عن عبد الله ابن عمر - ﵄ -: «أن رسول الله - ﵌ - أدرك عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (رواه البخاري ومسلم) وزاد مسلم قول عمر - ﵁ -: «فَوَاللهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا».قال الإمام النووي - ﵀ -:مَعْنَى ذَاكِرًا: قَائِلًا لَهَا مِنْ قِبَل نَفْسِي، وَلَا آثِرًا - بِالْمَدِّ - أَيْ: حَالِفًا عَنْ غَيْرِي.
وعند ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق عكرمة قال: قال عمر: «حدثتُ قومًا حديثًا فقلت: لا وأبي. فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم» فالتفَتّ فإذا رسول الله - ﵌ - يقول: «لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم». قال الحافظ: وهذا مرسل يتقوى بشواهده. وعند الترمذي من وجه آخر عن ابن عمر: «أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلِفْ بغير الله فإني سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». (قال الترمذي: حسن، وصححه الحاكم والألباني).
وقال النووي: «قال ابن عباس - ﵄ -: «لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبر» وروى عبد الرزاق عن الثوري عن أبي سلمة عن وبرة قال: «قال عبد الله - لا أدري ابن مسعود أو ابن عمر ـ: «لأَنْ أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا». قال الهيثمي: «ورواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح».
قال الشيخ ابن باز - ﵀ -: «لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات لا بالنبي - ﵌ - ولا بالكعبة ولا بالأمانة ولا غير ذلك في قول جمهور أهل العلم. بل حكاه بعضهم إجماعًا. وقد روي خلاف شاذ في جوازه بالنبي - ﵌ - وهو قول لا وجه له بل هو باطل، وخلاف لما سبقه من إجماع أهل العلم وخلاف للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، ومنها ما خرجه الشيخان عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب - ﵁ - أن النبي - ﵌ - قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وفي الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﵌ - قال: «من حلف فقال في حلفه باللات
[ ١٣٢ ]
والعزى فليقل لا إله إلا الله» ووجه ذلك أن الحالف بغير الله قد أتى بنوع من الشرك فكفارة ذلك أن يأتي بكلمة التوحيد عن صدق وإخلاص ليكفر بها ما وقع منه من الشرك. وخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﵌ - قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» وخرج أبو داود من حديث بريدة بن الحصيب - ﵁ - أن النبي - ﵌ - قال: «من حلف بالأمانة فليس منا» وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﵌ - قال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون» (أخرجه أبو داود والنسائي)، وممن حكى الإجماع في تحريم الحلف بغير الله الإمام أبو عمر بن عبد البر النمري - ﵀ -.وقد أطلق بعض أهل العلم الكراهة فيجب أن تحمل على كراهة التحريم عملًا بالنصوص وإحسانًا للظن بأهل العلم.
وقال الشيخ ابن باز أيضًا: «الحلف بالنبي - ﵌ - أو غيره من المخلوقات منكر عظيم ومن المحرمات الشركية ولا يجوز لأحد الحلف إلا بالله وحده والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده ولا يجوز لأحد أن يحلف بغير الله كائنا من كان للأحاديث المذكورة وغيرها. ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهى أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك لقول النبي - ﵌ -: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان. (خرجه مسلم في صحيحه)».
والحلف بغير الله من الشرك الأصغر للحديث السابق، وقد يكون شركا أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحقه الله، أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية».اهـ كلامه - ﵀ -.
* إذا كان الحالف معَظّمًا لما يحلف به من دون الله كتعظيم الله أو أشد كان الحلف شركًا أكبر كمن يقال له: «احلف بالله»، يحلف كاذبًا، فإذا قيل له: «احلف بالشيخ الفلاني»، أقر واعترف، وخاف أن يحلف به كذبًا.
[ ١٣٣ ]
* لا يجوز لمسلم أن يطلب من أحد أن يحلف بغير الله، ولو كان كافرًا، لا بالمسيح ولا غيره؛ لقول النبي - ﵌ -: «من حُلِفَ له بالله فلْيَرض، ومن لم يَرْض فليس من الله في شيء». (رواه ابن ماجة وصححه الألباني)
شبهات وجوابها
الشبهة الأولى: قوله - ﵌ - لما سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: «أما وأبيك لتنبأنه»، وقوله - ﵌ -: «أفلح وأبيه إن صدق» رواهما مسلم.
الجواب: أولًا: قال الإمام النووي - ﵀ -:قَوْله - ﵌ -: «أَمَا وَأَبِيك لَتُنَبَّأَنَّهُ» قَدْ يُقَال: حَلَفَ بِأَبِيهِ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْحَلِف بِغَيْرِ اللهِ وَعَنْ الْحَلِف بِالْآبَاءِ، وَالْجَوَاب: أَنَّ النَّهْي عَنْ الْيَمِين بِغَيْرِ اللَّه لِمَنْ تَعَمَّدَهُ، وَهَذِهِ اللَّفْظَة الْوَاقِعَة فِي الْحَدِيث تَجْرِي عَلَى اللِّسَان مِنْ غَيْر تَعَمُّد فَلَا تَكُون يَمِينًا وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهَا.
ثانيًا: قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله تعالى بالإجماع ولا اعتبار لقول بعض المتأخرين بأنه مكروه؛ لأنه مخالف لقول رسول الله - ﵌ - ونهيه عن ذلك.
قال ابن عباس - ﵁ -: «لَأَنْ أحلف بالله صادقًا أو كذبا خير من أن أحلف بغيره صادقًا» فهذا يدل على أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات.
ثالثًا: هذه اللفظة «وأبيه» فيها أقوال:
(١) قال الإمام ابن عبد البر - ﵀ -: هذه اللفظة منكرة وغير محفوظة وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر «أفلح والله إن صدق» وهي أولى من رواية «أفلح وأبيه»؛ لأن الآثار تدل على ردها ولم تقع برواية مالك أصلًا.
