١ - لا يجوز الاحتفال بمولد النبي - ﵌ - لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين، ويرجع ذلك - كما يقول الشيخ رشيد رضا - إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص شرعي بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنة أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعًا، وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله تعالى وزيادة فيه تُعَد مِن شرْع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم. (١)
٢ - بدعة المولد النبوي حدثت بعد القرون الثلاثة المفضلة، كما قال الحافظ ابن حجر، والحافظ السخاوي.
٥ - الاحتفال بالمولد فيه مشابهة للنصارى في احتفالهم بميلاد المسيح - ﵇ -.
٦ - المولد النبوي نفسه، بمعنى وقت ولادته، اختلف في تحديد يومه وشهره بين علماء المسلمين ممن كتب في السير والملاحم والتاريخ، مع اتفاقهم على أنه يوم الاثنين كما ورد بذلك الخبر الصادق عن النبي - ﵌ -.
٧ - ومن دوَّن فيه وكتب من أهل العلم، فلكونه من أحداث السيرة النبوية، فيذكرون الإرهاصات السابقة لمولده - ﵌ - ثم مولده ونشأته وحياته قبل البعثة وبعدها إلى يوم وفاته.
٨ - وأما الاحتفال بمولده - ﵌ - فهو ممكن عقلًا لمن حضر ذلك اليوم الذي ولد فيه، وأما بعده فلم يبق إلا حدثًا وسيرة كسائر الأحداث والسير التي مرت في حياته - ﵌ -.
٩ - ومعلوم أن حياة النبي - ﵌ - امتدت ثلاثة وستين عامًا، منها أربعون قبل البعثة وثلاثة وعشرون بعدها، فكل يوم فيها هو يوم من حياته الشريفة المباركة ولا يقل شرفًا ولا أهمية عن يوم ولادته بل قد يفضل عليه، كيوم بعثته مثلًا.
١٠ - والاحتفال بمولده بمعنى إحياء ذكرى ذلك اليوم واتخاذه عيدًا يتكرر على الدوام، لم يفعله صاحب الشأن نفسه - ﵌ - ولم يرغب فيه حتى مات - ﵌ -، ولم يفعله صحابته الكرام ولا أزواجه ولا أهل بيته ولا التابعون ولا أتباعهم ولا الأئمة الأعلام.
١١ - ومضت تلك القرون الفاضلة والأمر على ما هو عليه من ترك الأمة كلها من شرقها إلى غربها الاحتفال بذكرى المولد أو غيره من الأيام، التي لا تقل عنه أهمية، فهي جزء من حياة خير الأنام - ﵌ -.
١٢ - هذا وقد كثرت مجالسهم في فنون العلم، في التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب والشعر، وسائر العلوم والفنون، ولم يخصوا مجلسًا واحدًا ولا محفلًا واحدًا من تلك المحافل على تنوعها، باحتفال بذكرى أي يوم من تلك الحياة الشريفة الحافلة.
١٣ - حتى إذا حدث النقص في الأمة في القرون التالية للقرون الفاضلة وتقلد زمام الأمر فيها فرقة باطنية ضالة، أبطنت الكفر والزندقة وأظهرت الإسلام والتشيع، وصارت لها دولة، هي الدولة العُبيدية، وهي المسماة بالدولة الفاطمية، فأحدثت الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وكان ذلك في سنة ٣٦١هـ.
فتأمل - رحمك الله - كيف يمكن أن يهمل خير هذه الأمة وأبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قربة من أعظم القرب، ويغفلون عنها، ويتتابعون على هذا الإهمال وذلك الإغفال كابرًا بعد كابر، وجيلًا بعد جيل، ثم يهتدي إليه ويسبقهم إليه أصحاب تلك النحلة الخبيثة الباطنية!!!
