فصل
في حساب الناس وذكر دخول طائفة من عصاة الأمة النار وخروجهم منها إما برحمة الكريم الغفار، وإما بشفاعة النبي المختار -ﷺ- وإما بغير ذلك (١).
اعلم أولًا أن المعاد الجسماني حق واقع وصدق صادع، دل عليه النقل الصحيح والنص الصحيح، ولم يمنعه العقل، ولم يحله فوجب الإيمان بموجبه، وهو أن اللَّه يبعث الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]. والآيات القرآنية في ذلك كثيرة جدًا، والأحاديث النبوية طافحة به، فلا جرم لا ينكره إلا كافر ملحد، وزنديق قد عتى وتمرد، وعدم التوفيق.
وقد أنكره الطبايعيون (٢)، والدهرية (٣)، والملحدة، ويرد إنكارهم النقل
_________________
(١) أي بشفاعة غيره من الرسل والأنبياء والملائكة والشهداء، كما ورد في الأحاديث.
(٢) الطبايعيون: هم فريق من الفلاسفة القدامي، قالوا: إن النفس الإنسانية هي اعتدال في المزاج فحسب، فإذا مات الإنسان عدمت النفس وإعادة المعدوم عندهم محال فجحدوا الآخرة، وأنكروا الجنة والنار والحشر والنشر والقيامة والحساب، وهذه نزعة مادية قديمة، وهي اليوم متمثلة في المذاهب المادية الإلحادية التي تجعل من الطبيعة إلهًا لهذا الكون. راجع: المنقذ من الضلال للغزالي (ص ٩٦ - ٩٧)؛ الوجود الحق للدكتور حسن هويدي (ص ٣٧) وما بعدها؛ الاتجاهات الفكرية المعاصرة: جمعة الخولي (ص ٤٨).
(٣) الدهرية: هم الذين ينكرون الربوبية، ويحيلون الأمر والنهي والرسالة من اللَّه تعالى ويقولون: هذا مستحيل في العقول، ويقولون بقدم العالم وينكرون الثواب والعقاب، ولا يفرقون بين الحلال والحرام، وينفون أن يكون في العالم دليل يدل على صانع ومصنوع، وخالق ومخلوق، وينسبون النوازل التي تنزل بهم إلى الدهر وينكرون المعاد والجزاء والحساب. انظر: الفصل في الملل والنحل (١/ ٤٧)؛ والملل والنحل للشهرستاني (٢/ ٦١)؛ المنقذ من الضلال للغزالي (ص ٩٦)؛ البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (ص ٨٨).
[ ٢ / ٢١٩ ]
الصريح والعقل الصحيح على ما بينه أهل التحقيق والترجيح.
وأنكرت الفلاسفة المعاد الجسماني، بناء منهم على امتناع إعادة المعدوم بعينه (١).
وأما المعتزلة فوافقوا أهل الحق (٢) على المعاد الجسماني، بناء منهم على أن المعدوم عندهم شيء فلو لم يقولوا به لأحالوه لأن المعدوم قبل الوجود عندهم قابل للوجود، فكذلك إذا انعدم بعد الوجود.
وعند أهل السنة: المعدوم نفي محض، وهم مع ذلك قائلون بجواز إعادته، وللمتكلمين في جواز إعادة الأعراض قولان: جواز إعادتها وهو الحق، لأنه تعالى على كل شيء قدير.
والثاني: قول الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة كأبي الحسين البصري (٣)، والخوارزمي (٤)؛ والكرامية (٥).
فالمعاد الجسماني واجب الاعتقاد، ومنكره من أهل الكفر والإلحاد.
قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "الروح" كشيخه شيخ الإسلام وغيرهما
_________________
(١) انظر: شرح العقائد النسفية (ص ١٣٥).
(٢) ساقطة في الأصل وأثبتها من "ظ".
(٣) تقدم (١/ ١٨٦).
(٤) لم يتضح لي من هو؟.
(٥) تقدم التعريف بالكرامية (١/ ١٣٨). وانظر اختلاف المتكلمين في إعادة الأعراض في المقالات للأشعرى: (٢/ ٦٠)؛ وفي أصول الدين للبغدادي (ص ٢٣٢ - ٢٣٤)؛ وفي لوامع الأنوار (٢/ ١٦٠ - ١٦١). وانظر هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٥٧).
[ ٢ / ٢٢٠ ]
من علماء الحق الأعلام: "معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى" (١).
وكذا قال الجلال الدواني: (٢) "معاد الأبدان بإجماع أهل الملل، وبشهادة نصوص القرآن بحيث لا يقبل التأويل" (٣).
وقد أخرج ابن جرير (٤)؛ وابن المنذر (٥)، و"ابن أبي حاتم" (٦)، والإسماعيلي (٧) في معجمه، والحافظ الضياء (٨) في المختارة، وابن مردويه (٩)، والبيهقي (١٠) في البعث والنشور عن ابن عباس ﵄ قال: جاء العاص
_________________
(١) الروح لابن القيم (ص ٧٤).
(٢) محمد بن أسعد الصديقي الدواني جلال الدين الشافعي، فقيه متكلم حكيم منطقي فيلسوف مفسر مشارك في بعض العلوم له مصنفات كثيرة توفى سنة ٩١٨. الضوء اللامع (٧/ ١٣٣)؛ والأعلام (٦/ ٣٢ - ٣٣)؛ ومعجم المؤلفين (٩/ ٤٧).
