فصل في ذكر الصحابة الكرام وذكر التفاضل بينهم رضوان اللَّه تعالى عليهم
وبدأ الناظم -﵁- بذكر التفاضل بينهم ﵃ فقال:
(وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك.
(إن خير الناس) وأفضلهم من هذه الأمة التي هي خير الأم وأفضل الأمم بشاهد قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فخير الأمم أمة محمد -ﷺ-، وأفضل أمة محمد (بعد محمد) -ﷺ- (وزيراه) تثنية وزير، والضمير يعود على النبي -ﷺ-.
قال في القاموس: "الوزير حباء الملك الذي يحمل ثقله ويعينه برأيه وقد استوزره فتوزر له واوزره، وحاله الوزارة بالكسر ويفتح والجمع وزراء وأوزار" انتهى (١).
وفي نهاية ابن الأثير: "في حديث السقيفة نحن الأمراء وأنتم الوزراء جمع وزير وهو الذي يوازره فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، والذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأ له ومفزع" (٢).
وقوله: (قدما) أي في ابتداء الأمر والنبوة فهو مفعول فيه، والمراد بهما أبو بكر وعمر ﵄.
والإشارة في ذلك إلى حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "ما من نبي إلا وله وزيران، وزيران من أهل السماء، ووزيران من أهل
_________________
(١) القاموس: (٢/ ١٥٩) (وزر).
(٢) النهاية (٥/ ١٨٠).
[ ١ / ٣٦٩ ]
الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء: فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض: فأبو بكر وعمر" (١).
وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: "إن اللَّه تعالى أيدنى بأربعة وزراء اثنين من أهل السماء: جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض: أبو بكر وعمر" (٢).
وأخرج الطبراني أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن لكل نبي خاصة من أصحابه، وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر" (٣).
_________________
(١) رواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٥٩)؛ والترمذي في الجامع (٥/ ٦١٦)؛ وابن عدي في الكامل (٢/ ٥١٧) كلهم عن أبي سعيد مرفوعًا وقال الترمذي: حديث حسن غريب. ورواه أحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٣٤) عن أبي الجحاف مرسلًا وذكر عبد اللَّه بن أحمد عن أَبيه أن الصواب في هذه الرواية هو المرسل، وقال الشيخ ناصر الألباني في تخريج المشكاة (٣/ ١٧١٠) سنده ضعيف. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٤) من طريق آخر عن أبي سعيد مرفوعًا وصححه ووافقه الذهبي. قلت: لكن في سنده عطاء بن عجلان الحنفي وهو متروك، وذكره الألباني في ضعيف الجامع (٢/ ١٨٧).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٧٩)؛ وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٦٠)؛ والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٢٩٨) كلهم عن ابن عباس؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥١) في إسناده محمد ابن مجيب الثقفي وهو كذاب. ورواه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ١٦٧ - ١٦٨). قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٥١) في إسناده عبد الرحمن مالك ابن مغول وهو كذاب.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٩٤) رقم (١٠٠٠٨)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد =
[ ١ / ٣٧٠ ]
وأخرج ابن عساكر (١) عن أبي ذر ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن لكل نبي وزيرين، ووزيراي وصاحباي: أبو بكر وعمر" (٢).
ودليل خيريتهما وأفضليتهما على سائر أمة محمد بعد محمد -ﷺ-، ما أخرج الشيخان وغيرهما من حدث عمرو بن العاص ﵁ أنه سأل النبي -ﷺ- فقال: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت من الرجال؟ قال: أبوها. فقلت ثم من؟ فقال: عمر بن الخطاب" (٣).
وفي رواية لست أسألك عن أهلك إنما أسألك عن أصحابك.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ كنا في زمن رسول اللَّه -ﷺ- لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي -ﷺ- لا نفاضل بينهم (٤).
_________________
(١) = (٩/ ٥٢) وفيه عبد الرحيم بن حماد الثقفي وهو ضعيف.
(٢) ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة اللَّه أبو القاسم، ثقة الدين ابن عساكر الدمشقي المؤرخ المحدث الحافظ الرحالة كان محدث الديار الشامية، له تاريخ دمشق، طبع منه بعض الأجزاء ويعرف بتاريخ ابن عساكر وله مصنفات كثيرة، مات سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٥٤، والأعلام ٤/ ٣٧٣.
(٣) ذكره السيوطي في الجامع الصغير (١/ ٣٧٢)؛ وعزاه لابن عساكر وزاد في فيض القدير (٢/ ٥١٧) نسبته لأبي يعلى ورمز السيوطي لضعفه؛ وذكره الشيخ ناصر الألباني في ضعيف الجامع (٢/ ١٧٦).
(٤) رواه البخاري في "فضائل الصحابة" باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلا" (٧/ ٢٢) رقم (٣٦٦٢)؛ وفي المغازي، باب غزوة ذات السلاسل رقم (٤٣٥٨)؛ ومسلم رقم (٢٣٨٤)؛ والترمذي رقم (٣٨٨٥)؛ وابن سعد في الطبقات (٨/ ٦٧).
(٥) رواه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب عثمان بن عفان ﵁ (٧/ ٦٦) رقم=
[ ١ / ٣٧١ ]
وفي رواية عند أبي داود كنا نقول ورسول اللَّه -ﷺ- حي: "أفضل أمته بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان" (١).
ورواه الطبراني، وزاد فيبلغ ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فلا ينكره (٢).
وفي صحيح البخاري أيضًا عن محمد بن الحنفية (﵀ ورضي عنه) (٣) قلت لأبي -يعني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: أي الناس خير بعد رسول اللَّه -ﷺ- فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، قال: وخشيت أن يقول عثمان، قلت ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين" (٤).
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر ﵄ كنا وفينا رسول اللَّه -ﷺ- نفضل أَبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا ﵃ (٥).
وأخرج أيضًا عن أبي هريرة ﵁، كنا معشر أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) = (٣٦٩٧)؛ (وأبو داود في السنة رقم (٤٦٢٧).
(٢) سنن أبي داود رقم (٤٦٢٨).
(٣) بهذه الزيادة رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦) رقم (١٣١٣٢)؛ وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٥٨)؛ ورواه أبو يعلى في مسنده (٩/ ٤٥٦) رقم (٥٦٠٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٥٨)؛ رجاله وثقوا وفيهم خلاف ورواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٣٥٧): وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨)، قال الشيخ ناصر: إسناده صحيح.
(٤) كذا في الأصل وفي "ظ" ﵁.
(٥) رواه البخاري في فضائل الصحابة، باب قول النبي -ﷺ- لو كنت متخذًا خليلًا. . . " (٧/ ٢٤) رقم (٣٦٧١).
(٦) لم أتمكن من تخريجه عند ابن عساكر لأن كتابه "تاريخ دمشق" لا يزال مخطوطًا، وهذا =
[ ١ / ٣٧٢ ]
ونحن متوافرون نقول: أفضل هذه الاُمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت (١).
وقد تواترت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر وعمر" (٢).
وأنه قال: " لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى" (٣).
وأخرج الترمذي والحاكم عن عمر ﵁ قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول اللَّه -ﷺ- (٤).
_________________
(١) = العزو إليه، لكن له شواهد تقدمت قبل قلبل.
(٢) رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٣٥٦) وفي فصائل الصحابة لأبيه من زياداته رقم (٥٢)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (١١٩٧) وإسناده ضعيف والمحفوظ رواية ابن عمر ﵄ كما تقدم.
(٣) رواه البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفيه كما تقدم (١/ ٣٧٢). وانظر: السنة لعبد اللَّه بن أحمد (٢/ ٥٨١ - ٥٩٠)؛ وفضائل الصحابة للإمام أحمد (١/ ٧٦ - ٩١)، والسنة بن أبي عاصم (٢/ ٥٦٩ - ٥٧٥). وقال ابن تيمية ﵀: وقد تواتر هذا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقال: ويروى هذا عن أمير المؤمنين علي من نحو ثمانين وجهًا، وأنه كان يقوله على منبر الكوفة. مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢، ٣/ ١٥٣).
(٤) رواه عبد اللَّه بن أحمد في السنة رقم (١٣١٢)؛ وفي فضائل الصحابة لأبيه رقم (٤٩)؛ وابن أبي عاصم في السنة رقم (١٢١٩).
(٥) رواه بهذا القدر الترمذي في المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق رقم (٣٦٥٦)؛ وقال هذا حديث صحيح غريب، والحاكم في المستدرك (٣/ ٦٦) وصححه ووافقه الذهبي. ورواه ابن حبان في صحيحه -الإحسان- (٩/ ٦) رقم (٦٨٢٣)؛ وله شاهد رواه البخاري في صحيحه طولًا في فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر بعد النبي -ﷺ- (٧/ ٢٣ - ٢٤) =
[ ١ / ٣٧٣ ]
تنبيه: أفضل الأمة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ﵁ والأدلة على ذلك
وروى ابن عساكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ صعد المنبر ثم قال: "ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبينا أبو بكر، فمن قال غير هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري" (١).
تنبيه: أعلم أن أفضل هذه الأمة بالتحقيق أمير المؤمنين خليفة رسول اللَّه -ﷺ- عبد اللَّه أبو بكر الصديق (٢) بن عثمان أبو قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، يجتمع نسبه مع نسب رسول اللَّه -ﷺ- في مرة بن كعب.
ولقبه رسول اللَّه -ﷺ- بالعتيق، قيل لجمال وجهه، وقيل لأنه عتيق اللَّه من النار، وأمه أم الخير سلمى بنت صخر ابن عمرو بن كعب بنت عم أَبيه، ماتت هي وأبوه مسلمين رضوان اللَّه عليهما، وكانت وفاة أبي قحافة في خلافة عمر ﵄، وهو أول الناس إيمانًا برسول اللَّه -ﷺ- على قول جموع من أهل العلم.
وفي سنن الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: قال أبو بكر ﵁: ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا، ألست صاحب كذا. . . (٣) الحديث.
_________________
(١) = رقم (٣٦٦٧ - ٣٦٦٨) عن عائشة ﵂.
(٢) رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة رقم (١٨٩) وعنه ابنه عبد اللَّه في السنة رقم (١٣٦٤) وانظر: السنة رقم (١٣٦٥) وفضائل الصحابة رقم (٣٩٦). وقد وقع في الأصل: "ما على المفنرين". وما أثبتنا من "ظ" ومن السنة ومن فضائل الصحابة.
(٣) انظر: ترجمة أبي بكر في طبقات ابن سعد (١٣/ ١٦٩)؛ والاستيعاب رقم (١٦٣٣)، وأسد الغابة رقم (٣٠٦٤)؛ والإصابة رقم (٤٨٠٨)؛ ومستدرك الحاكم (٣/ ٦١ - ٨٠)، ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا، وهي مدونة في كتب السنة ﵁ وأرضاه.
(٤) رواه الترمذي في جامعه في المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ رقم (٣٦٦٧) من حديث أبي سعيد، وقال هذا حدث غريب. =
[ ١ / ٣٧٤ ]
وقيل: بل أول من آمن: علي بن أبي طالب -﵁- ونقل الحاكم اتفاق المؤرخين عليه (١) واستنكر هذا من الحكم (٢).
وقيل: أول من آمن زيد بن حارثة، وقيل: خديجة، وادعى الثعلبي (٣) الإجماع فيه، وإنما الخلاف فيمن بعدها -وصوبه كثير واستظهره البرماوي (٤) وغيره.
وقيل: أولهم بلال الحبشي ﵃ أجمعين.
ويروى عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: "الأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وهذا من أحسن ما قيل لجمعه الأقوال" (٥).
_________________
(١) = ثم قال: هذا حديث قد رواه بعضهم عن شعبة عن الجريري عن أبي نضرة، قال: قال أبو بكر وهذا أصح ثم ساقه بإسناده إلى أبي نضرة، ولم يذكر أبا سعيد، وقال هذا أصح. انظر: تحفة الأحوذي (١٠/ ١٥١).
(٢) ذكره الحاكم في كتابه: علوم الحديث (ص ٢٢ - ٢٣).
(٣) ممن استنكره ابن الصلاح في مقدمته في علوم الحديث (ص ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٤) الثعلبي: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري أبو إسحاق مفسر مقرئ، واعظ أديب، من تصانيفه: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، توفى سنة ٤٢٧ هـ. وفيات الأعيان (١/ ٧٩)؛ وطبقات المفسرين للسيوطي (ص ٢٨)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ٦٠).
(٥) البرماوي: محمد بن عبد الدائم بن موسى النعيمي العسقلاني الرماوي أبو عبد اللَّه شمس الدين فقيه محدث، أقام مدة في دمشق، وتصدر للافتاء والتدريس بالقاهرة، وتوفى في بيت المقدس سنة ٨٣١ هـ. الضوء اللامع (٧/ ٢٨٠)؛ والأعلام (٦/ ١٨٨ - ١٨٩).
(٦) كما يروى هذا الجمع أيضا عن إسحاق بن راهويه ﵀. انظر: تفسير القرطبي (٨/ ٢٣٧)؛ وفتح المغيث (٣/ ١٢٦).
[ ١ / ٣٧٥ ]
فالصديق الأعظم ﵁ أفضل الصحابة ﵃ وخيرهم بإجماع أهل السنة.
فقد أجمع الصحابة وأهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة والناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبو بكر ﵁ (١)؛ ولي الخلافة بإجماع الصحابة واتفاقهم عليه بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت خلافنه سنتين وأربعة أشهر تعجز عشر ليال، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن في الحجرة الشريفة مع رسول اللَّه -ﷺ-، وغسلته زوجته أسماء بنت عميس بوصية منه ﵁ (٢).
_________________
(١) كتب في هامش "ظ": قف على كون الصديق أفضل هذه الأمة بعد نبيها.
(٢) لم يذكر الشارح -﵀- شيئًا من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل أبي بكر الصديق ﵁ بخصوصه بخلاف ما عرف عن الشارح من التوسع والإطالة في أغلب الموضرعات التي يطرقها، ولعل هذا سهو منه ﵀، أو أنه لم يذكرها لشهرتها. هذا وتتميمًا للفائدة، وتنويهًا بشأن أبي بكر ﵁ أذكر فيما يلي جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في فضله ﵁ فأقول: لأبي بكر ﵁ من المآثر والمناقب ما يطول ذكره، وقد اختص بمزايا وخصائص دون غيره من الصحابة فلذلك قدموه وبايعوه ورضوا به خليفة لرسول اللَّه فمن ذلك:
(٣) ما روى البخاري في صحيحه - فتح (٧/ ٢٢) عن جبير بن مطعم ﵁ قال: أتت امرأة للنبي -ﷺ- فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن لم أجدك -كأنها تقول الموت- قال -ﷺ-: إن لم تجديني فأتي أبا بكر".
(٤) وقال -ﷺ- لعمر وقد وقع بينه وبين أبي بكر خلاف: "إن اللَّه بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي - مرتين فما أوذى بعدها"، رواه البخاري في صحيحه عن أبي الدرداء. فتح (٧/ ٢٢).
(٥) ورى البخاري أيضًا عن أبي سعيد ﵁ قال: "خطب رسول اللَّه -ﷺ- الناس وقال: إن اللَّه خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند اللَّه قال فبكى =
[ ١ / ٣٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول اللَّه -ﷺ- عن عد خير فكان رسول اللَّه هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وما له أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أَبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر" رواه البخاري فتح (٧/ ١٥)؛ ورواه أيضًا عن ابن عباس ﵄ فتح (١/ ٦٦٥) رقم (٤٦٧).
(٢) وأنابه -ﷺ- في الصلاة بالمسلمين -في مرضه- فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" متفق عليه من حديث عائشة وأبي موسى ﵃. فتح الباري (٢/ ١٩٢، ٢٧٨)، ومسلم رقم (٤١٨، ٤٢٠). وقال فيه عمر بن الخطاب -﵁-: "أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول اللَّه" رواه البخاري كما تقدم.
(٣) وسأل عمرو بن العاص النبي -ﷺ-: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها، رواه البخاري كما تقدم
(٤) وكان رفيقه في الغار وصاحبه في الهجرة: روى البخاري في صحيحه (٧/ ١١) عن أبي بكر -﵁- قال: قلت للنبي -ﷺ- وأنا في الغار لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، قال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللَّه ثالثهما، وأنزل اللَّه في شأنهما قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. . .﴾ الآية (٤٠) من سورة التوبة. وقد أتفق جميع الصحابة رضوان اللَّه عليهم على تفضيله وعلى خلافته. واتفق جماهير المسلين وأئمتهم من أهل السنة والجماعة على ذلك ولا عبرة بخلاف فرق الشيعة وفرق أهل الضلال. انظر: الإبانة لابن بطة (٢٥٧ - ٢٥٨)؛ والإبانة للأشعري (١٨٥ - ١٨٨)؛ ومجموع الفتاوى (١١/ ٥٦)؛ وتدريب الراوي (ص ٤٠٧ - ٤٠٨)؛ والباعث الحثيث (١٣٨)؛ وشرح العقدة الطحاوية (٥٣٣)؛ وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص ٨٦ - ٨٨)
[ ١ / ٣٧٧ ]
«شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية»
تأليف
الإمام العلامة محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي
(المتوفى سنة ١١٨٨ هـ)
دراسة وتحقيق
عبد الله بن محمد بن سليمان البصيري
[الجزء الثاني]
[ ٢ / ٣٧٤ ]
مطلب في الكلام على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁
ثم عمر بن الخطاب ﵁ الذي سماه رسول اللَّه -ﷺ- بالفاروق (١) ﵁ فهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بكسر الراء والياء التحتية فحاء مهملة بن عبد اللَّه بن قرط بضم القاف وسكون الراء فطاء مهملة ابن رزاح بفتح الراء والزاي فحاء مهملة بعد الألف بن عدي بن كعب بن لؤى بن غالب القرشي العدوي، وأمه حنتمة بفتح الحاء المهملة فنون ساكنة فمثناة فوقية مفتوحه فميم فتاء تأنيث بنت هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم أخت أبي جهل واسمه عمرو بن هشام فهو خال عمر ﵁ (وكنته) (٢) أبو حفص كناه بذلك رسول اللَّه -ﷺ- يوم بدر (٣) ولد الأسد.
ولقبه بالفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل لعبادة اللَّه جهرًا بسبب إسلامه، ولم يعبد جهرًا منذ بعث النبي -ﷺ- قبل ذلك.
_________________
(١) روى أبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ٣١٥ - ٣١٧) وفي الحلية (١/ ٤٠) عن ابن عباس أنه سأل عمر لم سميت الفاروق؟ فذكر قصة إسلامه وإشهاره إسلامه بين الملأ من قريش قال فسماني رسول اللَّه -ﷺ- الفاروق. وأخرج ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١) من طريق الواقدي عن عائشة أنها سئلت من سمى عمر الفاروق؟ قالت: رسول اللَّه. وذكر ابن الجوزي في مناقب عمر (ص ١٩) أثرًا عن علي ﵁ أنه سئل عن عمر فقال: ذاك امرؤ سماه اللَّه الفاروق فرق بين الحق والباطل.
(٢) في "ظ" وكنية عمر أبو حفص.
(٣) ذكره ابن الجوزي في مناقب عمر (ص ٩).
[ ٢ / ٣ ]
وأخرج ابن سعد (١) عن أيوب بن موسى مرسلًا قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق فرق بين الحق والباطل" (٢) فعبد اللَّه جهرًا ولم يعبد جهرًا قبل ذلك (٣).
وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (٤).
وأخرج ابن سعد عنه -أيضًا- قال: كان إسلام عمر فتحًا وكانت هجرته نصرًا وكانت إمامته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطع أن نصل إلى البيت حتى أسلم عمر فقاتلهم حتى تركوا سبيلنا (٥).
وقال حذيفة بن اليمان ﵁ لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا (قربًا) (٦) ولما قتل كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدًا (٧)؛ وكان إسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في السنة السادسة من البعثة
_________________
(١) ابن سعد: محمد بن سعد بن منيع أبو عبد اللَّه البغدادي كاتب الواقدي ومصنف الطبقات الكبرى والصغرى وغير ذلك محدث مؤرخ حافظ حجة، توفى سنة ثلاثين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٦٤).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٧٠) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ١٥١) إلى قوله: فرق بن الحق والباطل مرسلًا كما ذكره المؤلف.
(٣) هذه الزيادة ليست في الطبقات.
(٤) رواه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ابن الخطاب (٧/ ٥١) رقم (٣٦٨٤) وفي مناقب الأنصار باب إسلام عمر (٧/ ٢١٥) رقم (٣٨٦٣).
(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات (ج ٣/ ٢٧٠).
(٦) في النسختين: لا يزداد إلا قوة وما أثبتنا من مصادر النص.
(٧) أخرجه ابن سعد في الطبقات (ج ٣/ ٢٧٢) وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٩) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٤) وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ١٥٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي =
[ ٢ / ٤ ]
وعمره يومئذٍ سبع وعشرون سنة وكان إسلامه بعد تسعة وثلاثين رجلًا أو أربعين أو خمسة وأربعين وإحدى عشرة امرأة، ففرح المسلمون بإسلامه وظهر الإسلام بمكة.
وقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة بفضائله.
ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا (١) إلا سلك فجًا غير فجك" (٢).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" (٣) -أي ملهمون.
وأخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة ﵂ ولفظه: "قد كان يكون في الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب" (٤).
ورواه الترمذي (٥) وقال: حديث حسن صحيح.
قال الإمام سفيان بن عيينة: محدثون مفهمون.
_________________
(١) = ولفظه عند ابن سعد والحاكم: كان الإسلام في زمان عشر كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربًا والرواية التي ذكرها المؤلف هي رواية ابن الأثير.
(٢) فجًا: الفج: الطريق الواسع (النهاية. فجج).
(٣) أخرجه البخاري (٧/ ٥٠ - ٥١) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب عمر بن الخطاب، ومسلم رقم (٢٣٩٦) في فضائل الصحابة باب في فضائل عمر بن الخطاب ﵁.
(٤) رواه البخاري في صحيحه (٧/ ٥٢) رقم (٣٦٨٩).
(٥) رواه مسلم رقم (٢٣٩٨) في فضائل الصحابة باب من فضائل عمر بن الخطاب.
(٦) في جامعه رقم (٣٦٩٣) في المناقب باب مناقب عمر بن الخطاب.
[ ٢ / ٥ ]
وقال ابن وهب (١) تفسير محَدّثون: ملهمون (٢).
وقال أبو بكر الصديق ﵁: "ما على وجه الأرض أحد أحب إليَّ من عمر" (٣) أخرجه ابن عساكر.
وقيل لأبي بكر ﵁ ماذا تفول لربك وقد وليت عمر؟ قال: "أقول له وليت عليهم خيرهم" أخرجه ابن سعد (٤).
وقال علي ﵁: "إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر ما كنا (نبعد) (٥) أن السكينة تنزل إلا على لسان عمر" أخرجه الطبراني في الأوسط (٦).
وقال ابن مسعود ﵁: "لو أن علم عمر وضع في كفة ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم" أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم (٧).
_________________
(١) ابن وهب: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد، مات سنة سبع وتسعين ومائة. تقريب (١٩٣).
(٢) قال الحافظ في الفتح: (مُحَدَّثون) بفتح الدال جمع محدث واختلف في تأويله فقيل ملهم قاله الأكثر قالوا: المحدث بالفتح هو الرجل الصادق الظن وهو من القي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به وقيل من يجرى الصواب على لسانه من غير قصد. انظر: فتح الباري (ج ٧/ ٦٢) وجامع الأصول (ج ٨/ ٦١٠).
(٣) ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ١٢٠) وابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة (ص ٩٨) ونسباه إلى ابن عساكر.
(٤) في الطبقات (٣/ ٢٧٤).
(٥) في النسختين: ما كنا (نعد) وما أثبتنا من مصادر تخريج النص.
(٦) أخرجه الطبراني في الأوسط -كما في مجمع الزوائد (٩/ ٦٧) وفي تاريخ الخلفاء (١٢٠) وفي الصواعق المحرقة (٩٨). قال الهيثمي إسناده حسن.
(٧) أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٧٩) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٦) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا رجال الصحيح غير أسد بن موسى =
[ ٢ / ٦ ]
وقال حذيفة ﵁: "واللَّه ما أعرف رجلًا لا تأخذه في اللَّه لومة لائم إلا عمر" (١).
وعلى كل حال فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بعد الصديق الأعظم أفضل هذه الأمة من غير شك ولا مراء بالنص والإجماع (٢) خلافًا للشيعة في زعمهم أن أفضل هذه الأمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وخلافًا للراوندية (٣) في زعمهم أن أفضل الصحابة ﵃ العباس بن عبد المطلب ﵁.
وأخرج الإمام أحمد والترمذي عن علي.
وابن ماجة عنه وعن أبي جحيفة.
وأبو يعلى في مسنده، والضياء في المختارة عن أنس.
_________________
(١) = وهو ثقة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) الأثر ذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص ١٢٠) بدون عزو.
(٣) انظر: الاتفاق على ذلك في الإبانة لابن بطة (٢٥٩) والإبانة للأشعري (٢٢٣) وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (٨٦ - ٨٩) ومجموع الفتاوى (ج ٣/ ١٥٣، ج ١١/ ٥٦) وشرح العقيدة الطحاوية (٥٣٣ - ٥٤٥) والباعث الحثيث (١٨٣) وتدريب الراوي (٤٠٧ - ٤٠٨).
(٤) الراوندية: ذكرها الأشعري في المقالات في فرق الرافظة وقال: زعموا أن النبي -ﷺ- نص على العباس بن عبد المطلب: ونصبه إمامًا ثم نص العباس على إمامة ابنه عبد اللَّه. . . ثم ساقوا الإمامة حتى انتهوا بها إلى أبي جعفر المنصور. وذكر ابن حزم في الفصل أن الراوندية قالوا: لا تجوز الخلافة إلا في ولد العباس بن عبد المطلب. انظر: المقالات (١/ ٩٥ - ٩٦)؛ والفصل (٤/ ١٥٤)؛ والفرق بين الفرق (٣٥٠)، وتدريب الراوي (٤٠٧).
[ ٢ / ٧ ]
والطبراني في الأوسط عن جابر وعن أبي سعيد ﵃ أجمعين أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين" (١) -يعني أبا بكر وعمر﵄.
وأخرج الحاكم في الكنى وابنى عدي في الكامل والخطيب (٢) في تاريخه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين وخير أهل السموات وخير أهل الأرض إلا النبيين والمرسلين" (٣).
_________________
(١) أخرجه عن علي الترمذي رقم (٣٦٦٥ - ٣٦٦٦) وعبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند (١/ ٨٠)؛ وفي فضائل الصحابة رقم (٩٣، وابن ماجة رقم (٩٥) وابن شاهين في السنة رقم (١٤٤) والخطيب في تاريخ بغداد (١٠/ ١٩٢) والدولابي في الكنى (٢/ ٩٩) وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٨٩) من طرق عن علي ﵁. وأخرجه عن أنس الترمذي رقم (٣٦٦٤) وأبو يعلى في مسنده رقم (٥٣٣، ٦٢٤) والضياء في المختارة، كما ذكر الشارح ورواه عن أبي سعيد الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٥٣) والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ١٦٨) رقم (٢٤٩٢). ورواه عن جابر الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٥٣). وأخرجه عن أبي جحيفة ابن ماجة رقم (١٠٠)؛ وابن حبان كما في الإحسان (ج ٩/ ١٥) رقم (٦٨٦٥)، والدولابي في الكنى (١/ ١٢٠) من طرق عنه. وذكر الحديث الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٤٨٧) رقم (٨٢٤) وقال (ص ٤٩٢): بعد أن ذكر طرقه وشواهده: "وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه صحيح بلا ريب".