١٤ - وإن تعجب، فعجب قول بعض الناس (إن لنا على ذلك الاحتفال أدلة)، أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين دليلًا، بعضها من القرآن وبعضها من السنة وبعضها أدلة عقلية!! وكيف فات النبي - ﵌ - استنباطها من القرآن وهو ينزل عليه، ومن السنة وهو الناطق بها؟
ثم كيف فات أكابر الصحابة وعلماءهم وفضلاءهم، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء:٨٣)؟
وقل مثل ذلك في التابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الأمة، كيف عميت عليهم معاني تلك النصوص وغبي عليهم فهمها، وهم أساطين العلم والفهم والعقل؟
* ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى - ﵇ -، وإما محبة للنبي - ﵌ -، وتعظيمًا، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ــ لا على البدع ــ من اتخاذ مولد النبي - ﵌ - عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا لكان السلف - ﵃ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله - ﵌ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان.
وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حُرَّاصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حُسن القصد، والاجتهاد الذي يُرجَى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها.
الرد على الشبهات:
الشبهة الأولى: قول بعض العلماء أن الاحتفال بالمولد بدعة حسنة.
* الرد:١ - من المعلوم أن رسول الله - ﵌ - قضى وقرر بأن كل بدعة ضلالة، ولم يرِدْ نَصّ من كتاب أو سنة يمكن أن يُستَنَد إليه في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
٢ - الاحتفال نفسه من المنكرات شرعًا لأنه بدعة وكل بدعة ضلالة.
الشبهة الثانية: ما نُقل عن الحافظ ابن حجر العسقلانى من تخريج الاحتفال بالمولد على صيام الرسول - ﵌ - يوم عاشوراء حيث إن الرسول - ﵌ - قدم المدينة فوجد اليهود يصومون عاشوراء فسألهم فقالوا: «هذا يوم أغرق الله فيه فرعون وأنجى فيه موسى
_________________
(١) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للشيخ إسماعيل الأنصاري (ص١١٣) وعزاه لفتاوى رشيد رضا الجزء الخامس.
[ ١٨٩ ]
فنحن نصومُه شكرًا لله تعالى»، فقال: «أنا أحقُّ بموسى منكم فَصامَه وأمَرَ بصيامِه» فيستفاد من فعل ذلك شكرًا لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم.
* الرد:
١ - تخريج الحافظ ابن حجر عمل المولد على صيام عاشوراء لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه بأن ذلك بدعة لم تُنقل عن أحد من السلف من القرون الثلاثة - كما نُقِل ذلك عنه - فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه مَنْ بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا، إذ لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم، كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه إذ لو كان دليلًا لعمل به السلف الصالح، فاستنباط الحافظ ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي - ما دام الأمر كذلك - من حديث صوم يوم عاشوراء أو من أي نص آخر، مخالف لما أجمع عليه السلف الصالح من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ، لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى، وقد بسط الإمام الشاطبي الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه (الموافقات) وأتى في كلامه بما لا شك في أن الحافظ ابن حجر العسقلانى لو تنبه له لما خرّج عمل المولد على حديث صوم يوم عاشوراء ما دام السلف لم يفهموا تخريجه عليه منه ولم يعملوا به على ذلك الوجه الذي فهمه منه.
٢ - حديث صوم يوم عاشوراء لنجاة موسى - ﵇ - فيه وإغراق فرعون فيه ليس فيه سوى أن النبي - ﵌ - صامه وأمر بصيامه.
٣ - الشرط الذي شرطه الحافظ ابن حجر للاحتفال بالمولد النبوى وهو تحري ذلك اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى - ﵇ - لا سبيل إليه، حيث إن يوم عاشوراء يوم محدد معروف أما يوم ميلاد الرسول - ﵌ - فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة.
٤ - النبي - ﵌ - لم يزِدْ فيه على غيره من الشهور شيئًا من العبادات، فهل نحن أعلم
[ ١٩٢ ]
وأحرص على الدين من رسول الله - ﵌ - وأصحابه؟ وخير الهدي هدي محمد - ﵌ -.