(٣) ذكره الشارح في اللوامع (٢/ ١٥٨).
(٤) تقدم (١/ ٢٦١).
(٥) محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أبو بكر فقيه مجتهد من الحفاظ كان شيخ الحرم بمكة، قال الذهبي: ابن المنذر صاحب الكتب لم يصنف مثلها منها: المبسوط في الفقه؛ والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف؛ والإجماع؛ واختلاف العلماء؛ وتفسير القرآن؛ وغير ذلك، توفى سنة ٣١٩. تذكرة الحفاظ (٣/ ٧٨٢)؛ وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٠)؛ والأعلام (٥/ ٢٩٤).
(٦) في النسختين (أبو حاتم) والصحيح ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٧/ ٧٤)؛ وفي تفسير ابن كثير (٧/ ١١٧) وقد تقدمت ترجمة ابن أبي حاتم (٢/ ١٨٦).
(٧) الإسماعيلي: تقدم (٢/ ٢١٢).
(٨) الضياء: تقدم (١/ ٢٤٢).
(٩) تقدم (١/ ٢٨٨).
(١٠) تقدم (١/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٢٢١ ]
ابن وائل إلى رسول اللَّه -ﷺ- بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد يحيي اللَّه هذا بعد ما أرم؟ قال: نعم يبعث اللَّه هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم".
فنزلت الآيات من آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣] إلى آخر السورة (١).
فهذا نص صريح في الحشر الجسماني، يقلع عرف التأويل بالكلية من قلوب أهل التواني.
ولذا قال الفخر الرازي (٢) "الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي -ﷺ- وبين نفي الحشر الجسماني".
وكذا لا يمكن القول بقدم العالم، كما يقول الفلاسفة، وبين الحشر الجسماني.
والنشور: يرادف البعث.
والحشر لغة: الجمع، والمراد به جمع أجزاء الإنسان بعد التفرق، ثم إحياء الأبدان بعد موتها فيعيد جميع العباد، ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية وهى التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء، فكل هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق (٣).
_________________
(١) والحديث رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٣٠ - ٣١) عن سعيد ابن جبير به ولم يذكر ابن عباس. ورواه الإسماعيلي في معجمه (ص ٧٤٢) رقم (٣٥٩)؛ والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٩) عن ابن عباس مرفوعًا. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وانظر الدر المنثور (٧/ ٧٤).
(٢) تقدم (١/ ١٨٦).
(٣) انظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٥٨) بتوسع أكثر.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
ففي البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس -﵄- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يخطب على المنبر يقول: "إنكم ملاقوا اللَّه حفاة عراة غرلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (١).
ومثله في الصحيحين أيضًا من حديث عائشة ﵂ (٢).
ومثله أيضًا من حديث أم سلمة أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح وفيه: فقالت أم سلمة ﵂ فقلت يا رسول اللَّه واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: شغل الناس، فقلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل" (٣).
وروي مثله عن أم المؤمنين سودة بنت زمعة -﵂-: "شغل الناس ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
رواه الطبراني أيضًا ورواته ثقات (٤).
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٤٤٥) في الأنبياء باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ رقم (٣٣٤٩) وفي مواضع أخر. انظر الأرقام (٣٤٤٧) و(٤٦٢٥) و(٤٦٢٦)، (٤٧٤٠) و(٦٥٢٤) - (٦٥٢٦)؛ ومسلم رقم (٢٨٦٠ في كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر ويوم القيامة.
(٢) رواه البخاري في صحيحه (١١/ ٣٨٥) في الرقاق، باب كيف الحشر، ومسلم رقم (٢٨٥٩) في كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٣) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن موسى بن أبي عياش وهو ثقة.
(٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ٣٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٣) رجاله رجال الصحيح غير محمد بن (أبي) عياش وهو ثقة. وأورده ابن كثير في النهاية (١/ ٢٠٩)؛ وقال رواه البيهقي وإسناده جيد.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
والحاصل أن إعادة الأجسام حق يجب الإيمان به ثم هذه الإعادة هل هي للعدم المحض، أو التفريق المحض؟
والمشهور أنه جمع متفرق، والأصح أنه إيجاد بعد عدم.
وقد نص عليه علماء السنة، وكذا المعتزلة، وهو مذهب أهل التحقيق وباللَّه التوفيق (١).
فينفخ إسرافيل في الصور (٢) نفخة البعث والنشور كما جاء في الكتاب العزيز المكنون:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ. . .﴾ الآيه [ق: ٤١ - ٤٢].
قال المفسرون: المنادي هو إسرافيل ﵇ ينفخ في الصور وينادي أيتها العظام البالية الأوصال والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة إن اللَّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (٣) وقيل ينفخ إسرافيل وينادي جبريل (٤).
_________________
(١) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٦٠).
(٢) في "ظ" قف على النفخ في الصور.
(٣) قاله كعب الأحبار ومقاتل. انظر: الدر المنثور (٧/ ٦١١) وتفسير ابن كثير والبغوي (٨/ ٥٧).
(٤) تفسير القرطبي (١٧/ ٢٧).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
قال جماعة من المفسرين المكان القريب: صخرة بيت المقدس (١).
وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما بين النفختين -أي نفخة الصعق، ونفخة البعث أربعون، قيل أربعون يومًا؟ قال أبو هريرة أبيت قيل أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قيل أربعون سنة؟ قال أبيت، ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم القيامة".
