فصل ونعتقد أن محمدًا المصطفى، وأحمد المجتبى ﷺ، خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله ﷿ وأعلى درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة بعثه الله رحمة للعالمين وخصه بالشفاعة في الخلق أجمعين.
عن جابر - ﵁ - أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلوة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (١) وقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» (٢) وقال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأنا أول شافع ومُشفَّع» (٣) رواه مسلم والنسائي. وعن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ: «آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك» رواه مسلم (٤) إلى غير ذلك من الخصائص والفضائل.
قلت: له ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات:
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١ / ٤٣٦ فتح) ومسلم (٥٢١) واللفظ للبخاري.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة: البخاري (٨ / ٣٩٥) ومسلم (١٩٤) .
(٣) مسلم من حديث أبي هريرة (٢٢٧٨) ولفظه: " أنا سّيد الناس يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع ". والحديث لم يعزه المزي للنسائي في " تحفة الأشراف " والله أعلم.
(٤) في صحيحه (١٩٧) .
[ ٩٢ ]
[شفاعة الرسول وأنواعها]
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى الشفاعة حتى تنتهي إليه.
والثانية: أن يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
وهاتان الشفاعتان خاصتان به.
والثالثة: يشفع فيمن يستحق النار، فيشفع في قوم، فلا يصيرون إلى النار، وهذه الشفاعة له ولسائر المؤمنين والصديقين والشهداء وغيرهم من الملائكة. . . ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولا ينفع الكافرين شفاعة الشافعين ويخلد قوم فيها أبدا، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله ﷿، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما، ويخرج الله من النار قوما بغير شفاعة بفضله ورحمته الواسعة، ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواما، فيدخلهم الجنة (١) .
وتكون الشفاعة بالإذن لمن أذن له الرحمن وقال صوابًا وقد نص القرآن الكريم على ذلك في مواطن منها قوله ﷾:. . ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] والشفعاء كلهم داخلون تحت هذا الإذن، ولا يشفع أحد بغير إذنه تعالى.
_________________
(١) من قوله " قلت " في بيان أنواع الشفاعة إلى هذا الموضع من الواسطية (ص ١٤ - ١٦) إلا أحرفا يسيرة. انظر أحاديث الشفاعة في مسلم (١٩٣ فما بعدها) وراجع بحث موضوع الشفاعة وأنواعها " شرح العقيدة الطحاوية " (ص ١٥٢ - ٢٦٧) .
[ ٩٣ ]