فصل ومن مذهب أهل الحق، ومما اتفق عليه أهل التوحيد والصدق، أن الله لم يزل متكلما، بكلام مسموع مفهوم، مكتوب، قال تعالى:. . . ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا يكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان. . .» الحديث (١) رواه عدي بن حاتم عنه ﷺ وروى جابر بن عبد الله قال: «لما قتل عبد الله - يعني أباه - قال رسول الله ﷺ: " يا جابر! ألا أخبرك بما قال الله لأبيك؟ " قال: بلى. قال: " ما كلم أحدا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا. . .» الحديث (٢) .
والقرآن كلام الله ﷿، ووحيه وتنزيله، والمسموع من القارئ كلام الله ﷿، قال الله تعالى:. . ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وإنما سمعه من القارئ وقال ﷿:. . ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١١ / ٤٠٠ فتح) ومسلم (١٠١٦) بلفظ: " ما منكم من أحد إلا سيكلمه. . . ".
(٢) رواه ابن ماجه (١٩٠ و٢٨٠٠) وتمامه (. . . فقال: يا عبدي! تمن عليَّ أعطِك. قال. يا رب! تحييني فأقتل فيك ثانية. قال: إنه سبق مني (أنهم إليها لا يرجعون) قال: يا رب! فأبلغ من ورائي فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا. . . (آل عمران: ١٦٩) (الآية كلها) وروى نحوه الترمذي أيضا (٤٠٩٧) وقال: " حديث حسن غريب ". وكِفاحا: أي مواجهةً ليس بينهما حجاب ولا رسول كما في " النهاية " (٤ / ١٨٥) .
[ ٧٤ ]
وهو محفوظ في الصدور، كما قال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «استذكروا القرآن فهو أشد تفصيا من صدور الرجال [من النعم] (١) من عقلها» (٢) .
وهوِ مكتوب في المصاحف، منظور بالأعين، قال تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ - فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور: ٢ - ٣] وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] وعن ابن عمر - ﵄ - «نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» (٣) وقال عثمان بن عفان (٤) " ما أحب أن يأتي عليّ يوم وليلة حتى أنظر في كلام الله - يعني القراءة في المصحف - " (٥) وقال عبد الله بن أبي مليكة (٦) " كان عكرمة (٧) بن أبي جهل يأخذ المصحف ويقول: " كلام ربي " (٨) .
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وصححناه من مصادر الحديث.
(٢) رواه البخاري (٩ / ٧٩ فتح) ومسلم (٧٩٠) ولفظ مسلم: " بئسما لأحدهم يقول: نسيتُ آية كيت وكيت بل هو نُسِّي استذكروا القرآن فلهو أشد تفصِّيا من صدور الرجال من النَّعَمِ بِعُقلها " وأشد تفصيا أي أشد خروجا كما في " النهاية " (٤ / ٤٥٢) .
(٣) رواه البخاري (٦ / ١٣٣ فتح) ومسلم (١٨٦٩) ولكن ليس في البخاري " مخافة أن يناله العدو " وقال البخاري في باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو (٦ / ١٣٤ فتح): " وقد سافر النبي ﷺ وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن ". وانظر كلام الحافظ في الفتح لبيان صحة زيادة " مخافة أن يناله العدو " حيث رد على من قال إن هذه من تعليل مالك وليست مرفوعة، ولفظ مسلم صريح في الرفع إذ لفظه: " فإني لا آمن أن يناله العدو " فانتفى القول بالإدراج. وقال الشيخ الألباني عن زيادة مسلم: " ففيها تنبيه إلى علة النهي، ولازمها إذا أُمن أن يناله العدو فلا نهي ". انظر " رياض الصالحين " (ص ٦٢٧) الحاشية منه.
(٤) أمير المؤمنين أحد السابقين الأولين والخلفاء الراشدين والعشرة المبشرة استشهد (سنة ٣٥ هـ) التقريب.
(٥) رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في " السنة " (ص ٢١) .
(٦) انظر التعليق رقم (٢) بحاشية ص ٦٣.
(٧) صحابي أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح، تقريب.
(٨) رواه عبد الله في " السنة " (ص ٢٠) .
[ ٧٥ ]
[معنى قولهم عن القرآن منه بدأ وإليه يعود]
وأجمع أئمة السلف المقتدى بهم من الخلف على أنه غير مخلوق. وقال علي (١) بن أبي طالب: " القرآن ليس بمخلوق ولكنه كلام الله، منه بدأ، وإليه يعود " (٢) وروي نحوه عن ابن مسعود (٣) وابن عباس وعمرو بن دينار (٤) وسفيان ابن عيينة (٥) وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره (٦) .
ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة عنه، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه بالمصاحف، لم يخرج بذلك أن يكون كلام الله سبحانه حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدئا لا إلى من قاله مُبلغا مؤديا (٧) .
فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنه كلام الله ووقف
_________________
(١) ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته أمير المؤمنين أحد العشرة المبشرة مات (سنة ٤٠ هـ) انظر التقريب.