(٢) قال غيره: إنها مصحفة عن قوله: «أفلح والله» فحذف لفظ الجلالة وصحف بلفظ وأبيه.
(٣) إن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم بدون قصد القسم به. ذكره البيهقي وارتضاه سفيان الثوري رحمهما الله تعالى.
(٤) قال المارودي والسهيلي - وعليه أكثر الشراح وأيده ابن العربي المالكي - إن الحلف بالآباء كان في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك.
[ ١٣٤ ]
وهذا القول الأخير هو الحق إن شاء الله تعالى؛ لأن الحلف بالآباء كان شائعًا في الجاهلية وصدر الإسلام كالعادات الأخرى مثل شرب الخمر، فنهى الإسلام عن هذه العادات بالتدرج ومنها الحلف بغير الله بدليل حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه حلف باللات والعزى فسأل النبي - ﵌ - عن ذلك فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا تعد» (أخرجه النسائي بإسناد صحيح).
* قال الإمام محيى الدين النووي في شرحه لـ (صحيح مسلم): «قوله - ﵌ -: «أفلح وأبيه» ليس حلفًا إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته به ومضاهاته به الله ﷾ فهذا هو الجواب المرضي وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى والله أعلم».
وقد نقل الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) كلام النووي هذا وزاد: «إن هذه كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرت على لسانهم (عقري وحلقي) وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب. وكأنه قال: ورب أبيه».
ثم قال الحافظ: «وأقوى الأجوبة. .. أن هذا كان قبل النهي، أو أنها كلمة جارية على اللسان كما تقدم في كلام النووي. وكونه منسوخًا أصح لحديث عمر وابنه».
الشبهة الثانية: إن الله أقسم ببعض المخلوقات! كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (الشمس: ١) وقوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (البلد: ١) وقوله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (الليل: ١) وما أشبه ذلك من المخلوقات التي أقسم الله بها.
الجواب: أولًا: هذا من فعل الله والله لا يُسأل عما يفعل، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه، وهو سائل غير مسؤول وحاكم غير محكوم عليه.
ثانيًا: قسَمُ الله بهذه الآيات دليل على عظمته وكمال قدرته وحكمته، فيكون القسم بها الدال على تعظيمها ورفع شأنها متضمنًا للثناء على الله - ﷿ - بما تقتضيه من الدلالة على عظمته. وأما نحن، فلا نقسم بغير الله أو صفاته، لأننا منهيون عن ذلك.
قال الشعبي - ﵀ -: للخالق أن يقسم من خلقه ولا يقسم المخلوق إلا بالخالق، ولأن أقسم بالله فأحنث خير إلى من أقسم بغيره فأبر.
وقال مطرف بن عبد الله - ﵀ -: إنما أقسم الله بهذه المخلوقات ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم ودلالتها عند الخالق.
الشبهة الثالثة: إن الملائكة حلفت بحياة لوط - ﵇ - فقالوا: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر:٧٢) فهو دليل على جواز حلف المخلوق بالمخلوق.
الجواب: هذا الكلام غير صحيح. قال ابن العربي وابن أبي الجوزاء والشوكاني - وأجمع عليه المفسرون ـ: بأن الله سبحانه حلف بحياة نبينا محمد - ﵌ - وليست الملائكة. واستدلوا أيضًا بأن الله حلف، والله - ﷿ - يحلف بما شاء من مخلوقاته.
الشبهة الرابعة: عن خارجة بن الصلت عن عمه بن صحار التميمي أنه مر بقوم فأتوه فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فَارْقِ لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فَرَقَاهُ بأمِّ القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية، وكلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل فكأنما أنشط من عقال فأعطوه شيئًا فأتى النبي - ﵌ - فذكر له ذلك فقال النبي - ﵌ -: «كُلْ فلَعَمْري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق (١)» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
الجواب: قياس هذه الكلمة (لعمري) على قول الإنسان (وحياتي) قياس مع فارق، وهو باطل كما هو معروف في الأصول؛ لأن الأخيرة معها واحد من حروف القسم التي أُجمِع على أنها صريحة في اليمين بخلاف تلك - أي (لعمري) - فإن اللام فيه ليست من أدوات القسم.
بل مثل هذه اللفظة تعتبر جريًا على رسم اللغة تُذكر لتأكيد مضمون الكلام فقط؛ لأنه أقوى من سائر المؤكدات وأسلم من التأكيد بالقسم بالله لوجوب البر به.
بل هذا يجري على ألسنتهم من غير قصد كقولهم: عقري وحلقي، وقولهم: ثكلتك أمك، بل هو غير معلوم وغير مفهوم من كلام أهل العلم والإيمان وأئمة هذا الشأن أنه يمين، بل صريح كلامهم نفي هذا وأنه ليس بقسم.
* في المدونة الكبرى رواية الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن القاسم وغيره عن الإمام مالك - ﵀ -، قال سحنون: قلت: أرأيتَ قولة (لعمري) أتكون هذه يمينًا» قال: قال مالك: «لا تكون يمينًا».
_________________
(١) (مِنْ عِنْد هَذَا الرَّجُل): أَيْ الرَّسُول - ﵌ -. جَمَعَ بُزَاقه: مَاء الْفَم. (لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِل):أَيْ مِنْ النَّاس مَنْ يَأْكُل بِرُقْيَةِ بَاطِل، كَذِكْرِ الْكَوَاكِب وَالِاسْتِعَانَة بِهَا وَبِالْجِنِّ. (لَقَدْ أَكَلْت بِرُقْيَةِ حَقّ): أَيْ بِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى وَكَلَامه.
[ ١٣٥ ]