قال الناظم -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن بين نهج أهل الحق وسبيل أصحاب الاتباع والصدق، كأنه يقول قد بينا ما يجب اعتقاده مما خالفنا فيه أهل البدع فاحذر أن تقول بقولهم، وتعتقد اعتقادهم، فحيث علمت ذلك فالزم مذهب أهل الحق.
(ولا تكفرن) بضم التاء الفوقية وسكون الكاف وكسر الفاء وفتح الراء فهو مؤكد بالنون الخفيقة، أي لا تعتقد تكفير (أهل الصلاة) المعهودة التي هي أحد أركان الإسلام ومباني الدين (١). . . (*) (المحرم قتلها) (٢).
والكفر ضد الإيمان وتفتح الكاف كالكفور والكفران بضمها، أي بضم الكاف فيهما.
وفي الحديث: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما" (٣).
لأنه إما أن يصدق عليه أو يكذب، فإن صدق فهو كافر، وإن كذب عاد الكفر إليه بتكفيره أخاه المسلم.
_________________
(١) بعدها في "ظ" (الوريقة) كذا ولعلها الوثيقة. ومن هنا والكلام الآتى ساقط من "ظ" إلى قوله فيما يأتي: والأحاديث في المعنى كثيرة جدًا. واللَّه أعلم. وقد أشرت إليه بنجمتين.
(٢) كذا في الأصل، وفي العبارة إشكال فلعل في الكلام سقطًا.
(٣) رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، وأبو داود والترمذي عن عبد اللَّه بن عمر -﵄. جامع الأصول (١٠/ ٧٦١ - ٧٦٢).
[ ٢ / ٢٧١ ]
تفسير كلمة "الكفر"
قال في النهاية: "الكفر صنفان: أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضده، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإيمان".
قال: "وقيل الكفر على أربعة أنحا:
كفر إنكار بأن لا يعرف اللَّه أصلا ولا يعترف به.
وكفر جحود، ككفر إبليس يعرف اللَّه بقلبه ولا يقر بلسانه.
وكفر عناد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدًا وبغيًا ككفر أبي جهل وأضرابه.
وكفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد بقلبه.
قال الهروي (١) سئل الأزهري (٢) عمن يقول بخلق القرآن أتسميه كافرًا؟
فقال الذي يقوله كفر فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا، وهو يقول مثل ما قال، ثم قال في الآخر قد يقول المسلم كفرًا" (٣).
_________________
(١) أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الهروي أبو عبيد الشافعي: العلامة اللغوي المؤدب، صاحب: الغريبين في الجمع بين غربتي القرآن والحديث من الكتب النافعة طبع الجزء الأول منه، مات سنة إحدى وأربع مائة. سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٤٦ - ١٤٧)؛ وفيات الأعيان (١/ ٩٠).
(٢) الأزهري: محمد بن أحمد بن الأزهري طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي أبو منصور، كان رأسًا في اللغة والفقه، ثقة ثبتا دنيا، له كتاب: تهذيب اللغة المشهور؛ وكتاب التفسير؛ وكتاب تفسير ألفاظ المزني؛ وكتاب الأسماء الحسنى؛ وغيرها، توفي سنة سبعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣١٥)؛ وطبقات السبكي (٣/ ٦٣).
(٣) انظر النص في لسان العرب (٦/ ٤٦٠) (كفر)؛ وفي النهاية لابن الأثير (٤/ ١٨٦).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
ومنه حديث ابن عباس -﵄- قيل له: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. (قال هم كفرة) (١) وليسوا كمن كفر باللَّه واليوم الآخر" (٢).
ومنه حديثه الآخر: "ان الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية فثار بعضهم إلى بعض بالسبوف فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] ولم يكن ذلك على الكفر باللَّه، ولكن على (تغطيتهم) (٣) ما كانوا عليه من الألفة والمودة" (٤).
ومنه حديث ابن مسعود -﵁-: "إذا قال الرجل للرجل أنت لي عدو، فقد كفر أحدهما بالإسلام" (٥) أراد كفر نعمته لأن اللَّه ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا فمن لم يعرفها فقد كفرها (٦).
