ذكر الناظم ﵀ ورضي عنه أنموذجًا من السمعيات في منظومته ليستدل بما ذكر على كل ما شاع واشتهر فقال: (ولا): ناهية (تنكرن): فعل مضارع مبني على الفتح لأنه مؤكد بالنون الخفيفة في محل جزم بلا الناهية و(جهلًا): مفعول لأجله أي لأجل الجهل وقلة الحلم والفضل الملكين المسميين (نكيرًا ومنكرًا) مفعول لا تنكرن وهما الملكان اللذان ينزلان على الميت في قبره يسألانه عن ربه ومعتقده، فالإيمان بذلك واجب شرعًا لثبوته عن النبي المعصوم -ﷺ- في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر وقد استنبط ذلك واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وأخرج الشيخان من حديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي -ﷺ- قال في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ. . .﴾ نزلت في عذاب القبر.
زاد مسلم: يقال له من ربك؟ فيقول: اللَّه ربى ونبي محمد فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾.
وفي رواية للبخاري: إذا قعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ (١) الآية.
_________________
(١) الآية (٢٧) سورة إبراهيم، والحديث رواه البخاري في صحيحه (ج ٣/ ٢٧٤) رقم (١٣٦٩) في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم رقم (٢٨٧١) في الجنة باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وفي سنن أبي داود من حدث البراء مرفوعًا: يأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: ما هذا الرجل؟ الذي بعث فيكم فيقول هو رسول اللَّه -ﷺ- فيقولون له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب اللَّه فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الحنة وألبسوه من الجنة ويفسح له فيه مد بصره"، وقال في الكافر: فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. . . إلى أن قال فينادى مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه" (١).
وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولون ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد -ﷺ-، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللَّه ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار وقد أبدلك اللَّه مقعدًا من الجنة قال فيراهما جميعًا -يعني المقعدين-.
قال قتادة ذكر لنا أنه يفسح له في قبره.
وقال المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطراق من حديد فربة فيصيح صيحة يسمعه من يليه غير الثقلين".
ورواه أبو داود وزاد: "إن المؤمن يقال له ما كنت تعبد؟ فإن هداه اللَّه قال: كنت أعبد اللَّه فقال: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد اللَّه ورسوله فما يسئل عن شيء غير هذا".
_________________
(١) رواه أبو داود في السنة رقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤)، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وزاد أيضًا- فيقول: دعوني حتى أبشر أهلي فيقال له: اسكن. وذكر الكافر أنه يسئل عما كان يعبد ثم عن هذا الرجل" (١).
وفي الصحيحين أيضًا عن أسماء بنت الصديق ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال في خطبته يوم كسفت الشمس: "ولقد أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا (٢) من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول محمد رسول اللَّه جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له: نم صالحًا فقد علمنا إن كنت لمؤمنًا، وأما النافق والمرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته" (٣).
وأخرجه الإمام أحمد بلفظ: "ولقد رأيتكم تفتنون في قبوركم يسئل الرجل ما كنت تقول وما كنت تعبد؟ " (٤).
وروى أيضًا من حديث أبي هرووة ﵁ أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وأخرجه الطبراني أيضًا وفيه:
"أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر -أي قرونها- وأصواتهما مثل الرعد القاصف" (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ٢٧٥) في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم رقم (٢٨٧٠) في كتاب الجنة، وأبو داود رقم (٣٢٣١) في الجنائز باب المشي في النعل بين القبور.
(٢) في النسختين أو قريب والمثبت من صحيح البخاري وهو الصحيح.
(٣) رواه البخاري (٢/ ٦٣١) رقم (١٠٥٣) في الكسوف باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، ومسلم رقم (٩٠٥) في الكسوف باب ما عرض على النبي -ﷺ- في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (ج ٦/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
(٥) رواه الترمذي في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر رقم (١٠٧١)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٥/ ٤٧ - ٤٨)؛ والآجري في الشريعة (٣٦٥)؛ وابن أبي عاصم في =
[ ٢ / ١٤٦ ]
وروي أيضًا من حديث جابر ﵁ أخرجه الإمام أحمد (١)؛ ومن حديث أبي سعيد ﵁ أخرجه الإمام أحمد أيضًا (٢).
ومن حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أخرجه أبو بكر الخلال في كتاب السنة وفيه: أنه -ﷺ- قال له: "كيف أنت يا عمر إذا كنت من الأرض في أربعة أذرع في ذراعين ورأيت منكرًا ونكيرًا قلت: يا رسول اللَّه وما منكر ونكير قال: فتانا القبر يبحثان الأرض يأنيابهما ويطآن في أشعارهما أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف ومعهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوا رفعها هي أيسر عليهما من عصاي هذه قلت: يا رسول اللَّه وأنا على حالي هذه؟ قال: نعم. فقلت: إذًا أكفيكهما".
زاد في رواية: فامتحناك فإن التويت ضرباك بها ضربة صرت رمادًا" (٣).
وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر (٤).
وروي أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وفيه فقال عمر ﵁: "أترد علينا
_________________
(١) = السنة (٢/ ٤١٦ - ٤١٧)؛ وقال الترمذي: إسناده حسن، وكذا قال الألباني في تخريج السنة وفي الصحيحة رقم (١٣٩١).
(٢) المسند (ج ٣/ ٣٤٦) بلفط آخر.
(٣) المسند (ج ٣/ ٣ - ٤) بلفظ آخر.
(٤) أخرجه عبد اللَّه بن أبي داود في البعث (ص ٣٥)؛ والبيهقي في إثبات عذاب القبر رقم (١٠٣) و(١٠٥)؛ وفي الاعتقاد (ص ٢٢٢ - ٢٢٣)؛ وعزاه الحافظ ابن رجب في كتابه "أهوال القبور" (ص ١٢ - ١٣) إلى الخلال في كتابه السنة، وقال: إسناده ضعيف.
(٥) وفي إسناده ضعيف أيضًا. قاله الحافظ ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٣)؛ ونقله المؤلف في كتابه البحور الزاخرة (١/ ١٢٦).
[ ٢ / ١٤٧ ]
الأول في اسم الملكين
عقولنا يا رسول اللَّه؟ فقال -ﷺ-: نعم كهيئتكم اليوم فقال عمر ﵁ بفيه الحجر" (١).
تنبيهات:
الأول: قد علمت أن اسم الملكين منكر ونكير وقد نص على ذلك الإمام أحمد ﵁ (٢).
قال الحكيم الترمذي (٣): "وإنما سميا فتاني القبر لأن في سؤالهما انتهارًا وفي خلفهما صعوبة قال: وسميا منكرًا ونكيرًا لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ولا خلق الملائكة ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام بل مما خلق بديع وليس في خلقهما أنس للناظرين إليهما جعلهما اللَّه تعالى تكرمة للمؤمن لتثبته وتبصره، وهتكًا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث" (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ١٧٢)، وابن حبان في صحيحه الإحسان (٥/ ٤٧) رقم (٣١٠٥)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٧)، وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٦٩٤) رواه أحمد من طريق ابن لهيعة والطبراني بإسناد جيد.
(٢) انظر: اعتقاد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة (٢/ ٣٠٤)، وكتاب الروح لابن القيم (ص ٨٠)، ولوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٨).
(٣) الحكيم الترمذي: محمد بن علي بن الحسن بن بشر أبو عبد اللَّه الحكيم الترمذي باحث صوفي عالم بالحديث وأصول الدين من أهل ترمذ، وكان ذا رحلة ومعرفة وله مصنفات وفضائل، مات نحو سنة ٣٢٠. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٣٩)، والأعلام (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٤) انظر: "نوادر الأصول للحكيم الترمذي" (ص ٣٢٣) ونفله عنه القرطبي في التذكرة (١/ ١٦٦)، والسيوطي في شرح الصدور (ص ١٤٤).
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال الجلال السيوطي: "وهذا يدل على أن الاسم: "منكر" بفتح الكاف وهو المجزوم به في القاموس" (١).
قلت: وكذا في نهاية ابن الأثير -قال: - "ومنكر ونكير أسماء الملكين مفعل وفعيل" (٢).
