فصل وأما قوله تعالى:. . ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فاعلم أن لفظ " اليد " جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: مفردة كهذه الآية وكقوله:. . ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] ومثنى كقوله:. . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقوله:. . ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ومجموع كقوله:. . ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]
فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعدى الفعل بالباء، فلا يحتمل المجاز، فإذا (١) أضيف إليه الفعل، ثم عدي بالباء، [فهو (٢)] باشرها بيده، ولهذا، قال عبد الله بن عمرو بن العاص (٣) " لم يخلق الله بيده إلا [ثلاثًا (٤)]: خلق آدم بيده وغرس جنة الفردوس بيده وكتب التوراة بيده " وروي ذلك مرفوعًا (٥) فلو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها اختصاص بذلك، ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة. وقد صح عن النبي ﷺ أهل الموقف يأتون آدم فيقولون: خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فذكر أربعة أشياء كلها
_________________
(١) في الأصل [وأما إذا] والصواب ما أثبته للسياق.
(٢) في الأصل [فهو ما] والصواب يحذف " ما " كما هو واضح والله أعلم.
(٣) صحابي جليل، أحد المكثرين السابقين: وهو من العبادلة الفقهاء مات ليالي الحرة بالطائف على الأرجح. تقريب.
(٤) وقع في الأصل. (ثلثا) والصواب ما أثبتناه والله أعلم.
(٥) والمرفوع رواه الدارقطني في " الصفات " (٢٨)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٣١٨) عن عبد الله بن الحارث بلفظ " إن الله ﷿ خلق ثلاثة أشياء بيده. . . " لكن قال البيهقي: " هذا مرسل ". وقال ابن القيم في " حادي الأرواح " (ص ١٠٧): " المحفوظ أنه موقوف ".
[ ٦١ ]
خصائص (١) وكذلك قال آدم لموسى في محاجته له «اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده» وفي لفظ آخر «كتب لك التوراة بيده» (٢) وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: «يقبض الله السماوات بيده، والأرض بيده الأخرى» (٣) وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج ذرية منه، فقال: " خلقت هؤلاء إلى الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون» الحديث (٤)
_________________
(١) رواه البخاري (١٣ / ٣٩٢ فتح الباري) من حديث أنس ﵁ - ولم يذكر فيه أمر النفخ - ورواه مسلم (١٩٣) من حديث أنس - ولم يذكر فيه " علمك أسماء كل شيء ".
(٢) رواه البخاري (١١ / ٥٠٥ فتح) ومسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة ولكن فيهما " خط لك بيده " وأما " خط لك التوراة بيده " فرواها أبو داود (٤٧٠١) واللالكائي (٦٩٣) والآجري في " الشريعة " (ص ٣٢٥) وأما اللفظ الآخر " وكتب لك التوراة بيده " فهو في صحيح مسلم (٢٦٥٢) و" السنة " لابن أبي عاصم (١٤٥) .
(٣) الحديث متفق عليه.
(٤) رواه أبو داود (٤٧٠٣) وأحمد في " المسند " (٣١١) والترمذي (٥٠٧١) والحاكم (١ / ٢٧) والطبري (١٥٣٧٥) وابن أبي عاصم (١٩٦) والبغوي في " شرح السنّة " (٧٧) كلهم عن مسلم بن يسار عن عمر وهو منقطع لأن مسلمًا لم يسمع من عمر كما قال الترمذي إذ بينهما " نعيم بن ربيعة الأودي " كما في السنّة (٢٠١) وأبي داود (٤٧٠٤) . ونعيم قال فيه الحافظ: " مقبول " كما في " التقريب " أي عند المتابعة وإلا فهو لين الحديث كما نص الحافظ في مقدمته للتقريب، ونعيم هذا انفرد بتوثيقه ابن حبان. لكن للحديث شواهد. الأول: عن ابن عباس رواه ابن أبي عاصم في " السنّة " (٢٠٤) وأحمد (١ / ٢٥١ و٢٩٩ و٣٧١) وابن سعد في طبقاته (١ / ٢٨) ورجال ابن أبي عاصم ثقات غير ابن جدعان وهو ضعيف. الثاني: عن أبي هريرة رواه ابن أبي عاصم أيضًا (٢٠٥) عن أبي هريرة ورجاله ثقات غير أن مبارك بن فضالة " صدوق لكنه يدلس تدليس التسوية " كما في التقريب. الثالث: عن عبد الله بن سلام رواه الآجري في " الشريعة " ص (٣٢٢) وإسناده حسن. فالحديث صحيح الشواهد - لا سيما الشاهد الأخير - وقد أشار لحصة الحديث الشيخ الألباني في تخريجه للطحاوية ص (٢٦٦) حيث قال: " صحيح لغيره إلا مسح الظهر فلم أجد له شاهدا الحديث متفق عليه. " تم صحح الحديث باللفظ الأخير أخيرًا لشواهده وانظر السنة (٢٠٥) وراجع ابن كثير " تفسيره " (٣ / ٥٠٦) و" شفاء العليل " (ص ٨ - ٣٠) و" شرح الطحاوية " (ص ٢٦٥) عن الميثاق.
