ولما ذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- أن من الواجب اعتقاد خروج من يدخل النار من عصاة الموحدين منها ناسب ذكر شفاعة النبي -ﷺ- في عصاة أمته وأهل الكبائر منهم فقال: (و) قل بلسانك معتقدًا بجنانك (إن رسول اللَّه) -ﷺ- والرسول: إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي فقط، فإذًا كل رسول نبي بلا عكس (١).
ورسل اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم على ما في حديث أبي ذر -﵁- عند ابن حبان في صحيحه: ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم ﵇ وخاتمهم نبينا محمد -ﷺ- وعليهم أجمعين.
وأما الأنبياء فمائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا (٢).
_________________
(١) وهذا ما قرره شيخ الإسلام في كتابه النبوات (ص ٢٥٥) في الفرق بين النبي والرسول؛ والمؤلف في كتابه لوامع الأنوار (١/ ٤٩ - ٥٠، ٢/ ٢٥٨). وانظر في ذلك الشفاء للقاض عياض (١/ ٣٤٥) وما بعدها.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه -الإحسان- (١/ ٢٨٧ - ٢٨٩) رقم (٣٦٢) ورقم (٣٦١) الطبعة الثانية. وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٨) وابن مردويه في تفسيره كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٢٨ - ٣١)؛ والآجري في كتاب الأربعين (ص ١٢٧) في حديث طويل وأخرج الطبراني في الكبير (٢/ ١٦٧ - ١٦٨) رقم (١٦٥١) وفي مكارم الأخلاق رقم (١) والقضاعى في مسند الشهاب (١/ ٣٧٨) جزء منه كلهم من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني. قال الذهبي في ترجمته وهو صاحب حديث أبي ذر الطويل انفرد به عن أبيه عن جده، ونقل توثيقه عن الطبراني وابن حبان. =
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وقد اعترض جماعة من الحفاظ على ابن حبان لإدخاله هذا الحديث في صحيحه. واللَّه أعلم.
(للخلق): جميعًا. . . (١) الجار والمجرور متعلق بقوله: (شافع) الشفاعة العامة التي هي لفصل القضاء كما تقدم.
والشفاعة لغة: الوسيلة والطلب.
وشرعًا: سؤال الخير للغير.
كذا عرفها بعضهم، والأليق أنها مشتقة من الشفع ضد الوتر فكأنَّ الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له من شفع يشفع بفتح العين المهملة شفاعة فهو شافع وشفيع، والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل الشفاعة، فالشفاعة التي هى لعموم الخلق هي الشفاعة العظمى التي يشفع فيها لأهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتدافعها الأنبياء أصحاب الشرائع آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام.
_________________
(١) = وأما أبو حاتم وأبو زرعة فقالا: كذاب. وقال ابن كثير في تفسيره: "ولا شك أنه -إبراهيم- قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٦): "وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وثقة ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة". قلت: وللحديث طرق أخرى لكنها لا تخلوا من مقال. راجع تخريج الحديث في الإحسان (٢/ ٧٦) رقم (٣٦١)، تحقيق شعيب الأرناؤط والأربعين للآجري رقم (٤٠) تحقيق بدر البدر ومسند الشهاب (١/ ٣٧٨) رقم (٦٥١)؛ تخريج حمدى عبد المجيد السلفي.
(٢) في "ظ" كتب في مكان هذا الفراغ (شافعًا) وعليه إشارة تدل على أنها خطأ أو كتبت سهوا، والمثبت من الأصل.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وقد وردت من عدة أوجه عن جماعة من الصحابة -﵃- عن النبي -ﷺ- منهم: أبو بكر وأنس وأبو هريرة وابن عباس وابن عمر وحذيفة وعقبة بن عامر وأبي سعيد الخدري وسلمان الفارس -﵃- فهؤلاء ورد أمر الشفاعة في أحاديثهم مطولًا، وورد أيضًا مختصرًا من حديث أبي بن كعب وعبادة ابن الصامت وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن سلام وغيرهم رضوان اللَّه عليهم أجمعين (١).
فشفاعة النبي -ﷺ- من السمعيات وردت بها الأخبار وصحت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح قبل ظهور المبتدعة، لكن تقدم أن هذه الشفاعة التي هى لفصل القضاء وإراحة الخلق من طول الوقوف مجمع عليها (٢).
وقد ثبت للنبي -ﷺ- الاختصاص بعدة شفاعات سواها منها:
أنه يشفع -ﷺ- لقوم من أمته أن يدخلهم الجنة بغير حساب وقد روى حديث هذه الشفاعة مسلم في صحيحه (٣).
_________________
(١) راجع (٢/ ٢٣٢) وفيه ذكر مصادر تخريج أحاديث الشفاعة.
(٢) انظر (٢/ ٢٣٢).
(٣) مسلم رقم (١٩٤) في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة، والبخاري أيضًا (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨) رقم (٤٧١٢) في التفسير باب: (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا) من حديث أبي هريرة -﵁- الطويل في الشفاعة ودليل هذه الشفاعة منه قوله تعالى في جواب قوله -ﷺ- فيه: "أمتي أمتي: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب". وقد ضعف الحافظ بن حجر هذا الاستدلال وقال: "يظهر لي أن دليله سؤاله -ﷺ- الزيادة على السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فأجيب" أنتهى. وقال ابن القيم بعد أن ذكر أحاديث الشفاعة: "فقد تضمنت هذه الأحاديث خمسة أنواع =
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وجزم بالاختصاص جماعة فهم القاضي عياض والنووى والجلال السيوطي وغيرهم (١).
