرو -﵄-: "إن أول الآيات خروجًا طلوع =
[ ٢٥٦ ]
تنبيه: اعلم -رحمك الله تعالى- أن كون الشيء من أشراط الساعة لا يستلزم الحكم عليه بحكم تكليفي؛
تنبيه:
اعلم -رحمك الله تعالى- أن كون الشيء من أشراط الساعة لا يستلزم الحكم عليه بحكم تكليفي؛ فإن أشراط الساعة تشتمل على:
المحرم، والواجب، والمباح، والخير، والشر،
فالحكم التكليفي يؤخذ من دليل آخر؛ لأن النصوص الواردة في الفتن وأشراط الساعة قد تخبر بأمور واقعة لا محالة كونًا وقدرًا، لكنها محظورة شرعًا؛ كسفر المرأة بغير محرم -مثلًا- ممنوع شرعا، لكنه واقع قدرًا، كما في الحديث: "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ (١) تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، - قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلاَدَ؟ " الحديث (٢).
_________________
(١) = الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى" الحديث؟ أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وهي مخالفة للعادات المستقرة، فطلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية، وخروج الدابة أول الآيات الأرضية، وهما العلامة الأولى لتغيير أحوال الكون، وقرب قيام الساعة. وأكثر الخلاف إنما هو في الأشراط الكبرى، أما الصغرى؟ فأكثرها يُعرف ترتيبه من خلال حدوث بعضها إثر بعض. وانظر: "المسيح المنتظر ونهاية العالم" ص (٨، ٩).
(٢) الظعينة -هنا-: المرأة، انظر "النهاية" (٣/ ١٥٧).
(٣) رواه البخاري (٦/ ٤٥٠ - فتح)، والإمام أحمد (٤/ ٢٥٧).
[ ٢٥٧ ]
وعليه فلا يصح الاستدلال بمثل هذا النص على إباحة سفر المرأة بدون محرم، الذي دلت الأحاديث الصحيحة على تحريمه.
وَثَالِثُهَا: أن لا يُؤَثِّرَ هذا الترقبُ سلبًا على أداء واجب الوقت، وتكاليف الشرع.
والدليل على ذلك أن صحابة رسول الله -﵌، ورضي الله عنهم أجمعين -، قد صدَّقوا بهذه الأشراط، وكانوا أول المؤمنين بها، ولم يهدروا التكاليف الشرعية كالدعوة، وطلب العلم، والجهاد انتظارًا لوقوعها؛ بل كان تصديقهم بها أكبر حافز لهم على التنافس في القربات، والاجتهاد في الطاعات؛ امتثالًا منهم لأمر نبيهم - ﵌-: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ " (١).
ونزل بين ظهرانيهم قولُ الله -﷿-: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، وقوله سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ١]، وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله -﷿-: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الآية [الشورى: ١٧، ١٨].
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة -﵁- مسلم، رقم (٢٩٤٧) في الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال، وفي بعض الروايات: "خُويْصة" تصغير خاصة الإنسان، وهي ما يخصه دون غيره، وأراد به الموت؛ الذي يخصه، ويمنعه من العمل، إن لم يبادر به قبله؛ كما في "جامع الأصول" (١٠/ ٤١٢).
[ ٢٥٨ ]
وقوله ﷿: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣] (١)، وقد أثنى الله -﷿- على الصحابة﵃-، وامتدح من اتَّبَعَهُمْ بإحسانٍ؛ فمن خالف هديهم؛ فقد ضَلَّ ضلالًا بعيدًا، واتَّبع غير سبيل المؤمنين (٢).
فَائِدَة
عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: «هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ» (٣).
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "يُشْكِل هذا الحديث مِن حيث إن للساعة مقدماتٍ كثيرةً لم تكن وقعت؛ كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج، ثم الأشراط؛ كطلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدجال، والدخان، وغير ذلك.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا:
-باحتمال أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبي -ﷺ- بهذه العلامات.
-أو لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات.
_________________
(١) ولا يَستبعدُ وقوعَ الساعة، واقترابَ أشراطِها إلا الغارقون في الشهوات؛ فمِن ثَمَّ جاءت هذه الآياتُ واعظة لهم ومخوفة.
(٢) وانظر تفصيل هذا الشرط الثالث ص (٢٩٧ - ٣٠٥).
(٣) رواه البخاري (٢/ ٥٤٥).
[ ٢٥٩ ]
- أو أن الراويَ ظن أن الخشية لذلك، وكانت لغيره؛ كعقوبة تحدث؛ كما كان يخشى عند هبوب الريح (١)؛ هذا حاصل ما ذكره النووي تبعًا لغيره، وزاد بعضهم:
- أن المراد بالساعة غير يوم القيامة؛ أي: الساعة التي جُعلت علامة على أمرٍ من الأمور؛ كموته -ﷺ- أو غير ذلك"، ثم طفق الحافظ -رحمه الله تعالى- يُعَلِّقُ على هذه الأقوال، فقال: "وفي الأول نظر؛ لأن قصة الكسوف متأخرة جدًّا؛ فقد تقدم أن موت إبراهيم كان في العاشرة؛ كما اتَّفَقَ عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبي -ﷺ- بكثير من الأشراط، والحوادث قبل ذلك.
- وأما الثَّالِثُ؛ فتحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف.
- وأما الرابع، فلا يخفى بُعْدُه.
_________________
(١) وفي حديث عائشة -﵂- قالت: وكان -ﷺ- إذا رأى غيمًا -أو ريحًا- عُرِف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفتُ في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا" رواه البخا ري (٨/ ٤٤١) ومسلم (٢/ ١٦) ص (٦١٦). وعنها -﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا عصفت الريح، قال: "اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به"، قالت: وإذا تخيَّلت السماء تغيَّر لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرِّي عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسألته، فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ " أخرجه مسلم (٢/ ١٥/ ص ٦١٦)، تخيلت السماء: تغيَّمت، وتهيأت للمطر.
[ ٢٦٠ ]
- وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط؛ كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
- وقيل: لعله قدَّر وقوع الممكن، لولا ما أعلمه الله تعالى بأنه لا يقع قبل الأشراط؛ تعظيمًا منه لأمر الكسوف؛ ليتبين لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى ويفزع، لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط، أو أكثرها.
- وقيل: لعل حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط لم يتقدم ذكره؛ فيقع المخوف بغير أشراطٍ؛ لفقد الشرط، والله ﷾ أعلم" (١). اهـ. كلامه رحمه الله تعالى.
وعن جابر -﵁- قال: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ جَاءَتِ السَّاعَةُ، قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ، حَتَّى لَا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا - وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّأْمِ - فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، قُلْتُ: الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ،" الحديث (٢).
فتأمل كيف أنكر ابن مسعود -﵁- غلُوَّه في توقع قيام الساعة إلى حدِّ الْقَطْعِ بأنها "جاءت" بالفعل، دون اعتبار لما قبلها من الأشراط.
_________________
(١) "فتح الباري" (٢/ ٥٤٦).
(٢) رواه مسلم في "صحيحه"، (١٨/ ٢٣، ٢٤ - نووي).