[ ٦٢ ]
وقال نافع (١) سألت ابن أبي مليكة (٢) عن " يد الله " واحدة أم اثنتان؟ فقال: " بل اثنتان " (٣) وقال ابن عمر (٤) وابن عباس (٥) «أول شيء خلقه الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين» (٦) وفي الباب ما لا يحصى كثرة (٧) .
[بعض ما في رسالة الشيخ محمد ناصر الحازمي في مسألة العلو]
وقد جمع الشيخ محمد بن ناصر الحازمي في رسالته (٨) ما ورد عن الصحابة والتابعين وأتباعهم وأئمة الحديث والأئمة الأربعة وعلماء الشافعية والحنفية والمالكية والأشاعرة والمفسرين وغيرهم، في مسألة علو الرب على خلقه، وكونه على العرش فوق [سماواته] (٩) وليس ذكرها ههنا بالتمام من مرادنا، فنؤمن بذلك، ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، وإن نَبَتْ (١٠) عنها أسماع بعض الجاهلين المقصرين، واستوحشت منها نفوس المتكلمين المعطلين.
_________________
(١) وهو ابن عمر بن عبد الله بن جميل بن عامر الجمحي ثقة ثبت مات (سنة ١٦٩ هـ) . تقريب.
(٢) واسمه: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة أدرك ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ثقة فقيه مات (سنة ١١٧ هـ)، تقريب.
(٣) رواه الدارمي في رده على المريسي (ص ١٢٢) ح ٥٨ بتحقيقي، والأثر صحيح.
(٤) وهو الصحابي الجليل عبد الله بن أمير المؤمنين الخليفة الثاني لرسول الله ﷺ عمر ﵄ أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة مات (سنة ٧٣ هـ)، انظر التقريب.
(٥) وهو الصحابي الجليل عبد الله ابن عم رسول الله ﷺ العباس دعا له الرسول ﷺ بالفهم في القرآن فكان يسمى بالبحر والحبْر لسعة علمه وهو أحد العبادلة وأحد المكثرين من الصحابة مات (سنة ٦٨ هـ)، انظر التقريب.
(٦) جاء هذا مرفوعًا عن ابن عمر ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أول ما خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين، الحديث " أخرجه ابن أبي عاصم في " السنّة " (١٠٦) والآجري في الشريعة (ص ١٧٥) وصححه الشيخ الألباني لغيره كما في التعليق على " السنّة ".
(٧) انظر " مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة " (٢ / ١٥٣ - ١٧٤) .
(٨) سبق التعريف بها في الحاشية رقم (٥) ص ٥٨.
(٩) انظرها في " العلو " للذهبي.
(١٠) أي نفرت منها أسماعهم. انظر المعجم الوسيط (٢ / ٨٩٩) .
[ ٦٣ ]
ومما صح به النقل من الصفات " الوجه ". قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي الباب آيات وأحاديث منها: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة» وحديث النزول (١) رواه علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وجبير بن مطعم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وخلق سواهم (٢) .