الشبهة الثالثة: قول بعضهم إن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي - ﵌ - وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
* الرد:
١ - ما الدليل على أن الاحتفال بالمولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؟ وما هو مقدار هذا الثواب؟ وهل نحن أحرص من الصحابة والتابعين على هذا الثواب؟ وهل نحن أكثر تعظيمًا لقدر النبي - ﵌ - منهم؟ فهم لم يحتفلوا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
٢ - تعظيم قدر النبي - ﵌ - يكون باتباع هديه وليس باختراع عبادات لم يشرعها؛ فإن ذلك فيه اتهام له بأنه قصَّر في تبليغ الرسالة أو أن الرسالة لم تكتمل، وإذا كان الصحابة لم يفعلوا المولد فهل معنى ذلك أنهم كانوا لا يعظمون قدر النبي - ﵌ -؟!!
٣ - قال ابن الحاج: توفي النبي - ﵌ - يوم الاثنين ١٢ربيع الأول سنة ١١هجرية في نفس الشهر الذي ولد فيه فكيف يحتفلون ويأكلون ويشربون، ولا يبكون ولا يحزنون من أجل فَقْد النبي - ﵌ - في ذلك اليوم، مع أنهم لو فعلوا ذلك والتزموه لكان بدعة أيضًا، وإن كان الحزن عليه - ﵌ - واجبًا على كل مسلم دائمًا لكن لا يكون على سبيل الاجتماع لذلك. (المدخل لابن الحاج) (ج٢ ص ١٦ - ١٧) بتصرف.
الشبهة الرابعة: ما قيل من أن النبي - ﵌ - أشار إلى فضيلة هذا الشهر العظيم بقوله للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين: «ذاك يوم وُلِدتُ فيه» (رواه مسلم)، فتشريف هذا اليوم متضمن تشريف هذا الشهر الذي ولد فيه، ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل عظيم؛ لأنه - ﵌ - ولد فيه؟
* الرد: صوم النبي - ﵌ - يوم الاثنين ليس دليلًا على بدعة الاحتفال بالمولد فقد سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بُعِثْتُ، أو أُنزِلَ عليَّ فيه» (رواه مسلم)، فقد كان - ﵌ - يصوم ذلك اليوم من كل أسبوع وعلى طول الشهر، وعلى مدى العام كله، ولم يكن ذلك مرة واحدة في العام، فأين هذا مما يفعله المسلمون اليوم؟ ولو كان احتفالًا كما يزعم الزاعمون لاختلفت الكيفية، كأن يجتمع الصحابة مع
[ ١٩٣ ]
رسول الله - ﵌ -، ويتسابقون في إلقاء الخطب والأناشيد كما هو حال الكثير من المسلمين اليوم، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
الشبهة الخامسة: ما رُوي أن النبي - ﵌ - عقّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فزعموا أن أن هذا فعله - ﵌ - إظهارًا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده - ﵌ - بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات.
* الرد:
١ - ما روى أن النبي - ﵌ - عق عن نفسه غير صحيح ولم يثبت، فقد ضعفه الأئمة مالك، وأحمد بن حنبل، والبزار، والبيهقي، والنووي، والحافظ المزي والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر.
٢ - لو ثبت هذا عن النبي - ﵌ - لما كان هذا الحكم يخصه بل لاستُحِبَّ لكل مسلم أن يعق عن نفسه شكرًا لله على نعمة الخلق والإيجاد، حتى ولو لم يكن المخلوق نبيًا.
٣ - على فرض صحة الحديث - رغم وضوح ضعفه - فإنه لا يزيد أن يكون مثل حديث صيام يوم الاثنين وقد سبق الرد عليه.
الشبهة السادسة: قالوا إن وجود الرسول - ﵌ - سبب النجاة لمن اتبعه، وتقليل حظ جهنم لمن أُعدّ لها، لفرحه بولادته - ﵌ -، فمن المناسب إظهار السرور، فقد رُوى عن عروة ابن الزبير أنه قال: « وثويبة مولاة لأبى لهب وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي - ﵌ -، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرّ حِيبَة (أي سوء حال)، قال له: «ماذا لقيتَ؟» قال أبو لهب: «لم ألق بعدكم غير أني سُقِيَتْ فيَّ هذه بعتاقتى ثويبة».
الرد: *هذا الخبر رواه البخاري (٥١٠١)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به» (والمقصود الجزء الذي ذكرناه، أما المنسوب إلى النبي - ﵌ - والذي لم نذكره فلا).