[ ٢٦١ ]
الضَّابِطُ الثَّانِي: الانْتِبَاهُ إِلىَ النِّسْبِيَّةِ الزَّمَانيَّةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى اقْتِرَاب السَّاعَةِ
إن ما ورد في نصوص الوحيين من قرب قيام الساعة، وظهور أماراتها لا يعني أنها على الأبواب؛ فإن القرب والبعد كلاهما أمر نسبي، ومن يدري لعل بيننا وبينها آلافًا من السنين لا يعلمها إلا الله، ولعلها أقرب مما نتصور؟! قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧]، وقال﷿-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وفي معناهما قوله تعالى في سياق الرد على منكري البعث والإعادة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾ [الإسراء: ٥١]، وفي التعبير عن قربه ب "لعل"، و"عسى" ما يناسب عدم إطلاع اللهِ رسولَه -ﷺ- على وقته، ولا شك أن قرب ذلك اليوم الذي مقداره من مبدئه إلى غايته خمسون ألف سنة مناسب له، ولما تقدم من عمر الدنيا، وبقي منه؛ فالقرب والبعد من الأمور النسبية، والمراد: قربها بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا، ولا يعلمه إلا الله تعالى (١).
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [القتال: ١٨]، وعن سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا، بِالوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ «بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» (٢).
_________________
(١) انظر: "تفسير المنار" (٩/ ٣٩٣).
(٢) رواه البخاري (٦٥٠٣)، (١١/ ٣٤٧ - فتح)، ومسلم (٢٩٥٠)، والمعنى: أننا لو قدرنا عمر الزمن بالأصبع الوسطى؛ فإن ما بقي منه عند مبعث رسول الله =
[ ٢٦٢ ]
وعن أنس بن مالك -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: "بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ؛ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى، وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى" (١).
إن بعثة رسول الله - ﷺ- من أشراط الساعة، وكذلك موته -ﷺ-، فقد قال -ﷺ- لعوف بن مالك -﵁-: "اُعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ: مَوْتي" (٢) الحديث.
وقال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]، وقد تواترت الأحاديث بوقوع انشقاق القمر (٣)، وعن خالد بن عمير -﵁-، قال: خطبنا رسولُ الله -ﷺ-؛ فحمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ (٤)،
_________________
(١) = -ﷺ- يكون بمقدار ما تزيد الوسطى عن السبابة، وما مضى منه بمقدار السبابة من الأصبع الوسطى، قد يكون الباقي في حسَّ البشر طويلا؛ لأن إدراكهم محدود، ولكنه في ميزان الله سبحانه قريب وقصير؛ قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقال -﷿-: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
(٢) رواه البخاري (٦٥٠٤)، (١١/ ٣٤٧ - فتح)، ومسلم، (٢٩٥١)، والترمذي (٢٢١٤، ٢٢١٥).
(٣) رواه البخاري (٣١٧٦)، (٦/ ٢٧٧).
(٤) انظر: "شرح النووي" (١٧/ ١٤٣)، "تفسير القرآن العظيم" (٤٧٧/ ٧) ط. دار الحديث- القاهرة- ١٤٢٣ هـ.
(٥) صَرْم: انقطاع وانقضاء وذَهاب. حَذَّاء: خفيفة سريعة. الصُّبابة: البقية اليسيرة من الشراب، تبقى في أسفل الإناء.
[ ٢٦٣ ]
وَوَلَّتْ حَذاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ؛ كَصِّبَابَةِ الإِناَءِ؛ يَتَصَابُّهَا صَاحِبهَا" الحديث (١)، فإذا كان رسول الله -ﷺ- قد قال هذا قبل أكثر من أربعةَ عشرَ قرنًا؛ فهمنا من هذه النصوص وغيرها أن قرب الساعة قُرْبٌ نِسْبِي؛ أي: هي قريبة بالنسبة إلى عُمر الدنيا كلها، وقد رَوَى المطلب بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر -﵄- أنه كلان واقفًا بعرفات، فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل التُّرْس للغروب، فبكَى واشتد بكاؤه، فقال له رجلٌ عنده: يا أبا عبدِ الرحمن، قد وقفتَ معي مرارًا لم تصنع هذا، فقال: ذكرت رسول الله -ﷺ-، وهو واقفٌ بمكاني هذا، فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ" (٢).
وقال الله -تعالى- في شأن الساعة: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٧٨].
وهذا يُفَسرُة قولُ رسول الله -ﷺ- في اقتراب الساعة، وقرب وقوعها: إِنَّهَا "كَالحَامِلِ الْمُتِمِّ الَّتي لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَوُهُمْ بِوِلَادِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا" (٣).
"والقول الجامع للآية، والحديث: إن الثِّقَلَ هو الاقتراب بصورةٍ ثابتةٍ للحق على الرغم من تغير مراحل هذا الاقتراب؛ تمامًا مثل الجنين الذي
_________________
(١) رواه الإمام أحمد رقم (١٧٥٧٥) (٢٩/ ١١٤)، ومسلم رقم (٢٩٦٧) (١٤).
(٢) رواه الإمام أحمد، (٦١٧٣)، (٩/ ٢٧)، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح".
(٣) عَجُز حديثٍ رواه الإمام أحمد (٣٥٥٦)، (٥/ ١٨٩)، وقال الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح".
[ ٢٦٤ ]
يَتَغَيَّرُ كل يوم من حالٍ إلى حال، ولكنه مُتَّجِهٌ نحو الولادة؛ فلا يخرج التغير اليومي على التوجه للولادة، وكما لا تنفصل الولادة عن لحظة الجماع الأولى؛ لا تنفصل الساعة عن بدء الخلق" (١).
كل ما هو آتِ قريب
والبعيد: ما ليس بآتِ
قال العلَّامة محمد بن إسماعيل الصنعاني -رحمه الله تعالى-:
"والإخبار عن قربها -أي: الساعة- من مبعثه ﷺ يحتمل أنه إخبار عن قربها عند الله تعالى، وإن كانت بعيدة في المدة، ردَّا لقول المشركين بأنه لا قيام لها، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٦، ٧]، فإنه أخرج عبد بن حميد عن الأعمش: "يرونه بعيدًا، قال: الساعة".
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ قال: "تكذيبهم"، ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ قال: "صدقًا كائنًا".
ويحتمل أن المراد قربُ أشراطها من بعثته ﷺ" (٢). اهـ
ثم ذكر بعض ما وقع من الأشراط، وبيَّن أن المراد من قوله -ﷺ-: "بُعثت أنا والساعة كهاتين" أي: "أنا وأشراط
_________________
(١) "علامات الساعة" ص (٢٩).
(٢) "رسالة شريفة" ص (٥٣).
[ ٢٦٥ ]
الساعة"، وقال: "وتقدير المضاف للقرائن ثابت لغة كتابًا وسُنَّةً لا نكير فيه" إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "ثم إنه يدل لتقدير المضاف أمر آخر، وهو أنه قد مضى بعد وفاته -ﷺ- قريب من اثنتي عشرة مائة، ولم تقم الساعة، فلا قرب لقيامها ببعثته بل بأشراطها، والله أعلم" (١). اهـ.
إن القرون -التي يستطيلها الإنسان الذي خُلق مِن عَجَل- ما هي في عمر الدنيا إلَّا لحظات، وقيام الساعة قريبٌ في علم الله تعالى، وتقديره، وإن كانت المقاييس البشرية -لو اطلعت عليه- تراه بعيدا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٦، ٧]؛ فكل ما هو آتٍ قريب، والبعيد ما ليس بآت (٢)، وإن عامة نصوص الوحيين التي تدل على اقتراب الساعة، وأشراطها الكبرى - يجب أن تُفْهَمَ في ضوء هذه "النسبية" بين ما مضى من عمر الدنيا، وبين ما بقي منه؛ وَلَمَّا كنا لا ندري كم عمر الدنيا؛ صِرْنَا لا نستطيع الجزمَ بموعد انتهائه؛ لكننا نستطيع فقط أن نستنتج من تلك النصوص أن ما بقي بالنسبة إلى ما مضى شيء يسير، لكن -لا يَعْلَمُ مقدارَ ما مضى، وما بقي إلَّا علَّامُ الغيوب، الذي وسع كل شيء علمًا﷾-.
