مذهب السلف في الصفات
فصل في الكلام على صفة التجلي الإلهي، ووجوب وحدانيته تعالى والكلام على بعض الصفات الخبرية والفعلية من النزول اللائق بذاته المقدسة، ونحو ذلك.
أعلم أولا أن التوحيد ثلاثة أقسام (١):
توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الصفات.
فتوحيد الربوبية: أن لا خالق، ولا رازق، ولا محيي، ولا مميت، ولا موجد، ولا معدم، ولا مغني، ولا مقني، ولا رافع، ولا خافض، إلا هو ﷾.
وتوحيد الإلهية: افراده تقدس وتعالى بالعبادة والتأله له، والخضوع والذل والحب والإفتقار والإقبال والتوجه إليه تعالى.
وتوحيد الصفات: أن يوصف اللَّه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه محمد -ﷺ- (نفيًا وإثباتًا، فيثبت ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه -ﷺ-، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه نبيه محمد -ﷺ-) (٢).
وقد علم أن طريقة السلف وأئمة الدين إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف، ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه (مع اثبات ما) (٣) أثبته من الصفات من غير إلحاد في الأسماء، ولا في
_________________
(١) انظر هذا المبحث في اللوامع (١/ ١٢٨) وما بعدها.
(٢) ما بين القوسين من هامش المخطوطتين وكتب عليه صح.
(٣) جاء النص في المخطوطتين، وفي لوامع الأنوار للشارح كذا: وكذلك ينفون عنه ما نفاه =
[ ١ / ٢٥٧ ]
الآيات فإنه تعالى: ذم الملحدين في أسمائه وآياته فقال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت: ٤٠].
فطريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فالحق جل شأنه بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يليق بذاته من التشبيه والتعطيل، فالإثبات المفصل من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. . .﴾ [الإخلاص: ١].
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٣ - ٤].
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨].
﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨].
_________________
(١) = عن نفسه مع ما أثبته من الصفات. . . إلخ والتصويب من الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص ٩) ضمن النفائس، وعنه ينقل الشارح.
[ ١ / ٢٥٨ ]
أقسام الصفات
وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣].
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
إلى أمثال هذه الآيات.
وكذلك الأحاديث الثابتة في أسماء الرب سبحانه وصفاته فإن في ذلك من إثبات ذاته المقدسة وصفاته المنزهة على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته. بنفي التمثيل ما هدى اللَّه به عباده إلى سواء السبيل.
فهذه طريقة الرسل صلوات اللَّه عليهم أجمعين.
وأما من زاغ وألحد فهو على الضد من ذلك فيصفون اللَّه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا، لا حقيقة له عند التأمل لكل محقق نبيل، وإنما يرجع ذلك إلى وجود في الأذهان، لا في الأعيان فقولهم يستلزم التعطيل والتمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ويعطون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات المقدسة تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (١).
واعلم ثانيًا: أن صفات الباري جل وعلا تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية.
_________________
(١) انظر هذا المبحث في الرسالة التدمرية (ص ٦ - ٩) ضمن النفائس، وفي لوامع الأنوار (١/ ١٢٨ - ١٣٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
مذهب المعتزلة في الصفات
نقل من كلام شيخ الإسلام في كلامه على مسألة حسن إرادة الله تعالى بخلق الخلق
فالصفات الذاتية المتفق عليها عند أهل السنة من الأثريه والأشعريه والماتريدية (١) (٢): الحياة والعلم والكلام والقدرة والإرادة والسمع والبصر، فللعالم خالق واجب الوجود لذاته، متصف بهذه الصفات وبغيرها مما وصف اللَّه تعالى به نفسه، ووصفه به نبيه -ﷺ-، لكن الأشعرية ومن نحا نحوهم إنما يثبتون له تعالى الصفات (السبع) المتقدمة.
وأما المعتزلة (٣) فنفوا الصفات والأفعال للَّه تعالى وسموا الصفات أعراضًا، والأفعال حوادث، ويقولون: لا تقوم به تعالى الأعراض، ولا الحوادث، فيتوهم من لا يعرف حقيقة قولهم أنهم ينزهون اللَّه تعالى عن النقائص والعيوب والآفات، ولا ريب أن اللَّه تعالى يجب تنزيهه عن كل عيب ونقص وآفة، فإنه القدوس السلام الصمد الكامل في كل نعت من نعوت الكمال كمالًا لا يدرك الخلق حقيقته، منزهًا عن كل نقص تنزيهًا لا يدرك الخلق كماله. وكل كمال يثبت لموجود من غير استلزام نقص فالخالق تعالى أحق به وأكمل فيه منه وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه وأولى ببراءته منه (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه في كلامه على مسألة حسن إرادة اللَّه تعالى بخلق الخلق وإنشاء الأنام (٥).
_________________
(١) أهل السنة فرقة واحدة، وهم متفقون جميعًا على إثبات جميع الصفات الثابتة للَّه ﷿ بالكتاب والسنة على الوجه اللائق باللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وراجع ما تقدم (١/ ١٤٢).
(٢) تقدم التعريف بهذه الفرقة (١/ ١٤٢).
(٣) الكلام من هنا لابن تيمية. انظر مجموع الفتاوى (٨/ ١٤٩).
(٤) كتب هنا في هامش "ظ" بلغ مقابلة.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥٠)، ولوامع الأنوار (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).
[ ١ / ٢٦٠ ]
روينا من طريق غير واحد من الأئمة كعثمان بن سعيد الدارمي (١)، وأبى جعفر الطبري (٢)، والبيهقي (٣)، وغيرهم في تفسير علي بن أبي طلحة (٤) عن ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى ﴿الصَّمَدُ﴾ قال السيد الذي كمل فى سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحليم الذي قد كمل في حلمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو اللَّه ﷿ وهذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوًا، وليس كمثله شيء سبحان اللَّه الواحد القهار.
قال: وهذا التفسير ثابت عن عبد اللَّه بن صالح (٥) عن معاوية بن صالح عن
_________________
(١) عثمان بن سعيد الدارمي: تقدم (١/ ١٨٦).
(٢) أبو جعفر الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير أبو جعفر، قال الخطيب في تاريخ بغداد: استوطن الطبري بغداد وأقام بها إلى حين وفاته، وكان أحد الأئمة العلماء يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب اللَّه، عارفًا بالقرآن بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها. قلت وله مصنفات كثيرة مفيدة أعظمها كتابه في النفسير: "جامع البيان في تأويل القرآن" طبع في اثني عشر مجلدًا، توفى سنة ٣١٠ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ١٦٣).
(٣) البيهقي: تقدم (١/ ٢٠٢).
(٤) علي بن أبي طلحة سالم مولى بني العباس: سكن حمص، أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق قد يخطئ، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. تقريب التهذيب (ص ٢٤٦).
(٥) عبد اللَّه بن صالح في الأصل عبد اللَّه بن أبي صالح: وأثبتنا ما في "ظ" وهو موافق لما في اللوامع وفي إسناد الحديث عند ابن جرير والبيهقي قد وقع هنا عبد اللَّه بن صالح عن علي =
[ ١ / ٢٦١ ]
علي بن أبي طلحة الوالبي (١).
لكن يقال إنه لم يسمع التفسير عن ابن عباس.
قال: لكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف.
وقد روى عن سعيد بن جبير (٢) -أيضًا- أنه قال الصمد الكامل في صفاته وأفعاله.
وثبت عن أبي وائل شقيق بن سلمة (٣) أنه قال الصمد السيد الذي انتهى سؤدده.
وهذه الأقوال وما أشبهها لا تنافي ما قاله كثير من السلف كسعيد بن المسيب (٤)،
_________________
(١) = ابن أبي طلحة، والصواب عبد اللَّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة كما في الفتاوى، وفي إسناد الحديث عند ابن جرير والبيهقي. وهو عبد اللَّه بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، توفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين. تقريب التهذيب (ص ١٧٧).
(٢) الأثر عن ابن عباس، رواه ابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٣٤٦)، والبيهقي في الأسماء (ص ٧٨ - ٧٩)، وابن تيمية كما في الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥٠، ١٧/ ٢٢٠)؛ وذكره المؤلف في اللوامع (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).
(٣) سعيد بن جبير: تقدم (١/ ١٥٧).
(٤) شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي: ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة. تقريب (ص ١٤٧).
(٥) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي: أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، قال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع منه علمًا، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين. تقريب التهذيب (ص ١٢٦).
[ ١ / ٢٦٢ ]
وابن جبير (١)، ومجاهد (٢)، والحسن (٣)، والسُّدى (٤)، والضحاك (٥)، وغيرهم: من أن الصمد هو الذي لا جوف له، وهذا منقول عن ابن مسعود ﵁، وعن عبد اللَّه بن بريده عن أبيه، موقوفًا، أو مرفوعًا، فإن كلا القولين حق (٦).
ولفظ "الأعراض" لغة يفهم منه ما يعرض للإنسان من الأمراض ونحوها.
وكذلك نفي الحوادث والمحدثات قد يفهم منه ما يحدثه الناس من الأفعال المذمومة والبدع التي ليست مشروعة، أو ما يحدث بالإنسان من نحو الأمراض.
واللَّه تعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما فيه نوع نقص، ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم: منزه عن الأعراض والحوادث إلا نفي صفاته الذاتية وأفعاله الإختيارية فعندهم لا يقوم به علم ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضا ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا عدل ولا إتيان ولا مجيء ولا تجلي ولا نزول
_________________
(١) ابن جبير سعيد بن جبير: تقدم قبل قليل.
(٢) مجاهد: تقدم (١/ ١٩٧).
(٣) الحسن هو البصري: تقدم (١/ ١٩٣).
(٤) السُّدي: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي بضم المهملة وتشديد الدال أبو محمد الكوفي مفسر محدث، مات سنة سبع وعشرين ومائة. سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٤).
(٥) الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم أو أبو محمد الخراساني: صاحب التفسير كان من أوعية العلم، مات بعد المائة. سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٨)؛ وتقريب التهذيب (ص ١٥٥).
(٦) انظر أقوال العلماء في تفسير "الصمد" ابن جرير (٣٠/ ٣٤٤ - ٣٤٧)، وابن كثير (٩/ ٣٤٤ - ٣٤٦)؛ ومجموع الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥٠، ١٧/ ٢١٤) وما بعدها.
[ ١ / ٢٦٣ ]
نقل من كلام الوزنتي من الحنفية حول صفة الخلق
ولا استواء ولا غير ذلك من صفات ذاته وأفعاله.
وجمهور المسلمين يخالفهم في ذلك ومن الطوائف من ينازعهم في الصفات (دون الأفعال ومنهم من ينازعهم في بعض الصفات) (١) دون بعض، ومن الناس من ينازعهم في الفعل القديم فيقول: فعله تعالى قديم وإن كان المفعول محدثًا (٢).
وقد علمت أن مذهب السلف إثبات الصفات الذاتية والفعلية والخبرية له وهو مذهب الماتريدية (٣).
قال الوزنتي (٤) من الحنفية في شرح المنظومة المعروفة بالجواهر ما ملخصه: "التخليق صفة اللَّه تعالى وهو فعله تعالى لاقتضاء المفعول فعلًا لاستحالة مفحول بلا فعل ففعله تعالى صفة له فاستحال دخوله تحت قدرت وإرادته".
ثم قال: "واعلم أن الأئمة الأربعة ونظائرهم من أئمة أهل السنة وأكثر رجال الصوفية الذين كانت كراماتهم ظاهرة مثل مالك (٥) بن دينار، وإبراهيم بن
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من "ظ" وعلق في هامش الأصل.
(٢) انظر هذا المبحث في الفتاوى (٨/ ١٤٩ - ١٥١)؛ وفي اللوامع (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).
(٣) انظر (١/ ١٤٢).
(٤) الشيخ حميد الدين حامد بن أيوب الوزنتي الحنفي له الجواهر المنظومة وله عليه شرح سماه مرقاة المبتدئين ونهاية المنتهين. كشف الظنون (١/ ٦١٩)؛ وهدية العارفين (١/ ٢٦١).
(٥) مالك بن دينار البصري أبو يحيى: الزاهد العابد معدود في ثقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة ونحوها. سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٦٢)؛ وتقريب التهذيب (ص ٣٢٦).
[ ١ / ٢٦٤ ]
أدهم (١)، والفضيل بن عياض (٢)، وذي النون (٣) المصري، والسري السقطي (٤)، ومعروف الكرخي (٥)، وسهل بن عبد اللَّه التستري (٦).
ومن نشر علم الإشارة أبي القاسم الجنيد (٧) البغدادي، وأبي بكر الشبلي (٨) وغيرهم كانوا يصفون اللَّه بالفعل والكلام والرؤية والسمع كما يصفونه بالحياة
_________________
(١) إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي وقيل التميمي أبو إسحاق البلخي: العابد الزاهد، مات سنة اثنتين وستين ومائة. سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨٧)؛ وتقريب التقريب (ص ١٨).
(٢) الفضيل بن عياض: تقدم (١/ ١٨٥).
(٣) ذو النون المصري: ثوبان بن إبراهيم وقيل فيض بن إبراهيم النوبي الأخميمي يكني أبا الفيض، ومال أبا الفياض من العباد الزهاد، توفى سنة ٢٤٥ هـ. سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٣٢).
(٤) السري السقطي: تقدم (١/ ٢٣٧).
(٥) معروف بن فيروز وقيل فيرزان الكرخي: أحد العباد الزهاد، توفى سنة مائتين. تاريخ بغداد (١٣/ ١٩٩)؛ وسير أعلام النبلاء (٩/ ٣٣٩).
(٦) سهل بن عبد اللَّه التستري أبو محمد الصوفي الزاهد: توفى سنة ثلاث وثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٠).
(٧) الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي: شيخ الصوفية وأحد العباد الزهاد، توفى سنة ثمان وتسعين ومائتين. تاريخ بغداد (٧/ ٢٤١)؛ وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٦٦).
(٨) أبو بكر الشبلي البغدادي: قيل اسمه دلف بن جحدر، وقيل جعفر بن يونس، وقيل جعفر بن دلف من مشايخ الصوفية، كان فقيها عارفا بمذهب مالك وله شعر، توفى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. تاريخ بغداد (١٤/ ٣٨٩)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦٧).
[ ١ / ٢٦٥ ]
نقل من عقيدة النسفي وشرحها للتفتازاني حول صفة الفعل الكلام على الرواية وما ورد فيها من الأحاديث
والعلم والقدرة والإرادة وأخذ يحط على أبي حسن الأشعري (١) وأنه أتى بخلاف مذهب أهل السنة. انتهى (٢).
وفي عقائد النسفي (٣) المشهورة: والتكوين صفة اللَّه أزلية وهو تكوينه للعالم، ولكل جزء من أجزائه وهو غير المكون عندنا (٤).
قال شارحها المحقق التفتازاني (٥): "التكوين هو المعنى المعبر عنه بالفعل والخلق والتخليق والإيجاد والإحداث والإختراع ونحو ذلك، ويفسر بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود صفة اللَّه تعالى لإطباق العقل والنقل على أنه خالق للحالم مكون له.
_________________
(١) أبو الحسن الأشعري: تقدم التعريف به (١/ ١٤٢) عند التعريف بالأشعرية، وقد قلنا إن أبا الحسن رجع عن مذهب الإعتزال ووافق أهل السنة في إثبات الصفات وصرح بها في كتبه مثل: الإبانة والمقالات واللمع. لكن بقي أتباعه يخالفون منهجه في إثبات الصفات فيثبتون بعضها ويؤلون بقيتها.
(٢) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٢٥٢).
(٣) النسفي: عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي السمرقندي نجم الدين أبو حفص مفسر فقيه أصولي متكلم مؤرخ أديب له مصنفات كثيرة منها: مجمع العلوم، والتيسير في التفسير؛ والعقائد، يعرف بالعقائد النسفية، توفى سنة ٥٣٧ هـ. الجواهر المضيئة (٢/ ٦٥٧)؛ ومعجم المؤلفين (٧/ ٣٠٥).
(٤) العقائد النسفية (ص ٢٩) ضمن مجموع المتون.
(٥) التفتازاني: مسعود بن عمر بن عبد اللَّه سعد الدين التفتازاني، ولد بتفتازان (من بلاد خراسان) وأقام بسرخس ثم انتقل إلى سمرقند، فتوفى فيها كان من أئمة العربية والبيان والمنطق، متكلم أصولي له مصنفات كثيرة منها: تهذيب المنطق، والمطول في البلاغة؛ ومقاصد الطالبين في الكلام وشرحه، ط؛ وشرح العقائد النسفية، وغيرها كثير، توفى سنة ٧٩٣ هـ. الدرر الكامنة (٥/ ١١٩ - ١٢٠)؛ وبغية الوعاة (٢/ ٢٨٥)؛ والأعلام (٧/ ٢١٩).
[ ١ / ٢٦٦ ]
وامتناع إطلاق الإسم المشتق على الشيء من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفًا له قائمًا به أزلية لامتناع قيام الحوادث بذاته ولأنه سبحانه وصف ذاته في كلامه الأزلي باللَّه الخالق فلو لم يكن في الأزل خالقًا للزم الكذب، أو العدول إلى المجاز أي الخالق فيما يستقبل، أو القادر على الخلق من غير تعذر الحقيقة على أنه لو جاز إطلاق الخالق عليه بمعنى القادر لجاز إطلاق كل ما يقدر عليه من الأعراض.
وأيضًا لو كان فعله تعالى حادثًا، فإما بتكوين آخر فيلزم التسلسل، وهو محال ويلزم منه استحالة تكون مع أنه مشاهد، وإما بدونه فيستغني الحادث عن المحدث والإحداث، وفيه تعطيل الصانع تعالى، وأيضًا لو حدث فعله تعالى لحدث، إما في ذاته تعالى فيصير محلًا للحوادث (١)، أو في غيره كما ذهب إليه أبو الهذيل (٢) المعتزلي: من أن تكوين كل جسم قائم به فيكون كل جسم قائم به فيكون كل جسم خالقًا ومكونًا لنفسه، ولا خفاء في استحالته.
ومبنى هذه الأدلة على أن التكوين صفة حقيقية كالعلم والقدرة.
_________________
(١) هذا من كلام أهل البدع من المعتزلة المخالفين لمذهب أهل السنة، فقد ذكر ابن تيمية وابن القيم ﵏ أن مذهب السلف أن أفعال اللَّه ﷾ قديمة النوع حادثة الآحاد وأن اللَّه ﷾ فعال لما يريد، لم يزل متكلمًا إذا شاء ولم يزل فاعلًا إذا شاء، أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئًا بعد شيء ونحو ذلك، ولا يلزم من ذلك حلول الحوادث كما يقول أهل البدع. انظر: تعليق الشيخ عبد اللَّه بابطين، والشيخ ابن سحمان في لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٣٠ - ١٣١، ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٢) أبو الهذيل: محمد بن الهذيل بن عبد اللَّه بن مكحول العبدي مولى عبد القيس أبو الهذيل العلاف من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة واشتهر بعلم الكلام، له مقالات في الإعتزال ومجالس ومناظرات، توفى بسامرا سنة ٢٣٥ هـ. تاريخ بغداد (٣/ ٣٦٦)، والأعلام (٧/ ١٣١).
[ ١ / ٢٦٧ ]
قال التفتازاني والمحققون من المتكلمين على أنه من الإضافات والاعتبارات العقلية مثل كونه تعالى قبل كل شيء ومعه وبعده ومذكورًا بألسنتنا ومعبودًا لنا ومميتنا ومحيينا ونحو ذلك قال: والحاصل في الأزل هو مبدأ التخليق والترزيق والإماتة والإحياء وغير ذلك.
قال ولا دليل على كونه صفة أخرى سوى القدرة والإرادة، وإن كانت نسبتها إلى وجود الكون وعدمه على السواء لكن مع انضمام الإرادة بتخصيص أحد الجانبين ولما استدل القائلون بحدوث التكوين بأنه لا يتصور بدون المكون كالضرب بدون المضروب فلو كان التكوين قديمًا لزم قدم المكونات وهو محال.
أشار النسفي ومن يقول بقدمه من علماء السلف إلى الجواب عنه بقوله: وهو أي التكوين تكوينه تعالى للعالم، ولكل جزء من أجزائه، لا في الأزل، بل لوقت وجوده على حسب علمه وإرادته فالتكوين باق أزلًا، وأبدًا، والمكون حادث بحدوث التعليق، كما في العلم والقدرة وغيرهما من سائر الصفات القديمة التي لايلزم من قدمها قدم متعلقاتها لكون تعلقاتها حادثة.
وهذا تحقيق ما يقال إن وجود العالم إن لم يتعلق بذات اللَّه أو صفة من صفاته لزم تعطيل الصانع واستغناء الحوادث عن الموجد، وهو محال باطل أولًا، فليكن التكوين أيضًا قديمًا، مع حدوث المكون المتعلق به، وما يقال: بأن القول بتعلق وجود المكون بالتكوين قول بحدوثه إذ (١) القديم ما لا يتعلق وجوده بالغير، والحادث ما يتعلق به فمنظور فيه لأن هذا معنى القديم والحادث بالذات على ما تقول به الفلاسفة.
وأما المتكلمون فعندهم الحادث ما لوجوده بداية بأن يكون مسبوقًا بالعدم
_________________
(١) في الأصل: إذا والمثبت من "ظ" وهو الصواب.
[ ١ / ٢٦٨ ]
والقديم بخلافه ومجرد تعلق وجوده بالغير لا يستلزم حدوثه بهذا المعنى لجواز أن يكون محتاجًا إلى الغير صادرًا عنه دائمًا بدوامه، كما ذهبت إليه الفلاسفة فيما ادعوا قدمه من الممكنات كالهيولا (١) -مثلا-.
نعم إذا أثبتنا صدور العالم من الصانع بالإختيار دون الإيجاب بدليل لا يتوقف على حدوث العالم كان القول بتعليق وجوده بتكوين اللَّه تعالى قولًا بحدوثه.
ومن هنا (٢) يقال: إن التنصيص على كل جزء من أجزاء العالم إشارة إلى الرد على من زعم قدم بعض الأجزاء كالهيولا.
وإلا فهم إنما يقولون بقدمها بمعنى عدم المسبوقية بالعدم لا بمعنى عدم تكون ذلك بالغير.
والحاصل أنا لا نسلم أنه لا يتصور التكوين بدون المكون وأن وزانه معه وزان الضرب مع المضروب، فإن الضرب صفة إضافية لا يتصور بدون المضافين أعنى الضارب والمضروب وقد بينا أن التكوين صفة حقيقية هي مبدأ الإضافة التي هي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود لا عينها حتى لو كانت عينها على ما وقع في عبارة بعض المشايخ لكان القول بتحققها بدون المكون مكابرة وإنكارًا للضروري فلا يندفع بما يقال من أن الضرب مستحيل البقاء فلا بد لتعلقه بالمفعول ووصول الألم إليه من وجود المفعول معه إذ لو تأخر لانعدم كذا قيل.
_________________
(١) الهيولا: لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وفي اصطلاح المتكلمين هو جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الإتصال والإنفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية. انظر: التعريفات (ص ٢٥٧).
(٢) في "ظ" من ههنا.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وهذا بالنسبة لفعل المخلوق وهو بخلاف فعل الباري فإنه أزلي الدوام ييقى إلى وقت وجود المفعول (١).
فالتكوين غير المكون فسائر الصفات الذاتية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام وغيرها وسائر الصفات الخبرية من الوجه واليدين والقدم وغيرها.
وسائر صفات الفعلية من الإستواء والنزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة (٢) للَّه تعالى عند سلف الأمة وأئمتها ليس شيء من ذلك محدثًا.
إذا علمت هذا التمهيد فمن الصفات التي يثبتها سلف الأمة وأئمة الدين من أهل الأثر دون الخلف والمتحذلقين: "التجلي الإلهي ورؤية رب العالمين".
وقد أشار إليه الإمام أبو بكر بن أبي داود ﵄ بقوله: (وقل) أيها الأثري السلفي (يتجلى اللَّه) ﷾ (للخلق) من المسلمين أما في الموقف فيتجلى للمسلمين عامة حتى منافقي هذه الأمة وعصاتها (٣) كما في الصحيحين
_________________
(١) نهاية كلام التفتازاني. انظر شرح العقائد النسفية (ص ٩٦ - ١٠١).
(٢) المعروف بين أهل السنة أن صفات اللَّه تعالى قسمان:
(٣) صفات ذاتة كالحياة والعلم والقدرة والوجه واليدين ونحوهما، فهذه قديمة بلا ريب إذ أنها صفات لازمة للَّه تعالى.
(٤) صفات فعلية وهي التي تتعلق بمشيئته وحكمته فإن اقتضت حكمته فعلها فعلها وإن اقتضت حكمته أن لا يفعلها لم تكن وهذا مثل الخلق والرزق والإحياء والإماته والكلام والنزول والإستواء، وغير ذلك من صفات فعله فهذا يكون قديم النوع أو الحنس وإن كانت آحاده توجد شيئًا فشيئًا وحينًا وآخر. انظر: تعليق الشيخ عبد اللَّه أبا بطين ﵀ على لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١١٢).
(٥) سيأتي التفصيل في هذا. انظر (١/ ٢٩٨).