(٢) أي أن الله هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه ليس هو كما تقول الجهمية أنه خلق في الهواء أو غيره وبدأ من عند غيره. وأما " إليه يعود " فإنه يُسْرى به في آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا يبقى في الصدور منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف، ورفع القرآن من أشراط الساعة. انظر " الكواشف الجلية عن معاني الواسطية " (ص ٥٣٣) و" المناظرة في العقيدة الواسطية " (ص ٢٥) .
(٣) من كبار العلماء من الصحابة مناقبه جَمّة مات (سنة ٣٢ أو ٣٣ هـ)، تقريب.
(٤) هو المكي أبو محمد الأثرم الجُمحي مولاهم، ثقة ثبت مات سنة (١٢٦ هـ)، تقريب. [روى الأثر الدارمي في رده على المريسي (ص ٣٣٠) ح ١٤٩، وفي رده على الجهميّة ح ٣٤٤، والأثر صحيح] .
(٥) الكوفي ثم المكي ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بأخَرةٍ وكان ربما دلس لكن عن الثقات وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار مات (١٩٨ هـ)، تقريب. [المحفوظ عنه عن عمرو بن دينار في هذا الأثر، انظر تعليقي على رد الدارمي ص ٣٣١] .
(٦) ذكر شيخ الإسلام في " مناظرته في الواسطية " (ص ٢٥) قول عمرو بن دينار: " أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ".
(٧) الفقرة كلها بنصها في " العقيدة الواسطية " (ص ١٢ - ١٣) .
[ ٧٦ ]
ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من القول الأول، ومن زعم أن ألفاظنا وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، وقد كلم الله موسى ﵇ تكليما منه إليه، وناوله التوراة من يده إلى يده، ولم يزل ﷿ متكلما (١) .
والقرآن كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف. واحتج أحمد بن حنبل (٢) بأن الله تعالى كلم موسى، فكان الكلام من الله، والاستماع من موسى، وبقوله ﷿:. . ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣] الآية [السجدة: ١٣] . وروى الترمذي عن خباب بن الأرت (٣) أن النبي ﷺ قال: «إنكم لن تتقربوا إلى الله ﷿ بأفضل مما خرج منه، يعني: القرآن» (٤) .
_________________
(١) قارن هذه الفقرة بـ " السنة " لأحمد (ص ٧٦) . وأما المناولة فلا دليل عليها من الكتاب والسنة، ولعل المصنف اقتبس هذه العبارة أو نقلها من " السنة " لأحمد - رواية الإصطخري - وربما لهذا الوجه ذكر الذهبي أن رسالة الإصطخري فيها نظر - مقدمة المسند تحقيق أحمد شاكر ١ / ١٢٤ - ولعل هذه العبارة أقحمت في كتاب الإمام أحمد لأنه توجد رواية من غير الإصطخري ولا توجد فيها الكلمات المستغربة راجع " شذرات البلاتن " (ص ٤٤) والتعليق على " المدخل إلى مذهب الإمام أحمد " (ص ٤٤) للدكتور عبد الله التركي ومن كتابه استفدنا وعسى أن أحقق القول في الأمر إن شاء الله. [جزم الحافظ الذهبي بوضع الرسالة في كتابه " سير أعلام النبلاء " (١١ / ٣٠٣)] .
(٢) الثقة الحافظ الفقيه الحجة أحد الأئمة مات (سنة ٢٤١ هـ)، تقريب.
(٣) من السابقين إلى الإسلام وكان يعذب في الله وشهد بدرا - ﵁ - مات (سنة ٣٧ هـ)، تقريب.
(٤) لم أره في الترمذي من حديث خبّاب بن الأرت وكذا لم يذكر الحديث في " تحفة الأشراف " في ترجمة خباب. والذي رواه الترمذي (٣٠٧٩) هو عن زيد بن أرطاة عن جُبير بن نفير قال: قال رسول الله ﷺ: " إنكم لنْ ترْجعُوا إلى الله بأفضل مما خرج مِنه يعني القرآن " وهو مرسل كما قال الترمذي (٣٠٧٨) وانظر " فيض القدير " (٢ / ٥٥٦) وروى الترمذي (٣٠٧٩) وأحمد (٥ / ٢٦٨ و٦ / ٢٥٦) عن أبي أمامة رفعه ". . . وما تقرب العباد إلى الله ﷿ بمثل ما خرج منه، قال أبو النضر يعني القرآن " وقال الترمذي: " حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وبكر ابن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر عمره ". قلت: بكر قال فيه الذهبي " واه " الكاشف (١ / ١٠٧) وانظر التهذيب (١ / ٤٨٢) و(الميزان ١ / ٣٤٤) حيث ضعفه الجمهور وتركه الدارقطني ووثقه العجلي " والجرح مقدم على التعديل. [ورواه الحاكم في المستدرك (١ / ٥٥٥) من طريق جبير بن نفير عن أبي ذر - ﵁ - به مرفوعا، وقال: " صحيح على شرط الشيخين " والصواب أن إسناده صحيح رجاله رجال مسلم ما عدا زيد بن أرطاة وهو ثقة] .
[ ٧٧ ]