من المعلوم أن الإيمان بالرسل من أركان الإيمان الستة، كما جاء في حديث جبريل لما سأل النبي - ﵌ - عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى» (متفق عليه)، وقد وصف الله الرسل في القرآن بأنهم بشر اختارهم لدعوة الناس إليه وأنهم كانوا يأكلون الطعام وكانوا يعالجون المعاش والسعي في الأرض كبقية البشر، ولم يكن أحد منهم يعلم الغيب، أو يتصرف في الأكوان كما يشاء.
لقد كانت سيرة الرسل وعلى رأسهم محمد - ﵌ - مبينة أنهم بشر قاسوا ما قاساه البشر من الآلام والأسقام والأوجاع والفتن والبلايا وتضرعوا إلى ربهم ودعوه، وخافوه، وأحبوه كذلك وطلبوا نصرته وعونه ﷾، وكان خاتمهم وخيرهم محمد - ﵌ - أكمل الرسل في تحقيق عبودية الله ﷾ على نفسه؛ فقد قام من الليل حتى تفطرت قدماه، وأوذي بالله أشد الأذى.
ومن قرأ القرآن، وعلم شيئًا من الإسلام، ودرس سيرة الرسول - ﵌ - حصل العلم الضروري الذي لا يدافع بأن محمدًا - ﵌ - هو عبدالله ورسوله، وأنه وُجد يوم وُجد على الأرض بشرًا كالبشر لا علم له بشيء مما كان في الملأ الأعلى كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (ص:٦٧ - ٧٢)، فالرسول - ﵌ - أمره الله - ﷿ - أن يقول هنا: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ والملأ الأعلى هم الملائكة عندما أمرهم الله بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس فكان بينه وبين الرب - ﷿ - ما كان مما
[ ٢٠١ ]
قصّه على رسوله محمد - ﵌ - ومما لم يكن عن الرسول قبل بعثته وقبل نزول هذا الوحي أو في علم منه.
بل إن رسول الله - ﵌ - عندما جاءه جبريل بالوحي ظنه شيطانًا وجاء أهله ترتعد فرائصه، وهو يقول: زملوني، وقال لزوجته خديجة - ﵂ -: «لقد خشيت على نفسي». (متفق عليه)، فلو كان جبريل مخلوقًا من نور الرسول - كما زعمت المتصوفة - لقال الرسول - ﵌ - لجبريل عندما نزل إليه: أهلًا بمن خلقه الله من نوري.
قال الله - ﷿ -: «وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا * وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾
معنى الآيات:
قال تعالى مخبرًا عن قيلهم لرسول الله - ﵌ - وهم يجادلون في نبوته: فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ أي لن نتابعك على ما تدعو إليه من التوحيد والنبوة لك والبعث والجزاء لنا ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ أي عينًا يجري ماؤها على وجه الأرض لا ينقطع ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ أي بستان من نخيل وعنب، ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا﴾ أي خلال الأشجار تفجيرًا، ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ أي قطعًا، ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ أي مقابلة نراهم معاينة، ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ أي من ذهب تسكنه بيننا ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ أي تصعد بسلم ذي درج في السماء، ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ إن أنت رقيت ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ من عند الله ﴿نَقْرَؤُهُ﴾ يأمرنا فيه بالإيمان بك واتباعك!
هذه ست طلبات كل واحدة اعتبروها آية متى شاهدوها زعموا أنهم يؤمنون، والله يعلم أنهم لا يؤمنون، فلذا لم يستجب لهم، وقال لرسوله: قل يا محمد لهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ متعجبًا من طلباتهم ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾؟! أي هل كنت غير بشر رسول؟ وإلا كيف يطلب مني هذا الذي طلبوا، إن ما تطلبونه لا يقدر عليه عبد مأمور مثلي، وإنما يقدر عليه رب عظيم قادر، يقول للشيء كن فيكون! وأنا ما ادعيت ربوبية، وإنما أصرح دائمًا بأني عبدالله ورسوله إليكم لأبلغكم رسالته بأن تعبدوه وحده ولا تشركوا به سواه وتؤمنوا بالبعث الآخر وتعلموا به بالطاعات وترك المعاصي. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ أي وما منع أهل مكة أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى على يد رسولهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي إلا لقولهم ﴿أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾؟ منكرين على الله أن يبعث رسولًا من البشر!