[ ١ / ٢٧٠ ]
وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: "قال الناس يا رسول اللَّه هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه. قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك" يجمع اللَّه الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغبت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم اللَّه في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم اللَّه في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه (١).
وفى حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-:
"يحشر الناس فينادي مناد أليس عدلًا مني أن أولي كل قوم ما كانوا يعبدون ثم ترفع لهم آلهتهم فيتبعونها، حتى لا يبقى أحد غير هذه الأمة، فيقال لهم مالكم، قالوا: ما نرى إلهنا الذي كنا نعبد فيتجلى لهم ﵎ (٢).
وعند اللالكائي (٣) من حديث أبي موسى أيضًا ﵁: فيكشف لهم عن
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب فضل السجود (٢/ ٣٤١)؛ وفي الرقاق باب الصراط جسر جهنم (١١/ ٤٥٣)؛ وفي التوحيد باب قول اللَّه تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١٣/ ٤٣٠)؛ ومسلم رقم (١٨٢) في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية؛ والترمذي رقم (٢٥٥٧) في صفة الجنة، باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار.
(٢) رواه الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣)؛ وفي الأوسط (١/ ٩٠) رقم (٨١). قال الهيثمي: وفيه فرات بن السائب وهو ضعيف.
(٣) اللالكائي: هبة اللَّه بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الشافعي اللالكائي: محدث =
[ ١ / ٢٧١ ]
الحجاب فينظرون إلى اللَّه فيخرون له سجدًا ويبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر (١) فيريدون السجود فلا يستطيعون فيقول اللَّه تعالى: يا عبادى ارفعوا رؤوسكم. . . (٢) الحديث.
وأخرج الإمام عبد اللَّه بن المبارك (٣) والآجري (٤) عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأقيم عليهم بالكرامة جاءتهم خيول من ياقوت أحمر لا تبول ولا تروث لها أجنحة فيقعدون عليها ثم يأتون الجبار ﷿
_________________
(١) = حافظ فقيه صنف كتاب شرح السنة طبع في أربعة مجلدات وغيره، مات سنة ثمان عشر وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤١٩)؛ وتاريخ بغداد (١٤/ ٧٠ - ٧١).
(٢) في النسختين: مثل صياصي -أي قرون البقر-. وهي تفسير من المؤلف ﵀ لكلمة صياصي. وكان المناسب أن يجعلها بعد نهاية الحديث وقد أثبت نص الحديث من مصادره وأثبت هنا ما أورده المؤلف.
(٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠) رقم (٨٣٢) وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨)؛ والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٨٠)؛ والآجري في الشريعة (ص ٢٦٣ - ٢٨٠)؛ وابن خزيمة رقم (٣٣٩، ٣٤٠)؛ وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، لكن له شاهد من رواية جابر بن عبد اللَّه. أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤)؛ ومسلم (١/ ١٧٧ - ١٧٨) رقم (١٩١). انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٣٩٤) رقم (٧٥٥).
(٤) تقدم (١/ ١٨٤).
(٥) محمد بن الحسين بن عبد اللَّه البغدادي الآجري أبو بكر محدث حافظ فقيه وكان صدوقًا خيرًا عابدًا صاحب سنة واتباع له مصنفات كثيرة منها "الشريعة" في السنة، وكتاب الرؤية؛ وكتاب أخلاق العلماء الثلاثة مطبوعة وغيرها من المصنفات، مات سنة ستين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٣٣)؛ ووفيات الأعيان (٤/ ٢٩٢).
[ ١ / ٢٧٢ ]
فإذا تجلى لهم خروا له سجدًا، فيقول الجبار يا أهل الجنة ارفعوا رؤوسكم فقد رضيت عنكم رضا لا سخط معه، يا أهل الجنة ارفعوا فإن هذه ليست بدار عمل إنما هي دار مقامة ودار نعيم، فيرفعون رؤوسهم فيمطر اللَّه عليهم طيبا ثم يرجعون إلى أهليهم فيمرون بكثبان المسك فيبعث اللَّه ريحًا على تلك الكثبان فتهيجها في وجوههم حتى أنهم ليرجعون إلى أهليهم وإنهم وخيولهم لشباع من المسك (١).
وفي رواية عند الآجري وإنهم لشعث غبر من المسك.
وأخرج ابن ماجة (٢)، وابن أبي الدنيا (٣)، والدارقطني (٤) والآجري (٥)، عن جابر -أيضًا﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال:
"بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور رفعوا رؤوسهم، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قول اللَّه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى
_________________
(١) أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد (ص ٥٣٤) رقم (١٥٢٣)؛ والآجري في الشريعة (ص ٢٦٧ - ٢٦٨) مرفوعًا وموقوفًا، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣/ ٢٧٧) رقم (٤٢٩). وفي إسناده الحكم بن أبي خالد (هو ابن ظهير) وهو متروك. كما في ترجمته في التقريب (ص ٧٩).
(٢) ابن ماجه: تقدم (ص ١/ ١٩٨).
(٣) ابن أبي الدنيا: عبد اللَّه بن محمد بن عبد بن سفيان القرشي مولاهم البغدادي المؤدب صاحب التصانيف السائرة، محدت حافظ مكثر التصنيف، مات سنة إحدى وثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٩٧).
(٤) الدارقطني: تقدم (ص ١/ ١٠٤).
(٥) الآجري تقدم قبل قليل.
[ ١ / ٢٧٣ ]
شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم (١).
إشرافه ﷾ هو تجليه واطلاعه بالمعنى الذي يليق بذاته المقدسة.
ورواه البيهقي (٢)، وأبو نعيم (٣)، وفيه فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر أزمتها زبرجد أخضر وياقوت أحمر (فيحملون) عليها تضع حوافرها عند منتهى طرفها فيأمر اللَّه بأشجار عليها الثمار فتجيء جوار من الحور العين وهن يقلن نحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الخالدات فلا نموت أزواج قوم مؤمنين كرام ويأمر اللَّه بكثبان من مسك أبيض أذفر فيثير عليهم ريحًا يقال لها: المثيرة حتى تنتهى بهم إلى جنة عدن، وهي قصبة الجنة، فتقول الملائكة يا ربنا قد جاء القوم فيقول مرحبًا بالصادقين، مرحبًا بالطائعين، فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى اللَّه جهرة فيتمتعون بنور الرحمن حتى لا يبصر بعضهم بعضًا، ثم يقول ارجعوهم إلى القصور بالتحف، فيرجعون وقد أبصر بعضهم بعضا، قال رسول اللَّه -ﷺ- (٤)
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة رقم (١٨٤)؛ والآجري في الشريعة (٢٦٧)، والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٦٧). قال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦): هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى الرقاشي. وكذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٨)؛ وذكره الألباني في ضعيف الجامع رقم (٢٣٦٢).
(٢) البيهقى: تقدم (ص ١/ ٢٠٢).
(٣) أبو نعيم: أحمد بن عد اللَّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، محدث حافظ مؤرخ، له مصنفات كثيرة منها: حلية الأولياء؛ وتاريخ أصبهان وصفة الجنة؛ ودلائل النبوة، وغيرها، مات سنة ثلاثين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٥٣)؛ ومعجم المؤلفين (١/ ٢٨٢).
(٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (ص ٢٦٢ - ٢٦٣) رقم (٤٤٨)؛ وأبو نعيم في الحلية =
[ ١ / ٢٧٤ ]
فذلك قول اللَّه تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٢].
وأخرج الشيخان (١) والدارقطني من حديث جرير البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها (٢). -يعني العصر والفجر-.
وهذا الذي آشار إليه الناظم بقوله: (كما البدر) أي كالبدر والميم زائدة لا يخفى على أحد في إبداره مع الصحو (وربك) أيها المخاطب ورب الخلائق أجمعين (أوضح): أي أظهر وأبين من البدر لأن البدر من مخلوقاته.
قال الحافظ البيهقي والحافظ ابن الجوزي: التشبيه للرؤية وهو فعل الرائي لا
_________________
(١) = (٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩)؛ وفي صفة الجنة (١/ ١٢٨) رقم (٩١)؛ وفي إسناده الفضل بن يزيد الرقاشي، وهو ضعيف كما تقدم. وانظر: تخريج الألباني للحديث في شرح الطحاوية (ص ١٨٢).
(٢) الشيخان: البخاري ومسلم، وتقدمت ترجمة البخاري (١/ ١٨٧). وأما مسلم فهو: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، صاحب "الصحيح" إمام محدث فقيه حافظ عالم مصنف، مات سنة إحدى وستين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٥٧)؛ وتقريب (ص ٣٣٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة (٢/ ٤٠) رقم (٥٥٤) باب فضل صلاة العصر، وفي باب فضل صلاة الفجر رقم (٥٧٣)؛ وفي التفسير في تفسير سورة (ق) رقم (٤٨٥١) وفي التوحيد باب قول اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ رقم (٧٤٣٤ - ٧٤٣٦). وأخرجه مسلم رقم (٦٣٣) في المساجد، باب فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليها. وتمامه: فافعلوا ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. . .﴾ [ق: ٣٩].
[ ١ / ٢٧٥ ]
للمرئي- والمعنى ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك وتنتفي معها المرية كرؤيتكم القمر لا ترتابون ولا تمترون (١).
وقوله: لا تضامون روي بتخفيف الميم وضم أوله من الضيم أي لا يلحقكم في رؤيته ضيم ولا مشقة، وروي بتشديدها والفتح على حذف إحدى التائين والأصل لا تتضامون أي لا يضام بعضكم بعضا كما يفعل الناس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل إدراكه فيتزاحمون عند ذلك ينظرون إلى جهته يضام بعضهم بعضا، يريد أنكم ترونه وكل واحد في مكانه لا ينازعه رؤيته أحد (٢).
ولما كان ربما توهم متوهم من لازم التجلي والإنكشاف والرؤية الجسمية بالقياس على ما هو معاين من المخلوقين قياسًا للغائب على الشاهد دفع ذلك الوهم بقوله: (وليس) اللَّه ﵎ (بمولود) ولده والد (وليس) هو تقدس وتعالى (بوالد) لشئ من المولدات ولا الملائكة ولا عيسى بن مريم، ولا العزيز ﵉، ولا غيرهم (وليس له) سبحانه (شبه) لا في ذاته المقدسة، ولا في صفاته المنزهة، ولا في أفعاله سبحانه (تعالى) ارتفع قدره وتقدس: (المسبح) أي المنزة عن أن يكون والد الشيء أو مولودًا في شيء، أو شبيهًا لشيء فإنه ﷾ ليس له شبيه، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
فال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه في شرح العقيدة الأصفهانية: "الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف اللَّه تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فإنه قد علم
_________________
(١) انظر: الاعتقاد للبيهقي (ص ١٣٠)؛ ومعالم السنن للخطابي (٧/ ١١٧ - ١١٨)؛ وجامع الأصول (١٠/ ٥٥٨).
(٢) انظر: المصادر السابقة ومجموع الفتاوى (٦/ ٨٤ - ٨٥).
[ ١ / ٢٧٦ ]
بالسمع مع العقل أن اللَّه ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، كما قال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].
وقد علم بالعقل أن المثلين، يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو كان المخلوق مثلًا للخالق وشبيهًا له للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع والخالق يجب وجوده وقدمه والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه بل يجب حدوثه وإمكانه. انتهى (١).
وقد قال تعالى في محكم كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فرد على المشبهة بنفي المثلية ورد على المعطلة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
واعلم أن قدماء المعتزلة كأبي علي الجبائي (٢)، وابنه أبي هاشم (٣)، وأضرابهم ذهبوا إلى أن المماثلة هي المشاركة في أخص صفات النفس فمماثلة زيد لعمرو عندهم مشاركته إياه في الناطقية فقط، لأنها أخص أوصاف الإنسان.
_________________
(١) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٩ - ١٠).
(٢) أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي البصري: من أئمة المعتزلة بالبصرة، وإليه تنسب فرقة الجبائيه ونسبته إلى جبي من قرى البصرة، ولد سنة ٢٣٥، وتوفى سنة ٣٠٣ هـ. لسان الميزان (٥/ ٢٧١)، ووفيات الأعيان (٤/ ٢٦٧)، والأعلام (٦/ ٢٥٦).
(٣) أبو هاشم عبد السلام: تقدم (١/ ١٨٦).
[ ١ / ٢٧٧ ]
وذهب الماتريدية إلى أن المماثلة هي الإشتراك في الصفات النفسية كالحيوانية والناطقية لزيد وعمرو، قالوا: ومن لازم الاشتراك في الصفة النفسية أمران:
أحدهما: الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع.
وثانيهما: أن يسد كل منهما مسد الآخر وينوب الآخر منابه، فمن ثم يقال: المثلان موجودان مشتركان فيما يجوز ويمتنع. وموجود أن يسد كل واحد منها مسد الآخر.
والمتماثلان وإن اشتركا في الصفات النفسية فلا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التعدد والتمايز فيصح التماثل وينسب إلى أبي حسن الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه.
واعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عمرو في الفقه إذا كان يساويه فيه ويسد مسده وإن اختلفا في كثير من الأوصاف.
وفي الحديث: "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل" (١) أراد به الإستواء في الكيل دون الوزن، وعدد الحبات، وأوصافها، ولا يخفى أن من الممكن أن يقال: المراد بالمماثلة التساوي في الوجه الذي به التماثل فزيد وعمرو إذا اشتركا في الفقه، وكان بينهما مساواة فيه بحيث ينوب أحدهما عن الآخر، ويسد مسده، يصح القول: بأنهما مثلان فيه، وإلا فلا وكل هذا مغالطة وتمويه ليس شيء منه مما نحن
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه". انظر: صحيح مسلم (٣/ ١٢١١) رقم (١٥٨٨).
[ ١ / ٢٧٨ ]
أصل مقالة التعطيل
فيه فالحق ليس له مثل ولا شبيه وباللَّه التوفيق (١).
(وقد ينكر الجهمي) أي أتباع جهم بن صفوان، وتقدم أنه أخذ مقاله التعطيل، ونفي الصفات عن الجعد بن درهم (٢)، لكن الجهم أظهر المقالة فنسبت إليه وأخذها الجهم -أيضًا- فيما ذكره سيدنا الإمام أحمد ﵁ عن غيره من أهل الضلال.
قال الجلال السيوطي (٣) في الأوائل: أول من تفوه بكلمة خبيثة في الاعتقاد يعني في هذه الملة: الجعد بن درهم مؤدب مروان (الحمار) (٤) آخر ملوك بني أمية فقال: بأن اللَّه تعالى لا يتكلم (٥).
قال شيخ الإسلام قدس اللَّه سره في الرسالة الحموية: أصل فشو البدع بعد القرون الثلاثة وإن كان قد نبع (٦) أصلها في أواخر عصر التابعين.
قال: ثم أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو: الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها فنسبت اليه (٧) كما قدمنا ذلك عند قول الناظم: (كما قال أتباع لجهم) (٨).
_________________
(١) في "ظ" بلغ مقابلة.
(٢) انظر (١/ ٢٢٠).
(٣) السيوطي تقدم (١/ ١١٠).
(٤) في الأصل: الجبار وهو تحريف.
(٥) انظر: الأوئل للسيوطي (١٣١ - ١٣٢).
(٦) في "ظ" نفي والمثبت من الأصل.
(٧) الرسالة الحموية (ص ٩٨) ضمن النفائس.
(٨) انظر (١/ ٢١٩).
[ ١ / ٢٧٩ ]
وقول الناظم: (هذا) هاء حرف تنبيه وذا إسم إشارة محله النصب على المفعولية والمشار إليه التجلي (وعندنا) معشر أهل السنة والجماعة - (بمصداق).
قال في القاموس: مصداق الشيء ما يصدقه (ما) يحتمل أن يكون موصولًا حرفيًا أي بمصداق قولنا، ويحتمل أن يكون موصولًا اسميًا أي بمصداق الذي قلناه، (حديث مصحح) (١): مبتدأ خبره متعلق الظرف على الأصح أو الظرف (٢) نفسه والجملة حالية (رواه) أي روى ذلك الحديث الصحيح (جرير) بن عبد اللَّه البجلي ﵁ وهو الحديث الذي قدمناه (٣)، رواه البخاري ومسلم وغيرهما (عن مقال) أي من قول (محمد) رسول اللَّه -ﷺ- الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.
(فقل) أيها المسترشد وطالب النجاة ومتبع السنة وأهل الحق (مثل ما قد قال) أي مثل قول النبي -ﷺ- (٤) (في ذلك) أي في التجلى ورؤية المؤمنين لرب العالمين في جنات النعيم (وكذا) (٥) في الموقف.
و(قل) (٦) أيضًا مثل ما قال النبي -ﷺ- من نحو ذلك من سائر الصفات الذاتية والخبرية والفعلية.
(تنجح): أي تظفر بموافقة الصواب ومتابعة السنة والكتاب والنجاح بالفتح
_________________
(١) جاء النص في الأصل حدث مصحح، وما أثبته من "ظ" ولعله الصحيح. وقد جاء النص في مصادر القصيدة "حديث مصرح".
(٢) في "ظ": أو الظرفيه، وسقطت عبارة الجملة حالية.
(٣) انظر (١/ ٢٧٥).
(٤) في هامش المخطوطتين: (أو مثل الذي قاله النبي ﷺ).
(٥) في "ظ" (وكفى).
(٦) ساقطة من "ظ".
[ ١ / ٢٨٠ ]
ترجمة جرير بن عبد الله البجلي أحد رواة أحاديث الرؤية
والنجح بالضم الظفر بالشيء، يقال: نجحت الحاجة كمنع وانجحت وأنجحها اللَّه وأنجح زيد إذا صار ذا نجح وهو منجح والنجح الصواب من الرأي، ونجح أمره تيسر، وسهل وتناجحت أحلامه تتابعت بصدق والنجاحة الصبر ونفس نجيحة صابرة (١).
و(جرير) هذا الذي ذكره الناظم رحمه اللَّه تعالى هو: أبو عمرو وقيل: أبو عبد اللَّه جرير بن عبد اللَّه بن جابر البجلي (٢) الأحمسي ﵁، أسلم في السنة التي توفى فيها رسول اللَّه -ﷺ-، قال جرير: أسلمت قبل موت النبي -ﷺ- بأربعين يومًا فيما يقال (٣) والصحيح أنه أسلم قبل ذلك، نزل الكوفة وسكنها زمانًا طويلًا ثم انتقل إلى قرقيسيا (٤)، ومات بها سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة أربع وخمسين، روى عنه أنس بن مالك، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، وبنوه: عبيد اللَّه، والمنذر، وإبراهيم.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جرير -﵁- قال:
ما حجبني رسول اللَّه منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي (٥).
_________________
(١) القاموس (١/ ٢٦٠ - ٢٦١) (نجح).
(٢) ترجمة جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ في: الاستيعاب رقم (٣٢٣)؛ وأسد الغابة (١/ ٣٣٣)؛ والإصابة (٢/ ٧٦) رقم (١١٣٢).
(٣) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، وصحح الحافظ ابن حجر أنه أسلم قبل ذلك، أي في السنة التي توفى فيها رسول اللَّه -ﷺ-.
(٤) قرقيسيا: بالفتح ثم السكون، وقاف أخرى وياء ساكنة، وسين مكسورة، وياء أخرى وألف ممدوده، بلد على نهر الفرات بالعراق. معجم البلدان (٤/ ٣٢٨).
(٥) رواه البخاري (٧/ ١٦٤) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ-، باب ذكر جرير ﵁ ومسلم رقم (٢٤٧٥) في فضائل الصحابة، باب في فضائل جرير بن عبد اللَّه ﵁. ورواه الترمذي رقم (٣٨٢٠) في المناقب، باب مناقب جرير بن عبد اللَّه.
[ ١ / ٢٨١ ]
تتمة: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع وسياق الأدلة على ذلك
وفى رواية ولقد شكوت إلى رسول اللَّه -ﷺ- أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري، وقال: اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديا (١).
تتمة (٢): رؤية المؤمنين لرب العالمين (في الآخرة) ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع أهل الحق من أهل السنة والجماعة، وهى الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون.
فإن أهل الجنة إذا نالوها نسوا ما هم فيه من النعيم وحرمانها، والحجاب إنما هو لأهل الجحيم، وهو أشد عليهم من العذاب الأليم.
وقد اتفق على ثبوتها الأنبياء والمرسلون والصحابة والتابعون وأئمة أهل السنة على تتابع القرون.
وأنكرها أهل البدع والمارقون والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل اللَّه منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- عاكفون.
وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو للَّه ورسوله مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، فهم حزب الضلالة، وشيعة إبليس اللعين، ويعسوب الجهالة، وقدوة المخالفين.
وقد أخبر ﷾ عن أعلم خلقه به في زمانه، وهو كليمه ﵇،
_________________
(١) الرواية لمسلم.
(٢) انظر: هذا المبحث في حادي الأرواح (ص ٢٧٧).
[ ١ / ٢٨٢ ]
أنه سأل ربه تعالى النظر إليه، فقال له تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
فلا يظن بكليم المولى الجليل أن يسأل ربه المستحيل، ولو كانت رؤيته تعالى لا تجوز لأنكر على موسى ذلك وحاشاه من الجهل بذلك، وإنما أخبره بأنه لا يثبت لرؤيته، ثم أعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف، وقد علق رؤيته له على جائز غير ممتنع الاستقرار، بل استقراره ممكن، ولو كانت محالًا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته، ثم إنه سبحانه تجلى للجبل، وهذا مشعر بجواز رؤيته فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له، ولا عقاب عليه، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه، وقد زال عنهم الضعف وخلفه القوة المستمر أبد الآبدين.
وقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣].
فهذا من دلالة الكتاب على رؤية رب الأرباب في دار الجزاء والثواب.
ومن أدلة الكتاب على ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
قال أهل العلم الحسنى: الجنة، والزيادة هي: النطر إلى وجهه الكريم.
كذلك فسرها رسول اللَّه -ﷺ- الذي أنزل عليه القرآن والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه من حديث (صهيب) ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ إذا دخل أهل الجنة الجنة،
[ ١ / ٢٨٣ ]
وأهل النار النار، نادي مناد يا أهل الجنة إن لكم عند اللَّه موعدًا، ويريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر (١) وهى الزيادة.
وقد جاء ذلك عن النبي -ﷺ- من عدة طرق يفيد مجموعها العلم القطعي.
ومنها قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٤ - ١٥].
ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته، وسماع كلامه فلو لم يره المؤمنون ولم يسمعوا كلامه كانوا أيضًا محجوبين عنه.
وقد احتج هذه الحجة الإمام الشافعي ﵁ واحتج بها غيره من أئمة الإسلام ﵃.
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٦٣) رقم (١٨١). وقد وقع في المخطوطتين أنه من حديث سهل، والصواب صهيب كما أثبتنا من صحيح مسلم وغيره. كما رواه أبو داود الطيالسي رقم (١٣١٥) (ص ١٨٦)، وهناد بن السري في الزهد رقم (١٧١)؛ وأحمد في المسند (٤/ ٣٣٣)؛ والترمذي في التفسير سورة يونس رقم (٣١٠٥) والآجري في الشريعة (٢٦١)؛ وابن منده في الرد على الجهمية رقم (١٧٥)؛ والحسن بن عرفة في جزئه رقم (٢٤٠)؛ وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥٥)؛ وابن ماجة رقم (١٨٧)، وابن خزيمة رقم (٢٥٨)؛ وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٦). وانظر: الدر المنثور (٤/ ٣٥٦) وما بعدها؛ وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٩٧) وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (ص ٢٨١ - ٢٨٣).
[ ١ / ٢٨٤ ]
قال الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري (١): حدثنا الأصم (٢)، حدثنا الربيع (٣) بن سليمان الجيزى قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فقال الشافعي: لما انحجب عن هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا، قال الربيع قلت: يا أبا عبد اللَّه وبه تقول، قال: نعم وبه أدين اللَّه لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللَّه لما عبد اللَّه ﷿ (٤) ورواه الطبراني في شرح السنة من طريق الأصم أيضًا.
ومنها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].
_________________
(١) تقدم (ص ١/ ١٤٣).
(٢) الأصم: محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان: الإمام المحدث مسند العصر أبو العباس الأموي مولاهم السناني المعقلي النيسابوري الأصم، رحل إلى الآفاق وسمع الكتب الكبار، وطال عمره وبعد صيته، وتزاحم عليه الطلبة وصارت إليه الرحلة، توفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٥٢).
(٣) في المخطوطتين: الربيع عن سليمان، والصحيح ما أثبته، وهو موافق لسند الخبر في مصادره الآتية: ثم إن فيه سليمان الجبري كذا في المخطوطتين، والظاهر أنه: الجيزى تحرف إلى الجبري فهو: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي أبو محمد الأزدى مولاهم المصرى الأعرج، توفى سنة ست وخمسين ومائتين. طبقات الشافعية (٢/ ١٣٢).
(٤) الحبر رواه اللالكائي في شرح السنة رقم (٨٣٣)، والحاكم كما في حادي الأرواح (ص ٢٨٤)؛ ورواه البيهقي في مناقب الشافعي بسند آخر عن الربيع بن سليمان (١/ ٤١٩)؛ ورواه من طريقه السبكي في طبقات الشافعية (٢/ ٨١)؛ وانظر تفسير ابن كثير (٩/ ١٤٣ - ١٤٤)، وكذا البغوي أيضًا معه.