وذكر ابن يونس (٣) من الشافعية أن اسم ملكي (٤) المؤمن مبشر وبشير. (٥)
قلت: وهذا يحتاج إلى دليل مأثور وأنى به فإنه ليس في الأحاديث سوى منكر ونكير.
قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه "الروح": "قال كثير من المعتزلة لا يجوز تسمية ملائكة اللَّه تعالى بمنكر ونكير وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه أي الميت إذا سئل والنكير تقريع الملكين له" (٦).
قلت: فلهذا فال الناظم: (ولا تنكرن) ووصف المنكر لذلك بالحهل.
وقد قال الإمام أحمد: "نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير فروجع في منكر ونكير فقال: هكذا هو" (٧) -يعني أنهما منكر ونكير-.
_________________
(١) شرح الصدور (ص ١٤٤).
(٢) النهاية لابن الأثير (٥/ ١١٥).
(٣) ابن يونس: لم يظهر لي من هو.
(٤) في "ظ" ملكًا والمثبت من الأصل وهو الصحيح.
(٥) نقله السيوطي في شرح الصدور (١٤٤)، والمؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ٨)، وفي البحور الزاخرة (١/ ١٦٠).
(٦) الروح لابن القيم (ص ٨١).
(٧) الروح لابن القيم (ص ٨٠).
[ ٢ / ١٤٩ ]
بيان عذاب القبر على الروح والبدن
وأيضًا قصد الناظم بما ذكر الإشارة إلى إثبات عذاب القبر وأن الإيمان به واجب وكذا الإيمان بمنكر ونكير.
قال أبو المعالي (١) من علمائنا: "وعذاب القبر وإحياء الموتى في قبورهم ومسآءلة منكر ونكير لهم ثابت وواجب القول به وأنه يعذب بعد أن ترد الروح إليه فعذاب القبر حق وحكمة وعدل على الجسم والروح يشتركان فيه كما اشتركا في المعصية وإن كان نعيم كان كذلك على الجسم والروح فيشتركان في النعيم كما اشتركا في الطاعة خلافًا للمعتزلة في إنكارهم عذاب القبر ومسألة منكر ونكير لإعادة الأرواح في القبور.
خلافًا لابن جرير في قوله يعذب في قبره من غير أن ترد الروح إليه ويحس بالألم وإن كان غير حي (٢).
وقد مر في صحيح الأخبار ما يرد هذا وأمثاله من سائر طوائف أهل الإنكار وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) أبو المعالي: أسعد ويسمى محمد بن المنجا بن بركات ابن المؤمل التنوخي المعري ثم الدمشقي وجيه الدين أبو المعالي، ويقال في أبيه أبو المنجا، وفي جده أبو البركات فقيه، ارتحل إلى بغداد وبها تفقه وبرع في المذهب الحنبلي وتولى القضاء بحران. من تصانيفه: "الكفاية في شرح الهداية" في بضعة عشر مجلدًا، "والخلاصة" و"العمدة" وكلها في الفقه، توفى سنة ست وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٤٩ - ٥٠)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٣٦)، وشذرات الذهب (٥/ ١٨ - ١٩).
(٢) الصحيح ما ذكره المؤلف أن العذاب يقع على الروح والبدن معًا. راجع في هذه المسألة: مجموع الفتاوى (ج ٤/ ٢٨٢) وما بعدها، الروح لابن القيم (ص ٧٢) وما بعدها، فتح الباري (ج ٣/ ٢٧٧) وما بعدها.
[ ٢ / ١٥٠ ]
التنبيه الثاني جاء في رواية سؤال ملكين وفي أخرى سؤال واحد وفي رواية سؤال ثلاثة، بيان الجمع بينها
الثاني: جاء في رواية سؤال ملكين (١) كما مر وفي أخرى سؤال واحد وفي رواية سؤال ثلاثة، وفي أخرى سؤال أربعة.
قال القرطبي: "لا تعارض بين الملكين والواحد بل ذلك بالنسبة إلى الأشخاص فرب شخص يأتيه اثنان معًا فيسألانه معًا عند انصراف الناس ليكون: أهول في حقه وأشد بحسب ما اقترف من الآثام وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه تخفيفًا عليه لحصول أنسه بالناس، وآخر يأتيه ملك واحد فيكون أخف عليه وأقل من المراجعة لما قدمه من العمل الصالح".
قال: "ويحتمل أن يأتي اثنان ويكون السائل أحدهما وإن اشتركا في الإتيان".
فتحمل رواية الاختصار على ذلك الواحد على هذا (٢).
وصوبه الجلال السيوطي في كتابه "شرح الصدور" (٣) فإن ذكر الملكين هو الموجود في غالب الأحاديث.
وقد ذكر بعض العلماء أن الملائكة الذين ينزلون على الميت في قبره أربعة منكر ونكير وناكور ورومان.
وإلى هذا أشار الحافظ جلال الدين السيوطي في أرجوزته: التثبيت في التبييت" (٤) بقوله رحمه اللَّه تعالى:
_________________
(١) في "ظ" الملكين.
(٢) التذكرة للقرطبي (١/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٣) شرح الصدور (ص ١٤٢).
(٤) التثبيت عند التبييت أرجوزة للسيوطي ذكر فبها فتنة القبور وما يتعلق بها، وقد شرحها العلامة محمد بن إسماعيل الأسير الصنعاني وسماه: "جمع الشتيت في شرح أبيات التثبيت" وهو مطبوع.
[ ٢ / ١٥١ ]
اختلاف الأحاديث في كيفية السؤال والجواب عن ذلك
وقد أتى في مرسل مضعف أن السؤال من ثلاثة لفي (١)
أو أربع أولئك الأثنان والحقوا ناكور مع رومان (٢)
وقد اختلفت الأحاديث في كيفية السؤال.
وأجاب القرطبي عن ذلك أنه يختلف باختلاف الأشخاص فمنهم من يسأل عن بعض اعتقاداته ومنهم من يسأل عن كلها، ويحتمل أن يكون الاقتصار على بعضها من بعض الرواة وأتى غيره بالحديث تامًا (٣) وصوب هذا السيوطي لاتقاق أكثر الأحاديث عليه (٤).
نعم يؤخذ منها خصوصًا من رواية أبي داود عن أنس فما يسأل عن شيء بعدها.
وعند ابن مردويه: "فما يسأل عن شيء غيرها أنه لا يسأل عن شيء من التكليفات غير الاعتقاد خاصة.
وصرح به في رواية البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄
_________________
(١) الحبر عن كون الملائكة الذين ينزلون القبر ثلاثة أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠٤) ومن طريقه ابن الجوزى في الموضوعات (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥) عن ضمرة بن حبيب مرسلًا. وأشار السيوطي إلى ضعفه.
(٢) وأما الخبر عن كونهم أربعة فأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ٢٣٤) عن ضمرة ابن حبيب مرفوعًا وقال: "هذا حديث موضوع لا أصل له وهو مقطوع لأن ضمرة من التابعين، ثم ساقه بسنده عن ضمرة من قوله. وقال المؤلف ﵀ في كتابه اللوامع هذا الخبر به علتان: الضعف والإرسال. انظر: لوامع الأنوار (٢/ ٨)، وجمع الشتيت (ص ١٣٥)، والحاوى (٢/ ٣٨١).
(٣) التذكرة للقرطبي (١/ ١٤٩).
(٤) شرح الصدور (١٤٢).
[ ٢ / ١٥٢ ]
ورود بعض الآثار في فتنة الموتى في قبورهم سبعا واستحباب الإطعام عنهم في تلك الأيام، وتعليق من المحقق على ذلك
في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال الشهادة يسألون عنها في قبورهم بعد موتهم قيل لعكرمة ما هو؟ قال: يسألون عن الإيمان بمحمد -ﷺ- وأمر التوحيد" (١).
وقد ذكر السيوطي وغيره أنه ورد في رواية عن أنس أن الميت يسأل في المجلس الواحد ثلاث مرات وباقي الروايات ساكتة عن ذلك فتحمل على ذلك أو يختلف الحال بالنسبة إلى بعض الأشخاص (٢).
وعن طاووس (٣) رحمه اللَّه تعالى: "أن الموتى يسألون سبعة أيام" (٤).
