أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد:
١ـ عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﵌ - في مرضه الذي لم يقُم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
قالت: فلولا ذاك أبرز قبره (أي كشف قبره - ﵌ - ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد دُفِن خارج بيته) غير أنه خُشي أن يُتَّخَذَ مسجدًا». (رواه البخاري ومسلم).
٢ـ عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﵌ -: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». (رواه البخاري ومسلم).
٣ - عن عائشة وابن عباس أن رسول الله - ﵌ - لما حضَرَتْه الوفاة جعل يُلقِي على وجهه طرف خميصة له (ثوب صوف مُعَلَّم)، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: «لعنةُ اللهِ على اليهودِ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». تقول عائشة: يحذر مثل الذي صنعوا. (رواه البخاري ومسلم)
قال الحافظ ابن حجر: «وكأنه - ﵌ - علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يُعَظَّم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم».
٤ـ عن عائشة - ﵁ - قالت: لما كان مرض النبي - ﵌ - تذاكر بعضُ نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية - وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتَتَا أرض الحبشة - فذكرْنَ من حُسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي - ﵌ - رأسه فقال: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (رواه البخاري ومسلم)
قال الحافظ ابن رجب في (فتح الباري٣/ ١٩٧): «هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها، كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراده، فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، كما دلت عليه نصوص أخر والتصاوير التي في الكنيسة التي
[ ١١٢ ]
ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظل، فتصوير الصور على مثال صور الأنبياء والصالحين للتبرك بها، والاستشفاع بها يحرم في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان، وهو الذي أخبر النبي - ﵌ - أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وتصوير الصور للتأسي برؤيتها أو للتنزه بذلك، والتلهي محرم، وهو من الكبائر وفاعله من أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره، وأنه تعالى ليس كمثله شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﷾».
٥ـ عن جندب بن عبد الله البجلي - ﵁ - أنه سمع النبي - ﵌ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ (١) إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله - ﷿ - قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (رواه مسلم).
٦ - عن زيد بن ثابت أن رسول الله - ﵌ - قال: «لعن الله (وفي رواية: قاتل الله) اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». (رواه الإمام أحمد وقال الألباني: الحديث صحيح لشواهده)
٧ـ عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد». (رواه ابن خزيمة وابن حبان وابن أبي شيبة وأحمد وصححه الألباني)
معنى اتخاذ القبور مساجد:
١ - الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها.
_________________
(١) أي امتنع من هذا وأنكره، والخليل هو المنقطع إليه، قيل: هو مشتق من الخَلة - بفتح الخاء - وهي الحاجة، وقيل: من الخُلة - بضم الخاء - وهي تخلل المودة في القلب، فنفى - ﵌ - أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى. (شرح مسلم للنووي).
[ ١١٣ ]
* النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها
٢ - السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
٣ - بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها.
وبكل واحد من هذه المعاني قال طائفة من العلماء، وجاءت بها نصوص صريحة عن سيد الأنبياء - ﵌ -.
* النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه، مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك، كما لا يخفى، بل النهي عنه من باب أولى.
ومن البيِّن جدًا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودًا بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودًا بالذات، بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها، سلبًا أو إيجابًا، يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلًا بنى مسجدًا في مكان قفر غير مأهول، ولا يأتيه أحد للصلاة فيه، فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد، بل هو آثم لإضاعة المال، ووضعه الشئ في غير محله!
فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنًا بالصلاة فيها، لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور، فهو ينهى ضمنًا عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء أيضًا، وهذا بين لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى.
اتخاذ المساجد على القبور من الكبائر
إن كل من يتأمل في تلك الأحاديث الكريمة يظهر له بصورة لا شك فيها أن الاتخاذ المذكور يحرم، بل كبيرة من الكبائر؛ لأن اللعن الوارد فيها، ووصف المخالفين بأنهم من شرار الخلق عند الله ﵎، لا يمكن أن يكون في حق من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى.
وقد اتقفت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك، ومنهم من صرح بأنه كبيرة وإليك تفاصيل المذاهب في ذلك:
[ ١١٤ ]
١ـ مذهب الشافعية أنه كبيرة: قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في (الزواجر عن اقتراف الكبائر) (١/ ١٢٠): «الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها» ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها.
٢ـ مذهب الحنفية الكراهة التحريمية:
والكراهة بهذا المعنى الشرعي قد قال به هنا الحنفية فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة في كتابه (الآثار) (ص٤٥): «لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجدًا».
