راويه قد اختلقه على الرسول، وما خالف ذلك دفعوه.
بخلاف أهل السنة، وعلماء الأمة، الذين يقصدون متابعة الرسول، والاستنان بسنته، والعمل بشريعته، وتحقيق ما جاء به من حقائق الإيمان، التي أصلها في القلوب وفروعها ونتائجها على الجوارح، فإن هؤلاء يميزون بين ما قاله الرسول وقاله غيره، وما نقل عن الرسول فيميزون بين الصدق منه والكذب، والصحيح والضعيف، ويعتبرون أحوال سلف الأمة وأئمتها، ثم لهم فقه وفهم لما جاء به الرسول، يختصون به عن غيرهم، ولهم أحوالٌ وأعمالٌ امتازوا بها عن غيرهم.
فهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا /٦٧أ/ الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا (١) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] .
وقال تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] .
وقد يحتجون بحكايات عن بعضِ المتقدمين فيها ما هو كذبٌ على المنقولِ عنه، مثل حكاية يروونها عن الشافعي أنه قال: إذا كانت لي إلى الله حاجة ذهبت إلى قبر أبي حنيفة، وسألته (٢) به، أو نحو هذا، والشافعي
_________________
(١) في الأصل زيادة: (أبدًا) .
(٢) غيرت في المطبوع إلى: (وسألت) .
[ ١٥٠ ]
﵁ هو ممن حذر الشرك بالقبور، ونهى عن البناء عليها، وحذر مما حذر منه النَّبيُّ ﷺ من الفتنة بها، وقد ذكر ذلك أصحابه، حتى أبو إسحاق في تهذيبه، وغيره، والشافعي ﵁ لم يكن يقصدَ قبر أحدٍ من الأنبياءِ والصَّحابة ليدعوه، ويسأل الله به، فكيف خص بذلك أبا حنيفة؟ ولم يكن على عهد الشافعي لما أتى بغداد قبر (١) يُزار هذه الزيارة، ولا كان بها مشهد البتة، وكذلك كان بعد موت الشافعي في تمام عُمر الإمام أحمد ﵁، لم يكن ببغداد مشهد ظاهر، ولا قبر يُزار للدعاء به ولا للدعاء عنده، لا قبر معروف، ولا موسى بن جعفر، ولا غيرهما، بل هذه /٦٧ب/ كلها حدثت بعد ذلك، لا سيما لما تغيرت أحوال الإسلام في المائة الرابعة.
والحكاية التي تروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف، الترياق المجرب. إن كانت صحيحة عمن نقلت عنه فإنه إنما قال ذلك بعد
_________________
(١) في الأصل: (قبرًا)، والتصويب من المحقق.
[ ١٥١ ]