وكذا جاء عن مجاهد (٥) "أن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا وأنهم كانوا يستحبون أن يطعم عن الأموات تلك الأيام" (٦) رواه الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح إلا أنه مرسل.
_________________
(١) روايه البيهقي هذه أخرجها في كتابه: (إثبات عذاب القبر) (ص ٣١) رقم (١٠). وانظر: شرح الصدور (ص ١٤٢)، ولوامع الأنوار (٢/ ٩)، والبحور الزاخرة (١/ ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) انظر: شرح الصدور للسيوطي (ص ١٤٣).
(٣) طاووس بن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي ثقة فقيه فاضل من كبار أصحاب ابن عباس، مات سنة ست ومائة وقيل بعد ذلك. سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٨)، وتقريب (١٥٦).
(٤) الأثر عن طاووس رواه الإمام أحمد في الزهد كما في شرح الصدور (ص ١٣٩)، وفي الدر المنثور (٥/ ٣٨)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١١) من طريق الإمام أحمد وقد راجعت كتاب الزهد للإمام أحمد فلم أجده فيه، ونص الأثر عن طاووس هكذا: "إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعًا، فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام".
(٥) مجاهد تقدم (١/ ١٩٧).
(٦) الأثر عن مجاهد ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٤) عن مجاهد بدون سند، وصدره بقوله: "وروى عن مجاهد".
[ ٢ / ١٥٣ ]
وروى من وجه متصل أيضًا وحكمه الرفع لأنه ليس للرأي (١) فيه مجال، وقد ذكر كل ذلك ورواه الحافظ ابن رجب في كتابه "أهوال القبور" (٢).
وذكر عن مجاهد أيضًا "أن الأرواح تمكث في قبورها سبعة أيام" (٣).
وقد روى عن عبيد بن عمير (٤) فيما أخرجه عنه ابن جريج "إن المؤمن يفتن سبعة أيام والمنافق يفتن أربعين يومًا" (٥).
_________________
(١) في الأصل: للراوي والمثبت من "ظ" وهو الصحيح.
(٢) الأثر عن طاووس لم أجده فيه وأما الأثر عن مجاهد فهو فيه (ص ١٤) بدون عزو كما أشرت. وهذه الآثار التي أوردها المؤلف ذكرها السيوطي في منظومته: "التثبيت". انظر: جمع الشتيت (ص ١٣٥) وذكرها في الحاوى (٢/ ٣٧٠)، وذكرها المؤلف في كتابه "البحور الزاخرة" (ج ١/ ١٥٤ - ١٥٥).
(٣) ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ١١٥) بدون سند.
(٤) عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أبو عاصم المكي ولد على عهد النبي -ﷺ- قاله مسلم وعده غيره في كبار التابعين وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة وكان يذكر الناس فيحضر ابن عمر ﵄ مجلسه، توفى سنة ثلاث أو أربع وسبعين. سير أعلام النبلاء (٤/ ١٥٦)، وتقريب (٢٢٩) وقد جاء في الأصل: عبد وهو خطأ وصوابه عبيد كما أثبتنا.
(٥) عزاه السيوطي في أرجوزته التثبيت إلى ابن جريج وفي الدر المنثور قال: وأخرج ابن جرير في مصنفه ولعله خطأ. جمع الشتيت (ص ١٣٨)، والدر المنثور (٥/ ٣٨) وذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ١٤) بدون عزو. قلت: وهذه الآثار التي أوردها الشارح هنا نفلها عن السيوطي كما أشرت وقد أوردها السيوطي للاستدلال بها على استحباب إطعام الطعام عن الميت سبعة أيام. والصحيح أنه استدلال غير صحيح إذ لم يثبت فيه دليل صحيح عن النبي -ﷺ- يستند إليه. ولم يرد ما يؤيده من فعل الصحابة ﵃ وأما إخبار التابعي بما ليس للرأي فيه مجال فلا يعطى حكم المرفوع وخاصة إذا لم يوجد ما يؤيده بل ورد في السنة الصحيحة ما خالفه وذلك ما ورد في قصة استشهاد جعفر بن أبي طالب ﵁ وقول النبي -ﷺ-: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم". رواه أحمد (١/ ٢٠٥)، وأبو داود =
[ ٢ / ١٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = رقم (٣١٣٢)، والترمذي رقم (٩٩٨)، وابن ماجة رقم (١٦١٠) وقال الترمذي: حسن صحيح قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه الحوادث والبدع: "فأما المآتم فممنوعة بإجماع العلماء. . . ثم قال: "والمأتم هو الاجتماع في الصبيحة وهو بدعة منكرة لم ينقل فيه شيء وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة فهو طامة". الحوادث والبدع (ص ١٦٦). وقال الشاطبي في فتاويه (ص ٢٠٩ - ٢١٠) بعد أن أورد كلام الطرطوشي هذا قال: "وكذلك ما يحكى عن ابن طاووس عن أبيه لا يثبت" وفي أجوبة لأبنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٤٦) حول مسألة القراءة على القبور وحمل المصاحف إلى القبور وكما يفعل بعض الناس يجلسون سبعة أيام بالمصاحف على القبور ويسمونها الشدة وكذلك اجتماع الناس عند أولياء الميت ويجلسون سبعة أيام ويقرأون فاتحة الكتاب ويرفعون أيديهم بالدعاء وكذلك يجمعون الناس عند بيت ولي الميت ويقرأون القرآن ويطعمون الطعام فهل هذه الأفعال من فعال الجاهية المبتدعة؟ فأجابا بما يلي: إن القراءة على القبور وحمل المصاحف إليها كما يفعله بعض الناس يجلسون سبعة أيام ويسمونها الشدة وكذلك اجتماع الناس عند أهل الميت سبعة أيام ويقرأون فاتحة الكتاب ويرفعون أيديهم بالدعاء للميت فكل هذا من البدع والمنكرات المحدثة التي يجب إزالتها ولم يكن يفعل على عهد النبي -ﷺ- ولا في عهد خلفائه الراشدين من ذلك شيء ولن يصلح آخر هذه الأمة الا ما أصلح أولها قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي حديث العرباض بن سارية الذي أخرجه أبو داود في سننه وأحمد في مسنده: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدى عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" انتهى.
[ ٢ / ١٥٥ ]
التنبيه الثالث: وجوب الإيمان بعذاب القبر ونعيمة وما ورد فيه وورد عذاب القبر في القرآن
الثالث: عذاب القبر ونعيمه وفتنته والسؤال ولواحق ذلك: من كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار واجب الاعتقاد ويأتي في كلام الناظم (١) رحمه اللَّه تعالى.
وقد نبه هنا بما ذكره من وجوب الإقرار وعدم الإنكار بالملكين اللذين هما منكر ونكير على ما يشبه ذلك ويلحق به مما جاء في القرآن أو حديث البشير النذير.
وقد ذكر اللَّه تعالى عذاب القبر في القرآن العظيم في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٥].
ذكر الحافظ ابن رجب في أهوال القبور عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تلا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآيات قال: "إذا كان عند الموت قيل له هذا فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء اللَّه وأحب اللَّه لقاءه، وإن كان من أصحاب الشمال كره (لقاء اللَّه وكره اللَّه لقاءه) (٢).
وأخرج الإمام أحمد أن النبي -ﷺ- قال: "من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه فأكب القوم يبكون قال ما يبكيكم؟ قالوا إنا نكره الموت قال: "ليس ذلك ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء اللَّه واللَّه للقائه أحب، وأما إن كان من
_________________
(١) سيأتى في كلام الناظم في قوله: "وقل في عذاب القبر حق موضح" (٢/ ٢٦٧).
(٢) ما بين القوسين زيادة من مصادر الحديث والحديث بهذه الرواية أورده ابن رجب في أهوال القبور (ص ٤١) من طريق آدم بن أبي إياس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا. وسيأتى -بعد قليل- من رواية الإمام أحمد متصلًا ويأتي الكلام عليه.
[ ٢ / ١٥٦ ]
المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم فإذا بشر بذلك كره لقاء اللَّه واللَّه للقائه أكره" (١).
وقال المحقق ابن القيم في كتابه "الروح" من المواضع التي ذكر نعيم القبر وعذابه في القرآن المجيد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. .﴾ [الأنعام: ٩٣].