وفي الحديث الآخر: أنه -ﷺ- قال: "اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء لكفرهن، قيل أيكفرن باللَّه؟ قال: لا ولكن يكفرن الإحسان ويكفرن العشير" (٧)
_________________
(١) ليست في النسختين وأثبتناها من النهاية لابن الأثير (٤/ ١٨٦) ومنه بنقل الشارح.
(٢) رواه عبد الرازق في تفسيره (١/ ١٩١)؛ وعنه ابن كثير (٣/ ١٦٣)؛ والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٦٧)؛ وانظر: المجموع المغيث (٣/ ٦٢)؛ والنهاية (٤/ ١٨٦).
(٣) في الأصل: تعظيمهم والتصويب من المجموع المغيث؛ والنهاية لابن الأثر؛ ومشكل الآثار.
(٤) رواه الطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٦٧)؛ وأورده أبو موسى المديني في المجموع المغيث (٣/ ٦١)؛ وابن الأثير في النهاية (٤/ ١٨٦).
(٥) أورده ابن الأثير في النهاية (٤/ ١٨٦).
(٦) النهاية (٢/ ١٨٦).
(٧) رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد اللَّه بن عباس -رضي =
[ ٢ / ٢٧٣ ]
مذهب المعتزلة والخوارج من أهل الذنوب وبيان مذهب أهل السنة
أي يجحدن إحسان أزواجهن" (١).
و(الأحاديث) (٢) في المعنى كثيرة جدًا واللَّه أعلم* (٣).
(وإن عصوا) بارتكاب الذنوب كبيرها وصغيرها ولو كانت تلك الذنوب (٤) (و) المعاصي قتل النفوس (٥) تعمدًا، خلافًا للخوارج والمعتزلة.
قال الحافظ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الهادي الحنبلي (٦) من بني قدامة في مناقب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه-: "أول خلاف حدث في الملة في الفاسق الملي هل هو كافر أو مؤمن؟
فقال الخوارج إنه كافر.
وقالت الجماعة إنه مؤمن.
_________________
(١) = اللَّه عنهما. جامع الأصول (٦/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٢) النهاية (٤/ ١٨٧).
(٣) في الأصل: والحديث ولعل الصحيح ما أثبته.
(٤) من قوله فيما سبق: الصلاة المعهودة التي هى أحد أركان الإسلام ومباني الدين إلى هنا ليس في "ظ" وهو ما بين الدائرتين.
(٥) في "ظ" المعاصي.
(٦) في "ظ" زيادة النفوس المحرم قتلهم.
(٧) محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الأصل ثم الصالحي الفقيه المحدث الحافظ الناقد المقرئ النحوي المتفنن شمس الدين أبو عبد اللَّه بن العماد أبي العباس ولد سنة أربع وسبعمائة، توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وله مصنفات كثيرة. انظر: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٦ - ٤٣٩)؛ وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٥٠٨)؛ والمعجم المختص للذهبي (٢١٥)؛ والبداية (١٤/ ٢١٠).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وقالت طائفة المعتزلة هو لا مؤمن، ولا كافر، منزلة بين المنزلتين وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه فسموا معتزلة" (١).
وأما أهل السنة فلم يخرجوه من الإسلام، ولم يحكموا عليه بالخلود في النار، وإنما هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو في مشيئة اللَّه تعالى (٢).
والخوارج يكفرون كل مرتكب لذنب ولو صغيرة، لأن عندهم كل ذنب كبيرة نظرًا لعظمة من عصي.
وكل كبيرة كفر، فصاحب الذنب عندهم يخرج من الإيمان ويدخل (في) (٣) الكفر ويخلد في النار، قالوا لأنه لا يخلد في النار إلا الكفار، وعندهم من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، وطريقة المعتزلة أن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين الكفر والإيمان، ومع ذلك يخلدونه في النار مع قولهم: إن مرتكبي الكبائر لسيوا بكفار، فوافقوا الخوارج في خلود مرتكبي الكبائر في النار وخالفوهم بقولهم: إنهم ليسوا بكفار ودخول النار عندهم جميعًا مشترط حيث لم يتوبوا قبل معاينة الموت.