والكراهة عن الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم، كما هو معروف لديهم، وقد صرح بالتحريم في هذه المسألة ابن الملك منهم.
٣ـ مذهب المالكية التحريم:
قال القرطبي في تفسيره (١٠/ ٣٨): «فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهى عنه ممنوع لا يجوز،. .. قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين: أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد».
٤ـ مذهب الحنابلة التحريم:
ومذهب الحنابلة التحريم أيضًا كما في (شرح المنتهى) (١/ ٣٥٣) وغيره، بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور، ووجوب هدمها.
فتبين مما نقلناه عن العلماء أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة، من تحريم بناء المساجد على القبور.
وقد نقل اتفاق العلماء على ذلك أعلمُ الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم، ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، فقد سئل بما نصه: هل تصح الصلاة في المسجد إذا كان فيه قبر؛ والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر، أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ فأجاب: «اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر، لأن النبي - ﵌ - قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا
[ ١١٥ ]
القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك».وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّر، إما بتسوية القبر، وإما بِنَبْشِه إن كان جديدًا، وإن كان المسجد بُنِي بعد القبر، فإما أن يُزال المسجد وإما تزال صورة القبر، فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل، فإنه منهي عنه» (كذا في الفتاوى له (١/ ١٠٧/، ٢/ ١٩٢).
وقد تبنت دار الإفتاء في الديار المصرية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه، فنقلتها عنه في فتوى لها أصدرتها تنص على عدم جواز الدفن في المسجد، فليراجعها من شاء في (مجلة الأزهر) (ج١١٢ص٥٠١و٥٠٣) وفي المجلة نفسها مقال آخر في تحريم البناء على القبورمطلقا فانظر (مجلد سنة١٩٣٠ص٣٥٩و٣٦٤).
وقال ابن تيمية في (الاختيارات العلمية) (ص٥٢): «يحرم الإسراج على القبور، واتخاذ القبور المساجد عليها، وبينها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين».
[ ١١٦ ]
الشبهة الأولى: قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا﴾
شبهات وجوابها
الشبهة الأولى: قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ (الكهف:٢١) وجه دلالة الآية على ذلك: أن الذين قالوا هذا القول كانوا نصارى، على ما هو مذكور في كتب التفسير، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا حكاها الله تعالى، ولم يعقبها بما يدل على ردها كما في هذه الآية الكريمة.
الجواب: أولًا: إن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة منها قوله - ﵌ -: «أعطِيتُ خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحد من الأنبياء قبلي (فذكرها، وآخرها) وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس كافة» (أخرجه البخاري ومسلم) فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية لو كانت تدل على أن جواز بناء المسجد على القبر كان شريعة لمن قبلنا!
ثانيًا: هَبْ أن الصواب قول من قال: (شريعة من قبلنا شريعة لنا) فذلك مشروط عندهم بما إذا لم يَرِدْ في شرعنا ما يخالفه، وهذا الشرط معدوم هنا؛ لأن الأحاديث تواترت في النهي عن بناء المساجد على القبور، فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا.
ثالثًا: لا نسلِّم أن الآية تفيد أن ذلك كان شريعة لمن قبلنا، غاية ما فيها أن جماعة من الناس قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ فليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين، وعلى التسليم فليس فيها أنهم كانوا مؤمنين صالحين، متمسكين بشريعة نبي مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك، وهو قول الله - ﷿ - في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما أنزل الله على رسله من الهدى.
[ ١١٧ ]
الشبهة الثانية: كون قبر النبي - ﵌ - في مسجده الشريف، ولو كان ذلك لا يجوز لما دفنوه - ﵌ - في مسجده!
والجواب: أن هذا وإن كان هو المشاهد اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة - ﵃ -، فإنهم لما مات النبي - ﵌ - دفنوه في حجرته التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان النبي - ﵌ - يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمر معروف مقطوع به عند العلماء، ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة - ﵃ - حينما دفنوه - ﵌ - في الحجرة، إنما فعلوا ذلك كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجدًا، كما سبق بيانه في حديث عائشة وغيره، ولكن وقع بعدهم ما لم يكن في حسبانهم! ذلك أن الوليد بن عبدالملك أمر سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجَر أزواج رسول الله - ﵌ - إليه، فأدخل فيه الحجرة النبوية حجرة عائشة - ﵂ -، فصار القبر بذلك في المسجد، «تاريخ ابن جرير) (٥/ ٢٢٢ـ٢٢٣) و(تاريخ ابن كثير) (٩/ ٧٤ـ٧٥»، ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة حينذاك خلافًا لما توهم بعضهم، قال العلامة الحافظ محمد ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص ١٣٦): «وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبدالله، وتوفي في خلافة عبدالملك، فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك».