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين أن يكون الرسول بشرًا، المتعجبين من ذلك، قل لهم: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ساكنين في الأرض لا يغادرونها لنزلنا عليهم من السماء ملكًا رسولًا يهديهم بأمرنا ويعلمهم ما يطلب منهم فعله بإذننا؛ لأنهم يفهمون عنه لرابطة الجنس بينهم والتفاهم الذي يتم لهم. ولذا بعثنا إليكم رسولًا من جنسكم تفهمون ما يقول لكم يقدر على إفهامكم والبيان لكم فكيف إذًا تنكرون الرسالة للبشر وهي أمر لا بد منه؟!
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف:١١٠)
قال الإمام الطبري - ﵀ -: «يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم، لا علم لي إلا ما علمني الله، وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم - الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا - معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك.
[ ٢٠٢ ]
الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: قال تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾
الجواب: قد اختلف العلماء في المقصود بالنور في هذه الآية، هل هو الإسلام أم القرآن أم رسول الله - ﵌ -؟ والمقصود بالنور في هذه الآية النور المعنوي، وهو نور الهداية.
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ يا أهل التوراة والإنجيل ﴿مِنَ اللهِ نُورٌ﴾، يعني بالنور، محمدًا - ﵌ - الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق. ومن إنارته الحق، تبيينُه لليهود كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب.
وقوله: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ يقول: جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحقِّ، ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يعني كتابًا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم: من توحيد الله، وحلاله وحرامه، وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد - ﵌ -، يبين للناس جميع ما بهم الحاجةُ إليه من أمر دينهم، ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقَّه من باطله».
وقال الحافظ ابن كثير: « أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ * وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أنجب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة».
قال الإمام القرطبي: «﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ﴾ أي ضياء، قيل: الإسلام. وقيل: محمد - ﵌ -. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. أي القرآن، فإنه يبين الأحكام. ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ
[ ٢٠٤ ]
رِضْوَانَهُ﴾ أي ما رضيه الله. ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ طرق السلامة الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، والمؤمنة من كل مخافة، وهي الجنة».
وقال أيضًا: «وقد سمى الله تعالى كتابه نورًا فقال: ﴿وأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًَا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٧٤) وسمى نبيه نورًا فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. (المائدة: ١٥).وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين، وكذلك الرسول - ﵌ -».ا. هـ بتصرف يسير».
* وكونه - ﵌ - نورًا أمر معنوي، مثل تسمية القرآن نورًا؛ قال الله - ﷿ -: ﴿فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: فصدّقوا بالله ورسوله أيها المشركون المكذّبون بالبعث، وبإخباره إياكم أنكم مبعوثون من بعد مماتكم، وأنكم من بعد بلائكم تنشرون من قبوركم، ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ يقول: وآمنوا بالنور الذي أنزلنا، وهو هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد - ﵌ -».
الشبهة الثانية: ما رواه ابن إسحاق وعنه الحاكم وقال: (صحيح الإسناد): « ورؤيا أمي الذي رأت حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت لها قصور الشام». وفي رواية: «رأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام»
الجواب: هذه رؤيا منام وليس فيها أن النبي - ﵌ - كان نورًا حسيًا.
ويؤيد ذلك قوله - ﵌ -: «أخذ الله ﷿ مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، وبشر بي عيسى ابن مريم، ورأت أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام». [عزاه السيوطي في (الجامع الصغير) إلى ابن مردويه والطبراني في (الكبير) وأبي نعيم في (الدلائل)، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع الصغير)].
الشبهة الثالثة: ماورد عن بعض الصحابة من أن وجه النبي - ﵌ - كان مثل القمر.
كما في البخاري عن كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أنه قال « وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ»
[ ٢٠٥ ]
الجواب: هذا تشبيه ويدل عليه كلمة (كأنه). راجع شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني لهذا الحديث في (فتح الباري).