[ ١ / ٢٨٥ ]
قال الطبراني: (١) قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك ﵄: هو النظر إلى وجه اللَّه ﷿ (٢)، وقاله من التابعين: زيد بن وهب وغيره (٣).
ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. فهذه الآية إذا حررت (٤) من تحريفها عن مواضعها، والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراد منها وجدتها منادية نداء صريحًا أن اللَّه سبحانه يرى عيانًا بالأبصار يوم القيامة في دار القرار.
وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المحرفون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والصراط والحساب أسهل على أرباب التأويل من تأويلها، وتأويل كل نص تضمنه القرآن والسنة كذلك، فلا يشأ مبطل على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص، وهذا هو الذي أفسد الدين والدنيا.
وأضاف سبحانه النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية الكريمة، وتعديته
_________________
(١) الطبراني: تقدم (١/ ١٤٦).
(٢) رواه عن علي يعقوب البسوي في السنة ضمن كتابه المعرفة (٣/ ٣٩٥)، وعنه اللآلكائي في السنة رقم (٨٥٢) مرفوعًا وسنده ضعيف ورواه عن أنس كل من البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٦٩) رقم (٢٢٥٨)؛ واللآلكائي في السنة رقم (٨١٣)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٢٢٦)؛ والدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٩٨)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٢): رواه البزار وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف.
(٣) انظر: حادي الأرواح (ص ٢٨٥).
(٤) كذا في النسختين، وفي حادي الأرواح (ص ٢٨٧): ومنه ينقل الشارح "وأنت إذا أجرت هذه الآية. . . إلخ".
[ ١ / ٢٨٦ ]
بأداة "إلى" الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أنه سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ، فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فإن عدى بنفسه فمعناه التوقف والإنتظار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وإن عدى بفي فمعناه التفكر والإعتبار كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
وإن عدى، بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩].
فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر.
قال يزيد بن هارون (١) أخبرنا مبارك (٢) عن الحسن (٣) قال: نظرت إلى ربها ﵎ فنضرت بنوره. رواه الآجري والبيهقي في كتاب الرؤية واللآلكائي في السنة (٤).
_________________
(١) يزيد بن هارون بن زاذان السلمي: مولاهم أبو خالد الواسطي أحد الأعلام الحفاظ، ثقة متقن عابد، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين. تقريب (ص ٣٨٥).
(٢) مبارك بن فضالة -بفتح الفاء وتخفيف المعجمة- أبو فضالة البصري: صدوق يدلس ويسوى، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح. تقريب (ص ٣٢٨).
(٣) الحسن هو البصري: تقدم (١/ ١٩٣).
(٤) رواه الآجري في الشريعة (ص ٢٥٦)؛ واللآلكائي في السنة رقم (٨٠٠)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٧٩)؛ وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٤٥٦)؛ وابن جرير في التفسير (٢٩/ ١٩٢).
[ ١ / ٢٨٧ ]
وروى ابن مردويه (١) في تفسيره عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ [قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال] (٢) من البهاء والحسن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قال: في وجه اللَّه ﷿) (٣) (٤).
وقال ابن عباس ﵄ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى وجه ربها ﷿ (٥).
وقال عكرمة (٦) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال من النعيم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
_________________
(١) ابن مردوية: أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك الأصبهاني أبو بكر، محدث حافظ مفسر مؤرخ من تصايفه: التفسير الكبير، في سبع مجلدات، توفى سنة ٤١٠ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٠٨)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ١٩٠).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل واستدرك في هامش (ظ) وكتب عليه صح.
(٣) ما بين القوسين ساقط من المخطوطتين وأكملته من حادي الأرواح لابن القيم (ص ٢٨٨)، ومنه ينقل المؤلف.
(٤) الحديث بهذا اللفظ أخرجه ابن مردويه في تفسيره؛ كما في حادي الأرواح (ص ٢٨٨)؛ ورواه بلفظ آخر أحمد في المسند (٢/ ١٣، ٦٤)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١١١)؛ والترمذي في جامعه في تفسير سورة القيامة (٥/ ٤٣١) رقم (٣٣٣٠)؛ والآجري في الشريعة (ص ٢٦٩)، واللآلكائي في السنة رقم (٨٤٠، ٨٤١)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٦١ - ٤٦٢)؛ والحاكم (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠) وابن جرير في التفسير (٢٩/ ١٩٣) عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا عند بعضهم. قال الألباني: إسناده ضعيف. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم (١٩٨٥).
(٥) رواه اللآلكائي في السنة رقم (٧٩٩)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٨٥)؛ والآجري في الشريعة (٢٥٦)؛ وانظر حادي الأرواح (ص ٢٨٨)، والدر المنثور (٨/ ٣٤٩)
(٦) عكرمة بن عبد اللَّه: مولى ابن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير، مات سنة سبع ومائة، وقيل بعد ذلك. تقريب (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).
[ ١ / ٢٨٨ ]
قال تنظر إلى ربها نظرًا (١).
ثم حكى عن ابن عباس ﵁ مثله.
وهذا قول كل مفسر من أهل السنة (٢).
وأما الأحاديث عن النبي -ﷺ- وأصحابه الكرام رضوان اللَّه عليهم الدالة على الرؤية فمتواترة (فرويت) (٣) عن رسول اللَّه -ﷺ- ورويت عن الصديق الأعظم أبي بكر خليفة رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وجرير بن عبد اللَّه البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد اللَّه بن مسعود الهذلي، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبى رزين العقيلي، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري، وأبي أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وأم المؤمنين عائشة الصديقة، وعبد اللَّه بن عمر، وسلمان الفارسي، وحذيقة بن اليمان، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وغيرهم رضوان اللَّه عليهم أجمعين، رواها (٤) أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، وتلقاها الناس بالقبول والتسليم، وانشراح الصدور لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، والتأويل على خلاف المشهور ولا التكذيب، بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه
_________________
(١) رواه الآجري في الشريعة (٢٥٦ - ٢٥٧)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٤٨١)؛ وابن جرير في التفسير (٢٩/ ١٩٢)؛ واللآلكائي في السنة رقم (٨٠٣)؛ والدارمي في الرد على الجهمية رقم (٢٠٠).
(٢) انظر حادي الأرواح (٢٨٨)؛ وتفسير ابن كثير (٩/ ٦٢ - ٦٣).
(٣) كذا في المخطوطتين ولعلها زائدة.
(٤) في "ظ": رواه.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ربه الكريم ناظرًا وربما كان من المحجوبين فيخشى أن يكون كافرًا، ولا حاجة إلى سرد جميعها (١).
وحديث جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ الذي ذكره الناظم رواه البخاري، ومسلم، وأكثر من خمسين إمامًا منهم: إسماعيل بن أبي خالد (٢)، ويحيى بن سعيد القطان (٣)، وهشيم بن بشير (٤)، وعلي بن عاصم (٥)، وسفيان بن عيينة (٦)، ومروان بن معاوية (٧)، ووكيع
_________________
(١) ذكرها بأسانيدها ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح (ص ٢٨٩ - ٣٢٢).
(٢) إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم البجلي ثقة ثبت روى له الجماعة، مات سنة ست وأربعين ومائة. تقريب (ص ٣٣).
(٣) يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي أبو سعيد القطان البصري: ثقة متقن حافظ إمام قدوة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة. تقريب (ص ٧٥).
(٤) هشيم بالتصغير ابن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي حازم بمعجمتين الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. تقريب (ص ٣٦٥).
(٥) علي بن عاصم بن صهيب الواسطي التميمي: مولاهم صدرق يخطئ ويصر ورمي بالتشيع، مات سنة إحدى ومائتين. تقريب (ص ٢٤٧).
(٦) سفيان بن عيينة: تقدم (١/ ١٩١).
(٧) مروان بن معاوية: بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد اللَّه الكوفي، نزيل مكة ثم دمشق، ثقة حافظ وكان يدلس أسماء الشيوخ، روى له الجماعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. تقريب (ص ٣٣٣).
[ ١ / ٢٩٠ ]
ابن الجراح (١)، ويزيد بن هارون (٢)، وشعبة بن الحجاج (٣)، وعبد اللَّه بن المبارك (٤)، وحماد بن أبي حنيفة (٥)، وأبو حنيفه النعمان بن ثابت الإمام (٦)، وزيد بن أبي أنيسه (٧)، وجوَّده فقال: ستعاينون ربكم ﷿ كما تعاينون هذا القمر.
وأبو شهاب الحناط (٨) وقال: سترون ربكم عيانا. وغير هؤلاء ممن يطول
_________________
(١) وكيع بن الجراح بن مليح الرواسي بضم الراء وهمزة، ثم مهملة أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، مات سنة ست أو سبع وتسعين ومائة. تقريب (ص ٣٦٩).
(٢) يزيد بن هارون: تقدم (١/ ٢٨٧).
(٣) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي: مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدًا، مات سنة وستين ومائة. تقريب (ص ١٤٥).
(٤) عبد اللَّه بن المبارك: تقدم (١/ ١٨٤).
(٥) حماد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي: تفقه على أبيه وأفتى في زمنه، وكان الغالب عليه الورع، وقد ضعف في الحديث من قبل حفظه. ميزان الإعتدال (١/ ٥٩٠)؛ والجواهر المضيئة (٢/ ١٥٣).
(٦) أبو حنيفة: تقدم (١/ ١٨٩).
(٧) في المخطوطتين زيد بن أنيسه، والتصويب من المصادر، فهو زيد ابن أبي أنيسه الجزري أبو أسامة أصله من الكوفة ثم سكن الرها، ثقه له أفراد، مات سنة تسع عشرة ومائة. تقريب (ص ١١٢).
(٨) في المخطوطتين: ابن شهاب الخياط والمثبت من المصادر: فهو عبد ربه بن نافع الكناني أبو شهاب الحناط بمهملة ونون الكوفي نزيل المدائن -أبو شهاب- الأصغر، صدوق في حفظه شيء، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة. ميزان الإعتدال (٢/ ٥٤٤)؛ وتهذيب التهذيب (٦/ ١٢٨ - ١٢٩)؛ وتقريب (ص ١٩٨).
[ ١ / ٢٩١ ]
ذكرهم كلهم يرويه عن قيس بن أبي حازم عن جرير.
وكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن خالد، وشهد إسماعيل بن خالد على قيس ابن أبي حازم (١)، وشهد قيس بن أبي حازم على جرير بن عبد اللَّه، وشهد جرير على رسول اللَّه -ﷺ- (فكأنك تسمع رسول اللَّه -ﷺ-) (٢) وهو يقوله ويبلغه لأمته، ولا شيء أقر لأعينهم منه على رغم أنوف الجهمية والفرعرنية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصابئة والمجوس واليونان ونحوهم من أعداء السنة وأهلها (٣).
وروى ابن بطة (٤) في السنة، والإمام ابن المبارك (٥)، والبزار (٦)، والأصبهاني (٧) في الترغيب من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أتاني جبريل فإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها وإذا في
_________________
(١) قيس بن أبي حازم البجلي أبو عبد اللَّه الكوفي: ثقة مخضرم، ويقال له رؤية وهو الذي يقال إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة، مات بعد التسعين أو قبلها. تقريب ص ٢٨٣.
(٢) ما بين القوسين استدرك في هامش المخطوطتين وكتب عليه صح.
(٣) هذا الكلام لابن القيم. انظر حادي الأرواح (ص ٢٩٥ - ٢٩٦).
(٤) ابن بطة: تقدم (١/ ١٠٥).
(٥) ابن المبارك: تقدم (١/ ١٨٤).
(٦) البزار: تقدم (١/ ٢٠٠).
(٧) الأصبهاني: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التميمي ثم الطحي، الأصبهاني أبو القاسم، كان إمامًا في الحديث والفقه والتفسير واللغة، حافظًا متقنًا، وكان يلقب بقوام السنة، من تصانيفه: التفسير الكبير، في ثلاثين مجلد؛ وكتاب الترغيب والترهيب؛ وشرح صحيح البخاري، وغيرها، توفى سنة ٥٣٥ هـ. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠)؛ والبداية (١٢/ ٢١٧)؛ وطبقات الشافيعة لابن قاضي شهبة (١/ ٣٣٧).
[ ١ / ٢٩٢ ]
وسطها نكتة سوداء، قال قلت يا جبريل: ما هذه؟ قال: هذه الدنيا صفاؤها وحسنها، قال: قلت وما هذه اللمعة في وسطها؟ قال هذه الجمعة، قلت: ما الجمعة؟ قال: يوم من أيام ربك عظيم". . . وفيه وأما شرفه وفضله واسمه في الآخرة، فإن اللَّه تعالى إذا صير أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وجرت عليهم أيامهما وساعاتهما ليس بها ليل ولا نهار إلا قد علم اللَّه مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة في الحين الذي (يبرز أو يخرج فيه أهل الجمعة إلى جمعهم) (١) نادى منادٍ يا أهل الجنة أخرجوا إلى دار المزيد لا يعلم (سعتها وعرضها وطولها) (٢) إلا اللَّه ﷿ في كثبان المسك قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت قال: فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث اللَّه ﵎ عليهم ريحًا تدعى المثيرة تثير عليهم المسك الأبيض فتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم وأشعارهم وفيه. . . ثم يوحي اللَّه سبحانه إلى حملة العرش فيوضع بين ظهراني الجنة وبينه وبينهم الحجاب، فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب، ولم يروني وصدقوا رسلي واتبعوا أمري، فسلوني فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمة واحدة، رب رضينا عنك فارض عنا، قال: فيرجع اللَّه تعالى إليهم في قولهم أن يا أهل الجنة لو لم أرض عنكم لما أسكنتكم جنتي، فسلوني فهذا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمة واحدة رب وجهك، رب وجهك أرنا ننظر إليه، قال:
_________________
(١) جاءت العبارة التي بين القوسين في المخطوطتين هكذا: (الذين يبرزون ويخرج أهل الجنة إلى جمعهم) والتصحيح من كتاب الترغيب للمنذري (٤/ ١٠٢٩).
(٢) في المخطوطتين: لا يعلم سعته وعرضه وطوله، والتصحيح من كتاب الترغيب (٤/ ١٠٢٩).
[ ١ / ٢٩٣ ]
تنبيه: هل يرى النساء ربهن في الجنة أو هي خاصة بالرجال
فيكشف اللَّه ﵎ تلك الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم أن لا يحرقوا لاحترقوا مما غشيهم من نوره، قال: ثم يقال ارجعوا إلى منازلكم، قال فيرجعون إلى منازلهم، وقد خفوا على أزواجهم وخفين عليهم مما غشيهم من نوره تعالى، فإذا صاروا إلى منازلهم تراد النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، قال: فتقول لهم أزواجهم لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها، قال: فيقولون ذلك بأن اللَّه ﵎ تجلى لنا فنظرنا منه إلى ما خفينا به عليكم، قال: فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه.
وفي لفظ البزار: فهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام، قال رسول اللَّه -ﷺ- وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] " (١).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة واللَّه أعلم (٢).
تنبيه: وقع في كلام بعض العلماء منهم: الحافظ عماد الدين ابن كثير (٣) أن
_________________
(١) الحديث أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٩٣) رقم (٣٥١٨)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٢٢) فيه القاسم بن مطيب وهو متروك؛ وأورده المنذري في الترغيب (٤/ ١٠٢٩) صدره بقوله وروى إشارة إلى ضعفه.
(٢) في هامش "ظ" بلغ مقابلة.
(٣) ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي الدمشقي، عماد الدين أبو الفداء الإمام الفقيه المحدث المفسر، صاحب التصانيف المفيدة منها: التفسير والتاريخ وغيرها، توفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة. المعجم المختص للذهبي (ص ٧٤) رقم (٨٦)؛ وذيل طبقات الحفاظ للحسيني (٥٧)؛ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٣).
[ ١ / ٢٩٤ ]
الخلاف في رؤية الملائكة لربهم
رؤية اللَّه تعالى مختصة في الجنة بمؤمني البشر من الذكور دون النساء فإنهن لا يرينه تعالى (١).
وخصها العز بن عبد السلام (٢) بالبشر دون الملائكة، واحتج لاختصاص البشر بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فإنه عام خص بالآية
_________________
(١) ذكر ابن كثير ﵀ في النهاية (١٢/ ١٨٤) ما يلي: "وقد حكى بعض العلماء خلافًا في النساء، هل يرين اللَّه ﷿ في الجنة كما يراه الرجال؟ فقل لا، لأنهن مقصورات في الخيام، وقيل بلى لأنه لا مانع من رؤيته تعالى في الخيام وغيرها. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾. وقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنكم ستررن ربكم ﷿ كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن إستطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا". وهذا عام في الرجال والنساء واللَّه أعلم. وقال بعض العلماء قولًا ثالثًا وهو: أنهن يرين اللَّه في مثل أيام الأعياد فإنه يتجلى في مثل أيام الأعياد لأهل الجنة تجليًا عامًا فيرينه في مثل هذه الحال دون غيرها. وهذا القول يحتاج إلى دليل خاص عليه واللَّه أعلم انتهى. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رؤية النساء لربهن لعموم الأدلة الواردة في ذلك، ولورود أدلة خاصة أيضًا في ذلك. مثل حديث أنس وغيره، وقد صرح في بعض طرقه بأن النساء يرينه في الأعياد، ثم جمع بين الأحاديث العامة في ذلك والأحاديث الخاصة، وأنه لا تنافي بينها وأن الزيادة في هذه الأحاديث، أي رؤية النساء هي بمنزلة خبر مستقل. انتهى، وقد أطال ﵀ في الإستدلال على ذلك. راجع مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠١) وما بعدها.
(٢) العز بن عبد السلام: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن مهذب السلمي -العز بن عبد السلام- أبو محمد فقيه أصولي مفسر مشارك في كثير من العلوم، له مصنفات كثيرة، توفى سنة ستين وستمائة. انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٢٠٩)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٣٧)؛ ومعجم المؤلفين (٥/ ٢٤٩).
[ ١ / ٢٩٥ ]
والأحاديث في المؤمنين فيبقى على عمومه في الملائكة" (١) كذا قال وقد نص البيهقي على خلافه فقال في كتاب الرؤية: باب ما جاء في رؤية الملائكة ربهم فروى عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: خلق اللَّه الملائكة لعبادته أصنافًا، وإن منهم لملائكة قيامًا صافين من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعًا وخشوعًا من يوم خلقهم إلى يوم القيامة، وملائكة سجودًا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ﵎ فينظرون إلى وجهه الكريم، فإذا نظروا إلى وجهه الكريم قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك (٢).
وأخرج نحوه أيضًا عن عدي بن أرطأة عن رجل من الصحابة، مرفوعًا وفيه: فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فينظرون إليه، قالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك (٣).
وفى الدارقطني مرفوعًا: إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم ﷿،
_________________
(١) انظر: القواعد الصغرى للعز بن عبد السلام (ص ١٣٠ - ١٣١)؛ ونقل ذلك عنه السيوطي في إسبال الكساء على النساء (ص ١٣)؛ وفى تحفة الجلساء (ص ٥٩). وقد أشار إلى ذلك في القواعد الكبرى (٢/ ٢٢٢)؛ وانظر آكام المرجان (ص ٦٠ - ٦١).
(٢) أخرجه البيهقي في الرؤية وابن عساكر كما في "الحبائك في أخبار الملائك" للسيوطي (ص ١٤٧)؛ وكما في إسبال الكساء على النساء (ص ١٤ - ١٥)؛ وفى تحفة الجلساء أيضًا (ص ٦٠ - ٦١).
(٣) أخرجه محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨) رقم (٢٦٠)؛ والبيهقي في الرؤية من طريقين كما في إسبال الكساء (١٥)؛ وفى تحفة الجلساء أيضًا (ص ٦٠ - ٦١) وأبو الشيخ في العظمة رقم (٥١٥، ٣/ ٩٩٣ - ٩٩٤)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٣٠٧)؛ وابن عساكر في تاريخ دمشق كما في مختصره (١٦/ ٢٩٠)؛ وذكره ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال رواه محمد بن نصر المروزي وإسناده لا بأس به.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ترجيح عموم رؤيته تعالى لكل من دخل الجنة
فأحدثهم عهدًا بالنظر إليه في كل جمعة. ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم الأضحى (١) -أي في مثل ذلك-.
وقد نص أبو الحسن الأشعري في الإبانة على أن الملائكة يرون ربهم يوم القيامة (٢).
وجزم بهذا جمع محققون منهم الإمام المحقق ابن القيم، والجلال السيوطي، والبلقيني (٣).
قال الحافظ السيوطي: وهو أرجح بلا شك (٤).
ومال البلقيني إلى ثبوتها لمؤمنى الجن -أيضًا- وهو اللائق بكرمه تعالى (٥).
قلت: التحقيق ثبوت رؤيته تعالى لكل من دخل الجنة.
وقد أخرج الآجري عن عكرمة قال: قيل لابن عباس ﵄ كل من يدخل الجنة يرى اللَّه تعالى، قال: نعم (٦).
_________________
(١) رواه الدارقطني في الرؤية كما في مجموع الفتاوى (٦/ ٤١٠)؛ وكما في تحفة الجلساء (ص ٥٩)؛ وفي الدر المنثور (٨/ ٣٥٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) انظر الإبانة (ص ٤٤).
(٣) البلقيني: عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير الكناني العسقلاني المصري الشافعي جلال الدبن أبو الفصل: من علماء الحديث بمصر، انتهت إليه رئاسة الفتوى بعد وفاة أبيه، وولي القضاء بالديار المصرية مرارًا إلى أن مات وهو متول، له كتب في التفسير والفقه وغيرها، توفى سنة ٨٢٤ هـ. لحظ الألحاظ لابن فهد (ص ٢٨٢)؛ والأعلام (٣/ ٣٢٠).
(٤) انظر تحفة الجلساء برؤية اللَّه للنساء (ص ٦١).
(٥) نفس المرجع (ص ٦٣)؛ وانظر إسبال الكساء (ص ٥١ - ٥٣).
(٦) رواه الآجري من طريق ابن أبي داود في التصديق بالنظر إلى اللَّه تعالى في الآخرة رقم =
[ ١ / ٢٩٧ ]
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ قال: تلى رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال يا موسى إنه لن يراني حي (١) إلا مات، ولا يابس إلا تدهده (٢) ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسادهم (٣).
وأما رؤية الباري في الموقف، فتحصل حتى لمنافقى هذه الأمة، بل زعم جماعة أنها تحصل في الموقف حتى للكافرين ثم يحجبون (٤). وباللَّه التوفيق.
قال الناظم -روح اللَّه روحه- (وقد ينكر الجهمي) أي المعتقد اعتقاد جهم بن صفوان، ومن وافقهم من المعطلة، والقرامطة، والباطنية، والفلاسفة، وذويهم (أيضًا): مصدر آض يئيض أيضًا إذا رجع أي مع إنكاره لرؤيته تعالى وتجليه لعباده
_________________
(١) = (١٨) (ص ٥٢ - ٥٣) ومن طريقه ابن القيم في حادي الأرواح (ص ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) في النسختين: (أحد) والمثبت من الحلية ومن نوادر الأصول.
(٣) تدهده: أي تدحرج. النهاية (٢/ ١٤٣).
(٤) رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (ص ٣١٦) ومن طريقة أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٣٥).
(٥) قال ابن القيم ﵀ في حادي الأرواح (ص ٢٨٠): "وقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة: أحدها: أن لا يراه إلا المؤمنون. والثاني: يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك. والثالث: يراه المنافقون دون الكفار. انتهى. والصحيح أنه سبحانه يتجلى للخلق عامة في الموقف كما في الحديث الصحيح، وقد أشار إلى ذلك الشارح ﵀ (١/ ٢٧٠).
[ ١ / ٢٩٨ ]
الكلام علي بعض الصفات الخبرية وذكر مذاهب بعض الفرق
المؤمنين في دار كرامته ينكر يمينه تعالى وتقدس. وكلتا يديه ﵎ (الواو) ابتدائية وكلتا مبتدأ، ويديه مضاف (١) إليه و(بالفواضل): جمع فاضلة وهي النعم الجسيمة والأيادى الجميلة، وفواضل المال ما يأتيك من غلته ومرافقه.
ولذا قيل: إذا عزب المال قلت فواضله (٢).
متعلق (٣) بقوله: (تنضح) بفتح التاء المثناه فوق مبنيًا للفاعل من النضح، وهو الرش والسقي، يقال: نضح النخل إذا سقاها بالسانية ونضح الحلة نثر ما فيها والمراد تنعم وتعطي الكثير والقليل، والجملة خبر المبتدأ، والجملة من عند قوله: وكلتا يديه حالية.
وينكر الجهمي أيضًا سائر صفاته الخبرية (٤) من الوجه والعين واليد ونحوها مما أضيف إلى اللَّه تعالى مما وردت به الآيات والأحاديث، مما يوهم التشبيه والتجسيم (٥) تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا، فإن اللَّه تعالى مخالف لجميع الحوادث فذاته لا تشبه الذوات، وصفاته لا تشبه الصفات، فلا يشبهه شيء من خلقه، ولا يشبه هو شيئًا من خلقه، بل هو منفرد عن جميع المخلوقات، ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، له الوجود المطلق، فلا يتقيد بزمان، ولا
_________________
(١) في النسختين: ويديه مضاف إلى كلتا وهو خطأ.