فلا يجوز لمسلم أن يحتج بما وقع بعد الصحابة - ﵃ -؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها، وهو مخالف أيضًا لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك - عفا الله عنه ـ، ولئن كان مضطرًا إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو - ﵁ - بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة، بل
[ ١١٨ ]
قال: «إنه لا سبيل إليها» (١) فأشار - ﵁ - إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد.
ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئًا ما، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم حيث «بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر. (انظر (شرح مسلم) للنووي (٥/ ١٤)
الشبهة الثالثة: أن النبي - ﵌ - صلى في مسجد الخيف وقد ورد في الحديث أن فيه قبر سبعين نبياّ!
الجواب: لا نشك في صلاته - ﵌ - في هذا المسجد، ولكننا نقول: إن ما ذكر في الشبهة من أنه دفن فيه سبعون نبيًا لا حجة فيه من وجهين:
الأول: أننا لا نسلم بصحة الحديث المشار إليه، لأنه لم يروه أحد ممن عني بتدوين الحديث الصحيح، ولا صححه أحد ممن يوثق بتصحيحه من الأئمة المتقدمين، ولا النقد الحديثي يساعد على تصحيحه؛ فإن في إسناده من يروي الغرائب وذلك مما يجعل القلب لا يطمئن لصحة ما تفرد به، قال الطبراني في (معجمه الكبير) (٣/ ٢٠٤/٢):حدثنا عبدان بن أحمد نا عيسى بن شاذان، نا أبو همام الدلال، نا إبراهيم بن طمهان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «في مسجد الخيف قَبْر سبعين نبيًا».
وأورده الهيثمي (المجمع «٣/ ٢٩٨) بلفظ: « قُبِرَ سبعون نبيًا» وقال: «رواه البزار ورجاله ثقات».
_________________
(١) انظر (طبقات ابن سعد) (٤/ ٢١) و(تاريخ دمشق) لا بن عساكر. (٨/ ٤٧٨/٢) وقال السيوطي في (الجامع الكبير) (٣/ ٢٧٢/٢):وسنده صحيح إلا أن سالمًا أبا النضر لم يدرك عمر.
[ ١١٩ ]
قال الشيخ الألباني: أخرجه الطبراني أيضًا. ورجال الطبراني ثقات أيضا غير عبدان بن أحمد وهو الأهوازي كما ذكر الطبراني في (المعجم الصغير) (ص١٣٦) ولم أجد له ترجمة، لكن في رجال هذا الإسناد من يروي الغرائب مثل عيسى بن شاذان، قال فيه ابن حبان في (الثقات): «يغرب».وإبراهيم بن طمهان، قال فيه ابن عمار الموصلي: «ضعيف الحديث مضطرب الحديث». وقال فيه الحافظ ابن حجر في (التقريب): «ثقة يغرب» وشيخ منصور - وهو ابن المعتمر - ثقة، وقد روى له ابن طهمان حديثًا آخر في مشيخته (٢٤٤/ ٢)، فالحديث من غرائبه، أو من غرائب ابن شاذان.
* أما قول الهيثمي: «رجاله ثقات»، فإن مثل هذه الكلمة لا تقتضي الصحة؛ لأن عدالة الرواة وثقتهم شرط واحد من شروط الصحة الكثيرة، بل إن العالم لا يلجأ إلى هذه الكلمة معرضًا عن التصريح بالصحة، إلا لأنه يعلم أن في السند مع ثقة رجاله علة تمنع من القول بصحته، أو على الأقل لم يعلم تحقق الشروط الأخرى فيه، فلذلك لم يصرح بصحته.
وجملة القول أن الحديث ضعيف لا يطمئن القلب لصحته.
فإن صح فالجواب عنه: أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخيف، ومن المعلوم أن الشريعة إنما تبنى أحكامها على الظاهر، فإذ ليس في المسجد المذكور قبور ظاهرة، فلا محظور في الصلاة فيه البتة؛ لأن القبور مندرسة ولا يعرفها أحد، بل لولا هذا الخبر الذي عرفت ضعفه لم يخطر في بال أحد أن في أرضه سبعين قبرًا! ولذلك لا يقع فيه تلك المفسدة التي تقع عادة في المساجد المبنية على القبور الظاهرة والمشْرِفة!.