* وسُئِلَ الْبَرَاءُ - ﵁ -: «أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ - ﵌ - مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَر» ِ (رواه البخاري)
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): «كَأَنَّ السَّائِل أَرَادَ أَنَّهُ مِثْل السَّيْف فِي الطُّول، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَرَاء فَقَالَ: «بَلْ مِثْل الْقَمَر» أَيْ فِي التَّدْوِير، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ مِثْل السَّيْف فِي اللَّمَعَان وَالصِّقَال؟ فَقَالَ: بَلْ فَوْق ذَلِكَ، وَعَدَلَ إِلَى الْقَمَر لِجَمْعِهِ الصِّفَتَيْنِ مِنْ التَّدْوِير وَاللَّمَعَان: وَوَقَعَ فِي رِوَايَة زُهَيْر الْمَذْكُورَة: «أَكَانَ وَجْه رَسُول اللَّه - ﵌ - حَدِيدًا مِثْل السَّيْف؟» وَهُوَ يُؤَيِّد الْأَوَّل.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن سَمُرَة «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: أَكَانَ وَجْه رَسُول الله - ﵌ - مِثْل السَّيْف؟ قَالَ: لَا بَلْ مِثْل الشَّمْس وَالْقَمَر مُسْتَدِيرًا».وَإِنَّمَا قَالَ: «مُسْتَدِيرًا» لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْله: «مِثْل السَّيْف» يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِهِ الطُّول أَوْ اللَّمَعَان، فَرَدَّهُ الْمَسْئُول رَدَّا بَلِيغًا. وَلَمَّا جَرَى التَّعَارُف فِي أَنَّ التَّشْبِيه بِالشَّمْسِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ غَالِبًا الْإِشْرَاق، وَالتَّشْبِيه بِالْقَمَرِ إِنَّمَا يُرَاد بِهِ الْمَلَاحَة دُون غَيْرهمَا، أَتَى بِقَوْلِهِ: «وَكَانَ مُسْتَدِيرًا» إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيه بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا: الْحُسْن وَالِاسْتِدَارَة.
الشبهة الرابعة: حديث: «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث»
الجواب: هذا حديث موضوع ذكره الشوكاني في (الأحاديث الموضوعة، ص٣٢٦).
الشبهة الخامسة: حديث (كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد).
الجواب: هذا الحديث ذكره الحاكم وقال الصنعاني: هو موضوع، وكذا قال ابن تيمية. وهذا الحديث - وإن كان قد صححه غيرهما - فعلى فرض صحته، فإنه لا شاهد فيه على عقائد الصوفية، وإنما يعني أن الرسول - ﵌ - قد قدَّر اللهُ كونَه نبيًا عندما خلق آدم، ولا شك أن الأنبياء جميعًا نبوتهم ثابتة في تقدير الله وقضائه. والله - ﷿ - قد قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث.
[ ٢٠٦ ]
قال البيهقي: قوله - ﵌ -: «إني عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيين وان ءادم لمنجدل في طينته» يريد أنه كان كذلك في قضاء الله وتقديره قبل أن يكون أبو البشر وأوّل الأنبياء صلوات الله عليهم» اهـ. (دلائل النبوّة ١/ ٨١). (يكون: يعني يوجَد ويُخلَق)
الشبهة السادسة: حديث (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).
الجواب: هذا الحديث أورده العجلوني في (كشف الخفاء) وقال: رواه عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله بلفظ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء.
قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهى المعرفة بالله، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله - الحديث، كذا في (المواهب). اهـ. المقصود من كلامه.
والواضح أن العجلوني لم يطلع على الحديث في (مصنف عبد الرزاق) وإنما نقله من كتاب (المواهب).وقد بحثت في (مصنف عبد الرزاق) فلم أجد هذا الحديث.
ويرد هذا الحديث ما رواه مسلم عن رسول الله - ﵌ - أنه قال: «خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ».
قال الألباني في (السلسلة الصحيحة) (١/ ٧٤١): « وفيه (أي حديث: «خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار السموم وخلق آدم ﵇ مما قد وصف
[ ٢٠٧ ]
لكم» إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر».ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه - ﵌ - خُلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه».