ومن قال: يخلو العرش عند النزول، أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع، وكل ما وصف به الرسول ربه من الأحاديث الصحاح، التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان به كقوله ﷺ. «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من
_________________
(١) حديث النزول: متواتر، فأما رواية علي بن أبي طالب ففي " سنن الدارمي " (١ / ٣٤٨) وأحمد (١ / ١٢٠) ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. وأما رواية ابن مسعود ففي صحيح ابن خزيمة (٨٩) وأحمد (١ / ٣٨٨ و٤٠٣ و٤٤٦) والآجري (ص ٣١٢) . وسنده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين كما في الإرواء (١٢ / ٩٨) وأما رواية جُبير فرواها الدارمي في السنن (١ / ٣٤٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٨٨) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٣١٧) وأحمد (٤ / ٨١) والآجري في الشريعة (ص ٣١٢ و٣١٣) وسنده صحيح على شرط مسلم كما في " الإرواء " (٢ / ١٩٨) . وأما رواية جابر ففي ابن خزيمة في التوحيد (ص ١٢٧) والدارقطني في " النزول " (٦ و٧) . وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه أبو داود الطيالسي (٢٢٣٢) والدارقطني في " النزول " (٥٢ - ٦٤) وأحمد (٢ / ٢٨٣ و٣ / ٣٤ و٤٣ و٩٤) والبيهقي في السنن (٣ / ٢) . وأما حديث أبي هريرة فرواه مسلم (٧٥٨) والدارقطني في " النزول " (٥٢ - ٦٢) وأبو داود (١٣١٥ و٤٧٣٣) وغيرهم.
(٢) منهم رفاعة بن عرابة الجهني وعقبة بن عامر الجهني وعمر بن عبسة وعثمان بن أبي العاص الثقفي وأبو الدرداء وأبو سلمة جد عبد الحميد بن يزيد بن سلمة. انظر: أحاديثهم في " النزول " للدارقطني تخريج وتحقيق الشيخ الدكتور على ناصر الفقيهي و" إرواء الغليل " (٢ / ١٩٥ - ١٩٩) و" الشريعة " للآجري (ص ٣٠٦ - ٣١٣) ولشيخ الإسلام ابن تيمية كتاب باسم " شرح حديث النزول " كما تقدم.
[ ٦٤ ]
أحدكم براحلته» متفق عليه (١) . وقوله: «يضحك الله تعالى إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، فيدخلان الجنة» رواه الشيخان (٢) وقوله: «حتى يضع رب العزة فيها قدمه» متفق عليه (٣) وقوله: «فيُنادي بصوت» رواه البخاري ومسلم (٤) وقوله: «فلا يبصق قِبل وجهه، فإن الله قِبل وجهه» (٥) متفق عليه إلى أمثال هذه الأحاديث، التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه فيما يخبر به.
_________________
(١) متفق عليه - كما قال المصنف - من حديث أنس بن مالك - ﵁ - بلفظ: " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضلّه في أرض فلاة " البخاري (١١ / ١٠٢ فتح الباري) ومسلم (٢٧٤٧) ولكن وقع في الأخير " إذا استيقظ على بعيره " وجاء في مسلم (٢٧٤٤): " لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَويّة مَهْلَكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش ثم قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده " ويظهر أن السياق لحديث مسلم يدل على " سقط " كما في البخاري وليس " استيقظ " حكاه عياض انظر شرح النووي لمسلم (١٧ / ٦٣ - ٦٤) دَويّة: الفلاة الخالية، ومَهلكَة: موضع الهلاك كما في " شرح النووي ".
(٢) متفق عليه البخاري (٦ / ٣٩ فتح) ومسلم (١٨٩٠) عن أبي هريرة.
(٣) البخاري (٨٠ / ٥٩٤ فتح) ومسلم (٢٨٤٨) من حديث أنس بن مالك.
(٤) البخاري (١٣ / ٤٥٣ فتح) من حديث أبي سعيد الخدري في الشفاعة والحديث رواه مسلم (٢٢٢) ولكن ليس فيه " فينادي بصوت ". وقال الحافظ في " الفتح " (١٣ / ٤٦٠): " وقع " فيُنادِي " مضبوطا للأكثر بكسر الدال وفي رواية أبي ذر ذكر بفتحها على البناء للمجهول ".