_________________
(١) "نفسه" ص (٥٥،٥٤).
(٢) ولو أنك أجَّلتَ مَن استدان منك أجلًا طويلًا- كأن تؤجله خمسين سنة مثلًا- فعند انقضاء خمس وأربعين سنة، تقول: إن موعد السداد قد اقترب؛ أي: بالنسبة لما مضى من الموعد المضروب.
[ ٢٦٦ ]
وقد كَثُرَ ضرب الأمثال لهذه "النسبية" في الأحاديث النبوية الشريفة؛ ومن المعلوم أن الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي تَرِدُ لضرب الأمثال؛ كما قال إمام الحرمين -رحمه الله تعالى- (١).
قال الأستاذ سعيد حوى -رحمه الله تعالى- في معرض حديثه عن علامات الساعة: "وبعض الناس تَغْلِبُ عليهم أغلاط في فَهْمِ بعض هذه العلامات، أو في تقدير وقتها؛ إذ إن:
- منها ما يكون قرب الساعة بقليل جدًا قبل المسيح بسنوات أو معه، ومنها ما يكون قبل ذلك بكثير جدَّا؛ فيغلطون بالجمع بينهما.
- ومنها ما لا تدل عليه المقدمات الحاضرة، فيغلطون في تأويلها.
- ومنها ما جعلهم عصرنا الحاضر، ومخترعاته يفهمونها فَهْمَا عاديا وهي خوارق.
- ومنها ما هو دليلٌ على الخيرية يظنونه مذمومًا.
فمثلًا: يَظُنُّ الناس أن الدين إلى انحسارٍ حتى خروج المهدي، مع أن المهدي قبل عيسى بقليل، وقبل ذلك يعم الإسلام العالم، وتفتح روما (٢)،
_________________
(١) نقله عنه المناوي في "الفيض" (٥٦٦/ ٢).
(٢) يشير إلى ما رواه الإمام أحمد (٢/ ١٧٦)، والدرامي (١/ ١٢٦)، والحاكم (٣/ ٤٢٢)، (٥٠٨/ ٤)، وصححه، ووافقه الذهبي عن أبي قبيل، قال: "كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وسئل: "أي المدينتين تفتح أوَلَا: القسطنطينية أو رومية؟ "، فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق، قال: فأخرج منه كتابَا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله -﵌- نكتب؛ إذ سُئِلَ رسول الله -﵌-: "أي المدينتين تُفتح أولًا: أقسطنطينية أو رومية؟ "، فقال رسول الله -ﷺ-: "مَدِينَة هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا"؛ يعني "قسطنطينية". و"رومية": هي "روما" عا صمة إيطاليا، و"قسطنطينية" هي "بيزنطة" و"إسطنبول". والحديث صححه الألبإني في "الصحيحة" رقم (٤).
[ ٢٦٧ ]
الفتح الثاني للقسطنطينية
والقسطنطينية اليوم مسلمة، وكانت كافرة، ففتحت (١)، وقد أخبر الرسول -﵌- بالفتح الأول، ولكن يبدو أن القسطنطينية سترجع كافرةً مَرَةً ثانية (٢)، وتفتح من جديد (٣)، وفتحها الثاني يكون قُبيل المسيح بقليل، والناس لا يفرقون بين فتحَيْها الأول والثاني.
_________________
(١) وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي -﵌- بالفتح؛ أي في سنة (٨٥٧هـ)، (١٤٥٣م)، على يد السلطان محمد الفاتح العثماني -رحمه الله تعالى-.
(٢) قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله تعالى-: "وورد أن من أشراط الساعة فتحَ القسطنطينية، وهو في الصحاح، قال شيخ شيوخنا العلَّامة الشيخ محمود نشابة: (معناه: أن العرب يفتحونها من أشقياء الترك)، ولم يكن الشيخ من أهل السياسة، ولا كان في زمنه شيءٌ من التعادي بينهم وبين العرب، دع ما فعلته الحكومة التركية في هذا الزمان، من ترك شريعة الإسلام، وكان مسلمو الترك يحملون الأحاديث على فتح السلطان محمد لها، ولكنها صريحة في أن فتحها يتلوه في عهده ظهور الدجال". اهـ. من "تفسير المنار" (٩/ ٤٠٦). وقال العلَّامة أحمد شاكر -رحمه الله تعالى-: "فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد، يعلمه الله -﷿- وهو الفتح الصحيح لها؛ حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا؛ فإنه كان تمهيدًا للفتح الأعظم، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدَت الكفارَ أعداءَ الإسلام، وحُكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها -إن شاء الله- كما بشر به رسول الله -ﷺ-". اهـ. من حاشية "عمدة التفسير" (٢٥٦/ ٢)
(٣) كأن الشيخ -رحمه الله تعالى- يقصد الإشارة إلي، ما ورد في صحيح مسلم؛ من حديث أبي هريرة -﵁- (١٨/ ٢١، ٢٢ - نووي)، وفيه التصريح بفتح "القسطنطينية" من جديد، وقد يكون قد قصد -﵀ ثعالى- الإشارة إلى حديثه -﵁- الذي قد رواه مسلم أيضًا (٢٩٢٠)، عنه قال رسول الله -ﷺ-: =
[ ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "سَمِعْتُمْ بِمَدِينَة؛ جَانِبْ مِنْهَا في البرِّ، وَجَانِب مِنْهَا في الْبَحْرِ؟ "، قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَني إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلم يَرْمُوا بِسَهْم، قَالُوا: لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا"، الحديث، وعلق الأستاذ عادل زكي على هذا الحديث، فقال: "ومعنى ذلك: أن هذه المدينة -وهي القسطنطينية على الأرجح- ستفتح رعبَا، والنصر بالرعب مما أكرم الله تعالى به نبي هذه الأمة، ففي الحديث: "نُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر" متفق عليه، وإلقاء الرعب في قلوب أعداء المسلمين مما يكرم الله تعالى به هذه الأمة، فالله تعالى يقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] ". اهـ. وقال -وفقه الله تعالى-: (المعروف أن القسطنطينية أو استانبول حاليا ترتبط بالبحرين الأسود ومرمرة، وتطل في الوقت نفسه على البحر المتوسط، كما أن خليج البوسفور يقسمها إلى قسمين أوروبي وآسيوي، والوصف الموجود في الحديث للمدينة قد ينطبق على غير القسطنطينية، بل إنه قد يكون أشد انطباقا على مدن أخرى، فالوصف الذي وصفه القزويني لروما قديمًا كما لو كان مصمَّمًا ليدل على الوصف الموجود في الحديث .. فهو يقول في "آثار البلاد وأخبار العباد" ص (٥٩١): "روما هي مدينة لها ثلاثة جوانب في البحر والرابع في البرد" وأستطيع أن أفهم أن القزويني ربما عني بروما إيطاليا كلها الآن فهي على هذه الصفة، وربما كانت روما قديمًا على البحر بهذه الصفة وذلك لأنها الآن ليست على البحر، وربما عني مدينة البندقية الإيطالية التي ينتقل الناس بين شوارعها بالقوارب). اهـ. من "المهدي: دولة الإسلام القادمة" ص (١٧٢، ١٧٣). وقال الدكتور عمر الأشقر -حفظه الله تعالى-: "ذهب العلماء إلى أن هذه المدينة هي (القسطنطينية)، وإن لم يسمها رسول الله -ﷺ- وقد خطر ببالي أن هذه المدينة قد تكون "البندقية" في إيطاليا؛ فإن جزءًا كبيرا من بيوتها مبنيٌّ في داخل البحر، وجزء في البر، وقد نظرت إلى المدينتين خلال زيارتي لكل واحدةٍ منهما؛ فرأيت "البندقية" أقربَ إلى المراد بالحديث، والله أعلم". اهـ. من "القيامة الصغرى" ص (٢٣٠)، وعلي أي حال فلا يمكن الجزم في مثل هذا، والعلم عند الله تعالى.
