فصل ومن لواحق ذلك، النذر للأولياء وللقباب والمشاهد والقبور والضرائح. وقد ورد في الصحيح عنه ﷺ النهي عن النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير» (١) فقيل: النذر من حيث هو مكروه (٢) وقيل: خلاف الأولى، وفيه إساءة الظن بربه وهذا يؤكد حمل النهي على
_________________
(١) رواه مسلم (١١ / ٩٨ بشرح النووي) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٢) اعلم أن النذر نذران: نذر مستحب ونذر فيه تفصيل: فالنذر المستحب هو نذرُ الابتداء والتبرّر (أي ينذر المسلم فعل طاعة لله من غير تعليق الفعل بأمر يتم له أو لغيره) وهذا النوع هو المقصود - والله أعلم - بقوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: ٧]، وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (١١ / ٥٧٩): وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: يوفون بالنذر. . . قال: " كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا " وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة " انتهى كلامه ﵀. وأما النذر الثاني وهو نذر المجازاة أو المعاوضة (أي ينذر المسلم فعل طاعة ويعلق فعله بحصول ذلك الغرض وتمامه، كقوله إن شفي مريضي أو جاءني كذا فلله عليّ كذا. . .) فجاء فيه ما ذكر المؤلف من النهي ومن ذلك " نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: إنه لا يرد شيئا ولكنه يستخرج به من البخيل " رواه البخاري (١١ / ٥٧٦ فتح) . عن عبد الله بن عمر - ﵄ - وقوله ﷺ: " إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخر وإنما يستخرج بالنذر من البخيل " رواه البخاري (١١ / ٥٧٥ فتح) . وجزم القرطبي في " المفهم " بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة وبيّن أن البخيل لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض يزيد على ما أخرج غالبا، فكذا الناذر علق نذره على تحقق غرضه، وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل: يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليه الإشارة بقوله في الحديث " فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئا " والحالة الأولى تقارب الكفر والثانية خطأ صريح - بل صرح الحافظ ابن حجر بأنها تقرب من الكفر أيضا - وقال القرطبي: " الذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرما والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك ". واستحسن هذا التفصيل الحافظ في " الفتح " بعد نقله كلام القرطبي فقال: وراجعه للبسط في المسألة فمنه استفدنا فإنه نفيس. فتح الباري (١١ / ٥٧٨) وانظر " النهاية في غريب الحديث " (٥ / ٣٩) .
[ ١١١ ]
التحريم، والمراد أنه لا يرد القضاء ولا نفع فيه، ولا صرف ضر، ولا جلب خير.
[كلام هام لأهل العلم فيما ينذر به على القبور]
والظاهر من الأدلة الصحيحة الصريحة، تحريم نذور القباب وغيرها، وهذا من العمل الذي ليس عليه أمره. وفى الصحيحين «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) وهو دال على بطلان العقود غير المأمور بها، وعدم ترتب ثمراتها عليها سواء كان عن مَن جهل، أو عرف الحق، وتعمد خلافه، فهذه النذور محرمة باطلة (٢) .
_________________
(١) رواه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة. والذي رواه البخاري (٤ / ٣٥٥ فتح) معلقا بصيغة الجزم وانظر " هدي الساري " (ص ٤٥ كتاب الصلح) و" فتح الباري " (٥ / ٣٠١، ٣٠٢) . وأما حديث: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " فهو في الصحيحين: البخاري (٥ / ٣٠١ فتح) ومسلم (١٧١٨) عن عائشة - ﵂ -.
(٢) قال الرافعي في " شرح المنهاج ": " وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو اسم من حَلّها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء والصالحين فإن قصد الناذر بذلك - وهو الغالب أو الواقع من قصد العامة - تعظيم البقعة والمشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات ويرون أنها مما يُدفع بها البلاء ويُستجلب بها النعماء ويستشفى بالنذر لها من الأدواء حتى إنهم لينذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح وينذرون لبعض القبور السُّرج والشموع والزيت ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض أو قدوم غائب أو سلامة مال وغير ذلك من أنواع المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه بل نذر الزيت والشمع ونحوهما للقبور باطل مطلقا ومن ذلك: نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغمرها لقبر الخليل ﵇ ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء فإن الناذر لا يقصد بذلك الإيقاد على القبر إلا تبركا وتعظيما ظانا أن ذلك قربة، فهذا مما لا ريب في بطلانه والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به هناك منتفع أم لا ". وقال الشيخ قاسم الحنفي في شرح " درر البحار " عن النذر الذي ينذره أكثر العوام لغير الله: " إنه باطل بالإجماع لوجوه منها: أنه نذر لمخلوق: والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها، أن المنذور له ميت والميت لا يملك، ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله واعتقاد ذلك كفر إلى أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليها فحرام بإجماع المسلمين "، نقله ابن نجيم في " البحر الرائق ". انظر " فتح المجيد شرح كتاب التوحيد " (ص ١٢١ - ١٢٢) ومنه نقلنا ما تقدم.
[ ١١٢ ]
وكذلك الأموال التي توقف على الكعبة المشرفة، وعلى المسجد النبوي، ينبغي صرفها في مصالح الإسلام وأهله، ولا تترك سدى، ولقد «لعن رسول الله ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد» (١) يصلى فيها، فكيف من اعتقد واتخذ القبر وثنا يضر وينفع؟ وعنه ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢) و«إن مَن كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٣) رواه أحمد وابن حبان. وعن علي «أمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (٤) . وقد علم بالأدلة الصحيحة المحكمة أن بناء المشاهد والقباب لا يجوز (٥) وأن النذور لها محرمة.
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (٣ / ٢٠٠ فتح) ومسلم (٥٢٩) من حديث عائشة.
(٢) رواه مالك في الموطأ مرسلا (١ / ١٥٨) وقد صح موصولا عن أبي هريرة، كما حققه الأستاذ الشيخ الألباني في " تحذير الساجد " (٤، ١٥) فراجعه.
(٣) روى نحوه البخاري (١ / ٥٣١ فتح)، ومسلم (٥٢٨) .
(٤) رواه مسلم (٩٦٩) عن أبي الهيّاج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ " أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ".
(٥) خلافا لما اشتهر وانتشر من بنائها على القبور في كثير من ديار المسلمين مع كثرة الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك وتحذير النبي ﷺ أمته قبل وفاته، ومع هذا كله كتب الشيخ أبو الفيض أحمد الصديق الغماري كتابا سماه " إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور " وانظر الرد عليه وعلى أفكاره الضالة المضللة في كتاب " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " للشيخ الألباني، والله المستعان.
[ ١١٣ ]