الشبهة الرابعة: ما ذُكِر في بعض الكتب أن قبر إسماعيل - ﵇ - وغيره في الحِجْر من المسجد الحرام، وهو أفضل مسجد يتحرى المصلى فيه.
الجواب: أولًا: لم يثبت في حديث مرفوع أن اسماعيل - ﵇ - أو غيره من الأنبياء الكرام دُفنوا في المسجد الحرام، ولم يَرِدْ شئ من ذلك في كتاب من كتب السنة المعتمدة كالكتب الستة، ومسند أحمد، ومعاجم الطبراني الثلاثة وغيرها، وذلك من أعظم علامات كَوْن الحديث ضعيفًا بل موضوعًا عند بعض المحققين، وغاية ما وري في ذلك
[ ١٢٠ ]
من آثار معضلات، بأسانيد واهيات موقوفات، أخرجها الأزرقي في (أخبارمكة) (ص٣٩و٢١٩و٢٢٠) فلا يلتفت إليها.
نقل السيوطي في (التدريب) عن ابن الجوزي قال: «ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين العقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع. قال: ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجًا من دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة». كذا في (الباعث الحثيث) (ص٨٥).
ثانيًا: أن القبور المزعوم وجودها في المسجد الحرام غير ظاهرة ولا بارزة، ولذلك لا تقصد من دون الله تعالى، فلا ضرر من وجودها في بطن أرض المسجد، فلا يصح حينئذ الاستدلال بهذه الآثار على جواز اتخاذ المساجد على قبور مرتفعة على وجه الأرض لظهور الفرق بين الصورتين.
والقبر إذا لم يكن ظاهرًا غير معروفًا مكانه، فلا يترتب من وراء ذلك مفسدة كما هو مشاهد، حيث ترى الوثنيات والشركيات إنما تقع عند القبور المشرفة، حتى ولو كانت مزورة! لا عند القبور المندرسة، ولو كانت حقيقية، فالحكمة تقتضي التفريق بين النوعين، وهذا ما جاءت به الشريعة، فلا يجوز التسوية بينهما.
الشبهة الخامسة: بناء أبي جندل - ﵁ - مسجدًا على قبر أبي بصير - ﵁ - في عهد النبي - ﵌ - كما جاء في (الاستيعاب) لابن عبد البر.
الجواب: هذه شبهة لا تساوي حكايتها! والكلام عليها من وجهين:
الأول: رد ثبوت البناء المزعوم من أصله، لأنه ليس له إسناد تقوم الحجة به، ولم يروه أصحاب (الصحاح) و(السنن) و(المسانيد) وغيرهم، وإنما أورده ابن عبدالبر في ترجمة أبي بصير من (الاستيعاب) مرسلًا، فقال: «وله قصة في المغازي عجيبة، ذكرها ابن إسحاق وغيره وقد رواها معمر عن ابن شهاب. ذكر عبدالرزاق عن معمر عن ابن شهاب في قصة عام الحديبية، قال: «ثم رجع رسول الله - ﵌ -، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فقالا لرسول الله - ﵌ -:
[ ١٢١ ]
العهد الذي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلمًا. فدفعه النبي - ﵌ - إلى الرجلين، فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيد يا فلان! فاستله الآخر، وقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال له أبو بصير: «أرني أنظر إليه»، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد بعده، فقال له النبي - ﵌ - حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا، فلما انتهى إلى النبي - ﵌ - قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله، قد والله وفَّى الله ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم، فقال النبي - ﵌ -: «ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه أحد»، فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظًا وأكمل سياقا قال: وكتب رسول الله - ﵌ - إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدُما عليه ومن معهما من المسلمين، فقدم كتاب رسول الله - ﵌ - على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله - ﵌ - بيده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبر مسجدًا».
قال الألباني: هذه القصة مدارها على الزهري فهي مرسلة على اعتبار أنه تابعي صغير، سمع من أنس بن مالك - ﵁ -، وإلا فهي معضلة.