وهذا خطاب لهم عند الموت قطعًا.
وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللَّه غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون عذاب الهون ومنها قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] فذكر عذاب الدارين (٢) صرحًا لا يحتمل غيره.
ومنها قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٣) [الطور: ٤٥ - ٤٦].
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠) بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني فلان بن فلان سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول. . . الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢١): "وعطاء بن السائب فيه كلام". قلت: وقد جاء الحديث بمعناه من طرق أخرى صحيحة من حديث عائشة وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وأبي موسى وأنس بن مالك ﵃ رواها الإمام أحمد في المسند والبخاري ومسلم وغيرهم. انظر: جامع الأصول (٩/ ٥٩٥) وما بعدها.
(٢) في النسختين "الدار" وما أثبت من كتاب الروح لابن القيم (ص ١٠٦) ومنه ينقل المؤلف وهو الصحيح. بدليل قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
(٣) وهذا نهاية ما أورده المؤلف عن ابن القيم. انظر كتاب الروح لابن القيم (ص ١٠٥ - ١٠٦).
[ ٢ / ١٥٧ ]
وأخرج الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: "ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١ - ٤] (١).
وقال ابن مسعود ﵁: "المعيشة الضنك هي عذاب القبر إذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدرى فيضيق عليه قبره ثم قرأ (٢) ابن مسعود ﵁: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] (٣).
وقال البراء بن عازب ﵄ في قوله تعالى: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] عذاب القبر" (٤).
وروى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ. .﴾ [السجدة: ٢١] عذاب القبر" (٥).
_________________
(١) والأثر عن علي ﵁ أخرجه الترمذي في جامعه في التفسير باب ومن سورة التكاثر (ج ٥/ ٤٤٧) رقم (٣٣٥٥) وقال: "هذا حديث غريب".
(٢) في النسختين "قال" وفي أهوال القبور لابن رجب ثم "قرأ" ولعله الصحيح.
(٣) والأثر عن ابن مسعود أخرجه بهذا السياق آدم بن أبي إياس كما في أهوال القبور لابن رجب (٤٣). وأخرجه بلفظ أطول منه البيهقي في إثبات "عذاب القبر" رقم (٦)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦ - ٢٦٧). قال الهيثمي في المجمع (٣/ ٥٤): "إسناده حسن".
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (ج ٢٧/ ٣٦)، وذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ٤٣).
(٥) ذكره ابن رجب في أهوال القبور (ص ٤٣) ولم أره مسندا إليه في كتب التفسير التي اطلعت عليها.
[ ٢ / ١٥٨ ]
التنبيه الرابع: ذم من أنكر منكر ونكير والرد على الملاحدة في إنكار عذاب القبر
وكذا قال قتادة (١) والربيع بن أنس (٢) في قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إحداهما في الدنيا والأخرى عذاب القبر" (٣).
قال الحافظ ابن رجب وغيره من الحفاظ قد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- في عذاب القبر (٤).
ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن عذاب القبر قال: "نعم عذاب القبر حق" (٥).
وقد ذكرت في كتابي "البحور الزاخرة" (٦) ثم في "لوامع الأنوار" (٧) من ذلك ما يكفي ويشفي.
الرابع: ففي كلام الناظم رحمه اللَّه تعالى تنبيه وإشارة إلى ذم من أنكر أمر منكر ونكير (وخدمتهما) (٨) من سؤالهما الموتى ومتعلقات ذلك وأن إنكار ذلك
_________________
(١) قتادة بن دعامة السدوسي تقدم (١/ ١٩٣).
(٢) الربيع بن أنس البكري والحنفي بصري نزل خراسان صدوق له أوهام مات سنة أربعين ومائة أو قبلها. تقريب (١٠٠).
(٣) انظر: الدر المنثور (ج ٤/ ٢٧٤)، وأهوال القبور لابن رجب (ص ٤٣).
(٤) انظر: أهوال القبور (ص ٤٣).
(٥) رواه البخاري (٣/ ٢٧٤) في الجنائز باب عذاب القبر (١٣٧٢)، ومسلم رقم (٥٨٤) في المساجد باب استحباب التعوذ من عذاب القبر.
(٦) اسمه الكامل: "البحور الزاخرة في علوم الآخرة" طبع الجزء الأول منه في مجلد سنة ١٣٤١ هـ في بمباي، بالهند، وقد حقق هذا الجزء الدكتور محمد السمهري في رسالة دكتوراه مقدمة إلى جامعة الإمام.
(٧) راجع: لوامع الأنوار للمؤلف (ج ٢/ ٣) وما بعدها.
(٨) كذا في الأصل: خدمتها: ولعل المراد العمل الذي يقومان به وفي النسخة ظ: خرقهما، ولعل المراد كون عملها خارق للعادة. واللَّه أعلم.
[ ٢ / ١٥٩ ]
جهل وسفه لثبوته عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى مع عدم استحالة ذلك عقلًا وأنكرت الملاحدة والزنادقة عذاب القبر وضيقه وسعته، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وأنكروا جلوس الميت في قبره، قالوا وقد وضعنا على صدر الميت زئبقًا ثم كشفنا عليه فوجدناه بحاله، قالوا ولم نجد فيه ملائكة يضربون الموتى بمطارق الحديد، ولا حيات ولا عقارب، ولا نيرانًا وأجلبوا (١) وأجنبوا (٢) من مثل هذه (الوساوس) (٣) والترهات، والحوادس والتشكيكات، وقال إخوانهم من أهل البدع والضلال والإفك والاعتزال: كل حديث يخالف مقتضى العقول نقطع بتخطئة ناقله، وأكثر أهل الاعتزال والبدع والضلال من مثل هذا الهذيان والزور والبهتان، وقد تصدى لرد مقالاتهم وكشف ضلالاتهم أئمة الدين من العلماء المحققين والفضلاء المدققين، وأقاموا الحجج والبراهين على قمع المفترين وقلع عين الشاكين منهم المحقق ابن القيم شمس الدين في كتابه "الروح" (٤) فأجاب عن شبههم بعدة أجوبة.
منها أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم تخبر بما تحيله العقول بل أخبارهم قسمان:
أحدهما ما يشهد العقل والفطرة السليمة به.
والثاني ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر والثواب والعقاب فلا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا
_________________
(١) أجلبوا: تجمعوا وتألبوا وأجلبه أعانه وأجلب عليه إذا صاح به واستحثه. الصحاح: (جلب).
(٢) أجنبوا لم يتضح لي ما يدل على معناها هنا في اللغة ولعلها هنا بمعنى: أكثروا.
(٣) في "ظ" "الوسواس".
(٤) الروح لابن القيم (ص ٨٦).
[ ٢ / ١٦٠ ]
فتأتي الأنبياء ﵈ بمحارات العقول، لا بمحالاتها، فكل ما يظن أن العقل يحيله فلا خلو من أحد أمرين: إما خطأ في النقل أو خبل في العقل فتكون شبهة خيالية ظن صاحبها أنها أمر عقلي صريح، والحال أنه خيال وهمي غير صحيح، كما قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية [سبأ: ٦].
وأما الذين في قلوبهم زيغ فلا يزدادون إلا رجسًا إلى رجسهم.
ومنها أن اللَّه تعالى جعل الدور ثلاثًا؛ دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، ولهذا جعلت أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات الإنسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه فالعقوبات الدنيوية تقع على البدن الظاهر وتتألم الروح بالتبعية، وجعلت أحكام البرزخ على الأروح والأبدان تبع لها فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها ولذاتها، وكانت الأبدان هي المباشرة لأسباب النعيم والعذاب فكذلك تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها وكان العذاب والنعيم على الروح ولها بالأصالة والأبدان تابعة للأرواح في ذلك عكس دار الدنيا فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم لدار القرار والمعاد صار الحكم من النعيم والعذاب وغيرهما على الأرواح والأجساد باديًا ظاهرًا أصلًا فما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه من هذ القبيل فإذا ظهر للفهم السليم طابق العقل المستقيم.