[ ٢٦٩ ]
والظاهر كما أن مدنيات قديمة كثيرة قد اندرست على مر العصور؛ فإن مدنيتنا الحاضرة لن تستمر؛ إذ إن النصُوص الكثيرة تفيد أن الناس قبل قيام الساعة لن يكونوا على شيء من العلم (١)، وهذا يؤكد أن بيننا، وبين القيامة شيئا من الفترة الزمنية الله أعلم به، ولكن أشراطًا كثيرة وردت في السنة الثابتة لم تقع، ويبدو أن وقوعها يحتاج إلى زمان طويل، والمسألة -بعد ذلك كله- هكذا:
- ما ورد من علامات الساعة؛ إن كان وقع، فهو معجزة، وقد رأينا نماذجه في النبوءات.
- وما ورد من علاماتها مما لم يقع؛ فالإيمان به واجب، والله أعلم بزمانه، وظروفه، وكيفية وقوعه.
- ولن تقوم الساعة حتى تستنفد علاماتها، وأشراطها التي وردت في الكتاب، والسُّنَّة. وشيء ننبه إليه هو: أن لا يدفعنا واقع عصرنا إلى تأويل شيء من علامات الساعة التي لم تقع؛ لأن واقع عصرنا، وما فيه قد ينتهي بحرب ذرية تعود الإنسانية فيها إلى بدايتها الأولى، ولا يبقى فيها إلَّا الجاهلون" (٢). اهـ.
_________________
(١) انظر: "القيامة الصغرى" للدكتور/ عمر الأشقر -حفظه الله تعالى- (ص ٢٧٤، ٢٧٥).
(٢) "الإسلام" (٤/ ٨٥).
[ ٢٧٠ ]
الضَّابِطُ الثَّالث: لا يمكِنُ إِسْقَاطُ النُّصُوصِ الَّتي يَطْرُقُهَا
الِاحْتِمَالُ عَلَى وَاقع مُعَيَّن إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا وَاَنْقِضَائِهَا
إن تنزيل النصوص الشرعية المتعلقة بالفتن والملاحم على ما يقع من النوازل مع القطع بذلك دون شك ولا تردد؛ من الرجم بالغيب، ومن القول على الله بغير علم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وعن جُنْدَب -﵁- قال: جِئْتُ يَوْمَ الْجَرَعَةِ (١)، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقُلْتُ: لَيُهْرَاقَنَّ الْيَوْمَ هَاهُنَا دِمَاءٌ، فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ: «كَلَّا، وَاللهِ» قُلْتُ: بَلَى، وَاللهِ قَالَ: «كَلَّا، وَاللهِ» قُلْتُ: بَلَى، وَاللهِ قَالَ: «كَلَّا، وَاللهِ إِنَّهُ لَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدَّثَنِيهِ»، قُلْتُ: بِئْسَ الْجَلِيسُ لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ، تَسْمَعُنِي أُخَالِفُكَ (٢) وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا تَنْهَانِي، ثُمَّ قُلْتُ: مَا هَذَا الْغَضَبُ؟ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ، فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيْفَةُ" (٣).
فتأمل! كيف خطَّأَ حذيفة جندبًا؟ لما جزم جندب بوقوع الأمر، وكيف سارع جندب إلى الرجوع عن قوله عندما تبين له أنه جزم بالأمر بدون علم (٤).
_________________
(١) الجَرَعَةُ: موضع بقرب الكوفة على طريق الحِيرة، ويوم الجرعة يوم خرج فيه أهلُ الكوفة يتلقون واليًا ولاه عليهم عثمان -﵁-، فردوه، وسألوا عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري -﵁- فولَّاه. قاله النووي في "شرح صحيح مسلم " (١٨/ ١٨).
(٢) ورُوي: أحالفك بالحاء المهملة من الحَلِف الذي هو اليمين،. وكلاهما صحيح، لكن المهملة أظهر لتكرر الأيمان بينهما.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٩٣) (٢٢١٩/ ٤).
(٤) انظر: "معالم في أوقات الفتن والنوازل "للشيخ عبدى العزيز السدحان ص (٥٥).
[ ٢٧١ ]
وعن يُسَيْر بن جابر قال:
هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هِجِّيرَى إلا: "يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة، قال: فقعد، وكان متكئا، فقال: إن الساعةَ لا تقوم حتى لا يُقْسَمَ ميراث، ولا يُفرحَ بغنيمة، ثم قال بيده هكذا- ونحَّاها نحو الشام- فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام " (١) الحديث.
قال القرطبي- رحمه الله تعالى-:
"والذي ينبغي أن يُقال به في هذا الباب أنما أخبر به النبي ﷺ من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر" (٢). اهـ.
لقد كان من هدي السلف -رحمهم الله تعالى- أنهم لا يُنَزِّلون أحاديث الفتن على واقع حاضر؛ وإنما يَرَوْنَ أصدق تفسير لها، وقوعها مطابقة لخبر النبي (٣) - ﷺ-؛ ولذلك نلاحظ أن عامَّة
_________________
(١) تقدم ص (٢٦١).
(٢) "التذكرة" ص (٧٣٦).
(٣) ومما يستأنس به في هذا المقام ما رواه مسلم رقم (٢٤٥٢)، بسنده إلى أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "أسرعُكنَّ لِحاقًا بي: أطولكن يدًا"، قالتْ "فكُنَّ يتطاولْنَ أيتهن أطول يدًا"، قالت: "فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعملُ بيدها وتَصَدَّقُ ". فقولها -﵂-: "فكانت أطولنا يدًا زينب " معناه: أنهن ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، وهي الجارحة، فكن يذرعن أيديهن بقصبة، فكانت سودة أطولهن جارحة، وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهن، فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود. قال أهل اللغة: "فلان طويل اليد، وطويل الباع "، إذا كان سَمْحًا جوادًا، وضده: قصير اليد والباع، وجَعْدُ الأنامل، أي: البخيل اللئيم.
[ ٢٧٢ ]
شارحي الأحاديث الشريفة كانوا يُفيضون في شرحها، واستنباط الأحكام منها، حتى إذا أتوا على أبواب الفتن، وأشراط الساعة، أمسكوا أو اقتصدوا في شرحها للغاية، وربما اقتصروا على تحقيق الحديث، واكتفوا بشرح غريبه؛ بخلاف ما يحصل من بعض المتعجلين المتكلفين اليوم؛ فإنه بمجرد ظهور بوادرَ لأحداث معينة؛ سياسية كانت، أو عسكرية، محلية، أو عالمية تستخفهم البُداءات (١)، وتستفزهم الانفعالات، فيُسقطون الأحاديث على أشخاص معينين، أو وقائع معينة، ثم لا تلبث الحقيقة أن تبيت، ويكتشفوا أنهم تهوروا، وتعجلوا.