(٥) البخاري (١ / ٥٠٩ فتح) ومسلم (٥٤٧) من حديث ابن عمر - ﵄ - ولفظه: " إذا كان أحدكم يُصلي فلا يبْصق قِبل وجهه فإن الله قِبل وجهه إذا صلى ". " واعلم أن كون الله بين يدي المصلي قِبل وجهه لا ينافي العلو وكونه على العرش فوق مخلوقاته فإنه مع ذلك واسع محيط بالعالم كلّه. وقد أخبر أنه حيثما توجه العبد فإنه مستقبل وجه الله ﷿ بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه، فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط يستقبل سافلها المحاط بها بوجهه من جميع الجهات والجوانب فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط وهو محيط ولا يحاط به " انتهى من شرح الواسطية للشيخ زيد الفياض (ص ٢٠٣ - ٢١٣) كما في " صحيح الترغيب " (ص ١١٦) .
[ ٦٥ ]
[الفرقة الناجية]
فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، يؤمنون به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل (١) وهؤلاء هم الوسط في فرقة الأمة، كما أن الأمة المرحومة هي الوسط في الأمم، فهم وسط الأمة في باب الصفات (٢) بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، كما أنهم وسط في باب أفعاله (٣) تعالى بين الحرورية والقدرية، وفي باب أسماء الإيمان والدين (٤) بين المعتزلة والمرجئة.
وفي أصحاب (٥) رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج.
_________________
(١) مضى التعريف بها: انظر التعليقات (١ - ٥) بحاشية ص ٣٤.
(٢) لأنهم يثبتون لله ما جاء في كتابه وما ثبت عن رسوله ﷺ من أسماء وصفات إثباتا حقيقيا يليق بجلاله وعظمته ﵎ مع نفي المماثلة والمشابهة بين الخالق - ﵎ - والمخلوق خلافا للجهمية الذين عطلوا الصفات ونفوها عن الرب، وخلافا للمشبهة الذين أثبتوا الصفات مع الغلو حتى قالوا بالتجسيم - تعالى الله عن رأي الفريقين -. والجهمية: أتباع جهم بن صفوان المبتدع (انظر التعليق الماضي رقم (١) بحاشية ص ٤٥. وأول مَنْ قال بالتجسيم مقاتل بن سليمان الخراساني المفسر - كذبه غير واحد من الحفاظ - قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: " أفرط جهم في نفي التشبيه حتى قال: إنه تعالى ليس بشيء وأفرط مقاتل - يعني في الإثبات - حتى جعله مثل خلقه " انظر " ميزان الاعتدال " (٤ / ١٧٣) .
(٣) قلت: وفيما يتعلق بالأفعال فأهل السنة وسط بين الجبرية والقدرية وليس بين الحرورية والقدرية لعل " الحرورية " تصحيف من الناسخ أو سبق قلم من المؤلف والعبارة مقتبسة من الواسطية وفيها ما رجحته. والله أعلم. وأهل السّنة والجماعة يثبتون أن العباد فاعلون حقيقة لا مجازا وأن الله خالقهم وخالق أفعالهم، ويثبتون للعبد الاختيار والمشيئة وهما تابعان لمشيئة الله تعالى كما سيأتي في فصل خاص للمؤلف إن شاء الله. وأما الجبرية فيقولون: إن العبد مجبور على فعله وحركاته وأفعاله كحركة المرتعش والعروق النابضة وإضافتها إلى الخلق مجاز والله هو الفاعل حقيقة وليس للعبد قدرة ولا إرادة، وعلى نقيضهم القدرية يقولون إن أفعال العباد ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدرته كما سيأتي أيضا، فلهذا كان أهل السنّة وسطا بين الفريقين فما قالوا بالجبر وما كذبوا بالقدر. القدرية: أتباع جهم بن صفوان - وسبق بيان حاله في التعليق رقم (١) بحاشية ص ٤٥ - وانظر " لوامع الأنوار " (١ / ٩٠) والقدرية: سموا بذلك لتكذيبهم بالقدر وأول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني، كما روى مسلم في صحيحه (٨) . ومعبد صدوق في نفسه مبتدع كما في " التقريب " (١ / ٢٦٢) و" الميزان " (٤ / ١٤١) . وقال الأوزاعي: " وأول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر فأخذ منه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد " رواه الآجري في " الشريعة " (ص ٢٤٣) واللالكائي في " شرح الاعتقاد " (١٣٩٨) . وغيلان هو ابن أبي غيلان المقتول في القدر ضال مسكين كما في الميزان (٣ / ٣٣٨) .