فالنار التي في القبر ليست من جنس نار الدنيا فيشاهدها من شاهد نار الدنيا وإنما هي من نار الآخرة فهي وإن كانت أشد من نار الدنيا إلا إن شدتها على من هي له وعليه دون من مسها من أهل الدنيا بل ربما دفن الميتان في قبر واحد فيكون
[ ٢ / ١٦١ ]
أحدهما في روضة ونعيم والآخر في حفرة وعذاب أليم وفي قدرة الحكيم المالك أعظم وأعجب من ذلك وإن كان الضالون لا يشعرون حتى أنه تعالى يحدث في هذا الدار ما يدل على ذلك بل وأعجب من ذلك، فهذا جبريل ﵇ كان ينزل على النبي -ﷺ- ويتمثل له رجلًا فيكلمه بكلام يسمعه ومن إلى جنب النبي -ﷺ- لا يراه ولا يسمع كلامه وكذلك غيره من الأنبياء وكانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتضرب رقابهم وتصيح بهم والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم.
والحق جل شأنه حجب ابن آدم عن كثير مما يحدث في الأرض فكان جبريل يدارس النبي -ﷺ- القرآن والحاضرون لا يسمعونه، وكيف يستنكر من عرف اللَّه وأقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار خلقه وأسماعهم حكمة منه ورحمة بهم لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها فالعبد أضعف بصرًا وسمعًا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر وقد أشهد اللَّه تعالى ذلك بعض عباده فغشي عليهم ولم ينتفعوا بالعيش زمانًا وبعضهم كشف قناع قلبه فمات. . .
وسر المسألة أن توسعة القبر وضيقه وإضاءته وخضرته وناره وحياته وعقاربه ليس من جنس المعهود في هذا العالم والمولى الحكيم إنما أشهد عباده هذه الدار وما كان فيها ومنها، وأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل اللَّه عليه الغطا ليكون الإقرار به والإيمان سببًا لسعادتهم ولو كشف عنه الغطا لكان مشاهدًا عيانًا وفاتت نتيجة الإيمان بالغيب وما يترتب على ذلك من جزيل الثواب (١).
والحاصل أن كلما أخبر به الصادق المصدوق وجب الإيمان به وقد تواتر عنه
_________________
(١) نهاية كلام ابن القيم في كتابه الروح، وقد نقله الشارح بتصرف واختصار. انظر: الروح (ص ٨٦ - ١٠٠).
[ ٢ / ١٦٢ ]
ذلك ولم تحله العقول بل هو داخل في حيز الإمكان وما كان كذلك فانكاره إلحاد. ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل" (١).
وقال حنبل قلت لأبي عبد اللَّه في عذاب القبر فقال: "هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها كلما جاء عن النبي -ﷺ- إسناد جيد أقررنا به إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه رددنا على اللَّه أمره قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] قلت وعذاب القبر حق. قال: حق يعذبون في القبور، قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وما يروى في عذاب القبر" (٢).
"قلت: هذه اللفظة نقول منكر ونكير هكذا ونقول ملكين؟ قال: منكر ونكير قلت: يقولون ليس في حديث منكر ونكير. قال: هو هكذا -يعني إنه ثابت منكر ونكير" (٣).
قال المحقق ابن القيم في الروح: "وأما أئمة أهل البدع والضلال كأبي هذيل العلاف (٤) وبشر المريسي (٥) ومن وافقهما (من) (٦) خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب
_________________
(١) رواه عنه المروذي كما في الروح لابن القيم (ص ٨٠)، وفي طبقات الحنابلة (١/ ٦٢).
(٢) نهاية رواية حنبل.
(٣) من قوله: "قلت هده اللفظة -يعني منكر ونكير-" جعلها الشارح من سؤال حنبل وليست كذلك، فهي من رواية أحمد بن القاسم كما في طبقات الحنابلة (١/ ٥٥)، وانظر: الروح لابن القيم (ص ٨٠)، ولوامع الأنوار (٢/ ٢٣).
(٤) تقدم (١/ ٢٦٦).
(٥) تقدم (١/ ١٨٢).
(٦) في "ظ" ممن وهو خطأ. وفي العبارة غموض وبيانها كما في الروح لابن القيم: "وأما أقوال أهل البدع والضلال =
[ ٢ / ١٦٣ ]
ذكر الكلام على الحوض
بين النفختين، قالا والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت.
وأما أبو على الجبائي (١) وابنه أبو هاشم (٢) والبلخي (٣) فأثبتوا عذاب القبر لكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفساق على أصولهم (٤) واللَّه تعالى الموفق.
ثم أشار الناظم إلى إثبات حوض المصطفى -ﷺ- فقال:
(ولا) تنكرن أيضًا جهلًا وعنادًا وسفهًا وإلحادًا (الحوض) وأل فيه للعهد وبدلًا عن الإضافة أي حوض النبي المصطفى نبينا محمد -ﷺ- فإنه حق ثابت بإجماع أهل الحق وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١].
وفي السنة ما هو مشهور بل متواتر، قال الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه "البدور السافرة" (٥) ورد ذكر الحوض من رواية بضعة وخمسين صحابيًا منهم الخلفاء الأربعة الراشدون وحفاظ الصحابة المكثرون وغيرهم (٦) رضوان اللَّه عليهم أجمعين".
_________________
(١) = فقال أبو الهذيل والمريسي: من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين. . . ".
(٢) الجبائي تقدم (١/ ١٦٧).
(٣) أبو هاشم تقدم (١/ ١٨٦).
(٤) عبد اللَّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي الخراساني أبو القاسم أحد أئمة المعتزلة كان رأس طائفة منهم تسمى "الكعبية" وهو من أهل بلخ أقام ببغداد مدة طويلة وتوفى ببلخ سنة ٣١٩. الأعلام (٤/ ٦٥).
(٥) انظر: الروح (ص ٨٠)، ولوامع الأنوار (٢/ ٢٣).
(٦) اسمه الكامل: (البدور السافرة عن أمور الآخرة) طبع في الهند سنة ١٣١١ وفي باكستان سنة ١٣٣٧، وطبع أخيرًا في مصر ونشرته مكتبه القرآن والنص فيه (ص ١٦٤).
(٧) قال القرطبي في المفهم تبعًا للقاضي عياض روى أحاديث الحوض عن النبي -ﷺ- من الصحابة ما ينيف على الثلاثين منهم في الصحيحين ما يزيد على العشرين وفي غيرهما بقية ذلك. انظر: فتح الباري (١١/ ٤٧٥).
[ ٢ / ١٦٤ ]
قال القرطبي في "تذكرته": "لا يخطر ببالك أو يذهب وهمك إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض وإنما يكون وجوده على الأرض المبدلة على (مسافة) (١) الأقطار الآتي ذكرها في المواضع التي تكون بدلًا من هذه الأرض وهى أرض بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم ولم يظلم على ظهرها أحد قط" (٢).
وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدًا".
وفي رواية: "حوضي مسيرة شهر وزواياه سوا وماؤه أبيض من الورق" وهو في الصحيحين أيضًا (٣).
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح وابن حبان في صحيحه واللفظ للإمام أحمد عن أبي أمامة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن اللَّه وعدني أن يدخل من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب" فقال يزيد بن الأخنس: واللَّه ما أولئك في أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب. فقال النبي -ﷺ-: "قد وعدني سبعين ألفًا مع كل ألف سبعين ألفًا وزاد في ثلاث حثيات" قال: فما سعة حوضك يا رسول اللَّه؟ قال: "كما بين
_________________
(١) = وقال الزبيدي في لفظ اللآلى المتناثرة في الأحاديث المتواترة (ص ٢٥١) رواه من الصحابة خمسون نفسًا ثم ذكرها. وكذلك السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة (ص ٢٩٧) رقم (١١٠). وانظر: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" (ص ١٥١ - ١٥٢)، وفتح الباري (١١/ ٤٧٥ - ٤٧٧)، وتهذيب سنن أبي داود لإبن القيم (٧/ ١٣٥).
(٢) في "ظ" مسافات، وفي التذكرة للقرطبي: "على مسامتة هذه الأقطار".
(٣) انظر: التذكرة للقرطبي (٣٦٤).
(٤) رواه البخاري (١١/ ٤٧٢) في الرقاق باب في الحوض رقم (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢) في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته، وهذه الرواية لمسلم.