وربما كان دافعهم نبيلًا؛ فهم يحسبون أن إسقاط النبوءات على الواقع مما يزيد يقين المسلمين، ويقوي إيمانهم، ويمكنهم من إقامة الحجة على المكذبين بنبوة رسول الله -ﷺ-، وفي هذا تأييدٌ لدين الحق. نقول: نعم، ولكن بالشرط المذكور آنفًا؛ لأن العجلة في مثل ذلك قد تأتي بعكس ما يشتهون؛ إذ لو خيبت الأحداث -إذا اكتملت- ظنهم، فربما جاءت النتيجة عكسية عند الكفار، وعند ضعاف المسلمين.
ولا بد من أن تكون النصوص التي يطبق عليها هذا الضابط مما يطرق دلالتَه الاحتمالُ، بخلاف النصوص المحكمة التي دلَّ الدليل على المراد منها؛ بحيث لا تلتبس على أحد؛ فإنها لا تخضع لهذا الضابط؛
_________________
(١) انظر: "مفتاح دار السعادة" لابن القيم ص (١٦٩، ١٧٠) ط. دار الحديث- القاهرة- ١٤١٤ اهـ
[ ٢٧٣ ]
مثل نزول المسيح -﵇- من السماء عند المنارة البيضاء بدمشق، وصلاته الصبح خلف المهدي، ومثل خروج الدجال بصفته التي أخبر بها النبي -ﷺ-.
استطراد:
قال الشيخ فيصل بن حيان آل صبحان -وفقه الله تعالى-: [اعلم أن تنزيل ما ورد من أحاديث الفتن على الأزمان المعينة أو الأشخاص المعينين على قسمين:
القسم الأول: تنزيل تام: بأن يقول: إن المقصود بالحديث الفلاني هو هذا الزمان بالذات، أو إن المقصود بالشخص الفلاني المذكور في حديث كذا هو: فلان بن فلان، ونحو ذلك.
وهذا النوع من التنزيل لا يجوز؛ لما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة والآثار الجسيمة، ولو لم يكن في ذلك إلا حصول فتن جديدة ليست هي المقصود بالنص لكفى، (١).
القسم. الثاني: تنزيل جزئي، وإن شئت فقل: "تنزيل معنى"، بأن يُقال: إن معنى ما ورد في النص الفلاني قد وقع شيء منه في زماننا هذا؛ كحديث: "يُرفع العلم، وينزل الجهل، ويلقى الشح"، فإن قائلًا لو
_________________
(١) وقد رأينا كيف أن محاولات مطابقة الأحاديث الواردة في "المهدي" على أشخاص بعينهم بدون التزام الضوابط في هذا، قد أدَّى إلى حدوث فتن جسيمة على يد مدعي المهدية، وانظر تفصيل ذلك في "المهدي" للمؤلف، وانظر فيه -أيضًا-: "فصل ضوابط الحكم على مدعي المهدية".
[ ٢٧٤ ]
قال: إن زماننا هذا قد وقع فيه شيء مما ذكر فيه لما أنكر عليه أحد، ولكان قوله مقبولًا لا يرد، ومن نظر في كلام الأئمة عند شرحهم لمثل هذه الأحاديث؛ لرأى ذلك واضحًا جليًّا والحمد لله.
فإن قال قائل: فإنه قد وُجِد في أصحاب رسول الله -ﷺ- مَنْ نَزل بعضَ الأحاديث على بعض الأشخاص تنزيلًا تامًا، كما ورد عن عمر -﵁- أنه كان يحلف أن الدجال هو ابن صياد، وتبعه على ذلك جابر -﵁- كما في "صحيح مسلم "، وابنه عبد الله كما عند أبي داود، ولو كان الأمر كما ذكرت لما جاز لهم ذلك؟
فالجواب: أن ذلك لم يكن من عمر -﵁- ومن معه من الصحابة اجتهادًا مِن عند أنفسهم، بل كان اعتمادًا على إقرار رسول الله -ﷺ- كما في نفس الحديث المذكور، فإن جابرًا -﵁- لما سُئل عن يمينه قال: "سمعت عمر يحلف بين يدي رسول الله -ﷺ- فلا ينكره".
فالذي يريد أن ينزل الأحاديث على الزمن وأهله، يحتاج إلى مثل ذلك الإقرار، وأنَّى له ذلك؟!
ثم على فرض التسليم بعدم الإقرار منه -ﷺ- لعمر، وأن ذلك كان منه اجتهادًا؛ فأي الناس كعمر الذي وصفه رسول الله -ﷺ- بالمحدَّث الملهم، والذي وافق ربَّه في مسائلَ كثيرةٍ، هذا مما لا يكون بحال.
[ ٢٧٥ ]
فإن قيل: فهل يعني ذلك أن الأحاديث الواردة في وصف الفتن ليس لها معنى معين (خاص) وانما هي أمور عامة مشتركة بين الأزمنة والأمكنة والأشخاص؟
فالجواب. لا .. فإن كل ما صحَ عن النبي -ﷺ- في فتنة من الفتن لا بدَّ واقع لا محالة كما أخبر؛ فإن كان المخبَرَ عنه أشخاصٌ يكونون في الأمة: ظهر أولئك الأشخاص بأعيانهم كما أخبر؛ وعندها يعرفهم الناس بالعلامات الدالَّة عليهم الواردة في النصوص في وصفهم؛ كذي الثديَّة المذكور في قتال الخوارج (١)، والدجال وغيرهما.
وإن كان المذكور في النص أحوالٌ وأوصافٌ للناس عامة أو لبعضهم خاصة، أو للأزمنة أو الأمكنة: وقعت تلك الأوصاف، واستحكمت، وغلبت حتى تكون مطابقة لما ورد، فيعرفها الناس حينئذٍ، كما في "الصحيحين" من حديث حذيفة -﵁- قال: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) وكان النبي -ﷺ- قد أخبر أصحابه -﵃- عن صفات الخوارج، فقال: "لا والذي نفسي بيده! ليخرجن قوم من أمتي تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"، قالوا: فهل من علامة يُعرفون بها؟ قال: "فيهم رجلٌ ذو يُدَيَّة أو: ذو ثُدَيَّة محلقي رءوسهم"، ولما قاتلهم أمير المؤمنين علي -﵁- بالنهروان التمس هذا الرجل الذي نعته النبي -ﷺ- فوجده في حفرة مما يلي الأرض في أربعين أو خمسين قتيلًا، فلما وجده وفق نعت النبي -ﷺ- كَبَّر، وقال: "صدق رسول الله ﷺ". وانظر: "البداية والنهاية" (٧/ ٢٩٠ - ٣٠٥).
[ ٢٧٦ ]
ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا حَدَّثَ بِهِ»، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ،" (١).
فإن قيل: فإذا كان الأمر كلما ذكرتَ فما وجه هذا التقسيم كله؟ فالجواب: أن في ذلك سدًا للذريعة على كلِّ متقوِّل ومتخرص وراجم بالغيب، حتى لا يقع الاختلاف، وتعمَّ الفتن، ويُكذَّبَ الشرعُ .. والله أعلى وأعلم] (٢). اهـ.
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٦٦٠٤)، ومسلم (٢٣/ ٢٨٩١) في "الفتن"، واللفظ له.
(٢) "مسائل في الفتن" ص (٥٣ - ٥٥) بتصرف.