والمعتزلة (من أول فرقة من فرق أهل الضلال) (٤) بعد الخوارج أسسوا قواعد
_________________
(١) الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: العقود الدرية (ص ٢٣٤)؛ وانظر مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٢ - ١٨٣)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٧٢، ٣٦٤).
(٢) وهذا هو مذهب أهل السنة. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٢١٧)؛ وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٧) وما بعدها؛ وشرح العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس (ص ١٢٣ - ١٢٤)؛ وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٧١ - ٧٣)؛ وتيسير العزيز الحميد (ص ٩٨).
(٣) ليست في "ظ".
(٤) العبارة كذا في النسختين ولعل الصحيح: والمعتزلة من أول فرق أهل الضلال .. إلخ.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الخلاف لما ورد به ظاهر السنة وجرى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان -﵃- في باب العقائد. .
وذلك أن رئيسهم واصل بن عطاء أبا حذيفة المعروف بالغزال المعتزلي مولى بني منبه، وقيل مولى بني مخزوم كان أحد البلغاء المتكلمين يجلس في حلقة الحسن البصري، وكانت الخوارج قد أظهرت القول بكفر مرتكبي الكبيرة، فقال واصل: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، فأثبت منزلة بين منزلتين وألف كتابه: "المنزلة بين المنزلتين".
فقال له الحسن البصري -رحمه اللَّه تعالى-: اعتزل عنا فسموا المعتزلة (١).
وهم يسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد لقولهم بوجوب الثواب للمطيع والعقاب على العاصي على اللَّه تعالى.
والتوحيد يعنون به نفي (٢) الصفات القديمة عنه تعالى (٣).
وفي تاريخ ابن خلكان (٤) ذكر السمعاني (٥) في كتاب الأنساب في ترجمة المعتزلي (٦) أن واصل بن عطاء كان يجلس إلى الحسن البصري -رحمه اللَّه تعالى- فلما ظهر الاختلاف فقالت الخوارج بتكفير مرتكبي الكبائر، وقالت الجماعة بأنهم
_________________
(١) وقد مضى هذا الخبر. انظر (١/ ١٩٣).
(٢) في "ظ" نفس وهو خطأ.
(٣) انظر أقوالهم هذه في الملل والنحل (١/ ٤٢) وما بعدها.
(٤) تقدم (١/ ١٩١).
(٥) تقدمت ترجمته (٢/ ١٢٠).
(٦) يعني من ينسب إلى الاعتزال فيقال له: معتزلي. وانظر هذا الخبر في الأنساب (١٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩) (المعتزلي)؛ وفي وفيات الأعيان (٦/ ٨).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
مؤمنون وإن فسقوا بالكبائر فخرج واصل بن عطاء عن الفريقين وقال: إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، منزلة بين منزلتين فطرده الحسن من مجلسه فاعتزل عنه وجلس إليه عمرو بن عبيد فقيل لهما ولأتباعهما (معتزلون) (١).
وذكر ابن خلكان في تاريخه أيضًا في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأكمه وكان تابعيا عالمًا كبيرًا -قال: إنه دخل مسجد البصرة فإذا بعمرو بن عبيد ونفر قد اعتزلوا من حلقة الحسن البصري وحلقوا وارتفعت أصواتهم فأمهم وهو يظن أنها حلقة الحسن فلما صار معهم عرف أنها ليست هي فقال: إنما هؤلاء المعتزلة ثم قام عنهم فمنذ يومئذ سموا المعتزلة (٢).
إذا علمت ما قررنا فالحق مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة أن مرتكبي الكبائر في مشيئة اللَّه تعالى وعفوه لأن أصل الإيمان من التصديق باللَّه والمعرفة والإذعان موجود، فإذا مات مرتكب الكبيرة مصرًا على ذنبه فأمره مفوض إلى ربه وسعة رحمته (٣).
(فكلهم): أي العباد إلا من عصمه اللَّه من المرسلين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو حفظه من خواص الأولياء.