[ ٢ / ١٦٥ ]
عدن إلى عمان وأوسع وأوسع" يشير بيده قال فيه مثعبان -أي بضم الميم والعين المهملة بينهما مثلثة وآخره موحدة هو مسيل الماء- (١) من ذهب وفضة قال فما حوضك يا نبي اللَّه؟ قال: "أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب رائحة من المسك من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ولم يسود وجهه أبدًا" (٢).
وروى ابن أبي عاصم (٣) وغيره من حديث أبي بن كعب أن رسول اللَّه -ﷺ- قيل له ما الحوض؟ قال: "والذي نفسي بيده إن شرابه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحًا من المسك وآنيته أكثر عددًا من النجوم لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا ولا يصرف عنه إنسان فيروى أبدًا" (٤).
ففى هذا الحديث إن من لم يشرب من حوض النبي -ﷺ- من أمته لا يزال متصفا بالظمأ أبدا، وروى نحوه البزار والطبراني من حديث أنس ﵁
_________________
(١) هذا التفسير زيادة من الشارح ولم يرد في مصادر الحديث، والمناسب أن يجعله بعد نهاية الحديث، وقد ضبطه الشارح بضم الميم والعين وضبطه المنذري في الترغيب: بفتح الميم والعين. الترغيب (٤/ ٧٩٨)، وقد ورد في رواية الطبراني: "شعبان" ومعناه واديان. انظر: (القاموس - شعب).
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١) وابن حبان في صحيحه الإحسان (٩/ ١٨٤) رقم (٧٢٠٢)، والطبراني في الكبير (٨) في عدة مواضع الأرقام (٧٥٢٠، ٧٥٢١، ٧٦٦٥، ٧٦٧٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٢ - ٣٦٣): "قلت عند الترمذي وابن ماجة بعضه، رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح. . . " وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٩٧): "رواه أحمد ورواته محتج بهم في الصحيح".
(٣) تقدم (١/ ٢٠٣).
(٤) رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٣١) رقم (٧١٧) قال الشيخ الألباني: "إسناده موضوع. . " ثم قال بعد ذلك إلا أن الحديث صحيح يشهد له ما قبله وما بعده إلا الجملة الأخيرة منه. "ولا يصرف عنه إنسان فيروى أبدا". انظر: تخريج السنة (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).
[ ٢ / ١٦٦ ]
الأول: في إختلاف الرويات في تحديد الحوض
مرفوعًا وفيه: "من شرب منه شربة لم يظمأ أبدًا ومن لم يشرب منه لم يرو أبدًا" (١)
وأخرج الطبراني أيضًا نحوه في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا (٢). وفي ذلك عدة أحاديث. واللَّه أعلم.
تنبيهات:
الأول: اختلفت الروايات في تحديد الحوض وتقديره اختلافًا كثيرًا ففي حديث عبد اللَّه ابن عمرو بن العاص أنه مسيرة شهر وزواياه سواء وفي رواية عند الإمام أحمد أنه كما بين عدن وعمان.
وفي رواية في الصحيحين ما بين صنعاء والمدينة، وفي رواية لهما أيضًا ما بين المدينة وعمان، وفي رواية ما بين أيلة ومكة، وعند ابن ماجة ما بين المدينة إلى بيت المقدس، وفي رواية ما بين جربا وأذرح.
قال في القاموس: "جربا قرية بجنب أذرح وغلط من قال بينهما ثلاثة أيام، وإنما الوهم من رواة الحديث من إسقاط زيادة ذكرها الدارقطنى وهي "ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجربا وأذرح" (٣) انتهى.
وفي رواية ما بين أيلة وصنعاء اليمن وهو في الصحيحين قال في جامع الأصول عن كون حوضه -ﷺ- ما بين جنبيه كما بين جربا وأذرح، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٤).
_________________
(١) رواه البزار كشف الأستار (٤/ ١٧٨) رقم (٣٤٨٤). والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦١). قال الهيثمي: وفيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط وبقية رجالهما رجال الصحيح. وقال المنذري في الترغيب (٤/ ٧٩٦) بعد ايراده: ورواته ثقات إلا المسعودي. وانظر: تخريج السنة (٢/ ٣٣٢).
(٢) رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦١). قال الهيثمي: "وفيه محمد بن عبيد اللَّه العرزمي وهو متروك".
(٣) القاموس (١/ ٤٧) -جرب-.
(٤) رواه البخاري (١١/ ٤٧١) في الرقاق باب في الحوض، ومسلم رقم (٢٢٩٩) في الفضائل =
[ ٢ / ١٦٧ ]
قال بعض الرواة: هما قريتان في الشام بينهما مسيرة ثلاث ليال (١)، وفي لفظ ثلاثة أيام.
وقدمنا ما فيه آنفًا، وفي مسلم والترمذي مثل ما بين عدن إلى عمان البلقاء. . .
قال بعض العلماء: "وهذا الاختلاف والاضطراب لا يوجب الضعف لأنه من اختلاف التقدير والتحديد لا من الاختلاف في الرواية لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد (اضطرابًا) (٢) وإنما جاء في أحاديث مختلفة من غير واحد من الصحابة وقد سعموه في مواطن متعددة وكان النبي -ﷺيمثل لكل قوم الحوض بحسب ما يعلم المتكلم ويفهم السائل وبحسب ما يسنح له -ﷺ- من العبارة ويحدد الحوض بحسب ما يفهم الحاضرون من الإشارة" (٣).
قال الحافظ ابن حجر: هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يومًا وينقص إلى ثلاثة أيام لا يصلح أن يكون من ضرب المثل في التقدير لأنه إنما يكون فيما يتقارب" (٤).
ورد عليه بأن رواية ثلاثة أيام اعترف هو نفسه بأنها غلط فلا يتوجه الاعتراض بها (٥).
_________________
(١) = باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته، وأبو داود رقم (٤٧٤٥) في السنة باب في الحوض.
(٢) جامع الأصول (١٠/ ٤٧٤).
(٣) في "ظ": (اطرابًا).
(٤) هذا الكلام للقاضي عياض. انظر: شرح مسلم للنووي (١٦/ ٥٨)، وفتح الباري (١١/ ٤٧٩)، ومثله للقرطبي في التذكرة (٣٦٤).
(٥) فتح الباري (١١/ ٤٧٩).
(٦) فتح الباري (١١/ ٤٨٠).
[ ٢ / ١٦٨ ]
التنبيه الثاني: هل الحوض بعد الصراط أو قبله والخلاف في ذلك
وقال النووي: "ليس في ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة" (١).
وقال بعضهم يحمل القصير على العرض والطويل على الطول.
قلت ويرد هذا رواية: "زواياه سواء" كما في الصحيحين وأوضح من هذا ما في رواية: "طوله وعرضه سواء".
وقال بعضهم بل سبب الاختلاف ملاحظة سرعة السير وعدمها فقد عهد في الناس من يقطع مسافة عشرة أيام في ثلاثة أيام وعكسه وأكثر من ذلك وأقل (٢).
والمقصود أنه حوض عظيم متسع كبير جدًا له زوايا وأباريق وأواني كثيرة جدًا ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل وأذكى من المسك يشرب منه المؤمنون فلا يظمأون بعد ذلك أبدًا. وباللَّه التوفيق.
الثاني:
قال القرطبي: "ذهب صاحب "القوت" (٣) إلى أن الحوض بعد الصراط قال والصحيح أنه قبله وكذا قال الغزالى (٤) ذهب بعض السلف إلى أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله (٥).
_________________
(١) النووي شرح مسلم (١٦/ ٥٨).
(٢) وقد رجح الحافظ هذا الرأي الأخير. راجع الفتح (١١/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، وانظر هذا المبحث في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢).
(٣) صاحب القوت: أبو طالب محمد بن علي بن عطيه الحارثي المكي المنشأة العجمي الأصل، نشأ واشتهر بمكة ورحل إلى البصرة وسكن بغداد، وكان واعظًا زاهدًا صوفيًا له قوت القلوب في التصوف مجلدان مشهور وقد طبع، توفى سنة ٣٨٦ ببغداد. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٣٦)، والأعلام (٦/ ٢٧٤).
(٤) الغزالي تقدم (١/ ١٤٤).
(٥) التذكرة للقرطبي (٣٦٢).