(٢) أي إذا بعدت الصيغة قل المرفق منها، وكذلك الإبل إذا عزبت قل انتفاع ربها بدرها. النهاية (٣/ ٤٥٦).
(٣) أي الجار والمجرور (بالفواضل).
(٤) نقل الشارح هذا المبحث من أقاويل الثقات (ص ١٣٤ - ١٣٩) ببعض التصرف.
(٥) هذه شبهة يتعلق بها بعض أهل البدع ليتوصلوا بها إلى إنكار أو تأويل الصفات، والصحيح أنه ليس في كلام اللَّه وكلام رسوله ما يوهم تشبيها ولا تجسيمًا، فإن اللَّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
[ ١ / ٢٩٩ ]
يتخصص بمكان (١) فكل ما توهمه الخيال أو سنح بالبال من حسن أو بهاء، أو جمال، أو شبح، أو نور، أو ضباء، أو مثال، فهو بخلاف ذي العزة والعظمة والجلال، إذا توهمته الأوهام هلكت، وإذا تخيلته الأفهام والعقول أفكت. فطريق إثبات صفاته المقدسة السمع فنثبتها لورودها، ولا نعطلها، ولا نكيفها، ولا نمثلها، فمذهب السلف: إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.
وهناك طائفة غلت في النفي فعطلته محتجين بأن الإشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الإشتباه حتى زعموا أنه سبحانه لا يوصف بالوجود، بل يقال إنه ليس بمعدوم، ولا يوصف بأنه حي، ولا قادر، ولا عالم، بل يقال: إنه ليس بميت، ولا عاجز، ولا جاهل.
وهذا مذهب أكثر الفلاسفة والباطنية ونحوهم.
وغلت طائفة أخرى في الإثبات فشبهته حتى أثبتوا له الصورة والجوارح حتى أن الهاشمية (٢) من غلاة الرافضة زعموا -كما قال
_________________
(١) قوله ولا يتخصص بمكان فيه نظر: فقد ثبت بالأدلة من الكتاب والسنة علو اللَّه سبحانه على خلقه، وأنه سبحانه فوق سمواته مستو على عرشه، وقد ورد في الكتاب والسنة من الأدلة على علو اللَّه ما يطول ذكره، فمن ذلك، قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سبعة مواضع من كتاب اللَّه، ومن السنة، حديث الجارية المصرح بأن اللَّه في السماء وغيره. وقد أورد المؤلف في مبحث الإستواء بعض هذه الأدلة، انظر (١/ ٣٥٢) وما بعدها. وانظر المزيد من الأدلة على علو اللَّه على خلقه كتاب العلو للذهبي؛ واثبات صفة العلو لابن قدامة؛ واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم.
(٢) كذا في المخطوطتين ولعل الأصح: الهشامية: وهم أتباع هشام بن الحكم الرافضي. وتقدم التعريف بهذه الفرقة (١/ ١٣٨).
[ ١ / ٣٠٠ ]
القرطبي- (١) أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه.
وقالت الكرامية (٢): إنه جسم، وبالغ بعض هؤلاء، فزعم أنه على صورة الإنسان، فمنهم من زعم أنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، ومنهم من زعم أنه على صورة شاب أمرد جعد قطط، ومنهم من زعم أنه مركب من لحم ودم، ومنهم من زعم أنه على مقدار مسافة العرش لا يفضل أحدهما على الآخر شيء -تعالى اللَّه عن قول هولاء الفرق علوًا كبيرًا- فإن هذا غلو بارد، وقد نهى اللَّه تعالى عن مثل هذا بقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- أول من قال إن اللَّه جسم: هشام بن الحكم الرافضي (٤) انتهى.
وإليه تنسب الطائفة الهاشمية من غلاة الرافضة، قالوا: إن اللَّه تعالى وتقدس عن قولهم، طويل عريض عميق متساو كالسبيكة البيضاء يتلألأ من كل جانب، وله لون وطعم ورائحة وقالوا ويقوم ويقعد، ويعلم ما تحت الثرى بشعاع ينفصل عنه
_________________
(١) القرطبي: محمد بن أحمد بن أبي دكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي أبو عبد اللَّه القرطبي: من كبار المفسرين فقيه صالح متعبد من أهل قرطبة رحل إلى الشرق، واستقر بمنية ابن خصيب (في شمال أسيوط بمصر) وتوفى فيها سنة ٦٧١ هـ، من كتبه: الجامع لأحكام القرآن. ط. عشرون جزء يعرف بتفسير القرطبي؛ والتذكار في أفضل الأذكار؛ والتذكرة بأحوال الموتى والآخرة، وغيرها. الديباج المذهب (٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩)؛ والأعلام (٥/ ٣٢٢).
(٢) الكرامية: تقدم التعريف بها (١/ ١٣٨).
(٣) انظر هذا المبحث في أقاويل الثقات (ص ١٣٤) وما بعدها.
(٤) انظر: منهاج السنة النبوية (١/ ٧٢ - ٧٣)، ومجموع الفتاوي (١٣/ ١٥١).
[ ١ / ٣٠١ ]
حكاية مذهب السلف عن الخطابي
إليه، قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه مماس للعرش بلا تفاوت وإرادته هي حركته لا عينه ولا غيره، وقالوا إنما يعلم الأشياء بعد كونها بعلم لا قديم ولا حادث وكلامه صفة له لا قديم ولا مخلوق (١) وهؤلاء كفار. وباللَّه التوفيق.
وفرقة أخرى أثبتت ما أثبته السمع من نحو سميع بصير عليم قدير وامتنعت من إطلاق السمع والبصر والعلم والقدرة، وهم المعتزلة فيثبتون الأسماء دون الصفات.
وفرقة أخرى أثبتت الصفات المعنوية من الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام، وهم الأشاعرة، والماتريدية ومن نحا منحاهم من أهل السنة (٢) من أتباع الأربعة الأئمة وهؤلاء الصفاتية، ثم اختلفوا فيما ورد به السمع من لفظ اليد والعين والوجه ونحوها ففرفة أولتها وهم جمهور المتكلمين من الخلف.
وفرقة أثبتت ما أثبته اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ- من ذلك وأجروها على ظواهرها، ونفوا الكيفية والتشبية عنها قائلين: إن إثبات الباري ﷾، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد، وتكييف، فإذا قلنا يد ووجه وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها اللَّه تعالى لنفسه، فلا نقول إن معنى اليد القوة والنعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول إنها جوارح.
_________________
(١) انظر مقالاتهم في: مقالات الإسلاميين (١/ ١٠٦)، والفرق بين الفرق (ص ٦٥)؛ والملل والنحل (١/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٢) سبق بيان أن أهل السنة فرقة واحدة، وأنهم يثبتون جميع الصفات الثابتة للَّه على الوجه اللائق به سبحانه. راجع (١/ ١٤٢).
[ ١ / ٣٠٢ ]
وهذا هو مذهب السلف كما نقله الخطابي (١) وغيره، ومنهم الأئمة الأربعة، وبهذا المذهب قال الحنابلة والحنفية وكثير من الشافعية وغيرهم.
وهو إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها محتجين بأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات اثبات وجود، لا إثبات تكييف، وقالوا: لا نلتفت في ذلك إلى تأويل، لأنا لسنا منه على ثقة ويقين لاحتمال عدم إرادته (أنه) (٢) مأخوذ بطريق الظن والتجويز، لا على سبيل القطع والتحقيق، فلا ينبني الاعتقاد على مثل ذلك.
قال الإمام القاضي أبو يعلى (٣) -قدس اللَّه روحه- في كتابه: "إبطال التأويل" (٤) لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات اللَّه تعالى لا تشبه صفات الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها.
لكن على ما روى عن الإمام أحمد وسائر الأئمة ﵃ وذكر
_________________
(١) الخطابي: تقدم التعريف به (١/ ١٨٢). وقد ذكر ذلك في معالم السنن (٧/ ١٢٢)، وانظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص ١٢٤ - ١٢٥)؛ وأقاويل الثقات (ص ١٣٦ - ١٣٧)، والأسماء والصفات (٥٦٨ - ٥٦٩).
(٢) كذا في النسختين ولعله: لأنه.
(٣) تقدم: (١/ ١٣٧).
(٤) اسمه الكامل: "إبطال التأويلات "إبطال التأويلات لأخبار الصفات" طبع الجزء الأول منه في الكويت بتحقيق محمد بن حمد النجدي. وانظر النص فيه (ص ٤٣).
[ ١ / ٣٠٣ ]
بعض كلام الزهري (١)، ومكحول (٢)، ومالك بن أنس (٣)، والثوري (٤)، والليث (٥)، وحماد بن زيد (٦)، وحماد بن سلمة (٧)، وابن عيينة (٨)، والفضيل بن عياض (٩)، ووكيع (١٠)، وعبد الرحمن بن مهدي (١١)، وإسحق بن راهويه (١٢)، وأبي عبيد (١٣)، ومحمد بن جرير الطبري (١٤)، وغيرهم في هذا الباب.
_________________
(١) الزهري: تقدم (١/ ١٥٦).
(٢) مكحول الشامي: عالم أهل أن الشام يكنى أبا عبد اللَّه الدمشقي الفقيه، مات سنة بضع عشرة ومائة. سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥)؛ وتقريب (ص ٣٤٧).
(٣) تقدم (١/ ١٠٩، ١٧٧).
(٤) تقدم (١/ ١٨٤).
(٥) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري: ثقة ثبت فقيه، إمام مشهور، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. انظر تقريب (ص ٢٨٧).
(٦) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري: ثقه ثبت فقيه، مات ست تسع وسبعين ومائة. انظر تقريب (ص ٢٨٢).
(٧) تقدم (١/ ١٩١).
(٨) سفيان بن عيينة تقدم (ص ١/ ١٩١).
(٩) تقدم (١/ ١٨٥).
(١٠) تقدم (١/ ٢٩١).
(١١) تقدم (١/ ١٧٧).
(١٢) تقدم (١/ ١١٢).
(١٣) تقدم (١/ ٢١٣).
(١٤) تقدم (١/ ١٨٩، ٢٦١).
[ ١ / ٣٠٤ ]
حكاية مذهب السلف عن ابن عبد البر
إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان حملوها على ظواهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظواهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة غبار التشبيه ورفع الشبهة. انتهى (١).
قال القرطبي: قال الإمام الترمذي (٢) بعد ذكره حديث: "ما تصدق أحد بصدقة إلا أخذها الرحمن في يمينه. . . " (٣).
"وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما أشبهه من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا نثبت الروايات في هذا ونؤمن بها، ولا نتوهم، ولا يقال كيف، هكذا روى عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد اللَّه بن المبارك، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالت هذا تشبيه.
وفد ذكر اللَّه تعالى في غير موضع من كتابه اليد ونحوها فتأولت الجهمية هذه الصفات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم فقالوا إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا معنى اليد هنا القدرة" (٤).
وقال ابن عبد البر: (٥) "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة
_________________
(١) انظر إبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ٧١) وقد نقل ذلك عن أبي يعلى ابن تيمية. انظر: الحموية (ص ١٤٦).
(٢) الترمذي: تقدم (١/ ١٤٣).
(٣) الحديث رواه أحمد (٢/ ٢٦٨، ٥٣٨)، والبخارى (١٤١٠)، (٧٤٣٠)؛ ومسلم (١٤/ ١٠)، والترمذي (٦٦١ - ٦٦٢)، وابن ماجة (١٨٤٢) كلهم من حديث أبي هريرة.
(٤) انظر: جامع الترمذي (٣/ ٤١ - ٤٢) رقم (٦٦١ - ٦٦٢).
(٥) تقدم (١/ ١١٩).
[ ١ / ٣٠٥ ]
تأويل الأشعرية لصفة اليدين
كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة، لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة مخصوصة. قال وأما الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرَّ بها مشبه -وهم عند من أقرَّ بها نافون للمعبود- قال والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب اللَّه وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة (١) " إنتهى كلام ابن عبد البر إمام المغرب في عصره.
وقال القرطبي: قال إسحق بن إبراهيم (٢) إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيدي أو مثل يدي، أو سمع كسمعي، أو مثل سمعي، فهذا الشبيه، وأما إذا قال للَّه سمع وبصر ولا يقول كيد ولا مثل سمع، ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣).
وقد قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]، ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣].
قال أبو الحسن الأشعري: "اليد صفة ورد بها الشرع، قال والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص منها والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفًا لازمًا" (٤).
_________________
(١) التمهيد (٧/ ١٤٥)؛ وانظر الحموية الكبرى (ص ١٤٥)؛ وأقاويل الثقات (ص ١٣٩).
(٢) هو إسحاق بن راهويه وقد تقدم (١/ ١١٢) وقد وقع في النسخة "ظ" إسحق بن راهويه.
(٣) النص في أقاويل الثقات (ص ١٣٩).
(٤) هذا النص أورده مرعي بن يوسف الكرمي في أقاويل الثقات (ص ١٤٩)، ونسبه إلى أبي الحسن؛ وذكره المؤلف في اللوامع (١/ ٢٣٢) ولم أجده في الإبانه بل نص أبو الحسن في =
[ ١ / ٣٠٦ ]
وقالت المعتزلة وطائفة من الأشعرية. . . (١) إن المراد باليدين في قوله تعالى: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] يعني النعمتين.
وطائفة من الأشعرية أن المراد باليدين القدرة لأن اليد في اللغة عبارة عن القدرة كقول الشاعر (٢):
فقمت ومالي بالأمور يدان.
قالوا: ويوضح هذا أن الخلق من جهة اللَّه إنما هو مضاف إلى قدرته لا إلى يده ولهذا يستقل في إيجاد الخلق بقدرته ويستغني عن يد وآلة يفعل بها مع قدرته وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ثنى اليد مبالغة في الرد على اليهود، ونفى البخل عنه، وإثباتًا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذل السخي من ماله أن يعطيه بيده، وتنبيهًا على منح الدنيا والآخرة، والمراد بالتثنية باعتبار نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، أو باعتبار قوة الثواب وقوة العقاب (٣).
_________________
(١) = الإبانة على إثبات صفة اليدين ورد على من تأولها بالنعمة والقدرة. قلت وقد نقل السيوطي في الإتقان (٣/ ١٧) عن السهيلي في تفسير معنى اليد وقال إنها -يعني اليد- في الأصل عبارة عن صفة لموصوف، قال: ولهذا قال الأشعري إن اليد صفة ورد بها الشرع. والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة. . . إلخ قلت فلعل قوله والذي يلوح من معنى هذه الصفة من كلام السهيلي واللَّه أعلم. راجع الإبانة لأبي الحسن (ص ٩٧ - ١٠٦).
(٢) في النسختين (إلى) ولا يستقيم بها الكلام.
(٣) لم أعرف قائله.
(٤) قال الشارح ﵀ في كتاب اللوامع بعد ايراده لتأويل الأشعرية هذا: ولا يخفى ما في هذا من الإعراض والإنصراف والعدول عن الحق والإنصاف، بل الصواب إثبات ما أثبته =
[ ١ / ٣٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اللَّه لنفسه ووصفه به نبيه حسب ما ورد من غير إلحاد، ولا رد، فهو إثبات وجود بلا تكييف كما مر. انتهى لوامع الأنوار (١/ ٢٣٢). وانظر تأويل الأشعرية هذا في أقاويل الثقات (ص ١٤٩ - ١٥٠). وقال الشيخ عبد اللَّه الغنيمان في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ٣٠٤) عند شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه البخاري في صحيحه أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "يد اللَّه ملآى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغضى ما في يده، وقال: عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع": "وقد اضطرب أهل التأويل في تأويلهم اليد اضطرابًا يدل على أنهم على باطل، والعاقل المنصف يعجب إذا رأى ما كتبه ابن حجر في شرحه لهذا الباب، فإنه ذكر بعض أقوال أئمة الأشعرية، ثم قال: واليد في اللغة تطلق على معان كثيرة اجتمع لنا منها خمسة وعشرون معنى. والنصوص في هذا الباب جاءت معينة معنى واحدًا لا غير هو يدا اللَّه الكريمتين، وما عدا ذلك فهو بهتان عظيم. ثم قال بعد ذلك (١/ ٣١١) هذا وقد تنوعت النصوص في كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه -ﷺ- على إثبات اليدين للَّه تعالى، وإثبات الأصابع لهما، وإثبات القبض بهما، وتثنيتهما، وأن إحداها يمين في نصوص كثيرة، والأخرى شمال كما في صحيح مسلم، وأنه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه تعالى يتقبل الصدقة من الكسب الطيب بيمينه فيربيها لصاحبها، وأن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين وغير ذلك مما هو ثابت عن اللَّه ورسوله. . .". ثم قال: "وهذا الذي أشرت إليه كله يمنع تأويل اليدين بالنعمة، أو القوة، أو الخزائن، أو القدرة، أو غير ذلك، ويجعل التأويل في حكم التحريف، بل هو تحريف. وقد آمن المسلمون بهذه النصوص على ظاهرها، وقبلوها، ولم يتعرضوا لها بتأويل تبعًا لرسول اللَّه -ﷺ- وصحابته وأئمة الهدى، بل وكل من قبل ما جاءت به الرسل، وآمن به". انتهى.
[ ١ / ٣٠٨ ]
مذهب السلف في المراد باليدين
ومذهب سلف الأمة وكبار الأئمة والحنابلة ومن نحا نحوهم أن المراد إثبات صفتين ذاتيتين يسميان يدين يزيدان على النعمة والقدرة، محتجين بأن اللَّه تعالى أثبت لآدم ﵇ من المزية والإختصاص ما لم يثبت مثله لأبليس بقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وإلا فكان إبليس يقول: وأنا أيضا خلقتني بيديك، فلا مزية لآدم ولا تشريف.
(فإن قيل) (١) إنما أضيف ذلك إلى آدم ليوجب له تشريفًا وتعظيمًا على إبليس، ومجرد النسبة في ذلك كاف في التشريف كناقة اللَّه وبيت اللَّه فهذا كاف في التشريف، وإن كانت النوق والبيوت كلها للَّه.
فالجواب: ما قالوه إن التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة اقتضى مجرد التشريف، فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة التي لولاها ما تمت النسبة.
فإن قولنا خلق اللَّه (الخلق) (٢) بقدرته لما نسب الفعل إلى تعلقه بصفة اللَّه اقتضى ذلك إثبات الصفة، وكذلك أحاط الخلق بعلمه يقتضى إحاطته بصفة هي العلم، فكذلك هنا لما كان ذكر التخصيص مضافًا إلى صفة وجب إثبات تلك الصفة على وجه يليق به سبحانه لا بمعنى العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية تعالى اللَّه عن ذلك.
وأيضا لو أراد باليد النعمة لقال: لما خلقت ليدي لأنه خلق لنعمته، لا بنعمته، وأيضا فقدرة اللَّه واحدة، لا تدخلها التثنية والجمع.
_________________
(١) في النسختين (فقيل) والتصحيح من أقاويل الثقات (ص ١٥٠) ومنه ينقل الشارح.
(٢) ساقطة في "ظ".
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال الإمام البغوي (١) في قوله: بيدي: في تحقيق اللَّه التثنية في اليد دليل على أنها ليست بمعنى القدرة والقوة والنعمة وأنهما صفتان من صفات ذاته (٢).
ومن هذا النمط القبضة واليمين في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وفي الصحيحين وغيرهما يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض (٣).
وحديث مسلم: يطوي اللَّه السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى (٤). . . الحديث (٥).
وحديث مسلم أيضًا: "يأخذ اللَّه سمواته وأرضه (بيديه) (٦) فيقول أنا اللَّه ويبسطها أنا الملك" (٧).
_________________
(١) البغوي: الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي أبو محمد الإمام الجليل الفقيه المحدث المفسر صاحب التصانيف "كشرح السنة" ومعالم التنزيل: في التفسير، والمصابيح في الحديث، والتهذيب في الفقه وغيرها، توفى سنة ست عشرة وخمسمائة. طبقات الشافعية للسبكي (٧/ ٧٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٣٩).
(٢) ذكره عن البغوي: السيوطي في الإتقان (٣/ ١٧)، ومرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٥١).
(٣) الحديث أخرجه البخاري (٦٥١٩)، (٧٣٨٢) فتح الباري؛ ومسلم رقم (٢٧٨٧)؛ وأحمد في المسند (٢/ ٣٧٤)، وابن ماجة (١٩٢) كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في الأصل "اليمين" وفى "ظ" اليمنى وهو الموافق لرواية مسلم.
(٥) رواه مسلم (٢٧٨٨)؛ وأبو داود (٤٧٣٢)؛ وابن ماجة (١٩٨)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (٥٤٧) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵂.
(٦) في الأصل (بيده) وفى "ظ" بيديه وهو الموافق لرواية مسلم أيضًا.
(٧) هو في مسلم رقم (٢٧٨٨) (٢٥) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ ولفظه: =
[ ١ / ٣١٠ ]
الكلام على صفة اليدين
وأشار الناظم رحمه للَّه ورضي عنه بقوله: وكلتا يديه بالفواضل (تنضح إلى ما ورد في صحيح مسلم وغيره: "إن المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (١).
قال النووي (٢): "هو من أحاديث الصفات إما نؤمن بها، ولا نتكلم بتأويل، ونعتقد أن ظاهرها غير مراد، وأن لها معنى يليق باللَّه تعالى أو تأويل على أن المراد بكونهم على اليمين: على الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة.
وقوله: كلتا يديه يمين فيه تنبيه على أنه ليس المراد باليمين الجارحة وأن يديه تعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما لأن الشمال تنقص عن اليمين (٣).
وقال بعضهم قد تكون اليمين بمعنى التبجيل والتعظيم، يقال: فلان عندنا
_________________
(١) = "يأخذ اللَّه ﷿ سماواته وأرضه بيديه فيقول أنا اللَّه (ويقبض أصابعه ويبسطها) أنا الملك.
(٢) رواه مسلم رقم (١٨٢٧)، وأحمد (١٢/ ١٦٠)؛ والنسائي (٨/ ١٩٥ - ١٩٦) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵂.
(٣) النووي: يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين النووي، محيي الدين أبو زكريا الإمام الفقيه الحافظ الزاهد، أحد الأعلام صاحب التصانيف المفيدة منها: روضة الطالبين، والمنهاج، وشرح المهذب، وكلها في الفقه وشرح مسلم، والأذكار وكتاب رياض الصالحين وغيرها، توفى سنة سبع وسبعين وستمائة. ترجمة النووي للسخاوي؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٩٥)؛ وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٩٤).
(٤) نقله الشارح من شرح صحيح مسلم للنووي (١٢/ ٢١١ - ٢١٢) بتصرف وانظر: أقاويل الثقات (١٥٦)، ولوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٢٣٣).
[ ١ / ٣١١ ]
باليمين، أي بالمحل الجليل ومنه قول الشاعر (١):
أقول لناقتي إذ بلغتنى لقد أصبحت عندي باليمين
أي بالمحل الرفيع.
وكذلك (٢) قوله -ﷺ- في الحديث الصحيح: "يمين اللَّه ملآى لا يغيضها نفقه سحاءَ الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض" (٣).
وهذه أحاديث كلها صحيحة.
ولما خلق اللَّه تعالى آدم ويداه مقبوضتان قال له: اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة (٤).
قال البيهقي: أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يفسروا هذه الآيات والأحاديث في هذا الباب (٥).
_________________
(١) هو أبو نواس وهو في ديوانه (ص ٣٢)؛ وانظر الأسماء والصفات (ص ٤١٩).
(٢) قوله: وكذلك قوله -ﷺ- يوهم أن معنى اليمين في الحديث بمعنى التبجيل والتعظيم وليس كذلك. بل هي من صفات اللَّه اللائقة بجلاله وعظمته التي يجب الأيمان بها من غير تعرض لتأويل وتكييف وتشبيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انظر التعليق على فقرة (٢) (ص ٣٠٨).
(٣) الحديث رواه البخاري (٤٦٨٤)، (٥٣٥٢)، (٧٤١١)، (٧٤١٩)، (٧٤٩٦)، ومسلم رقم (٩٩٣)، (٣٦، ٣٧)، والترمذي رقم (٣٠٤٥)، وابن ماجة (١٩٧)؛ وأحمد (٢/ ٢٤٢، ٣١٣) كلهم من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) من حديث أبي هريرة وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه؛ وأخرجه الحاكم (١/ ٦٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) والمعنى أنهم لم يفسروها بالتفسيرات البعيدة والتأويلات الباطلة كما يفعله المعتزلة =
[ ١ / ٣١٢ ]
وكذلك قال في الإستواء على العرش وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكى قول بعض المتاخرين (١).
وحكى الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في الحموية الكبرى (٢)؛ عن الإمام المحقق أبي بكر الباقلاني (٣) المتكلم قال: وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي حسن الأشعري في كتابه: "الإبانه في أصول الديانة" فإن قال قائل: فما الدليل على أن للَّه وجهًا ويدًا؟ قيل له قوله قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].
فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.