_________________
(١) = من الشفاعة. أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء نبيًا بعد نبي حتى يريحهم اللَّه من مقامهم. النوع الثاني: الشفاعة في فتح باب الجنة لأهلها. النوع الثالت: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة. النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار. النوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار. ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس: أحدهما: في قوم استوجبوا النار، فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه. وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص. والنوع الثاني: شفاعته -ﷺ- لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات. وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي -ﷺ- لأبي سلمة وقوله: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين". وقوله في حديث أبي موسى: "اللهم أغفر لعبيد أبي عامر وأجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" انتهى. انظر: فتح الباري (١١/ ٤٣٦)؛ وتهذيب سنن أبي داود (٧/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٢) الذي جزم به القاضي عياض: شفاعته -ﷺ- في دخول من لا حساب عليه من أمته الجنة، كما ورد في حديث أبي هريرة المتفق عليه، والذي تقدم قبل قليل. للتفصيل: راجع الشفاء للقاضي عياض (١/ ٣٠١)؛ وصحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٣٥ - ٣٦)؛ والخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٢١٨)؛ وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٢) وما بعدها؛ والتوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٨٨) وما بعدها.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
ومنها شفاعته -ﷺ- في قوم استوجبوا النار بأعمالهم، فيشفع فيهم فلا يدخلونها، وقد جزم جماعة بعدم اختصاصه بها، إذ لم يرد نص صريح والأصل عدمه.
نعم جزم الحافظ السيوطي في "أنموذج اللبيب" (١) أنها من خصائصه.
ومنها شفاعته -ﷺ- في رفع درجات أناس في الجنة، وهذه لا تنكرها المعتزلة كالأولى.
ومنها شفاعته في إخراج عموم أمته من النار حتى لا يبقى منهم أحد، ذكره غير واحد من العلماء (٢).
وكذا يشفع لجماعة من صلحاء المسلمين ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات كما ذكره القزويني (٣) في كتابه المسمى بالعروة الوثقى. وباللَّه التوفيق.
تنبيه: الشفاعة التي تنكرها المعتزلة وتجحدها هى فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها وفيمن دخلها منهم أن يخرج منها، لزعمهم أن انفاذ الوعيد واجب عليه تعالى فكذّبت المبتدعة بشفاعة النبي -ﷺ- ونفتها مع ثبوت أدلتها وتظافر حججها مما ربما يعسر إحصاؤه ويتعذر استقصاؤه.
_________________
(١) اسمه الكامل: "النموذج اللبيب في خصائص الحبيب" وهو مختصر الخصائص الصغرى. له عدة مخطوطات انظرها في دليل مخطوطات السيوطي وأماكن وجودها (ص ١٤١ - ١٤٢).
(٢) قال في اللوامع (٢/ ٢١٢): "ذكره السبكي".
(٣) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٤٣٦): "ولم يذكر -يعني القزويني- مستندها ويظهر لي أنها تندرج في الخامسة -يعني شفاعته في رفع الدرجات".
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وقد أخرج البخاري عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- أنه خطب فقال: "سيكون في هذه الأمة قوم يكذّبون بالرجم، وبالدجال، ويكذّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا" (١).
وأخرح سعيد بن منصور (٢) والبيهقي وهناد (٣) عن أنس -﵁- قال: "من كذّب بالشفاعة فلا نصيب له فيها، ومن كذب بالحوض فليس له فيه نصيب". (٤).
_________________
(١) لم أجد هذه الرواية في البخاري. والذي فيه ما رواه عبد اللَّه بن عباس قال: سمعت عمر وهو على منبر رسول اللَّه -ﷺ- يخطب ويقول: "إن اللَّه بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل عليه آية الرجم. . . " الحديث. ورواه مالك ومسلم وأبو داود والترمذي. انظر: جامع الأصول (٣/ ٤٩٤). وأما هذه الرواية فأخرجها الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٣)؛ وهناد ابن السري في الزهد رقم (١٩١)؛ وعبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٨٨، ١١/ ٤١٢)؛ والآجري في الشريعة (ص ٣٢٩ - ٣٣٠)؛ واللالكائي في السنة رقم (٢٠٨٤) (٦/ ١١٠٩)؛ والبيهقي في البعث رقم (١٥٩) (ص ١٢٩) وفي إسناده علي بن جدعان ضعيف. التقريب (ص ٢٤٦). وقد حسنة الألباني في تخريج السنة (٢/ ٣٢١) وقال: "إن لابن جدعان متابع ذكرته في كتابي "قصة الدجال الأكبر ونزول عيسى ﵇".
(٢) سعيد بن منصور: تقدم (١/ ٣٢٩).
(٣) هناد بن السري بكسر الراء الخفيفة بن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، محدث ثقة، صنف كتاب الزهد وغيره، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقد طبع كتابه الزهد في مجلدين. سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٦٥)؛ وتقريب (ص ٣٦٥).
(٤) أخرجه هناد بن السري في الزهد (١/ ١٤٣) رقم (١٨٩) ومن طريقة الآجري في الشريعة =
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وأخرج البيهقي عنه أيضًا -﵁- أنه قيل له: إن قومًا يكذّبون بالشفاعة قال: "لا تجالسوا أولئك" (١).
وأخرج عنه أيضًا قال: "يخرج قوم من النار ولا نكذب بها -أي الشفاعة- كما يكذّب بها أهل حرورا -يعني الخوارج-" (٢).