[ ٢ / ١٦٩ ]
قال القرطبي والمعنى يقتضي تقديم الحوض على الصراط فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشًا فناسب تقديمه لحاجة الناس إليه (١).
قال ابن عباس ﵄ سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن الوقوف بين يدي اللَّه تعالى هل فيه ماء؟ قال إي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء اللَّه ليردون إلى حياض الأنبياء ﵈" (٢).
ورجح القاضي عياض أن الحوض بعد الصراط (٣).
وقال العلامة ابن حمدان في نهاية المبتدئين: "يشرب المؤمنون من (حرض النبي -ﷺ-) (٤) قبل دخول الجنة وبعد جواز الصراط" انتهى.
_________________
(١) التذكرة للقرطبي (٣٦٢). انظر: الفتح (١١/ ٤٧٤)، والنهاية لابن كثير (ج ٢/ ٣٦ - ٣٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا كما في النهاية لابن كثير (٢/ ٣٥) وقال ابن كثير ﵀ بعد إيراده: "وهذا حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من كتب السنة". ثم قال: فصل، فإن قال قائل فهل يكون الحوض قبل الجواز على الصراط أو بعده؟ فالجواب أن ظاهر ما تقدم من الأحاديث يقتضي كونه قبل الصراط لأنه يذاد عنه أقوام يقال عنهم: إنهم لم يزالوا يرتدون على أعقابهم منذ فارقتهم فإن كان هؤلاء كفارًا فالكافر لا يجاوز الصراط بل يكب على وجهه في النار في أن يجاوزه وإن كانوا عصاة وهم من المسلمين فبعيد حجبهم عن الحوض لا سيما وعليهم سيما الوضوء وقد قال النبي -ﷺ- "أعرفكم غرًا محجلين من آثار الوضوء". ثم من جاوز الصراط لا يكون إلا تاج مسلم فمثل هذا لا يحجب عن الحوض والأشبه واللَّه أعلم أن الحوض قبل الصراط". ثم أورد رأى القرطبي هذا. . . ". انظر: النهاية (٢/ ٣٦، ٣٨).
(٣) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٥٤)، وفتح الباري (١١/ ٤٧٤).
(٤) (من حوض النبي -ﷺ-) ليست في "ظ".
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "ظاهر الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها فلو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر فيه".
قال: "وأما ما أورد عليه من أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يروه ويذهب بهم إلى النار.
فجوابه: أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون (١) فيدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط" (٢).
وقال القرطبي في تذكرته: "الصحيح أن للنبي -ﷺ- حوضين أحدهما في الموقف قبل الصراط والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثرًا والكوثر في كلام العرب الخير الكثير" (٣).
قال الجلال السيوطي وقد ورد التصريح في حديث صحيح عند الحاكم وغيره بأن الحوض بعد الصراط (٤).
_________________
(١) ويرون. . . كذا في النسختين وفي الفتح ويرون النار. . . .
(٢) فتح الباري (ج ١١/ ٤٧٤).
(٣) التذكرة للقرطبي (٣٦٢).
(٤) يشير إلى الحديث الذي أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٦٠)، وعبد اللَّه بن أحمد في زيادات المسند (٤/ ١٣ - ١٤) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢١١ - ٢١٤) عن لقيط ابن عامر في حديث طويل في صفة الجنة والبعث وفيه: "تعرضون عليه بادية له صفًا حكم لا تخفى عليه منكم خافية فيأخذ غرفة من ماء فينضح قبيلكم بها فلعمر إلهك ما تخطئ وجه أحد منكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتحطمه مثل الحميم الأسود ألا ثم ينصرف نبيكم -ﷺ- ويفترق على أثره الصالحون فيسلكون جسرًا من النار فيطأ أحدكم الجمرة فيقول حسن يقول ربك ﷿ أو أنه ألا فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ واللَّه ناهلة عليها قطر ما رأيتها فلعمر إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلا وضع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى. . . ".=
[ ٢ / ١٧١ ]
فإن قيل إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلم يحتاجوا إلى الشرب منه فالجواب: بل يحتاجون إلى ذلك لأنهم إذا خلصوا حبسوا هناك لأجل مظالم عليهم فيما بينهم فكان الشرب في موقف القصاص لأجل ما يلقونه من العتاب والخلاص ويحتمل الجمع بأن يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم وتأخيره بعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار، حتى يهذبوا منها على الصراط ولعل هذا أقوى" (١) انتهى.
قال العلامة الشيخ مرعي (٢) في "بهجته": "وهذا في غاية التحقيق جامع للقولين وهو دقيق" وباللَّه التوفيق (٣).
_________________
(١) = وقال الحاكم بعد إخراجه: "هذا حديث جامع في الباب صحيح الإسناد كلهم مدنيون ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ضعيف". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠)، وقال: "رواه عبد اللَّه والطبراني بنحوه وأحد طريقي عبد اللَّه إسنادها متصل، ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطًا". وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٤٧٤ - ٤٧٥) بعد إشارته إلى هذا الحديث: "وهو صريح في أن الحوض قبل الصراط".
(٢) انظر: البدور السافرة للسيوطي (ص ١٤٦ - ١٤٧).
(٣) مرعى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي -نسبة إلى طور كرم في فلسطين- المقدسي الحنبلي زين الدين مؤرخ أديب من كبار الفقهاء، ولد في طور كرم بفلسطين وانتقل إلى القدس ثم إلى القاهرة فتوفى فيها سنة ١٠٣٣، له نحو السبعين كتابًا منها: "غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى" و"دليل الطالب" في الفقه وهي مطبوعة و"أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات" مطبوع، وبهجة الناظرين في آيات المستدلين وغيرها. انظر: النعت الأكمل لأصحاب الإمام أحمد بن حنبل (١٨٩)، والأعلام (٧/ ٢٠٣) ومقدمة كتابه أقاويل الثقات.
(٤) انظر هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٩٥).
[ ٢ / ١٧٢ ]
التنبيه الثالث: إنكار المعتزله للحوض
الثالث: خالفت المعتزلة فلم تقر بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة بالصحيحة الصريحة بل وبظاهر القرآن ففي صحيح البخاري من حديث همام عن قتادة عن أنس ابن مالك ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر" (١).
وفي صحيح مسلم عنه مرفوعًا: "الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي ﷿" (٢).
وفي حادي الأرواح للمحقق ابن القيم قدس اللَّه روحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك اللَّه ﷿" (٣).
وفي سنن الترمذي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج" (٤). قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٦٠٨) في التفسير في تفسير سورة الكوثر رقم (٤٩٦٤)، وفي الرقاق باب في الحوض (١١/ ٤٧٢) رقم (٦٥٨١).
(٢) مسلم رقم (٤٠٠) في الصلاة باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ١٠٣، ١١٥، ١١٦، ١٩١، ٢٠٧، ٢٣١، ٢٣٢، ٢٦٣)، وأورده ابن القيم في حادي الأرواح (ص ١٧٨)، وانظر: تفسير ابن كثير (٩/ ٣١٣) في تفسير سورة الكوثر.
(٤) رواه الترمذي في جامعه (٣٣٦١) في التفسير باب ومن سورة الكوثر وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ٢ / ١٧٣ ]
تعليق من المحقق في حكم من أنكر سنة صحيحة عالما بذلك
ثبت الحوض بالكتاب والسنة المتواترة
إذا علمت هذا مع ما قدمناه من الأحاديث الصحيحة بالألفاظ الصريحة فمن خالف في الحوض ولم يقر بإثباته فهو مبتدع ولم نكفره لأن ثبوته بالقرآن فيه احتمال وليس بصريح.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ففيه اختلاف هل هو الحوض أو الخير الكثير أو النهر الذي في الجنة كما قدمنا (١).
نعم الحوض ثابت بالسنة المتواترة وظاهر الكتاب وإجماع أهل الحق فمنكره زائغ عن الصواب مستحق للطرد عنه وكفى بذلك خزي وعذاب (٢).