(٢) الخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي أبو بكر البغدادي من كبار العلماء بالحديث والفقه وله مصنفات كثيرة منها تاريخ بغداد في أربعة عشر مجلدًا، وشرف أصحاب الحديث، والكفابة في علم الرواية" والجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع وغيرها، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٧٠).
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٠١ - ٦٠٣) والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٢٥٣) من طريق جبرون بن واقد حدثنا مخلد بن حسين. . . وأورد من طريقه حديثًا آخر ثم قال: لا أعرف له غير هذين الحديثين وهما منكران. =
[ ٢ / ٨ ]
وأخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر والطبراني عن عصمة بن مالك ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب" (١).
وأخرج الإمام أحمد والبزار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
وأخرجه الطبراني من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبلال ومعاوية وعائشة ﵃ (٢).
_________________
(١) = وقال الذهبي في الميزان (١/ ٣٨٧، ٣٨٨) في ترجمة جبرون هذا: "متهم فإنه روى بقلة حيا"، فذكر هذا الحديث والحديث الآخر ثم قال: "وهما موضوعان" وأقره الحافظ في اللسان (٢/ ٩٤). وذكره الشيخ ناصر الألباني في الضعيفة (٤/ ٢٢٧): وقال موضوع.
(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٥٤) وفي فضائل الصحابة رقم (٤٩٨، ٥١٩) وابن شاهين في السنة رقم (١٤١) والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٠٠) والترمذي في جامعه (٥/ ٦١٩) رقم (٣٦٨٦) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٥) كلهم عن عقبة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٣٢٧). ورواه عن عصمة بن مالك الطبراني في الكبير (١٧/ ١٨٠) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٨): فيه الفضل بن المختار وهو ضعيف.
(٣) رواه عن أبي هريرة أحمد في المسند (٢/ ٤٠١) وفي فضائل الصحابة رقم (٣١٥، ٥٢٤، ٦٨٤) وأبو يعلى في مسنده كما في الجامع الصغير للسيوطي (١/ ٢٦١) وابن أبي شيبة (١٢/ ٢٥)؛ والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ١٧٤) رقم (٢٥٠١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦): ورجال البزار رجال الصحيح غير الجهم بن أبي الجهم وهو ثقة. ورواه عن ابن عمر ﵄ أحمد في المسند (٢/ ٥٣، ٩٥) وفي فضائل الصحابة رقم (٣١٣، ٣٩٥، ٥٢٥) والترمذي في الجامع رقم (٣٦٨٢) وابن شاهين في السنة رقم (٧٨) وإسناده حسن. =
[ ٢ / ٩ ]
وأخرج الطبراني -أيضًا- والديلمي (١) عن الفضل بن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الحق بعدي مع عمر حيث كان" (٢).
_________________
(١) = ورواه عن أبي ذر ﵁ كل من أحمد في المسند (٥/ ١٤٥، ١٦٥، ١٧٧) وفي فضائل الصحابة رقم (٣١٦ - ٣١٧، ٥٢١، ٦٨٣، ٦٨٧) وابن ماجة رقم (١٠٨) وابن أبي شيبة (٢١/ ١٢) وأبو داود (٣/ ٣٦٥) رقم (٢٩٦٢) وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٨١) والحاكم في المستدرك (٣/ ٨٧) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ورواه عن بلال ﵁ عبد اللَّه بن أحمد في زوائد فضائل الصحابة لأبيه رقم (٥٢٠) والطبراني في الكبير (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩) رقم (١٠٧٧) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦) وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط. ورواه عن عمر الطبراني في الأوسط -كما في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦) قال الهيثمي وفيه علي بن سعيد المقرئ العكاوي ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه عن معاوية الطبراني في الكبير (ج ١٩/ ٣١٢ - ٣١٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٦٦ - ٦٧): فيه ضعفاء سليمان الشاذكوني وغيره. ورواه عن عائشة الطبراني -أيضًا- في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٦٧) قال الهيثمي؛ وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو لين الحديث. والحديث صحيح كما مر في تخريجه، وقد ذكره الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٠٣) رقم (١٧٣٢).
(٢) الديلمي: شيرويه بن شهر دار بن شيرويه أبو شجاع، محدث حافظ مؤرخ مصنف "الفردوس" في الحديث، وتاريخ همذان، مات في سنة تسع وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٢٩٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٨٠ - ٢٨١) وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (٩/ ٢٦) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣) وأبو يعلى كما في المجمع -أيضًا- في حديث طويل عن الفضل ابن العباس. ورواه مختصرًا الديلمي في الفردوس (٣/ ٥٦) رقم (٤١٤٧) وابن شاهين في السنة رقم (٨٢) والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٤٥٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٦): وفي إسناد أبي يعلى عطاء بن مسلم وثقه ابن حبان وغيره وضعفه جماعة وبقية رجال أبي يعلى ثقات، وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم. =
[ ٢ / ١٠ ]
وأخرج ابن النجار (١) عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "الصدق بعدي مع عمر حيث كان" (٢).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه عن أنس.
والإمام أحمد -أيضًا- والشيخان عن جابر.
والإمام أحمد عن بريدة وعن معاذ بن جبل ﵃ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش فظننت أني أنا هو. فقلت ومن هو؟ فقالوا: عمر بن الخطاب فلولا ما علمت من غيرتك لدخلته" (٣).
_________________
(١) = وقد رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦٨) عن ابن عباس ﵄ وفي إسناده مقال.
(٢) ابن النجار: محمد بن محمود بن حسن بن هبة اللَّه بن محاسن البغدادي محب الدين أبو عبد اللَّه بن النجار عالم بالحديث حافظ مؤرخ له مصنفات كثيرة منها ذيل تاريخ بغداد طبع منه بعض الأجزاء وغيره، مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة. سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٣١).
(٣) ذكره ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة (ص ٩٨) ونسبه لابن النجار.
(٤) رواه عن أنس أحمد في المسند (٣/ ١٠٧، ١٧٩، ١٩١، ٢٦٣، ٢٦٩) والترمذي في جامعه في المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب رقم (٣٦٨٨) وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٩/ ١٩) رقم (٦٨٤٨) وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ورواه عن جابر الإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٠٩، ٣٧٢، ٣٨٩ - ٣٩٠)؛ والبخاري في صحيحه في فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (٧/ ٥٠) رقم (٣٦٧٩) ومسلم في فضائل الصحابة رقم (٢٣٩٥) باب من فضائل عمر ﵄. ورواه البخاري ومسلم -أيضًا- عن أبي هريرة ﵁. ورواه عن بريدة الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٥٤، ٣٦٠) والترمذي في جامعه رقم (٣٦٨٩) وقال الترمذي: صحيح غريب. ورواه عن معاذ بن جبل الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٣٣، ٢٤٥).
[ ٢ / ١١ ]
وأخرج الترمذي والحاكم عن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر" (١).
وُلِيَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة بعهد من خليفة رسول اللَّه -ﷺ- الصديق الأعظم أبي بكر الصديق ﵁ يوم توفي وذلك يوم الثلائاء لثمان بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة (فأقام) (٢) بالأمر أتم قيام، وكثرت الفتوحات في أيامه.
وفي سنة ثلاث وعشرين لما نفر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من مني أناخ بالأبطح ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل شهيدًا، وكان قد قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد نبيك، وكان قد قال في خطبته: رأيت كأن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين وإني لأراه حضور أجلي وإن قومًا يأمروني أن استخلف وإن اللَّه لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفى رسول اللَّه -ﷺ- وهو عنهم راضي وقال يشهد عبد اللَّه بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء" (٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في مناقب عمر ﵁ رقم (٣٦٨٤) والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٠)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بذاك. انتهى. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت عبد اللَّه ضعفوه وعبد الرحمن متكلم فيه والحديث شبه موضوع". وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣/ ٥٣٣) رقم (١٣٥٧) وقال موضوع.
(٢) كذا في المخطوطتين والصحيح أن يقال: فأقام الأمر أتم قيام أو فقام بالأمر أتم قيام. واللَّه أعلم.
(٣) انظر هذه النصوص في طبقات ابن سعد (٣/ ٣٣٤) وما بعدها، وفي أسد الغابة (٤/ ١٧٣ - ١٧٤)؛ وفي تاريخ الإسلام للذهبي جزء فيه الخلفاء الراشدون (ص ١٠٤) وما بعدها.
[ ٢ / ١٢ ]
فأصيب ﵁ يوم الأربعاء لأربع بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ضربه أبو لؤلؤة فيروز عبد المغيرة بن شعبة وكان مجوسيًا وكان قد جاء عمر ﵁ يشتكي كثرة ما جعل عليه المغيرة من الخراج فقال: ما خراجك؟ قال: مائة درهم كل شهر، فقال: ما هو عليك بكثير لكثرة صنائعه ثم إنه حقد عليه فطعنه بخنجر ذي رأسين ونصابه في وسطه ثلاث طعنات لما خرج عمر يوقظ الناس لصلاة الفجر وطعن معه اثني عشر رجلًا مات منهم ستة فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبًا فلما اغتم فيه قتل نفسه فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس صلاة الفجر بعد أن كادت تطلع الشمس بأقصر سورتين وحمل عمر إلى منزله فسقي النبيذ فخرج من جرحه فلم يتبين (١) فسقوه اللبن فخرج ثانيًا فقالوا لا بأس عليك فقال إن يكن في القتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه فقال: "أما واللَّه وددت أني خرجت منها كفافًا لا علي ولا لي، وإن صحبة رسول اللَّه -ﷺ- سلمت لي".
ثم عهد إلى الستة وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ﵃ أجلهم ثلاثة أيام وأمر صهيبًا أن يصلي بالناس في الثلاثة أيام مدة الشورى.
ودفن سيدنا عمر ﵁ يوم الأحد، وكسفت الشمس يوم موته (٢)
_________________
(١) كذا في الأصل وفي" ظ" فلم يتغير.
(٢) كسوف الشمس في اليوم الذي مات فيه عمر أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٦) عن عبد الرحمن بن يسار، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٧٨): رجاله ثقات. وكسوف الشمس في اليوم الذي مات فيه عمر لا يعني أنها كسفت من أجل موته فقد صح أن النبي -ﷺ- قال "إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن اللَّه تعالى يخوف بهما عباده" رواه البخاري. انظر فتح الباري (ج ٢ رقم ١٠٤٧ - ١٠٤٨).
[ ٢ / ١٣ ]
الكلام على عثمان بن عفان وبيان ترجيح عثمان على علي ﵃
وناحت الجن عليه (١)؛ ودفن في الحجرة الشريفة عند صاحبيه بوصية منه وإذن من أم المؤمنين عائشة ﵂ وكان قد أوصى قال: (أوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللَّه وأوصيه بالمهاجرين والأنصار وأوصيه بالأمصار خيرًا، وصلى عليه صهيب في المسجد النبوى وخرج الناس يمشون وعبد اللَّه (٢) أمامهم فسلم عبد اللَّه وقال: عمر يستأذن فقالت عائشة ﵂: أدخلوه فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه أبي بكر الصديق ﵁ وسيد العالم رسول رب العالمين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين (٣).
وقول الناظم قدس اللَّه روحه: (ثم) بعد أبي بكر الصديق وعمر الفاروق اللذين هما وزيرا رسول اللَّه محمد -ﷺ- والخليفتان من بعده فالأفضل بعدهما وخير الناس عقبهما عثمان بن عفان بن أبي العاص واسمه الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقي نسبه مع نسب النبي -ﷺ- في عبد مناف بن قصي.
إشارة إلى الصحيح المعتمد من أن عثمان ﵁ يلي وزيري النبي -ﷺ- في الفضيلة فأفضل هذه الاُمة بعد نبيها -ﷺ- أبو بكر الصديق ﵁ ثم عمر الفاروق ﵁ ثم عثمان ذو النورين (الأرجح): من غيره بعد أبي بكر وعمر ﵄ فأرجح أفعل تفضيل من رجح الميزان يرجح مثلثه رجوحًا ورجحانًا: مال، أي فهو أفضل من غيره بعدهما ﵁، ثم علي بن أبي طالب ﵁ كما يأتي الكلام عليه.
_________________
(١) ذكره ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٧٤) وابن الجوزي في مناقب عمر (ص ٢١٢).
(٢) هو: عبد اللَّه بن عمر.
(٣) انظر: قصة مقتل عمر ﵁ في البخاري (٧/ ٧٤) رقم (٣٧٠٠) وطبقات ابن سعد (٣/ ٣٣٧) والبداية (٧/ ١٣٧) والكامل (٣/ ٢٦) ومناقب عمر لابن الجوزي (ص ٢١٠) وما بعدها.
[ ٢ / ١٤ ]
وهذا قول عامة أهل السنة والجماعة من أهل الحديث والفقه، والكلام من الأثرية والأشعرية والماتريدية وغيرهم (١).
قال سيدنا الإمام أحمد إمام الأثرية ﵁: "علي ﵁ رابعهم في الخلافة والتفضيل" وقال: "من فضل عليًا على أبي بكر وعمر أو قدمه عليهما في الفضيلة والإمامة دون النسب فهو رافضى مبتدع فاسق" ذكره القاضي أبو يعلى.
قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: "فإن فضله -يعني عليًا﵁ على عثمان ﵁ فكذلك- (يعني يكون) (٢) رافضيًا مبتدعًا فاسقًا.
وفي رواية أخرى: أنه لايكون رافضيًا مبتدعًا فاسقًا بتفضيل علي على عثمان ﵄.
وتبرأ الإمام أحمد ﵁ ممن ضللهم أو أحدًا منهم" (٣) انتهى.
فتفضيل الصديق ثم عمر مجمع عليه بين أهل الحق وأما المفاضلة بين عثمان وعلي فمحل خلاف فالأكثرون ومنهم الإمام أحمد والإمام الشافعي وهو المشهور عن الإمام مالك ﵃ أن الأفضل بعد أبي بكر وعمر، عثمان ﵃ ثم علي ﵁ وعنهم أجمعين (٤).
_________________
(١) تقدم التعريف بهذه الفرق (١/ ١٤٢).
(٢) ما بين القوسين ساقط من "ظ".
(٣) انظر: مقدمة التميمي في معتقد الإمام أحمد في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٧٢) والسنة للخلال (١/ ٣٧٤).
(٤) وهذا قول جمهور السلف، انظر: معالم السنن (٧/ ١٨) ومجموع الفتاوى (ج ٣/ ١٣٥، ٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦) والباعث الحثيث (ص ١٨٣) وفتح الباري (٧/ ٢٠) وفتح المغيث (٣/ ١١٦ - ١١٩) وتدريب الراوي (٤٠٨) ومسلم بشرح النووي (١/ ١٤٨) وإرشاد طلاب الحقائق للنووي (٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩).
[ ٢ / ١٥ ]
وجزم الكوفيون ومنهم سفيان الثوري بتفضيل علي على عثمان (١).
وقيل بالوقف عن التفاضل بينهما وهو رواية عن مالك، فقد حكى أبو بكر المازري (٢) من المالكية عن المدونة أن مالكًا ﵁ سئل أي الناس أفضل بعد نبيهم فقال: أبو بكر ثم عمر ﵄، ثم قال: أو في ذلك شك.
فقيل له: وعلي وعثمان ﵄؟ فقال: ما أدركت أحدًا ممن اقتدى به يفضل أحدهما على الآخر (٣). انتهى.
وفي قول الإمام مالك: "أو في ذلك شك" يؤيد ما صححناه في "شرح الدرة" (٤) كغيرنا أن تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على بقية الأمة قطعي،
_________________
(١) قول سفيان في تقديم علي على عثمان أسنده الخطابي عنه في معالم السنن (٧/ ١٨) ثم قال: "وقد ثبت عن سفيان أنه قال في آخر قوليه: "أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃". وذكر ابن تيمية أنه رجع عنه. انظر: (ج ٤/ ٤٢٦) من الفتاوى ورجوعه إلى تقديم عثمان رواه أبو داود في سننه (ج ٥/ ٢٦ - ٢٧).
(٢) المازري: محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي في المازري المالكي أبو عبد اللَّه محدث من فقهاء المالكية نسبته إلى مازر بجزيرة صقلية ووفاته بالمهدية سنة ٥٣٦ هـ، من مصنفاته: "المعلم لفوائد مسلم، والمحصول في الأصول، وكتب في الأدب". انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١٠٤)؛ والأعلام (٦/ ٢٧٧).
(٣) انظر: المدونة الكبرى (ج ٤/ ٥٠٩) والرواية الثانية أنه وافق الجمهور كما ذكر المؤلف. انظر: الجامع لابن أبي زيد القيرواني (١١٥) والجامع من المقدمات لابن رشد (١٧٤ - ١٧٥) والبيان والتحصيل (ج ١٧/ ٢٢٣ - ٢٢٤) (ج ١٨/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٤) الدرة منظومة للشارح ﵀ في العقيدة وعدتها مائتا بيت وبضعة عشر واسمها "الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية"، وله عليها شرح سماه "لوامع الأنوار البهية لشرح الدرة المضية"، وقد طبع في مجلد كبير. وانظر ما يشير إليه الشارح في "لوامع الأنوار" (ج ٢/ ٣٥٦).
[ ٢ / ١٦ ]
نعم حكى القاضي عياض عن الإمام مالك أنه رجع عن التوقف إلى تفضيل عثمان ﵁ قال القرطبي وهو الأصح إن شاء اللَّه تعالى (١).
وقد نقل التوقف الإمام يوسف بن عبد البر عن جماعة من السلف منهم مالك، ويحيى القطان (٢) ويحيى بن معين (٣).
قال الإمام يحيى بن معين: "ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة" (٤).
ونحن نقول لا شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضله فهو مذموم، ومن ثم يعلم أن حكاية الإجماع على أن عثمان أفضل من علي ﵄ مدخول (٥) بل الخلاف في ذلك سابق معلوم.
نعم معتمد محققي أهل السنة أن فضيلة الخلفاء الراشدين على ترتيب الخلافة، وهذا منصوص الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام، لكن التفضيل في طرف الشيخين قطعي على المعتمد، وقيل ظني كما عند الباقلاني وغيره، والتفاضل بين
_________________
(١) انظر: فتح المغيث (٣/ ١١٨) وتدريب الراوي (٤٠٨) وانظر المصادر التي أشرنا إليها في (٢/ ١٥) فقرة (٤).
(٢) يحيى بن سعيد تقدم (١/ ٢٩٠).
(٣) يحيى بن معين بن عون الغطفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بالمدينة. تقريب (٣٧٩) وسير أعلام النبلاء (١١/ ٧١) وما بعدها.
(٤) الأثر أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٨٦) وعنه ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٠) وتمامه كما في جامع بيان العلم: "ومن قال أبو بكر وعمر وعثمان وسلم لعثمان سابقته فهو صاحب سنة، فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم بكلام غليظ".
(٥) كذا في الأصل وفي لوامع الأنوار، وفي "ظ" موجود.
[ ٢ / ١٧ ]
نسب عثمان وفضائله
عثمان وعلي ﵄ ظني ومحل خلاف واللَّه ولي الإنصاف (١).
إذا علمت هذا فاعلم أن عثمان بن عفان ﵁ أمه أروى وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه -ﷺ-.
(وأروى أم عثمان (٢) بنت) كريز بضم الكاف وفتح الراء فزاي مصغر كرز، وكريز بن ربيع بن حبيب بن عبد شمس، ولد عثمان سادس سنة الفيل، وأسلم قديمًا على يد الصديق الأعظم قبل دخول رسول اللَّه -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، وتزوج رقية بنت رسول اللَّه -ﷺ- قبل البعثة فماتت عنده في الثانية من الهجرة عند رجوع النبي -ﷺ- من غزوة بدر العظمى، فلم يشهد عثمان ﵁ بدرًا لتخلفه بإذن رسول اللَّه -ﷺ- ليمرض رقية، فجاء البشير (٣) بنصر البشير (٤) عند دفنها وضرب له رسول اللَّه -ﷺ- بسهمه وأجره ثم زوجه رسول اللَّه -ﷺ- أختها أم كلثوم وماتت عنده أيضًا سنة تسع من الهجرة.
قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره ولذلك سمي بذي النورين، فهو ﵁ من السابقين الأولين، وأول المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، واحد الستة الذي توفي رسول اللَّه -ﷺ- وهو عنهم راض، وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن في المصحف، وأحد الخلفاء الراشدين، وكان جميلًا صوامًا قوامًا، وكثير التلاوة للقرآن العظيم.
_________________
(١) راجع لوامع الأنوار (٢/ ٣٥٦).
(٢) في النسختين وأبو أروى أم عثمان والتصحيح من مصادر ترجمة عثمان. انظر: الاستيعاب (٨/ ٢٨) والإصابة (٦/ ٣٩١).
(٣) و(٤) البشير الأولى الرجل الذي أرسله النبي -ﷺ- ليبشر أهل المدينة بالنصر، والبشير الثانية هو النبي -ﷺ-.
[ ٢ / ١٨ ]
وقد أخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنا لنشبه عثمان بأبينا إبراهيم" (١).
وابن عدي -أيضًا- عن عائشة ﵂ قالت: "لما زوج النبي -ﷺ- بنته أم كلثوم لعثمان قال لها: "إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد -ﷺ-" (٢).
وأخرج الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- جمع ثيابه حين دخل عثمان، وقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" (٣).
وأخرج البخاري في صحيحه أن عثمان بن عفان حين حضر أشرف عليهم وقال: أنشدكم اللَّه ولا أنشد إلا أصحاب محمد -ﷺ- ألستم تعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها، فصدقوه بما قال" (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٨٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة عثمان (ص ٢٤، ٢٨،٩٠)؛ والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٧٣ - ١٧٤) ومن طريقه ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ٣١٣ - ٣١٤) في ترجمة عمر بن صالح. . . قال العقيلي: عمر بن صالح مدني مجهول بالنقل لا يعرف إلا بهذا ولا يتابع عليه، ثم أورد هذا الحديث من طريقه ثم قال: "وفي هذه رواية من غير هذا الوجه، فيها لين أيضًا " أ. هـ.
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٨٤) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة عثمان (ص ٢٤)؛ وأورده الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٥) في ترجمة عمرو بن الأزهر العتكي وقال: موضوع.
(٣) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب عثمان (ج ٧/ ٦٥) دون قوله ألا أستحي من رجل. ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضائل عثمان بن عفان (ج ٤/ ١٨٦٦).
(٤) رواه البخاري رقم (٢٧٧٨) (ج ٥/ ٤٧٧) في الوصايا تعليقًا قال الحافظ: وقد وصله الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما.
[ ٢ / ١٩ ]
وبايع رسول اللَّه -ﷺ- يوم بيعة الرضوان تحت الشجرة عنه بيساره فكانت يسار رسول اللَّه -ﷺ- لعثمان خيرًا من يمين نفسه (١).
وأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول اللَّه -ﷺ- فتنة فقال يقتل (هذا) (٢) فيها مظلومًا لعثمان.
قال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه (٣).
وأخرج أبو نعيم عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "عثمان أحيا أمتي وأكرمها" (٤).
وأخرج عن أبي أمامة مرفوعًا: " (إن) (٥) أشد هذه الأمة بعد نبيها حياء عثمان بن عفان" (٦).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه (ج ٧/ ٦٦ - ٦٧) باب مناقب عثمان عن ابن عمر وفيه: "فقال رسول اللَّه -ﷺ- بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. . ." ورواه الترمذي في المناقب رقم (٣٧٠٢) عن أنس بن مالك في قصة بيعة الرضوان وفيه: "فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إن عثمان في حاجة اللَّه وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول اللَّه -ﷺ- لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) (هذا) طمست في المخطوطة وأثبتناها من الترمذي.
(٣) رواه الترمذي في مناقب عثمان (ج ٥/ ٦٣٠) رقم (٣٧٠٨)؛ وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عمر".
(٤) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٥٦) من رواية ابن عمر ﵄ وليس من رواية عمر. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ١٤٧) ورمز لضعفه وذكره الألباني في ضعيف الجامع رقم (٣٦٧٩).
(٥) ساقطة من "ظ".
(٦) أخرجه أبو نعيم في فضائل الصحابة كما في كنز العمال (١١/ ٥٨٦) عن أبي أمامة، وأخرجه في الحلية (١/ ٥٦) عن ابن عمر ﵄.
[ ٢ / ٢٠ ]
استشهاده ﵁
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- قال لعثمان: يا عثمان (إن) (١) اللَّه وفي لفظ: "لعل اللَّه مقمصك" وفي لفظ "يقمصك قميصًا فإن أرادوك خلعه فلا تخلعه حتى يخلعوه" وفي لفظ "فلا تخلعه حتى تلقاني" (٢).
وأخرج الترمذي عن أبي سهلة قال: سمعت عثمان ﵁ يقول يوم الدار إن رسول اللَّه -ﷺ- عهد إلىَّ عهدًا فأنا ممتثل له وصابر عليه إن شاء اللَّه، فصبر حتى قتل ﵁ شهيدًا" (٣).
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
واستشهد ﵁ في داره سنة خمس وثلاثين في وسط أيام التشريق، وصلى عليه الزبير وكان أوصى إليه، ودفن في حش كوكب بالبقيع، وهو أول من دفن في حش كوكب، والحش بالحاء المهملة والشين المعجمة البستان، وضم الحاء أجود من كسرها، وكوكب اسم رجل من الأنصار.
وكانت مدة خلافته اثنتي عشرة سنة تحجز سبعة عشر يومًا، ومدة حصاره في
_________________
(١) ساقطة من النسختين وأثبتناها من مصادر تخريج الحديث.
(٢) رواه أحمد في المسند (٦/ ٧٥، ٨٧، ١٤٩، ١١٤) والترمذي رقم (٣٧٠٥) وابن ماجة رقم (١١٢) والحاكم في المستدرك (٣/ ٩٩ - ١٠٠) عن عائشة ﵂ من طرق، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨) رقم (٧٨٢٤).
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه رقم (٣٧١١) ولفظه: "أن رسول اللَّه -ﷺ- قد عهد إليَّ عهدًا فأنا صابر عليه". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن أبي خالد" أهـ. والرواية التي أوردها الشارح جاءت في جامع الأصول (٨/ ٦٤٥).
[ ٢ / ٢١ ]
داره إلى أن استشهد تسعة وأربعون يومًا وقيل شهران، واستشهد وهو صائم يومئذ، وهذا يؤيد كون ذلك بعد أيام التشريق أو قبلها، فقد قيل كان قتله لثمان عشرة من ذى الحجة أو لسبع عشرة، وقيل لثمان خلون من يوم التروية، وقيل لليلتين بقيتا منه.
وقدم في جامع الأصول لابن الأثير (١) وفي "الزهر البسام" (٢) للبرماوي أنه قتل في ثمانية عشر من ذي الحجة (٣) وله يومئذ من العمر اثنان وثمانون عامًا وقيل تسعون.
ويروى أن المصحف الشريف كان منشورًا بين يديه يقرأ فيه فوقعت قطرة من دمه على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧].
وأخرج الحاكم عن الشعبي ﵀ قال ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك ﵁:
فكف يديه ثم أغلق بابه وأيقن أن اللَّه ليس بغافل
وقال لأهل الدار لا تقتلوهم عفى اللَّه عن كل امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت اللَّه صب عليهم العداوة والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده عن الناس إدبار الرياح الجوافل (٤)
_________________
(١) راجعت مظانه في جامع الأصول فلم أجده.
(٢) "الزهر البسام فيما حوته عمدة الأحكام من الأنام لمحمد بن عبد الدايم البرماوي" ذكره صاحب كشف الظنون (٢/ ٩٥٨ - ٩٥٩). وقد تقدمت ترجمة البرماوي (١/ ٣٧٥).