وكيف ما كان الأمر فلا تقوم بها حجة، على أن موضع الشاهد منها وهو قوله: «وبنى على قبره مسجدًا» لا يظهر من سياق ابن عبد البر للقصة أنه من مرسل الزهري، ولا من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه، بل هو من رواية موسى بن عقبة، كما صرح به ابن عبد البر، لم يجاوزه، وابن عقبة لم يسمع أحدًا من الصحابة، فهذه الزيادة - أعني قوله «وبنى على قبره مسجدًا» - معضلة، بل هي عندي منكرة؛ لأن القصة رواها البخاري في (صحيحة) وأحمد في (مسنده) موصولة من طريق عبد الرزاق عن معمر قال
[ ١٢٢ ]
:أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بها دون هذه الزيادة، وكذلك أوردها ابن إسحاق في (السيرة) عن الزهري مرسلًا كما في (مختصر السيرة) لابن هشام، ووصله أحمد من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة به مثل رواية معمر وأتم وليس فيها هذه الزيادة، وكذلك رواه ابن جرير في تاريخه من طريق معمر وابن إسحاق وغيرهما عن الزهري به دون هذه الزيادة، فدل ذلك كله على أنها زيادة منكرة؛ لإعضالها وعدم رواية الثقات لها.
الوجه الثاني: أن ذلك - لو صح - لم يجز أن ترد به الأحاديث الصريحة، في تحريم بناء المساجد على القبور لأمرين:
أولًا: أنه ليس في القصة أن النبي - ﵌ - اطلع على ذلك وأقره.
ثانيا: أنه لو فرضنا أن النبي - ﵌ - علم بذلك وأقره، فيجب أن يُحمل ذلك على أنه قبل التحريم، لأن الأحاديث صريحة في أن النبي - ﵌ - حرم ذلك في آخر حياته كما سبق، فلا يجوز أن يترك النص المتأخر من أجل النص المتقدم - على فرض صحته - عند التعارض.
الشبهة السادسة: زعم بعضهم أن المنع من اتخاذ القبورمساجد إنما كان لعلة خشية الافتتان بالمقبور، زالت برسوخ التوحيد في قلوب المؤمنين، فزال المنع!
الجواب: أن يقال: أثبت العرش ثم انقش! أثبت أولا أن الخشية المذكورة هي وحدها علة النهي، ثم أثبت أنها قد انتفت.
فإنه لا دليل مطلقًا على أن العلة هي الخشية المذكورة فقط، نعم من الممكن أن يقال: إنها بعض العلة، وأما حصولها بها فباطل؛ لأن من الممكن أيضًا أن يضاف إليها أمور أخرى معقولة كالتشبه بالنصارى، وكالإسراف في صرف المال فيما لا فائدة فيه شرعًا، وغير ذلك.
وأما زعم أن العلة انتفت برسوخ الإيمان في نفوس المؤمنين. فهو زعم باطل أيضًا وبيانه من وجوه: الأول: أن الزعم بني على أصل باطل، وهو أن الإيمان بأنه الله هو المنفرد بالخلق، والإيجاد كافٍ في تحقيق الإيمان المنجي عند الله ﵎، وليس
[ ١٢٣ ]
كذلك، فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله - ﵌ - كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان:٢٥)، ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة، وأنكروه على النبي - ﵌ - أشد الإنكار، بقولهم فيما حكاه الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:٥). ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله ﵎ فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك. فإذا تبين هذا نعلم أن الإيمان الصحيح غير راسخ في نفوس كثير من المؤمنين بتوحيد الربوبية.
الوجه الثاني: أن النبي - ﵌ - حذر من اتخاذ المساجد على القبور في آخر حياته، بل في مرض موته، فمتى زالت العلة التي ذكروها؟ إن قيل: زالت عقب وفاته - ﵌ - فهذا نقض لما عليه جميع المسلمين أن خير الناس قرنه - ﵌ -؛ لأن القول بذلك يستلزم - بناء على كلامهم - أن الإيمان لم يكن قد رسخ بعدُ في نفوس الصحابة - ﵃ -، وإنما رسخ بعد وفاته - ﵌ -! ولذلك لم تزل العلة وبقي الحكم، وهذا مما لا أتصور أحدًا يقول به لوضوح بطلانه. وإن قيل: زالت قبل وفاته - ﵌ -، قلنا: وكيف ذلك وهو - ﵌ - إنما نهى عن ذلك في آخر نَفَسٍ من حياته؟!