وأخرج البيهقي أيضًا عن شبيب بن فضالة المكي (٣) قال ذكروا عند عمران بن حصين الشفاعة (٤) فقال رجل يا أبا نجيد إنكم تحدثوننا أحاديث لم نجد لها أصلًا في
_________________
(١) = (٣٣٧) الشطر الأول منه. وقد أخرج الشطر الأول منه أيضًا اللالكائي في السنة من طرق عن أنس. السنة (٦/ ١١١٠ - ١١١١). قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤٣٤) بعد أن أورد الشطر الأول منه من رواية سعيد ابن منصور: إسناده صحيح. وقال محقق الزهد لهناد بعد أن ذكر هذه الرواية رجاله ثقات إسناده صحيح.
(٢) رواه البيهقي كما في البدور السافرة (ص ٢٦١).
(٣) عزاه الحافظ في الفتح (١١/ ٤٣٤) إلى البيهقي في البعث ولم أجده في النسخة المطبوعة.
(٤) كذا في النسختين، وقد اختلفت المصادر في اسمه ففي اللوامع: شبيب بن أبي فضالة المكي، وفي الإبانة: حبيب بن أبي نضلة المالكي، وفي المعجم الكبير للطبراني: حبيب بن أبي فضالة المكي وفي سنن أبي داود حبيب المالكي، والراجح أنه حبيب بن أبي فضاله، ويقال ابن نضالة المالكي البصري كما جاء في سنن أبي داود وتهذيب الكمال (٥/ ٣٨٨)؛ والتقريب (ص ٦٣)؛ وتحفة الأشراف (٨/ ١٧٢ - ١٧٣) وقد أورد الحافظ في الفتح هذه الرواية عن طريق البيهقي، فقال أخرج البيهقي في البعث من طريق شبيب بن أبي فضالة. . . " وأشار في التهذيب إلى هذا الحديث فقال أخرجه البيهقي في البعث لكن وقع في روايته شبيب بدل حبيب، وكأنه تصحيف واللَّه أعلم. فتح (١١/ ٤٣٤)؛ التهذيب (٢/ ١٨٩).
(٥) في الإبانة: الساعة
[ ٢ / ٢٥١ ]
القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت صلاة العشاء أربعًا، وصلاة المغرب ثلاثًا، والغداة ركعتين، والظهر أربعًا، والعصر أربعًا؟ قال: لا، فقال فعمن أخذتم هذا ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن نبي اللَّه -ﷺ-، وفي كل أربعين درهمًا درهم، وفي كل كذا شاة، وفي كل كذا بعير، أوجدتم في القرآن هذا؟ قال: لا، قال: ووجدتم في القرآن ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أوجدتم طوفوا سبعًا، واركعوا ركعتين، خلف المقام، أوجدتم هذا في القرآن؟ عمن اخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: بلى، قال: أوجدتم في القرآن "لا جلب (١) ولا جنب (٢) ولا شغار (٣) في الإسلام؟ قالوا: لا. قال: فإن اللَّه تعالى قال في كتابه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وإنّا قد أخذنا عن نبي اللَّه -ﷺ- أشياء
_________________
(١) الجلب: يكون في شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَم المُصَدّق على أهل الزكاة، فينزل موضعًا ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها فنهى عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم. الثاني: أن يكون في السباق وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حثًا له على الجرى فنهى عن ذلك. النهاية (١/ ٢٨١).
(٢) الجنب: بالتحريك في السباق: أن يجنب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب ومعناه، في الزكاة ما تقدم في الجلب. النهاية (١/ ٣٠٣).
(٣) الشغار: "نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها حتى أزوجك أختي أو ابنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر. وقيل له شغار لارتفاع المهر بينهما. النهاية (٢/ ٤٨٢).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
لم يكن لكم بها علم" (١).
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- تلى قول اللَّه ﷿ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
وقول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه وقال: "أمتي أمتي ثم بكى فقال اللَّه تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤك" (٢).
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم بسند حسن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "اشفع لأمتي حتى ينادي ربي ﵎ أرضيت يا محمد؟ فأقول أي رب رضيت" (٣).
_________________
(١) الأثر أخرجه أبو داود في سننه رقم (١٥٦١) (٢/ ٢١١) في الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة مختصرًا. ورواه مطولًا: الطبراني في الكبير (١٨/ ٢١٩)؛ وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٢٣٣ - ٢٣٥) رقم (٦٦) وإبن أبي عاصم في السنة رقم (٨١٥). قال الشيخ الألباني في تخريج السنة: إسناده ضعيف.
(٢) رواه مسلم في صحيحه في الإيمان رقم (٢٠٢) (١/ ١٩١) باب دعاء النبي -ﷺ- لأمته وبكائه شفقة عليهم. وقد وقع عند الشارح هنا وفي كتابه اللوامع (٢/ ٢١٣) ابن عمر والصحيح عبد اللَّه بن عمرو بن العاص كما في صحيح مسلم.
(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٧٠ - ١٧١) رقم (٣٤٦٦)؛ والطبراني في الأوسط (٣/ ٤٤) رقم (٢٠٨٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٧٩) وعنده زيادة؛ وابن خزيمة في التوحيد (٤١٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧): "وفيه محمد بن أحمد بن زيد المداري ولم =
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وأخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن حبان في صحيحه والبيهقي والطبراني عن عوف بن مالك الأشجعي -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إن ربي خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة".
وفي لفظ: "ثلثي أمتي الجنة بغير حساب، ولا عذاب وبين الشفاعة لأمتي فأخترت الشفاعة، قال وهي لكل مسلم" (١).