(يعصى): من العصيان خلاف الطاعة، يقال عصاه يعصيه عصيًا ومعصية وعاصاه فهو عاص، والمعصية تشمل الكبائر والصغائر.
_________________
(١) كذا في النسختين، وفي وفيات الأعيان، وفي الأنساب: (معتزلي).
(٢) وفيات الأعيان (٤/ ٨٥) وقد تقدم الخبر (ص ١/ ١٩٣).
(٣) ينبغي أن نضيف هنا: إن شاء عفى عنه وغفر له وإن شاء عذبه بقدر معاصيه، ثم يدخل الجنة إما بشفاعة الشافين، أو برحمة اللَّه وفضله، ولا يخلد في النار، وهذا هو مذهب أهل السنة والذي دلت عليه الأدلة.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
فما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة.
وزاد شيخ الإسلام: "أو ورد في ارتكاب المعصية وعيد بنفى إيمان (أو لعن) (١) " (٢).
وقيل: ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وما عدا ذلك فهو من الصغائر.
(وذو): أي صاحب.
(العرش): العظيم الذي هو أعظم المخلوقات وهو العالى عليها من جميع الجوانب.
(يصفح): من الصفح وهو الإعراض عن المؤاخذة.
وفي حديث أم المؤمنين عائشة الصديقة تصف أباها -﵄-: "صفوح عن الجاهلين" (٣): أي كثير الصفح والعفو والتجاوز عنهم.
ومنه: "الصفوح" في صفة اللَّه تعالى (٤) وهو العفو عن ذنوب العباد المعرض
_________________
(١) في "ظ" أو كفر.
(٢) انظر: الفتاوى المصرية (ص ٤٨٣ - ٤٨٦)؛ ومجموع الفتاوى (١١/ ٦٥٠) وما بعدها؛ واختاره شارح العقيدة الطحاوية (ص ٤١٨). وانظر: كلام العلماء في تحديد الكبيرة في تفسير ابن كثير (٢/ ٤٢٧) عند قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. ولوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٣٦٥).
(٣) ذكره ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٤)؛ وأبو موسى المدني في المجموع المغيث (٢/ ٢٧٣). وانظر: منال الطالب شرح طوال الغرائب لابن الأثير (ص ٥٧٤).
(٤) ذكره ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٥) ولم أجد النص الذي يدل عليه.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
عن عقوبتهم تكرمًا. كما في نهاية ابن الأثير (١) فالمولى الكبير يغفر الذنب الكبير، ولا يؤاخذ بالتقصير.
وقد ورد في الكتاب والسنة ما يؤيد ما ذهب إليه أهل الحق وأجمعوا عليه من الحق والصدق.
كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية (٢) [البقرة: ١٧٨].
وفي ذلك يقول: "فمن عفي له من أخيه شيء" فأثبت له أخوة الإيمان (٣).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . .﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.
وفي الصحيحين عن النبي -ﷺ- من حديث عبادة بن الصامت -﵁- أنه قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف فمن وفّي منكم فأجره على اللَّه ومن أصاب من ذلك شيئًا. . . (٤) فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا
_________________
(١) النهاية (٣/ ٣٥).
(٢) وقد جاء في المخطوطتين: الآيتين وهي آية واحدة.
(٣) قال البغوي في تفسيره (١/ ٣٩٥): "وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرًا بالقتل لأن اللَّه تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ وقال في آخر الآية: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ وأراد به أخوة الإيمان فلم يقطع الأخوة بينهما بالقتل انتهى.
(٤) هنا في الأصل: (ثم) وليست في "ظ" ولا في الأصول.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ثم ستره اللَّه فهو إلى اللَّه إن شاء عفى عنه وإن شاء عاقبه".
قال: فبايعناه على ذلك (١).
وقال -ﷺ- فيما يرويه عن ربه تعالى: "ابن آدم لو لقيتنى بقراب (٢) الأرض خطايا ثم أتيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك (٣) بقرابها مغفرة" (٤) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس -﵄- (٥) وأبو عوانة (٦) في مسنده من حديث أبي ذر.