وفي رواية لمسلم: إن في الإنسان عظمًا لا تأكه الأرض أبدًا فيه (يركب) (٢) الخلق يوم القيامة، قالوا: أي عظم هو يا رسول اللَّه؟ قال: عجب الذنب" ورواه مالك وأبو داود والنسائي باختصار (٣).
وروى نحوه الإمام أحمد وابن حبان من حديث أبي سعيد مرفوعًا: قيل وما هو يا رسول اللَّه؟ قال: "مثل حبة خردل منه تنبتون" (٤).
_________________
(١) قاله ابن عباس وقتادة وغيرهم. انظر الدر المنثور (٧/ ٦١٢)؛ والقرطبي في تفسيره (١٧/ ٢٧)؛ والتذكرة له (ص ٢٤٦ - ٢٤٧)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٦٤).
(٢) في النسختين فيه ركب الخلق والمثبت من صحيح مسلم.
(٣) الحديث أخرجه البخاري (٨/ ٤١٣) رقم (٤٨١٣) في التفسير باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]؛ ومسلم رقم (٢٩٥٥) في الفتن: باب ما بين النفختين، ومالك في الموطأ (١/ ٢٣٩) في الجنائز، باب جامع الجنائز؛ وأبو داود رقم (٤٧٤٣) في السنة، باب في ذكر المبحث والصور؛ والنسائي (٤/ ٩١) في الجنائز باب أرواح المؤمنين.
(٤) أخرجه الإمام في المسند (٣/ ٢٨)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٥/ ٥٥ - ٥٦) ولفظه: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه قيل ومثل ما هو يا رسول اللَّه؟ قال: مثل حبة خردل منه تنبتون" قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٢) بعد إيراده: "إسناده حسن".
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وفي تفسير الثعلبي (١)، وابن عطية (٢) عن أبي هريرة وابن عباس -﵃-: "إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أمطر عليهم أربعين عامًا كمني الرجال من تحت العرش يدعى ماء (الحيوان) (٣) فينبتون من قبورهم بذلك المطر كما ينبت الزرع من الماء حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية قاموا وهم يجدون طعم النوم في أعينهم كما يجده النائم إذا استيقظ من نومه فعند ذلك يقولون ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢] (٤).
وفي الصحيحين من حديث أنس -﵁- أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه".
قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا (٥).
_________________
(١) الثعلبي: تقدم (١/ ٣٧٥).
(٢) ابن عطية: تقدم (٢/ ١٩٥).
(٣) في "ظ" الحياة والمثبت من الأصل، ومن كتب مصادر الأثر في التفسير.
(٤) وأما الأثر ذكره ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤) تحقيق أحمد شاكر، طبع المعارف بمصر، عن أبي هريرة بغير إسناد؛ وذكره البغوى في تفسيره (٣/ ٤٩٣) عن أبي هريرة وابن عباس -﵄- ولم يسنده وأورده ابن عطية في تفسيره (٧/ ٨٥) من رواية ابن جرير. وقال الشيخ أحمد شاكر -﵀-: "لم أجد هذا النص في شيء من مراجعي".
(٥) سبق تخريجه في التعليق على (٢/ ٢١٦). فقرة ٤.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ثم يقف الناس على أرض "قد مدها اللَّه كما يمد الأديم العكاظي" (١) "فهم في ضيق مقامهم فيها كضيق سهام اجتمعت في كنانتها، فالسعيد يومئذ من يجد لقدمه مقامًا، وأكثر الأقدام يومئذ بعضها على بعض (٢) لأن اللَّه يجمع في ذلك اليوم الأولين والآخرين، ويوم الوقوف أهوال عظيمة وكربات جسيمة تذيب الأكباد وتذهل المراضع وتشيب الأولاد (٣) وهو حق ثابت ورد به الكتاب والسنة، وانعقد عليه الإجماع وهو يوم القيامة لقيام الناس من قبورهم فيقومون لرب العالمين.
_________________
(١) وردت هذه الصفة في حديث الصور الطويل الذي رواه أبو يعلى الموصلي، كما في النهاية لابن كثير (١/ ١٧٢ - ١٧٨) والطبراني في الكبير (٢٥/ ٢٦٦) من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا، وقد تكلم الحافظ ابن كثير عليه متنًا وإسنادًا. النهاية لابن كثير (١/ ١٧٢) وما بعدها؛ وتفسيره (٣/ ٣٣٧) وما بعدها. ووردت من قول ابن عباس رواه البيهقي في البعث والنشور. انظر الدر المنثور (٥/ ٥٧). ومعنى الأديم العكاظي: الأديم الجلد. وعكاظ: اسم سوق من أسواق العرب، وموسم من مواسم الجاهلية، كانت قبائل العرب يجتمعون بها كل سنة فيتفاخرون ويحضرها الشعراء فيتناشدون ما أحدثوا من الشعر -وهي في موضع قرب الطائف. وعكاظي: منسوب إليها وهو مما حمل إلى عكاظ فبيع بها. لسان العرب (٩/ ٣٢٧) (عكظ)؛ المغرب (١/ ٣٣).
(٢) ذكر الشارح ﵀ في كتابه اللوامع (٢/ ١٦٨) أن هذا من كلام ابن عباس. وأخرج الوائلي كما في التذكرة للقرطبي (١/ ٢٨٩) نحوه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا. وأخرج ابن المبارك في الزهد (ص ١١٠) (الزيادات) عن عبيد اللَّه بن العيزار نحوه.