[ ٢٧٧ ]
الضَّابِطُ الرَّابع: "يتعين على من يتكلم على الأحاديث:
أن يحمع طرقها، ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحَّت الطرق، وبشرحَها على أنه حديث واحد، فإن الحديث أولى ما فُسِّرَ بالحديث" (١)
فلا بد -للوقوف على المراد من الحديث- من جمع الروايات الواردة في الموضوع الواحد:
- لأن ما أُجمل في رواية قد يُفَسَّر في أخرى، وما أُبهم هنا قد يُبين هناك، وما أُطلق في موضع قد يقيد في موضع آخر.
-قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "الحديث إذا لم تجتمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٢).
وقال الأمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "تأليف كلام رسول الله -ﷺ-، وضم بعضه إلى بعض، والأخذ بجميعه؛ فرضٌ لا يحل سواه" (٣).
وقال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: "الحديث إذا اجتمعت طرقه؛ فسَّر بعضُها بعضًا" (٤).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض؛ فإنها في حكم الحديث الواحد، فيُحمل
_________________
(١) قاله الحافظ بنصِّه في "الفتحِ" (٤٧٥/ ٦).
(٢) "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "للخطيب البغدادي (٢/ ٢١٢).
(٣) "المحلى" (٣/ ٢٤٠).
(٤) "إحكام الأحكام" (١/ ١١٧).
[ ٢٧٨ ]
المقصود بقوله صلى الله علية وسلم «هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان»
مطلقها على مقيدها، ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق" (١).
ومن الأمثلة التطبيقية لهذا الضابط:
ما رواه ابن عمر -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (٢).
فقد رأينا من لم يُحكم هذه القاعدة يفسر الحديث بأن نجدًا هنا هي نجد اليمامة، ثم يفسر طلوع "قرن الشيطان" بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب التوحيدية التجديدية، ويصف أتباعه بالقرنيين، ولو خلُصت منهم النية، واحترموا القواعد العلمية، لعلموا أن "النجد" ليس اسمًا لبلد خاص، ولا لبلدة بعينها، بل يُقال لكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها: نجد، ونجود العرب عديدة.
قال الكرماني -رحمه الله تعالى-: "ومن كان بالمدينة الطيبة -صلى الله على ساكنها- كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها" (٣).
_________________
(١) "فتح الباري" (١١/ ٢٧٠).
(٢) البخاري (١٣/ ٤٩ - فتح)، والترمذي (٥/ ٧٣٣)، رقم (٣٩٥٣).
(٣) "صحيح البخاري بشرح الكرماني" (١٦٨/ ٢٤).
[ ٢٧٩ ]
وإليه ذهب الخطابي، وابن حجر، والقسطلاني، والعيني، والمباركفوري، وقد ادعى البعض أن نجد اليمامة هي المقصودة بالحديث، مع أن النبي -ﷺ- دعا لنجد اليمامة - وهي من اليمن؛ لأنها واقعة بينها وبين مكة- بالبركة حين قال: "اللهم بارك لنا في يَمننا"، وقال -ﷺ-: "الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ" (١).
وفي بعض الروايات تفسير (نجدنا) بالعراق: حيث قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَفِي عِرَاقِنَا قَالَ: «إِنَّ بِهَا الزَّلَازِلَ، وَالْفِتَنَ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (٢). وفي حديث سالم عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: فقال رجل: يا رسولَ اللهِ وفي عِراقِنا، فأَعرضَ عنه، فردَّدها ثلاثًا، كلُّ ذلكَ يقولُ الرجلُ: وفي عِراقِنا، فيُعرضُ عنه، فقالَ: «بِها الزلازلُ والفِتنُ، وفيها يطلعُ قرنُ الشيطانِ» (٣).
وعن سالم بن عبد الله بن عمر قال: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ «مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ» (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ٢١٧)، (٥/ ٢١٩)، ومسلم رقم (٥٢)، والترمذي رقم (٢٢٤٤).
(٢) أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ٣٨٤) رقم (١٣٤٢٢)، وانظر: "فتح الباري" (١٣/ ٤٧).
(٣) أخرجه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٧٤٦، ٧٤٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٣٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ١٣٠، ١٣١).
(٤) رواه مسلم (٢٩٠٥).
[ ٢٨٠ ]
أضف إلى هذا كله أدلة الواقع التاريخي؛ حيث هبَّت من العراق رياح فتن كثيرة:
- منها: الجماعة الذين تألَّبوا على قتل ذي النورين عثمان بن عفان -﵁-، وقد استتبع ذلك حرب الجمل وصفين.
- ومنها: قتل الحسين -﵁- شهيدًا بكربلاء بعد أن خذله الشيعة، وتخلوا عنه.
- ومنها: تحزُّب الخوارج، والحرورية.
- ومنها: ظهور القدرية، والجهمية، والمعتزلة.
- ومنها: فتنة ابن الأشعث، وثورة الزنج.
- ومنها: فتنة المختار الذي ادعى النبوة.
- ومنها: ما جرى في ولاية الحجاج من القتال وسفك الدماء.
- ومنها: خروج التشيع والإرجاء من الكوفة، وخروج القدر، والاعتزال، والنسك الفاسد، وحركة القرامطة من البصرة.
- ومنها: غزو التتار للمسلمين في القرن السابع بقيادة هولاكو. أما الفتن التي تخرج في المستقبل -ان شاء الله تعالى-:
- فمنها: المقتلة التي تقع عندما يُحسر الفرات عن جبل من ذهب.
- ومنها: خروج الدجال ويأجوج ومأجوج.
[ ٢٨١ ]
تنبيه خطير الذم يقع على الحال لا على المحل
أما فتن العصر الحديث:
- فمنها قتال العراق وإيران الذي دام ثماني سنوات.
- ومنها: غزو "صدام حسين" الكويت، وما جرَّه من بلايا ومحن على المسلمين.
- ومنها: تسلط الرافضة على أهل السُّنَّة في العراق، وإراقة دمائهم.
تنبيه خطير
ليس يعني ما تقدم أن أهل الشرق لا خير فيهم، فإن الواقع أيضًا يشهد -في الجهة المقابلة- أن الله ﷾- أخرج من تلك البلاد جهابذة وفحولًا من العلماء الراسخين، والأئمة المجتهدين، والنساك الصالحين، ويكفي أن كثيرًا من كبار الصحابة -﵃- رحلوا إليها واستوطنوها، ومنها خرج كبار أئمة التابعين من الكوفة والبصرة وبغداد، وانتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- من مكة إلى العراق؛ لنشر الكتاب وخدمة السنة، حتى لُقِّب هناك بناصر السنة، وفي العراق وُلد إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وكبار مشايخ العلم وأئمة الزهد كالجنيد، وغيره، وأكثر أئمة الجرح والتعديل من العراق.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله تعالى-: "الذم إنما يقع في الحقيقة على الحالِّ لا على المحل، ويكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحالِّ دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس".
[ ٢٨٢ ]
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "فلو ذُمَّ نجدٌ بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذُمَّ اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ، وما ضرَّ المدينةَ سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجَرَ رسول الله -ﷺ- وأصحابه -﵃-، ومعقل الإسلام، وما ذُمَّت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله -ﷺ- وشدة عداوتهم، بل هي أحب أرض الله إليه" (١). اهـ.
_________________
(١) "مجموعة الرسائل والمسائل" (٤/ ٢٦٤، ٢٦٥) بتصرف.