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٨١) في الإيمان باب علامة الايمان حب الأنصار؛ وفي تفسير سورة الممتحنة (٨/ ٥٠٦)؛ ومسلم رقم (١٧٠٩) في الحدود باب الحدود كفارات لأهلها.
(٢) قراب الأرض: أي بما يقارب ملاها. النهاية (٤/ ٣٤).
(٣) في "ظ": أتيتك.
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٤٠) في الدعوات في أبواب فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة اللَّه لعباده عن أنس -﵁- وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وفي بعض النسخ حسن غريب. انظر تحفة الأحوذى (٩/ ٥٢٥) قلت وله شواهد منها ما في صحيح مسلم عن أبي ذر -﵁- يأتي بعد قليل. وانظر تخريج الحديث في الفتوحات الربانية (٧/ ٢٨٣)؛ وفي السلسلة الصحيحة (ص ١٢٧، ١٢٨).
(٥) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٩) رقم (١٢٣٤٦)؛ وفي الصغير (٢/ ٢٠ - ٢١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٦): رواه الطبراني في الثلاثة وفيه إبراهيم بن إسحاق وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف في توثيقه وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٦) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري الأصل الإسفرائيني أبو عوانة صاحب المسند الصحيح الذي خرجه على صحيح مسلم من حفاظ الحديث وعلمائهم، وله فيه رحلة واسعة، مات سنة ست عشرة وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤١٧).
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ورواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ذر (١).
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن النبي -ﷺ- قال: "يقول اللَّه تعالى: من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة" (٢).
وأخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس -﵁- فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم اللَّه لغفر لكم" (٣).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ١٤٧، ١٤٨، ١٥٣، ١٥٥، ١٦٧، ١٦٩، ١٧٢، ١٨٠) من طرق عن أبي ذر ورواه ابن ماجة رقم (٣٨٢١) في الأدب باب فضل العلم، والدارمي في الرقاق (٢/ ٢٣٠)؛ وابن حبان في صحيحه (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) رقم (٢٢٦) والبغوي في شرح السنة (١٢٥٣).
(٢) مسلم رقم (٢٦٨٧) في كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى اللَّه بأتم منه.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٣٨)؛ والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٦٥) في ترجمة أخشن السدوسي باختلاف في الرواية. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٧/ ٢٢٦) (٤٢٢٦). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٥) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات. قلت: وفي سنده أخشن السدوسي لم يوثقه غير ابن حبان لكن للحديث شواهد صحيحه منها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "والذي نفسه بيده لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللَّه =
[ ٢ / ٢٨١ ]
وقال -ﷺ-: "من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة" (١).
وقال: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا اللَّه دخل الجنة" (٢).
وقال: "إن اللَّه حرم على النار من قال لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه" (٣).
فالتوحيد أعظم أسباب المغفرة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
فدلت الآية مع حديث أنس أن من جاء مع التوحيد بملء الأرض خطايا لقيه اللَّه بملئها مغفرة مع مشيئة اللَّه تعالى فإن شاء غفر له وإن شاء وأخذه بذنبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة.
قال بعض المحققين الموحد لا يلقى في النار، كما يلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما تبقى الكفار (٤).
_________________
(١) = فيغفر لهم". وعن أبي أيوب الأنصارى نحوه (مسلم ج ٤) رقم (٢٧٤٨) و(٢٧٤٩).
(٢) رواه البخاري (٣/ ١٣٣) في الجنائز في فاتحته رقم (١٢٣٨) ومسلم رقم (٩٢) في الإيمان باب من مات لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الحنة.
(٣) رواه أحمد في المسند (٥/ ٢٣٣)؛ وأبو داود رقم (٣١١٦) في الجنائز باب في التلقين؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥١) وصححه ووافقه الذهبي. وانظر تخريج الحديث في إرواء الغليل للألباني رقم (٦٨٧).
(٤) جزء من حديث رواه البخاري (١/ ٦١٨) رقم (٤٢٥) في الصلاة باب المساجد في البيوت؛ ومسلم رقم (٣٣) في الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، وفي المساجد باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر عن عتبان بن مالك -﵁-.