فإن قال قائل: فبما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحه إذا كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟
_________________
(١) = والأشاعرة، إنما يثبتون المعنى الصحيح الذي أثبته اللَّه ورسوله، مع نفي الكيف والتشبيه واللَّه أعلم. انظر: الفتوى الحموية (٥/ ٥٠) من مجموع الفتاوي والصفات للدارقطني بتحقيق الشيخ عبد اللَّه الغنيمان (ص ٤٠). وانظر: النص عن البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (ص ٤١٦، ٤٢٣، ٤٤٧، ٥١٤).
(٢) انظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص ١٤٦) ضمن النفائس.
(٣) انظر: الفتوى الحموية الكبرى (١٥٢) ضمن النفائس.
(٤) الباقلاني: تقدم التعريف به (١/ ٢٢٤).
[ ١ / ٣١٣ ]
نقل من كلام شيخ الإسلام حول ظواهر النصوص المتعلقة بالصفات
قلنا: لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلَّا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على اللَّه سبحانه، وكما لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا لأنا وإياكم لا نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، قال وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وسمعه وبصره وسائر صفاته عرضًا (١). انتهى.
قال شيخ الإسلام في التدمرية: (٢) "إذا قال القائل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟
فالجواب أن لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد.
ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، واللَّه تعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وإضلال والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل.
_________________
(١) انظر: التمهيد للباقلاني (ص ٢٩٥ - ٢٩٨)؛ وانظر: الحموية الكبرى (ص ١٥٢ - ١٥٣).
(٢) التدمرية (ص ٢٩)
[ ١ / ٣١٤ ]
كما قالوا في الحديث القدسي في قوله تعالى: (عبدي جعت فلم تطعمني. .) (١).
وفي الأثر الآخر: "الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض، فمن صافحه وقبله، فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه" (٢).
وقوله: "قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن" (٣).
فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فيقال لهم لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق.
أما الواحد فقوله: الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه صريح في أن الحجر ليس هو صفة اللَّه ونفس يمينه لأنه قال: يمين اللَّه في الأرض، وقال: فمن قبله وصافحه فكأنما صافح اللَّه وقبل يمينه.
ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا للَّه، وأنه ليس هو نفس يمينه فكيف يجعل ظاهره كفرًا، أو أنه محتاج إلى التأويل.
_________________
(١) الحديث رواه مسلم رقم (٢٥٦٩) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٣٦)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٣٢٨)؛ والديلمي رقم (٢٨٠٨) عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا وإسناده ضعيف. انظر: سسلة الأحاديث الضعيفة رقم (٢٢٣). وقد أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث، كما في الضعيفة موقوفًا على ابن عباس وإسناده ضعيف جدًا. انظر: سسلة الأحاديث الضعيفة رقم ٢٣.
(٣) رواه مسلم رقم (٢٦٥٤) في القدر، باب تصريف اللَّه تعالى القلوب كيف شاء من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄. وأخرجه الترمذي رقم (٢١٤٠) من حديث أنس، وقال حديث حسن.
[ ١ / ٣١٥ ]
مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس ﵄.
وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرًا يقول اللَّه: "عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين، فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟، فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده".
وهذا صريح في أن اللَّه تعالى وتقدس لم يجع ولم يمرض، ولكن جاع عبده ومرض فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده، فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل، وأما قوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالإصبع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدى ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة.
ومما يشبه هذا أن جعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فقيل هو مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١].
فهذا ليس مثل مذا لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدى فصار شبيهًا بقوله: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].
وهناك أضاف الفعل إليه فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال ﴿بِيَدَيَّ﴾ وأيضًا فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفى اليدين ذكر لفظ التثنية كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
[ ١ / ٣١٦ ]
وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في المفرد فاللَّه سبحانه يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١١] وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظم الذي يستحقه وربما تدل على معانى أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك فلو قال: (ما منعك أن تسجد لما خلقت يدى) (١) كان (٢) كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ولو قال خلقت (بيدي) (٣) بصيغة الإفراد لكان. . . (٤) مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن مثل قوله -ﷺ-: "المقسطون عند اللَّه على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين" (٥) كما تقدم وأمثال ذلك.
قال وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها والظاهر هو المراد في الجميع فإن اللَّه تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير.
واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد كان
_________________
(١) كذا في الأصل وفي "ظ" والتدمرية: (بيدي).
(٢) كذا في النسخين وفي التدمرية: لما كان كقوله.
(٣) ليست في التدمرية.
(٤) كذا في النسختين ويظهر أن فيه سقطا وتمامه كما في التدمرية (ص ٣١) مفارقا له فكيف إذا قال (خلقت بيدي) بصيغة التثنية هذا مع دلالة الأحاديث. . . إلخ.
(٥) تقدم تخريجه، انظر: (١/ ٣١١).
[ ١ / ٣١٧ ]
من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا، وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.
فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] إنه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق (١) ولا حبًا كحبه ولا رضًا كرضاه.
فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات يماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مراد وإن كان يعتقد أن ظاهرها مما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات.
فيكون الكلام في الجميع واحدًا.
وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام وهى أبعاض لنا كالوجه واليد، ومنها ما هو معان وأعراض وهى قائمة بنا كالسمع والبصر والعلم والكلام والقدرة.
ثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون إن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيده، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه تعالى كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فإذا كانت ذاته المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته تعالى كذاته ليست
_________________
(١) في "ظ" المخلوقات.
[ ١ / ٣١٨ ]
الكلام على صفة النزول
معنى اسم الله "الجبار"
كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال -ﷺ-: "ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالروية لا المرئي بالمرئي (١). انتهى.
ثم أشار الناظم رحمه اللَّه تعالى إلى صفة النزول اللائق بذات اللَّه المقدسة وعظمته المنزهة، فقال: (وقل) أي اعتقد أيها الأثري ودن أيها السني بالنزول الإلهي على حسب ما يليق بذاته العلية، وصفاته الخبرية، كما ثبتت بذلك الأخبار وصحت به الآثار، غير ملتفت لسفساف (٢) يتشدق (٣) ولا جهمي يتودق (٤) ولا ملحد يتزندق.
(ينزل) الملك الجبار نزولًا يليق بذاته بلا تشبيه، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف.
و(الجبار): اسم من أسمائه الحسنى: وهو الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره (٥) كذا قيل والحق أنه الذي جبر مفاقر الخلق وكفاهم أسباب المعاش والرزق،
_________________
(١) انظر: التدمرية (ص ٣٢) وقد سبق تخريج أحاديث الرؤية انظر: (١/ ٢٨٩ وما بعدها).
(٢) السفساف: الرديء من كل شيء. مختار الصحاح (ص ٣٠١). (سفف).
(٣) الشدق: جانب الفم وتشدق الرجل لوى شدقه للتفصح. مختار الصحاح -شدق- القاموس شدق (٣/ ٢٥٧).
(٤) يتودق: -لعل أقرب المعاني لها هنا كما تبين لي من مراجعة مادة الكلمة في كتب اللغة أنها بمعنى الدنو والقرب والمعنى لا تلتفت إلى جهمي يحاول أن يدنو منك ويتقرب إليك ليوصل إليك مذهبه -واللَّه تعالى أعلم- راجع مادة (ودق) في لسان العرب (١٢/ ٢٥١)؛ وفى القاموس (٣/ ٢٩٧).
(٥) قاله من المفسرين قتادة والسدي ومقاتل. انظر: تفسير ابن جرير (٢٨/ ٥٥)، والبغوي (٨/ ٣٠٨) بهامش تفسير ابن كثير.
[ ١ / ٣١٩ ]
ومنه قولهم: جبرت الكسر إذا أصلحته (١).
وقيل الجبار: العالي فوق خلقه من قولهم: تجبر النبات إذا طال وعلا (٢). والجبار في صفة اللَّه تعالى صفة مدح، وفي الخلق صفة ذم، لأنهم تحت القهر والمشيئة فعلى العبد أن لا يتجبر على غيره من عباد اللَّه تعالى -كما في "تحفة العباد في أدلة الأوراد"- للعلامة أبي بكر بن أبي داود (٣) الحنبلي تلميذ المحقق ابن القيم (٤) رحمهم اللَّه تعالى، من أعيان المائة الثامنة.
وقال ابن الأثير (٥) في النهاية في أسماء اللَّه تعالى: الجبار: ومعناه الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، يقال: جبر الخلق وأجبرهم قال وأجبر أكثر، وقيل: هو العلي فوق خلقه وفعال من أبنية المبالغة ومنه قولهم: نخلة جبارة، وهي
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (٨/ ٣٠٨)، وتفسير القرطبي (١٨/ ٤٧)؛ وزاد المسير (٨/ ٢٢٧)؛ وانظر شأن الدعاء للخطابي (ص ٤٨).
(٢) شأن الدعاء (ص ٤٨).
(٣) تقدم في (١/ ٢٠٦).
(٤) تقدم في (١/ ١٦١).
(٥) ابن الأثير: المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، ثم الموصلي، مجد الدين أبو السعادات، عالم أديب لغوي مشارك في تفسير القرآن والحديث والفقه وغير ذلك، ولد بجزيرة ابن عمر، ونشأ بها ثم انتقل إلى الموصل وكتب لأمرائها وكانوا يحبونه ويحترمونه، وتوفى بها سنة ٦٠٦ هـ، من تصانيفه: جامع الأصول في أحاديث الرسول؛ والنهاية في غريب الحديث؛ وشرح غريب الطوال؛ والإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف؛ تفسيري الثعلبي والزمخشري وغيرهما. سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٨٨)؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٣٦٦)، ومعجم المؤلفين (٨/ ١٧٤).
[ ١ / ٣٢٠ ]
نقل نصوص عن السلف حول النزول
العظيمة التي تفوت يد المتناول.
وفي حديث أبي هريرة ﵁: يا أمة الجبار (١) وإنما أضافها إلى الجبار دون باقي أسماء اللَّه تعالى لاختصاص الحال التي كانت عليها من اظهار العطر والبخور والتباهي به والتبختر في المشى ومنه الحديث في ذكر النار: حتى يضع الجبار فيها قدمه (٢).
قال ابن الأثير المشهور في تأويله أن المراد بالجبار اللَّه تعالى ويشهد له قوله في الحديث الآخر: حتى يضع فيها رب العزة قدمه (٣).
وفي الحديث: "سبحان ذي الجبروت والملكوت" (٤) هو فعلوت من الجبر أي القهر (٥).
وقول الناظم (في كل ليلة) أي من الليالي فلا يختص بليلة دون أخرى (بلا كيف) فلا يتوهم أن لنزولة كيفًا.
_________________
(١) هو من قول أبي هريرة ﵁ في حديث أخرجه أبو داود رقم (٤١٧٤)؛ وابن ماجة رقم (٤٠٠٢). عن عبيد مولي أبي رهم أن أبا هريرة لقى امرأة منطيبة تريد المسجد، فقال: يا أمة الجبار أين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال: فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "أيما امرأة تطيبت ثم خرجت إلى المسجد لم تقبل لها صلاة حتى تغتسل".
(٢) و(٣) جزء من حديث أخرجه البخاري (٤٨٤٨)، (٦٦٦١)، (٧٤٤٩)، ومسلم رقم (٢٨٤٨)، والترمذي (٣٢٧٢) من حديث أبي هريرة وأنس ﵃. والرواية الأولى أخرجها ابن خزيمة في التوحيد رقم (١١٥) (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨).
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٨٧٣)، والنسائي (٢/ ١٧٧).
(٤) انظر: النهاية (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
[ ١ / ٣٢١ ]
روى أبو بكر الأثرم (١) عن الغضيل بن عياض (٢) رحمهما اللَّه تعالى قال: ليس لنا أن نتوهم في اللَّه كيف وكيف لأن اللَّه تعالى وصف فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]. فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، وكل هذا النزول والضحك والمباهات كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب ينزل، فقل أنت أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٣).
وقال الإمام البخاري (٤) في كتاب: "خلق أفعال العباد" من صحيحه: (٥) قال الفضيل بن عياض إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (٦).
_________________
(١) أبو بكر الأثرم: أحمد بن محمد بن هانى الأسكافي الطائي، وقيل الكلبي الأثرم أبو بكر أحد الأعلام ومصنف السنن وتلميذ الإمام أحمد، كان جليل القدر حافظًا إمامًا، تقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، توفي سنة ٢٦١ هـ تقريبًا. طبقات الحنابلة (١/ ٦٦)؛ وسير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٢٣).
(٢) تقدم (١/ ١٨٥).
(٣) رواه أبو بكر الأثرم في كتابه السنة كما في الحموية (ص ١٢٦)، في الأصفهانية (ص ٢٨).
(٤) تقدم (١/ ١٨٧).
(٥) كذا في النسختين: من صحيحه وليس كذلك إنما هو في خلق أفعال العباد للبخاري في غير الصحيح.
(٦) رواه البخاري في خلق أفعال العباد رقم (٦١)؛ والهروي في كتابه الفاروق كما في الحموية (ص ١٢٧)، وذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٤١)، وفي الأصفهانية (ص ٢٨)، وقال رواه الأثرم في السنة؛ ورواه اللالكائي في السنة رقم (٧٧٥).
[ ١ / ٣٢٢ ]
قال البخاري: وحدث (١) يزيد بن هارون (٢) عن الجهمية فقال:
"من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف (ما يَقِر) (٣) في قلوب العامة فهو جهمي (٤).
_________________
(١) كذا في النسختين، وفي الأصفهانية: حدث، وفي خلق أفعال العباد للبخاري، وحذر ولعله الصواب.
(٢) يزيد بن هارون تقدم (١/ ٢٨٧).
(٣) في النسختين (ما يقرر) وما أثبته من خلق أفعال العباد للبخاري رقم (٦٣) وهو الصحيح.
(٤) الأثر أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد رقم (٦٣)؛ وأبو داود في المسائل (ص ٢٦٨ - ٢٦٩)؛ وعبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (٥٤)؛ والذهبي في العلو (١١٧)؛ ومختصره (١٦٧)؛ وذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٤) من طريق عبد اللَّه بن أحمد في السنة؛ وأورده ابن تيمية في شرح الأصفهانية (ص ٢٨). قال الذهبي بعد إيراده هذا الأثر: "يقر" مخفف، و"العامة" مراده بهم جمهور الأمة، وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما قد دل عليه الخطاب مع يقينهم بأن المستوى ليس كمثله شيء هذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به، ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم على نقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الإستواء ما يوجب نقصًا، أو قياسًا للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زجر، وعلم وما أظن أن أحدًا من العامة يقر في نفسه ذلك. وقال ابن تيمية -كما في اجتماع الجيوش الإسلامية- والذي تقرر في قلوب العامة هو ما فطر اللَّه تعالى عليه الخليقة من توجهها إلى ربها تعالى عند النوازل والشدائد والدعاء والرغبة إليه تعالى نحو العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة من غير موقف وقفهم عليه، ولكن فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها وما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة حتى يجهمه وينقله إلى التعطيل من يقيض له" انتهى. انظر: العلو (١١٧)؛ ومختصره (١٦٧)؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٤).
[ ١ / ٣٢٣ ]
وروى الخلال (١) عن سليمان بن حرب (٢) (قال) (٣) سأل بشر بن السري (٤) حماد بن زيد (٥) فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا يتحول من مكان إلى مكان فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو على عرشه يقرب من خلقه كيف شاء (٦).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه- في شرح العقيدة الأصفهانية: (٧) وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي -ﷺ- ويأخذون بالكتاب والسنة (٨).
وقال أبو عثمان النيسابوري (٩) الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في
_________________
(١) تقدم (١/ ١٠٧).
(٢) تقدم (١/ ١١٤).
(٣) في النسختين (أنه) ولعل الصواب (قال) كما أثبت.
(٤) بشر بن السري أبو عمرو الأفوه بصري، سكن مكة وكان واعظًا ثقة متقنًا طعن فيه برأي جهم ثم اعتذر وتاب، مات سنة خمس أو ست وتسعين ومائة. تقريب (ص ٤٤)؛ وتهذيب الكمال (٤/ ١٢٢).
(٥) حماد بن زيد تقدم (١/ ٣٠٤).
(٦) رواه الخلال في كتاب السنة وابن بطة في الإبانة كما في شرح حديث النزول (ص ٤٠).
(٧) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٢٨).
(٨) انظر مقالات الإسلاميين للأشعري (١/ ٣٤٨).
(٩) أبو عثمان النيسابوري: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري الصابوني أبو عثمان الإمام العلامة القدوه المفسر المذكر المحدث شيخ الإسلام، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفى سنة تسع وأربعين وأربعمائة، قال الذهبي: كان من أئمة الأثر، له مصنفات في السنة واعتقاد السلف، ما رآه منصف إلا واعترف له. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠ - ٤١).
[ ١ / ٣٢٤ ]
السنة (١) "ويثبت أهل الحديث نزول الرب ﷾ في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته له رسول اللَّه -ﷺ- وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى اللَّه تعالى.
وكذلك يثبتون ما أنزل اللَّه في كتابه من ذكر المجيء (٢) والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة (٣).
وقال (٤) سمعت الحاكم أبا عبد اللَّه (٥) الحافظ يقول: سمعت أبا (زكريا) (٦) يحيى بن (محمد) (٧) العنبري يقول: سمعت إبراهيم
_________________
(١) وقد طبعت ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (١/ ١٠٥ - ١٣٥) باسم عقيدة السلف، أصحاب الحديث ثم طبعت في الكويت بتحقيق بدر البدر. والنص في الرسالة (ص ٢٦ - ٢٧).
(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
(٣) كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
(٤) أي أبو إسماعيل الصابوني.
(٥) تقدم (١/ ١٤٣).
(٦) في النسخين (أبا رزين) وهو خطأ والصواب: أبا زكريا كما في مصادر ترجمته، وفى مصادر تخريج الأثر.
(٧) في النسختين (ابن عمر) وهو خطأ أيضًا، والصواب: يحيى بن محمد وهو يحيى بن محمد بن عبد اللَّه بن عنبر العنبري السلمي من نيسابور. قال السمعاني: كان من المشاهير من علماء المحدثين سمع منه الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ. وقال الذهبي الإمام الثقة المحدث الأديب العلامة، وقال: توفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. الأنساب (٩/ ٣٨٨ - ٣٨٩)؛ سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٣٣).
[ ١ / ٣٢٥ ]
ابن أبي طالب (١) سمعت أحمد بن سعيد الرباطي (٢) يقول: حضرت مجلس الأمير عبد اللَّه بن طاهر (٣) ذات يوم وحضر إسحاق بن إبراهيم (٤) -يعني ابن راهويه- فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ فقال: نعم فقال بعض قواد عبد اللَّه: يا أبا يعقوب أتزعم أن اللَّه ينزل في كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟ قال: أثبته فوق حتى أوصف لك النزول. فقال الرجل: أثبته فوق. فقال إسحق، قال اللَّه ﷿: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فقال له الأمير عبد اللَّه بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة. فقال إسحق: أعز اللَّه الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم (٥).
وروى بإسناده عن إسحق أيضًا. قال: قال لي الأمير عبد اللَّه ابن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبي -ﷺ- "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" كيف ينزل؟ قال: قلت أعز اللَّه الأمير لا يقال لأمر الرب كيف ينزل، إنما ينزل بلا كيف (٦).
_________________
(١) إبراهيم بن أبي طالب محمد بن نوح بن عبد اللَّه بن خالد النيسابوري أبو إسحاق الإمام الحافظ المجود الزاهد شيخ نيسابور، وإمام المحدثين في زمانه ذكره الحاكم فقال: إمام عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال، مات سنة خمس وتسعين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٤٧).
(٢) أحمد بن سعيد بن إبراهيم الرباطى المروزي أبو عبد اللَّه الأشقر ثقة حافظ، مات سنة ست وأربعين ومائتين هـ. تقريب (ص ١٢).
(٣) عبد اللَّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق الخزاعي بالولاء أبو العباس أمير خراسان، ومن أشهر الولاة في العصر العباسي، قال ابن الأثير: كان عبد اللَّه من أكثر الناس بذلًا للمال مع علم ومعرفة وتجربة وللشعراء فيه مرات كثيرة. وقال ابن خلكان: كان عبد اللَّه سيدًا نبيلًا عالي الهمة شهما، وكان المأمون كثير الاعتماد عليه، توفى سنة ثلاثين ومائتين. الكامل لابن الأثير (٥/ ٢٧١)، وفيات الأعيان (٣/ ٨٣)، والأعلام (٤/ ٩٣ - ٩٤).
(٤) تقدم (١/ ١١٢).
(٥) الأثر أخرجه الصابوني في عقيدة السلف رقم (٤٤) وأورده الذهبي في العلو مختصره (ص ١٩٣) وصححه الألباني وذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٥١) وفي الأصفهانية (ص ٢٨) والمؤلف في اللوامع (١/ ٢٤٣)
(٦) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف رقم (٤١)؛ وذكره الذهبي في العلو -مختصره (ص ١٩٣)؛ وابن تيمية في شرح حديث النزول (ص ٥١)؛ وفي الأصفهانية (ص ٢٩)؛ =
[ ١ / ٣٢٦ ]
وروى بإسناده عن عبد اللَّه بن المبارك (١) ﵁ أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان (٢) فقال عبد اللَّه: يا ضعيف ليلة النصف وحدها ينزل في كل ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد اللَّه بن المبارك: ينزل كيف شاء (٣).
قال أبو عثمان النيسابوري: "فلما صح خبر النزول عن النبي -ﷺ- أقر به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول اللَّه -ﷺ- ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب تعالى لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق. سبحانه وتعالى عما تقول المشبهة والمعطلة علوًا كبيرًا" (٤).
وروى الإمام الحافظ البيهقي (٥) بإسناده عن إسحاق بن راهويه، قال: جمعني أنا وهذا المبتدع -يعني ابن صالح- مجلس الأمير عبد اللَّه بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول (فسردتها) (٦).
فقال إبراهيم بن صالح (٧) كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء،
_________________
(١) = وأورده الحافظ عبد الغني في عقيدته رقم (٤٨)؛ وذكره الشارح في اللوامع (١/ ٢٤٤).
(٢) تقدم (١/ ١٨٤).
(٣) سيأتي حديث النزول ليلة النصف من شعبان (انظر ١/ ٣٣٧).
(٤) أخرجه الصابوني في عقيدة السلف رقم (٤٢)؛ وذكره ابن تيمية في شرح حديث النزول (٥٢)؛ وفى الأصفهانية (ص ٢٩)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٦٩).
(٥) انظر عقيدة السلف (ص ٤٨ - ٤٩) وشرح العقيدة الأصفهانية (٢٩ - ٣٠) ولوامع الأنوار (١/ ٢٤٤).
(٦) البيهقي: تقدم (١/ ٢٠٢).
(٧) في النسختين فثبتها والمثبت من الأسماء والصفات ولعله الصحيح.
(٨) في الأسماء والصفات إبراهيم بن أبي صالح.
[ ١ / ٣٢٧ ]
فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضى عبد اللَّه كلامي وأنكر على إبراهيم (١).
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني (٢) في كتابه المصنف في مسائل الإمام أحمد وإسحاق قال: مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين المقتدى بهم في السنة قال: وأدركت من أدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها، فمن خالف شيئًا منها، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع، خارج عن الجماعة زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق.
قال وهو مذهب الإمام أحمد (٣)، وإسحق بن إبراهيم (٤) وبقي بن مخلد (٥)،
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٦٨)؛ وذكره ابن تيمية في الأصفهانية (ص ٣٠)، والمؤلف في كتابه لوامع الأنوار (١/ ٢٤٤).
(٢) حرب بن إسماعيل الكرماني أبو محمد الفقيه تلميذ أحمد بن حنبل رحل، وطلب العلم أخذ عن أبي الوليد الطيالسي، وأبي بكر الحميدي، وأبى عبيد، وسعيد بن منصور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، قال الخلال: كان رجلًا جليلًا حثني المروزي على الخروج إليه، وقال الذهبي: و"مسائل حرب" من أنفس كتب الحنابلة وهو كبير في مجلدين، توفى سنة سنة ثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥)؛ وطبقات الحنابلة (١/ ١٤٥).
(٣) تقدم (١/ ١١١).
(٤) هو إسحاق بن راهويه تقدم (١/ ١١٢).
(٥) بقى بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الأندلسي القرطبي الحافظ أحد الأعلام صاحب: التفسير؛ والمسند اللذين لا نظير لهما، ولد في حدود سنة مائتين أو قبلها بقليل، وكان إمامًا مجتهدًا صالحًا ربانيًا صادقًا مخلصًا رأسًا في العلم والعمل، توفى سنة ست وسبعين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٨٥)، ونفح الطيب (٢/ ٤٧، ٥١٨).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وعبد اللَّه بن الزبير الحميدي (١)، وسعيد بن منصور (٢) وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، فذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول -ﷺ- من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك. . إلى أن قال واللَّه تعالى يعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء متكلمًا عالمًا تبارك اللَّه أحسن الخالقين (٣).