(٣) وهو قول الجمهور وصححه ابن كثير وغيره، راجع تاريخ الطبري (٤/ ٤١٥) والبداية (٧/ ١٩٠)؛ وأسد الغابة (٣/ ٥٩٣).
(٤) الرواية أخرجها الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٥ - ١٠٦) وهي في ديوان كعب (ص ٥٣) ببعض الاختلاف. وأوردها ابن كثير في البداية (٧/ ١٩٦).
[ ٢ / ٢٢ ]
الكلام على أمير المؤمنين علي ﵁
قال الناظم ﵀ ورضي عنه: (ورابعهم): أي رابع الخلفاء الراشدين المتقدم ذكرهم، وهم أبو بكر وعمر وعثمان ﵃.
(خير البرية): أي الخلق يقال برأه اللَّه يبروه بروا أي خلقه ويجمع على البرايا والبريات، ومن قال إن أصله مهموز من برأ اللَّه الخلق يبرؤهم أي خلقهم ثم ترك الهمز تخفيفًا فجمعه برييات وبريات وبرايا كخطايا، يعني أن الإمام أمير المؤمنين خير الخلق من هذه الأمة (بعدهم) أي بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
(علي) بن أبي طالب الأنزع البطين (١) إمام الهدى و(أبو) (٢) الحسنين ابن أبي طالب عم (٣) سيد الكونين، واسمه عبد مناف من غير مين بن عبد المطلب جد إمام المرسلين وخاتم النبيين.
واسم عبد المطلب شيبة الحمد (٤) قاله ابن إسحاق (٥).
_________________
(١) الأنزع البطين: الأنزع الذي ينحسر شعر مقدم رأسه مما فوق الجبين والبطين أي العظيم البطن. وقيل معناه: الأنزع من الشرك المملؤ البطن من العلم والإيمان النهاية (١/ ١٣٧، ٥/ ٤٢)، ولوامع الأنوار (٢/ ٣٣٥).
(٢) في النسختين وجد الحسنين وكتب في هامش "ظ" صوابه وأبو، وهو الصواب.
(٣) في "ظ" ابن عم.
(٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٩): "واسم عبد المطلب: شيبة". وقال ابن كثير سمي شيبة الحمد لجوده. انظر: الاستيعاب (١/ ٥٣) والبداية (٢/ ٢٥٣).
(٥) ابن إسحاق: محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي والسير العلامة الحافظ الأخباري صاحب السيرة النبوية، مولده سنة ثمانين بالمدينة، ووفاته سنة خمسين ومائة. سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣) وما بعدها، وتقريب (٢٩٠).
[ ٢ / ٢٣ ]
نسبه وفضائله
وقال ابن قتيبة (١) اسمه عامر (٢) ورده ابن عبد البر (٣) وكنيته أبو الحارث أكبر أولاده، ويكنى أيضًا بأبي البطحاء، وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه حين أتي به من عند (خؤولته) من المدينة صغيرًا وكان في هيئة رثة فكان إذا قيل له من هذا؟ قال: عبدي لرثاثة هيئته (٤) وهو ابن هاشم واسمه عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، وإسم قصي زيد وقيل يزيد، واسم كلاب حكيم وقيل عروة -ابن عبد مناف ابن قصي بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، إلى هنا إجماع (٥) الأمة (٦) واختلفوا فيما بعد ذلك إلى آدم اختلافًا كثيرًا، واتفقوا على أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
يجتمع نسب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مع النبي -ﷺ- في جده عبد المطلب فهو ابن عمه -ﷺ- وأم علي ﵁ فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا في الإسلام، وقد أسلمت وهاجرت.
_________________
(١) ابن قتيبة: عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد العلامة الكبير ذو الفنون، صاحب التصانيف قال الخطيب: كان ثقة دينًا فاضلًا، وقال الذهبي: "وكان رأسًا في علم البيان العربي والأخبار وأيام الناس" من تصانيفه: "تأويل مختلف الحديث" ط، "مشكل القرآن" ط، "غريب القرآن"، "غريب الحديث" ط، "المعارف" ط، "أدب الكاتب"، "عيون الأخبار" وغيرها توفي سنة ٢٧٦ هـ. تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠ - ١٧١) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦ - ٣٠٢).
(٢) انظر: المعارف لابن قتيبة (ص ٧٢).
(٣) الاستيعاب (١/ ٥٣).
(٤) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ١٤٦ - ١٤٧) والبداية (٢/ ٥٣)؛ وسبل الهدى والرشاد (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٥) كذا في الأصل وفي "ظ": "أجمع الأمة" وكتب في الهامش: لعله: إجماع.
(٦) المناسب أن يقول: إلى هنا إجماع أهل النسب والتاريخ والسير.
[ ٢ / ٢٤ ]
وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى في وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (حليف الخير) بالحاء المهملة المفتوحة وكسر اللام كأمير أصله المحالف والمراد به هنا الملازم للخير المواخي له، الذي إذا وجد وجد معه ويفقد بفقدانه، ومنه قول أخت الوليد بن طريف الشاري الخارجي فيه -واسمها الفارعة وقيل فاطمة، وكانت تجيد الثسعر وتسلك طريق الخنساء في مراثيها لأخيها صخر فقالت في أخيها من قصيدة:
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى فإن مات لا يرضى الندى بحليف (١)
وزيد حليف اللسان حديده
(بالخير): وهو ضد الشر، والمال الكثير منه، واسم جامع لكل منتفع به، والكثير الخير يقال له خير ككيس وهي بهاء والجمع أخيار وخيارًا.
(منجح): اسم فاعل من نجحت الحاجة وأنجحت وأنجحها اللَّه والنجاح بالفتح الظفر، والنجح بالضم الظفر بالشيء وأنجح زيد صار ذا نجح وهو منجح والجمع مناجيح ومناجح،، وتنجح الحاجة واستنجحها والنجيح الصواب من الرأي ونجح فلان وأنجح إذا أصاب طلبته، وأنجح أمره تيسر وسهل إشارة إلى ما كان عليه من الظفر بالأقران وموالاة أهل الإيمان، والاعتناء بمكارم الأخلاق، ومزيد الكرم بالأرزاق، وتيسر أموره من الظفر والإنجاح، وأنه لكل مغلق من الخير مفتاح، فرضي اللَّه عنه وأرضاه وبوأه غرف الجنان، ومن أولاه من أهل الحق، وقمع من عاداه، وإذ قد عرفت أنه أقرب الخلفاء الراشدين من الرسول نسبًا وأمسهم رحمًا أمًا وأبًا،
_________________
(١) البيت في وفيات الأعيان (٦/ ٣٢ - ٣٣) من قصيدة للفارعة بنت طريف بن الصلت في رثاء أخيها الوليد.
[ ٢ / ٢٥ ]
فاسمع الآن ما نذكره من مناقبه ومزاياه وما ثبت من فضائله عن رسول اللَّه -ﷺ- وعلى آله وجميع أصحابه ومن والاه.
فقد قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي ﵁ وأرضاه" (١).
وكذا قال إسماعيل القاضي (٢) والنسائي (٣)؛ وأبو علي النيسابوري (٤): "لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي ﵁" (٥).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٠٧) وابن أبي يعلى في الطبقات (١/ ٣١٩) وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (٨/ ١٨١) وابن حجر في الإصابة (٧/ ٥٧) وفي فتح الباري (٧/ ٨٩) وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء (١٦٨).
(٢) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم البصري المالكي أبو إسحاق، قاضي بغداد وصاحب التصانيف مولده سنة تسع وتسعين ومائة، واعتنى بالعلم من الصغر، قال الخطيب: كان عالمًا متقنًا فقيهًا شرح المذهب واحتج له وصنف المسند وصنف علوم القرآن استوطن بغداد وولي قضاءها إلى أن توفى وتقدم حتى صار علمًا ونشر مذهب مالك بالعراق، ومات سنة اثنتين وثمانين ومائتين، تاريخ بغداد (٦/ ٢٨٤) وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣٩).
(٣) النسائي: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي صاحب السنن أبو عبد الرحمن الإمام الحافظ الثبت كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف مولده سنة خمس عشرة ومائتين بنسا، وتوفى بفلسطين سنة اثنتين وثلاثمائة، سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٢٥) وتهذيب الكمال (١/ ٣٢٨).
(٤) أبو علي النيسابوري: "الحسين بن علي بن يزيد بن داود النيسابوري أبو علي أحد النقاد ولد سنة سبع وسبعين ومائتين، وهو شيخ الحاكم النيسابوري، وكان من أهل الحفظ والإتقان، توفي سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥١).
(٥) انظر: الاستيعاب (٨/ ١٨١) وفتح الباري (٧/ ٨٩) ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٣٩).
[ ٢ / ٢٦ ]
قال بعض المحققين سبب ذلك -واللَّه أعلم- أن اللَّه أطلع نبيه -ﷺ- على ما سيكون بعده مما ابتلى به أمير المؤمنين علي ﵁ وما وقع له من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهار الرسول -ﷺ- لتلك الفضائل لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته، ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل وبثها نصحًا للأمة ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه وسبه حتى على المنابر ووافقهم على ذلك الخوارج اشتغلت جهابذة العلماء والحفاظ من أهل السنة ببث فضائله حتى كثرت نصحًا للأمة ونصرة للحق (١).
وقد أخرج السلفي (٢) في "الطيوريات" (٣) (٤) عن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن الإمام أحمد ﵄ قال: سألت أبي عن علي ومعاوية فقال: "اعلم أن عليًا ﵁ كان كثير الأعداء ففتش (٥) أعداؤه شيئًا فلم يجدوا فجاؤا إلى رجل قد حاربه وقاتله فناصروه كيادًا منهم له، ﵁".
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٧/ ٨٩)؛ ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٣٩).
(٢) السلفي: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأصبهاني الجرواني، أبو طاهر الحافظ الكبير المعمر، مولده سنة خمس وسبعين وأربعمائة، رحل في طلب الحديث وله في ذلك رحلة واسعة ثم صارت الرحلة إليه وله أمالي وكتب وتعاليق كثيرة جدًا. توفي سنة ست وسبعين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٥/ ٢١)؛ والبداية (١٢/ ٣٠٧).
(٣) الطيوريات: انتخابه من أصول كتب الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي الطيوري. منه نسخة في سبعة عشر جزء في الظاهرية بدمشق حديث (٢٢٩) (١ - ٢٨٦) (فهرس الظاهرية المنتخب من مخطوطات الحديث للشيخ ناصر الدين الألباني).
(٤) كتب في هامش مخطوطة "ظ": "قوله: الطيوريات: تخريج الحافظ أبي طاهر السلفي. تقرير.
(٥) انظر: لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٣٩).
[ ٢ / ٢٧ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: "الكل مقر بأن معاوية ليس كفوًا لعلي ﵄ في الخلافة قال ولا يجوز أن يكون معاوية خليفة مع إمكان استخلاف علي ﵁ لسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله فإنها كانت عندهم ظاهرة معروفة كفضل إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولم يكن بقى من أهل الشورى غيره وغير سعد لكن سعدًا كان قد أسقط حقه من هذا الأمر فانحصر الأمر في أمير المؤمنين علي وعثمان ﵄ فلما توفى عثمان لم يبق لها معين إلا علي ﵁ انتهى كلامه ملخصًا (١).
وقال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "إن عليًا رضوان اللَّه عليه لم تزنه الخلافة ولكن علي زانها" (٢).
وروى الشعبي قال: "دخل أعرابي على علي ﵁ حين أفضت إليه الخلافة فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك ولهي كانت أحوج إليك منك إليها" (٣).
قال أبو عبد اللَّه بن بطة (٤) رحمه اللَّه تعالى: "قد أحسن الأعرابي وصدق فيما قال فإن عليًا ومن تقدمه من الخلفاء ﵃ زينوا الخلافة وجملوا أمة محمد -ﷺ- وأتموا الدين (٥) وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه".
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (ج ٣٥/ ٧٣ - ٧٤) لوامع الأنوار (٢/ ٣٣٩).
(٢) التبصرة لابن الجوزي (١/ ٤٤٩) ولوامع الأنوار (٢/ ٣٤٦).
(٣) روى ابن الأثير في أسد الغابة عن المدائني نحوه. انظر: أسد الغابة (٤/ ١١٣).
(٤) ابن بطة تقدم (١/ ١٠٥).
(٥) قد أكمل اللَّه الدين وأتمه في حياة نبيه -ﷺ- كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. .﴾ [المائدة: ٣] لكن المقصود أنهم أتموا نشر الإسلام والدعوة إليه.
[ ٢ / ٢٨ ]
وأنشد أبو الفرج ابن الجوزي في تبصرته في حق علي ﵁:
ما زانه الملك إذ حواه بل كل شيء به يزان
جرى ففات الملوك سبقًا فليس قدامه عنان
نالت يداه ذرى معال يعجز عن مثلها العيان (١)
وهو أخ لرسول اللَّه -ﷺ- بالمواخاة.
فأخرج الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: "لما آخا رسول اللَّه -ﷺ- بين أصحابه جاءه علي تدمع عيناه فقال له يا رسول اللَّه آخيت بين أصحابك ولم تواخ بيني وبين أحد قال: فسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول له: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" (٢) حديث حسن.
وأخرج أيضًا عن زيد بن أرقم أو أبي شريحة شك شعبة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (٣) وقال: حديث حسن.
وفي مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي وغيرها من حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- خلف علي بن أبي طالب ﵁ في غزوة تبوك فقال: يا رسول اللَّه أتخلفني في النساء والصبيان فقال:
_________________
(١) الأبيات في التبصرة لابن الجوزي (١/ ٤٤٩) وانظر لوامع الأنوار (٢/ ٣٤٦).
(٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب (ج ٥/ ٦٣٦) رقم (٣٧٢١) وقال: "هذا حديث حسن غريب، وفي الباب عن زيد بن أبي أوفى". وقال الشيخ ناصر في تخريج المشكاة (٣/ ١٧٢٠ - ١٧٢١) رقم (٦٠٨٤): إسناده ضعيف.
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب رقم (٣٧١٣) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط الشيخين". راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٧٥٠).
[ ٢ / ٢٩ ]
"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي".
ولمسلم: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".
وقال سعيد بن المسيب أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه قال: فأحببت أن أشافه سعدًا فلقيته فقلت أنت سمعته من رسول اللَّه -ﷺ- فوضع أصبعيه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاستكًتا" (١).
وأخرج الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث عمران بن الحصين وحديث حبشي بن جنادة أن رسول -ﷺ- قال: "علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا علي" (٢).
ورواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب علي بن أبي طالب (ج ٧/ ٨٨) رقم (٣٧٠٦) وفي المغازي باب غزوة تبوك (ج ٧/ ٧١٦) رقم (٤٤١٦) ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب رقم (٢٤٠٤) وأحمد في المسند (١/ ١٧٠، ١٧٧، ١٧٩، ١٨٢، ١٨٤ - ١٨٥) والنسائي في خصائص علي (ص ٦٧) وما بعدها، والترمذي في المناقب رقم (٣٧٣١) وابن ماجة في المقدمة (١/ ٤٢، ٤٣)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ٦٠ - ٦١). ومعنى قوله في الحديث: وإلا فاستكّتا: هو بتشديد الكاف: أي صُمّتا، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ١٧٥).
(٢) أخرجه عن حبشي بن جنادة الترمذي رقم (٣٧١٩) وأحمد في المسند (٤/ ١٦٤ - ١٦٥) والنسائي في خصائص علي رقم (٧٤)؛ وابن ماجة رقم (١١٩) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وذكره الألباني في صحيح الجامع رقم (٣٩٧٠) وحسنه وأخرجه عن عمران بن حصين الترمذي رقم (٣٧١٢) وفيه قصة وفي آخره قال النبي -ﷺ-: "إن عليًا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي". وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان، وصحح إسناده الألباني في تخريج المشكاة رقم (٦٠٨١).
[ ٢ / ٣٠ ]
وأخرج مسلم عن علي ﵁ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق" (١).
وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليًا" (٢).
وفي الصحيحين عن سهل (٣) بن سعد الساعدي وغيره أن رسول اللَّه -ﷺ- قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح اللَّه على يديه يحب اللَّه ورسوله ويحبه اللَّه ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم -أي يخوضون ويتحدثون أي باتوا ليلتهم في حزر وتخمين يقال داك القوم وقعوا في اختلاط ووقعوا في دوكه ويضم شر وخصومة وتداوكوا تضايقوا في ذلك كما في القاموس أي يتخاصمون (٤) -أيهم يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يا رسول اللَّه يشتكى عينيه. قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي: يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه ﷿ فيه فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (٥).
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه في الإيمان رقم (٧٢) باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان.
(٢) أخرجه الترمذي في مناقب علي رقم (٣٧١٧) وقال: "هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي هارون وقد تكلم شعبة في أبي هارون.
(٣) في الأصل: عن سعيد بن سعد والمثبت من "ظ" وهو الصحيح.
(٤) هذا الشرح للمؤلف والمناسب أن يجعله بعد نهاية الحديث.
(٥) رواه البخاري (٧/ ٨٧) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب علي بن أبي طالب. ومسلم رقم (٢٤٠٦) في فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁.
[ ٢ / ٣١ ]
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ. قال فتساورت -أي تطاولت لها- رجاء أن أدعى لها قال: فدعى رسول اللَّه -ﷺ- علي بن أبي طالب ﵁ فأعطاه إياها وقال إمشي ولا تلتفت حتى يفتح اللَّه عليك قال فسار علي شيئًا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ برسول اللَّه -ﷺ- على فإذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه فإذا فعلوا فقد منعوا منك دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه" (١).
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي "أن النبي -ﷺ- وجد عليًا مضطجعًا في المسجد وقد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل النبي -ﷺ- يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب قم أبا تراب" (٢).
فلذلك كانت هذه الكنية أحب الكنى إليه لأنه -ﷺ- كناه بها.
وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: علي ﵁ أقضانا (٣) أخرجه ابن سعد.
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال: "أقضى أهل المدينة علي" (٤).
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٢٤٠٥) في فضائل الصحابة باب من فضائل علي ﵁. وقد رواه البخاري ومسلم من رواية سلمة بن الأكوع ﵁. انظر: جامع الأصول (٨/ ٦٥٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في فضائل أصحاب النبي -ﷺ- (ج ٧/ ٨٧ - ٨٨) رقم (٣٧٠٣) ومسلم في فضائل الصحابة رقم (٢٤٠٩).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٣٩).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٣٥) وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٣٩) وانظر الاستيعاب (٨/ ١٥٥) وما بعدها، وأسد الغابة (٤/ ١٠٠).
[ ٢ / ٣٢ ]
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا حدثنا الثقة عن علي الفتيا لا نعدوها" (١).
وأخرج عن سعيد بن المسيب قال كان عمر بن الخطاب يتعوذ باللَّه من معضلة ليس لها أبو حسن" (٢) -يعني عليًا﵃.
وقال ابن عباس ﵄: "كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له القدم في الإسلام والصهر برسول اللَّه -ﷺ- والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في المال" (٣).
وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي ﵁ قال: "ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول اللَّه -ﷺ- وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية" (٤).
ولما بلغه ﵁ افتخار معاوية ﵁ قال لغلامه اكتب ثم أملى عليه:
_________________
(١) ابن سعد (٢/ ٣٣٨) وانظر الاستيعاب (٨/ ١٦٠) وأسد الغابة (٤/ ١٠٠).
(٢) ابن سعد (٢/ ٣٣٩) والاستيعاب (٨/ ١٥٧) وأسد الغابة (٤/ ١٠٠).
(٣) كذا في النسختين عن ابن عباس، والذي في الاستيعاب (٨/ ١٦٦) وأسد الغابة (٤/ ١٠٠)؛ وتاريخ الخلفاء (١٧١). قال سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قلت لعبد اللَّه بن عياش بن أبي ربيعة يا عم لم كان صفو الناس -ميلهم- إلى علي؟ فقال يا ابن أخي إن عليًا ﵇ كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم. . . إلى آخر النص مع بعض الاخلاف.
(٤) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٧٨) وأبو يعلى في المسند (١/ ٤٤٥) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٢٢) وقال رواه أبو يعلى وأحمد ورجالهما رجال الصحيح غير أم موسى وحديثها مستقيم.
[ ٢ / ٣٣ ]
محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يمسى ويضحى يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابناى منها فأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرا غلامًا ما بلغت أوان حلمي (١)
قال الحافظ أبو حسن البيهقي (٢) أن هذا الشعر مما يجب على كل متوان في علي ﵁ (حفظه) (٣) لتعلم مفاخره في الإسلام. انتهى.
ورضي اللَّه عن الإمام الشافعي حيث يقول شعرًا:
يا راكبًا قف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض
سحرًا إذا فاض الحجيج إلى منى فيضًا كملتطم الفرات الفائض
إن كان رفضًا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي (٤)
_________________
(١) الأبيات في المجتنى لأبي بكر بن دريد (ص ٢٦) من رواية أبي عبيدة وقد أوردها ابن كثير في البداية (ج ٨ ص ٨ - ٩) وقال: وهذا منقطع بين أبي عبيدة وزمان علي ومعاوية. وقد أوردها الشيخ سليمان بن سحمان في كتابه "تنبيه ذوي الألباب السليمة" (ص ٢٤) وقال: وهذه المفاخرة التي ذكرها الشارح لم يذكرها عن علي ﵁ بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا عزاها إلى شيء من الكتب المعتمدة. فالأشبه بها أن تكون من وضع الرافضة، فالصحابة ﵃ لم يكن من هديهم وأخلاقهم التفاخر بينهم بالأحساب والأنساب بل كان السلف رضوان اللَّه عليهم ينهون عن الفخر والخيلاء. . . إلى آخر كلامه.
(٢) محمد بن الحسين بن الحسن البيهقي النيسابوري الكيدري (قطب الدين أبو الحسن) فاضل من أثاره: أنوار العقول في جمع أشعار أمير المؤمنين الإمام علي في الآداب والحكم والمواعظ على حروف المعجم، والحديقة الأنيقة الأنس، كان حيًا سنة ٥٧٦ هـ معجم المؤلفين (٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٣) زيادة من لوامع الأنوار للشارح وبها يستقيم الكلام.
(٤) الأبيات في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ٢٩٩) وفي مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٧١) وذكر البيهقي أن الشافعي أنشد هذه الأبيات حين نسبته الخوارج إلى الرفض. =
[ ٢ / ٣٤ ]
ولايته الخلافة وما جرى له مع معاوية
وقال أيضًا:
قالوا ترفضت قلت كلا ما الرفض ديني ولا اعتقادي
لكن توليت غير شك خير إمام وخير هاد
إن كان حب الولي رفضًا فإنني لم أرْفَضُ العباد (١)
ولي الإمام أمير المؤمنين علي الأنزع البطين (٢) الخلافة بعد أن استشهد عثمان بن عفان، فإنه لما قتل عثمان جاء الناس يهرعون إلى علي فقالوا: نبايعك فمد يدك فلابد للناس من أمير فقال علي: ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًا فقالوا: ما نرى أحدًا أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه (٣). وهرب مروان وولده، وزعم بعض الناس أن طلحة والزبير إنما بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكة، وأم المؤمنين عائشة بها فأخذاها وخرجا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، فبلغ ذلك عليًا فخرج إلى العراق فلقي طلحة والزبير ومن معهما وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير ﵄، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفًا وأقام علي بالبصرة خمس عشرة (٤) ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية
_________________
(١) = وذكر أبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥٢): أن بعض الناس عاب الشافعي لفرط ميله إلى أهل البيت وشدة محبته لهم إلى أن نسبه بعضهم إلى الرفض فقال الأبيات ردًا عليهم. وقد وردت الأبيات أيضًا في المصادر الآتية: سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨) وفي الوافي بالوفيات (٢/ ١٧٢) والنجوم الزاهرة (٢/ ١٧٧) والانتقاء (٩٠ - ٩١) وفي معجم الأدباء (١٧/ ٣٢٠) وفي ديوانه (ص ٩٠).
(٢) ديوان الشافعي (ص ٦٣).
(٣) الأنزع البطين: تقدم معناها (٢/ ٢٣).
(٤) انظر: أسد الغابة (٤/ ١١٣) وطبقات ابن سعد (٣/ ٣١) والبداية (٧/ ٢٢٥) وما بعدها، الكامل (٣/ ٩٨) وما بعدها، تاريخ الخلفاء (١٧٤).
(٥) في الأصل خمسة عشر والمثبت من "ظ"، وهو الصحيح.
[ ٢ / ٣٥ ]
ومن معه من أهل الشام، فبلغ عليًا فسار، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال بها أيامًا، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص (١)؛ وكتبوا بينهم كتابًا أن يوافوا رأس الحول بأذرح (٢) فينظروا في أمر الأمة، فافترق الناس ورجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام (٣)؛ وبلغت القتلى في تلك الأيام ثلاثين ألفًا.
قال القرطبي: "وكان مقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر. وقيل: تسعة أشهر، وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل: بل قتل في ثلاثة أيام ثلاثة وسبعون ألفًا وهي الأيام البيض: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، ومن تلك الليالي ليلة الهرير، وهو
_________________
(١) أورد الشارح هذه الرواية نقلًا عمن سبقه من المؤرخين، والحقيقة أن وقعة صفين وما جرى فيها من الأحداث، وقصة رفع المصاحف، وقضية التحيكم (والتي سيذكرها المؤلف) هي من أهم القضايا التاريخية في عصر الخلافة الراشدة، وقد نقل كثير من المؤرخين هذه القصة على ما في متنها من الاختلاف والاضطراب والنكارة، إضافة إلى الضعف الشديد في أسانيدها، مما يؤكد عدم صحة أكثر ما جاء فيها، وأن كثيرًا منها من دسائس المبغضين للصحابة ﵃، والذي يهمنا في هذا القام بيان مكان الصحابة ﵃ وفضلهم وسبقهم وعلو مرتبتهم، وبيان محبة بعضهم بعضًا، وأن مكانتهم أعلى وأسمى من أن يكيد بعضهم لبعض، ويخدع بعضهم بعضًا، وأن هذا هو اللائق بالصحابة ﵃، وأن أغلب ما قيل فيهم ونقل عنهم من التنافر والعداء لا يصح ولا يثبت، فالواجب الاعتراف بفضل الصحابة ومكانتهم وإحسان الظن بهم، والكف عما شجر بينهم، وإن الكل مجتهد، وإن أخطأ بعضهم في اجتهاده فهو مأجور ومعذور. انظر العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي (١٧٥) وما بعدها، ومرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري (ص ٣٧٨) وما بعدها، والعقيدة الواسطية لابن تيمية وشرحها للدكتور صالح الفوزان (ص ٢٠١) وما بعدها.
(٢) أذْرُح: بالفتح ثم السكون وضم الراء والحاء المهملة: اسم بلد في أطراف الشام. (معجم البلدان ١/ ١٢٩).
(٣) انظر طبقات ابن سعد (٣/ ٣٢)؛ وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص (١٧٤).
[ ٢ / ٣٦ ]
الصوت الذي يشبه نباح الكلاب، لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت، وتضاربوا بالسيوف حتى انقضت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض وقد كسروا جفان سيوفهم، وتضاربوا بما بقي من السيوف، وعمد الحديد، فلا يسمع إلا غمغمة القوم والحديد في السهام، ثم تراموا بالأحجار، ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب، ثم تكادموا بالأفواه، وكسفت الشمس (١)؛ وثار القتام وارتفع الغبار، وضلت الألوية والرايات، ومرت مواقيت أربع صلوات، لأن القتال كان من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد نصف الليل، وكان ذلك في ربيع الأول من سنة سبع وثلاثين، كما في تاريخ سيدنا الإمام أحمد بن حنبل (٢).
وكان مع معاوية من أهل الشام مائة ألف وخمسة وثلاثون ألفًا كما ذكره الزبير ابن بكار (٣).