وروى نحوه الإمام أحمد والطبراني والبزار بسند جيد من حديث معاذ بن جبل -﵁- وفيه "وعلمت أنها أوسع لهم وهي لمن مات لا يشرك باللَّه شيئًا" (٢).
_________________
(١) = أعرفه وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم".
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٣ - ٢٤، ٢٨ - ٢٩)؛ والترمذي رقم (٢٤٤١) في صفة القيامة؛ وابن ماجة رقم (٤٣١٧) في الزهد، باب ذكر الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٦٧) من عدة طرق؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ١٦٨)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٨١٨)؛ والطبراني في الكبير (١٨/ ٥٨) وفي مواضع أخر الأرقام (١٢٦، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨)؛ وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٣٨) من عدة طرق بزيادات عند بعضهم وبعض الاختلاف في الرواية وصححه الحاكم؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٩): "رواه الطبراني بأسانيد ورجاله بعضها ثقات". وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (٢٥٧١)؛ وفي صحيح سنن ابن ماجة رقم (٤٣١٧) وصححه في تخريجه السنة رقم (٨١٨)؛ وانظر طرق الحديث وتخريجه فيه.
(٣) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٣٢) عن أبي موسى ومعاذ بن جبل -﵄-؛ والبزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٦٧) مختصرًا؛ والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٦٣ - ١٦٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٨): "رواه أحمد والطبراني بنحوه. . . ورجالها رجال الصحيح غير عاصم بن أبي النجود وقد وثق وفيه ضعف ورواه البزار باختصار، ولكن أبا المليح وأبا بردة لم يدركا معاذ بن جبل.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وأخرج الطبراني مثله من حديث أنس -﵁- (١).
وروى نحوه الإمام أحمد والطبراني أيضًا والبيهقي بسند صحيح من حديث ابن عمر -﵄- وفيه: "فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفأ أترونها للمتقين، ولكنها للمذنبين الخطائين المتلوثين" (٢).
وأخرج الإمام أحمد والبيهقي والطبراني في الأوسط عن بريدة -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إني أشفع يوم القيامة لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر" (٣).
وأخرجه الطبراني أيضًا في الأوسط من حديث (أنيس) الأنصاري بلفظ:
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤) رقم (١٤١٧) في حديث طويل. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٠): "رواه الطبراني في الأوسط وفيه علي بن قرة ابن حبيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات".
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٧٥)؛ والطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨)؛ والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٠٢ - ٢٠٣)؛ واللآكائي في السنة رقم (٢٠٧٤)؛ والحسن ابن عرفة في جزئه رقم (٩٣)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٧٩١)؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨): "ورجال الطبراني رجال الصحيح غير النعمان بن قراد وهو ثقة" وله شاهد عند ابن ماجة رقم (٤٣١١) عن أبي موسى الأشعري؛ قال البوصيري في زوائد ابن ماجة (٤/ ٢٦٠) إسناده صحيح.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٤٧) بمعناه، وفيه قصة، قال الهيثمي مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨). رواه أحمد ورجاله وثقوا على ضعف كثير في أبي إسرائيل الملائي وأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ آخر. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٩): "رواه الطبراني في الأوسط وفيه سهل ابن عبد اللَّه بن بريدة وهو ضعيف.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
"لأكثر مما على وجه الأرض من حجر ومدر" (١).
وأخرج البخاري عن عمران بن حصين -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد -ﷺ- ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين" (٢).
وأخرج البخاري ومسلم من حديث جابر -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن اللَّه يخرج قومًا من النار بالشفاعة فيدخلهم الجنة" (٣).
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وصححوه عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي" (٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٩)؛ وأورده في ترجمة أنيس كل من ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٢١٤)؛ وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ١٥٦)؛ وابن حجر في الإصابة (١/ ١٢٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه أحمد بن عمرو صاحب علي بن المديني ويعرف بالقلوري ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم". وقال ابن عبد البر بعد إيراده لهذا الحديث: إسناده ليس بالقوي" انتهى. تنبيه: جاء عند الشارح هنا أنس الأنصاري والمثبت من مصادر تخريج الحديث.
(٢) أخرجه البخاري (١١/ ٤٢٥) رقم (٦٥٦٦) في الرقاق باب صفة الجنة والنار.
(٣) أخرجه البخاري (١١/ ٤٢٤) رقم (٦٥٥٨) في الرقاق باب صفة الجنة والنار؛ ومسلم رقم (٣١٧) (١/ ١٧٨) في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٣٩) في السنة باب في الشفاعة؛ والترمذي رقم (٢٤٣٥) كتاب صفة القيامة باب ما جاء في الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٦٩)؛ والبيهقي في الاعتقاد (٢٠٢)؛ وفي شعب الإيمان (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)؛ وفي السنن الكبرى (٨/ ١٧). وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٢٠٢٦)؛ والإمام أحمد في المسند (٣/ ٢١٣)؛ والآجري في الشريعة (ص ٣٢٨)؛ وابن خزيمة في التوحيد رقم (٣٩٢)؛ وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٩٩)؛ واللآلكائي في السنة (٦/ ١١٠١)؛ وأبو يعلى في مسنده =
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وأخرج الطبراني عن عبد اللَّه بن بسر -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "شفاعتي في أمتي للمذنبين المثقلين" (١).
والطبراني أيضًا وأبو نعيم عن أبي أمامة -﵁- أنه -ﷺ- قال: "نعم الرجل أنا لشرار أمتي، قيل: كيف يا رسول اللَّه؟ قال: أما شرار أمتي فيدخلهم اللَّه الجنة بشفاعتي، وأما خيارهم فيدخلهم الجنة بأعمالهم" (٢).