وقال شيخ الإسلام في التدمرية: "إذا قال لك كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ قل كيف هو في ذاته؟ فإذا قال أنا لا أعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تقر بأن له ذاتًا حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه هو ثابت في نفس الأمر وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم قال وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات فإن من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بالعقل إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته (ولو) (٤) طولب بالفرق بين المحذور في هذا
_________________
(١) عبد اللَّه بن الزبير الحميدي بن عيسى القرشي الحميدي المكي أبو بكر ثقة حافظ فقيه، مات سنة تسع عشرة ومائتين وقيل بعدها. تقريب (ص ١٧٣).
(٢) سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان الخراساني: نزيل مكة إمام محدث ثقة مصنف السنن وغيرها، توفى سنة سبع وعشرين ومائتين وقيل بعدها. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦)؛ وتقريب (ص ١٢٦).
(٣) انظر شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٣٠).
(٤) (ولو) زيادة من التدمرية وبها يستقيم الكلام.
[ ١ / ٣٢٩ ]
تفسير معنى اسم الله "الواحد"
وهذا لم يجد بينهما فرقًا، ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض -الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم. فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي، وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني إلى يثبتها بأن صرفوا النص عن مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه فمن تأول محبته ونحوها إلى الإرادة للثواب والعقاب كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في نحو الحب" (١).
(جل الواحد): أبي عظم في وحدانيته وفى الحديث: "ألظوا بياذا الجلال والإكرام" (٢).
وفي الحديث الآخر: "أجلوا اللَّه يغفر لكم" (٣) أي قولوا يا ذا الجلال والإكرام".
وقيل أراد عظموه.
وجاء تفسيره في بعض الروايات: أي أسلموا والجليل هو الموصوف بنعوت
_________________
(١) التدمرية (ص ٢٠).
(٢) الحديث رواه الترمذي في الدعوات رقم (٣٥٢٤ - ٣٥٢٥) عن أنس بن مالك، وقال حديث غريب. ورواه عن ربيعة بن عامر كل من أحمد في مسندة (٤/ ١٧٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩) وصححه ووافقه الذهبي؛ ووافقهما الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٥٣٦).
(٣) رواه أحمد في مسنده (٥/ ١٩٩)؛ والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١/ ٣١، ١٠/ ٢١٧) عن أبي الدرداء؛ وقال الهيثم في إسناده أبو العذراء وهو مجهول.
[ ١ / ٣٣٠ ]
الجلال وهو راجع إلى كمال الصفات كما أن الكبير راجع إلى كمال الذات والعظيم راجع إلى كمال الذات والصفات (١).
والواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده، وقيل هو المعدوم الشريك والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة إذ كل شيء سواه يدعى واحدا فهو واحد من جهة غير واحد من جهات فإن اللَّه سبحانه الواحد الذي ليس كمثله شيء والواحد الذي لا يثنى من لفظه فلا يقال واحدان (٢).
والفرق بين الواحد والأحد، أن الواحد هو المنفرد بالذات والأحد هو المنفرد بالمعنى لا يشاركه فيها أحد.
وإن الواحد في جنس المعدود يفتتح به العدد، وإن الأحد يصلح في الكلام في موضع الجحود، والواحد في موضع إثبات.
وأما الوحيد فإنما يوصف به في غالب العرف المنفرد عن أصحابه المنقطع عنهم، فلا ينبغي إطلاقه على اللَّه تعالى (٣) -كما في تحفة العباد- (٤).
_________________
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٢) انظر شأن الدعاء للخطابي (ص ٨٢).
(٣) انظر: النهاية (٥/ ١٥٩) وشأن الدعاء (ص ٨٢ - ٨٣). وهذا هو الصحيح فإن أسماء اللَّه وصفاته تعالى توقيفية لا يجوز تسميته بما لم يرد به القرآن والسنة، وذلك أن أسماء اللَّه وصفاته من الأمور الغببية التي لا يمكن لنا أن نعرفها إلا عن طريق الرسل الذين يطلعهم اللَّه على ما شاء من الغيب ثم هم يبلغونه للناس ولا يجوز القياس فيها والإجتهاد. واللَّه أعلم. القواعد المثلى في صفات اللَّه وأسمائه الحسنى (ص ١٣، ٢٨).
(٤) تحفة العباد في أدلة الأوراد لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود الحنبلي تقدم التعريف به (١/ ٢٠٧).
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال أيضا في الجليل: المستحق لجميع نعوت الجلال والكمال ومعناه منصرف إلى جلال القدر وعظم الشأن وهو الجليل الذي يصغر دونه كل جليل ويتضع معه كل رفيع (١).
وقوله: (المتمدح) نعت للواحد وهو الذي يجب أن يمدح.
قال في القاموس: "مدحه كمنعه مدحًا، ومدحه أحسن الثناء عليه كمدحه، وامتدحه وتمدحه والمدبح والمدحة والأمدوحة ما يمدح به وممدح كمحمد ممدوح جدًا وتمدح تكلف أن يمدح وافتخر" (٢).
والمراد أن اللَّه الواحد أسبغ على عباده من النعم ما يرجب المدح. وهو لغة الثناء باللسان على الجميل سواء كان اختياريًا أم اضطراريًا على جهة التعظيم والتبجيل.
وعرفًا ما يدل على اختصاص الممدوح بنوع من الفصائل فهو أعم من الحمد لأن الحمد مختص بكرنه على الجميل الاختياري، يقال: مدحت زيدًا لحسنه، ولا يقال حمدته لأن الحسن ليس باختياري لزيد.
قوله (إلى طبق الدنيا) متعلق بينزل الجبار تعالى وطبق الدنيا أي سماء الدنيا فإن الطبق بفتح الطاء المهملة والموحدة غطاء كل شيء (٣).
وفي الحديث: "للَّه مائة رحمة كل رحمة منها كطباق الأرض" (٤) -أي كغشائها- (٥).
_________________
(١) انظر: شأن الدعاء للخطابي (ص ٧٠).
(٢) القاموس (١/ ٢٥٧) (مدح).
(٣) القاموس (٣/ ٢٦٤) (طبق).
(٤) رواه مسلم في التوبة باب في سعة رحمة اللَّه وأنها سبقت غضبه (٤/ ٢١٠٩) (٢١) عن سلمان ﵁ بلفظ مختلف.
(٥) النهاية (٣/ ١١٣).
[ ١ / ٣٣٢ ]
معنى: "يمن"
وفيه -أيضًا- "حجابه النور لو كشف طبقه لأحرق بسبحات وجهه كل شيء أدركه بصره" (١).
قال في النهاية "الطبق كل غطاء لازم على الشيء" (٢) ولا شك أن السماء غطاء للأرض، وكل سماء فهي غطاء لما تحتها.
و(الدنيا): يعني القربية إلى الأرض، يقال دنى دنوا ودناؤه قرب كأدنى. والدنيا نقيض الآخرة.
(يمن) أي يعطي ويحسن إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه (٣) ومن أسمائه تعالى المنان وهو المنعم المعطي من المن وهو العطاء لا من المئة وهو من أبنية المبالغة كالسفاك والوهاب.
وفي الحديث أنه -ﷺ- قال: "ما أحدُ أمنُّ علينا من ابن أبي قحافة" (٤) يعني الصديق الأعظم ﵁، أي ما أحدٌ أجودُ بماله وذات يده.
_________________
(١) الحديث رواه مسلم في الإيمان رقم (١٧٩)، وابن ماجة في المقدمة رقم (١٩٥ - ١٩٦) عن أبي موسى لكن ليس فيه ذكر "طبقة"؛ وهذه الرواية ذكرها ابن الأثير في النهاية (٣/ ١١٣).
(٢) النهاية (٣/ ١١٣).
(٣) قال في النهاية (٤/ ٣٦٥): وكثيرًا ما يرد "المن" في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عيه، وكال الخطابي في شأن الدعاء (١٠٠ - ١٠١)؛ والمن العطاء لمن لا تستثبه، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [ص: ٣٩].
(٤) الحديث رواه البخاري في الصلاة: كتاب الخوخه والممر في المسجد رقم (٤٦٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁ ورواه كذلك من رواية ابن عباس ﵄ رقم (٤٦٧)
[ ١ / ٣٣٣ ]
وقد يقع المنان على الذي لا يعطي شيئا إلا منة واعتد به على من أعطاه وهو مذموم لأن المنة تفسد الصنيعة (١) وليس هذا مرادًا هنا.
وقوله: (بفضله) متحلق بيمن والفضل ضد النقص وجمعه فضول وقد فضل كنصر وعلم والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل، وفضله تفضيلًا مزاه وتفضل تمزى أو تطول كأفضل عليه (٢).
(فتفرج) أي تكشف وتنشق وتنصدع.
(أبواب) جمع باب وهو فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل.
(السماء وتفتح) تلك الأبواب لنزول المنح منها والرحمة والمغفرة وصعود العمل والدعاء وإجابته.
وفيه رد على أهل الفلسفة القائلين بأن الأفلاك لا تقبل الخرق ولا الإلتئام، والقرآن مملؤ بخلاف زعمهم الباطل ونهجهم العاطل، فلا التفات لزعمهم، ولا اشتغال بافكهم.
(يقول) الملك الجبار في نزوله إلى سماء الدنيا وتجليه (٣):
(ألا) أداة استفتاح أي للعرض والتحضيض، ومعناهما الطلب، لكن العرض طلب بلين كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وكذا هو هنا.
_________________
(١) النهابة لابن الأثير (٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦).
(٢) القاموس (٤/ ٣١) (فضل).
(٣) في إطلاق الشارح ﵀ لفظ التجلي هنا نظر فإن التجلي والرؤية، إنما تكون يوم القيامة، وفي الجنة عند رؤية المؤمنين ربهم ﵎، وأما أحاديث النزول فلم يرد فيها لفظ التجلي. واللَّه أعلم.
[ ١ / ٣٣٤ ]
تفسير لكلمة "الرزق"
(مستغفر) أي طالب غفران ذنوبه.
(يلق) مجزوم بحذف الألف في جواب الطب، وفيه ضمير يعود إلى المستغفر.
و(غافرًا) مفعول يلقى والجملة خبر المبتدأ الذي هو مستغفر.
وإلا (مستمنح) أي مستعط يقال منحه كمنعه وضربه أعطاه والاسم: المنحة بالكسر وهو اسم فاعل مبتدأ كمستغفر.
وقوله: (خيرًا) مفعول "مستمنح" (ورزقًا) معطوف عليه.
والخير معروف وجمعه خيور كالمال والخيل والكثير الخير كالخير ككيس والأنثى خيرة بهاء (١).
والرزق: ما ينتفع به المرتزق بحصوله اليه من حلال وهو ما انحلت عنه التبعات، أو حرام وهو ما منع منه شرعًا، إما لصفة في ذاته كالسميات والخمر ومذكى المجوس ونحوهم لأنه في حكم الميتة، وإما لخلل في تحصيله كالربا والغصب ونحو ذلك، فإن كل ذلك رزق لأن اللَّه تعالى يسرقه للحيوان فيتناوله ويتغذى به.
وقالت المعتزلة الحرام ليس برزق، وفسروه تارة بمملوك يأكله المالك، وتارة بما لا يمنع من الانتفاع به، وذلك لا يكون إلا حلالا، فيلزمهم على الأول أن ما تأكله الدواب ليس برزق مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فيكون مصادمًا للقرآن، لأنه يقتضى أن كل دابة مرزوقة مع عدم ملكيتها، ولا ينفعهم زعمهم أن تسمية ما يأكله الدواب رزقًا مبني على تشبهه
_________________
(١) القاموس (٢/ ٢٦) (خيرا).
[ ١ / ٣٣٥ ]
بما هو مملوك الإنسان فيأكله فيكون لفظ الرزق مجازًا عما تأكله الدواب فيلزم ألا تكون كل دابة مرزوقة على سبيل الحقيقة لأنا نقول هذا التأويل مخالفًا لظاهر القرآن وهو خلاف المتعارف في اللغة، فلا يرتكب من غير ضرورة، ثم إن تفسيرهم الرزق بذلك ليس بمطرد، ولا منعكس لدخول ملك اللَّه تعالى، وخروج رزق الدواب والعبيد والأماء، ويلزمهم أيضا على التأويلين أن من أكل الحرام طول عمره لم يرزقه اللَّه تعالى أصلًا، وهو خلاف الإجماع الحاصل بين الأمة قبل ظهور المعتزلة أن لا رازق إلا اللَّه، وإن استحق العبد الذم واللوم على كل الحرام، والإضافة إلى اللَّه تعالى معتبرة في مفهوم الرزق، وكل أحد مستوف رزق نفسه حلالًا كان أو حرامًا، ولا يتصور أن لا يأكل الإنسان رزقه أو يأكل غير رزقه، لأن ما قدره اللَّه تعالى غذاء الشخص يجب أن يأكله ويمتنع أن يأكل غيره -فعلى كل حال ما ذهب إليه أهل الاعتزال ضرب من المحال (١) واللَّه أعلم.
_________________
(١) خلاصة ما ذكره المؤلف -هنا- أن الرزق يشمل الحلال والحرام خلافًا للمعتزلة. ولابن تيمية ﵀ تفصيل نفيس ونصه -كما في الفتاوى (٨/ ٥٤١) وانظر ما بعدها: "والرزق يراد به شيئان: أحدهما بيان ما ينتفع به العبد. والثاني ما يملكه العبد: فالثاني هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهذا هو الحلال الذي ملكه اللَّه إياه. وأما الأول فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الآية وقوله -ﷺ-: "وأن نفسا" والعبد قد يأكل الحلال والحرام فهو رزق باعتبار الأول لا الثاني. اتنهى. وفي تعليق للشيخ عبد اللَّه بابطين ما لفظه: "لا ريب أن ما ذكره المؤلف ﵀ أولى بالصواب، لكن ينبغي أن يعرف أن رزق اللَّه على نوعين: أحدهما خاص وهو الرزق الحلال للمؤمنين، وهذا هو الرزق النافع الذي لا تبعة فيه كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
[ ١ / ٣٣٦ ]
تفسير لكلمة "قوم"
وجواب ألا مستمنح محذوف، دل عليه جواب ألا مستغفر تقديره "يلق ما نحا" وهو اللَّه، ولذا قال (فامنح) أي فمن كان بهذه المثابة وقام في سجف (١) الظلام وصف الأقدام وطلب المنح من الكريم الكلام، فأني أعطه ما طلب وأزيده عما فيه قد رغب.
(روى) مأخوذ من روى الحديث يرويه رواية وترواه بمعنى ذلك وهو راوية للمبالغة، وروى الحبل فتله فارتوى وروى من الماء واللبن ونحوهما بكسر الواو كرضي ريا وريا وروى وتروى وارتوا بمعنى (٢).
(ذاك): اسم الإشارة في موضع نصب مفعول روى والمشار إليه النزول المفهوم من قوله، وقل ينزل الجبار.
و(قوم): فاعل روى وهم الجماعة من الرجال والنساء معًا أو الرجال خاصة أو يدخله النساء على التبعبة كذا في القاموس (٣).
وقال في النهاية: (٤) "القوم في الأصل مصدر قام فوصف به الإنسان ثم غلب على الرجال دون النساء.
ولهذا قال النبي -ﷺ-: "إن نساني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح القوم،
_________________
(١) = وأما النوع الثاني فهو رزق عام يكون فبه قوام البدن فقط، وإن كان قد يكون فيه تبعة، وهذه هو رزق البهائم، والرزق الحرام ومنه رزق الكفار. . . إلى آخر كلامه. انظر: لوامع الأنوار (١/ ٣٤٣).
(٢) السجف: الستر (القاموس. سجف).
(٣) القاموس (٤/ ٣٣٩) (روى).
(٤) القاموس (٤/ ١٦٩ - ١٧٠) (قوم).
(٥) (٤/ ١٢٤).
[ ١ / ٣٣٧ ]
تفسير لكلمة "قبح"
ولتصفق النساء" (١) فقابلهن بهم، وسموا بذلك لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها (٢).
ثم وصف القوم الذين رووا أحاديث النزول بأنهم (لا يرد حديثهم) الذي رووه ولا يطعن في خبرهم الذي ذكروه، وذلك لثقتهم وعدالتهم وحفظهم وضبطهم.
(ألا) صدر كلامه بحرف التنبيه الدال على مضمون الكلام مما له خطر، وبه عنايه ومزيد تهديد وارتكاب ما فيه الوعيد وهو قوله: (خاب) أي خسر وحرم يقال خاب يخيب خيبة حرم وخيبه اللَّه خسر ولم ينل ما طلب وفي المثل: الهيبة خيبة، ويقال أيضًا: خاب خوبا افتقر والخوبة الجرع، وأرض لم تمطر بين ممطورتين، وأرض لا رعي بها (٣).
وقوله (قوم) فاعل خاب موصوفون بأنهم (كذبوهم) أي كذبوا أولئك القوم الذين لا يرد حديثهم أي نسبوهم إلى الكذب، وهو ضد الصدق.
و(قبحوا) أي نسبوهم إلى القبح وهو ضد الحسن وقد قبح يقبح فهو قبيح، وإذا قيل قبحه اللَّه فمعناه أبعده ومنه حديث "لا تقبحوا الوجه" (٤) أي لا تقولوا قبح اللَّه وجه فلان دكونه بمعنى الإبعاد وقيل لا تنسبوه للقبح ضد الحسن لأن اللَّه صوره وقد أحسن كل شيء خلقه (٥).
ومنه قول سيدنا عمار بن ياسر ﵁ لمن ذكر أم المؤمنين عائشة الصديقة
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه رقم (٢١٧٤) من رواية أبي هريرة ﵁.
(٢) النهاية (٤/ ١٢٤).
(٣) القاموس (١/ ٦٦) (خاب).
(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٥١، ٤٣٤) من حديث أبي هريرة.
(٥) النهاية (٣/ ٤).
[ ١ / ٣٣٨ ]
ذكر أحاديث النزول
﵂ بسوء "اسكت مقبوحًا مشقوحًا" منبوحًا (١) أي مبعدًا.
إذا علمت ذلك فاسمع الآن رواة حديث النزول فقد أخرج الإمام أحمد في المسند والترمذي وابن ماجة في سننهما عن عائشة الصديقة ﵂ عن النبي -ﷺ-: "إن اللَّه ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب" (٢).
وأخرج الإمام أحمد في المسند ومسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي -ﷺ-: "أن اللَّه تعالى يمهل حتى إذا كان ثلث الليل الأخير نزل إلى سماء الدنيا فينادي هل (من) مستغفر، هل من تائب، هل من سائل، هل من داع، حتى ينفجر الفجر" (٣).
ورواه البخاري ولفظه "ينزل ربنا ﷿ إلى السماء الدنيا".
_________________
(١) رواه الترمذي في مناقب عائشة ﵂ رقم (٣٨٨٨) وسيأتي في مناقب عائشة. انظر (٢/ ٧٢).
(٢) الحديث رواه أحمد في المسند (٦/ ٢٣٨)، والترمذي رقم (٧٣٩)، وابن ماجة رقم (١٣٨٩)، وقال الترمذي: حدبث عائشة لا نعرفه الا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعت محمد -يعني البخاري يضعف هذا الحديث. وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. انتهى. وقد ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١١٤٤) وذكر طرفه وشواهده وقال: وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب. . . " انتهى. وانظر أيضًا حول ما ورد في ليلة النصف من شعبان: رسالة "اسعاف الخلان بما ورد في ليلة النصف من شعبان" للشيخ حماد الأنصاري.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٨٣)؛ ومسلم في صحيحه (١/ ٥٢٣) صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه (١٧٢).
[ ١ / ٣٣٩ ]
وفي صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فاستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" (١).
وفي بعضها قال: "ينزل اللَّه ﷿ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فاستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر (٢).
فوصفه الرسول -ﷺ- بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ومذهب السلف إجراء ذلك على ما ورد مؤمنين به على طريق الإجمال منزهين له عن الكيفية والمثال.
وقد نقله البيهقي (٣) وغيره عن الأئمة الأربعة والسفيانين (٤)، والحمادين (٥)، والأوزاعي (٦)، والليث، وغيرهم.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣/ ٤٧٣) في التوحيد باب قول اللَّه ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ وفى التهجد (٣/ ٣٥) باب الدعاء والصلاة من آخر اليل؛ ومسلم رقم (٨٥٨)؛ ومالك في الموطأ (١/ ٢١٤)؛ والترمذي رقم (٣٤٩٨)؛ وأبو داود رقم (١٣١٥)؛ وابن ماجة رقم (١٣٦٦)؛ وأحمد في المسند (٢/ ٢٥٨، ٢٦٤، ٢٦٥، ٢٦٧، ٢٨٢، ٣٨٣، ٤١٩، ٤٣٣، ٤٨٧، ٥٠٤، ٥٠٩، ٥٢١).
(٢) رواه مسلم رقم (٧٥٩) عن أبي هريرة.
(٣) انظر الأسماء والصفات (ص ٥١٥، ٥٣٧، ٥٦٨ - ٥٦٩) والاعتقاد (١١٨)؛ والسنن الكبرى (٣/ ٢ - ٣)، وانظر فتح الباري (٣/ ٣٧، ١٣/ ٤١٧، ٤١٨).
(٤) هما سفيان الثوري وسفيان بن عيينة.
(٥) هما حماد بن زيد وحماد بن سلمة.
(٦) الأوزاعي: محمد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي أبو عمرو إمام فقيه ثقة جليل، =
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقدمنا كلام حماد بن زيد لما سئل أيتحول من مكان إلى مكان، فقال: هو على عرشه يقرب من خلقه كيف شاء (١).
قال العلامة ابن حمدان (٢) في نهاية المبتدئين: قال التميمي (٣) في اعتقاد الإمام أحمد في حديث النزول، ولا يجوز عليه الانتقال، ولا الحلول في الأمكنة (٤).
وقال ابن البناء (٥) في اعتقاد الإمام أحمد -أيضًا- ولا يقال يعني نزوله تعالى بحركة ولا انتقال (٦).
وكذا قال القاضي أبو يعلى (٧) وقد وصفه النبي -ﷺ- بالنزول إلى السماء الدنيا والعلو، لا على جهة الانتقال والحركة، كما جازت رؤيته وتجلى للجبل لا على وجه الحركة.
وكذا قال الإمام ابن عقيل (٨) ليس بنزول زوال ولا انتقال ولا كنزولنا.
_________________
(١) = مات سنة سبع وخمسين ومائة. تقريب (ص ٢٠٧).
(٢) (١/ ٣٢٤).
(٣) أحمد بن حمدان بن شبيب تقدم (١/ ١٥٣).
(٤) التميمي: عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي: محدث فقيه واعظ مشارك في علوم كثيرة، توفى سنة عشر وأربعمائة. طبقات الحنابلة رقم (٦٤١)، والمنهج الأحمد رقم (٦٣٢).
(٥) انظر: اعتقاد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) باختلاف في الرواية.
(٦) سيذكر له المصنف ترجمة وافية انظر (٢/ ١٠٧).
(٧) انظر: لوامع الأنوار للشارح (١/ ٢٥٠).
(٨) تقدم التعريف به (١/ ١٣٧).
(٩) تقدم التعريف به (١/ ٢٤٨).
[ ١ / ٣٤١ ]
نقل من كتاب "الروح لابن القيم" حول شأن الروح وأن شأنها مخالف لما هو مشاهد فكذلك صفات الله ومنها النزول
وقال القاضي أيضًا النزول صفة ذاتية فلا نقول نزوله بانتقال.
وقال سيدنا الإمام أحمد ﵁ أحاديث الصفات تمر كما جاءت من غير بحث عن معانيها وتخالف ما خطر في المخاطر عند سماعها وننفي التشبيه عن اللَّه تعالى، عند ذكرها مع تصديق النبي -ﷺ- والإيمان بها، وكل ما يعقل ويتصور فهو تكييف وتشبيه وهو محال "انتهى"
كلام ابن حمدان في نهايته (١).
وذكر الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم في كتابه "الروح": "أن للروح شأنًا آخر غير شأن البدن، قال، وهذا جبريل صلوات اللَّه وسلامه عليه رآه النبي -ﷺ- وله ستمائة جناح منها جناحان قد سد بهما ما بين المشرق والمغرب (٢) وكان يدنوا من النبي -ﷺ- حتى يضع ركبتيه إلى ركبتيه ويديه على فخذيه (٣) وما أظنك يتسع بطانك (٤) أنه كان حينئذ في الملأ الأعلى فوق السموات حيث هو بمستقره، وقد دنا من النبي -ﷺ- هذا الدنو فإن التصديق بهذا له قلوب خلقت له، وأهلت لمعرفته، ومن لم يتسع بطانه لهذا فهو ضيق أن يتسع للإيمان بالنزول الإلهي إلى
_________________
(١) انظر: لوامع الأنوار (١/ ٢٥٠) وانظر معتقد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة (٢/ ٣٠٧) مع اختلاف في الرواية.
(٢) رواه أحدد في المسند (١/ ٣٩) والبخاري في صحيحه (٦/ ٣٦٠ - ٣٦١) رقم (٣٣٣٢) وفي (٨/ ٤٧٦ - ٤٧٧) رقم (٤٨٥٦ - ٤٨٥٨)؛ ومسلم رقم (١٧٤) والنسائي في تفسيره (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٣) رواه مسلم في الإيمان من صحيحه رقم (١) عن عمر بن الخطاب ﵁.
