فصل ومن السنة هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين والسنة، وكل محدثة في الدين بدعة، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، في أصول الدين وفروعه، كالرافضة (١) والخوارج (٢) والجهمية (٣) والقدرية (٤) والمرجئة (٥) . والكرامية (٦) .
، والمعتزلة (٧) فهذه فرق الضلالة وطرائق البدع.
والاختلاف في الفروع شائع، كما في المذاهب الأربعة، والمختلفون فيها محمودون متابعون على اجتهادهم، ما لم يخالف النص، واختلافهم رحمة واسعة (٨) .
، إذا كان مبنيًا على أدلة الكتاب والسنة كاختلاف الصحابة فيما بينهم، وهم أسوة الأمة واتفاقهم حجة عند قوم.
_________________
(١) انظر التعليق السابق رقم (٥) بحاشية ص ٦٨.
(٢) انظر التعليق السابق رقم (٥) بحاشية ص ٦٨.
(٣) انظر التعليقين السابقين رقم (١) بحاشية ص ٤٥ ورقم (٢) بحاشية ص ٦٦.
(٤) انظر التعليق السابق رقم (٤) بحاشية ص ٦٧.
(٥) انظر التعليق السابق رقم (٤) بحاشية ص ٦٧.
(٦) هم أصحاب أبي عبد الله بن كرام، كان يرى مع إثبات الصفات التشبيه والتجسيم. تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا، وقال أيضا: الإيمان قول اللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن. وانظر "الملل والنحل " (١ / ١٤٤) والميزان (٤ / ٢١) وقال الذهبي عنه: "ساقط الحديث على بدعته" الميزان.
(٧) انظر التعليق السابق رقم (٤) بحاشية ص ٦٧.
(٨) قلت: لا أعلم شيئا من الاختلاف بين المسلمين يسمى رحمة. قال الله تعالى:. . وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. . [الأنفال: ٤٦] . وقال ابن حزم في: "الإحكام في أصول الأحكام " (٥ / ٦٤) في باب ذم الاختلاف. "لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا وهذا مما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق واختلاف وليس إلا رحمة أو سخط ". وأما حديث "اختلاف أمتي رحمة" فلا أصل له عند علماء الحديث قال المناوي في "فيض القدير" (١ / ٢١٢): "قال السبكي: وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع " وقد ردّ الحديث ابن حزم وغيره من المحققين. "وأما الصحابة فلا يلحقهم الذم لأنهم لم يتعمدوا المخالفة ولا استهانوا بطلب الحق والمصيب منهم مأجور أجرين والمخطئ مأجور أجرًا واحدًا وهكذا المسلم إلى يوم القيامة وإنما الوعيد لمن ترك التعلق بحبل الله وهو القرآن وكلام النبي ﷺ بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة عليه وتعلق بفلان وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف داعيًا إلى عصبية وحمية الجاهلية قاصدًا للفرقة متحديًا في دعواه. . . " ذكره ابن حزم (٥ / ٦٧- ٦٨) من "الإحكام". وذكر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (٢ / ١٠٠) عن الإمامين مالك والليث ﵄ أنهما قالا في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ عبر رادّيْن على من زعم أن فيه توسعة ورحمة للأمة فقالا: ليس كذلك إنما هو خطأ وصواب". ومن الاختلاف ما ذم الله به الطائفتين جميعًا كما في قوله: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: ١١٨، ١١٩]، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. . [الأنعام: ١٥٩] . والاختلاف قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. فأما اختلاف التنوع فهو على وجوه منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعًا كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة حتى زجرهم الرسول ﷺ عن الاختلاف وقال: "كلاكما محسن" ومثله اختلاف التنوع في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح والتشهدات وعدد تكبيرات الجنائز إلى غير ذلك مما شرع جميعه وقد يقال إن بعض أنواعه أفضل. واختلاف التضاد هو عندما يكون القولان متناقضين سواء في الأصول أو الفروع. وراجع إلى تفصيل ذلك في "اقتضاء الصراط المستقيم " (ص ٣٦- ٣٩) ومنه نقلت مع تصرف يسير.
[ ١٤٤ ]
ثم من طريقهم اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، والمشي على ظاهر السنة وواضحها، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» إلى قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (١) . "، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله تعالى كما قال تعالى:. . ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]
_________________
(١) مضى تخريجه رقم (١) بحاشية ص ٩٧.
[ ١٤٥ ]
وخير الهدي هدي محمد ﷺ من هدي كل أحد سواه، ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة وأهل الحديث والآثار.
[مقصود الإجماع]
والإجماع ما عليه أهل العلم، من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، مما له تعلق بالدين، والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، وبعدهم كثر الاختلاف، ولم يوجد إجماع على حده، ولهذا أنكره الإمام أحمد، وغيره، من أهل التحقيق (١) .
وهم مع هذه الأصول، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، على ما توجبه الشريعة، ويحافظون على الجماعات، والجمعة، ويدينون بالنصيحة للأمة، ولولاة الأمور، ويعتقدون معنى قوله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه» (٢) .
وقوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (٣) .
_________________
(١) قال الإمام أحمد في "مسائله " لابنه عبد الله (ص ٣٩٠) كما في "آداب الزفاف " (ص ١٤٥): "من ادّعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا" وذكره ابن حزم في "الإحكام " كما في "نظام الطلاق " (ص ١٠٠) وقال العلامة أحمد شاكر في "نظام الطلاق ": "الإجماع الصحيح الذي تثبته الأدلة الذي لا يجوز لأحد خلافه هو الأمور المعلومة من الدين بالضرورة كلها وليس شيء غيرها يسمى إجماعًا" ثم نقل عن الإمام الطبري قوله: "إن الإجماع هو نقل المتواترين لما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ من الآثار". وانظر "الإحكام في أصول الأحكام " (٤ / ١٤٢-١٤٤) بتحقيق أحمد شاكر و"إرشاد الفحول " (ص ٧١) للشوكاني و"حصول المأمول " لصديق حسن خان (ص ٥٧) ومقدمة الإحماع لابن المنذر للدكتور أبي حماد صغير وغيرها حول الإجماع.
(٢) متفق عليه: البخاري (١٠ / ٤٠٠ فتح) ومسلم (٢٥٨٥) عن أبي موسى، ولكن ليس في مسلم التشبيك.
(٣) متفق عليه: البخاري (١٠ / ٤٣٨ فتح) ومسلم (٢٥٨٦) عن النعمان بن بشير. واللفظ لمسلم.
[ ١٤٦ ]
ويأمرون بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويقولون: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» كما في الحديث (١) .
ويندبون إلى أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، والرفق بالمملوك.
وينهون عن الفخر والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفلها.
وكل ما يقولونه ويفعلونه من هذا وغيره فإنما هم فيه متبعون للكتاب والسنة، وطريقهم هو دين الإسلام، الذي بعث الله به محمدا ﷺ لكن لما أخبر النبي أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة (٢) وفي حديث أنه قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم
_________________
(١) رواه الترمذي (١١٧٢) وقال: "حسن صحيح " وأحمد (٢ / ٤٧٢ و٢٥٠) وابن حبان (١٣١١ موارد) والحاكم (١ / ٣) .
(٢) رواه أبو داود (٤٥٩٧) وابن أبي عاصم في "السنّة " (٢ و٦٥) واللالكائي في "شرح الاعتقاد" (١٥٠) وأحمد (٤ / ١٠٢) والحاكم (١ / ١٢٨) والآجري في "الشريعة " (ص ١٨) عن معاوية ﵁ ورواه ابن ماجه (٣٩٩٣) والآجري (ص ١٦) عن أنس ورواه ابن ماجه أيضا (٣٩٩٢) وابن أبي عاصم (٦٣) واللالكائي (١٤٩) عن عوف بن مالك الأشجعي ورواه الآجري (ص ١٧ -١٨) عن سعد بن أبي وقاص. ورواه الترمذي (٢٧٧٨) والآجري (ص ١٥) وابن حبان (١٨٣٤ موارد الظمآن) والحاكم (١ / ١٢٨) عن أبي هريرة الحديث ولكن لم يذكروا فيه "وهي الجماعة " وكذا رواه الدارمي (٢ / ٢٤١) وابن أبي عاصم في "السنّة" (٦٦ و٦٧) عن معاوية ﵁. والحديث صحيح لا شك في صحته وقد صححه جمع من الحفاظ انظر "السلسلة الصحيحة". (٢٠٣) لذلك وللرد على الكوثري في هذا الحديث.
[ ١٤٧ ]
وأصحابي» (١) ".
صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب (٢) هم أهل السنة والجماعة وفيهم الصديقون والشهداء، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم أئمة الدين، الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة، التي قال فيها رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» (٣» .
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٧٧٩) وقال: "حسن غريب مفسر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه"- واللالكائي (١٤٨) وابن نصر المروزي في " السنة " (ص ١٨) والآجري في "الشريعة " (ص ١٥) وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (٨٥) وإسماعيل الأصفهاني في "الحجة في بيان المحجة" (١٦ و١٧ بترقيم الدكتور محمد ربيع- رسالة دكتوراه-) كلهم عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف في حفظه كما في "التقريب". وروى الطبراني في الصغير (ص ١٥٠) عن وهب بن بقية ثنا عبد الله بن سفيان المدني عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس بن مالك فذكره وقال الطبراني: "لم يروه عن يحيى إلا عبد الله بن سفيان". وقال العقيلي: "لا يتابع على حديثه " وقال الذهبي في "ميزان الاعتدال " (٢ / ٤٣٠) "إنما يعرف هذا بابن أنعم الإفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو.
(٢) أي عن الخلط بغيره.
(٣) حديث صحيح له طرق متعددة وبألفاظ مختلفة انظر "صحيح البخاري" (١٣ / ٣٩٣ فتح الباري) وصحيح مسلم (١٥٦) و"صحيح الجامع الصغير" (٧١٦٤ - ٧١٧٣.
[ ١٤٨ ]