وعن ابن عباس -﵄- أنه -ﷺ- قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي".
قال ابن عباس -﵄-: "السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة اللَّه، والظالم لنفسه وأهل الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد -ﷺ-" (٣).
_________________
(١) = رقم (٣٢٨٤). وصححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٦٠٨).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بأطول منه؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٨٢٣)؛ قال الهيثمي مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧) "وفيه عبد الواحد النصري متأخر يروي عن الأوزاعي ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات".
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٨/ ١١٥) رقم (٧٤٨٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢١٩)؛ وابن عدي في الكامل (٢/ ٥٨٦) في ترجمة جميع بن ثوب الشامي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٧): "رواه الطبراني في الكبير وفي إسناده جميع بن ثوب الرحبي -وهو بفتح الجيم وكسر الميم على المشهور وقيل بالتصغير- قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال ابن عدي: رواياته تدل على أنه ضعيف. وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٨٩) عن ابن عباس. =
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وفي أوسط الطبراني عن ابن عمر -﵄- مرفوعًا: "إني ادخرت شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي" (١).
وفي الكبير عن أم سلمة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أعملي ولا تتكلي فإن شفاعتى للهالكين من أمتي" (٢).
وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن جابر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". قال جابر -﵁-: "من زادت حسناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة؛ وإنما شفاعة رسول اللَّه -ﷺ- لمن أوبق نفسه وأغلق ظهره" (٣).
_________________
(١) = قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨): "رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار عنه، وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو وضاع".
(٢) رواه أبو يعلى في مسنده (١٠/ ١٨٦)؛ والبيهقي في الاعتقاد (١٨٩) بأتم منه؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٥): "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة. ورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨) من رواية ابن عباس، وقال الهيثمي: وفيه حرب بن سريج، وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف".
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٦٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٨): "وفيه عمرو بن (مخزوم) وهو ضعيف" وقد وقع فيه: عمرو بن محرم وهو تصحيف والصواب مخزوم كما في مصادر ترجمته.
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٣٦) في صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة؛ وابن ماجة رقم (٤٣١٠) في الزهد باب ذكر الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٦٩)؛ والبيهقي في البعث (ص ٥٥) رقم (١)؛ وفي شعب الإيمان رقم (٣٠٦) وليس فيه قول جابر هذا: من زادت حسناته. . . إلخ وإنما جاء فيه كما عند الترمذي: قال محمد بن علي فقال لي جابر: =
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وأخرج (١) عن أنس -﵁- قال: قلنا يا رسول اللَّه لمن تشفع؟ قال: "لأهل الكبائر من أمتي وأهل العظائم وأهل الدماء" (٢).
وأخرج عن كعب بن عجرة مرفوعًا: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٣).
وأخرج عن طاووس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (٤).
قال البيهقي: هذا مرسل حسن يشهد لكون هذه اللفظة شائعة.
وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس مرفوعًا "ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع ويشفعني حتى أقول أي رب شفعني فيمن قال لا إله إلا اللَّه فيقول هذا ليس لك يا محمد، ولا لأحد وهذه لي وعزتي وجلالي ورحمتي لا أدع في النار أحدًا يقول لا إله إلا اللَّه" (٥).
_________________
(١) = يا محمد من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة. وهذه الرواية التي أوردها المصنف رواها اللآلكائي في السنة رقم (٢٠٥٥)؛ وذكرها ابن كثير في النهاية (٢/ ١٩٢) من رواية البيهقي؛ وعزاها المتقي الهندي في كنز العمال (١٤/ ٦٣١) للبيهقي في البعث وابن عساكر. وقال الترمذي بعد إيراد الحديث: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه يستغرب من حديث جعفر بن محمد". وصححه الحاكم على شرط مسلم.
(٢) أي البيهقي وكذا ما يأتي.
(٣) رواه البيهقي كما في البدور السافرة للسيوطي (ص ٢٦٥).
(٤) أورده ابن كثير في النهاية (٢/ ٢٠٠)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٦٥) ونسباه للبيهقي.
(٥) انظر: البدور السافرة للسيوطي (ص ٢٦٥).
(٦) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦) رقم (٨٢٨) وابن خزيمة في التوحيد =
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وأخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ليدخلن الجنة قوم من المسلمين قد عذبوا في النار برحمة اللَّه وشفاعة الشافعين" (١).
وأخرج الإمام أحمد والبيهقي من حديث حذيفة نحوه (٢).
وقال -ﷺ-: "أنا أول شافع وأول مشفع" رواه عنه أبو هريرة أخرجه مسلم (٣).
وجابر بن عبد اللَّه أخرجه البيهقي (٤).
_________________
(١) = (٢/ ٦٩٤) رقم (٤٣٩) قال الشيخ ناصر الألباني في تخريج السنة: حديث صحيح ورجاله ثقات رجال مسلم غير عمران وهو ابن دوار القطان العمي صدوق يهم لكنه قد توبع. . . ". ومتابعه عند مسلم رقم (٣٣٦) في الإيمان من طريق معبد العنزي في حديث طويل عن أنس وفي آخره. . فأقول يا رب إئذن لي فيمن قال لا إله إلا اللَّه، قال: ليس ذلك لك. . الحديث".
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٦٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٧٩): "وفيه من لم أعرفهم".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٩١، ٤٠٢) من طريقين، وأبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٤١٩)؛ وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٦٦٤) من طريقين والآجري في الشريعة (ص ٣٤٦). واللآكائي في السنة رقم (٢٠٨٠)؛ وابن أبي عاصم في السنة (٨٣٥ - ٨٣٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٠) رواه أحمد من طريقين ورجالهما رجال الصحيح. وحسنه الشيخ ناصر في تخريج السنة.