[ ٢٨٣ ]
الضَّابِطُ الخامِسُ: حصرُ مصادرِ التَّلقي فيما هو حجة شرعية، وإهدار ما عداه
كالأحاديث الضعيفة، والموضوعة، والإسرائيليات التي تعارض ما عندنا، أو التي أُمِرْنا بالتوقف فيها، وحساب الجُمَّل المسمى بعلم الحروف، ومرويات الرافضة، وجَفْرِهم المزعوم، والمناماتِ، والتحليلات السياسية الظنية، ونحوها؛ وذلك أن الأشراط التي لما تقع غيب، ولكنه غيب صادق، ولا يكون كذلك إلا إذا كان مصدره الكتاب والسُّنَّة الصحيحة.
وفي حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي -ﷺ- عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، وفيه قوله -ﷺ-: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، فعدَّ أمارات الساعة من جملة الدين، وأمور الدين توقيفية لا سبيل إلى معرفتها إلا عن طريق الوحي الشريف.
ومما يلاحظ انتشار القصص والروايات الواهية الضعيفة وقت الفتن، فيكثر القصاص الذين يوردون الحكايات الباطلة، والقصص التي لا أصل لها، روى ابن حبَّان عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَمْ يُقَصَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا عُثْمَانَ، إِنَّمَا كَانَ الْقَصَصُ زَمَنَ الْفِتْنَةِ» (١).
_________________
(١) رواه ابن حبان في "صحيحه" رقم (٦٢٦١) (١٤/ ١٥٦)، وابن أبي شيبة (٨/ ٧٤٥،٧٤٦)، وابن ماجه (٣٧٥٤)، وقال محقق "الإحسان": "إسناده صحيح".
[ ٢٨٤ ]
تنبيهان:
الأول. إذا صحَّ الحديث فينبغي التفريق بين قول المعصوم -ﷺ-، وبين اجتهاد العالم، أو الباحث في تفسيره، أو إسقاطه على الواقع؛ فقد يخطئ العالم في تحديد وقت حدوث شيء من الأشراط، أو يخطئ في ترتيبه الأحداث، أو يخطئ في فهم الحديث وتفسيره.
الثاني: قد ترد بعض الآثار الصحيحةِ أسانيدُها إلى أحد الصحابة أو التابعين، مع أنها تعارض القرآن الكريم وتناقضه، فينبغي أن يُعلم أنها دخلت عليهم مِن قِبل مُسلِمةِ أهل الكتاب الذين كانوا يحدِّثون بالإسرائيليات.
[ ٢٨٥ ]
الضابِطُ السَّادِسُ: ما أُشْكِلَ عَلَيْكَ؛ فَكِلْهُ إلى عَالِمِهِ
قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية: [النساء: ٨٣] وفي الخبر: "إنَّمَا شِفَاءُ العِي السؤالُ"، وقال أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى-: "لو سكت مَن لا يعرف؛ قلَّ الاختلاف، ومن قصر باعه، وضاق نظره عن كلام علماء الأمة والاطلاع؛ فما له وللتكلم فيما لا يدريه، والدخول فيما لا يعنيه؟! وحَقُّ مثلِ هذا أن يلزم السكوت" (١).
قال بعض السلف: "الأمور ثلاثة: أمر استبان رُشْدُه فاتبعْه، وأمر استبان غيُّه فاجتنبه، وأمر أُشكِلَ عليك، فَكِلْهُ إلى عالمه".
وقال الحسن عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويَكِلون ما أشكل عليهم إلى عالمه " (٢)،
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه" (٣).
والمتشابه من الحديث: ما يفتقر -للوصول إلى معناه المرادِ منه- إلى غيره، والمحكم: هو الذي لا يُحتاج -للوقوف على معناه المرادِ منه- إلى غيره.
_________________
(١) انظر: "الحاوي" (٢/ ١١٦).
(٢) "مجموع الفتاوى" (١٧/ ٣٨٦).
(٣) "الرسالة التدمرية" ص (٩٦).
[ ٢٨٦ ]
وحكم المتشابه أن يردَّ إلى المحكم ليبينه، ويزيل اشتباهه.
مثال الحديث المتشابه (١):
ما رواه ابن مسعود -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (٢).
فقوله -ﷺ-: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" من المتشابه، إذ ظاهره غيرُ مراد، والنصوص الآمرة بالصبر على جور الأئمة، وترك الخروج عليهم كثيرة محكمة، فيرد المتشابه إليها، فإن ابن مسعود -﵁- نفسه قد روى مرفوعًا: "اصبروا حتى تلقوني"، ولهذا بيَّن ابن رجب -رحمه الله تعالى- أن قوله: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" لا يُراد به القتال، وانما تغيير المنكرات التي فعلوها، أو المظالم التي يأمرون بها، لمن كان له قدرة على ذلك، وأَمِن تعديَ الأذى إلى غيره من أهل أو جيران، ونقل نصَّ الإمام أحمد على ذلك (٣).
_________________
(١) انظر: "منهج أهل السُنَّة في التعامل مع نصوص الفتن والملاحم" للشيخ محمد بن عمر بازمول ص (٣١ - ٣٧).
(٢) أخرجه مسلم رقم (٥٠).
(٣) انظر: "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٢٤٨، ٢٤٩).
[ ٢٨٧ ]
الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي
١ - ذكر فتح القسطنطينية
٢ - جفاف بحيرة طبرية
تنبيه:
اعلم -رحمك الله- أنه ليس في نصوص الوحيين الشريفين ما هو مشكِل من حيث الواقع، بحيث لا يمكن أحدَا من الأمة أن يعرف معناه، وإنما الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي، يختلف فيه الناس بحسب ما عندهم من العلم والفهم، فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر، بل يكون عنده واضحًا جليَّا (١).
وَهَاكَ أَمْثِلَةً لِمَا يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ في بَابِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَجَوَابِ الْعُلَمَاءِ عَنْهَا:
١ - ذكر فتح القسطنطينية عقب الملحمة، وقبيل خروج الدجال؛ مع أنها فُتِحتْ على يد محمدِ الفاتح العثماني؛ والجواب: أنه فتح آخر غير الفتح الأول؛ كما تقدم قريبَا (٢).
٢ - جفاف بحيرة طبرية الذي ذُكر في حديث الجساسة على أنه أحد مقدمات خروج الدجال، وقد جفت بحيرة طبرية الآن (٣)، أو كادت، وهذا لا يعني بالضرورة تحقق تلك العلامة؛ لأن من المحتمل أن تمتلئ البحيرة من جديد، ثم تجف قبل ظهور الدجال، أو قد تبقى جافَّةً مُدَّةَ
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٧/ ٣٠٧).
(٢) راجع ص (٢٦٧ - ٢٦٩).
(٣) وقد نشر في السبعينيات بجريدة الأخبار (٢٨/ ٩/ ٧٣) صورة فتاة تقف على أرض البحيرة الجافة وقد تشققت، وكتب عليها: "وجفت المياه في بحيرة طبرية".
[ ٢٨٨ ]
يعلمها الله إلى ظهور الدجال، وعليه؛ فلا يشكل قول الدجال: "أما إن ماءها يوشك أن يذهب" (١)؛ لأن القرب هنا نِسْبِيّ؛ كما تقدم (٢).
بل قد ثبت في الحديث أن يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً
_________________
(١) جزء من حديث الجساسة، الذي رواه مسلم (٢٩٤٢).