(٣) في "ظ": الأطفال.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه (١) قال ابن عمر -﵁-: "يقومون مائة سنة" (٢).
ويروى عن كعب (٣): "يقومون ثلاثمائة سنة" (٤)
وروى أبو يعلى بإسناد صحيح، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب" (٥).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه (٨/ ٥٦٥) رقم (٤٩٣٨) في التفسير باب: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ومسلم رقم (٢٨٦٢) في كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة.
(٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٣٠/ ٩٢).
(٣) كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر، المعروف بكعب الأحبار، كان يهوديًا فأسلم بعد وفاة النبي -ﷺ- وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر -﵁- فجالس الصحابة ﵃ فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام، متين الديانة من نبلاء العلماء، مات في آخر خلافة عثمان. سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٨٩).
(٤) رواه عنه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٩٣) وابن المنذر؛ كما في الدر المنثور (٨/ ٤٤٣).
(٥) رواه أبو يعلى في مسنده (١٠/ ٤١٥) رقم (٦٠٢٥)؛ وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٩/ ٢١٦) رقم (٧٢٨٩). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧). وقال: "رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، غير إسماعيل بن عبد اللَّه بن خالد وهو ثقة".
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وروى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "يومًا كان مقداره خمسين ألف سنة" فقيل ما أطول هذا اليوم، قال النبي -ﷺ-: "والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة" (١).
وقيل: مقدار الوقوف ألف سنة كما رواه الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا ولفظه: "أما مقام الناس بين يدى رب العالمين فألف سنة لا يؤذن لهم" (٢).
وأخرج البيهقي عنه مرفوعًا: "يمكثون ألف عام في الظلمة يوم القيامة لا يكلمون" (٣).
وروى ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح والحاكم، وقال صحيح الإسناد عن ابن مسعود ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "يجمع اللَّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم ينتظرون فصل القضاء. . ." (٤) الحديث.
_________________
(١) رواه الإمام أحد في المسند (٣/ ٧٥)؛ وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٥٢٧) رقم (١٣٩٠)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ٢١٦) رقم (٧٢٩٠)؛ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧) وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى وإسناده حسن على ضعف في روايته". قلت: ويشهد له الحديث الذي قبله.
(٢) رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٧) بأطول مما ذكر المؤلف، وقال الهيثمي رواه الطبراني، وفيه هشام بن بلال ولم أعرفه وبقية رجاله وثقوا. تنبيه: وقع عند الشارح هنا ابن عمر والذي في مجمع الزوائد: عبد اللَّه بن عمرو.
(٣) لم أجده.
(٤) رواه الحاكم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) وفي (٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢)؛ والطبراني في الكبير (٩/ ٤١٦ - ٤٢١) رقم (٩٧٦٣) في حديث طويل واللفظ للطبراني. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٤٣): "رواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم حتي يبلغ آذانهم.
وفي بعض ألفاظ الصحيح: "سبعين باعًا" (١).
وفي مسلم عن المقداد ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا" (٢).
قال ابن مسعود -﵁-: "الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها كواعبها وأكوابها، والذي نفس عبد اللَّه بيده إن الرجل ليفيض عرقًا حتى (يسيح) (٣) في الأرض قامته ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب، قالوا مم ذاك يا أبا عبد الرحمن، قال: مما يرى الناس" (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (١١/ ٤٠٠) في الرقاق، باب قول اللَّه تعالى ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ ومسلم رقم (٢٨٦٣) في كتاب الجنة، باب في صفة القيامة أعاننا اللَّه على أهوالها.
(٢) رواه مسلم رقم (٢٨٦٤) في كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة أعاننا اللَّه على أهوالها.
(٣) في "ظ": يسيخ بالخاء والمثبت متى الأصل ومن المصادر. قال ابن الأثير في معنى: سيح: "أصله من السيح وهو الماء الجاري المنبسط على وجه الأرض، والمعنى أن العرق يرتفع قدر طوله. النهاية (٣/ ٤٣٢).
(٤) رواه الطبراني في الكبير (٩/ ١٦٨) رقم (٨٧٧١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٦): "رواه الطبراني موقوفًا ورجاله رجال الصحيح"، وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٤٤ - ٧٤٥): إسناده جيد قوي.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
رواه الطبراني بإسناد جيد قوي.
وروى الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أيضًا مرفوعًا: "إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار".
ورواه أبو يعلى وابن حبان بلفظ: "إن الكافر ليلجمه العرق" (١).
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر -﵁- مرفوعًا: " (إن العرق) (٢) ليلزم المرء في الموقف حتى يقول: يا رب إرسالك بي إلى النار أهون عليَّ مما أجد، وهو يعلم ما فيها من شدة العذاب" (٣).
ثم يقع الحساب والفصل بين العباد بشفاعة النبي -ﷺ- التي هى لفصل القضاء، وهي الشفاعة العظمى التي يتدافعها ذوو (العزم) (٤) من الأنبياء من آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ إلى أن تنتهى إلى نبينا -ﷺ- فيقول أنا لها
_________________
(١) رواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٢٢ - ١٢٣، ١٣١) وأبو يعلى في مسنده (٨/ ٣٩٨) رقم (٤٩٨٢)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ٢١٦). قال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٤٥): "إسناده جيد". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٦): "رواه الطبراني مرفوعًا وموقوفًا بإسنادين ورواه في الأوسط. . . ورجال الكبير رجال الصحيح، وفي رجال الأوسط محمد بن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس".