(٤) مسلم رقم (٢٢٧٨) في الفضائل، باب تفضيل نبينا -ﷺ - على جميع الخلائق وفيه زيادة.
(٥) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٣٠ - ٣١) رقم (٥٠)؛ والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٨٠)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٧٩٤) وصححه الألباني في تخريج السنة.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وعبد اللَّه بن سلام أخرجه البيهقي (١).
وغير هؤلاء من الصحابة -رضوان اللَّه عليهم-.
فيشفع يوم القيامة سائر الرسل والأنبياء والملائكة ﵈ والصحابة والشهداء والصديقون وهم العلماء والأولياء على اختلاف مراتبهم ومقاماتهم عند ربهم يشفعون (وبقدر جاههم ودرجاتهم) (٢).
يشفعون لثبوت الأخبار وترادف الآثار وهو أمر جائز فوجب تصديقه والقول بموجبه.
وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يشفع اللَّه آدم يوم القيامة من جميع ذريته في مائة ألف ألف وعشرة الآف ألف" (٣).
وأخرج ابن أبي عاصم والأصبهاني عن أبي أمامة مرفوعًا "يجاء بالعالم والعابد فيقال للعابد أدخل الحنة، ويقال للعالم قف حتى تشفع للناس" (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦/ ٤٨١ - ٤٨٢) رقم (٧٤٥٥) ومن طريقه ابن حبان في صحيحه الإحسان (٨/ ١٣٧)؛ والبيهقي كما في النهاية لابن كثير (١/ ٢٠٥) (٢/ ١٨٠) وابن أبي عاصم في السنة رقم (٧٩٣). وقال ابن كثير: إسناده لا بأس به. وقال الألباني: إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات.
(٢) ما بين القوسين استدرك في هامش الأصل وكتب عليه صح وليس في "ظ".
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف".
(٤) لم أجده في السنة لابن أبي عاصم. وقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٠٧)؛ وعزاه للإصبهاني وصدره بقوله: =
[ ٢ / ٢٦١ ]
ورواه البيهقي من حديث جابر وزاد في آخره: "بما كنت أحسنت أدبهم" (١).
وأخرج الديلمي من حديث ابن عمر مرفوعًا: "يقال للعالم أشفع في تلامذتك ولو بلغ عددهم نجوم السماء" (٢).
وأخرج أبو داود وابن حبان عن أبي الدرداء -﵁- (٣) سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته" (٤).
وأخرج نحوه الإمام أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت -﵁- (٥).
_________________
(١) = وروى للدلالة على ضعفه، كما ذكره في مقدمته.
(٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٤٦) رقم (١٥٨٨)؛ وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٣٠)؛ وفي سنده مقاتل بن سليمان قال في التقريب كذبوه ورواه من وجه آخر ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٢٢) والديلمي في الفردوس رقم (٨٧٧٣)؛ وابن عدي في الكامل (٢/ ٨١٩) في ترجمة حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك ومن طريقه الذهبي في الميزان (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣)؛ وحبيب هذا قال ابن عدي أحاديثه كلها موضوعة.
(٣) أورده في الفردوس من رواية جابر بن عبد اللَّه بلفظ أطول. وساق المحقق في الحاشية سنده عند الديلمي في زهر الفردوس (لابن حجر) من رواية ابن عمر مرفوعًا. فردوس الأخبار (٥/ ٤٨٥) رقم (٨٨٣٩).
(٤) في "ظ": قال.
(٥) رواه أبو داود رقم (٢٥٢٢) في الجهاد باب في الشهيد يشفع وابن حبان في صحيحه الإحسان (٧/ ٨٤)؛ وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم (٧٩٤٩).
(٦) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٣١)؛ وسعيد بن منصور في سننه رقم (٢٥٦٣)؛ والطبراني كما في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٣) في حديث في فضل الشهيد وفي آخره ويشفع في سبعين من أقاربه، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢) لكن لم يذكر فيه الشفاعة. قال الهيثمي: ورجال أحمد والطبراني ثقات.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
والترمذي وابن ماجة من حديث (المقدام) (١) بن معديكرب (٢).
وأخرج البزار والبيهقي بسند صحيح عن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن الرجل ليشفع في الرجل والرجلين والثلاثة يوم القيامة" (٣).
وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد اللَّه بن أبي الجدعاء -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم، قالوا: سواك يا رسول اللَّه، قال: سواي" (٤).
قال الفريابي (٥) يقال: إنه عثمان بن عفان -﵁- (٦).
_________________
(١) في الأصل: "مقدم" وفي "ظ": "المقداد" والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٣١) وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩٥٥٩)؛ وسعيد بن منصور في سننه رقم (٢٥٦٢) والترمذي رقم (١٦٦٣) في فضائل الجهاد، باب في ثواب الشهيد؛ وابن ماجة رقم (٢٧٩٩) في الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل اللَّه، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٦٦ - ٢٦٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٣) رواه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٧٣) ورجاله رجال الصحيح، قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٣).
(٤) رواه الترمذي رقم (٢٤٣٨) في صفة القيامة أبواب الشفاعة؛ والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٠٨)؛ ورواه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٩ - ٤٧٠)؛ وابن ماجة رقم (٤٣١٦) في الزهد، باب ذكر الشفاعة؛ والدارمي (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦) رقم (٢٨١١). وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٥) محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي؛ محدث ثقة فاضل روى له الجماعة، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. تقريب (ص ٢٥).