* ذلك الخبر لو كان موصولًا لا حجة فيه لأنه رؤيا منام فلا حجة فيه كما قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
*ما في مرسل عروة هذا من أن إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل إرضاعها النبي - ﵌ -
[ ١٩٤ ]
يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبى لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
الشبهة السابعة: ما نُقل (ص١٦) عن الحافظ ابن كثير من أن أول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل، وكان شهمًا شجاعًا عاقلًا عادلًا.
* الرد: البدعة في الدين لا تقبل من أي أحد كان، وعدالته لا توجب عصمته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك ليس يصلح أن يكون معارضًا لكلام رسول الله - ﵌ - حتى يعارض به» (اقتضاء الصراط المستقيم) (ص٢٤٥).
وأبو بكر ومَن بعده من الخلفاء الراشدين - ﵃ - سنتهم أولى بالاتباع من صاحب إربل.
الشبهة الثامنة: من المسلمين من يقول: نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقًا سلفيًا ولا عمل القرون المشهود لها بالخير، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرى، لنجمع شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين.
الرد: إن كان المراد إحياء الذكرى لرسول الله - ﵌ - فإن الله تعالى قد تولى ذلك بأوسع نطاق حيث قرن ذكره - ﵌ - مع ذكره تعالى في الشهادتين، مع كل أذان على كل منارة من كل مسجد، وفي كل إقامة لأداء صلاة، وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على الثلاثين مرة جهرًا وسرًا، جهرًا يملأ الأفق، وسرًا يملأ القلب والحس.
ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين، لأنه السنة، وفي الملبس في التيامن لأنه السنة، وفي المضجع على الشق الأيمن لأنه السنة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها أنها السنة عن النَّبي - ﵌ -، وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، كما قال - ﵌ -: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين» (رواه البخاري) فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا يحبه.
* وإن كان المراد مقابلة فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور.
[ ١٩٥ ]
ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا موجب للتقييد بزمن معين بل العام كله لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم بما تريده من دراسة للسيرة النبوية.
الشبهة التاسعة: استدلال بعضهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (إبراهيم:٥) على اعتبار أن مولد النبي - ﵌ - من أيام الله. فيكون الاحتفال تطبيقًا لأمر الله.
الرد: أولًا: قال الإمام الطبري - ﵀ - في تفسير هذه الآية: «يقول - ﷿ -: وعِظْهُم بما سلف من نعمي عليهم في الأيام التي خلت، فاجتُزِئ بذكر (الأيام) من ذكر النعم التي عناها، لأنها أيام كانت معلومة عندهم، أنعم الله عليهم فيها نعمًا جليلةً، أنقذهم فيها من آل فرعون بعدَ ما كانوا فيما كانوا فيه من العذاب المُهِين، وغرَّق عدوَّهم فرعونَ وقومَه، وأوْرَثهم أرضهم وديارَهم وأموالَهم».
ثانيًا: كيف فات النبي - ﵌ - استنباط هذا الحكم من هذه الآية وقد أنزِلَتْ عليه، وكيف فات الصحابة والتابعون - ﵃ - ذلك؟
فلماذا لم يحتفل الرسول - ﵌ - والصحابة والتابعون - ﵃ - من بعده بيوم ميلاده - ﵌ -؟ ولماذا لم يحتفلوا بيوم ميلاد آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى - ﵈ -؟ ولماذا لم يحتفلوا بيوم بناء إبراهيم - ﵇ - للكعبة مثلًا؟
ثالثًا: إذا كان التذكير بكل نعمة من نعم الله - ﷿ - يكون بالاحتفال فستكون السنة كلها احتفالات؛ لأنه لا يخلو يوم من نعم لله - ﷿ - على عباده.
رابعًا: قال الإمام الطبري إنها «أيام كانت معلومة عندهم» اهـ.
أما يوم ميلاد الرسول - ﵌ - فغير محدد حيث اختلف العلماء في تعيينه على أقوال كثيرة.
[ ١٩٦ ]