(٤) البطان: حزام يشد على البطن، ويقال فلان عريض البطان: أي رخي البال. المعجم الوسيط (١/ ٦٢) (بطن) ومعناه يسع صدرك لمثل هذا الكلام. والمقصود المنكرين لأحاديت الصفات من الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم.
[ ١ / ٣٤٢ ]
سماء الدنيا كل ليلة، وهو فوق سماواته على عرشه ليس نوقه شيء البته، بل هو العالي على كل شيء، وعلوه من لوازم ذاته، وكذلك دنوه عشية عرفة من أهل الموقف (١).
وكذا مجيئه يوم القيامة لمحاسبة خلقه (٢) واشراق الأرض بنوره (٣).
وكذلك كلما ورد من هذا الباب فهو حق وصدق وهو فوق سمواته على عرشه" (٤).
قال العلامة الطرفي (٥) في "قواعد وجوب الاستقامة والاعتدال: والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد ﵁ أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والأتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح، وكلام السلف في هذا الباب يدل على أنبات المعنى المتنازع فيه.
_________________
(١) دنوه تعالى من أهل عرفة أخرجه مسلم في صحيحه في الحج (٤٣٦) (١٣٤٨٩) والنسائي في المناسك (٥/ ٢٠٢) وابن ماجة في المناسك رقم (٥٦) (٣٠١٤) كلهم عن عائشة ﵂.
(٢) كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
(٣) كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩].
(٤) انظر: الروح لاين القيم (ص ١٤٠ - ١٤١) وكتب هنا في هامش "ظ" لهذه المقالة قف وتأمل.
(٥) الطرفي: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الصرصري الطرفي ثم البغدادي الفقيه الأصولي المتفش نجم الدين أبو الربيع ولد سنة ٦٥٧ بطوف قرية ببغداد، قدم الشام فسكنها مدة ثم أقام بمصر مدة واشتغل في الفنون وشارك في العلوم. وكان قوي الحافظة شديد الذكاء، وكان مقتصدًا ش لباسه وأحواله متقللًا من الدنيا، توفى سنة ٧١٦ هـ. ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٦)؛ والدرر الكامنة (٢/ ٢٤٩)؛ وشذرات الذهب (٦/ ٣٩ - ٤٠).
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال الأوزاعي (١) لما سئل عن حديث النزول (يفعل ما يشاء) (٢) وحكى كلام حماد بن زيد المتقدم (٣).
وذكر كلام إسحق بن راهويه وابن المبارك وغيرهم من السلف (٤).
وقال أهل التأويل العرب تنسب الفعل إلى من أمر به كما تنسبه إلى من فعله وباشره بنفسه كما يقولون: كتب الأمير إلى فلان وقطع يد اللص وضربه وهو لم يباشر شيئًا من ذلك بنفسه ولهذا احتيج للتأكيد فيقولون جاء زيد نفسه، وفعل كذا بنفسه وتقول العرب: أنت ضربت زيدًا لمن لم يضربه ولم يأمر بضربه، إذا كان قد رضى بذلك، قال تعالى: ﴿. . فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] والمخاطبون بهذا لم كقتلوهم، لكنهم لما رضوا بذلك ووالوا القتلة نسب الفعل إليهم، والمعنى هنا -أن اللَّه تعالى يأمر ملكا بالنزول إلى السماء الدنيا فينادي بأمره تعالى.
وقال بعضهم: إن قوله ينزل راجع إلى فعله، لا إلى ذاته المقدسة، فإن النزول كما يكون في الذوات يكون في المعانى والحاصل أن تأويله على وجهين، إما بأن المراد بنزل أمره، أو الملك بأمره، وإما أنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين، والإجابة لهم ونحو ذلك كما يقال، نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري بعد مباعدته وأمكنه منها بعد منعه، والمعنى هنا أن العبد في هذا الوقت أقرب إلى رحمة اللَّه منه في غيره من الأوقات، وأنه تعالى يقبل عليهم بالتحنن والعطف في هذا الوقت بما
_________________
(١) تقدم (١/ ٣٤٠).
(٢) انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية (٤١ - ٤٢)؛ وفتح الباري (٣/ ٣٧) (١٣/ ٤١٧ - ٤١٨).
(٣) (١/ ٣٢٤).
(٤) انظر: أقاويل الثقات (ص ٢٠٠)، ولوامع الأنوار (١/ ٢٤٣).
[ ١ / ٣٤٤ ]
يلقيه في قلوبهم من التنبيه والتذكر الباعثين لهم على الطاعة.
وقد حكى ابن فورك (١) أن بعض المشايخ ضبط رواية البخاري بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكًا (٢).
ويقويه ما روى النسائي وغيره عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه ﷿ يمهل حتى يمضى شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا يقول هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى" (٣).
_________________
(١) تقدم التعريف له (١/ ١٨٥).
(٢) في تأويل مشكل الحديث لابن فررك (ص ١٠٠)، ونقله في الفتح (٣/ ٣٧).
(٣) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٤٨٢) من طريق إبراهيم بن يعقوب عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن الأعمش عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي مسلم الأغر، قال: سمعت أبا هريرة، وأبا سعيد يقولان. . . وذكر الحديث. قال الشيخ شعيب الأرناؤط في تخريجه لهذا الحديث في أقاويل الثقات (ص ٢٠٥): "ورجال هذا السند ثقات رجال الشيخين خلا إبراهيم بن يعقوب وهو ثقة حافظ إلا أنه منكر بهذا السياق ويغلب على الظن أن الخطأ فيه جاء من حفص بن غياث فإنه قد تغير حفظه قليلا بآخره (كما في التقريب) وخالفه غير واحد من الثقات مثل شعبة بن الحجاج ومنصور بن المعتمر، وفضيل بن غزوان الكوفي، ومعمر راشد فرووه بلفظ، "إن اللَّه عز رجل يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر، قال: وقد فصل القول الشيخ ناصر الألباني في توهية رواية حفص بن غياث وتخريج رواية الذين خالفوه "في ضعيفته" برقم (٣٨٩٧) انتهى. قلت: وقال الألباني في تخريج أصل الحديث في (الإرواء رقم ٤٥٠) رواه النسائي بلفظ منكر ليس فيه ذكر النزول، ولا نسبة للقول المذكور إلى اللَّه تعالى، كما بينه في الضعيفة رقم (٣٨٩٧).
[ ١ / ٣٤٥ ]
تعقيب من المحقق على أهل التأويل ونقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب عن تأويلهم
قال القرطبي: صححه أبو محمد عبد الحق (١) قال: وهذا يدفع الإشكال ويزيل كل احتمال، والسنة يفسر بعضها بعضا وكذلك الآيات قال: ولا سبيل إلى حمله على صفات الذات المقدسة فإن الحديث فيه التصريح بتجدد النزول واختصاصه ببعض الأوقات والساعات وصفات الرب يجب اتصافها بالقدم وتنزيهها عن الحدوث والتجدد بالزمان وقد قيل كلما لم يكن فكان أو لم يثبت فثبت من أوصافه تعالى فهو من قبيل صفة الأفعال.
فعلى هذا النزول والاستواء من صفات الأفعال (٢) -واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) عبد الحق: تقدم (١/ ٢٤٣). وانظر التذكرة للقرطبي (١/ ٣٢٨).
(٢) أشار الحافظ في الفتح (٣/ ٣٧) إلى هذه التأويلات باختصار، وذكرها مرعي بن يوسف الكرمي في أقاويل الثقات (ص ٢٠٣ - ٢٠٥) والشارح في لوامع الأنوار (١/ ٢٤٨ - ٢٤٩). قلت: ولا يخفى ما في هذه التأويلات من البعد مع مصادمتها للنصوص الصريحة والأخبار الواضحة في نزول الرب ﵎، والتي لا تقبل التأويل. قال ابن تيمية ﵀ في شرح حديث النزول ما ملخصه: "نزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا في كل لية استفاضت به السنة عن النبي -ﷺ- واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول والنبي -ﷺ- قال ذلك علانية وبلغه الأمة تبليغًا عامًا لم يخص به أحد دون أحد، وكانت الصحابة والتابعون تذكره وتأثره وتبلغه وترويه في المجالس الخاصة والعامة وهو في جميع كتب أهل الإسلام كصحيحي البخاري ومسلم وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد وسنن أبي داود، وأمثال ذلك من كتب المسلمين. . . إلى أن قال: فإن قلت الذي ينزل ملك قبل هذا باطل من وجوه: منها أن الملائكة. لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض -وذكر أحاديث متضمنة لذلك. ثم قال الوجه الثاني أنه قال: "من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، وهذه العبارة لا يجوز أن يقولها ملك غير اللَّه، فالملك إذا نادى عن اللَّه لا يتكلم بصيغة المخاطب، بل يقول =
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقد علم مذهب السلف، وأنه الإيمان بما ورد من غير تكييف ولا حد -واللَّه الموفق (١).
_________________
(١) =: إن اللَّه أمر بكذا وقال كذا. . . إلى أن قال: ولا يمكن أن يقول الملك بـ "لا أسأل عن عبادي غيري". كما رواه النسائي وابن ماجة وغيرهما وسنده صحيح. وأما الحديث الذي احتجوا به "ثم يأمر مناديا. . . إلخ فقال إن كان هذا ثابتًا عن النبي -ﷺ- فإن الرب يقول ذلك ويأمر مناديًا بذلك لا أن المنادي يقول من يدعوني فأستجيب له، ومن روى عن النبي -ﷺ- أن المنادي يقول ذلك فقد علمنا أنه يكذب على رسول اللَّه -ﷺ- فإنه مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفًا عن سلف فاسد في المعقول. يعلم أنه من كذب بعض المبتدعين كما روى بعضهم (ينزل) بالضم) وكما قرأ بعضهم ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ونحو ذلك من تحريفهما للفظ والمعنى. انتهى. انظر شرح حديث النزول (٥، ٣٥، ٣٧، ٤٦)، وانظر تعليق الشيخ عبد اللَّه بابطين في حاشية لوامع الأنوار للشارح (١/ ٢٤٨ - ٢٥٠) وانظر هذه التأويلات والجواب عنها في "أبطال التأويلات لأخبار الصفات" لأبي يعلى (١/ ٢٦٢) وما بعدها. وقال ابن القيم في تعليقه على سنن أبي داود: "فإن قيل كيف تصنعون بما رواه النسائي -وساق رواية النسائي هذه؟ قلنا: وأي منافاة بين هذا وبين قوله "ينزل ربنا فيقول" وهل يسوغ أن يقال إن المنادي يقول: أنا الملك" ويقول: "لا أسأل عن عبادي غيري" ويقول: "من يستغفرني فأغفر له؟ " وأي بعد في أن يأمر مناديًا ينادي" هل من سائل فيستجاب له"، ثم يقول هو سبحانه: "من يسألني فاستجب له؟ " وهل هذا إلا أبلغ في الكرم والإحسان: أن يأمر مناديه يقول: ذلك ويقوله سبحانه بنفسه؟ وتتصادق الروايات كلها عن رسول اللَّه -ﷺ-، ولا نصدق بعضها ونكذب ما هو أصح منه وباللَّه التوفيق. تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٧/ ١٢٦ - ١٢٧).
(٢) كتب هنا في هامش "ظ" بلغ مقابلة.
[ ١ / ٣٤٧ ]
مطلب في الإستواء
الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الإستواء
مطلب في الاستواء وأنه من جملة الصفات الواجب على كل فرد اعتقادها (١)
تنبيه:
لم يذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- مسألة الاستواء مع أنها من أعظم مسائل المعترك بين أهل السنة وأهل البدع، بل وبين علماء السلف وعلماء الخلف ممن ينتسب إلى المذاهب الأربعة وغيرها من أهل الحق.
ولكنه أشار بالتجلي وبالنزول وبقوله فيما يأتي فكلهم يعصي وذو العرش يصفح إلى ما يعلم منه ذلك، ونحن نبرهن عليها على حسب ما يعتقده السلف ونشير إلى ما يذهب إليه الخلف فنقول: قد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن اللَّه ﷿ مستو على عرشه، بائن من خلقه استواء يليق بذاته من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطل، قال تعالى في محكم كتابه العزيز ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة: ٤].
قال الإمام المحقق ابن القيم (٢) في كتابه "الجيوش الإسلامية" بعد ذكره هذه الآيات إلى العزيز الرحيم: "تأمل ما في هذه الآيات من الرد على طوائف المعطلين والمشركين فنقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم، وأنه لم يزل وأن اللَّه تعالى لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جمله لازمًا لذاته أزلًا وأبدًا غير مخلوق كما هو قول
_________________
(١) هذا العنوان انفردت به "ظ".
(٢) تقدم التعريف به (١/ ١٦١).
[ ١ / ٣٤٨ ]
ابن سينا (١)، والنصير الطوسي (٢) وأتباعهما من الملاحدة الجاحدين لما اتفقت عليه الرسل والكتب وشهدت به العقول والفطر، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الجهمية ومن نحا نحوهم القائلين ليس على العرش سوى العدم وإن اللَّه ﵎ ليس مستويًا على عرشه، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسوله محمد -ﷺ- إليه ولا تعرج الملائكة والروح إليه" (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه-: "وهذا كتاب اللَّه من أوله إلى آخره، وسنة رسوله -ﷺ- وعامة كلام الصحابة والتابعين وكلام سائر الأئمة مملؤ بما هو نص أو ظاهر في أن اللَّه سبحانه فوق كل شيء، وأنه فوق عرشه مستو عليه استواء يليق بذاته المقدسة كما في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وهذا مذكور في سبع آيات من القرآن (٤).
فمذهب السلف: الإيمان بذلك جريًا على عادتهم من عدم الخوض في المتشابه
_________________
(١) ابن سينا: الحسين بن عبد اللَّه بن الحسن بن علي بن سيناء البلخي، ثم البخاري فيلسوف طبيب شاعر، ولد بخرميش من قرى بخاري سنة ٣٧٠، وتوفى سنة ٤٢٨ بهمذان. معجم المؤلفين (٤/ ٢٠).
(٢) هو: محمد بن محمد بن الحسن أبو جعفر نصير الدين الطوسي، فيلسوف عالم بالفلك والرياضيات والعلوم العقلية، توفى سنة ٦٧٢. الأعلام (٧/ ٣٠).
(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٩٥).
(٤) انظر الفتوى الحموية الكبرى (٥/ ١٢ - ١٣) من مجموع الفتاوى.
[ ١ / ٣٤٩ ]
نقل كلام السلف في الإستواء
مع تفويض علمه إلى اللَّه تعالى (١).
فقد روى اللالكائي (٢) الحافظ في كتابه "السنة" (٣) من طريق قرة بن خالد عن الحسن البصري عن أمه عن أم المؤمنين أم سلمة ﵄ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قالت: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة والبحث عنه كفر" (٤).
_________________
(١) في كلام الشارح هذا اجمال، يحتاج إلى بيان وتوضيح فأقول: ذهب بعض الناس إلى أن آيات وأحاديث الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا اللَّه وأن السلف ﵏ لم يفهموا معانيها، وما تدل عليه وأنهم فوضوا العلم في ذلك إلى اللَّه. وهذا مذهب غير صحيح، فإن اللَّه أوضح في كتابه من أسمائه وصفاته أوضح بيان وكذلك رسوله المصطفى ﵊ بينها أكمل بيان وقد فهمها السلف، وآمنوا بها وصدقوا بها وأثبتوها للَّه على الوجه اللائق له ﷾، وإنما نفوا علم الكيفية والصفة فهذا هو الذي لا يعلمه إلا اللَّه. كما أجاب الإمام مالك إمام دار الهجرة ﵀ لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على الذاهبين إلى هذا المذهب ردًا قويًا في رسالته "إلإكليل في المتشابه والتأويل" (١٣/ ٢٩٤ - ٣٠٥) من مجموع الفتاوى. وانظر: القواعد المثلى للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ٣٤ - ٣٥). وفتاوى وتنبيهات للشيخ عبد العزيز بن باز حفظه اللَّه (ص ١٨٧) وما بعدها. وتعليق الشيخ عبد اللَّه بابطين، والشيخ ابن سحمان في حاشية "لوامع الأنوار" للمصنف (١/ ٩٣ - ٩٩، ٢٢٠).
(٢) اللالكائي: تقدم (١/ ٢٧١).
(٣) طبع بتحقيق الدكتور أحمد سعد حمدان في أربعة مجلدات.
(٤) الأثر عن أم سلمة ﵂، أخرجه اللالكائي في شرح السنة (١/ ٣٩٧)؛ وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف رقم (٢٣)؛ وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم (٨٢) وعنه الذهبي في العلو (ص ٦٥)؛ وذكره السيوطي في الإتقان (٣/ ١٣)، ومرعي بن =
[ ١ / ٣٥٠ ]
وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي.
وفي لفظ آخر قالت: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
وروي أيضًا عن ربيعة (١) بن أبي عبد الرحسن شيخ الإمام مالك -المشهور بربيعة الرأي أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن اللَّه الرسالة وعلى الرسول
_________________
(١) = يوسف في أقاويل الثقات (٦٠) والشارح في لوامع الأنوار (١/ ١٩٩)، قال الذهبي: "هذا القول محفوظ عن جماعة كربيعة الرأي، ومالك الإمام، وأبي جعفر الترمذي فأما عن أم سلمة فلا يصح لأن أبا كنانة ليس بثقة وأبو عمير لا أعرفه. وقال ابن تيمية في الفتاوى (٥/ ٣٦٥) بعد ذكر قول الإمام مالك في الاستواء: وقد روى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه. وقال الذهبي في العلو: (١٠٤) وفي مختصره (ص ١٤١): هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به لا نتعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا، ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أنه ﷿ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله -سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
(٢) في النسختين ربيعة بن عبد الرحمن وما اثبتنا من صادر ترجمته فهو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي مولاهم أبو عثمان، ويقال أبو عبد الرحمن المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ إمام فقيه مشهور كان من أئمة الاجتهاد، توفى سنة سته وثلاثين ومائة. تهذيب الكمال (٩/ ١٢٣)؛ وسير أعلام النبلاء (٦/ ٨٩)؛ وتقريب التهذيب (ص ١٠٢).
[ ١ / ٣٥١ ]
البلاغ، وعلينا التصديق (١).
وروي عن الإمام مالك ﵁ أنه سئل عن الآية فقال الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال للسائل: أراك رجل سوء (٢).
وسئل الشعبي (٣) عن الاستواء، فقال: هذا من متشابه القرآن نؤمن به ولا نتعرض لمعناه (٤).
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح السنة رقم (٦٦٥) والعجلي في معرفة الثقات (١/ ٣٥٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥١٦)، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم (٩٠)؛ والذهبي في الحلو (٩٨) مختصره (١٣٢)؛ وذكره ابن تيمية في الحموية (١١١ - ١١٢) وفي درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨، ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣٣). وقال ابن تيمية رواه الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات. الحموية (ص ١١١) ضمن لنفائس.
(٢) رواه اللالكائي في السنة رقم (٦٦٤)؛ وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف رقم (٢٥)؛ وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)؛ والدارمي في الرد على الجهمية (ص ٥٥ - ٥٦)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (٥١٥ - ٥١٦) من طريقين، وابن قدامة في إثبات صفة العلو رقم (١١٩) وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٨، ١٥١) وذكره ابن تيمية في الحموية (١١٢)؛ وابن القيم في الجيوش الإسلامية (ص ١٤١) والذهبي في العلو -مختصره- (ص ١٤١). قال الذهبي: هذا ثابت عن الإمام مالك. وانظر: فتح الباري (١٣/ ٤١٧ - ٤١٨)، وأقاويل الثقات (١٢٠ - ١٢١)؛ ولوامع الأنوار للشارح (١/ ١٩٩).
(٣) الشعبي تقدم (١/ ١٥٥).
(٤) ذكره مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٢١) وصدره بقوله: "ويروى" عن الشعبي. وقد ذكره الشارح في لوامع الأنوار (١/ ١٩٩) قلت: ومراد الشعبي بالمتشابه، =
[ ١ / ٣٥٢ ]
وسئل الإمام الشافعي (١) عن ذلك فقال: آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك، وأمسكت عن الحوض غاية الإمساك (٢).
وسئل الإمام أحمد عن ذلك فأجاب بقوله: استوى كما ذكر لا كما يخطر للبشر (٣).
وقال الخلال (٤) في كتاب السنة، أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل (٥) أخبرني أبي حنبل (٦) بن إسحق قال: قال عمي -يعني الإمام أحمد بن حنبل ﵁-: "نحن نؤمن أن اللَّه على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدود ولا صفة بيلغها واصف، أو يحده حاد، وصفات اللَّه تعالى له ومنه وهو كما وصف نفسه
_________________
(١) = هو علم الكيفية، والصفة فهذا هو الذي نؤمن به ولا نعرفه، لا معنى الاستواء، فإن الاستواء معلوم، لكن الكيف مجهول كما هو جواب الإمام مالك ﵀ المشهور، وجواب الإمام الشافعي وأحمد -رحمهما اللَّه- بعده يؤيد ذلك ويوضحه.
(٢) الشافعي: تقدم (١/ ١٧٤).
(٣) ذكره مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٢١)؛ وذكره الشارح في لوامع الأنوار (١/ ٢٠٠).
(٤) أقاويل الثقات (١٢١).
(٥) تقدم التعريف به (١/ ١٠٧).
(٦) عبيد اللَّه بن حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني حدث عن أبيه، وروى عنه الخلال وسماه بعضهم عبد اللَّه كما في تاريخ بغداد. انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤٥٠) ولم أجد له ترجمة في غيره من المصادر.
(٧) حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني أبو علي ابن عم أحمد بن حنبل، ولد سنة ١٩٣ هـ، وسمع ابن عمه أحمد بن حنبل، والفضل بن دكين، وعفان بن مسلم، وغيرهم، وكان عالمًا بالفقه والحديث والتاريخ. قال الخطيب: كان ثقة ثبتا، توفى سنة ٢٧٣ بواسط. تاريخ بغداد (٨/ ٢٨٦)؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/ ١٤٣ - ١٤٥).
[ ١ / ٣٥٣ ]
نقل من كلام الإمام أحمد في الصفات
لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب (١).
قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى (٢) أن حنبلًا حدثهم، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تروى أن اللَّه سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا وأن اللَّه يرى وأن اللَّه يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث؟.
فقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها ونصدق بها، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على اللَّه قوله، ولا نصفه بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد، ولا غاية:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣).
وقال حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد: "ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه قد أجمل اللَّه الصفة لنفسه فعد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه بما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت، وما وصف
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٩ - ٣٠)؛ وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣٠)؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١١).
(٢) علي بن عيسى، لم أجد له ترجمة.
(٣) انظر درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٠ - ٣١)؛ وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣١)؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢١١ - ٢١٢)؛ ولمعة الاعتقاد (ص ٩). واعتقاد الإمام أحمد رواية التميمي: في طبقات الحنابلة (٢/ ٣٠٧).
[ ١ / ٣٥٤ ]
به نفسه من كلام ونزول "وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنَفَه عليه" (١).
فهذا كله يدل على أن اللَّه تعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم فيه بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلمًا، عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه، لا تدفع ولا ترد وهو على العرش، بلا حد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة إليه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهو خالق كل شيء وهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير لا نتعدى القرآن ولا الحديث، تعالى اللَّه عما تقول الجهمية والمشبهة.
قلت له: والمشبهة ما تقول؟ قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي فقد شبه اللَّه بخلقه.
وكلام الإمام ﵁ في هذا كثير، فإنه أُمتحن بالجهمية وجميع المتقدمين من أصحابه على مثل منهاجه في ذلك، وغن كان بعض المتأخرين منهم
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه (١٣/ ٤٨٣) رقم (٧٥١٤) "أن رجلا سأل ابن عمر ﵄: كيف سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول في النجوى؟ قال: يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنَفَه عليه فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم". وقوله في الحديث: "حتى يضع كنَفَه عليه" جاء الكَنَفُ مفسرًا في الحديث بأنه الستر والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له لئلا يفتضح أمامهم فيخزى لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكرب والشدة. انظر شرح الحديث في "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد اللَّه الغنيمان (٢/ ٤٢٢) وما بعدها.
[ ١ / ٣٥٥ ]
نقل من كلام الإمام أبي حنيفة في إثبات العلو
يدخل في نوع مما أنكره الإمام أحمد على أهل البدع، لكن الرعيل الأول من أصحابه وجميع أئمة أهل الحديث قولهم كقوله (١).
وقال أبو مطيع الحكم بن عبد اللَّه (٢) البلخي صاحب الفقه الأكبر سألت أبا حنيفة ﵁ عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال قد كفر لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وعرشه فوق سماواته، فقلت إنه يقول: أقول على العرش استوى، ولكن قال: لا أدري العرش في السماء أو في الأرض فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر (٣).
قال الإمام الحافظ الذهبي (٤) في كتابه "العرش" (٥) روى
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣١ - ٣٣)؛ وبيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣١ - ٤٣٢)، واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١٢ - ٢١٣).