(٦) وروى ذلك عن الحسن البصري، وروى عنه أيضًا أنه أويس القرني.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وأخرج الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي بسند صحيح عن أبي أمامة -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي (١) مثل الحيين ربيعة ومضر" زاد في رواية: "بشفاعة رجل من أمتي" (٢).
وأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن من أمتي لرجالًا يشفع الرجل منهم في الفئام من الناس فيدخلون الجنة بشفاعته ويشفع الرجل منهم للقبيلة فيدخلون الجنة بشفاعته ويشفع الرجل منهم (للرجل) (٣) وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته" (٤).
قوله في الحديث: "الفئام من الناس": "هو بكسر الفاء مهموز الجماعة الكثيرة".
وقد تكرر في الحديث كما في النهاية (٥).
وفي القاموس: "الفئام ككتاب الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه" (٦).
_________________
(١) = انظر: جامع الترمذي (٤/ ٦٢٧)؛ والمستدرك (٣/ ٤٠٨)؛ وانظر النص عن الفريابي في النهاية لابن كثير (٢/ ٢١٣).
(٢) في "ظ": نبي.
(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٥٧، ٢٦١، ٢٦٧)؛ والطبراني في الكبير (٨/ ١٦٩، ٢٨٠، ٣٣٠). قال الهيثمي مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨١): "رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني رجالهم رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ميسرة وهو ثقة.
(٤) ساقطة من الأصل وأثبتها من "ظ"؛ ومن لوامع الأنوار (٢/ ٢١٠) وبها يستقيم الكلام.
(٥) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٤٠) في صفة القيامة كتاب باب ما جاء في الشفاعة. وقال: "هذا حديث حسن".
(٦) النهاية (٣/ ٤٠٦).
(٧) القاموس: (٤/ ١٦٠).
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وأخرج البزار عن أبي موسى الأشعري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيته" (١).
والحاصل أن للناس شفاعات يوم القيامة عند ربهم بقدر أعمالهم وعلو مراتبهم وقربهم من اللَّه ﵎.
(والقرآن يشفع (٢) لأهله) (٣).
والإسلام يشفع لأهله (٤).
والحجر الأسود يشفع لمستلمه (٥).
_________________
(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٩ - ٤٠٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد "رواه البزار وفيه من لم يسم". مجمع الزوائد (٣/ ٢١١).
(٢) في "ظ" والقرآن يشفع يوم القيامة.
(٣) جاء ذلك في أحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٥٥٣) رقم (٨٠٤) عن أبي أمامة الباهلي، قال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. . . " الحديث.
(٤) لعموم الأدلة الواردة في الشفاعة، وأنها تحصل لمن شهد أن لا إله إلا اللَّه كما جاء في الحديث: يخرج من النار من قال: لا إله إلا اللَّه، وكان في قلبه من الخير ما يزن بره. . . الحديث رواه البخاري ومسلم. وفي الحديث الآخر: في شفاعته -ﷺ-. . . وفي آخره فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا اللَّه إلا اللَّه، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا اللَّه. أخرجه مسلم وكذا قوله -ﷺ- "أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا اللَّه خالصًا من قلبه" رواه البخاري.
(٥) ورد في ذلك بعض الأحاديث والآثار الدالة على ذلك منها ما رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٩١، ٣٠٧، ٣٧١) والدارمي في سننه (١/ ٣٧٢) رقم (١٨٤٦)؛ وابن ماجة في =
[ ٢ / ٢٦٥ ]
ولكن ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقد ورد في هذا الباب ما يزيد على الإسهاب، وقد ذكرنا ما لعله يقلع شروش (١) الاختلاج (٢) من خواطر من أذعن للنصوص النبوية والآثار المصطفوية، ولم يجنح لأهل الزيع والاعوجاج وخلع ربقة التقليد من عنقه ولم يتماد مع هواه وحمقه. فالنصوص متواترة والآثار متظافرة، والعقل الصحيح (لا يحيد عن ذلك) (٣) والنقل الصريح ناطق بما هنالك.
فدع عنك نحلة أهل البدع والضلال وانهج سبيل من اتبع أهل الحق تسلم من الوبال، فإثبات الشفاعة حق لازم وصدق جازم فلا عقل يحيله ولا نقل يزيله، وما
_________________
(١) = سننه (٢/ ٩٨٢) رقم (٢٩٤٤)؛ وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٢٠)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٦/ ١٠)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٧)؛ والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٣٢٣)؛ والفاكهي في أخبار مكة (١/ ٨٢) رقم (٢) من عدة طرق عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: "يأتي هذا الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلم بحق". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
(٢) و(٢) الاختلاج: الهم والشك وانشغال الصدر. شروش: كذا في النسختين بالشين المعجمة، ولم أجد معناها في اللغة فلعلها شروس بالسين المهملة تصحفت من النساخ فلها في اللغة ما يناسب المعنى هنا وهو: نبات له شوك، فيكون المعني هنا: أتينا بما يقلع أصول الهم، والانشغال من صدور من انقاد وأسلم للنصوص النبوية كما تقلع أصول الشجر" واللَّه أعلم. راجع: تاج العروس ولسان العرب (خلج، شرس).
(٣) في "ظ": لا يحيل ذلك.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
بقية في الكلام على عذاب القبر ونعيمه
كان هذا سبيله فهو الحصن الحصين، وباللَّه التوفيق (١).
وقول الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك (إن عذاب القبر) واحد القبور ويجمع أيضًا جمع قله على أقبر، ويقال لمدفن الموتى مقبر.
