فصل
في تشكيك المالكي في معاني مصطلحات كثيرة مستقرة عند أهل العلم
كالسلف الصالح، وأهل السنة، وأهل الأثر، وأهل الحديث،
وحد البدعة، والإجماع، وغيرها، والرد عليه ثم قال المالكي ص (١٦٠): (وتتردد عندنا في العقائد ألفاظ كثيرة، ومصطلحات فضفاضة، لا نعرف معناها، أو على الأقل يختلف الناس في تحديدها من شخص لآخر، فنطلقها بلا تحديد، مثل: " السلف الصالح "، " أهل السنة "، " أهل الأثر "، " أهل الحديث "، " الطائفة المنصورة "، " البدعة "، " الإجماع "، " الضلالة "، " الأمة "، " علماء الأمة "، " الرافضة "، " الجهمية "، " الخوارج "، " النواصب "، " الشيعة "، " الكتاب "، " السنة "، إلخ) اهـ.
والجواب يسير من وجوه: أحدها: أنا نسلم له ما أثبته لنفسه من الجهل بتلك المصطلحات التي منها " الكتاب " و" السنة "، بل نسلم له أكثر من ذلك من الجهل وقلة العلم، غير أن جهله واعترافه به لا يدل على جهل غيره، وإنما يوجب عليه أمرا، وهو سؤال أهل العلم، قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] لا أن يرمي غيره به.
[ ٣٦٨ ]
الثاني: إن كان مراده من إيراد هذه الألفاظ وبيان جهله بها أن يجهل الحنابلة بها، وينفي معرفتهم لها، فهذا باطل، وكتبهم كلها في العقيدة تبين معرفتهم التامة بها، وليست هذه الألفاظ مجهولة، حتى عند عامة أهل السنة بله علماؤهم.
الثالث: أن معاني ما ذكره عندنا هي على ترتيبه:
* السلف الصالح: هم أئمة الدين، وعلماء الأمة المتقدمين، من أهل القرون الثلاثة المفضلة الأولى، المستقيمين على السنة، ومنهم الصحابة جميعا، ثم تابعوهم بإحسان، وتابع تابعيهم، ومن تلاهم على الإحسان والإيمان، وقد تقدم ذكر جماعات منهم، وذكر أقوالهم في غير مسألة.
وهذا الأمر لا ينازع فيه كثير من أهل البدع، بل يوافقون أهل السنة في هذا الحد، لكنهم قد يقولون: (مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم) .
* وأهل السنة وأهل الحديث والأثر بمعنى واحد، وهم المستقيمون على الكتاب والسنة، على فهم السلف الصالح، فلا ينفون عن الله - ﷿ - ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله، بل يثبتونه مسلمين للوحي، غير متكلفين ولا مكيفين أو مشبهين، ولا مؤولين أو معطلين.
[ ٣٦٩ ]
ولا يثبتون له سبحانه شيئا لم يثبته لنفسه أو رسوله ﷺ، محكمين الوحي في أمورهم كلها، متبعين علماء الأمة المرضيين، وسلفهم السابقين، في فهم معانيها، ومعرفة المقصود من ورائها.
ولتمسكهم الشديد بحديث النبي ﷺ وآثاره، وآثار أصحابه وتابعيهم، رواية ودراية، سموا أهل الحديث، وأهل الأثر، وهم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
* أما البدعة: فقد نص على بيانها النبي ﷺ حيث قال: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» [حم (٣ / ٣١٠ و٣٧١) م (٨٦٧) مي (٢٠٦) جه (٤٥) ن (١٥٧٨) واللفظ له] .
وقال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [حم (٦ / ٢٤٠ و٢٧٠) خ (٢٦٩٧) م (١٧١٨)] .
* والإجماع: اتفاق علماء الأمة الربانيين في عصر ما على حكم أمر ما، هذا في الأمور الشرعية، ويعتبر في كل إجماع غيره إجماع علمائه، فإجماع النحاة لا يعتبر فيه إلا النحاة، ولا يخرق إجماعهم من ليس له معرفة بالنحو، وإجماع الشرع دليل محكم في كل أمر ثبت وصح فيه.
[ ٣٧٠ ]
والضلالة: كل ما صرف المسلم عن الكتاب والسنة وحقيقة فهمهما والعمل بأوامرهما، ككتاب المالكي هذا.
والأمة: أمة دعوة، وأمة إجابة، فالأولى: يدخل فيها المسلمون، وأهل الكتاب وغيرهم ممن أدركوا دعوة النبي ﷺ في حياته، أو بعد مماته، فيلزمهم اتباعه، وترك ما هم عليه له.