* ونحيل القارئ إلى الرسالة المسمّاة (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر) تأليف أحد كبار دعاة الصوفية: عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري (١) ١) المتوفى سنة ١٤١٣هـ الذي يصفه الصوفية بمحدث الديار المغربية والبلاد الأفريقيّة، وفيها الردّ الوافي على القائلين بأن أوّل ما خلق الله نور النبيّ محمّد - ﵌ -.
* ونقتبس منها الآتي (بتصرف):
* «فهذا جزء سمّيتُه: (مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر)، أردت به تنزيه النبيّ - ﵌ - عمّا نُسب إليه مما لم يصح عنه ويُعدّ من قبيل الغلو المذموم، ومع ذلك صار عند العامة وكثير من الخاصة معدودًا من الفضائل النبويّة التي يكون إنكارها طعنًا في الجناب النبويّ عندهم، ولا يدركون ما في رأيهم وقولهم من الإثم العظيم الثابت في قول النبيّ - ﵌ -: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (رواه البخاري ومسلم وليس في حديث البخاري (متعمدًا».
والذي يصفه بما لم يثبت عنه كاذب عليه واقع في المحذور إلاّ أن يتوب، ولا يكون مدحه ﵊ شافعًا له في الكذب عليه. فإن فضائل النبي - ﵌ - إنما تكون بالثابت المعروف حذرًا من الكذب المتوعَّد عليه بالنار.
* وقد وردت أحاديث في هذا الموضوع باطلة، وجاءت آراء شاذة عن التحقيق عاطلة، أُبينها في هذا الجزء بحول الله.
* روى عبد الرزاق - فيما قيل - عن جابر - ﵁ - قال: «قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شئ خلقه الله قبل الأشياء.
_________________
(١) إنما نقلت كلامه حجة على أتباعه الصوفية، وإلا ففي كتبه كثير من الضلال.
[ ٢٠٨ ]
قال: يا جابر، إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهى المعرفة بالله، ومن الثالث نور إنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله» الحديث، وله بقية طويلة وقد ذكره بتمامه ابن العربي الحاتمي في كتاب (تلقيح الأذهان ومفتاح معرفة الإنسان)، والديار بكري في كتاب (الخميس في تاريخ أنفس نفيس).
* وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ؛ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره. بل المذكور في تفسيره خلاف ذلك، فقد ذكر أن أول الأشياء وجودًا الماء.
* وقال الحافظ السيوطي في الحاوي: «ليس له إسناد يعتمد عليه» اهـ (انظر الحاوي في الفتاوى ١/ ٣٢٥ في تفسير سورة المدثر، وقد ذكر السيوطي في (قوت المغتذي شرح الترمذي) بعد أن ذكر الحديث: «أوّل ما خلق الله تعالى القلم» فقال: «أما حديث أولية العقل فليس له أصل، وأمّا حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت» اهـ.
* وهو حديث موضوع جزمًا، وفيه اصطلاحات المتصوفة، وبعض الشناقطة المعاصرين ركّب له إسنادًا فذكر أن عبد الرزاق رواه من طريق ابن المنكدر عن جابر وهذا كذب يأثم عليه.
* وقد ادعى بعضهم أيضًا أن هذا الحديث - أي حديث جابر المفتعل - صحّ كشفًا. فهذا كلام لا معنى له؛ لأن الكشف الذي يخالف حديث رسول الله - ﵌ - لا عبرة به.
* أقول (أي الغماري): هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ومخالف للحديث الذي رواه البخاري وغيره أن أهل اليمن أتوا رسول الله - ﵌ - فقالوا:
[ ٢٠٩ ]
يا رسول الله جئناك لنتفقّه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر، قال: كان الله ولم يكن شىء غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شىء، ثم خلق السموات والأرض». وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة.
* ومثله في النكارة ما رُوي عن علي بن الحسين، عن أبيه - ﵄ -، عن جدّه أن النبيّ - ﵌ - قال: «كنت نورًا بين يدي ربي قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام» وهو كذب أيضًا.