قال الشاعر: (٢)
لكل أناس مقبر في فنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد
قال القرطبي: اختلف في أول من سن القبر، فقيل الغراب في قصة قتل هابيل، وقد قيل: إن قابيل كان يعرف الدفن، ولكن ترك أخاه استخفافًا به، فبعث اللَّه الغراب ليبحث في الأرض -يعني التراب- على هابيل ليدفنه كذا في التذكرة (٣).
وقيل: إن اللَّه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ثم حفر له حفرة فدفنه، ففعل قابيل بأخيه كذلك، فكان ندمه لعدم هدايته أن يفعل كما فعل الغراب فصار الدفن سنة في بني آدم (٤).
وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أي جعل له قبرًا يوارى فيه إكرامًا له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي (٥).
(بالحق): الذي يرادف الصدق أو هو أخص منه.
قال العلماء: الحق هو الحكم المطابق للواقع وقد يطلق على الأقوال والعقائد
_________________
(١) كتب في هامش "ظ" بلغ مقابلة.
(٢) هو عبد الرحمن بن ثعلبة الحنفي والبيت في لسان العرب (٦/ ٣٧٦) (قبر).
(٣) التذكرة للقرطبي (ص ١١٥).
(٤) نفس المصدر.
(٥) انظر: التذكرة لقرطبي (ص ١١٥)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ٤).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك ويقابل الباطل.
وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب، وقد يفرق بينها بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع، وفي الصدق من جانب الحكم فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع ومعنى حقيته مطابقة الواقع إياه.
(يوضح) أي يُظهر ويُكشف ويُبان بيانًا لا خفاء فيه، ولا شك يعتريه تصريحًا بحقية عذاب القبر ونعيمه خلافًا للمعتزلة ومن وافقهم من أهل العناد (١) والضلال والإلحاد.
وفي بعض النسخ: (وقيل في عذاب القبر حق موضح) والأول أولى.
وقد قدمنا عند قول الناظم -رحمه اللَّه تعالى-: ولا تنكرن جهلًا نكيرًا ومنكرًا ما لعله يشفي ويكفي (٢).
ونزيد هنا أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا يحصل له معها النعيم والعذاب كما في كتاب الروح للمحقق ابن القيم (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه-: "النعيم والعذاب على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن وتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها فيكون النعيم والعذاب عليهما في
_________________
(١) في "ظ" الفساد".
(٢) انظر: (٢/ ١٤٤).
(٣) الروح (ص ٧٣ - ٧٤).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
هذه الحالة مجتمعين كما يكون للروح منفردة عن البدن.
وهل يكون النعيم والعذاب للبدن بدون الروح هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث وأهل الكلام قال: وفي المسألة أقوال شاذة ليست من أقوال أهل السنة (١). . قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا قول الفلاسفة المنكرين لمعاد الأبدان وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين ويقوله أكثر من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام وإن قالوا بمعاد الأبدان وإنما ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط. ويقولون إن الأرواح هي المنعمة والمعذبة في البرزخ فإذا كان يوم القيامة نعمت الروح والبدن، أو عذبا معا، وهذا قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم وهو اختيار ابن حزم (٢) وابن مرة (٣) فهو (مرجوح لا باطل) (٤) إلا (٥) أن صاحبه يقر بعذاب القبر وبالقيامة ويثبت معاد الأبدان والأرواح.
والحاصل أن الأقوال الباطلة ثلاثة:
الأول: ما تقدم ذكره من قول الفلاسفة.
_________________
(١) كذا في النسختين وفي الروح لابن القيم (ص ٧٢) ولعل هنا كلمة أحدها. . . وهي مثبتة في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٢٤).
(٢) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١١٧) وما بعدها؛ والدرة فيما يجب اعتقاده (ص ٢٨٢) وما بعدها.
(٣) ابن مرة كذا في النسختين وفي الروح لابن القيم أيضًا؛ وفي لوامع الأنوار (٢/ ٢٤٠) أثبت المصحح ابن ميسرة وقال في التعليق: في الأصلين ابن مرة، والتصويب من كتاب الروح مخطوط، وكذ ما يأتي قلت وفي الفتاوى (٤/ ٢٦٢) ابن ميسرة. وقد بحثت عنه فلم أجد له ترجمة.
(٤) كذا في الأصل وفي "ظ" فهو مرجوح باطل.
(٥) كذا في النسختين ولعل الصحيح: "لان صاحبه .. . . ".
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الثاني: قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا قول طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن وهذا من أبطل الباطل وقد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة حتى أن الفلاسفة يقرون بذلك، إلا أنهم ينكرون معاد الأبدان وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان وكلا القولين خطأ وضلال.
نعم قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان يرافقهم عليه من يعتقد أنه يتمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام.
والثالث: قول من يقول: ليس في البرزخ نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقوله من يقوله من المعتزلة وغيرهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب فهؤلاء على بدعة وضلال في أمر البرزخ، إلا أنهم خير من الفلاسفة لإقرارهم بالمعاد والقيامة الكبرى" (١).
ومذهب أهل الحق أحق وهو مذهب سلف الأمة وسائر الأئمة، واللَّه تعالى الموفق.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٢٨٢) وما بعدها وقد نقل الشارح هنا من كتاب الروح لابن القيم ببعض التصرف والاختصار. انظر: الروح لابن القيم (ص ٧٢ - ٧٤)؛ ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٢٤ - ٢٥).
[ ٢ / ٢٧٠ ]