واستشهد في صفين أبو اليقظان عمار بن ياسر ﵁ وكان مع علي وكان عمر عمار يومئذ ثلاثًا وتسعين عامًا وهو الطيب المطيب (٤) وكان النبي -ﷺ- قال له: "تقتلك الفئة الباغية" رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري
_________________
(١) كسوف الشمس هذا -إن صح- فلعله بسبب الغبار والقتام الذي يحجب رؤية الشمس وعلى فرض صحته فليس بسبب هذه الواقعة وما جرى فيها لأن الرسول -ﷺ- أخبر أن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وانظر التعليق (٢/ ١٣).
(٢) التاريخ للإمام أحمد، ذكره ابن الجوزي، والذهبي، وغيرهم في مؤلفات الإمام أحمد.
(٣) انظر: التذكرة للقرطبي (٦٤٢ - ٦٤٣) والبداية (٧/ ٢٥٢) وما بعدها والكامل (٣/ ١٤١).
(٤) روى الترمذي من حدث علي ﵁ قال: "جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي -ﷺ- فقال: "إئذنوا له مرحبًا بالطيب المطيب" أخرجه الترمذي رقم (٣٧٩٨) وقال حسن صحيح.
[ ٢ / ٣٧ ]
﵁ عن أبي قتادة ﵁ (١). وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أم المؤمنين أم سلمة ﵂ (٢) ومن حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذي (٣) وغيرهم.
وفى صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- "جعل ينفض التراب عن عمار وهم يبنون المسجد النبوى ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال وجعل عمار يقول: أعوذ باللَّه من الفتن".
وفى رواية: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" (٤) ولم يذكر البخاري هذه الزيادة يعني قوله: تقتله الفئة الباغية، وهى ثابتة صحيحة وهي في صحيح مسلم وغيره وكذلك في بعض نسخ البخاري (٥) كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) قدس اللَّه روحه وغيره من أهل العلم.
قال شيخ الإسلام: "ومن رضي بقتل عمار ﵁ كان حكمه حكمها أي حكم الفئة الباغية التي قتلته (٧). ويروى أن معاوية تأول أن الذي قتله هو الذي
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٩١٥) في الفتن باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
(٢) مسلم رقم (٢٩١٦) في الفتن.
(٣) الترمذي رقم (٣٨٠٠) في المناقب باب مناقب عمار بن ياسر، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(٤) رواه البخاري (١/ ٦٤٤) رقم (٤٤٧) في الصلاة باب التعاون في بناء المساجد وفي الجهاد باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل اللَّه (٦/ ٣٦) رقم (٢٨١٢).
(٥) راجع جامع الأصول (٩/ ٤٤ - ٤٥).
(٦) انظر (ج ٣٥/ ٧٤) من مجموع الفتاوى و(٤/ ٤٣٧).
(٧) اختصر المؤلف ﵀ كلام شيخ الإسلام هنا وتتمته: "ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار كعبد اللَّه ين عمرو بن العاص، وغيره بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار حتى معاوية وعمرو بن العاص"، أهـ. مجموع الفتاوى (٣٥ ص ٧٦ - ٧٧)
[ ٢ / ٣٨ ]
خروج الخوراج على علي ﵁
جاء به (إلى منون مقاتله) (١) قال فما قتله إلا الذي أخرجه فألزمه عدي ﵁ بقوله: فرسول اللَّه -ﷺ- إذًا قتل حمزة حين أخرجه لقتال المشركين، ولا يخفى ضعف حجة معاوية هذه.
ومن ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه: "ولا ريب أن قول علي ﵁ هذا هو الصواب وإنما معاوية ﵁ مجتهد مخطئ" (٢) واللَّه أعلم.
ثم خرجت عن طاعة أمير المؤمنين علي ﵁ الخوارج وهم القراء فقالوا كفر علي وكفر معاوية لعدم مناجزة علي قتال معاوية فاعتزلوا عليًا ونزلوا حروراء -قرية بأرض العراق قريبًا من الكوفة- وهم بضعة عشر ألفًا.
فأرسل أمير المؤمنين علي ﵁ عبد اللَّه ين عباس ﵄ فناشدهم اللَّه تعالى أن ارجعوا إلى خليفتكم فبم نقمتم عليه أفي قسمة أو في قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة قال فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة العام القابل فرجع بعضهم إلى الطاعة وتأخر آخرون، فقالوا: نكون ناحية فإن قبل علي القضية يعني التحيكم قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصفين وإن نقضها قاتلنا معه فساروا حتى قطعوا النهر وافترقت منهم فرقة يقتلون الناس فقال أصحابهم ما على هذا فارقنا عليًا.
فلما بلغ ذلك عليًا وكان قد تجهز لمعاودة قتال أهل الشام بعد التحيكم وغدر عمرو بن العاص وخدعه لأبي موسى الأشعري من عزل علي وإبقاء معاوية (٣).
_________________
(١) كذا في النسختين وفي لوامع الأنوار للمؤلف أيضًا، وفي الفتاوى: "أن الذي قتله هو الذي حاء به دون مقاتله".
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٦ - ٧٧) ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٤٣).
(٣) انظر (٢/ ٣٦) تعليق رقم واحد.
[ ٢ / ٣٩ ]
قال علي ﵁ لأصحابه أتسيرون (١) إلى عدوكم يعني معاوية ومن معه من أهل الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في ديارهم قالوا بل نرجع إليهم.
فقال ﵁: اسطوا عليهم فواللَّه لا يقتل منكم عشرة ولا يفر منهم عشرة فكان كذلك، وأصابوا في القتلى ذا الثدية بعد طلب أمير المؤمنين التماسه فوجدوه على النعت الذي نعته لهم فقال رجل الحمد للَّه الذي أبادهم وأراحنا منهم فقال علي ﵁: كلا والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال لم تحمله النساء بعد (٢).
وهؤلاء الذين قال فيهم رسول اللَّه -ﷺ-: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فقتلها أولى الطائفتين إلى الحق" رواه مسلم في صحيحه (٣).
فقتلهم علي ﵁ وفرح بقتلهم بخلاف وقعة الجمل وغيرها فإنه كان يظهر عليه الحزن والأسف والكآبة، ومن بقايا الخوارج (٤) القرامطة (٥) وهم الباطنية (٥) والإسماعيلية (٥) والدروز (٥) والملاحدة (٥) وأضرابهم.
_________________
(١) في "ظ" يعني.
(٢) ابن كثير (ج ٧/ ٢٨٩).
(٣) مسلم في الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (ج ٢/ ٧٤٥ - ٧٤٦) عن أبي سعيد الخدري.
(٤) الخوارج تقدم التعريف بهم (١/ ١٧٨).
(٥) الباطنية، القرامطة، الإسماعيلية، الدروز، الملاحدة: مجموعة من الفرق ظاهرها التشيع لآل البيت وحقيقتها الإلحاد والشيوعية والإباحية والقضاء على الإسلام. ويذكر المؤرخون لهم ألقابًا كثيرة منها: الباطنية، القرامطة، الإسماعيلية، النصيرية، الخزميه، التعليمية الملاحدة، الإباحية وغيرها. وهي تدل على أنهم يندرجون تحت وصف الباطنية، وهم الذين جعلوا لكل ظاهر باطنًا ولكل تنزيل تأويلًا ويذكر المؤرخون أن بداية فتنتهم في عهد المأمون، وأن دعوة الباطنية =
[ ٢ / ٤٠ ]
سياق أحاديث فيها الإشارة إلى مقتل علي ﵁
وقد أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر ﵁ أن النبي -ﷺ- قال لعلي: "أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود -الذي عقر الناقة- والذي يضربك يا علي على هذه بعني قرنه حتى يبل منه هذه يعني لحيته" (١).
وقد ورد ذلك أيضًا من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم ﵃ (٢).
وكان علي ﵁ يقول لأهل العراق عند ضجره منهم وددت أن انبعث أشقاكم فخضب هذه -يعني لحيته- من هذه ووضع يده على مقدمة رأسه" (٣).
_________________
(١) = ظهرت أولًا في زمان المأمون وانتشرت في زمان المعتصم، وأن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة منهم عبد اللَّه بن ميمون القداح ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، ثم ظهر حمدان قرمط وإليه تنسب القرامطة. وذكر أصحاب المقالات أن هؤلاء الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين فوضعوا قواعد وأسسًا من قبلها صار في الباطن إلى تفضيل دين المجوس. وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي -ﷺ- على موافقة أسسهم. راجع الفرق في الفرق (ص ٢٨١) وما بعدها. والتبصير في الدين (٨٣) وما بعدها، الملل والنحل (١/ ١٩٢) وما بعدها، الصفدية لابن تيمية (١/ ١، ٢) الفتاوى (٣٥/ ١٥٢) وراجع عن القراطة وحربهم للإسلام البداية لابن كثير (١١/ ٦١) وما بعدها والمنتظم (٥/ ١١٠) وما بعدها. انظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٣٤٩ - ٣٤٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤) والحاكم في المستدرك (٣/ ١٤١) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: مجمع الزوائد (٩/ ١٣٦).
(٤) رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٤٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٦): رواه الطبراني وأبو يعلى وفيه رشدين بن سعد وقد وثق وبقية رجاله ثقات.
[ ٢ / ٤١ ]
مقتل علي ﵁
وصح أن عبد اللَّه بن سلام قال لعلي ﵄: "لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف فقال علي ﵁: "لقد أخبرني به رسول اللَّه -ﷺ-" (١).
ولم يزل علي ﵁ في محاربة الأعداء ومنازعة الخصماء إلى أن فتك به أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم المرادي اللعين فكمن هو وشبيب بن شجرة الأشجعي بسيفيهما قالة السدة (٢) التي يخرج منها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فخرج لصلاة الصبح فبدر شبيب فأخطأه وضربه ابن ملجم على رأسه وقال: الحكم للَّه يا علي لا لك ولا لأصحابك، فقال علي ﵁: فزت ورب الكعبة لا يفر منكم الكلب، وشد الناس عليه من كل جانب فحمل عليهم ابن ملجم فأفرجوا له فتلقاه المغيرة بن الحارث بن نوفل بن عبد المطب فرمى عليه قطيفة كانت عنده واحتمله وضرب به الأرض وقعد على صدره وقيل الذي فعل ذلك رجل من همدان، وجيء بابن ملجم إلى علي ﵁ فنظر اليه وقال: النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني وإن سلمت رأيت فيه رأيي، وكان ذلك يوم الحمعة فأقام على الجمعة والسبت وتوفي ليلة الأحد التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين، وعمره ثلاث وستون سنة (٣) وغسله
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٣٨): "رواه أبو يعلى والبزار بنحوه ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير اسحاق بن أبي إسرائيل وهو ثقة مأمون. قلت: وتمامه كما في مجمع الزوائد: "قال أبو الأسود فما رأيت كاليوم محاربًا يخبر بذا عن نفسه".
(٢) السدة: كالظلة على الباب لتقي الباب من المطر وقيل هي الباب نفسه، وقيل هي الساحة بين يديه. النهاية (٢/ ٣٥٣).
(٣) انظر: خبر مقتل أمير المؤمنين علي ﵁: تاريخ الطبري (٥/ ١٤٣ - ١٤٩) والكامل لابن الأثير (٣/ ١٩٤) وما بعدها، البداية لابن كثير (٧/ ٣٢٥ - ٣٣٠).
[ ٢ / ٤٢ ]
الحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر ﵃ وصلى عليه الحسن ودفن بدار الإمارة بالكوفة (١).
ثم أحضر ابن ملجم وجاء الناس بالنفط والبواري (٢) وقطعت يداه ورجلاه وكحلت عيناه بمسامير الحديد محماة ثم قطع لسانه، ثم أحرق في قوصرة ولما أرادوا قطع لسانه تمانع تمانعًا شديدًا مع أنه قطعت أعضاؤه ولم يتأوه فقيل له في ذلك فقال لئلا يفوتني من تلاوة القرآن شيء وأنا حي فشقوا شدقه وأخرجوا لسانه فقطعوه (٣).
وكان ابن ملجم لعنه اللَّه قبل ذلك من العباد المعدودين حتى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى بعض عماله أن يوسع دار عبد الرحمن بن ملجم ليعلم الناس الفقه والقرآن.
ثم كان من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وشهد معه صفين ثم آل أمره إلى ما ترى فنسأل اللَّه تعالى حسن الخاتمة في عافية، وعند الخوارج أن ابن ملجم أفضل الأمة وكذلك النصيرية (٤) يعظمونه.
_________________
(١) زيادة من "ظ".
(٢) البواري: بشديد الياء المثناة من تحت آخره جمع بارية وهي الحصير المعمول من القصب. النهاية (١/ ١٦٢) ومختار الصحاح (بور).
(٣) ذكر ابن جرير ﵀ في تاريخه: أن عليًا ﵁ نهى الحسن عن المثلة وقال: "انظر يا حسن، إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثل بالرجل فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إيكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور" ثم ذكر أن الحسن قدمه فقتله، ثم أخذه الناس وأحرقوه بالنار. وقد ذكر ابن كثير ﵀ في ذلك حديثًا رواه الإمام أحمد: "أن عليًا قال لهم: افعلوا به كما أراد رسول اللَّه -ﷺ- أن يفعل برجل أراد قتله فقال: اقتلوه ثم حرقوه". انظر: تاريخ الطبري (٥/ ١٤٨ - ١٤٩) والبداية (٧/ ٣٢٨) والكامل (٣/ ١٩٦) وابن سعد (٣/ ٣٩ - ٤٠).
(٤) النصيرية: فرقة من فرق الباطنية ظهرت في القرن الثالث للهجرة ومؤسس هذه الفرقة أبو =
[ ٢ / ٤٣ ]
قال أبو محمد بن حزم: "يقولون إن ابن ملجم أفضل أهل الأرض لأنه خلص روح اللاهوت من ظلمة الجسد وكدره" (١).
وعند الروافض أنه أشقى الخلق في الآخرة.
قلت: وتقدم أنه أشقى الآخرين بنص سيد المرسلين واللَّه تعالى أعلم.
"روي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفق الشيخان منها على عشرين حديثًا وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر (٢) ومناقب أمير المؤمنين علي رضوان اللَّه عليه كثيرة ومآثره شهيرة وفضائله غزيرة، وإنما ذكرنا قطرة من بحر، أو رملة من بر، واللَّه تعالى الموفق.
وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وإنهم): يعني الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين الهادين: أبو بكر الصديق، وعمر الفاروف، وعثمان ذو النورين، وعلي المرتضى الأنزع البطين ﵃ أجمعين.
_________________
(١) = شعيب محمد بن نصير البصري النميري (٢٧٠ هـ) وغرضهم القضاء على الإسلام، وأصحابها يعدون من غلاة الشيعة زعموا وجود جزء إلهي في علي وألّهوه به وقالوا بأن ظهوره الروحاني بالجسد الجسماني الفاني كظهور جبريل في صورة بعض الأشخاص، ولم يكن ظهور (الإله علي) في صورة الناسوت إلا إيناسًا لخلقه وعبيده، وهم يحبون عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي ويترضون عنه لزعمهم بأنه قد خلص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه ولخص بعض العلماء مقاصدهم بقوله: "ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض". انظر: الفصل (٥/ ٥٠) ومجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤٩) وما بعدها والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة (ص ٥١١ - ٥١٣).
(٢) انظر الفصل لابن حزم (٥/ ٥٠).
(٣) انظر تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٣٤٥).
[ ٢ / ٤٤ ]
تفسير معنى الرهط
تفسير معنى النجب
تفسير معنى الفردوس
وإن (الرهط) بفتح الراء مشددة وسكون الهاء وتحرك: قوم الرجل وقبيلته، ومن ثلاثة إلى عشرة، أو من سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة، وما فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه وجمعه أرهط وأراهيط وأرهاط (١) وفي القرآن العزيز: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]. يعني من ثمود قوم صالح ﵇.
(لا ريب): أي لا شك ولا تهمة، والريب يطلق ويراد به صرف الدهر، والحاجة، والظنة، والتهمة (٢) والأخير هو المراد هنا (فيهم) أي في الخلفاء الراشدين والجار والمجرور متعلق بلا ريب أي لا تهمة ولا ريبة ولا شك ولا مظنة أنهم كائنون وصائرون:
(على نجب) جمع نجيب هو الكريم الحسيب وناقة نحيب ونجيبة، وقد نجب ككرم نجابة كما في القاموس (٣).
وفي النهاية: "النجيب الفاضل من كل حويان، وقد نجب ينجب نجابة إذا كان فاضلًا نفيسًا في نوعه ومنه الحديث: "إن اللَّه يحب التاجر النجيب" (٤). أي الفاضل الكريم السخي، وقد تكرر في الحديث ذكر النجيب من الإبل مفردًا ومجموعًا، وهو القوي منها الخفيف السريع" (٥).
و(الفردوس) بالجر بإضافته إلى نجب (٦) وهو في الأصل البستان الذي فيه الكرم
_________________
(١) القاموس (٢/ ٣٧٥) "رهط".
(٢) القاموس (١/ ٨٠) "ريب".
(٣) القاموس (١/ ١٣٥) "نجب".
(٤) أورده ابن الأثير في النهاية (٥/ ١٧) ولم أجده فيما اطلعت عليه من كتب الحديث.
(٥) النهاية (٥/ ١٧).
(٦) كذا في النسختين ولعل الصحيح بإضافة نجب إليه.
[ ٢ / ٤٥ ]
والأشجار والجمع فراديس، ومنه جنة الفردوس وهو المراد هنا فمن أسماء الجنة الفردوس كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧].
قال الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى منازل الأفراح": "الفردوس اسم يقال على جميع الجنة ويقال على أفضلها وأعلاها كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنان".
وقال الليث (١): الفردوس جنة ذات كروم يقال كرم مفردس أي معرش.
وقال الضحاك (٢): الفردوس الجنة الملتفة بالأشجار وهو اختيار المبرد (٣) قال: وبهذا سمى باب الفردوس بالشام. وأنشد لجرير (٤) قوله "شعر":
فقلت للركب إذ جد المسير (٥) بنا يا بعد (٦) بيرين (٧) من باب الفراديس (٨)
_________________
(١) تقدم (١/ ٣٠٤).
(٢) تقدم (١/ ٢٦٣).
(٣) تقدم (١/ ١٩٢).
(٤) جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، من تميم أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة عاش عمره كله يناضل شعراء زمانه ويساجلهم وكان عفيفًا وهو من أغزل الناس شعرًا، مات سنة ١١٠ هـ. الأعلام (٢/ ١١٩)
(٥) في الديوان: الرحيل.
(٦) في الديوان: ما بعد.
(٧) في النسخين: بيرين والمثبت من الديوان، ومعجم البدان. قال ياقوت في معجم البلدان (٥/ ٤٢٧): "بيرين بالفتح ثم السكون وكسر الراء وياء ثم نون قيل هو رمل لا تدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر اليمامة وقيل غير ذلك. . . ثم ذكر بيت جرير المذكور" وباب الفراديس بدمشق بالشام.
(٨) البيت في ديوان جرير (ص ٣٢٢).
[ ٢ / ٤٦ ]
وقال مجاهد (١) الفردوس هو البستان بالرومية (٢).
واختاره الزجاج (٣) فقال هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية قال وحقيقته: البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين.
قال حسان بن ثابت (٤) ﵁:
وإن ثواب اللَّه كل مخلد جنان الفردوس فيها يخلد (٥) (٦)
وأخرج الإمام أحمد والطيالسي (٧) والبيهقي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "جنان الفردوس أربع جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بينهم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" (٨).
_________________
(١) مجاهد تقدم (١/ ١٩٧).
(٢) تفسير الطبري (١٦/ ٣٦).
(٣) الزجاج: إبراهيم بن السري الزجاج البغدادي النحوي أبو إسحاق صاحب كتاب معاني القرآن، كان من أهل الفضل والدين حسن الاعتقاد جميل المذهب له مصنفات حسان في الأدب وغيره، مات سنة إحدى عشر وثلاثمائة. تاريخ بغداد (٦/ ٨٩ - ٩٣) وسير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٦٠).
(٤) ديوان حسان (١/ ٣٠٦).
(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج (٣/ ٣١٥).
(٦) إلى هنا انتهى كلام ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح (ص ٩٧ - ٩٨).
(٧) الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود أبو داود الطيالسي البصري محدث ثقة حافظ، مات سنة أربع ومائتين. تقريب (١٣٣).
(٨) الحديث متفق عليه رواه البخاري (٨/ ٤٩١) رقم (٤٨٧٨) في التفسير باب ومن دونهما جنتان، وفي التوحيد رقم (٧٤٤٤) ومسلم رقم (١٨٠) في الإيمان، باب قوله ﵇: إن اللَّه لا ينام. ورواه أحمد في المسند (٤/ ٤١١) وأدو داود الطيالسي رقم (٥٢٩) (ص ٧٢).
[ ٢ / ٤٧ ]
قال البيهقي قوله: "رداء الكبرياء استعارة لصفة الكبرياء والعظمة لأنه بكبريائه لا يراه أحد من خلقه إلا بإذنه، ويؤيده أن الكبرياء ليس من جنس الثياب المحسوسة" (١).
وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه فقالت يا رسول اللَّه قد علمت منزلة حارثة منى فإن يكن في الجنة صبرت وإن يكن غير ذلك ترى ما أصنع، فقال إنها ليست بجنة واحدة بل جنان كثيرة وإنه في الفردوس الأعلى" (٢).
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] "قال جنتان من ذهب للسابقين (٣) وجنتان من فضة للتابعين" (٤) وفي لفظ: "وجنتان من ورق لأصحاب اليمين" (٥).
وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "إن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض
_________________
(١) عبارة البيهقي -كما في الأسماء والصفات- (٣٨٤): "قوله (رداء الكبرياء) يريد به صفة الكبرياء فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن فإذا دخلوها أراد أن يروه وهم في جنة عدن، انتهى. وانظر الاعتقاد للبيهقي (ص ١٣٠). وقد تقدم في مبحث الرؤية أن رؤية المؤمنين لربهم ثابتة ومتواترة.
(٢) رواه البخاري (٧/ ٣٥٥) رقم (٣٩٨٢) في المغازى باب فضل من شهد بدرًا.
(٣) في "ظ" للسابقين الأولين.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٣٨٣) والبيهقي في البعث والنشور (ص ١٥٩) وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٧/ ١٤٦) والبيهقي في البعث (١٦٠) ورواه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور (٧/ ٧٠٨).
[ ٢ / ٤٨ ]
والفردوس أعلاها درجة ومن فوقها يكون العرش ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم اللَّه فاسئلوه الفردوس" (١).
وروى نحوه البيهقي من حديث معاذ ﵁ مرفوعًا (٢) والطبراني والبزار من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا (٣) -أيضًا- والبزار عن العرباض بن سارية مرفوعًا (٤) أيضًا.
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "سلوا اللَّه الفردوس فإنها سرة الجنة، وإن أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش" (٥).
وأشعر نظامه (٦) أن في الجنة نجبًا وهو كذلك.
فقد أخرج الترمذي والبيهقي عن بريدة ﵁ أن رجلًا قال يا رسول اللَّه هل في الجنة خيل؟ فقال: "إن يدخلك اللَّه الجنة فلا تشاء أن تركب على فرس من
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٣١) كتاب صفة الجنة باب ما جاء في صفة درجات الجنة، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (٢٢٥) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٠)؛ والبيهقي في البعث (١٦٢). ورواه أحمد في المسند (٥/ ٣١٦) وابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٣٨) وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٣٧) وعبد بن حميد في المنتخب (١٨٢) وصححه الحكم وأقره الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٢٨، ٩٢٢).
(٢) في البعث والنشور للبيهقي (ص ١٦٣) وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (٢٢٧).
(٣) الطبراني في الكبير (٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨، ٣٢١) والبزار (٤/ ١٩١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٨) رواه الطبراني والبزار باختصار وزاد فيه فإذا سألتم اللَّه تعالى فاسئلوه الفردوس، وأحد أسانيد الطبراني رجاله وثقوا وفي بعضهم ضعف.
(٤) كشف الأستار (٤/ ١٩١) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٨) رجاله ثقات.
(٥) رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٩٤) قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٩٨) وفيه جعفر بن الزبير وهو متروك.
(٦) نظامه: أي نظمه في القصيدة.
[ ٢ / ٤٩ ]
ياقوتة حمراء تطير بك في الجنة حيث شئت إلا ركبت"، فقال آخر: يا رسول اللَّه هل في الجنة إبل؟ فلم يقل له مثل الذي قال لصاحبه قال: "إن يدخلك اللَّه الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذة عينك" (١).
وروى نحوه أبو نعيم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- وذكر الجنة فقال: "والفردوس أعلاها سموًا وأوسعها محلة ومنها تفجر أنهار الجنة وعليها يوضع العرش يوم القيامة" فقام إليه رجل فقال يا رسول اللَّه: إني رجل حببت لي الخيل فهل في الجنة خيل؟ قال: "إي والذي نفسى بيده إن في الجنة لخيلًا وإبلًا هفافة (٢) تزف (٣) بين خلال ورق الجنة يتزاورن عليها حيث شاءوا"، فقام إليه رجل فقال يا رسول اللَّه: إني حبب إلىَّ الإبل. . وذكر الحديث (٤).
ورواه أبو نعيم من حديث جابر بن نوح (٥) عن واصل (٦) به قال إن أهل الجنة ليتزاورون على نجائب بيض كأنها الياقوت (٧).
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٤٣) باب ما جاء في صفة خيل الجنة وأخرجه البيهقي في البحث والنشور (ص ٢٣٤). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ١٠٧ - ١٠٨) مختصرًا وأحمد في المسند (٥/ ٣٥٢) وأبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٢٨٣٨) صفحه (٨٠٦) وأبر نعيم في صفة الجنة رقم (٤٢٥)؛ وضعف إسناده الألباني في تخريج المشكاة رقم (٥٦٤٢).
(٢) هفافة: أي سريعة، والهفيف سرعة السير، النهاية (٥/ ٢٦٦).
(٣) نزف: أي تسرع. النهاية (٢/ ٣٠٥).
(٤) رواه أبو نعيم في صفة الجنة رقم (٤٢٧) ومن طريقه ابن القيم في حادي الأرواح (٢٥١) وابن كثير في النهاية (٢/ ٣٠٥) إسناده ضعيف، قاله محقق كتاب صفة الجنة لأبي نعيم.
(٥) جابر بن نوح الحماني أبو بشير الكوفي ضعيف، مات سنة ثلاث ومائتين تقريب (٥٣).
(٦) واصل بن السائب الرقاشي أبو يحيى البصري، ضعيف، مات سنة أربع رأربعين ومائة. تقريب (٣٦٨).
(٧) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة رقم (٤٢٨) إسناده ضعيف.
[ ٢ / ٥٠ ]
من نعيم أهل الجنة ركوب النجب والتزاور بينهم
وقال الإمام عبد اللَّه بن المبارك حدثنا همام (١) عن قتادة عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: "في الجنة عتاق الخيل وكرائم النجائب يركبها أهلها" (٢).
وروى ابن أبي الدنيا (٣) من حديث (شفي بن ماتع) (٤) ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم، يؤتون في الجنة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء اللَّه ﷿" (٥). . . الحديث.
وروى ابن أبي الدنيا -أيضًا- من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس الجون (٦) عليها رحال ملس تثير ماسمها غبار المسك خطام أو زمام أحدها خير من الدنيا وما فيها" (٧).
_________________
(١) همام بن منبه بن كامل الصنعاني أبو عتبة أخو وهب، محدث ثقة روى له الجماعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة على الصحيح. (تقريب ٣٦٥).