(٢) كذا في النسختين، وفي المستدرك (٤/ ٥٧٧) (إن العار).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٧)؛ وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت الفضل واه". وقال المنذري في الترغيب: رواه البزار والحاكم عن حديث الفضل بن عيسى وهو واه". الترغيب ٤/ ٧٤٥ - ٧٤٦، وذكره الألباني في ضعيف الجامع ٢/ ٥٧ رقم ١٤٦٩.
(٤) في الأصل: (ذوو الغرام) وهو خطأ والمثبت من "ظ" وهو الصواب.
[ ٢ / ٢٣١ ]
وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهي تعم جميع أهل الموقف لأجل إراحتهم من ألم الوقوف والشروع في الحساب، وأحاديثها بلغت التواتر (١).
وهذه الشفاعة مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر من هذه الأمة، إذ هي للإراحة من طول الوقوف.
ثم الحساب: مصدر حاسب وحسب الشيء يحسبه بالضم إذا عده وهو معنى قول من قال الحساب لغة: العد.
واصطلاحًا: توقيف اللَّه عباده قبل الإنصراف من المحشر على أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا تفضيلًا.
قال الثعالبي: الحساب (٢) تعريف اللَّه ﷿ الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم (وتذكيره إياهم) (٣) ما قد نسوه من ذلك كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦].
_________________
(١) انظر: أحاديث الشفاعة في جامع الأصول (١٠/ ٤٧٥) وما بعدها؛ ومسلم بشرح النووي (٣/ ٥٣) وما بعدها؛ وتفسير ابن كثير (٥/ ٢١٥) وما بعدها، عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؛ وتهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٧/ ٢٩) وما بعدها. وقد أوردها في الأحاديث المتواترة كل من: مرتضى الزبيدي في لفظ اللآلي المتناثرة في الأحاديث المتواترة (ص ٧٥)؛ والسيوطي في قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة رقم (١١٢) (ص ٣٠٣)؛ والكتاني في نظم المتناثر في الحديث المتواتر (ص ١٤٩ - ١٥٠).
(٢) ساقطة من "ظ".
(٣) في "ظ": (وتذكيرهم إياه) والمثبت من الأصل وهو الصحيح.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فيكلم اللَّه تعالى عباده في شأن أعمالهم، وما لها من الثواب وما عليها من العقاب (١) كما ورد ذلك في السنة (الصحيحة المريحة) (٢) ومحكم الكتاب.
قال القرطبي كغيره من أهل العلم: إن اللَّه سبحانه يكلم المسلمين عند الحساب من غير ترجمان (٣) إكرامًا لهم ولا يكلم الكافرين، بل تحاسبهم الملائكة إهانة لهم وتمييزًا لأهل الكرامة (٤) فإذا خلصوا من الحساب وصاروا إما إلى الجنة وإما إلى النار وهي -يعني النار- (٥) دار الكفار بالأصالة. وربما دخلها طوائف من المسلمين من أهل المعاصي وكبائر الذنوب فيعذبون فيها بذنوبهم، ثم تدركهم رحمة أرحم الراحمين وشفاعة النبيين (والصدقين) (٦) فيخرجون منها. . .
والى هذا أشار الناظم بقوله: (وقل) (٧) أيها المؤمن بالقرآن وبالنبي المصطفى سيد ولد عدنان، وبما جاء به من الشريعة الواضحة البرهان الفاضحة
_________________
(١) انظر: هذا المعنى في تفسير القرطبي (١/ ٤٣٥)؛ والخازن (١/ ١٣١)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٧١ - ١٧٢).
(٢) ما بين القوسين ليس في "ظ".
(٣) كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة من ذلك: ما رواه البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه اللَّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، ثم ينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئًا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار فإن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة فليفعل". انظر فتح الباري (١٣/ ٤٣٣) رقم (٧٤٤٣)؛ ومسلم رقم (١٠١٦).
(٤) انظر: التذكرة للقرطبي (ص ٢٧٢).
(٥) ساقطة من "ظ".
(٦) في الأصل: (والصدقين) والمثبت من "ظ" وهو الصواب.
(٧) كتب هنا في هامش "ظ" بلغ مقابلة.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الأحاديث الواردة في دخول بعض العصاة النار وخروجهم منها بالشفاعة وبرحمة أرحم الراحمين
لأهل الإفك والزيغ والبهتان من سائر الملل والأديان مفصحًا بلسانك ومعتقدًا بجنانك، منقادًا بسائر جوارحك وأركانك (يخرج اللَّه العظيم بفضله) (١) العميم وكرمه الجسيم وعفوه الفخيم (من النار) المعهودة التي هى نار جهنم الموقودة (أجسادًا) بعد دخولها فيها وإصابتها من عذابها ما تستحقه منها.
كما في صحيح مسلم والحاكم من حديث سمرة بن جندب -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته (٢) ومنهم من تأخذه إلى ترقوته" (٣) (٤).
وفي صحيح مسلم عن جابر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يدخل قوم النار من هذه الأمة فتحرقهم النار إلا دارت وجوههم ثم يخرجون منها" (٥).
وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس
_________________
(١) كتب في هامش "ظ": قف على ذكر الشفاعة وأنواعها.
(٢) في "ظ": عجزته، ومعنى حجزته: أي مشد إزاره. النهاية (١/ ٣٤٤).
(٣) في "ظ": (ترقوته) وهو خطأ.