(٤) لأن أهل السنّة يعتقدون أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن أتى كبيرة يسمى مؤمنا فاسقا بكبيرته وفي الآخرة تحت مشيئة ربه إن شاء غفر له وأدخله الجنة لأول مرة وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ومآله إلى الجنة. خلافا للخوارج والمعتزلة حيث يرون أن الدين والإيمان قول وعمل واعتقاد ولكن لا يزيد ولا ينقص، ومن أتى كبيرة كفر عند الحرورية (الخوارج) وصار فاسقا عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر وفي الآخرة فهو خالد مخلد في النار لا يخرج بشفاعة ولا بغير شفاعة عندهما وخلافا للمرجئة الذين يقولون: " إن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان " فلم يدخلوا العمل بالأركان في مسمى الإيمان فقالوا، لا يضر مع الإيمان معصية، وإيمان أفسق الناس كإيمان أتقاهم وأكملهم (انظر شرح الطحاوية ص ٣٧٣ فما بعدها " و" الكواشف الجلية عن معاني الواسطية " (ص ٥٠٣) . والمعتزلة: أتباع عمرو بن عبيد - ضعفه غير واحد وتركه بعضهم - انظر الميزان (٣ / ٢٧٤) وواصل بن عطاء - من غلاة المعتزلة - الميزان (٤ / ٣٢٩) وسموا بالمعتزلة لأنهم اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري - ﵀ - في أوائل المائة الثانية وكانوا يجلسون معتزلين فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة. انظر " شرح الطحاوية " (ص ٥٨٨) و" لوامع الأنوار البهية " (١ / ٧٢) . والمرجئة: سُمُّوا بذلك لأنهم أخّروا العمل عن الإيمان كما في " الفرق بين الفرق " (ص ١٩) وأول من قال بالإرجاء غيلان بن أبي غيلان كما في " الملل والنحل " (١ / ١٣٩)، وغيلان قال فيه الذهبي في " الميزان " (٣ / ٣٣): ". . . المقتول في القدر ضال مسكين ". والمرجئة ثلاثة أصناف كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الأول: الذين يقولون الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة. الثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكلامية. الثالث: تصديق القلب وقول اللسان وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم. انظر " لوامع الأنوار " (١ / ٤٢٢) .
(٥) لأن أهل السنّة يحبون جميع الصحابة ويعرفون لكل حقّه وفضله وهم أكمل الأمة إسلاما وإيمانا وعلما وعملا، وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. . . (الفتح: ٢٩) وأما الرافضة فقد غلوا في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغلوا في أهل البيت ونصبوا العداء لجماهير صحابة رسول الله ﷺ وكفروهم ومن والاهم. والخوارج كفروا عليا وعثمان ومن والاهما، فأهل السنّة وسط بين الفريقين ولله الحمد والمِنّة. انظر " الكواشف الجلية " (ص ٥٠٥ - ٥٠٧) . قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في " عقيدته " (ص ٥٢٨ شرحها): " ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وعصيان ". والرافضة سموا بذلك لأنهم رفضوا زيد بن علي حينما قالوا له يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر - ﵄ - فقال: معاذ الله نتولاهما ونبرأ ممن تبرأ منهما. وأول من قال بالرفض وغلا في علي - ﵁ - حتى زعم أنه كان نبيا ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله عبد الله بن سبأ - كان يهوديا فأسلم لإفساد الدين في عهد عثمان ﵁ - انظر " الفرق بين الفرق " (ص ٢٣٥) " والملل والنحل " (١ / ١٧٤) . والخوارج سموا بذلك لخروجهم على أمير المؤمنين علي - ﵁ - وعدم قبولهم التحكيم انظر " الملل والنحل " (١ / ١١٤) و" لوامع الأنوار البهية " (١ / ٨٦) .
[ ٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٦٨ ]