(٢) رواه عبد اللَّه بن المبارك. زوائد نعيم بن حماد (ص ٢٦٧)؛ وعنه ابن القيم في حادي الأرواح (٢٥٢) وابن كثير في النهاية (٢/ ٣٠٦) وقد وقع عند الشارح هنا -عبد اللَّه بن عمر- والمثبت من المصادر التي ذكرتها.
(٣) تقدم (١/ ٢٧٣).
(٤) في النسخين (سيفي بن مانع) وقد ضبطه الحافظ ابن حجر في الإصابة فقال: "شفي" بالفاء مصغرًا بن ماتع بمثناة مكسورة وجزم بأنه تابعي. انظر: الإصابة (٥/ ١١٥)؛ وتهذيب الكمال (١٢/ ٥٤٣)؛ وتقريب (١٤٧).
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا كما في حادي الأرواح (ص ٢٥٥) والنهاية (٢/ ٣٠٨). وأخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد مطولًا رقم (٢٣٩) (ص ٦٩ - ٧٠) (زيادات نعيم ابن حماد). وقال ابن كثير ﵀ بعد إيراده: "وهذا حديث مرسل غريب جدًا".
(٦) الجون: من الألوان ويقع على الأرض والأسود. النهاية (١/ ٣١٨)، مختار الصحاح (جون)
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ابن المبارك كما في حادي الأرواح (ص ٢٥٥ - ٢٥٦) وفي النهاية لابن كثير (٢/ ٣٠٩) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف.
[ ٢ / ٥١ ]
ترجمة سعيد بن زيد ﵁
العيس إبل في بياضها ظلمة خفيفة، والمناسم بنون وسين مهملة جمع منسم وهو باطن خف البعير.
ولذا قال الناظم ﵀ ورضي اللَّه عنه في حق الخلفاء الراشدين وبقية العشرة المبشرين بالجنة من سيد العالمين وخاتم المرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين في دار الخلد من الفردوس الأعلى (تسرح) أي ترسل حيث شاء راكبها، وفعلها "سرح" كمنع ورجل سرح كفرح: خرج في أموره سهلًا، والحاصل أن هؤلاء العشرة مقطوع لهم بالجنة يتزاورون على النجب في جنة الفردوس.
قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "حادي الأرواح إلى منازل الأفراح": "أهل الجنة يتزاورون فيها ويستزيد بعضهم بعضًا وبذلك تتم لذتهم وسرورهم" "ولهذا قال حارثة للنبي -ﷺ- وقد سأله "كيف أصبحت يا حارثة" قال: أصبحت مؤمنًا حقًا. قال: "إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك"؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يعذبون، وفي لفظ يتعاوون فيها قال -ﷺ- "عبد نور اللَّه قلبه عرفت فالزم" (١).
قرله: عزفتُ: بالعين المهملة وبعدها زاى وفاء أي صرفت.
ثم إن الناظم رحمه اللَّه تعالى فسر الرهط فقال أحدهم (سعيد) وهو أبو الأعور
_________________
(١) حادي الأرواح (٢٥٤). والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٣٠٢) عن الحارث بن مالك الأنصاري، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥٧) فيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى كشف. ورواه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٢٦) عن أنس بن مالك وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧): "رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به".
[ ٢ / ٥٢ ]
ترجمة سعد بن أبي وقاص ﵁
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي ابن عم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄ وأمه فاطمة بنت بعجة بن أمية بن خزاعة.
أسلم سعيد قديمًا قبل أن يدخل النبي -ﷺ- دار الأرقم وشهد الشاهد كلها مع النبي -ﷺ- غير بدر، فإنه كان هو وطلحة بن عبيد اللَّه يطلبان خبر عير قريش، وضرب له النبي -ﷺ- بسهمه في المغنم والأجر.
كان ﵁ آدم طوالًا، أشعر.
مات بالعقيق قريبًا من المدينة فحمل إليها ودفن بها سنة إحدى وخمسين وله بضع وسبعون سنة، ويقال إنه مات بالكوفة ودفن بها، روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- ثمانية وأربعون حديثًا منها في الصحيحين ثلاثة المتفق عليه منها اثنان، وانفرد البخاري بالثالث.
روى عنه عمرو بن حويرث، وعروة بن الزبير، وقيس بن أبي حازم وعباس بن سهل بن سعد (١).
(و) الثاني أبو إسحاق (سعد) بن أبي وقاص (٢) واسم أبي وقاص مالك ابن وهيب ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع نسبه مع النبي -ﷺ- في كلاب، القرشي الزهري وأمه حمنة (٣) بنت
_________________
(١) راجع ترجمة سعيد ﵁ في: طبقات ابن سعد (٣/ ٣٧٩)؛ والاستيعاب لابن عبد البر (٣/ ١٨٦)؛ والإصابة (٣/ ١٨٨)؛ وأسد الغابة (٢/ ٣٨٧)؛ وسير أعلام النبلاء (١/ ١٢٤).
(٢) راجع ترجمة سعيد ﵁ في طبقات ابن سعد (٣/ ١٣٧)؛ والاستيعاب (٤/ ١٧)، وأسد الغابة (٢/ ٣٦٦)؛ وسير أعلام النبلاء (١/ ٩٢)؛ والإصابة (٤/ ١٦٠).
(٣) حمنة كذا في الأصل وفي "ظ" حسنه وقد وقع في الإصابة "حمزة" وهو خطأ والصواب حمنة. انظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٩٦) ونسب قريش (٢٦٣).
[ ٢ / ٥٣ ]
ترجمة عبد الرحمن بن عوف ﵁
سفيان وقيل بنت أبي سفيان بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلم قديمًا على يد أبي بكر الصديق وهو ابن سبع عشرة سنة قال: كنت ثالث الإسلام، وأنا أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه -ﷺ-، كان ﵁ قصيرًا غليظًا ذا هامة شثن (١) الأصابع آدم أفطس (٢) أشعر الجسد، مات في قصره بالعقيق قريبًا من المدينة فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم وهو -أي مروان- يومئذ والي المدينة ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وقيل سبع وخمسين وله بضع وسبعون سنة، وهو آخر العشرة موتًا، ولاه عمر وعثمان ﵃ الكوفة روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- مائتان وسبعون حديثًا منها في الصحيحين ثمانية وثلاثون حديثًا اتفقا منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بثمانية عشر، روى عنه عبد اللَّه بن عمر وجابر بن سمرة وعامر ومحمد ومصعب بنوه، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وابن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم وغيرهم.
(و) الثالث أبو محمد عبد الرحمن (بن عوف) بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري يلتقي مع النبي -ﷺ- في كلاب بن مرة كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو فسماه النبي -ﷺ- عبد الرحمن، وأمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة أسلمت وهاجرت، وأسلم عبد الرحمن قديمًا على يد أبي بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنهما، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ- وثبت يوم أحد، وصلى النبي
_________________
(١) شثن الأصابع: أي أنها تميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم. النهاية (٢/ ٤٤٤).
(٢) الفطس: انخفاض قصبة الأنف وانفراشها والرجل أفطس. النهاية (٣/ ٤٥٨).
[ ٢ / ٥٤ ]
ترجمة طلحة بن عبيد الله ﵁
خلفه في غزوة تبوك وأتم ما فاته، كان طويلًا دقيق البشرة أبيض مشربًا بحمرة ضخم الكفين أقنى (١) وقيل كان ساقط الثنيتين أعرج أصيب يوم أحد وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرج، ولد بعد الفيل بعشر سنين ومات سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع، وله ثنتان وسبعون سنة، وقيل خمس وسبعون سنة.
روى له عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسة وستون حديثًا منها في الصحيحين سبعة أحاديث المتفق عليه منها حديثًا وباقيها للبخاري، روى عنه ابن عباس وابنه إبراهيم وبجالة بن عبد وغيرهم (٢).
(و) الرابع أبو محمد (طلحة) بين عبيد اللَّه بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- كالصديق في مرة بن كعب وأمه الصعبة بنت عبد اللَّه بن عباد الحضرمي أخت العلا الحضرمي أسلمت، وأسلم طلحة قديمًا على يد أبي بكر الصديق ﵄ وشهد المشاهد كلها غير بدر لأن النبي كان انفذه هو وسعيد بن زيد -كما تقدم- في ترجمة سعيد، فعادا يوم اللقاء ببدر وضرب له -ﷺ- كسعيد بسهم في الغنيمة والأجر، ووقى النبي -ﷺ- يوم أحد بيده فشلت أصابعه وجرح يومئذ أربعة وعشرين جراحة، وقيل بل كان فيه خمس وسبعون بين طعنة وضربة ورمية وسماه النبي -ﷺ- يوم أحد طلحة الخير، وسماه يوم غزوة ذات العشيرة طلحة الفياض ويوم حنين طلحة الجود" (٣).
_________________
(١) القنا في الأنف طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه يقال رجل أقنى وامرأة قنواء. النهاية (٤/ ١١٦).
(٢) انظر: ترجمة عبد الرحمن بن عوف ﵁ في طبقات ابن سعد (٣/ ١٢٤)، والاستيعاب (٦/ ٦٨)؛ وأسد الغابة (٣/ ٤٨٠) وسير أعلام النبلاء (١/ ٦٨)؛ والإصابة (٦/ ٣١١).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير رقم (١٩٧، ٢١٨) والحاكم (٣/ ٣٧٤)؛ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٤٧) ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه من لم أعرفهم وسليمان بن أيوب الطلحي وثق وضعف.
[ ٢ / ٥٥ ]
ترجمة أبو عبيدة ﵁
وكان آدم كثير الشعر ليس بالجعد (١) القطط (٢) ولا بالسبط حسن الوجه دقيق العرنين (٣) لا يغير شعره، قتل ﵁ في وقعة الجمل يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ويقال إن الذي قتله مروان بن الحكم وقيل أصابه سهم في حلقه، ودفن بالبصرة وله أربع وستون سنة وقيل اثنتان وستون.
روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثًا منها في الصحيحين سبعة المتفق عليه منها حديثان وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، وروى عنه السائب ابن يزيد وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد اللَّه التيمي وأبو عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم وموسى بن طلحة وغيرهم (٤).
(و) الخامس أمين الأمة أبو عبيدة (عامر) بن عبد اللَّه بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن (فهو) بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي الهذلي يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- في فهر بن مالك، أسلم هو وعثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلًا وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ-
_________________
(١) الجعد: جعد الشعر بضم العين وكسرها جعودة إذا كان فيه التواء وتقبض فهو جعد وذلك خلاف المسترسل. قال ابن الأثير: "الجعد في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا فإذا كان مدحًا فمعناه أن يكون شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشعر لأن الجعودة تغلب على شعور العرب. والسبوطة وهي ضد الجعودة أكثرها في شعور العجم منال الطالب (ص ٢٢١) والمصباح المنير (١/ ١٤٠).
(٢) القطط: الشديد الجعودة، وقيل الحسن الجعودة والأول أكثر. النهاية (٤/ ٨١).
(٣) العرنين: الأنف. النهاية: (٤/ ١١٦).
(٤) راجع ترجمة طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ في: طبقات ابن سعد (٣/ ٢١٤) والاستيعاب (٥/ ٢٣٥) وأسد الغابة (٣/ ٨٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١/ ٢٣)؛ والإصابة (٥/ ٢٣٢).
[ ٢ / ٥٦ ]
وثبت معه يوم أحد، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول اللَّه -ﷺ- يوم أحد من حلق المغفر بفيه فوقعت ثنيتاه كان طوالًا معروق الوجه أي قليل لحم الوجه خفيف اللحية، مات في طاعون عمواس بالأردن سنة ثماني عشرة ودفن بغوربيسان، وقبره يزار ويتبرك به (١) وصلى عليه معاذ بن جبل وهو ابن ثمان وخمسين سنة، روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسة عشر حديثًا لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئًا.
ولا أخرج له مسلم إلا في حديث العنبر من رواية أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه ﵃ وهو قوله: يعني قول أبي عبيدة ﵁: "نحن رسل رسول اللَّه -ﷺ- وهو معنى تام فسموه حديثًا (٢).
_________________
(١) التبرك بزيارة القبور ورجاء البركة من أصحابها هذا من الأعمال البدعية بل هو من وسائل الشرك التي ما أرسل اللَّه جميع الرسل إلا لتطهير القلوب منها وقد بين رسول اللَّه -ﷺ- بقوله وفعله الزيارة الشرعية والقصد منها في قوله -ﷺ-: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة". وأما فعله -ﷺ- فكان يأتي البقيع ويسلم عليهم ويدعو لهم وكذلك قبور الشهداء بأحد ﵃ فتبين من خلال قوله وفعله -ﷺ- وفعل صحابته من بعده الهدف من زيارة القبور: وهو التذكر والاعتبار والسلام على الموتى والدعاء لهم، وأما خلاف ذلك فهو خلاف هديه -ﷺ- وسنته". راجع: "تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد" (ص ١٧٤) وما بعدها، وتحذير الساجد من إتخاذ القبور مساجد "للشيخ ناصر الألباني" والزيارة "من أجوبة شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٢) حديث قصة العنبر: أخرجه مالك في الموطأ في صفة النبي -ﷺ-: باب جامع ما جاء في الطعام والشراب برقم (٢٤) (ص ٩٣٠) وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٣، ٣٠٦، ٣١١) والبخاري رقم (٢٤٨٣) في الشركة باب الشركة في الطعام. والعروض، وفي الجهاد رقم (٢٩٨٣) مختصرًا وفي المغازي رقم (٤٣٦٠ - ٤٣٦٢) باب غزوة سيف البحر وفي الذبائح رقم (٥٤٩٣ - ٥٤٩٤) ومسلم رقم (١٩٣٥) في الصيد كتاب باب إباحة ميتات البحر. ولفظه كما في البخاري عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ أنه قال: "بعث رسول اللَّه -ﷺ- =
[ ٢ / ٥٧ ]
ترجمة الزبير بن العوام ﵁
روى عن أبي عبيدة ﵁ جابر بن عبد اللَّه وأبو أمامة الباهلي وأبو ثعلبة الخشني وشهر بن جندب وغيرهم (١).
(و) السادس أبو عبد اللَّه (الزبير) (٢) بضم الزاي وكسر الموحدة فتحتية ساكنة فراء ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي الأسدي وأمه صفية ﵂ بنت عبد المطب عمة رسول اللَّه -ﷺ- أسلمت
وأسلم هو قديمًا على يد أبي بكر الصديق ﵄ وهو ابن ستة (٣) عشر سنة، فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام فلم يفعل (٤).
وهاجر إلى الحبشة الهجرتين وشهد مع الرسول -ﷺ- المشاهد كلها وهو أول من سل سيفًا في سبيل اللَّه من هذه الأمة، وثبت مع النبي -ﷺ- يوم أحد وكان رضي اللَّه
_________________
(١) = بعثًا قبل الساحل فأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر فكان يقوتنا، كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة فقلت وما يغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت -قال ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر براحلة فرحلت ثم مرت تحتهما فلم تصبهما". وفي رواية مسلم أنهم لما وجدوه -يعني الحوت- قال أبو عبيدة ﵁: "ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول اللَّه -ﷺ- وفي سبيل اللَّه، وقد اضطرتم فكلوا. . " الحديث. وانظر: تلقيح فهوم أهل الأثر (٣٩٨) وتحفة الأشراف (٤/ ٢٣٢).
(٢) انظر: ترجمة أبي عبيدة ﵁ في: طبقات ابن سعد (٣/ ٤٠٩) والاستيعاب (٥/ ٢٩٢) وأسد الغابة (٣/ ١٢٨) وسير أعلام النبلاء (١/ ٥) والإصابة (٥/ ٢٨٥).
(٣) انظر: ترجمة الزبير في طبقات ابن سعد (٣/ ١٠٠) والاستيعاب (٣/ ٣٠٩) وأسد الغابة (٢/ ٢٤٩) و"سير أعلام النبلاء" (١/ ٤١) والإصابة (٤/ ٧).
(٤) كذا في النسخين والصواب: ابن ست عشرة سنة.
(٥) انظر: صفة الصفوة لابن الجوزي (١/ ٣٤٢، ٣٤٤).
[ ٢ / ٥٨ ]
عنه أبيض طويلًا ويقال لم يكن بالطويل ولا بالقصير، يميل إلى الخفة في اللحم، ويقال: كان أسمر خفيف العارضين قتله عمير بن جرموز بضم الجيم وسكون الراء وضم الميم فواو ساكنة فزاي بسفوان -بفتح السين المهملة وفتح الفاء والواو فألف ساكنة فنون- من أرض البصرة سنة ست وثلاثين وله أربع وستون سنة، ودفن بوادي السباع ثم حول إلى البصرة وقبره مشهور بها، يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- في قصي.
روي له عن النبي -ﷺ- ثمانية وثلاثون حديثًا منها في الصحيحين تسعة المتفق عليها منها حديثان وباقيها للبخاري روى عنه ابناه عبد اللَّه وعروة وغيرهما.
وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (الممدح): أي المتصف بالخصال التي يمدح بها ويحمد عليها إشارة إلى كثرة مناقبه، وغزور مزاياه، منها قوله -ﷺ-: "إن لكل نبي حواريًا وإن حواري الزبير بن العوام" رواه الترمذي من حديث أمير المؤمنين علي ﵁، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١).
ورواه البخاري ومسلم والترمذي أيضًا من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ (٢).
وجمع له رسول اللَّه -ﷺ- أبويه فقال: "فداك أبي وأمي" (٣) متفق عليه من حديث عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه ﵄.
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣٧٤٤) في المناقب باب مناقب الزبير بن العوام ﵁ (ج ٥/ ٦٤٦). وروى عن سفيان بن عنة أنه قال: الحواري: الناصر.
(٢) رواه البخاري رقم (٣٧١٩) في فضائل الصحابة باب مناقب الزبير بن العوام ومسلم رقم (٢٤١٥) في فضائل الصحابة، والترمذي رقم (٣٧٤٥) (٥/ ٦٤٦).
(٣) رواه البخاري رقم (٣٧٢٠) ومسلم رقم (٢٤١٦) في فضائل الصحابة باب فضائل طلحة والزبير.
[ ٢ / ٥٩ ]
الأحاديث الواردة في بشارة العشرة بالجنة
وأخرج الترمذي عن هشام بن عروة قال: أوصى الزبير إلى ابنه عبد اللَّه ﵄ صبيحة يوم الجمل فقال: "ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول اللَّه -ﷺ- حتى انتهى ذلك مني إلى الفرج" (١) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب.
(فهؤلاء الستة نفر الذين أشار إليهم الناظم رحمه اللَّه تعالى بأنهم:
(على نجب الفردوس في الخلد تسرح) أفضل الصحابة ﵃ بعد الخلفاء الراشدين، والخلفاء الراشدون) (٢) وهؤلاء الستة هم المبشرون بالجنة: ففي حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد ابن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" (٣) رواه الترمذي.
وأخرج أبو داود والترمذي -أيضًا- عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة. . " الحديث، وسكت عن العاشر فقالوا: ومن هو العاشر؟ قال سعيد بن زيد -يعني نفسه- ثم قال سعيد بن زيد ﵁ لمشهد رجل منهم مع رسول اللَّه -ﷺ- يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عُمِّرَ عُمْرَ نوح ثم قال فالشقي من أبغضهم والسعيد من أحبهم.
ولفظ الترمذي: "أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم فقيل له من التسعة؟ فذكرهم وقيل من العاشر؟ فتلكأ هُنَيّة (٤) ثم قال: أنا.
_________________
(١) الترمذي رقم (٣٧٤٦) (ج ٥/ ٦٤٧).
(٢) ما بين القوسين سقط من "ظ".
(٣) رواه الترمذي رقم (٣٧٤٧) في المناقب، وهو حديث صحيح. انظر: صحيح الجامع الصغير (١/ ٧٠) رقم (٥٠) وتخريج الطحاوية (٥٥٠ - ٥٥١) وجامع الأصول (٨/ ٥٥٧، ٥٦١).
(٤) هُنَيّة ويقال هنيهة -أيضًا- أي قليلًا من الزمان. (النهاية ٥/ ٢٧٩).
[ ٢ / ٦٠ ]
الأحاديث الواردة في فضائل بقية العشرة
وفى رواية عند الترمذي من حديث سعيد بن زيد ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "عشرة في الجنة فعد التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك اللَّه يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني باللَّه أبو الأعور في الجنة" (١). أبو الأعور هو سعيد كما تقدم.
وأخرج الترمذي عن عقبة بن علقمة اليشكري قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت أذني من رسول اللَّه -ﷺ- (وهو يقول) (٢): "طلحة والزبير جاراي في الجنة" (٣).
وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ﵃ فتحركت الصخرة فقال رسول اللَّه -ﷺ- اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد".
وفي رواية أن رسول اللَّه -ﷺ- كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وعليه النبي -ﷺ- وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد ابن أبي وقاص، زاد في رواية بعد عثمان وعلي (٤).
_________________
(١) رراه أبو داود رقم (٤٦٤٨ - ٤٦٥٠) في السنة باب في الخلفاء والترمذي رقم (٣٧٥٧) في المناقب، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) ما بين القوسين سقط من "ظـ".
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٣٧٤١) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني ضعيف. انظر: تخرج المشكاة رقم (٦١١٤) ضعيف الجامع (٣٦٢٩).
(٤) رواه مسلم رقم (٢٤١٧) في فضائل الصحابة باب من فضائل طلحة والزبير، والترمذي رقم (٣٦٩٦) في المناقب كتاب في مناقب عثمان من عفان ﵁.
[ ٢ / ٦١ ]
وفى صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- صعد أُحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: "اثبت أحد" أراه ضربه برجله "فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان".
وفى لفظ: "فما عليك إلا نبى أو صديق أو شهيد" (١).
وأخرج الترمذي عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول:
"من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللَّه" (٢).
وأخرج الترمذي -أيضًا- من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول يوم أحد: "أوجب طلحة" (٣) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ومعنى أوجب أي وجبت له الجنة (٤).
وأخرج الترمذي -أيضًا- عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك قلت بلى قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "طلحة ممن قضى نحبه" (٥).
_________________
(١) البخاري رقم (٣٦٧٥) في فضائل الصحابة باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا". (ج ٧/ ٢٦) وأبو داود رقم (٤٦٥١) في السنة باب في الخلفاء، والترمذي رقم (٣٦٩٧) في المناقب باب مناقب عثمان ﵁.
(٢) الترمذي رقم (٣٧٣٩) وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار وفي صالح بن موسى من قبل حفظهما".
(٣) الترمذي رقم (٣٧٣٨) في المناقب باب مناقب طلحة بن عبد اللَّه ﵁، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وقال الألباني: حسن. انظر صحيح الجامع (٢٥٣٧) الصحيحة رقم (٩٤٥).
(٤) انظر: جامع الأصول (٩/ ٣).
(٥) الترمذي رقم (٣٧٤٠) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه، وصححه الألباني. انظر الصحيحة رقم (١٢٥).
[ ٢ / ٦٢ ]
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: "جمع لي رسول اللَّه -ﷺ- (أبويه) (١) يوم أحد" (٢).
وأخرجوا من حديث علي ﵁ قال: ما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يفدي أحدًا غير سعد بن أبي وقاص سمعته يوم أحد يقول: "ارم فداك أبي وأمي".
وفي رواية: "ما سمعت رسول اللَّه جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك" (٣) الحديث.
وتقدم أن أبا وقاص اسمه مالك.
وفي صحيح البخاري عن سعد ﵁ قال: "رأيتنى وأنا ثالث الإسلام وما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني ثالث الإسلام" (٤).
_________________
(١) سقطت من النسخين وأثبتناها من البخاري ومسلم.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٧٢٥) (ج ٧/ ١٠٤) في فضائل الصحابة باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزهري، ومسلم رقم (٢٤١٢) في فضائل الصحابة باب من فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁ والترمذي رقم (٣٧٥٤) (٥/ ٦٥٠) في المناقب، باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٣) البخاري رقم (٤٠٥٨ - ٤٠٥٩) (ج ٧/ ٤١٥) في المغازي، ومسلم رقم (٢٤١١) في فضائل الصحابة، والترمذي رقم (٣٧٥٣، ٣٧٥٥) في المناقب باب مناقب سعد بن أبي وقاص.
(٤) البخاري رقم (٣٧٢٦ - ٣٧٢٧) في فضائل الصحابة، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، ورواية البخاري: "لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام" قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج ٧/ ١٠٥): "قوله (وإني لثلث الإسلام) قال ذلك بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه، ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر أو النبي وأبا بكر. =
[ ٢ / ٦٣ ]
وفي الترمذي من حديث جابر ﵁ قال: كنت جالسًا مع رسول اللَّه -ﷺ- فأقبل سعد إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "هذا خالي فليرني امرؤ خاله" (١).
وروى مسلم والترمذي وغيرهما من حديث سعد قال: "حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت زعمت أن اللَّه وصاك بوالديك فأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال: فمكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد وفي رواية فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا (٢) فاها ثم أوجروها (٣).
وفي رواية قالت أم سعد: أليس قد أمر اللَّه بالبر واللَّه لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها فنزلت هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ. .﴾ [العنكبوت: ٨].
_________________
(١) = وقد كانت خديجة أسلمت قطعًا فلعله خص الرجال، ثم قال: "وقد تقدم في ترجمة الصديق حديث عمار: رأيت النبي -ﷺ- وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر" وهو يعارض حديث سعد والجمع بينهما ما أشرت إليه، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون وعلي ﵁ أو لم يكن اطلع على أولئك. . . " انتهى.
(٢) الترمذي رقم (٣٧٥٢) في المناقب باب مناقب سعد بن أبي وقاص ﵁. وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مجالد". قال: "وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة وكانت أم النبي -ﷺ- من بني زهرة فلذلك قال النبي -ﷺ-: "هذا خالي".
(٣) شجروا فاها: أي فتحوه كرهًا.
(٤) (أوجرت) الدواء في فيه إذا ألقيته فيه فشبه إلقاء الطعام في فيها كرهًا بالقاء الدواء عن غير اختيار. ابن الأثير جامع الأصول (٩/ ١٤).
[ ٢ / ٦٤ ]
قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١).
وكان سعد مجاب الدعوة.
وأخرج الترمذي عن سعد ﵁ أن النبي -ﷺ- قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" (٢).
وفي الصحيحين وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: "إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل اللَّه" (٣).
وفي رواية للترمذي: "إني لأول رجل أهراق دمًا في سبيل اللَّه" وقال حديث حسن صحيح.
وأخرج البخاري في صحيحه عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو في مسجد الكوفة يقول: "واللَّه لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام أنا وأخته -يعني زوجة سعيد- قبل أن يسلم عمر (٤) يشير إلى أسبقيته إلى الإسلام -﵁-.
_________________
(١) رواه مسلم رقم (١٧٤٨) في الجهاد باب الأنفال، وفي فضائل الصحابة باب من فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁ رقم (١٧٤٨) (ج ٤/ ١٨٧٧) والترمذي رقم (٤١٨٩) في التفسير كتاب ومن سورة العنكبوت.
(٢) الترمذي رقم (٣٧٥١) قال الألباني في تخريج المشكاة رقم (٦١١٦) (ج ٣/ ١٧٢٨): "إسناده صحيح".
(٣) رواه البخاري رقم (٣٧٢٨) (ج ٧/ ١٠٤) في فضائل أصحاب النبي -ﷺ-، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، ومسلم رقم (٢٩٦٦) في الزهد في فاتحته، والترمذي رقم (٢٣٦٥ - ٢٣٦٦) في الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي -ﷺ-.
(٤) البخاري رقم (٣٨٦٢) (ج ٧/ ١٠٤) في مناقب الأنصار، باب إسلام سعيد بن زيد ﵁.