(٤) رواه مسلم رقم (٢٨٤٥) في كتاب الجنة، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين (٤/ ٢١٨٥)؛ والحكم في المستدرك (٤/ ٥٨٦)؛ وليس في هذا الحديث دليل على مراد المؤلف من خروج العصاة من أمة محمد -ﷺ- من النار لكن سيأتي من الأحاديث ما يدل على ذلك، واللَّه أعلم.
(٥) رواه مسلم رقم (٣١٩) في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٧٨).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر".
قال في النهاية: "أي جماعات في تفرقة واحدتها ضبارة مثل عمارة وعماير وكل مجتمع ضبارة".
وفي رواية أخرى: "فيخرجون ضبارات ضبارات" هو جمع صحة للضبارة والأول جمع تكسير" انتهى (١).
"فبثوا على أنهار الجنة".
وهو معنى قول الناظم: (من الفحم): أي بعد ما صاروا فحمًا، والفحم: محركة وبسكون الحاء المهملة، وكأمير: الجمر الطافي والفحمة واحدته (٢).
(تطرح): أي ترمى وتلقى، يقال طرحه وطرح به كمنعه رماه وأبعده كطرحه واطرحه (٣) -كما في القاموس- (٤).
(على النهر): متعلق بتطرح (في) جنة (الفردوس): وهذا معنى حديث أبي سعيد الخدري -﵁- المذكور: "فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة (ثم قيل) (٥) يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة
_________________
(١) النهاية (٣/ ٧١ - ٧٢).
(٢) القاموس (٤/ ١٦٠) (فحم).
(٣) في "ظ" واطره.
(٤) القاموس (١/ ٢٤٥) (طرح).
(٥) في الأصل: (فيسيل). وفي "ظ" (فيسئل). والمثبت من صحيح مسلم.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
في حميل (١) السيل" (٢).
وهو المراد بقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (تحيا) تلك الأجساد بعد ما صارت فحمًا وطرحت على النهر الذي هو في جنة الفردوس بإصابة (مائة) أي ماء ذلك النهر لتلك الأجساد، وتنبت تلك الأجساد بسيلان ماء أنهار الجنة عليها كما تنبت (حبة حمل السيل) أي الحبة التي يحملها السيل (إذ جاء) ذلك (٣) السيل: أي وقت مجيئه.
(يطفح): أي يفيض، يقال: طفح الإناء كمنع طفحًا، وطفوحًا امتلأ وارتفع وإناء طفحان يفيض من جوانبه.
قوله: (٤) نبات الحبة: أي بكسر الحاء المهملة: بزر البقول والرياحين ونحوها.
وأما ما تفتح حاؤه فهو ما يبذر، ذكره الحافظ المنذري (٥).
وقوله: (في حميل السيل) يعني بفتح الحاء المهملة وكسر الميم هو الزبد وما يقبله على شاطئه ومثله الغثاء.
قال: في النهاية: "الغثاء بالضم والمد ما يجيء فرق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره".
_________________
(١) في "ظ": حبيل وهو خطأ.
(٢) حديث أبي سعيد أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٨٥) في الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (١/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٣) في "ظ" ذاك.
(٤) من هنا سقط في نسخه "ظ" إلى قوله فيما يأتي (٢٣٨) قال الحافظ ابن رجب.
(٥) انظر: الترغيب والترهيب (٤/ ٧٨٤) وقد مضت ترجمة المنذري (١/ ٢٠٤).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قال: وفي كتاب مسلم "كما تنبت الغثاة" يريد ما احتمله السيل من البزورات ومنه حديث الحسن: "هذا الغشاء الذي كنا نحدث عنه" يريد أراذل الناس وسقطهم" (١).
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري -﵁- أيضًا- عن النبي -ﷺ- قال: "حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة للَّه تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين للَّه تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون ويصلون معنا ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار أنصاف ساقية وإلى ركبتيه فيقولون: ربنا ما بقى فيها أحد مما أمرتنا به فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون ربنا لم نذر ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار. . ." الحديث.
ثم "مثقال ذرة".
وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
فيقول اللَّه تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج بها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون
_________________
(١) النهاية (٣/ ٣٤٣).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
كما تخرج الحبة في حمل السيل (١) (٢).
قال الحافظ ابن رجب (٣) في كتابه "صفة النار" (٤) المراد بقوله -ﷺ- لم يعملوا خيرًا قط من أعمال الجوار وإن كان أصل التوحيد معهم، ولهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار أنه لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد. أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا" (٥).
وأخرج الحاكم بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا -﵁- عن النبي -ﷺ-. . . وفيه: "ومنهم من أخذته (أي النار) إلى عنقه ولم تغش الوجوه" قال: "فيستخرجونهم فيطرحون في ماء الحياة، قيل: يا نبي اللَّه وما ماء الحياة؟ قال: غسل أهل الجنة فينبتون فيها كما تنبت الزرعة في غثاء السيل ثم يشفع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في كل من كان يشهد أن لا إله إلا اللَّه مخلصًا فيستخرجونهم منها ثم يتحنن اللَّه سبحانه برحمته على من فيها فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا أخرجه منها" (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣/ ٤٣١) في التوحيد باب ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي تفسير سورة النساء، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وفي تفسير سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾؛ ومسلم رقم (١٨٣) في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية، بأطول مما ذكره المؤلف.
(٢) نهاية السقط في نسخة "ظ".