والثانية: أمة الإجابة، وهم الذين اتبعوه ﷺ، وأسلموا ممن أدرك حياته ﷺ، أو جاء بعده.
والأصل في المراد بالأمة إذا أطلقت أمة الإجابة، وكذلك إذا نسبت إليها الفضائل والمحامد والنصر والعزة والرفعة والتمكن ونحوها، كقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية.
وإذا قيل: علماء الأمة فالمقصود كما هو معلوم أمة الإجابة، أما أمة الدعوة فلا تراد بإطلاق " الأمة " إلا إذا دلت قرينة على ذلك، ومنه قول النبي ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن
[ ٣٧١ ]
بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» رواه الإمام أحمد في " مسنده " (٢ / ٣١٧)، ومسلم في " صحيحه " (٢١٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
* والرافضة والشيعة بمعنى: وهم كل من انتقص صحابيا واحدا فأكثر، وهم يسمون أنفسهم شيعة، يزعمون كذبا تشيعهم لآل البيت ﵁، وأهل السنة يسمونهم رافضة لرفضهم الإسلام والحق، ورووا - أعني الرافضة - أنهم لما سماهم أهل السنة رافضة جاءوا جعفرا الصادق - ﵁ - فشكوا له ذلك، فقال: " والله ما سموكم به، ولكن الله سماكم ".
* والنواصب: من ناصب الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ العداء وكرهه، ثم صار لقبا لمن ناصب آل بيته - ﵁ وعنهم - العداء أو كرههم، وكذلك آل بيت النبي ﷺ عامة.
لذلك فإن الرافضة - التي تزعم التشيع للآل ومحبتهم - ناصبة كذلك، فإنهم يزعمون محبة علي - ﵁ - وآل بيته، وآل البيت عامة، ثم تراهم يطعنون في سبط رسول الله ﷺ الحسن بن علي - ﵄ -، ويصفونه بصفات قبيحة كمسود وجوه
[ ٣٧٢ ]
المؤمنين لتنازله - ﵁ - بالخلافة لمعاوية - ﵁ - وحقن دماء المسلمين، وكان ذلك سبب مدح النبي ﷺ والثناء عليه حين قال ﷺ: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» [حم (٥ / ٣٨ و٤٤ و٤٧ و٥١) خ (٢٧٠٤)، (٣٦٢٩)، (٣٧٤٦) د (٤٦٦٢) ت (٣٧٧٣) ن (١٤١٠)] .
ويطعنون في حبر الأمة عبد الله بن عباس، وأخيه عبيد الله - ﵃ -، وفي زوجات رسول الله، أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ﵄، وآخرين، بل لم يسلم أحد من آل البيت من طعنهم، لا علي، ولا الحسين، ولا ذريته، بل ولا النبي ﷺ.
ومن أراد أن يرى ذلك مجموعا في كتاب فليرجع إلى كتاب العلامة الحسن الموسوي - أحد كبار علماء الشيعة، بالحوزة النجفية - " كشف الأسرار، وتبرئة الأئمة الأطهار " ويعرف بـ " لله ثم للتاريخ " طلبا للاختصار، ففيه طلبة المحق، وغيض المبطل.
* أما الجهمية: فهم من نفى عن الله سبحانه صفة أو اسما ثابتا فأكثر، أو نفى القدر، أو قال: إن الإيمان المعرفة فحسب، ولهم أقوال غير ذلك، وما سبق مدار أقوالهم.
[ ٣٧٣ ]
* والخوارج: هم المارقة الذين خرجوا على علي - ﵁ - عند التحكيم وبعده، وقد ولي علي - ﵁ - قتلهم فقتلهم، وفرق جموعهم، ونال بشارة النبي ﷺ بفضل من قاتلهم، وقد استقر مذهب الخوارج بعد ذلك على عدة أمور، منها: تكفير مرتكب الكبيرة غير المستحل لها، والخروج على أئمة الجور المسلمين.
* والكتاب: هو القرآن، كلام رب العالمين، المنزل غير المخلوق، تكلم به سبحانه وحيا، وسمعه منه جبريل، وألقاه على محمد ﷺ، وهو المحفوظ تاما كاملا بين دفتي المصحف، فمن قال: إنه مخلوق، أو ناقص، ولو حرفا كفر بالإجماع.
* والسنة: هي أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وكذلك تطلق السنة على ما كان مستندا على ذلك، فيقال: من السنة: الإيمان بالقدر، وأن الإيمان يزيد وينقص، والمسح على الخفين، وهكذا.
[ ٣٧٤ ]