[ ٢ / ٦٥ ]
وفي الترمذي من حديث عائشة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول لنسائه: "إن أمركن مما يهمني من بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون الصديقون" قالت عائشة -يعني المتصدقين-.
ثم قالت عائشة ﵂ لأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف سقى اللَّه أباك من سلسبيل الجنة.
وكان ابن عوف تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفًا وقال حديث حسن صحيح (١).
وأخرج الترمذي أيضًا -عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف (٢) وقال حديث حسن غريب.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن لكل أمة أمينًا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح" (٣).
وفي مسلم أن رسول اللَّه -ﷺ-: أخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة" وزاد رزين (٤): وفيه نزل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ. .﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية.
_________________
(١) الترمذي في المناقب رقم (٣٧٤٩) باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ﵁، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) الترمذي رقم (، ٣٧٥) وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٣) البخاري رقم (٣٧٤٤) (٧/ ١١٦) في فضائل الصحابة باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁، ومسلم رقم (٢٤١٩) في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁ (٤/ ١٨٨١).
(٤) رزين: رزين بن معاوية بن عمار العبدري الأندلسي السرقسطي أبو الحسن كان رجلًا فاضلًا عالمًا بالحديث وغيره وله فيه تواليف منها "تجريد الصحاح" جمع فيه بين الموطأ =
[ ٢ / ٦٦ ]
وكان قتل أباه وهو من جملة أساري بدر بيده لما سمع منه في رسول اللَّه -ﷺ- ما يكره ونهاه فلم ينته" (١).
وفي الصحيحين وغيرهما عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "جاء أهل نجران إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا يا رسول اللَّه إبعث إلينا رجلًا أمينًا، فقال: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ، فاستشرف لها الناس، قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح" (٢).
وفي الترمذي قال: جاء العاقب والسيد إلى النبي -ﷺ- فقالا: إبعث معنا أمينك (٣) قال فإني أبعث معكم. . وذكر الحديث وقال حديث حسن صحيح. واللَّه أعلم.
إذا علمت ذلك فاعلم أن أهل السنة والجماعة متفقون على أن أفضل هذه الأمة: أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي أمير المؤمين، ثم هؤلاء الستة تكملة العشرة المبشرين بالجنة من سيد العالمين وخاتم النبيين، فأهل بدر، فأهل بيعة الرضوان، فأهل أحد، فباقي الصحابة الكرام رضوان اللَّه عليهم أجمعين (٤).
_________________
(١) = والصحاح الخمسة وعليه اعتمد ابن الأثير في تصنيف كتابه "جامع الأصول" لكن أدخل فيه زيادات واهية، قال الذهبي: أدخل كتابه زيادات واهية لو تنزه منها لأجاد، توفى بمكة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٠٤ - ٢٦٠) والصلة (١/ ١٨٦ - ١٨٧) والديباج المذهب (١/ ٣٦٦ - ٣٦٧) ومقدمة جامع الأصول (١/ ٤٨ - ٥١) والفوائد المجموعة (٤٩).
(٢) جامع الأصول (٩/ ٢٠ - ٢١).
(٣) البخاري رقم (٣٧٤٥) (٧/ ١١٦ - ١١٧) في فضائل الصحابة باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ ومسلم رقم (٢٤٢٠) في فضائل الصحابة باب وفي فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁، والترمذي رقم (٣٧٩٦) في المناقب باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي عبيدة ين الجراح ﵃ (٥/ ٦٦٧).
(٤) في "ظ": إبعث معنا أمينًا.
(٥) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٦٤) واختصار علوم الحديث (ص ١٨٣) وإرشاد طلاب الحقائق للنووي (٢/ ٥٩٨، ٥٩٩) وتفسير القرطبي (٨/ ٢٣٦) وتدريب الراوي (ص =
[ ٢ / ٦٧ ]
فضائل أم المؤمنين عائشة ﵂
وبعد ذكر العشرة الكرام المبشرين بالجنة ذكر الناظم رحمه اللَّه تعالى أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄، حبيبة رسول رب العالمين فقال: (وعائش): بحذف هاء التأنيث وإن كان في غير النداء لضرورة النظم ولكثرة ما كان النبي -ﷺ- يخاطبها كذلك في النداء وغيره على طريق الترخيم، فأجرى الناظم ذكرها هنا مجراه، وقد سمع الترخيم في غير النداء كقول امرئ القيس:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مال ليلة الجوع والخصر (١)
أي البرد.
وهو معطوف على ما قبله أي في جنة الخلد (أم المؤمنين) لقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.
وقد تواتر تسمية أزواج النبي -ﷺ- بأمهات المؤمنين لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
عقد النبي -ﷺ- على أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂ وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه".
ورواه البخاري أيضًا ولفظه: "أريتك قبل أن أتزوجك مرتين ورأيت الملك
_________________
(١) = ٤٠٧ - ٤٠٩) وشرح العقيدة الطحاوية (٥٤٨) وما بعدها، ومعالم السنن (٧/ ١٨) وشرح مسلم للنووي (١٥/ ١٤٨) وأصول الدين للبغدادي (ص ٣٠٤).
(٢) البيت في ديوان امرئ القيس (ص ١٤٢) وانظر: شرح ابن عقيل (٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
[ ٢ / ٦٨ ]
المفاضلة بين عائشة وخديجة ﵅
يحملك في سرقة حرير فقلت له اكشف فكشف، فإذا هى أنت فقلت إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه" (١).
وبنى بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدية ودفنت بالبقيع وأوصت أن تدفن ليلًا، وصلى عليها أبو هريرة ﵁، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية ابن أبي سفيان ﵁ وذلك سنة ثمان وخمسين وكان ذلك ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان.
فهي ﵂ أفضل نساء النبي -ﷺ- في العلم والفقه النافع فلها من الفضل في ذلك ما ليس لغيرها من سائر أزواجه -ﷺ- حتى كان الأكابر من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ورضي عنهم إذا أشكل عليهم أمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها وقد وقع الخلاف بين السلف في التفاضل بينها وبين أم المؤمنين خديجة ﵂.
فقدم العلامة ابن حمدان (٢) في "نهاية المبتدئين في أصول الدين" أن عائشة ﵂ أفضل النساء.
وقال الإمام موفق الدين (٣) أفضل النساء خديجة بنت خويلد ﵂ (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٧/ ٢٦٤) رقم (٣٨٩٥) مناقب الأنصار، باب تزويج النبي -ﷺ- عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها، ومسلم رقم (٢٤٣٨) في فضائل الصحابة باب في فضل عائشة ﵂.
(٢) أحمد بن حمدان تقدم (١/ ٢٥٣).
(٣) موفق الدين ابن قدامة تقدم (١/ ٢١١).
(٤) انظر: لمعة الاعتقاد لابن قدامة (ص ٣٣) وشرحها للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ص ١٠٥ - ١٠٦) وراجع فتح الباري (ج ٦/ ٥١٤ - ٦١٥، ٥٤٣، ج ٧/ ١٦٧).
[ ٢ / ٦٩ ]
وقال المحقق ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام"
"وقد اختلف في تفضيل خديجة على عائشة على ثلاثة أقوال ثالثها الوقف.
قال وسألت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه عنها فقال: اختصت كل واحدة منهما بخاصية؛ خديجة كان تأثيرها في أول الإسلام وموازرة خير الأنام فكانت تسلي رسول اللَّه -ﷺ- وتثبته وتبذل دونه مالها فأدركت غرة الإسلام واحتملت الأذى في اللَّه وفي رسوله وكانت نصرتها للرسول -ﷺ- في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة وبذل المال ما ليس لغيرها. فال وعائشة كان تأثيرها في آخر الإسلام فلها من التفقه في الدين وحمل العلم وتبليغه إلى الأمة وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها فلكل منهما خاصية لا توجد بغيرها" (١).
وقال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد" في المفاضلة ما بين عائشة ﵂ وفاطمة ﵂ إذا حرر (٢) محل التفضيل لا يستقيم الخلاف لأنه إن أريد بالفضل كثرة الثواب عند اللَّه فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة وإن أريد بالتفاضل من جهة العلم فلا ريب أن أم المؤمنين عائشة ﵂ أعلم وأنفع للأمة وأدت من العلوم ما لم يؤد غيرها واحتاج إلى علمها خواص الأمة وعامتها وإن أريد بالتفاضل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة ﵍ أفضل فإنها بضعة من النبي -ﷺ- وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها وإن أريد السيادة ففاطمة رضي
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ١٢٤) وانظر مجموع الفتاوى (ج ٤/ ٣٩٣) وبدائع الفوائد (٣/ ١٦١ - ١٦٣).
(٢) في "ظ": إذا جرى.
[ ٢ / ٧٠ ]
اللَّه عنها سيدة نساء الأمة وإذا تبينت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل" (١) وانزاح اللغو والمزاح عن أهل الفهم والفضل وباللَّه التوفيق.
فعائشة أم المؤمنين ﵂ أفضل بحسب تحملها للعلوم وأحاديث (٢) النبي -ﷺ- فإنها أحد المكثرين ونشرها لسنة النبي -ﷺ- ونفعها للأمة فإنها كانت عالمة فقيهة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن النبي -ﷺ- عارفة بأيام العرب وأشعارها وفضائلها ومناقبها كثيرة لا تحصى، ومحبة النبي -ﷺ- لها وتفضيلها على سائر نسائه -ﷺ- مما لا يخفى وهي أحد المكثرين عن رسول اللَّه -ﷺ- فقد روي لها ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث منها في الصحيحين ثلاثمائة حديث تعجز ثلاثة أحاديث، المتفق عليه منها مائة وأربعة وسبعون، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بتسعة وستين (٣).
وفي الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم عن عائشة قالت: قال لي رسول اللَّه -ﷺ- يومًا يا عائش "هذا جبريل يقرئك السلام" فقلت: وعليه السلام ورحمة اللَّه وبركاته قالت وهو يرى ما لا أرى" (٤).
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه "هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طمام أو شراب فإذا
_________________
(١) انتهى كلام ابن القيم ﵀. انظر: "بدائع الفوائد" (ج ٣/ ١٦١ - ١٦٢).
(٢) في "ظ": الأحاديث.
(٣) تلقيح فهوم أهل الًاثر (ص ٣٦٣، ٤٠٣) وتهذب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥١) وسير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٩).
(٤) البخاري رقم (٣٧٦٨) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂، ومسلم رقم (٢٤٤٧) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂، وأبو داود رقم (٥٢٣٢) في الأدب، باب في الرجل يقول فلان يقرئك السلام، والترمذي رقم (٣٨٨١) في المناقب باب مناقب عائشة.
[ ٢ / ٧١ ]
من خصائص عائشة ﵂
هى أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ﵎ ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب" (١).
وهذه لعمر اللَّه خاصية (٢) لم تكن لسواها.
ومن خصائص عائشة ﵂ أنه لم يتزوج بكرًا غيرها (٣) وأنها كان ينزل الوحي على النبي -ﷺ- وهو في لحافها (٤) ولما أنزل اللَّه آية التخيير بدأ بها فخيرها وقال لها "فلا عليك أن لا تعجلى حتى تستأمري أبويك" فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة. فاستن بها بقية أزواجه -ﷺ- ورضي عنهن (٥).
ومن أعظم خصائصها أنها كانت أحب أزواج رسول اللَّه -ﷺ- إليه، كما ثبت عنه -ﷺ- في الصحاح والمسانيد والسنن (٦).
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٣٨٢٠) (ج ٧/ ١٦٦) في مناقب الأنصار، باب تزوبج النبي -ﷺ- خديجة وفضلها ﵂، ومسلم رقم (٢٤٣٢) في فضائل الصحابة باب فضائل خدجة أم المؤمنين ﵂.
(٢) في الأصل خاصة والمثبت من "ظ" ولعله الصحيح.
(٣) أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول اللَّه أرأيت لو أنك نزلت واديًا فيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها فأيهما كنت ترتع بعيرك؟ قال: "الشجرة التي لم يؤكل منها" قالت: فأنا هي تعني أن رسول اللَّه لم يتزوج بكرًا غيرها، رواه البخاري (٩/ ٢٣) رقم (٥٠٧٧) في النكاح باب نكاح الأبكار.
(٤) البخاري (ج ٧/ ١٣٤) رقم (٣٧٧٥) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ ومسلم رقم (٢٤٤١ - ٢٤٤٢) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂.
(٥) أخرجه البخاري (ج ٨/ ٣٧٩) رقم (٤٧٨٥) في التفسير باب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] ومسلم رقم (١٤٧٥ - ١٤٧٨) (ج ٢/ ١١٠٥) في الطلاق باب بيان أن لخبير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنبة.
(٦) عن عمرو بن العاص ﵁ قال سألت النبي -ﷺ- من أحب الناس إليك؟ قال: =
[ ٢ / ٧٢ ]
وقد قال -ﷺ-: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (١) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
ومن عظيم خصائصها ﵂ أن اللَّه ﵎ برأها مما رماها به أهل الإفك (٢) وأنزل في براءتها وحيًا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها تعالى بأنها من الطيبات فللَّه (درها) (٣) من حصان عظمت فضائلها ورزان جلت مناقبها، ومطهرة رسخت قدمها في الدين وفقيهة عظم شأنها عند سائر المسلمين واحتاج لعلمها أئمة الصحابة وشهد لها (أهل) (٤) الحق بالتقدم والإصابة.
وأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ما أشكل علينا
_________________
(١) = عائشة" قال فمن الرجال؟ قال: "أبوها". رواه البخاري في صحيحه (٧/ ٢٢) رقم (٣٦٦٢) في فضائل الصحابة باب قول النبي "لو كنت متخذًا خليلًا" وفي المغازي باب غزوة ذات السلاسل (ج ٧/ ٦٧٣) رقم (٤٣٥٨) ومسلم رقم (٢٣٨٤) في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر ﵁.
(٢) البخاري (٧/ ١٣٣) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة، ومسلم رقم (٢٤٤٦) في فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ من رواية أنس بن مالك ﵁. ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي من رواية أبي موسى وعائشة ﵃. انظر جامع الأصول (٩/ ١٣٤).
(٣) راجع قصة الإفك في البخاري (٥/ ٣١٩) في الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضًا وفي المغازي (٧/ ٤٩٦) باب حديث الإفك وفي التفسير (٨/ ٣٠٦) في تفسير سورة النور باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، وأحمد (٦/ ١٩٤) ومسلم (٢٧٧٠) في التوبة باب حديث الإفك، وابن هشام في السيرة (٣/ ٣٨١)؛ وابن كثيرة في البداية (٤/ ١٦٠) وفي نفسيره (ج ٦/ ٦٨)؛ وسير أعلام النبلاء (ج ٢/ ١٥٣).
(٤) درها سقطت من الأصل وأثبتها من "ظ".
(٥) (أهل) سقطت من الأصل وأثبتناها من "ظ".
[ ٢ / ٧٣ ]
ترجمة معاوية ﵁
أصحاب النبي -ﷺ- حديث قط فسألنا عائشة ﵂ إلا وجدنا عندها منه علمًا" (١) قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وأخرج الترمذي -أيضًا- عن أنس وصححه أن رجلًا نال من عائشة ﵂ عند عمار بن ياسر ﵁ قال: "أغرب مقبوحًا منبوحًا أتؤذي حبيبة رسول اللَّه -ﷺ-" (٢).
وأخرج عن عبد اللَّه بن زياد الأسدي قال: سمعت عمار بن ياسر ﵁ يقول: "هى زوجته في الدنيا والآخرة" (٣) (يعني عائشة ﵂، قال الترمذي حسن صحيح، ومناقبها) (٤) ومآثرها كثيرة ومزاياها وفضائلها غزيرة شهيرة فرضي اللَّه عنها وعن سائر أزواج رسول اللَّه الطاهرات أمهات المؤمنين وعن سائر أصحاب رسول اللَّه أجمعين واللَّه تعالى أعلم.
وقول الناظم ﵀ ورضى عنه: (وخالنا معاوية) بن أبي سفيان ﵄: إنما سمي معاوية بخال المؤمنين لأنه أخو أم المؤمنين أم حبيبة زوجة النبي -ﷺ- فأطلق عليه خال المؤمنين لأن أخ الأم خال لابنها واسم أم حبيبة على الصحيح رملة بفتح الراء وسكون الميم وقيل اسمها هند والأصح أن اسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية بن أبي سفيان واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف القرشي الأموي يلتقي نسبه مع النبي -ﷺ- في عبد مناف، أمير المؤمنين كان هو وأبوه أبو سفيان من مسلمة الفتح ومن المؤلفة قلوبهم، ثم حسن
_________________
(١) الترمذي رقم (٣٨٨٣) في المناقب باب فضل عائشة ﵂ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) رواه الترمذي في مناقب عائشة رقم (٣٨٨٨) (ج ٥/ ٧٠٧) وقال: "هذا حديث حسن".
(٣) الترمذي ني مناقب عائشة رقم (٣٨٨٩) وقال: "هذا حديث حسن".
(٤) ما بين القوسين سقط من "ظ".
[ ٢ / ٧٤ ]
إسلامهما، وأم معاوية هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها فأقرهما النبي -ﷺ- على نكاحهما وكان لها فصاحة وعقل ورزانة.
يكنى معاوية بأبي عبد الرحمن وهو أحد كتاب النبي -ﷺ- وقيل إنما كان يكتب للنبي -ﷺ- الكتب لا الوحي (١).
وقد أخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديًا مهديًا" (٢).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب" (٣).
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير
_________________
(١) الصحيح أنه من كتاب الوحى، انظر ابن كثير (ج ٨/ ١١٧ - ١١٩)؛ وسير أعلام النبلاء (ج ٣/ ١٢٣).
(٢) أخرجه الترمذي في المناقب (٣٨٤٢) باب مناقب لمعاوية بن أبي سفيان وقال: "هذا حديث حسن غريب".
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٢٧) وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ١٦٩ - ١٧٠) والبسوي في المعرفة (٢/ ٣٤٥)؛ وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٧٤٨) (٢/ ٩١٣ - ٩١٤)؛ والحسن بن عرفة في جزئه رقم (٣٦) والبزار -كما في كشف الأستار (٢٧٢٣) (٣/ ٢٦٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٦) رواه البزار وأحمد في حديث طويل والطبراني وفيه الحارث بن زياد، ولم أجد من وثقه ولم يرو عنه غير يونس بن سيف وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. وقال الذهبي في السير (٣/ ١٢٤) وله شاهد قوي أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٠) عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني، وانظر البداية (٨/ ١٢٠ - ١٢١).
[ ٢ / ٧٥ ]
قال: قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول اللَّه "يا معاوية إذا ملكت فأحسن" (١).
تولى معاوية ﵁ إمارة الشام بعد موت أخيه ويزيد بن أبي سفيان وذلك أن أبا بكر الصديق ﵁ لما بعث الجيوش إلى الشام سنة اثنتي عشرة وكان أمير الأمراء أبا عبيدة بن الجراح ﵃ وكان من أمراء الأجناد ويزيد بن أبي سفيان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان ويزيد خيرًا من معاوية وأفضل (٢).
فسار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلما مات أخوه ويزيد استخلفه قبل موته على دمشق فأقره عمر بن الخطاب ﵁ ثم أقره عثمان وجمع له عثمان الشام كله فأقام أميرًا عشرين سنة، ولما استشهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بمبايعة المهاجرين والأنصار -كما مر- دخل المغيرة بن شعبة على أمير المؤمنين على ابن أبي طالب فأشار عليه بإبقاء معاوية على إمارة الشام فإنه قال له يا أمير المؤمنين
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٤٧ - ١٤٨) رقم (١٠٧٦٤) والطبراني في الكببر (١٩/ ٣٦١ - ٣٦٢) (٨٥٠). قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٨٦) وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف وقد وثق. وقال الذهبي في السير بعد أن ذكره: "ابن مهاجر ضعيف والخبر مرسل". وله شاهد أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٠١)؛ وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٥ - ٣٥٦). قال الهيثمى: ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح. انظر: السير (٣/ ١٣١)؛ والبداية (٨/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٦٤).
[ ٢ / ٧٦ ]
لك عندي نصيحة. قال وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ على الكوفة والزبير بن العوام ﵁ على البصرة، وابعث إلى معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، فقال علي ﵁ أما طلحة والزبير فأرى رأيي فيهما وأما معاوية فما كنت متخذ المضلين عضدًا ولا واللَّه لا يراني ولا أراه ولا أستعين به ما دام على حاله ولكني أدعوه إلى ما عرفته فإن أجاب وإلا حاكمته إلى اللَّه ورسوله، فانصرف المغيرة مغضبًا وهو يقول:
نصحت عليًا في ابن هند مقالة فردت فلم يسمع لها الدهر ثانية
ويعلم أهل الشام أن قد ملكتهم وأم ابن هند عند ذلك هادية
فتحكم فيه ما تراه فإنه لداهية فارفق به أي داهية
فلم يقبل النصح الذي جئته به وكانت له تلك النصيحة كافية
ويروى أنه عاد إليه في اليوم الثاني فقال يا أمير المؤمنين فكرت فرأيت رأيك هو الصواب فلا تعدل عنه، فلما خرج دخل عبد اللَّه بن عباس على علي ﵃ فقال له ما قال لك المغيرة؟ فقال: جاءني بالأمس بكذا واليوم بكذا، فقال ابن عباس: أما أمس فقد نصحك ولما لم تقبل غشك. . (١).
ولم يزل معاوية ﵁ قوليًا إلى أن مات وذلك أربعون سنة منها أربعة أو نحوها في أيام عمر ومدة خلافة عثمان، وخلافة علي وابنه الحسن ﵃
_________________
(١) هذه الروية أوردها الطبري في تاريخه بإسناد فيه الواقدي وهو متروك مما يدل على عدم صحتها وأن جانب الصحابة ﵃ أبعد ما يكون من للغش والخديعة، انظر التعليق رقم (١) (٢/ ٣٦)؛ وانظر هذه الرواية في تاريخ الطبري (٤/ ٤٣٨ - ٤٣٩)، والبداية (٧/ ٢٢٨) والاستيعاب لابن عبد البر (١٠/ ١٩٠ - ١٩٢) وقد جاءت العبارة في "ظ" وراك لم تقبل غشك.
[ ٢ / ٧٧ ]
وذلك تمام عشرين سنة، ثم خلص له الأمر بتسليم سيدنا الحسن بن أمير المؤمنين علي ﵄ له ذلك سنة إحدى وأربعين فكان له عشرين سنة أو نحوها خليفة.
يروى عن كعب الأحبار رحمه اللَّه تعالى أنه قال: "لن يملك أحد هذه (١) الأمة ما ملك معاوية".
قال الحافظ الذهبي: توفى كعب الأحبار قبل أن يستخلف (٢) معاوية وصدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف، وخرج عن أمرهم بعض المماليك (٣). انتهى.
ولهذا قال الناظم (أكرم) به من خليفة وإمام وملك مقدم (٤) همام، وهذه من صيغ التعجب أي ما أكرمه، (ثم امنح) من (٥) المنحة وهي العطية والهبة.
قال في القاموس: "منحه كمنعه وضربه -أعطاه والاسم المنحة بالكسر، ومنحه الناقة جعل له وبرها ولبنها وولدها وهي المنحة والمنيحة واستمنحه طلب عطيته" (٦).
وفى الحديث "المنحة مردودة" (٧).
_________________
(١) في "ظ" لن يملك أحد من هذه الأمة.
(٢) في "ظ" يستخلفه.
(٣) انظر نص الذهبي في تاريخ الإسلام -عهد معاوية- (ص ٣١٤ - ٣١٥).
(٤) في "ظ" مقدام.
(٥) في "ظ" زيادة: أي به.
(٦) القاموس (١/ ٢٦٠) (منح).
(٧) رواه أبو داود (٣٥٦٥) في البيوع باب في تضمين العارية، والترمذي رقم (٢١٢١) في الوصايا باب ما جاء في لا وصية لوارث. في حديث طويل عن أبي أمامة الباهلي ﵁ مرفوعًا وفيه: "العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٧٨ ]
وهو أن يعطه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه ينتفع بوبرها وصوفها زمانًا ثم وردها (١).
قال الجلال السيوطي: "قد ورد في فضل معاوية ﵁ أحاديث قل ما ثبتت" (٢) ثم أورد منها ما تقدم.
وخرج ابن البناء (٣) أن النبي -ﷺ- قال: "معاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها" (٤).
وتحقيق القول عند أهل الحق أن معاوية ﵁ لم يكن في أيام على خليفة وإنما كان من الملوك وغاية ما هناك أنه كان مجتهدًا فله أجر الاجتهاد دون الإصابة، وأما بعد موت علي ﵁ وبعد تسليم سيدنا الحسن ﵁ الأمر له فقد صحت خلافته لنزول سيدنا الحسن له عنها فهو خليفة حق عند أهل الحق، وزعم قوم عدم حقية (٥) خلافة معاوية مطلقًا محتجون (٦) بأن الحسن رضي اللَّه
_________________
(١) انظر: معالم السنن (٥/ ١٩٩).
(٢) تاريخ الحلفاء (ص ١٩٤).
(٣) ابن البناء سيأتي (٢/ ١٠٦).
(٤) روى الديلمي في مسند الفردوس رقم (١٧٨٧)؛ والحارث بن أبي أسامة في مسنده -كما في المطالب العالية (٤/ ٨٥٠) حديثًا في فضل عدد من الصحابة من رواية شداد بن أوس وفيه: "ومعاوية أحلم أمتي وأجودها". قال البوصيرى سنده ضعيف لجهالة بعض رواته. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٩ - ٣٠) وتعقبه السيوطي في اللآلي (١/ ٤٢٨ - ٤٢٩) بقوله: قلت قال ابن عدي وساق السند من رواية ابن عدي ثم ذكر نص هذا الحديث الذي أورده الشارح، وقد راجعت فهرس أحاديث الكامل لابن عدي فلم أجده فاللَّه أعلم. وانظر الفوائد المجموعة (٤١٠).
(٥) في الأصل: حقيقة والمثبت من "ظ" ولعله الصحيح.
(٦) كذا في النسختين ولعل الصحيح: محتجين حال.
[ ٢ / ٧٩ ]
عنه لم يسلم الأمر إليه الا لضرورة، لعلم الحسن بأن معاوية لا يسلم الأمر إليه وأنه قاصد للقتال وسفك الدماء إن لم يسلم الحسن إليه، فلم يترك الحسن الأمر (له) (١) إلا صونًا لدماء المسلمين وأهل الحق يردون هذا بأن الحسن كان هو الإمام الحق والخليفة الصدق، وقد كان معه من العدة والعدد ما يقاوم من مع معاوية فلم يكن نزوله عن الخلافة وتسليمه الأمر لمعاوية اضطراريًا بل كان اختياريًا كما يدل عليه ما في قصة نزوله له من اشتراطه عليه شروطًا كثيرة فالتزمها ووفى له بأكثرها أو كلها.
ومما يدل على صحة ذلك حديث البخاري عن أبي بكرة ﵁ رأيت رسول اللَّه -ﷺ- على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.
وفى رواية الترمذي قال "صعد النبي -ﷺ- المنبر فقال: إن ابني هذا سيد يصلح اللَّه به بين فئتين عظيمتين" (٢) وقال هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية أبي داود قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- للحسن بن علي إن ابني هذا سيد وإني لأرجو أن يصلح له بين فئتين من أمتي" (٣).
فهذا مشعر بصحة نزول الحسن لمعاوية عن الخلافة، وإلا لو كان الحسن باقيًا على خلافته بعد نزوله عنها لم يقع بنزوله إصلاح ولم يحمد الحسن على ذلك، ولم يترج النبي -ﷺ- مجرد النزول من غير أن يترتب عليه فوائده الشرعية وهو استقلال
_________________
(١) في "ظ": إليه.
(٢) ليست في "ظ".