(٢) ومما يناسب إيراده في هذا المقام ما حكاه بعض الأفاضل؛ وأَقَرَّهُ بلهجة الاستحسان، عن شيخ صالح من الأردن يُدْعَى "الدباغ"، قال: "كان هذا الشيخ يقول للناس، ويقسم أن بريطانيا وحلفاءها سينتصرون في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا! وكان الناس يعجبون من ذلك! بل لقد أسرَّ إليه بعض المقربين أن الشكوك بدأت تحوم حوله؛ بانه يقوم بالدعاية لبريطانيا، وفد بيَّن الشيخ -﵀- الأساس الذي بنى عليه يقينه؛ وهو أنه ربط بين حديث الرسول -ﷺ- الذي بَيَّن أن المسلمين سيقاتلون اليهود قبل قيام الساعة، وبين أحداث عصره؛ فبريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين هي التي رعت فكرة قيام الدولة اليهودية منذ وعد بلفور، وما تلا ذلك من أحداث، ولن تقوم لليهود دولة إلَّا إذا انتصرت بريطانيا! ولو انتصرت ألمانيا؛ لتبدد الحلم اليهودي في الدولة! وقد كان ما فهمه الشيخ من حديث الرسول -ﷺ-، وفسر به أحداث عصره، بل تنبأ بالشيء قبل أن يكون". اهـ. من مجلة "البيان" عدد (٣٣)، (١٤١١) هـ، ص (١٧)، وهذا الذي فهمه الشيخ الدباغ محتمل، ولم يكن مؤكدًا؛ لأنه يمكن -عقلًا- أن تتحول ألمانيا النازية عن عداء اليهود، وقد كان، بل صارت ألمانيا ما بعد النازية من أشد حلفاء الدولة اللقيطة، التي ابتزت أموالها بحجة التكفير عما سمي بمحارق النازية، وكان يمكن -عقلًا- أن تنتصر ألمانيا في هذه الحرب، ثم يشاء الله هزيمتها بعد ذلك، وإنما أوردتُ هذا الأنموذج التطبيقي؛ لندرك أهمية التمييز -في مثل هذه الكائنات- بين ما هو يقين يحلف الإنسان عليه، وبين ما هو ظن محتمل نقول فيه: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ [الجاثية].
[ ٢٨٩ ]
٣ - ورد وصف الأسلحة التي تستعمل في حروب آخر الزمان
مَاءٌ" (١)، ومعلوم أن خروجهم إنما يكون بعد نزول عيسى -﵇- وقًتْلِهِ الدَّجَّالَ.
٣ - ورد وصف الأسلحة التي تستعمل في حروب آخر الزمان؛ ففي الملحمة الكبرى خيولٌ وفوارسُ (٢)، وفي فتح القسطنطينية "الثاني": "قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيتُون" (٣)، وبعد هلاك يأجوج ومأجوج: "سَيُوقِدُ المُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِم، وَنُشَّابِهم (٤)، وَأَترِسَتهم سَبعَ سنينَ" (٥).
وقد حاول بعض العلماء الإجابة عن هذا؛ فقالوا: "إن هذه الأحاديث، وأحاديث مشابهة كثيرة تدل على أن هذه الحضارة الهائلة التي اخترعت هذه القوة الهائلة من القنابل، والصواريخ؛ ستتلاشى، وتزول، وأغلب الظن أنها ستدمر نفسها بنفسها، وأن البشرية ستعود مرة أخرى إلى القتال على الخيول، واستعمال الرماح، والقسي، ونحو ذلك، والله أعلم " (٦).
في حين يرى البعض الآخر أن هذا لا يعني أن الحرب ستدور بالخيول والسيوف؛ لأن الخيول رمز المعدات الحربية أيّا كان نوعها؛ ولأن النبي -ﷺ- كان يخاطب أهل زمانه على قدر عقولهم وعلمهم.
_________________
(١) جزء من حديث جابر بن عبد الله -﵄-، رواه مسلم (٢٩٣٧)، وأبو داود (٤٣٢١)، (٤٣٢٢)، والترمذي (٢٢٤١).
(٢) كما في "صحيح مسلم " (٢٨٩٩)، (٢٢٢٣/ ٤).
(٣) كما في "صحيح مسلم " (٢٨٩٧)، (٤/ ٢٢٢١).
(٤) النُشَّاب: النَّبْل، واحدته: نُشَّابة.
(٥) رواه ابن ماجه رقم (٤٠٧٨)، وصححه الألباني في "الصحيحة" رقم (١٩٤٠)، (٤/ ٥٧٩).
(٦) انظر: "القيامة الصغرى" ص (٢٧٥)، و"الأيام الأخيرة من عمر الزمن" ص (٤٩ - ٦٠).
[ ٢٩٠ ]
٤ - عن أم المؤمنين عائشة -﵂-، قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: «إن يعش هـ
وقد يُستدل لهذا بحديث "أَسْرَعُكُنَّ لِحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا" (١)، إذ فُهم المرادُ منه بعد حصوله، والله تعالى أعلم.
٤ - عن أم المؤمنين عائشة -﵂-، قَالَتْ: كَانَ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ: «إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ»، قال هشام: "يعني: موتهم" (٢).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: «إِنْ عُمِّرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ (٣).
والمراد بقوله -ﷺ-: "الساعة" في هذين الحديثين "ساعة المخاطبين"؛ لأن ساعة كل إنسان موته، وهذا الجواب من رسول الله -ﷺ- يعرف بأسلوب الحكيم، فإنه أجابهم بخلاف ما يترقبون، وأرشدهم إلى الاستعداد للموت، والتأهب للقاء الله؛ فإنه قريب قريب.
_________________
(١) انظر: ص (٢٧٢)، هامش رقم (٣).
(٢) رواه البخاري (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢).
(٣) رواه مسلم (٢٩٥٣)، والأتراب: جمع تِرْب، وهو المماثل في السن.
[ ٢٩١ ]
وعن عبد الله بن عمر﵄- قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» (١)، وإنما أراد النبي -ﷺ- انقضاء القرن الذي هو فيه (٢)؛ أي: إنه بعد مائة عام يموت كل من كان حيا عندما نطق النبي -ﷺ- بهذا الحديث.
ومما يدل على أنه -ﷺ- لم يُرِدْ قيامَ الساعة: ما رواه جابر بن عبد الله -﵄- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: «تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ؟، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَأُقْسِمُ بِاللهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ» (٣).
قال ابن الأثير -رحمه الله تعالى-: "والمعنى في الحديث: أن كل من هو موجود الآن -يعني ذلك الوقت إلى انقضاء ذلك الأمد المعين- يكونون
_________________
(١) رواه البخاري (١١٦)، ومسلم (٢٥٣٧)،- واللفظ له- والترمذي (٢٢٥٢)، وتتمته: قال ابن عمر: فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله -ﷺ-: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"، يريد بذلك أن ينخرم القرن؛ أي: ينقطع وينقضي، والقرن من الزمان: أهل زمان مخصوص، ووَهَلَ: غَلِط وذهب وَهْمُه إلى غير الصواب.
(٢) وهذا ما يُطلق عليه بعضهم "الساعة الوسطى"، كما في "المفردات" للراغب ص (٤٣٤، ٤٣٥) قال: "والساعة الوسطى، وهي موت أهل القرن الواحد".
(٣) رواه مسلم (٢٥٣٨)، والترمذي (٢٢٥١).
[ ٢٩٢ ]
قد ماتوا، ولا يبقى منهم على الأرض أحد؛ لأن الغالب على أعمارهم لا يتجاوز ذلك الأمد الذي أشار إليه النبي -ﷺ-، فتكون قيامة أهل ذلك العصر قد قامت" (١).
_________________
(١) "جامع الأصول" (١٠/ ٣٨٨).
[ ٢٩٣ ]
فارغ
[ ٢٩٤ ]