(٣) ابن رجب: تقدم (١/ ١٧٧).
(٤) اسمه بالكامل: "التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار" والنص فيه (ص ٢٦٠).
(٥) أخرجه البخاري (٦/ ٥٩٤) في الأنبياء؛ وفي الوحيد رقم (٧٥٠٦)؛ ومسلم رقم (٢٧٥٦) في التوبة باب في سعة رحمة اللَّه وأنها سبقت غضبه. وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩٨، ٢/ ٣٠٤).
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وأخرجاه في الصحيحين عنه مرفوعًا ولفظه: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول اللَّه ﷿: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياء أو الحياة بالشك من الإمام مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملوية" (١). هذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: "فيخرجون منها حممًا قد امتحشوا" (٢) -أي احترقوا والمحش احتراق الجلد وظهور العظم- كما في النهاية. (٣).
ويروى: "امتحشوا بضم المثناة فوق مبنيًا لما لم يسم فاعله" (٤).
وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة. . ." الحديث وفيه: "حتى إذا فرغ تعالى من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك باللَّه شيئًا ممن دخل النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم اللَّه على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل" (٥).
_________________
(١) في النسختين: متلوية والمثبت من صحيح البخاري.
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٩١) في الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان، وفي الرقاق باب صفة الجنة والنار؛ ومسلم رقم (١٨٤) في الإيمان باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.
(٣) النهاية (٤/ ٣٠٢).
(٤) نفس المصدر.
(٥) رواه البخاري (١١/ ٤٥٣) في الرقاق باب الصراط جسر جهنم وفي صفة الصلاة باب =
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وظاهر ما قدمنا من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة على أن هؤلاء يموتون حقيقة وتفارق أرواحهم أجسادهم، ويدل له أيضًا ما أخرجه البزار عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "إن أدنى أهل الجنة حظًا أو نصيبًا قوم يخرجهم اللَّه تعالى من النار فيرتاح لهم الرب ﵎ وذلك أنهم كانوا لا يشركون باللَّه شيئًا فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل حتى إذا دخلت الأرواح أجسادهم فيقولون ربنا (كما) (١) أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار فيصرف وجوههم عن النار" (٢).
قال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: في قوله -ﷺ-: "فأماتهم اللَّه إماتة، هذه الموتة للعصاة موتة حقيقية لأنه أكدها بالمصدر وذلك تكريمًا لهم حتى لا يحسوا بالعذاب" قال: فإن قيل فأي فائدة حينئذ في إدخالهم النار وهم لا يحسون بالعذاب؟.
فالجواب يجوز أن يدخلهم تأديبًا لهم وإن لم يذوقوا فيها العذاب ويكون صرف نعيم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالمحبوسين في السجن فإن السجن عقوبة لهم، وإن لم يكن من غل ولا قيد، قال: ويحتمل أنهم يعذبون أولًا وبعد ذلك يموتون ويختلف حالهم في طول التعذيب بحسب جرائمهم وآثامهم ويجوز أن يكونوا متألمين حالة موتهم غير أن آلامهم أخف من آلام الكفار (لأن آلام) (٣) الكفار المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء دليله قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ
_________________
(١) = فضل السجود، وفي التوحيد (١٣/ ٤٣٠) باب قول اللَّه تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومسلم رقم (١٨٢) في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية.
(٢) ساقطة من "ظ".
(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ٢١١) رقم (٣٥٥٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤٠١): "رواه البزار ورجاله ثقات".
(٤) ساقط من "ظ".
[ ٢ / ٢٤٠ ]
تنبيه في الإشارة إلى مذهب المعتزلة والخوراج وقولهم بخلود أهل المعاصي في النار وإنكارهم الشفاعة والرد عليهم
بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا أشد من عذابهم وهم موتى (١).
وقال في "مطامح الأفهام" (٢): "يجوز أن يريد بالإماتة المذكورة أنه أنامهم وقد سمى اللَّه تعالى النوم وفاة (٣) لأن فيه نوعًا من إعدام الحس وفي الحديث المرفوع: "إذا أدخل اللَّه الموحدين النار أماتهم فيها فإذا أراد أن يخرجهم منها أمسهم العذاب تلك الساعة" (٤).
والمختار ما ذكره القرطبي (٥) من كون الإماته حقيقة أن يكونوا عذبوا قبل الإماتة حتى ماتوا من ألم العذاب لطفًا بهم ورحمة (٦) واللَّه أعلم.
تنبيه: أشار الناظم رحمه اللَّه تعالى بقوله: "وقل يخرج اللَّه العظيم بفضله من
_________________
(١) انظر التذكرة للقرطبي (٤٠٩ - ٤١٠، ٥٠١ - ٥٠٢).
(٢) مطامح الأفهام في شرح الأحكام للقاضي عياض بن موسى اليحصبي. ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٧١٨).
(٣) كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا. . . .﴾ [الزمر: ٤٢].
(٤) أشار الحافظ ابن حجر في فتح البخاري (١١/ ٤٧١) إلى هذه الرواية قال: ووقع في حديث أبي هريرة: "أنهم إذا دخلوا النار ماتوا فإذا أراد اللَّه إخراجهم أمسهم ألم العذاب تلك الساعة" ولعله يشير إلى حديث أبي هريرة الذي تقدم قبل قليل.
(٥) في النسختين (مع) ولعل الصواب ما أثبتنا.