(٣) البخاري في الصلح باب قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي ﵄ "ابني هذا سيد ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين. . . " (ج ٥/ ٣٦١) رقم (٢٧٠٤)؛ وأبو داود رقم (٤٦٦٢)؛ والترمذي (٣٧٧٣)؛ والنسائي (٣/ ٨٧ - ٨٨).
[ ٢ / ٨٠ ]
المنزول له بالأمر وصحة خلافته ونفاذ تصرفاته، ووجوب طاعته على الكافة وقيامه بأمور المسلمين.
وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة وجهلة من ينتسب إلى (أهل) (١) السنة من سبه ولعنه فله أسوة في ذلك (بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة ﵃ أجمعين) (٢).
فلا يلتفت لذلك ولا يعول عليه فإنه لم يصدر إلا عن قلوب في الضلال غرقى، وألباب فاسدة حمقى، لا يعبأ اللَّه بهم ولا يبالي بهلاكهم، فخذلهم اللَّه ما أعظم افتراءهم وما أكبر اجتراءهم.
مات معاوية ﵁ في شهر رجب بدمشق الشام من سنة ستين وله ثمان وسبعون سنة، وقيل ست وثمانون سنة.
ورجح النووي أنه عاش اثنتين وثمانين سنة (٣) وقال في آخر عمره: "ليتني كنت رجلًا من قريش بذي طوى ولم آل من هذا الأمر شيئًا" (٤).
وكان عنده من آثار النبي -ﷺ- إزار وقميص وشيء من شعره وأظفاره -ﷺ- فقال: "كفنوني في قميصه وأدرجوني في إزاره واحشوا منخري وشدقي ومواضع السجود مني بشعره وأظفاره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين" (٥). وهو من الموصوفين بالدهاء والحلم.
_________________
(١) أهل سقطت من "ظ".
(٢) كذا في النسختين وفي العبارة إشكال ولعل الصواب: فله أسوة في ذلك بمن يسب الشيخين وعثمان وأكثر الصحابة من الرافضة.
(٣) انظر تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٠٣).
(٤) نفس المصدر (٢/ ١٠٣)، وانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ١٣٤)؛ والبداية (٨/ ١٢٥) وما بعدها.
(٥) المصادر السابقة.
[ ٢ / ٨١ ]
فضائل الأنصار
ولما دخل عمر بن الخطاب ﵁ الشام ورآه قال: "هذا كسرى العرب" (١) وكان معاوية نفسه يقول: "أنا أول الملوك" (٢).
روي له عن رسول اللَّه -ﷺ- مائة حديث وثلاثة وستون حديثًا، اتفق الشيخان من ذلك على أربعة وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة (٣) واللَّه تعالى الموفق.
قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (وأنصاره) جمع ناصر كأصحاب وصحاب (٤) أو جمع نصير كشريف وأشراف، والضمير في: أنصاره راجع إلى النبي -ﷺ-.
والمراد بهم: الأوس والخزرج وحلفاؤهم ومن والاهم وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة بقاف مفتوحة وتحتانية وهى الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم النبي -ﷺ- الأنصار، فصار ذلك علمًا عليه، وأطلق أيضًا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم وخصوا بهده المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي -ﷺ- ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم لجميع الفرق والقبائل من عرب وعجم.
ولهذا قال -ﷺ- في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه اللَّه ومن أبغضهم أبغضه اللَّه" (٥) رواه الشيخان وغيرهما من حديث البراء ابن عازب ﵄.
_________________
(١) و(٢) و(٣) نفس المصدر (٢/ ١٠٣)؛ وانظر سير أعلام النبلاء (٣/ ١٣٤)؛ والبداية (٨/ ١٢٥) وما بعدها.
(٢) في "ظ" وصاحب.
(٣) رواه البخاري في فضائل الأنصار (ج ٧/ ١٤١) رقم (٣٧٨٣) باب حب الأنصار من الإيمان، ومسلم في الإيمان رقم (٧٥) باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان.
[ ٢ / ٨٢ ]
وأخرجا أيضًا وغيرهما من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" (١).
وفي رواية "آية المنافق بغض الأنصار وآية (المؤمن) (٢) حب الأنصار".
وأخرج الترمذي وقال: حسن صحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا يبغض الأنصار أحد يؤمن باللَّه واليوم الآخر" (٣).
ورواه مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا ولفظه: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن باللَّه واليوم الآخر" (٤).
وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة (٥).
وفي صحيح البخاري عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس ﵁: أرأيت اسم الأنصار أكنتم تسمون به أم سماكم اللَّه ﵎ به؟ قال: بل سمانا اللَّه ﷿، وقال غيلان كنا ندخل على أنس فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم ويقبل عليَّ أو على رجل من الأزد ويقول: فعل قومك يوم كذا كذا وكذا" (٦).
قال الحافظ ابن حجر (٧) في "فتح الباري لشرح البخاري":
_________________
(١) البخاري في مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان (ج ٧/ ١٤١) ومسلم رقم (٧٤) في الإيمان.
(٢) في "ظ" الإيمان.
(٣) الترمذي رقم (٣٩٠٦) في المناقب، باب مناقب الأنصار وقريش.
(٤) مسلم رقم (٧٧) في الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.
(٥) مسلم رقم (٧٦) في الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.
(٦) البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب مناقب الأنصار (ج ٧/ ١٣٧) رقم (٣٧٧٦).
(٧) تقدم (١/ ١١٩).
[ ٢ / ٨٣ ]
أول تلقيب الأنصار بهذا اللقب كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي -ﷺ- عند عقبة منى في الموسم (١) كما في السيرة النبوية.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار" (٢).
وفي الترمذي أن زيد بن أرقم كتب إلى أنس بن مالك يعزيه فيمن أصيب من أهله وبني عمه يوم الحرة فكتب إليه أني أبشرك ببشرى من اللَّه أني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "اللهم اغفر للأنصار ولذراري الأنصار ولذراري ذراريهم" (٣).
وفي صحيح مسلم عن أنس أن رسول اللَّه -ﷺ- "استغفر للأنصار قال وأحسبه قال ولذراري الأنصار ولموالي الأنصار لا أشك فيه" (٤).
وأخرج البخاري عن زيد بن أرقم قال: قالت الأنصار: "يا نبي اللَّه لكل نبي أتباع وإنا قد أتبعناك فادع اللَّه أن يجعل أتباعنا منا فدعا به".
وفي رواية فقال: "اللهم اجعل أتباعهم منهم" (٥).
وفي حديث أنس عند الشيخين وغيرهما أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن الأنصار كرشي وعيبتي فإن الناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا" وفي لفظ "واعفوا عن مسيئهم" (٦).
وفي رواية عند البخاري مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من
_________________
(١) انظر: فتح الباري (ج ٧/ ٢٦١).
(٢) البخاري في التفسير (ج ٨/ ٥١٨) رقم (٤٩٠٦) في تفسير سورة المنافقين. ومسلم رقم (٢٥٠٦) في فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار ﵃.
(٣) الترمذي رقم (٣٩٠٢) في المناقب باب في فضل الأنصار وقريش.
(٤) مسلم رقم (٢٥٠٧) في فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار ﵃.
(٥) البخاري (ج ٧/ ١٤٣) رقم (٣٧٨٧ - ٣٧٨٨) في مناقب الأنصار باب أتباع الأنصار.
(٦) رواه البخاري (٧/ ١٥١) في مناقب الأنصار باب قول النبي -ﷺ- "أقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". ومسلم رقم (٢٥١٠) في فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار ﵃.
[ ٢ / ٨٤ ]
فضائل المهاجرين
مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي -ﷺ- منا فدخل على النبي -ﷺ- فأخبره قال: فخرج النبي -ﷺ- وقد عصب على رأسه حاشية برد قال فصعد النبي المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم -فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" (١).
قال في النهاية: "قوله -ﷺ-: "كرشي وعيبتي" أراد أنهم بطانته وموضع سره وأمانته، والذي يعتمد عليهم في أموره، واستعار الكرش والعيبة لذلك لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته وقيل: أراد بالكرش الجماعة أي جماعتي وصحابتي، يقال عليه كرش من الناس أي جماعة، والعرب تكنى عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب" (٢).
وفي القاموس: "والعيبة -أي بفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فهاء تأنيث-: زنبيل من أدم وما يجعل فيه الثياب، ومن الرجل موضع سره" انتهى (٣).
وفضائل الأنصار كثيرة ومناقبهم غزيرة ومآثرهم شهيرة ﵃ أجمعين.
ثم قال الناظم -مشيرًا إلى المهاجرين ﵃ وأخرهم وإن كانوا مقدمين على الأنصار في الفضيلة لضرورة النظم- (والهاجرون ديارهم) وأموالهم حبًا للَّه ورسوله ولإعلاء كلمة اللَّه ونصرة رسول اللَّه -ﷺ-.
_________________
(١) البخاري (٧/ ١٥١) في مناقب الأنصار باب قول النبي -ﷺ-: "اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" رقم (٣٧٩٩).
(٢) النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٢٧، ٤/ ١٦٣ - ١٦٤).
(٣) القاموس (١/ ١١٣) (عيب).
[ ٢ / ٨٥ ]
معنى الهجرة
"والهجرة": الترك، الهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره.
وفي الشرع: ترك ما نهى اللَّه عنه.
وقد وقعت في الإسلام على وجهين:
الأول: الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر الرسول -ﷺ- بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك مختصة بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة في الثامن من الهجرة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر -لمن قدر عليه- باقيًا" (١).
وكذا من ديار أهل البدع المضلة، وكل أرض يعجز فيها عن إظهار دين الإسلام وسنة خير الأنام.
وأما حديث "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (٢) يعني لا هجرة من مكة، ولهذا جاء في الحديث: "لا تنقطع الهجرة" (٣).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (ج ١/ ٢٣).
(٢) رواه البخاري (٦/ ٤٥) في الجهاد باب وجوب النفير رقم (٢٨٢٥) من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٧٩) في الجهاد باب في الهجرة هل انقطعت من رواية معاوية ﵁ مرفوعًا ولفظه: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". وأخرج النسائي في سننه (ج ٧/ ١٣١) عن عبد اللَّه بن السعدي مرفوعًا: "لن تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار". قال الحافظ في الفتح في الجمع بين الحديثين: قال الخطابي: كانت الهجرة أي إلى النبي -ﷺ- في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما =
[ ٢ / ٨٦ ]
والهجرة التي وعد اللَّه عليها الجنة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] (١).
فكان الرجل يأتي النبي -ﷺ- ويدع أهله وماله، لا يرجع في شيء منه وينقطع بنفسه إلى مهاجره فالمهاجرون (بنصرهم) للَّه تعالى ورسوله -ﷺ- وبذلهم نفوسهم النفيسة وخروجهم للَّه تعالى عن ديارهم وأموالهم وأهاليهم لأجل إعلاء كلمة اللَّه في مرضات اللَّه ورسوله إظهار دين اللَّه ونوره الذي أنزله على نبيه -ﷺ- ففتح اللَّه به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا (عن ظلمة النار) وغضب المليك الجبار (زحزحوا) أي ابعدوا من زاح يزيح زيحًا وزيوحًا وزيحانًا بعد وذهب كانزاح وأزحته والزوح
_________________
(١) = هاجر إلى المدينة إلى حضرته للقتال معه وتعلم شرائع الدين، وقد أكد اللَّه ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستجاب. وقال البغوي في شرح السنة: يحتمل الجمع بينهما بطريق أخرى بقوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي من مكة إلى المدينة وقوله: "لا تنقطع" أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإسلام "انتهى". راجع فتح الباري (١٧/ ٢٧٠) (١٦/ ٤٦) وشرح السنة للبغوي (١٠/ ٣٧١) وما بعدها.
(٢) ولم يتضح لي وجه استدلال المؤلف بهذه الآية على الهجرة، والذي ذكره المفسرون أن هذه الآية نزلت في البيعة الثانية وهي بيعة العقبة الكبرى وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- عند العقبة فقال عبد اللَّه بن رواحة للنبي -ﷺ-: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي -ﷺ-: "اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة" قالوا: ربح البيع لا نقبل ولا نستقيل فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ ثم هي بعد ذلك عامة في كل مجاهد في سبيل اللَّه من أمة محمد -ﷺ- إلى يوم القيامة. انظر: القرطبي (٨/ ٢٦٧)؛ وابن كثير والبغوي (٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
[ ٢ / ٨٧ ]
الآيات في فضل المهاجرين
تفريق الإبل وجمعها ضد والزولان والتباعد وأزاح الشيء عن موضعه نحاه، كما في القاموس (١).
وفي الآية الكريمة:
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥] والزحزحة تكرير الزح وهو الجذب بعجلة يقال زحه إذا نحاه عن موضعه ودفعه وجذبه في عجلة، وزحزحه عنه باعده فتزحزح وهو مزحزح (منه أي مبعد) (٢) والزحزاح البعيد" (٣).
وقد قال تعالى في التنصيص على فضل المهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤): ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
ففي هذه الآيات من التنصيص على فضلهم ما تثلج به الصدور ويزول غطش (٥)
_________________
(١) القاموس (ج ١/ ٢٣٤).
(٢) ساقط من "ظ".
(٣) القاموس (١/ ٢٣٤).
(٤) ساقط من "ظ".
(٥) الغطش: في العين شبه الهمش، والغطش الضعف في البصر كما ينظر ببعض بصره، ويقال هو الذي لا يفتح عينيه في الشمس والغطاش ظلمة الليل واختلاطه، وأغطش اللَّه الليل أي أظلمه. لسان العرب (٨/ ٢١٤)؛ والقاموس (٢/ ٢٩٢) (غطش).
[ ٢ / ٨٨ ]
تعريف الصحابي والكلام على الصحابة وفضائلهم
الديجور (١) فأذل اللَّه من عاداهم وقمع من ناوأهم أو أحدًا منهم، ولهذا قال: (وقل) بلسانك معتقدًا بجنانك (خير قول) من الثناء عليهم بذكر محاسنهم وصدق جهادهم مع رسول اللَّه -ﷺ- وبذل نفوسهم النفيسة في مرضاة اللَّه ورسوله لإعلاء كلمة اللَّه تعالى، فالواجب على كل مؤمن نشر محاسنهم والكف عما فيه شائبة تنقيصهم، والترضي عنهم وهذا لا يختص بأحد منهم دون أحد بل هو عام (في الصحابة) كلهم من السابقين واللاحقين من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر أصحاب النبي -ﷺ-.
والصحابة بالفتح جمع صاحب ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا والعبارة المشهورة في تعريف الصحابي: من رأى النبي -ﷺ- مؤمنًا ومات على ذلك، ولو تخلله ردة، أو رآه النبي -ﷺ- والأرشق في التعريف: أن يقال: الصحابي من اجتمع بالنبي مؤمنًا ومات على الإيمان (٢).
والمراد بالاجتماع أن يكون يقظة في عالم الشهادة رؤية معتادة غير معجزة حتى ولو رآه بعد موته مكفنًا كأبي ذؤيب (٣) الشاعر فإنه صحابيًا لكن صحبته حكمية لشرف رؤيته -ﷺ- وكذا من رآه -ﷺ- في حياته مغطى أو ملفوفًا بالأولى وقد
_________________
(١) الديجور: الظلام وليلة ديجور مظلمة (مختار الصحاح -دجر-).
(٢) انظر: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح (٢٥١) وإرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق (ج ٢/ ٥٨٦) وشرح نخبة الفكر (٢٨ - ٢٩) والإصابة (١/ ٧) كلاهما لابن حجر، وتدريب الراوي (٣٩٦).
(٣) أبو ذؤيب اسمه: خويلد بن خالد الهذلي الشاعر المشهور عده الحافظ ابن حجر في القسم الثالث من كتاب "الإصابة" من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام وجزم بعدم صحبته. راجع الإصابة (١/ ٦ - ١١/ ١٢٤).
[ ٢ / ٨٩ ]
ذكر الحافظ الذهبي في تجريده أبا ذؤيب، وذكر أنه حضر سقيفة بني ساعدة وصلى على النبي -ﷺ- ولم يره -يعني حيًا- (١).
وأما ورقة بن نوفل فمعدود من الصحابة لأنه أدرك النبوة وآمن حين جاءت خديجة بالنبي -ﷺ- إليه بعد البعثة فآمن به وصدقه فهو من الصحابة وذكر من خبره ما هو مشهور في الصحيح (٢).
واعلم أن الصحابة ﵃ كلهم عدول (مقبولوا) (٣) الرواية فلا يسأل عن عدالة أحد منهم بالكتاب والسنة وإجماع المعتبرين من الأمة قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
قيل اتفق المفسرون أن ذلك في الصحابة (٤) وإن رجح كثير عمومها في أمة محمد -ﷺ-، فهم أولى بالدخول في العموم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
_________________
(١) انظر: تجريد أسماء الصحابة للذهبي (ج ٢/ ١٦٤).
(٢) ورقة بن نوفل القرشي الأسدي اختلف في إسلامه وفي صحبته. راجع ترجمته في الإصابة (١٠/ ٣٠٤).
(٣) في الأصل: (مقبولون) والمثبت من "ظ" وهو الصواب.
(٤) قال ابن الجوزي: "وفيمن أريد بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها: أنهم أهل بدر. والثاني: أنهم المهاجرون. والثالث: جميع الصحابة. والرابع: جميع أمة محمد -ﷺ- نقلت هذه الأقوال كلها عن ابن عباس. ورجح ابن كثير ﵀ عمومها في أمة محمد -ﷺ-. راجع زاد المسير لابن الجوزي (١/ ٤٣٨)؛ وتفسير ابن كثير مع البغوي (ج ٢/ ٢١٣).
[ ٢ / ٩٠ ]
هذا خطاب للموجودين حينئذ (١) وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. . .﴾ [الفتح: ٢٩] الآيات.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: لا تسبوا أصحابى فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (٢).
وهذا وإن ورد على سبب فالعبرة بعموم اللفظ، ولا ينافي ذلك كون الخطاب لأصحابه أيضًا لأن المراد لا يسب غير أصحابي أصحابي ولا يسب بعضهم بعضًا فالمراد النهي عن حصول السب لهم مطلقًا.
وقد حكى الإمام ابن عبد البر في مقدمة الإستيعاب إجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة أن الصحابة كلهم عدول (٣).
فائدة: قد ذكر غير واحد من الحفاظ عدة الصحابة وأنهم عدة الأنبياء (٤).
فروي عن الإمام الحافظ أبي زرعة الرازي (٥) واسمه عبيد اللَّه بن عبد الكريم شيخ الإمام مسلم بن الحجاج (٦) صاحب الصحيح أنهم يزيدون على المائة ألف هذا
_________________
(١) انظر الكفاية في علم الرواية (ص ٤٦)؛ والتقييد والإيضاح (٢٦٠)؛ وفتح المغيث (٣/ ١٠٠ - ١٠١)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ٣٧٧).
(٢) رواه البخاري (ج ٧/ ٢٥) في فضائل الصحابة رقم (٣٦٧٣)، باب قول النبي -ﷺ- لو كنت متخذًا خليلًا، ومسلم رقم (٢٥٤١) في فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة ﵃.
(٣) انظر: الإستيعاب (١/ ٣٧ - ٣٨).
(٤) لم أقف على من ذكره.
(٥) أبو زرعه الرازي: تقدم (١/ ١٠٩).
(٦) مسلم بن الحجاج: تقدم (١/ ٢٧٥).
[ ٢ / ٩١ ]
على الأصح في النقل عنه كما رواه ابن المديني (١) في ذيله على كتاب الصحابة لابن منده (٢).
وروى أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا ممن روى عنه وسمع منه.
قال أبو زرعة قد شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا (٣).
وفي مناقب الإمام الشافعي ﵁ للساجي (٤) أن الشافعي قال: قبض رسول اللَّه -ﷺ- والمسلمون ستون ألفًا ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب (٥).
ثم الذين رووا وبقيت رواياتهم لا يبلغون هذا العدد ولا قريبًا منه، فقد قال الحاكم: "إنه روى عن النبي -ﷺ- أربعة آلاف نفس" (٦).
_________________
(١) محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر المديني الأصبهاني الشافعي الإمام العلامة صاحب التصانيف، مولده سنة إحدى وخمسمائة ووفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، من تصانيفه ذيل معرفة الصحابة، والمجموع المغيث في غريب القرآن والحديث وغيرها. السير (٢١/ ١٥٢).
(٢) ابن منده: محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده، العبدي الأصبهاني الحافظ صاحب التصانيف، مولده سنة عشر وثلاثمائة من تصانيفه كتاب "الإيمان"، التوحيد، وكتاب "الصفات". وكتاب "معرفة الصحابة" وغيرها. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٨).
(٣) انظر: التفييد والإيضاح (ص ٢٦٣ - ٢٦٤)؛ وتدريب الراوي (ص ٤٠٥ - ٤٠٦).
(٤) الساجي: زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن الضبى البصري الشافعي أبو يحيى محدث البصرة ومفتيها من أئمة الحديث، مات بالبصرة سنة سبع وثلاثمائة. السير (١٤/ ١٩٧).
(٥) انظر: التقييد والإيضاح (ص ٢٦٤)؛ وتدريب الراوي (٤٠٦)؛ وتجريد أسماء الصحابة (١/ ب).
(٦) انظر: تجريد أسماء الصحابة (١/ ب)؛ وفتح المغيث (٣/ ١١٣).
[ ٢ / ٩٢ ]
قال الحافظ الذهبي في التجريد: "ولعل الرواة عنه نحو الألف وخمسمائة لا يبلغون ألفين أبدًا"، ثم قال الذهبي بعد أن ذكر أنه جمع في كتابه هذا ما جرد وكتاب "أسد الغابة" لابن الأثير وأنه زاد عليه من كتب عدة وأن المذكور في كتابي هذا لا يبلغون ثمانية آلاف نفسًا وأكثرهم لا يعرفون" (١) انتهى (٢).
وقول الناظم رحمه اللَّه تعالى: (ولاتك): بحذف النون تخفيفًا -كما مر- "طعانًا" مبالغة من الطعن.
وفى الحديث: "لا يكون المؤمن طعانًا" (٣) أي وقاعًا في أعراض الناس بالذم والغيبة والتنقيص والمسبة ونحو ذلك، وهو فعال من طعن فيه وعليه بالقول يطعن بالفتح والضم إذا عابه، ومنه الطعن في النسب.
(بعيب): متعلق بطعان.
(وتجرح) من الجرح يقال جرحه كمنعه كلمة والاسم الجرح بالضم والجمع جروح، وقل أجراح، والجراح بالكسر جمع جراحة ورجل جريح وامرأة جريح، والجمع جرحى وجرح كمنع النسب كاجترح وجرح فلانًا سبه وشتمه (٤).
وشاهدا (٥) أسقط عدالته إشارة إلى رد مقالة أهل الضلال والزيغ والوبال، من أهل الرفض ومن نهج منهجهم من أهل الجفاء والبغض، وكيف يكون ذلك وهم أهل الجد والاجتهاد والنصح والرأفة وبذل المعروف لإعلاء كلمة اللَّه وإظهار ما جاء به رسول اللَّه -ﷺ- من الدين المتين والحق المبين.
_________________
(١) انظر: تجريد أسماء الصحابة (١/ ج).
(٢) كتب هنا في هامش "ظ": بلغ مقابلة.
(٣) رواه الترمذي رقم (٢٠١٩) في البر والصلة باب ما جاء في اللعن والطعن.
(٤) القاموس (١/ ٢٢٥) (جرح).
(٥) قوله: وشاهدا. . عطف على قوله: (فلانًا) وتقدير الكلام: وجرح شاهدا: أي أسقط عدالته.
[ ٢ / ٩٣ ]
ومع هذا (فقد نطق الوحي): أي القرآن المنزل على النبي المرسل.
(المبين): الواضح الكاشف والمظهر لسائر الأحكام والنصايح والمناقب والمثالب والمآثر والفضائح فنطق (بفضلهم) وبرهن عن حسن قصدهم واستقامة فعلهم.
(وفي) سورة (الفتح) الشريفة النازلة على النبي -ﷺ- في السنة السادسة من الهجرة بعد انصرافه من الحديبية وفيها كانت بيعة الرضوان، وكانوا أربعة (١) عشر مائة على المشهور.
(آي): جمع آية بهمزة ممدودة وتحتية مفتوحة فهاء تأنيث أصلها العلامة وتجمع أيضًا على آيات والآية من القرآن كلام متصل إلى انقطاعه وفي النهاية معنى الآي من كتاب اللَّه تعالى "جماعة حروف وكلمات، من قولهم: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم لم يدعوا وراءهم شيئًا، قال والآية في غير هذه العلامة" انتهى (٢).
(للصحابة) الكرام رضوان اللَّه عليهم (تمدح): تثني عليهم بتعداد محاسنهم، والمدح هو الثناء باللسان على الجميل مطقًا أي سواء كان اختياريًا كالعلم (٣) والكرم أو اضطراريًا كالحسن والجمال ولابد أن يكون على جهة التبجيل هذا معنى المدح لغة، ومعناه عرفًا اختصاص الممدوح بنوع من الفضائل والإشارة بذلك لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. .﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة.
وقد أخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن مغفل ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ليبلغ الحاضر الغائب اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا
_________________
(١) كذا في النسختين والصواب أربع.
(٢) النهاية (١/ ٨٧ - ٨٨).
(٣) في الأصل العظيم والمثبت من "ظ" ولعله الصحيح.
[ ٢ / ٩٤ ]
بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه ومن أخذه اللَّه فيوشك أن لا يفلته" (١).
وأخرج الترمذي أيضًا من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة اللَّه على شركم" (٢).
وأخرج مسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: "يا ابن أختي أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي -ﷺ- فسبوهم" (٣).
وأخرج الترمذي من حديث بريدة ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ-: "ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث لهم نورًا وقائدًا يوم القيامة" (٤).
وذكر سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "سألت ربي عن اختلاف أصحابي من بعدي فأوحى إليّ يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أقوى من بعض ولكل نور فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى" (٥).
_________________
(١) الترمذي في المناقب رقم (٣٨٦٢) (ج ٥/ ٦٩٦) دون قوله: "ليبلغ الحاضر الغائب" وانتهى حديثه بقوله: "ومن آذى اللَّه فيرضك أن يأخذه" وهذه الرواية التي ذكرها المصنف أوردها ابن الأثير في جامع الأصول (٨/ ٥٥٣) وأشار إلى ما في الترمذي وقال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٢) الترمذي في المناقب رقم (٣٨٦٦) وقال: هذا حديث منكر لا نعرفه من حديث عبيد اللَّه ابن عمر إلا من هذا الوجه والنضر مجهول وسيف مجهول.
(٣) مسلم رقم (٣٠٢٢) في التفسير.
(٤) الترمذي في المناقب رقم (٣٨٦٥) وقال: "هذا حديث غريب، وروى هذا الحديث عن عبد اللَّه بن مسلم أبي طيبة عن أبي بريدة عن النبي -ﷺ- مرسل وهو أصح".
(٥) رواه الخطيب في الكفاية (ص ٤٨) وذكره السيوطي في الجامع الصغير ونسبه للسجزي في الإبانة وابن عساكر ورمز لضعفه. وانظر: السلسلة الضعيفة رقم (٦٠).
[ ٢ / ٩٥ ]
وقال رسول اللَّه -ﷺ-: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (١).
ذكره ابن الأثير في كتابه "جامع الأصول" (٢).
فالصحابة أولى خلق اللَّه بالإصابة.
ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: "من كان متأسيًا فليتأسى بأصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم اللَّه لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" (٣).
وروى أبو داود الطيالسي عنه أيضًا قال: "إن اللَّه تعالى نظر في قلوب العباد (فوجد قلب محمد -ﷺ- خير قلوب العباد فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد) (٤) بعد قلب محمد -ﷺ- فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٩٠ - ٩١)، وقال: "وهذا لا يصح عن النبي -ﷺ-. وانظر السلسلة الضعيفة رقم (٦١).