(٥) من قوله: فالتوحيد أعظم أسباب المغفرة إلى هنا من كلام ابن رجب. انظر: جامع العلوم والحكم (٣/ ٢٤٧)؛ وأورده المؤلف في لوامع الأنوار (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
فدل الكتاب والسنة واتفاق الفرقة الناجية على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣].
ونظائر أمثالها من نصوص الوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
وكذا ما ورد من السنة كقوله -ﷺ-: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ (٢) بها خالدًا مخلدًا في نار جهنم" (٣).
ونظائره كثيرة.
فحمله قوم على المستحل فيكون كافرًا.
وأما من فعل هذه الأفعال من غير استحلال لم يلحقه وعيد الخلود وإن لحقه وعيد الدخول، وقد أنكر سيدنا الإمام أحمد -﵁- هذا القول وقال: لو
_________________
(١) ولم ترد هذه الآية في "ظ". وأورد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا. . .﴾ [النساء: ١٤].
(٢) يتوجأ: أي يضرب بها نفسه. جامع الأصول (١٠/ ٢١٧).
(٣) رواه البخاري (١٠/ ٢٥٨) في الطب باب شرب السم والدواء به وما يخاف منه والخبيث، ومسلم رقم (١٠٩) في الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا والنبي -ﷺ- إنما قال من فعل كذا وكذا.
وقالت فرقة أخرى الاستدلال بنصوص الوعيد هذه مبني على ثبوت العموم، قالوا: وليس في اللغة ألفاظ عامة وقصدوا بذلك تعطيل هذه الأدلة عن استدلال الخوارج والمعتزلة بها، لكن ذلك يستلزم تعطيل جملة الشرع فردوا باطلًا بأبطل منه وأبطلوا بدعة بأقبح منها، فكانوا كمن رام أن يبني قصرًا فهدم مصرًا.
وقالت فرقة أخرى في الكلام إضمار فمنهم من قال بإضمار الشرط أي فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء.
ومنهم من قال بإضمار الاستثناء والتقدير: فجزاؤه كذلك إلا أن يعفو.
وقالت فرقة أخرى هذا وعيد واخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح فيجوز على اللَّه إخلاف الوعيد لا إخلاف الوعد.
والفرق بينهما أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة وإسقاط ذلك منه من موجبات كرمه وجوده وإحسانه وامتنانه. والوعد أوجبه على نفسه بموعده واللَّه لا يخلف الميعاد.
ولهذا مدح به كعب (١) بن زهير -﵁- رسول اللَّه -ﷺ- حيث قال:
_________________
(١) كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني أبو المضرب شاعر عالي الطبقة كان ممن اشتهر في الجاهلية ولما ظهر الإسلام هجا النبي -ﷺ- وأقام يشبب بنساء المسلمين فأهدر النبي -ﷺ- دمه، ثم ندم وجاء مستأمنًا، وقد أسلم وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول. فعفى عنه النبي -ﷺ-. وأبوه زهير وأخوه بجير وابنه عقبه وحفيده العوام كلهم شعراء، وله ديوان مطبوع، مات سنه ٢٦ هـ. الإصابة (٨/ ٢٨٩)؛ والبداية (٤/ ٣٦٨)؛ والأعلام (٥/ ٢٢٦)
[ ٢ / ٢٨٤ ]
نبئت أن رسول اللَّه أوعدني والعفو عند رسول اللَّه مأمول (١).
و(٢) كان قد تناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء (٣) أحد القراء السبعة وعمرو بن عبيد المعتزلي رفيق واصل بن عطاء فقال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو لا يخلف اللَّه وعده وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] فقال أبو عمرو: ويحك يا عمرو من العجمة أتيت إن العرب لا تعد إخلاف الوعيد ذمًا، بل جودًا وكرمًا، أما سمعت قول الشاعر (٤):
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ولا أختتي (٥) من صولة المتهددِ
وإني إن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
_________________
(١) البيت من لاميته المشهورة التي قالها يمدح فيها النبي -ﷺ- ويعتذر عما بدر منه وهو في ديوانه (ص ١٠٩).
(٢) في "ظ": وقد كان تناظر. . .