(٦) ورجحه النووي في صرح مسلم (٣/ ٣٨)؛ وابن تيمية في الفتاوى (١/ ١٩٥ - ١٩٦)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٤٧١)؛ وابن رجب في كتاب التخويف من النار (ص ٢٦٢)؛ وانظر التذكرة للقرطبي (ص ٤٠٩ - ٤١٠، ٥٠١ - ٥٠٢).
[ ٢ / ٢٤١ ]
النار. . ." إلخ إلى خلاف الخوارج والمعتزلة.
فالخوارج يكفرون عصاة الأمة.
والمعتزلة يقولون بخروجهم من الإسلام وعدم دخولهم في الكفر فيثبتون منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، ومع ذلك يخلدونهم في النار إذا لم يتوبوا فعند الخوارج والمعتزلة جميعًا أن من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، بل كل من دخلها يخلد فيها أبد الآباد محتجين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨].
وبقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
فزعموا أن كل من دخل جهنم يخلد فيها لأنه إما كافر، أو صاحب كبيرة مات بلا توبة، هذا رأيهم ورأي من وافقهم وهو فاسد ومذهب مبطل معاند ترده الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة وإجماع أهل الحق أيدهما اللَّه تعالى رحمة للخلق.
وأجابوا عن الآية الكريمة أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الكفار للآيات الواردة والأخبار الثابتة في الشفاعة.
قال القاضي البيضاوي: (١) "تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا أن سياق الخطاب معهم، والآية نزلت ردًا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم" انتهى (٢).
وأجابوا أيضًا عن قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أن
_________________
(١) تقدمت ترجمته (١/ ١٦٨).
(٢) تفسير البيضاوي (١/ ٦٠).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
المراد بالظالمين الكفار، فإن الظالم على الإطلاق هو الكافر.
وزعمت (١) المعتزلة أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] ومن أخزاه اللَّه لا يرتضيه، ومن ارتضاه لا يخزيه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ. . .﴾ [التحريم: ٨].
والجواب عن الآية الأولى ما قال سيدنا أنس بن مالك -﵁- خادم رسول اللَّه -ﷺ- معنى (من تدخل): من تخلد" (٢).
وقال قتادة: "تدخل مقلوب تخلد ولا نقول كما قالت أهل حرورا (٣) -يعني الخوارج-" (٤).
فعلى هذا قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ على باب من الهلاك أي أهلكته وأبعدته ومقته.
_________________
(١) كذا في النسختين ولعل الصواب، واحتجت المعنزلة بقوله تعالى. . . .
(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٢١١).
(٣) حروراء: بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدوة قرية بظاهر الكوفة بالعراق نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب فنسبوا إليها. معجم البلدان (٢/ ٢٤٥).
(٤) الخوارج سبق التعريف بهم (١/ ١٧٨) والأثر عن قتادة أورده القرطبي في تفسيره (٤/ ٣١٦)؛ وفي التذكرة (ص ٤١٤).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
ولهذا قال سعيد بن المسيب: "الآية جاءت خاصة في قوم لا يخرجون من النار" (١).
دليله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي الكفار، وإن سلم أن الآية في عصاة الموحدين، فالمراد بالخزي: الحياء، يقال: خزي خزاية إذا استحى فهو خزيان وامرأة خزيا فخزى المؤمنين يومئذ استحياؤهم من دخول النار، ودار البوار مع أهل الشرك والكفار ثم يخرجون بشفاعة النبي الكريم ورحمة الرؤوف الرحيم (٢).
وفي النصرة لا يستلزم نفي الشفاعة لأنها طلب مع خضوع والنصرة ربما تنبني بالمدافعة والممانعة (والاستعلا) (٣) على أننا نقول لا يسلم لهم زعمهم أن الفاسق غير مرضي مطلقا بل هو مرضي من جهة الإيمان والعمل الصالح وإن كان مبغوضًا من جهة الذنوب والعصيان وارتكاب القبائح، بخلاف الكافر فإنه ليس بمرضى مطلقًا لعدم الأساس الذي تنبني عليه الحسنات والاعتداد بالكمالات وهو الإيمان (٤).
والحاصل أن من الواجب اعتقاده أن اللَّه تعالى يخرج من النار بفضله وبشفاعة أنبيائه وأهل القرب منه كل موحد وإن كان فاسقًا ولو لم يتب خلافًا للخوارج والمعتزلة (٥) واللَّه أعلم.
_________________
(١) انظر: الدر المنثور (٢/ ٤١٠).
(٢) انظر التذكرة للقرطبي (ص ٤١٤ - ٤١٥)؛ وتفسيره (٤/ ٣١٦).
(٣) ساقط من "ظ".
(٤) انظر شرح المقاصد (٥/ ١٥٧) وما بعدها؛ لوامع الأنوار (٢/ ٢١٧ - ٢١٨).
(٥) انظر: اتفاق أهل السنة على ثبوت الشفاعة وخروج العصاة من الموحدين من النار والرد على المعتزلة والخوارج في إنكارها، صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٣٥)؛ ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (١/ ١٤٨) وما بعدها؛ (١١/ ١٨٤ - ١٨٥) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٢٥٢) وما بعدها؛ والوحيد لابن خزيمة (٢/ ٥٨٨) وما بعدها، والسنة للآلكائي (٦/ ١٠٨٩) وما بعدها؛ والشريعة للآجري (ص ٣٣١) وما بعدها.
[ ٢ / ٢٤٤ ]