(٢) جامع الأصول (ج ٨/ ٥٥٦) الطبعة الأولى (ج ٩/ ٤٠٩ - ٤١٠) الطبعة الثانية، وقال: أخرجه رزين.
(٣) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ج ٢/ ٩٧) والهروي في ذم الكلام كما في صون المنطق (ص ٥٢) وذكره ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٢/ ٧٦ - ٧٧). وعزاه لابن بطة، وأورده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه "أصول الإيمان" (ص ٢٠) وقال أخرجه رزين. وهو في جامع الأصول (ج ١/ ٢٩٢ - ط ٢)، و(ج ١/ ١٩٩ - ط ١) بدون عزو.
(٤) ما بين القوسين سقط من "ظ".
[ ٢ / ٩٦ ]
فهو عند اللَّه قبيح" (١). فخير قلوب العباد أحق الخلق لإصابة الصواب فكل خير، وإصابة، وحكمة، وعلم، ومعارف، ومكارم، إنما وصلت إلينا وعرفت لدينا من الرعيل الأول، والسرب الذي عليه المعول، فهم الذين نقلوا العلوم والمعارف عن ينبوع الهدى ونبع الاهتداء، وأوصلوها إلينا، فرضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين.
وأخرج الإمام أحمد والترمذي عن حذيفة ﵁ قال كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا (بعهد) (٢) عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه".
وفي رواية "تمسكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدى عمار" (٣).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه.
وقال الترمذي حسن صحيح عن العرباض بن سارية ﵁ أن النبي -ﷺ-
_________________
(١) رواه أبو داود الطيالسي في مسنده رقم (٢٤٦) (ص ٣٣)؛ وأحمد في مسنده (١/ ٣٧٩)؛ والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ١١٤) مختصرًا، والطبراني في الكبير (٩/ ١١٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧٩): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
(٢) هذه رواية في المسند (٥/ ٣٨٥) ولم ترد بهذا اللفظ في بقية روايات الحديث فلعلها: "وتمسكوا بهدي عمار. . . " فتكون موافقة لبقية الروايات. واللَّه أعلم.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٢) وفي فضائل الصحابة رقم (١٩٨، ٤٧٨، ٤٧٩، ٥٢٦) وابن شاهين في السنة رقم (١٤٨)؛ والترمذي رقم (٣٦٦٢ - ٣٦٦٣)؛ والحاكم في المستدرك (٣/ ٧٥)؛ وابن حبان (موارد) (٥٣٩) رقم (٢١٩٣)؛ وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٥٤٥)؛ والحميدي في مسنده (١/ ٢١٤، ٢٤٩)؛ وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣٣٤). وحسنه الترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (١٢٣٣).
[ ٢ / ٩٧ ]
قال له: "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (١).
ورواه أبو نعيم وقال: حديث جيد صحيح، فدل الحديث على أن سنة الخلفاء الراشدين مكتبة كاتباع سنته -ﷺ- بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.
والخلفاء الراشدون هم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فإن في حديث سفينة ﵁: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا".
صححه الإمام أحمد وغيره، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (٢).
وقد قدمنا أن الثلاثين سنة إنما تمت بمدة خلافة الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وذلك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ توفي في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة والأكثرون على أن وفاته في سابع
_________________
(١) الإمام أحسد في المسند (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) وأبو داود في السنة رقم (٤٦٠٧) باب في لزوم السنة والترمذي رقم (٢٦٧٦) في العلم باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وابن ماجة في المقدمة رقم (٤٢ - ٤٤) باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين. وابن حبان في صحيحه (١/ ١٠٤)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٩٥ - ٩٦)؛ وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٧)؛ والدارمي في سننه (١/ ٤٣ - ٤٤)؛ وصححه الترمذي وكذا الحاكم ووافقه الذهبي وكذا الألباني في تخريج السنة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١) وفي فضائل الصحابة رقم (٧٨٩) وابنه عبد اللَّه في السنة رقم (١٣٤٨، ١٤٠٠ - ١٤٠٢ - ١٤٠٥، ١٤٠٧)؛ وأبو داود في السنة رقم (٤٦٤٦)؛ والترمذي في الفتن رقم (٢٢٢٦) والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٤/ ٢١)؛ والحاكم في المستدرك (٣/ ٧١، ١٤٥)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٨٤). وقال ابن عبد البر: قال الإمام أحمد بن حنبل حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء" وحسنه الترمذي -أيضًا- وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٩٨ ]
عشرة كما مر ووفاة النبي -ﷺ- ثاني عشر ربيع الأول فبينهما دون الثلاثين بنحو ستة أشهر.
وأخرج أبو يعلى الموصلي عن أنس ﵁ مرفوعًا: "مثل أصحابى مثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح" (١) إذا علمت ذلك فيجب حب كل الصحابة رضوان اللَّه عليهم والكف عما جرى بينهم كتابة وقراءة واقراء وسماعًا وتسميعًا -كما في نهاية المبتدئين للعلامة ابن حمدان.
ويجب ذكر محاسنهم والترضي عنهم والمحبة لهم وترك التحامل على أحد منهم واعتقاد الحذر لهم وإنما فعلوا ما فعلوا باجتهاد سائغ لا يوجب كفرًا، ولا فسقًا، بل ربما يثابون عليه لأنه اجتهاد سائغ ثم قال: وقيل المصيب أمير المؤمنين على ومن قاتله فخطأوه معفو عنه.
وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵁ ينكر على من خاض ويسلم أحاديث الفضائل، وقد تبرأ ﵁ ممن ضللهم أو كفرهم، وقال: السكوت عما جرى بينهم أي أولى وأحرى. . . " (٢).
تنبيه: الصواب وقوع التفاضل بين الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، فأفضلهم باعتبار الأفراد -كما مر- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وعلي ﵃ ثم بقية العشرة -كما مر-.
وأما باعتبار الأصناف فأفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقين من العشرة، ثم
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥/ ١٥١) رقم (٢٧٦٢)؛ وعبد اللَّه بن المبارك في الزهد (ص ٢٠٠)؛ والبزار كما في كشف الأستار (ج ٣/ ٢٩١) رقم (٢٧٧١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٠) فيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف. وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم (١٧٦٢).
(٢) انظر: لوامع الأنوار للشارح (٢/ ٣٨٧).
[ ٢ / ٩٩ ]
بقية البدريين، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية -في المختار- ثم بقية أصحاب أحد (١).
وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين.
ولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية روح اللَّه روحه عن المفاضلة بين العباس وبلال ﵄ قال: "بلال وأمثاله من السابقين الأولين أفضل من العباس وأمثاله من التابعين لهم بإحسان" قال: "لأنه قيد التابعين بشرط "الإحسان" قال: "والسابقون الأولون هم الذين اتفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم الذين آمنوا وهاجروا قبل بيعة الرضوان وصلح الحديبية في أصح قوله العلماء، وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ. . .﴾ [الحديد: ١٠] الآية.
والفتح هو صلح الحديبية على الأرجح وفيها نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] باتفاق.
وقيل للنبي -ﷺ- أفتح هو؟ فقال: نعم، قال ولهذا قدم النبي -ﷺ- في إمارة غزوة مؤتة مولاه زيد بن حارثة على جعفر بن أبي طالب ﵁ وهو ابن عمه وكلاهما من السابقين لكن زيد أسبق" انتهى.
قلت: ومن فضل العباس على نحو بلال فلعله أراد بالقرابة والنسب ونصاعة العنصر والحسب، واللَّه تعالى الموفق.
تتمة: إنما خص الناظم ﵀ ورضي عنه آيات الفتح بالذكر في مدح
_________________
(١) رجح المؤلف هنا وفي كتابه اللوامع (ج ٣/ ٣٦٦، ٣٧٢) تقديم أهل بيعة الرضوان على أهل أحد، واستدل لذلك بالأدلة الواردة في فضل أهل بيعة الرضوان من الكتاب والسنة. وقدم ابن الصلاح في مقدمته في علوم الحديث وكذا العراقي في ألفيته في علوم الحديث وغيرهما أهل غزوة أحد على أهل بيعة الرضوان. انظر: التقييد والإيضاح (٢٦٤) التبصرة والتذكرة (ج ٣/ ٢٣، ٢٨) فتح المغيث (٣/ ١٢١).
[ ٢ / ١٠٠ ]
الصحابة ﵃ أجمعين دون قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] و﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨] و﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] مع أنها في الفتح فيحتمل إرادته لها أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨ - ٩].
لعظيم ما اشتملت عليه من المعاني البديعة والمآثر الرفيعة والمزايا العظيمة، والمناقب الجسيمة، فإن قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] جملة مبنية للمشهود به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ ففيها ثناء عظيم على رسوله -ﷺ- ثم ثنى بالثناء على أصحابه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
[ ٢ / ١٠١ ]
فوصفهم سبحانه بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام وسعة الرجاء في فضل اللَّه ورحمته وبابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلك الإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت على وجوههم حتى أن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم.
ومن ثم قال الإمام مالك بن أنس ﵁: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا" (١). ثم ذكر أنه تعالى نوه بذكرهم في الكتب السابقة والأمم السالفة فقال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي أشده وقواه ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ شب وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي يعجبهم قوته وغلظه وحسن منظره فكذلك أصحاب محمد -ﷺ- آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطاء مع الزرع" (٢).
﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ من هذه الآية الكريمة أخذ الإمام مالك ﵁في رواية عنه- بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة قال لأن الصحابة يغيضونهم ومن غاضه الصحابة فهو كافر (٣)؛ وهو مأخذ دقيق يشهد له ظاهر الآية.
ومن ثم وافقه الإمام الشافعي ﵁ على القول بكفرهم كجماعة من الأئمة.
وقد قال الإمام أبو زرعة (الرازي) (٤) إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره (ج ٧/ ٥٦٨).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (ج ٧/ ٥٦٨).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٥٦٨)؛ والبغوي معه (ص ٥٦٩) والقرطبي (ج ١٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٤) في النسختين أبو زرعة العراقي وهو خطأ والتصحيح من المصادر وقد تقدمت ترجمة أبي زرعة (١/ ١٠٩).
[ ٢ / ١٠٢ ]
رسول اللَّه -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك كله إلا الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح يه أليق، والحكم عليه بالزندقة والكذب والعناد أقوم وأحق" (١).
وقال أبو محمد بن حزم: "الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
فثبت أن جميعهم من أهل الجنة، وأن لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبتت لكل منهم الحسنى وهي الجنة فلا يتوهم أن التقييد بالإنفاق والقتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف منهم بذلك لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أو العزم (٢).
_________________
(١) أسنده الخطيب في الكفاية في علم الرواية (ص ٤٩) عن أبي زرعة الرازي وأورده السخاوى في فتح المغيث (٣/ ١٠١) والمؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩).
(٢) قول ابن حزم هذا أورده في كتابه "الفصل" (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، وفي كتابه "الأحكام في أصول الأحكام" (ج ٥/ ٩٠ - ٩١)، وفي كتابه "الدرة فيما بجب اعتقاده" (ص ٣٦٧ - ٣٦٨). ونقله عنه السخاوي في فتح المغيث (ج ٣/ ١٠٣)؛ والمؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ٣٨٩) باختصار.
[ ٢ / ١٠٣ ]
بداية الكلام على التابعين
خاتمة: صحبة النبي -ﷺ- رتبة عظيمة ومزية فخيمة لا يعادلها شيء حتى جاء عنه -ﷺ- أنه قال: "إن اللَّه اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين" (١).
ومن ثم لما سئل الإمام عبد اللَّه بن المبارك (٢) مع فخامته وجلالته وسعة علمه وفضله أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال: للغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول اللَّه -ﷺ- خير من عمر بن عبد العزيز كذا كذا مرة" (٣).
أشار الإمام عبد اللَّه بن المبارك ﵁ بذلك إلى أن فضيلة صحبته -ﷺ- ورؤيته لا يعدلها شيء وإن جل، وباللَّه التوفيق.
ثم قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (ومن) بفتح الميم اسم موصول معطوف على قوله: وأنصاره والمهاجرون ديارهم بنصرهم عن ظلمة النار زحزحوا، أي والذين بعدهم أي بعد الصحابة الكرام ﵃ من المهاجرين والأنصار، وكذلك من كان منهم وجاء بعدهم أي بعد السابقين الأولين من الصحابة فإنهم عن ظلمة النار زحزحوا بفضيلة الصحبة لما قدمنا عن ابن حزم لأنه تعالى وعد كلًا منهم الحسنى، وكذا التابعون والصحابة من المهاجرين والأنصار من سائر الفرق.
(يحسن) متعلق بالتابعين (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أي بحسن الذي (حذوا)؛ أي اقتفوا والعائد محذوف تقديره حذوه ويجوز أن تكون "ما" موصولًا
_________________
(١) رواه البزار كما في كشف الأستار (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩) رقم (٢٧٦٣) بأطول مما هنا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦) رواه البزار، ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف.
(٢) عبد اللَّه بن المبارك تقدم (١/ ١٨٤).
(٣) أورده ابن كثير في البداية (٨/ ١٣٩) عن ابن المبارك من طريقين بلفظ مختلف ونصه كما في أحدهما: "سئل أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: "لتراب في منخري معاوية مع رسول اللَّه -ﷺ- خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز" انتهى.
[ ٢ / ١٠٤ ]
تنبيه على أبيات زادها ابن البناء الحنبلي على أصل القصيدة
حرفيًا أي بحسن حذوهم باقتفائهم (١) وتتبع آثارهم والتأسي بقالهم وحالهم، ومنه حديث: "لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل" (٢) أي تعملون مثل أعمالم كما تقطع أحد النعلين على قدر النعل الأخرى.
وفي القاموس: "حذا حذو زيد فعل فعله، واحتذى مثاله اقتدى به" انتهى (٣). أي اقتفوا آثارهم وفعلوا (فعلهم) أي فعل الصحابة ﵃ (قولًا) باللسان (وفعلًا) بالجوارح والأركان واعتقادًا بالجنان (فأفلحوا) أي فازوا وظفروا بمقصودهم ونجوا وتنعموا في جنان الخلد ورضى معبودهم وتقدم معنى الفلاح في أول المنظومة فراجعه (٤).
تنبيه: هذه الثلاثة أبيات وأولها قوله: "وعائش أم المؤمنين".
وثانيها: "وأنصاره والهاجرون (٥) ديارهم".
وثالثها: "ومن بعدهم والتابعون. . . ":
ليست من كلام الناظم الذي هو الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي داود.
_________________
(١) في "ظ" باقتفاء سنتهم.
(٢) رواه الترمذي في الفتن رقم (٢١٨٠) باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم عن أبي واقد الليثي، دون قوله: "حذو النعل بالنعل"، وقال في جامع الأصول (١٠/ ٣٤) زاد رزين: "حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. . . ". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه أيضًا عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ليأتين علي أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. . . " الحديث (ج ٥/ ٢٦) رقم (٢٦٤١).
(٣) القاموس (٤/ ٣١٧) (حذا).
(٤) انظر (١/ ١٨١).
(٥) في "ظ" والمهاجرون.
[ ٢ / ١٠٥ ]
الأول ترجمة ابن البناء الحنبلي
بل من كلام العلامة المحقق ابن البناء من أئمة علمائنا، نعم زحزحت أنا البيت الأخير منها لما بعد عن (١) قول الناظم رحمه اللَّه تعالى: "وقل خير قول. . . " إلى آخره لأجل ذكر التابعين بعد الفراغ من ذكر الصحابة المكرمين ﵃ أجمعين، على أنه يحتمل إرادته بالتابعين -للأنصار والمهاجرين السابقين الذين آمنوا من قبل الفتح وأنفقوا وقاتلوا، فيكون التابعون لهم بإحسان هم- الصحابة الذين جاءوا من بمد غزوة الحديبية، لكن لبعد هذا المدرك على كثير من الأفهام لم أجعله معول شرحي.
تنبيهان:
الأول: ابن البناء (٢) الناظم الثلاثة أبيات هو أبو (٣) علي الحسن بن أحمد بن عبد اللَّه بن البناء (٤) البغدادي الحنبلي الإمام المحدث الفقيه الأصولي الواعظ صاحب التصانيف، شيخ الإسلام، ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة وتفقه أولًا على أبي طاهر العبادي ثم على القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن (٥) الفراء الإمام، وابن البناء من قدماء أصحابه، وحضر عند (٦) علي بن أبي موسى وناظر في مجلسه وتفقه أيضًا على أبي الفضل التميمي وغيره وسمع منه الحديث خلق كثير وقرأ عليه الحافظ الحميدي كثيرًا، حدث عنه ولداه أبو غالب أحمد ويحيى، ودرس الفقه كثيرًا وأفتى زمانًا طويلًا، وكان (رقيق) (٧) البدن، جيد القريحة، وقد صنف في زمان شيخه
_________________
(١) ساقطة من "ظ".
(٢) كتب في هامش "ظ" طلب في ترجمة ابن البناء الحنبلي ﵀.
(٣) في "ظ" ابن.
(٤) انظر ترجمة ابن البناء في: طبقات الحنابلة رقم (٦٧٧)؛ وفي ذيل طبقات الحنابلة رقم (١٤)؛ وفي المنهج الأحمد رقم (٦٨٧)؛ وفي سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٨٠).
(٥) ليست في "ظ".
(٦) في "ظ" عنده.
(٧) في "أ" فقيد.
[ ٢ / ١٠٦ ]
التنبيه الثاني في كلام على التابعين
الإمام أبي يعلى في المعتقدات وغيرها، وكتب له خطه عليها بالإصابة والاستحسان وتزيد تصانيفه على ثلاثمائة مصنف، وذكر عنه أنه قال صنفت خمسمائة مصنف، وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة، محبًا لأهل العلم مكرمًا لهم، توفى ﵀ ورضي عنه ليلة السبت خاص رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة وصلي عليه في الجامعين جامع القصر، وجامع المنصور، وكان الجمع فيهما متوفرًا جدًا وأم الناس في الصلاة عليه أبو محمد التميمي وتبعه خلق كثير وعالم عظيم ودفن بباب حرب رحمه اللَّه تعالى. ومن شعره:
إذا غيبت أشباحنا كان بيننا رسائل صدق في الضمير تراسل
وأرواحنا في كل شرق ومغرب تلاقي بإخلاص الوداد تواصل
وثم أمور لو تحققت بعضها لكنت لنا بالعمر فيها تقابل
وكم غائب والقلب منه سالم وكم زائر في القلب منه بلابل
فلا تجز عن يومًا إذا غاب صاحب أمين فما غاب الصديق المجامل (١)
الثاني: التابعون للصحابة ﵃ بإحسان (٢) هم أحق وأجدر بعد الصحابة بالفضل والإتقان والتقديم على غيرهم من سائر أهل الإسلام والإيمان من أمة نبينا محمد -ﷺ- سيد ولد عدنان.
وتعريف التابعي: هو كل من صحب الصحابي صحبة متعارفة ومطلقة مخصوص بالتابع بإحسان.
وقال للواحد تابع وتابعي، ولابد في التابعي من زيادة على ما تعتبر به الصحبة في الصحابي كما تقدم لأن للصحبة خصوصية لا توجد لغيرها، وللتابعين طبقات
_________________
(١) الأبيات في المنهج الأحمد (٢/ ١٦٨) وفي ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٦ - ٣٧).
(٢) ليست في "ظ".
[ ٢ / ١٠٧ ]
بالنسبة إلى من اجتمع بعشرة أو ثلاثة من الصحابة، وبالعلم والزهد وغير ذلك (١).
وقد اختلف في أفضل التابعين فقال سيدنا الإمام أحمد وغيره من أهل العلم "أفضل التابعين سعيد بن المسيب" (٢).
وقال قوم: أفضل التابعين أويس بن عامر ويقال عمرو وكنيته أبو عمرو وهو القرني، واستدلوا له بحديث: "خير التابعين أويس رواه الحاكم عن علي بن أبي طالب (٣) عن النبي -ﷺ-.
_________________
(١) انظر: معرفة علوم الحديث (٤١) وما بعدها، والتقييد والإيضاح (ص ٢٧٤) وما بعدها، وتدريب الراوي (ص ٤١٦) وما بعدها، وفتح المغيث (ج ٣/ ١٣٩) وما بعدها.
(٢) رواه عن الإمام أحمد بن حنبل عثمان الحارثي النحاس كما في طبقات الحنابلة (١/ ٢٢٢)؛ وتهذيب الكمال (١١/ ٧٣). وقال ابن الصلاح في مقدمته (ص ٢٨٣): "وأعجبني ما وجدته عن الشيخ أبي عبد اللَّه بن خفيف الزاهد الشيرازي في كتاب له قال اختلف الناس في أفضل التابعين فأهل المدينة يقولون: سعيد بن المسيب، وأهل الكوفة يقولون: أويس القرني، وأهل البصرة يقولون: الحسن البصري" انتهى. قال العراقي في الشرح: والصواب ما ذهب إليه أهل الكوفة لما روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس. . . " الحديث. قال: "وقد يحمل ما ذهب إليه أهل المدينة وأحمد أيضًا من تفضيل سعيد بن المسيب على سائر التابعين أنهم أرادوا فضيلة العلم لا الخيرية الواردة في الحديث واللَّه أعلم" انتهى. وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٩٤ - ٩٥)؛ وإرشاد طلاب الحقائق له (ج ٢/ ٦١٤)؛ وفتح المغيث (٣/ ١٤٣ - ١٤٥)؛ وتدريب الراوي (ص ٤٢١ - ٤٢٢).
(٣) كذا ذكر المؤلف ﵀ ولم أجده عند الحاكم عن علي ﵁ والذي فيه: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب علي أفيكم أويس القرني قالوا: نعم. فضرب دابته حتى دخل معهم ثم قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "خير التابعين أويس القرني" انظر: المستدرك (ج ٣/ ٤٠٢)؛ والحلية (٢/ ٨٦).
[ ٢ / ١٠٨ ]
وفي صحيح مسلم: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر وله والدة وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم" (١).
قال النووي: "هو أويس بن عامر كذا رواه مسلم وهو مشهور" (٢).
وقال ابن ماكولا (٣): ويقال "أويس بن عمرو" (٤) وهو القرني بفتح القاف والراء وهو بطن من مراد وهو قرن بن ردبان، وغلطوا من نسبه إلى قرن المنازل الجبل المعروف ميقات أهل نجد في الإحرام" (٥).
وفي الحديث طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه لأنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل (٦).
فإن قيل كيف استجاز الإمام أحمد ﵁ ومن نحى نحوه تفضيل
_________________
(١) مسلم في فضائل الصحابة (٤/ ١٩٦٨) باب من فضائل أويس القرني ﵁ من حديث عمر ﵁.
(٢) شرح مسلم للنووي (١٦/ ٩٤).
(٣) ابن ماكولا: علي بن هبة اللَّه بن علي بن جعفر أبو نصر سعد الملك أمير مؤرخ نسابة من العلماء الحفاظ الأدباء، من كتبه: الإكمال في المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب طبع. قال ابن خلكان: لم يوضع مثله وله شعر حسن، توفى سنة ٤٧٥. سير أعلام النبلاء (ج ١٨/ ٥٦٨)؛ والأعلام (٥/ ٣٠) ومقدمة كتابه الإكمال.
(٤) الإكمال (١/ ١١٤).
(٥) انظر شرح النووي لمسلم (ج ١٦/ ٩٤)؛ وتهذيب الأسماء واللغات له (ج ٤/ ٩٠ - ٩١). والذي نسبه إلى قرن المنازل الجوهري في الصحاح. انظر: (٦/ ٢١٨١) (قرن). قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: "اتفقوا على تغليط الجوهري في فتح الراء منه، وفي قوله: إن أويس القرني ﵁ منسوب إليه. . . ".
(٦) هذا الكلام من شرح النووي للحديث وهو يشير إلى ما جاء في الحديث من طلب عمر ﵁ الدعاء من أويس.
[ ٢ / ١٠٩ ]
سعيد ابن المسيب على سائر التابعين مع وجود النص الصريح بالنقل الصحيح في تفضيل أويس ﵀، مع أن مذهب الإمام أحمد أن لا يقدم على مقبول الأخبار شيئًا؟
فالجواب أن مراد سيدنا الإمام أحمد ﵁ وأضرابه أفضلية سعيد بن المسيب رحمه اللَّه تعالى في العلوم الشرعية كالتفسير والحدث والفقه ونفع الأمة بذلك، وبما بلغه عن الصحابة الكرام عن النبي -ﷺ- فإن سيدًا هو الإمام الحافظ الثقة المأمون حتى قيل فيه: "أعلم أمة محمد بدين محمد -ﷺ- سعيد بن المسيب ﵁" (١).
والدليل على أفضلية التابعين على غيرهم بعد الصحابة ﵃ قول النبي -ﷺ-: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عمران بن حصين ﵄ قال عمران: "فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدهم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمونون وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن "زاد في رواية: "ويحلفون ولا يستحلفون" (٢).
وأخرج الترمذي من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي -ﷺ- قال: "لا تمس النار مسلمًا رآني أو رأى من رآني" (٣).
قال الإمام المحقق ابن القيم في أول كتابه "أعلام الموقعين" "ألقى الصحابة الكرام
_________________
(١) انظر ما تقدم حول ذلك (٢/ ١٠٨).
(٢) البخاري في فضائل الصحابة (ج ٧/ ١) رقم (٣٦٥٠)؛ ومسلم رقم (٢٥٣٥) في فضائل الصحابة.
(٣) الترمذي في جامعه رقم (٣٨٥٨) وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم الأنصاري".
[ ٢ / ١١٠ ]
﵃ إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم عن نبيهم -ﷺ- عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدناه إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى التابعون لهم وإحسان على منهاجهم واقتفوا آثار صراطهم المستقيم" (١). ثم بعد التابعين أتباع التابعين.
ثم جاءت الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين رضوان اللَّه عليهم أجمعين من قوله -ﷺ-: "خير الناس قرني. . . " (٢) الحديث.
والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، والأصح أنه لا يضبط بمدة، فقرنه -ﷺ- هم أصحابه وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من أصحابه وهو أبو الطفيل مائة وعشرين سنة، وقرن التابعين من نحو مائة إلى سبعين سنة، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى حدود العشرين ومائتين.
وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا وأطلقت المعتزلة ألسنتها وأظهرت الجهمية نحلتها ورفعت الفلاسقة رؤوسها، وحررت الباطنية والقرامطة دروسها، وامتحن أئمة الدين وعلماء المسلمين ليقولوا بخلق القرآن وكان المقصود الأعظم منهم إمامنا الإمام أحمد بن حنبل عليه الرحمة والرضوان فقام بأمر السنة أتم قيام، وعاضده على ذلك أئمة نبلاء أعلام وحفاظ لدين الإسلام فخام، شكر اللَّه سعيهم
_________________
(١) انتهى كلام ابن القيم. انظر كتابه "أعلام الموقعين" (١/ ٦).
(٢) تقدم تخريجه (٢/ ١١٠).
[ ٢ / ١١١ ]
وثبتنا على نهجهم، وظهر مصداق قوله -ﷺ-: "ثم يفشوا الكذب" كما في رواية (١) واللَّه تعالى أعلم (٢) (٣).
* * *
_________________
(١) هذه الرواية أخرجها الترمذي رقم (٢١٦٥، ٢٣٠٣)؛ وابن ماجه رقم (٢٣٦٣) من حديث عمر ﵁ مرفوعًا وفيه: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب. . . " الحديث.
(٢) انظر هذا المبحث في فتح الباري (٧/ ٨).
(٣) في "ظ" بلغ مقابلة.
[ ٢ / ١١٢ ]