(٢) الحكم بن عبد اللَّه أبو مطيع البلخي الفقيه صاحب أبي حنيفة، كان بصيرًا بالرأي علامة كبير الشأن، وكان ابن المبارك يعظمه ويجله لدينه وعلمه ولي قضاء بلخ، ومات سنة تسع وتسعين ومائة. ميزان الاعتدال (١/ ٥٧٤)؛ والجواهو المضية (٤/ ٨٧)؛ والطبقات السنية (٣/ ١٧٨).
(٣) انظر: الفقه الأكبر بشرح الماتريدي (ص ٢٥) والحموية الكبرى (١١٦ - ١١٧) ضمن النفائس؛ واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣٩)، والعلو للذهبي (١٠١) مختصره (١٣٦)؛ وشرح العقيدة الطحاوية (٣٢٢ - ٣٢٣).
(٤) الإمام الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز شمس الدين أبو عبد اللَّه الذهبي الإمام الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين وصاحب التصانيف المفيدة منها: كتابه الكبير "تاريخ الإسلام" في واحد وعشرين مجلدًا - طبع منه بعض الأجزاء، وسير أعلام النبلاء طبع في ثلاثة وعشرين مجلدا، وتذكرة الحفاظ، والعبر؛ وغيرها كثير، توفى ﵀ سنة ٧٤٨. البداية (١٤/ ٢٢٥)، الوافي (٢/ ١٦٣)؛ وطبقات الشافعية (٩/ ١٠٠).
(٥) طبع باسم "العلو للعلي الغفار" وقد اختصره الشيخ ناصر الألباني وخرج أحاديثه وطبع في المكتب الإسلامي.
[ ١ / ٣٥٦ ]
سياق الأحاديث الدالة على الإستواء
ذلك صاحب "الفاروق" (١) بإسناد عن أبي بكر نصير بن يحيى عن الحكم. سمعت (٢) الإمام القاضي تاج الدين عبد الخالق بن علوان (٣) قال: سمعت الإمام أبا محمد عبد اللَّه بن أحمد المقدسي يعني موفق الدين ابن قدامة (٤) مؤلف المغني والمقنع وغيرهما -يقول: "بلغني عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: "من أنكر أن اللَّه تعالى في السماء فقد كفر" (٥).
وأما الأحاديث فمنها قصة المعراج فهي متواترة، ونجاوز النبي -ﷺ- السموات سماء سماء حتى انتهى إلى محل سمع فيه صريف الأقلام فقربه ربه وأدناه وفرض عليه خمسين صلاة، وتردد بين اللَّه ﷿ وبين موسى ﵇ فسأله موسى ﵇ كم فرض عليك فيخبره فيقول ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عن أمتك فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف فيحط عنه خمسا إلى أن استقرت الخمس
_________________
(١) هو: شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري -عبد اللَّه بن محمد- المتوفى سنة ٤٨١ هـ.
(٢) القائل هو الإمام الذهبي في كتابه العلو (ص ١٠١ - ١٠٢).
(٣) عبد الخالق بن عبد السلام بن سعيد بن علوان القاضي الإمام تاج الدين أبو محمد المعري ثم البعلبكي الشافعي الأديب، ولي قضاء بلده مدة وكان خيرًا صالحًا متواضعًا زاهدًا حسن الاعتقاد، له نظم ونثر. قال الذهبي: "أكثرت عنه ونعم الشيخ كان". توفى سنة ست وتسعين وستمائة. معجم الشيوخ للذهبي (١/ ٣٥١ - ٣٥٢).
(٤) ابن قدامة: تقدم (١/ ٢١١).
(٥) ذكره ابن قدامة في كتابه إثبات صفات العلو (ص ١١٦ - ١١٧)، ورواه عنه الذهبي في العلو (١٠١، ١٠٢) مختصره (١٣٧).
[ ١ / ٣٥٧ ]
سياق مذهب السلف في إثبات الإستواء
فأمره موسى بالرجوع ليخفف منها -أيضًا- فقال -ﷺ- قد استحييت من مراجحة ربي، ولكن أمضى وأتوكل فسمع النداء من العلي الأعلى، قد شفعت نبي وخففت عن عبادي وأمضيت فريضتي لا يبدل القول لدي، هن خمس وهي خمسون الحسنة بعشرة أمثالها (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لما خلق اللَّه الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" (٢).
وفي لفظ كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده (إن رحمتي تغلب غضبي) والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا.
فمذهب السلف إثبات صفة الإستواء بلا كيف.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري رقم (٣٢٠٧، ٣٣٩٣، ٣٤٣٠، ٣٨٨٧، ٧٥١٧) (فتح الباري)، ومسلم رقم (١٦٤) (٦٢) في الإيمان والنسائي (١/ ١٧٨) في الصلاة باب فرض الصلاة. وانظر: جامع الأصول (١١/ ٢٩٢) وما بعدها، وتفسير ابن كثير (٥/ ١٠٧) وما بعدها في أول تفسير سورة الإسراء.
(٢) رواه البخاري (٦/ ٣٣١) فتح، ومسلم (٤/ ٢١٠٧)؛ وأحمد (٢/ ٢٥٨ - ٢٦٠، ٣٥٨، ٣١٣، ٣٨١) وابن جزيمة في التوحيد (ص ٨)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧٠)، والدارقطني في الصفات رقم (١٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٥٢٥ - ٥٢٥)؛ وقد وقع في النسخة "ظ" اضطراب في نص الحديث والمثبت من الأصل.
[ ١ / ٣٥٨ ]
قال الإمام القرطبي (١)، وابن أبي زيد (٢)، والقاضي عبد الوهاب (٣)، من المالكية، وجماعات من شيوخ أهل الحديث والفقه والإمام ابن عبد البر (٤)، (والقاضي أبو بكر) (٥) (ابن العربي) (٦)، وابن فورك (٧)، أنه سبحانه مستو على
_________________
(١) القرطبي: تقدم (١/ ٣٠١). والظاهر أن الكلام الآتي هو للقرطبي نفسه يذكر رأى هؤلاء العلماء كما ذكر ذلك في كتابه "الأسني في شرح أسماء اللَّه الحسنى"، ونقله عنه مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٣٠) ومحمد المغراوي في كتابه "المفسرون بين التأويل والإثبات" (١/ ٣٠٦) قال وهو يذكر اختلاف الناس في الاستواء: القول الثامن عشر: قول الطبري وابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه. . . إلخ وسير بنا رأى القرطبي في الاستواء بعد قليل.
(٢) هو محمد اللَّه بن أبي زيد عبد الرحمن القيرواني أبو محمد، ولد سنة ٣١٠ شيخ المالكية بالمغرب، كان إمامًا بارعًا في العلوم واسع الثقافة والإطلاع متبعًا طريق السلف الصالح، قال عنه القاضي عياض: حاز رياسة الدنيا والدين، وكان يسمى مالكًا الصغير عني بمذهب مالك فلخصه ونشره وملأ البلاد بتآليفه العظيمة الفائدة. ذكر القاضي عياض له ما يقارب ثلاثين مؤلفًا ثم قال: وكل تواليفه مفيده، غزيرة العلم، ترفى ﵀ سنة ٣٨٦ هـ بالقيروان. ترتيب المدارك (٦/ ٢١٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠)؛ ومقدمة رسالة ابن ابي زيد القيرواني. طبع الجامعة الإسلامية.
(٣) هو: عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد التغلبي العراقى القاضي، الفقيه المالكي أبو محمد كان فقيهًا متادبًا شاعرًا، توفى بمصر سنة ٤٢٢ هـ. تاريخ بغداد (١١/ ٣١ - ٣٢)؛ وترتيب المدارك (٧/ ٢٢٠)؛ وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٢٩).
(٤) ابن عبد البر تقدم (١/ ١١٩).
(٥) ما بين القوسين سقط من "ظ".
(٦) في "ظ" (وابن العزيز) والمثبت من الأصل ومن أقاويل الثقات (ص ١٣٠) ومن لوامع الأنوار (١/ ٣٠٢).
(٧) تقدم (١/ ١٨٥).
[ ١ / ٣٥٩ ]
العرش (١) بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه.
قال القاضي أبو بكر وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكين ولا مماسة (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -روح اللَّه روحه- "هو سبحانه مستو على عرشه على الوجه الذي يستحقه سبحانه من الصفات اللائقة به تعالى. . قال فإن قال قائل لو كان فوق العرش للزم إما (٣) أن يكون أكبر من العرش أو أصفر أو مساويا وذلك كله محال ونحو ذلك من الكلام.
فهذا لم يفهم من كون اللَّه على العرش إلا ما يثبت للأجسام وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، وأما استواء يليق بجلال اللَّه ويختص به فلا يلزم به شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها، كما يلزم سائر الأجسام وحال هذا مثل قول القائل إذا كان للعالم
_________________
(١) في "ظ" (على عرشه).
(٢) قلت الظاهر من كلام المصنف هنا أن هذا الكلام هو للقاضي أبي بكر ابن العربي. ويظهر لي أن المراد بأبي بكر هنا أبو بكر الباقلاني وويده أن القرطبي حينما نقل هذا الكلام في كتابه الأسنى -كما في كتاب "المفسرون دين الإثبات والتأويل- (١/ ٣٠٧). قال: "قلت وهذا قول القاضي أبي بكر في كتاب "تمهيد الأوائل له". قلت: وكتاب التمهيد هو لأبي بكر الباقلاني كما هو معروف، وهو من أشهر كتبه. وقد نقل منه ابن تيمية في الحموية (ص ١٥٣)، وابن القيم في اجتماع الحيوش الإسلامية (ص ٢٩٩ - ٣٠١)؛ والذهبي في العلو (ص ١٧٤) ما يوافق هذا الكلام. وقد راجعت كتاب التمهيد المطبوع للباقلاني فلم أجد النص فيه، لكن ذكر الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ في كتابه "الصفات الألهية بين السلف والخلف" (ص ٥٩) أن كتاب التمهيد الذي طبع في القاهرة ناقص وأن الكلام الذي نقله منه ابن تيمية وابن القيم في اثبات الاستواء موجود في نسخه الخطة.
(٣) ليست في "ظ".
[ ١ / ٣٦٠ ]
سياق مذهب الخلف في الإستواء والجواب عنهم
صانع فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا وكلاهما محال إذا لا يعقل موجود إلا كذلك" (١) وقدمنا كلامه فيما مر. . . (٢).
وأما مذهب الخلف فحملوا قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] على عدة محامل أشهرها عندهم بمعنى استولى (٣) فالاستواء (٤) هو القهر والغلبة، ومعناه الرحمن غلب العرش وقهره، يقال: استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها وقهرهم.
قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق (٥)
ورد بوجهين: أحدهما: أنه تعالى استولى على الكونين، والجنة والنار وأهلها، فأي فائدة في تخصيص العرش بالذكر ولا يكفي في الجواب أنه تعالى حيث قهر العرش على عظمته واتساعه فغيره أولى لأن الأنسب في مقام التمدح بالعظمة التعميم بالذكر لقهره الأكوان الكلية بأسرها ومن جملتها العرش.
_________________
(١) انظر: الفتوى الحموية؛ الكبرى (ص ١٠٢ - ١٠٣).
(٢) انظر (١/ ٣٤٩).
(٣) سيورد المؤلف الرد على من حصله على ذلك. وانظر: جواب ابن تيمية ﵀ على ذلك في الفتاوى (٥/ ١٤٤) وما بعدها؛ وجواب ابن القيم عنه في مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦ - ١٥٢). وانظر أيضًا "شرح كتاب التوحيد في صحيح البخاري" للشيخ عبد اللَّه الغنيمان (١/ ٣٥٥) وما بعدها.
(٤) كذا في الأصل وفي هامش "ظ" لعله فالاستيلاء.
(٥) البيت ينسب للأخطل النصراني ولم أجده في ديوانه، وقال ابن تيمية ﵀: "ولم يثبت نقل أنه شعر عربي وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة". =
[ ١ / ٣٦١ ]
ثانيهما: أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة واللَّه تعالى منزه عن ذلك (١).
وقد سئل الخليل بن أحمد (٢) إمام أهل اللغة والنحو، هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا مما لا تعرفه العرب، ولا هو جار في لغتها وكان السائل له في ذلك بشر المريسي (٣).
وأخرج اللالكائي في السنة عن ابن الأعرابي (٤) أنه سئل عن معنى استوى، فقال: هو على عرشه كما أخبر، فقيل له: يا أَبا عبد اللَّه معناه استولى، قال:
_________________
(١) = ثم أبطله من عدة وجوه. وقال ابن كثير: "والجهمية تستدل على الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيت الأخطل: قد استوى بشر. وليس فيه دليل، فإن هذا استدلال باطل من وجوه كثيرة. قلت: وقد أبطله ابن القيم ﵀ بأكثر من أربعين وجهًا. انظر: الفتاوى (٥/ ١٤٦)؛ والبداية (٩/ ٧)؛ ومختصر الصواعق (٢/ ١٢٦، ١٥٢).
(٢) انظر: أقاويل الثقات (ص ١٢٤)؛ والإتقان (٣/ ١٤).
(٣) الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري أبو عبد الرحمن أحد الأعلام وإمام العربية في زمانه، كان رأسًا في لسان العرب، دينًا ورعًا قانعًا متواضعًا كبير الشأن أول من أنشأ علم العروض وله كتاب الحسين في اللغة، ولد سنة ١٠٠ ومات سنة بضع وستين ومائة وقيل بقي إلى سنة ١٧٠. سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢٩)؛ ونزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص ٤٥)، طبقات النحويين واللغوين (ص ٤٧).
(٤) النص في أقاويل الثقات (ص ١٢٤)؛ وانظر: مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٦).
(٥) ابن الأعرابي: محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي الكوفي أبو عبد اللَّه لغوي نحوي راوية لأشعار العرب نسابة ولد بالكوفة وسمع من المفضل الضبي الدواوين وأخذ عن الكسائي وابن السكيت وثعلب وغيرهم وأخذ عنه الأصمعي، توفى سنة ٣٣١ هـ. طبقات النحويين (١٩٥) ونزهة الألباء (١٥٠) ومعجم المؤلفين (١٠/ ١١).
[ ١ / ٣٦٢ ]
اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا إذا كان له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل استولى" (١).
وفي رواية أخرى: واللَّه تعالى لا مضاد له، فهو على عرشه كما أخبر (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس اللَّه روحه-: "والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن اللَّه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله فكما أنه موصوف بالعلم والبصر والقدرة، ولا يثبت لذلك خصائص الأعراض التي للمخلوقين، فكذلك هو فوق عرشه، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقيه (المخلوق) (٣) على المخلوق تعالى اللَّه عن ذلك" انتهى (٤).
وقال القرطبي: "أظهر الأقوال -وإن كنت لا أقول به ولا اختاره- ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أن اللَّه سبحانه على عرشه كما أخبر في كتابه
_________________
(١) أخرجه اللآلكائي في السنة (٣/ ٣٩٩) رقم (٦٦٦)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤)؛ ورواه الهروي في كتابه الفاروق كما في الفتح (١٣/ ٤١٧)؛ وابن قدامة في العلو رقم (١٠٥)؛ وذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢٦٥)؛ ومرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (١٢٤ - ١٢٥) أو ذكره البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٥٢٣). وقد وقع في "ظ" قيل له استولى، والمثبت من الأصل.
(٢) أخرجها الخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤)؛ وليست في السنة لللآلكائي.
(٣) في المخطوطتين: فوقية المخلوقين وهو خطأ، وما أثبتنا من الحموية. ومن أقاويل الثقات، وعنهما ينقل الشارح.
(٤) انظر الفتوى الحموية الكبرى (٥/ ٢٨)؛ وأقاويل الثقات (ص ١٣١)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٢٠٦).
[ ١ / ٣٦٣ ]
بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا جملة مذهب السلف الصالح" انتهى (١).
وفي قوله ﵀: وإن كنت لا أقول به غاية العجب لأنه اعترف بتظافر الآيات القرآنية عليه ودلالة الأخبار النبوية إليه وتعويل السلف الصالح الأخيار عليه فكيف يليق من مثله أن يقول وإن كنت لا أقول به ولا أختاره مع الدلالات القرآنية والأحاديث النبوية وكونه معتقد الرعيل الأول والحزب الذي عليه المعمول، ولعله إنما خاف من دسائس الحساد ووسواس أهل الزيغ والفساد وإفتراء ذوي البدع والإلحاد واللَّه تعالى الموفق.
ورضي اللَّه ﵎ عن الإمام مالك حيث قال: "أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد -ﷺ- لجدل هؤلاء (٢) (وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر) (٣).
_________________
(١) هذا كلام القرطبي كما جاء في كتابه "الأسنى في شرح أسماء اللَّه الحسنى" ونقله عنه مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٣٢)؛ والشيخ محمد المغراوي في كتابه: "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" (١/ ٣١٠). وقد اضطرب رأيه في مسألة الاستواء فبينما يظهر من كلامه إثباتها عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ. . .﴾ [الأعراف: ٥٤] (٧/ ٢١٩) من تفسيره نجده في كتابه الأسنى -كما هنا- لا يقول بالإثبات ولا يختاره، وأما رأيه في بقية الصفات فهو يميل إلى مذهب الأشاعرة من التأويل. للمزيد من التفصيل راجع المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات لمحمد المغراوي (١/ ٢٨٩) وما بعدها.
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٢٤)؛ والهروي في ذم الكلام كما في صون المنطق (ص ٥٦)؛ وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٥)؛ وذكره الذهبي في العلو (١٠٣) مختصره (١٤٠). وروى الآجري في الشريعة (ص ٥٦) عن مالك نحوه.
(٣) من قوله: "وكل من هؤلاء مخصوم. . ليست في الرواية عن مالك في المصادر التي أشرنا إليها. =
[ ١ / ٣٦٤ ]
تتمة: نقل عن الكمال بن الهمام في الإستواء وتعقيب من المحقق عليه
فلم يبق إلا الرجوع لما قاله اللَّه ورسوله والتسليم لهما.
تتمة: ذكر الكمال ابن الهمام (١) الحنفي بحد أن تكلم على الاستواء بما حاصله: "وجوب الإيمان بأنه استوى على العرش مع نفي التشبيه.
وقال وأما كون الاستواء بمعنى الاستيلاء على العرش مع نفي التشبيه فأمر جائز الإرادة، إذ لا دليل على إرادته عينًا فالواجب عين ما ذكرنا، نعم إن خيف على العامة عدم فهمهم الاستواء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية فلا بأس بصرف فهمهم إلى الاستهلاء، قال: وعلى نحو ما ذكر كما ورد مما ظاهره الجسمية في الشاهد كالأصبع واليد والقدم، فإن الأصبع واليد صفة له تعالى لا بمعنى الجارحة بل على وجه يليق به وهو سبحانه أعلم به.
قال: وقد تؤل اليد والإصبع بالقدرة والقهر، وقد يؤل "اليمين" في قوله -ﷺ-: "الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض" (٢) على التشريف والإكرام لما ذكرنا من صرف فهم العامة عن الجسمية.
قال: وهو ممكن أن يراد ولا يجزم بإرادته على قول أصحابنا أنه من المتشابه وحكم المتشابه انقطاع معرفة المراد منه في هذه الدار، وإلا لكان قد علم" انتهى كلام ابن الهمام (٣).
_________________
(١) = وانظر النص في أقاويل الثقات (ص ١٣٢)؛ وفي لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٢٠٦).
(٢) الكمال ابن الهمام: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الإسكندري كمال الدين المعروف بابن الهمام من علماء الحنفية، فقيه أصولي متكلم مشارك في علوم كثيرة، توفى سنة ٨٦١. الأعلام (٦/ ٢٥٥)؛ ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٦٤).
(٣) الحديث ضعيف وقد تقدم تخريجه (١/ ٣١٥).
(٤) انظر كلام ابن الهمام هذا في كتابه: "المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة" =
[ ١ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (ص ٣٣ - ٣٧). ونقله عنه مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات (ص ١٣٢ - ١٣٤). قلت: كلام ابن الهمام هذا هو كلام أهل التأويل المخالفين لمنهج السلف ومذهبهم في صفات اللَّه تعالى، وفيه من التناقض والاضطراب ما هو واضح كعادة أهل التأويل في التخرص وتكلف التأويلات البعيدة، ورحم اللَّه الشارح حيث ختم به مبحث الاستواء وسكت عنه ولم يتعقبه بشيء. وسوف أذكر الرد عليه فيما يلي:
(٢) قوله: "وأما كون الاستواء بمعنى الاستيلاء على العرش مع نفي التشبيه فأمر جائز". ونحن نقول إنه غير جائز، وهذا هو كلام أئمة اللغة الخليل بن أحمد، وابن الأعرابي وغيرهم، قالوا: لا يجوز تفسير الاستواء بالاستيلاء. وقال ابن تيمية في الإكليل في كلامه على الاستواء: "ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة، قال بعضهم: ارتفع على العرش، وقال بعضهم: علا على العرش" (الإكليل ضمن مجموعة الرسائل ٢/ ٣٤). وقال ابن القيم ﵀ في مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥ - ١٤٦، ١٤٨) "وظاهر الاستواء العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول فلا يحتمل استواء الرب ﵎ على عرشه المعدى بعلى المعلق بالعرش، المعرف بالألف والام، المعطوف على خلق السموات والأرض بثم مطردًا في موارده بهذا الأسلوب ولا يحتمل إلا معنى واحد لا معنيين" انتهى ببعض التصرف.
(٣) وأما قوله: "إذ لا دليل على إرادته عينا". ونحن نقول بل هناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف تعين المعنى الصحيح وهو استواء اللَّه على عرشه كما أخبر في كتابه استواء يليق بعظمته وجلاله.
(٤) وأما قوله: "نعم إن خيف على العامة عدم فهمهم الاستواء إلا باتصال ونحوه من لوازم الجسمية". ونحن نقول لا مخافة على العامة من فهم الاستواء بالاتصال ونحوه. فإن كتاب اللَّه وسنة نبيه الكريم قد تلقتهما الأمة بالقبول والتسليم ولم يتطرق إلى أذهان أحد منهم هذا المفهوم الخاطئ، وإنما يخاف على العامة من تأويلات أهل الكلام ودعاويهم الباطلة. روى البخاري في خلق أفعال العباد رقم (٦٣) قال: "وحذر يزيد بن هارون عن الجهمية وقال: =
[ ١ / ٣٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي". فقال الذهبي في العلو (ص ١١٧): "والذي وقر في قلوبهم هو ما دل عليه الخطاب مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء، هذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة".
(٢) ثم إن في كلامه هذا تناقضًا ظاهرًا كما هي عادة أهل التأويل فإنه بعد أن ذكر تأويلات الأشاعرة. قال: "وهو ممكن أن يراد ولا يجزم بإرادته على قول أصحابنا أنه من المتشابه وحكم المتشابه انقطاع معرفة المراد منه". ونحن نقول: أهل السنة والحمد للَّه يجزمون بما نطق به الكتاب وجاء من عند اللَّه وليس عندهم من الاضطراب والتناقض ما عند أهل الكلام والبدع، فلا يصف اللَّه أعلم باللَّه من اللَّه (أأنتم أعلم أم اللَّه). ولا يصف اللَّه بعد اللَّه أعلم باللَّه من رسول اللَّه. وقد أوضح اللَّه في كتابه أسماءه وصفاته أوضح بيان وكذلك في سنة نبيه الكريم -ﷺ-. وقد فهمها المسلمون وآمنوا بها وصدقوا بها ولم يقل أحد منهم إن هذا من المتشابه ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال: إن ظاهرها التجسيم والتشبيه، بل آمنوا بها على ظاهرها وعلى حقيقتها على الوجه اللائق باللَّه، وإنما نفوا عدم الكنه والكيفية فهذا الذي لا يعلمه إلا اللَّه. وقال ابن القيام ﵀: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانًا وأن العناية بها أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين وإثباتها من لوازم التوحيد فبينها اللَّه ﷾ ورسوله بيانًا شافيًا، لا يقع فيه لبس يقع للراسخين في العلم، وآيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصه من الناس، وأما آيات الصفات فيشترك في فهم معناها الخاص والعام أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية. =
[ ١ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ حتى بينه لهم بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ولم يشكل عيه ولا على غيره قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. إلى أن قال: وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان والتفصيل" انتهى. الصواعق المرسلة (١/ ٢١٠ - ٢١١)؛ مختصر الصواعق (١/ ٢١). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان (٧/ ٤٤٢) وما بعدها، وهو يرد على من زعم أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. قال: "وهذا قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة. . . " ثم قال: "ولأجل هذه البلية العظمى والطامة الكبرى زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة باللَّه لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات اللَّه بصفات خلقه. وعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله: والنص إن أوهم غير اللائق باللَّه كالتشبيه بالخلائق فاصرفه عن ظاهره إجماعًا واقطع عن الممتنع الأطماعا وهذه الدعوى الباطلة من أعظم الافتراءات على آيات اللَّه وأحاديث رسوله -ﷺ-. والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم، راجع عقله هي مخالفة صفات اللَّه لصفات خلقه. . " إلى أن قال: "ولا شك أن النبي -ﷺ- عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما ممدح اللَّه به نفسه في آيات الصفات هو التنزية التام عن صفات الخلق ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق لأنه تشبيه بصفات الخلق لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك، لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه فسكوت النبي -ﷺ- عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤلون لا أساس له كما نرى". انتهى.
[ ١ / ٣٦٨ ]