الوجه الثالث: أن الصحابة - ﵃ - إنما دفنوه في حجرته - ﵌ - خشية أن يتخذ قبره مسجدًا، كما تقدم عن عائشة - ﵂ -، فهذه خشية إما أن يقال: إنها كانت منصبة على الصحابة أنفسهم، أو على من بعدهم:
فإن قيل بالأول، قلنا فالخشية على من بعدهم أولى، وإن قيل بالثاني، وهو الصواب عندنا، فهو دليل قاطع على أن الصحابة - ﵃ - كانوا لا يرون زوال العلة المستلزم زوال الحكم، لا في عصرهم ولا فيما بعدهم، فالزعم بخلاف رأيهم ضلال بَيِّن.
الوجه الرابع: أن العمل استمر من السلف على هذا الحكم ونحوه، مما يستلزم بقاء العلة السابقة، وهي خشية الوقوع في الفتنة والضلال، فلو أن العلة المشار إليها كانت منتفية لما استمر العمل على معلولها.
مثال على ما ذكرنا: عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﵌ -؟ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشْرِفًا إلا سويته. (رواه مسلم).
الشبهة السابعة: روى ثابت البناني عن أنس - ﵁ - عنه قال: «كنت أصلي قريبًا من قبر، فرآني عمر بن الخطاب، فقال: القبر القبر. فرفعت بصري إلى السماء وأنا أحسبه يقول: القمر!».
قال الألباني: رواه أبو الحسن الدينوري في (جزء فيه مجالس من أمالي أبي الحسن القزويني) بإسناد صحيح، وعلقه البخاري، ووصله عبدالرزاق أيضًا في (مصنفه) وزاد: (إنما أقول القبر: لا تُصَلّ إليه).
الجواب: هذا الأثر دليل على إنكار الصحابة - ﵃ - الصلاة بالقبور. وأنس - ﵁ - لم يعلم أن هناك قبرًا. فلما علم أنه قبر تنحى عنه.
قال الحافظ ابن حجر:. .. الْأَثَر الْمَذْكُور عَنْ عُمَر رَوَيْنَاهُ مَوْصُولًا فِي كِتَاب (الصَّلَاة) لِأَبِي نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ وَلَفْظه: «بَيْنَمَا أَنَس يُصَلِّي إِلَى قَبْر نَادَاهُ عُمَر: الْقَبْر الْقَبْر، فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي الْقَمَر، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَعْنِي الْقَبْر جَازَ الْقَبْر وَصَلَّى» وَلَهُ طُرُق أُخْرَى بَيَّنْتهَا فِي (تَعْلِيق التَّعْلِيق) مِنْهَا مِنْ طَرِيق حُمَيْدٍ عَنْ أَنَس نَحْوه وَزَادَ فِيهِ: «فَقَالَ بَعْض مَنْ يَلِينِي: إِنَّمَا يَعْنِي الْقَبْر، فَتَنَحَّيْت عَنْهُ».
وَقَوْله: «الْقَبْر الْقَبْر» بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى التَّحْذِير».
الشبهة الثامنة: أين كانت عائشة - ﵂ - تصلي بعد أن دفن في بيتها رسول الله - ﵌ - وغيره، في داخل بيتها أم خارجه؟
الجواب: إن عائشة - ﵂ - ممن روى الأحاديث الثابتة عن الرسول - ﵌ - في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وهذا من حكمة الله - ﷿ -. وبهذا يعلم أنها ما كانت تصلي في الحجرة التي فيها القبور؛ لأنها لو كانت تصلي فيها لكانت مخالفة للأحاديث التي روتها عن رسول الله - ﵌ -، وهذا لا يليق بها، وإنما تصلي في بقية بيتها. ومن ادعى خلاف ذلك فليأت بالدليل.
تنبيه: ليس في إقامة القبة على قبر النبي - ﵌ - حجة لمن يتعلل بذلك في بناء قباب على قبور الأولياء والصالحين؛ لأن إقامة القبة على قبره لم تكن بوصية منه ولا من عمل أصحابه - ﵃ - ولا من التابعين ولا أحد من أئمة الهدى في القرون الأولى التي شهد لها النبي - ﵌ - بالخير، إنما كان ذلك من أهل البدع، وقد ثبت أن النبي - ﵌ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وثبت عن علي - ﵁ - أنه قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﵌ -؟ ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (رواه مسلم)؛ فإذا لم يثبت عنه - ﵌ - بناء قبة على قبره، ولم يثبت ذلك عن أئمة الخير، بل ثبت عنه - ﵌ - ما يبطل ذلك - لم يكن لمسلم أن يتعلق بما أحدثه المبتدعة من بناء قبة على قبر النبي - ﵌ -.
[ ١٢٤ ]