* ومن الكذب السخيف ما يقال إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تلف إزارًا على جسد النبيّ - ﵌ - فسقط الإزار أي لأنه نور، وهذا لا أصل له. وقد كان النبيّ - ﵌ - يستعمل الإزار ولم يسقط عنه.
* وكونه - ﵌ - نورًا أمر معنوي، مثل تسمية القرآن نورًا ونحو ذلك، لأنه نوَّر العقول والقلوب.
* ومن الكذب المكشوف قولهم: «لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك»، وكذلك ما روي عن علي - ﵁ -، عن النبيّ - ﵌ - قال: هبط عليّ جبريل فقال: إن الله يقرؤك السلام ويقول: «إني حرمْتُ النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كَفَلَك» وهو حديث موضوع.
* وروي في بعض كتب المولد النبوي عن أبي هريرة قال: سأل النبيّ - ﵌ - جبريل - ﵇ - فقال: يا جبريل كم عمّرتَ من السنين؟ فقال: يا رسول الله، لست أعلم غير أن في الحجاب الرابع نجمًا يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة، رأيتُه اثنتين وسبعين ألف مرة، فقال النبيّ: وعزة ربي أنا ذلك الكوكب».وهذا كذب قبيح، قبّح الله من وضعه وافتراه.
* وذكر بعض غلاة المتصوّفة أن جبريل - ﵇ - كان يتلقّى الوحي من وراء حجاب وكُشف له الحجاب مرة فوجد النبيّ - ﵌ - يوحِي إليه، فقال جبريل: «منك وإليك».
قلت (أي الغماري): لعن الله من افترى هذا الهراء المخالف للقرآن فإن الله تعالى يقول لنبيّه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾
[ ٢١٠ ]
(الشورى:٥٢) ويقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ (الشعراء:١٩٣ - ١٩٤).
* ما يوجد في كتب المولد النبويّ من أحاديث لا خطام لها ولا زمام هي من الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه، فتحرم قراءة تلك الكتب. والنبيّ - ﵌ - يقول: «من حدّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (رواه مسلم) يُرَى بضم الياء: معناه يُظَنّ.
* وفضل النبي - ﵌ - ثابت في القرءان الكريم، والأحاديث الصحيحة، وهو في غِنًى عما يقال فيه من الكذب والغلو، وقال - ﵌ -: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». (رواه البخاري). (انتهى المقصود من كلام الغماري).
وأخيرًا. .. سؤال موجه إلى هؤلاء القائلين بأن الرسولَ - ﵌ - هو أول خلق الله:
يقال لهم: ألستم تعتقدون أن إبليس خُلِق قبل ءادم؟ فيقولون: بلى؛ للنص الوارد في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ فيقال لهم: وهل سَبْقُ إبليسَ آدم - ﵇ - بالخلق يقتضي أفضليته؟ فلا شك أنهم لا يقولون إن ذلك يقتضي أفضلية إبليس. فيقال لهم: لماذا تتشبثون بقولكم «الرسول أولُ خلق الله» وأي طائل تحت قولكم هذا؟!
تنبيه: قال أحد الصوفية (كما هو منشور على أحد مواقعهم على الشبكة العنكبوتية): «التمادي على دعوى القول بأن نور محمد - ﵌ - أول خلق الله لا يزيد الكافرين إذا سمعوا ذلك إلا نفورًا من الإسلام واستبشاعًا له، فأيُّ فائدة للتعصب لهذا الحديث؟! فهذا الحديث تَنْفِرُ الكفارُ عند سماعه من بعض المسلمين نفورًا زائدًا على نفورهم الأصلي من الإسلام. فلقد ذكر لي رجلٌ يُدعَى أبا علي ياسين من أهل الشام أنَّ نصرانيًّا قال له: «كيف تقولون أنتم: محمد آخر الأنبياء، وتقولون: إنه أول خلق الله؟» وذلك نشأ عنده لما كان يسمع من بعض المؤذنين قولهم عقب الأذان على المنائر: «يا أول خلق الله وخاتم رسل الله»، قال أبو علي ياسين: فلم أجد جوابًا.
[ ٢١١ ]