فصل وتنصب الموازين، فيوزن فيها أعمال العباد من الحسنات والسيئات، كما يشاء الله أن يوزن ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]
والميزان (١) له كفتان ولسان (٢) .
وتنشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، ومن وراء ظهره، ويحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، كما ورد في الكتاب والسنة. وأما الكفار، فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنه لا حساب لهم، ولكن تعد أعمالهم، فتحصى فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخبرون بها.
_________________
(١) قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧] . وروى الشيخان: البخاري (١٣ / ٥٣٧ فتح الباري) ومسلم (٢٦١٤) عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ". وقال أبو إسحاق الزجاج: " أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة وأن الميزان له لسان وكفّتان ويميل بالأعمال. وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنّة لأن الله تعالى أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة فيكونوا على أنفسهم شاهدين، والحق عند أهل السنّة. . . " فتح الباري (١٣ / ٥٣٨) . وانظر " شرح الطحاوية " (ص ٤٧٢) و" لوامع الأنوار البهية " (٢ / ١٨٤) لترى بسط الأدلة عن أن الميزان حقيقة.
(٢) لسان الميزان: عذبته، القاموس (٤ / ٢٦٨) .
[ ١٢٦ ]
[أصناف ما تضمنته الدار الأولى والآخرة]
وأصناف ما تتضمنه الدار الأولى والآخرة، من أشراط القيامة، والحساب، والكتاب، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار، حق.
وكذلك الصور حق ينفخ فيه إسرافيل، فيموت الخلق، ثم ينفخ الأخرى، فيقومون من الأجداث إلى الحساب، وفصل القضاء.
واللوح المحفوظ تستنسخ منه أعمال العباد، لما سبق فيه من المقادير والقضاء. والقلم حق (١) كتب الله به كل شيء وأحصاه في الذكر. وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتاب العزيز المنزل من السماء والسنة المطهرة والمأثور عن سيد الأنبياء. وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ والحديث المأثور عنه ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي فمن ابتغاه وجده.
والموت يؤتى به يوم القيامة، فيذبح كما روى أبو سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ يا أهل الجنة، فيشرئبون، وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا فيقولون هذا الموت كلهم قد رآه فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]» [مريم: ٣٩] (٢) .
_________________
(١) انظر التعليق رقم (٥) بحاشية ص ٦٣.
(٢) متفق عليه: البخاري (٨ / ٤٢٨) ومسلم (٢٨٤٩) . فيشرئبون: أي يرفعون رؤوسهم لينظروا إليه وكلّ رافع رأسه مُشَرئِبّ، النهاية (٢ / ٤٥٥) .
[ ١٢٧ ]