(٣) أبو عمرو بن العلاء: اسمه زبان على الأصح ابن عمار بن العريان، وقيل ابن العلا بن عمار بن عبد اللَّه بن الحصين المازني المقرئ النحوي البصري مقرئ أهل البصرة، ولد بمكة سنة ثمان وستين ونشأ بالبصرة، ومات بالكوفة وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، توفى سنة أربع وخمسين ومائة هـ. معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ١٠٠)؛ ووفيات الأعيان (٣/ ٤٦٦)؛ والبداية (١٠/ ١١٣).
(٤) البيتان لعامر بن الطفيل كما في لسان العرب (١/ ٥٦)؛ وتاج العروس (١/ ٢٠٧) (ختأ) و(وعد) وانظر نص المناظرة في مجالس العلماء للزجاجي (ص ٦٢ - ٦٣)؛ وفي سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩).
(٥) في المخطوطتين: يختشي وصوابه من المصادر. ومعنى أختتي: أذل وأخاف.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وعلى كل حال فقد قام الدليل على ذكر الموانع من إنفاذ الوعيد بعضها بالإجماع وبعضها بالنص، فالتوبة مانعة بالإجماع.
والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا من الموانع بالنص فلا تعطل هذه النصوص وأضعاف (أضعاف) (١) أضعافها. فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين.
ومن ثم قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتبارًا لمقتضى العقاب ومنعه إعمالًا لأرجحها، وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما، وبناء الأحكام الشرعية، والأحكام القدرية وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلفًا وأمرًا، وقد جعل اللَّه تعالى لكل ضد ضدا يدافعه ومانعًا يمانعه، ويكون الحكم للأغلب منهما حكمة باهرة" (٢). وقدرة قاهرة، تحير في مجاري تصاريفها العقول، وتعجز عن الإحاطة بتعاريفها النقول.
والحاصل واللَّه تعالى أعلم: كون المذنب الملي وإن كثرت ذنوبه وعظمت خطاياه في مشيئة مولاه إن شاء عافاه (٣).
وعلى كل حال القول بخلود أهل التوحيد في النار يعد من المحن والوبال، وهو من شعار أهل البدع والضلال، والصواب اجتناب اعتقاده وعدم الالتفات إلى من
_________________
(١) كذا في المخطوطتين، وفي اللوامع (١/ ٣٧١) وأضعاف أضعافها بدون تكرار.
(٢) كذا في الأصل وفي "ظ": (بالغة).
(٣) كذا في النسختين، وفي اللوامع (١/ ٣٧١) إن شاء عذبه وإن شاء عافاه، ولعله الصحيح.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
تمادى في جهله وعناده والتعويل على مذهب أهل الحق ووجوب اعتقاده وباللَّه التوفيق (١).
_________________
(١) ذكر المؤلف ﵀ في هذا المبحث أقوال العلماء في الجمع بين نصوص الوعد والوعيد. وأحسن ما قيل فيها ما ذكره النووي وأيده ابن كثير وابن حجر -﵏-. قال النووي: "وأما قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾. فالصواب في معناها أن جزاءه جهنم وقد يجازى به وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمدًا مستحلًا له بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع. وإن كان غير مستحل، بل معتقدًا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدًا فيها، لكن تفضل اللَّه تعالى وأخبر أنه لا يخلد من مات موحدًا فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلًا، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاه الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار، فهذا هو الصواب في معنى الآية" انتهى. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (٢٨/ ٨٣، ١٩/ ١١، ٢/ ١٢٥، ١٢٦)؛ وتفسير ابن كثير والبغوي (٢/ ٥٤٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا. . .﴾ [النساء: ٩٣]؛ وفتح الباري (٣/ ٢٦٩، ١٠/ ٢٥٩، ١٣/ ٣٧). وانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٤٦ - ٦٤٩، ٨/ ٢٧٠ - ٢٧١)؛ ونيل الأوطار (٨/ ٢٢٥ - ٢٢٦، ٢٣٦ - ٢٣٧)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٦٨ - ٣٧١).
[ ٢ / ٢٨٧ ]