_________________
(١) تفسير الكوثر بالحوض والخير الكثير أو النهر الذي فيه الجنة لا تنافي بينها فقد جاءت كلها مينة مفصلة عن النبي -ﷺ- في الحديث الذي رواه مسلم رقم (٤٠٠) وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: "بينا رسول اللَّه -ﷺ- بين أظهرنا في المسجد إذ أغْفَى إغفاءةً ثم رفع رأسه متبسمًا قلنا ما أضحكك يا رسول اللَّه؟ قال: "لقد أنزلت علي آنفًا سورة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي فيقول إنك لا تدري ما أحدث بعدك". وقد ورد تفسير الكوثر: بالخير الكثير عن ابن عباس ﵄ وقيل لسعيد بن جبير ﵀الراوي عن ابن عباس- إن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة فقال سعيد النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه اللَّه إياه. وقال ابن كثير ﵀ وتفسيره بالخير الكثير يعم النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير ومن ذلك النهر ثم قال: وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه فسره بالنهر أيضًا. انظر: تفسير ابن كثير ﵀ (ج ٩/ ٣١٢ - ٣١٥) في تفسير سورة الكوثر.
(٢) انظر هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٢).
[ ٢ / ١٧٤ ]
بيان أنه يذاد عن الحوض أهل البدع والضلال
وفي حديث أبي برزة ﵁ وقد سئل أسمعت رسول اللَّه يذكر في الحوض شيئًا؟ قال أبو برزة ﵁: "لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا ولا أربعًا ولا خمسًا فمن كذّب به فلا سقاه اللَّه منه" (١).
ومن ثم قال العلماء ﵃: "إن ممن يذاد عن حوض النبي -ﷺ- جنس المفترين على اللَّه وعلى رسوله -ﷺ- الكذب المحدثين في الدين ما ليس منه من الخوارج والروافض والجهمية وسائر أصحاب الأهواء المخلة، والبدع المضلة، وكذا المسرفون من الظلمة المفرطون في الظلم والجور وطمس الحق، وكذا المتهتكون (٢) في ارتكاب المناهي، والمعلنون في اقتراف المعاصي. . . " (٣).
ففي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁: "هل تدرون ما الكوثر؟ هو نهر أعطانيه ربي في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج (٤) العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي (فيقول) (٥) إنك لا تدري ما أحدث بعدك" (٦).
وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ليردن على الحوض أقوام فيختلجون دوني فأقول ربي أصحابي رب
_________________
(١) أخرجه أبو دارد رقم (٤٧٤٩) في السنة باب في الحوض. قال المنذري في إسناده رجل مجهول (مختصر سنن أبي داود للمنذري ٧/ ١٣٧).
(٢) المتهتكون: قال في القاموس: "ورجل منهتك، ومتهتك، ومستهتك: لا يبالي أن يهتك ستره. . . " والمعنى أنهم لا يبالون بالفضيحة (القاموس: هتك).
(٣) انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٩٧)، والتذكرة للقرطبي (٣٦٧).
(٤) يختلج: أي يجتذب ويقتطع. النهاية (٢/ ٥٩).
(٥) في الأصل: فقال، وفي "ظ": فيقال، وما أثبته من صحيح مسلم.
(٦) رواه مسلم رقم (٤٠٠) في الصلاة باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة.
[ ٢ / ١٧٥ ]
أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" (١).
وأخرج الإمام أحمد والطبراني والبزار عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "أنا فرطكم على الحوض فمن ورد أفلح ويجاء بأقوام فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب يا رب فيقال ما زالوا بعدك مرتدين على أعقابهم" (٢).
وأخرج الحكيم (٣) في نوادر الأصول عن عثمان بن مظعون ﵁ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يا عثمان لا ترغب عن سنتي فمن رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة" (٤).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي -أو قال من أمتي- فَيُحَلأون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي (فيقول إنه) لا علم لك ما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى" (٥).
وفي رواية: "فيجلون".
_________________
(١) مسلم في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته (ج ٤/ ١٧٩٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٥٧)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٣، ١٢/ ٧١)، وفي الأوسط (٣/ ٤١٦ - ٤١٧)، والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢١٠) رقم (١٥٣٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٤)، وفي إسناده عندهم ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجالهم ثقات.
(٣) الحكيم الترمذي تقدم (٢/ ١٤٨).
(٤) ذكره القرطبي في التذكرة وعزاه للحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث عثمان بن مظعون عن النبي -ﷺ-. . أنه قال في آخره: "يا عثمان لا ترغب عن سنتي. . . " الحديث. قال: "وقد ذكرناه بكماله في آخر كتاب: قمع الحرص بالزهد والقناعة" انتهى. التذكرة (ص ٣٦٨)، ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٩).
(٥) رواه البخاري (١١/ ٤٨٣) في الرقاق باب في الحوض، ومسلم رقم (٢٤٧) في الطهارة باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
[ ٢ / ١٧٦ ]
قال في جامع الأصول: "اختلجوا": استلبوا وأخذوا بسرعة".
وقوله: فيحلأون: يعني مبنيًا للمفعول: أي يدفعون عن الماء ويطردون عن وروده، إذا كان بالحاء المهملة ومن رواه بالجيم فهو من الجلاء وهو النفي عن الوطن وهو راجع إلى الطرد" (١).
وفي رواية عند البخاري أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه. قلت: ما شأنهم؟. قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقهرى. ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال لهم: هلم. قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللَّه. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل (٢) النعم" (٣).
وفي الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إني على الحوض انتظر من يرد عليّ منكم وسيؤخذ أُناس دوني فأقول يارب مني ومن أمتي فيقال هل شعرت ما عملوا بعدك واللَّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم" (٤)
ورواه الشيخان -أيضًا- من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وزاد: "فأقول سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي" (٥).
_________________
(١) جامع الأصول (١٠/ ٤٧١).
(٢) همل النعم: النعم الهمل: الإبل الضالة والمعنى أن الناجي منها قليل كهمل النعم. جامع الأصول (١٠/ ٤٧١).
(٣) البخاري (١١/ ٤٧٣) رقم (٦٥٨٧).
(٤) البخاري (١١/ ٤٧٤) رقم (٦٥٩٣) في الرقاق باب في الحوض، ومسلم رقم (٢٢٩٣) في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفته.
(٥) البخاري (١١/ ٤٧٢) رقم (٦٥٨٤) ومسلم رقم (٢٢٩٠) في الفضائل باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته.
[ ٢ / ١٧٧ ]
التنبيه الرابع: لكل نبي حوض
الكلام على الميزان وثبوته بالكتاب والسنة والإجماع والرد على من أنكره
بيان الحكمة في وزن الأعمال
قال القرطبي ﵀ قال علماؤنا: "كل من ارتد عن دين اللَّه أو أحدث فيه ما لا يرضاه اللَّه ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض والمعتزلة على اختلاف فرقهم فهؤلاء كلهم مبدلون، ثم الطرد قد يكون في حال ويقربون بمد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد قال: وقد يقال إن أهل الكبائر يردون ويشربون وإذا دخلوا النار بعد ذلك لم يعذبوا بالعطش (١) انتهى.
فأهل البدع مطرودون عن حوض النبي -ﷺ- ومردودون عن الشرب منه واللَّه أعلم.
الرابع: جاء في الأخبار أن لكل نبي حوضًا.
فأخرج الترمذي من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن لكل نبي حوضًا ترده أمته وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة (٢) وإنى أرجو أن أكون أكثرهم واردة" (٣).
وورد في بعض الأخبار "أن لكل نبي حوضًا إلا صالحًا ﵇ فإن حوضه ضرع ناقته" (٤). وباللَّه التوفيق
ولا تنكرن جهلًا وعنادًا (الميزان) الذي توزن به الحسنات والسيئات لأنه حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ
_________________
(١) التذكرة للقرطبي (ص ٣٦٧) باختصار، ونقله الشارح في لوامع الأنوار (٢/ ٢٠٠).
(٢) واردة: الجماعة ترد الماء. جامع الأصول (١٠/ ٤٦٧).
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه رقم (٢٤٤٣) كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في صفة الحوض. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي -ﷺ- مرسلًا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح".
(٤) نسبه القرطبي في التذكرة: (٣٦٨) إلى البكرى المعروف بابن الواسطي. =
[ ٢ / ١٧٨ ]
شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩].
وفي صدر الآية: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨].
وأما السنة فبلغت مبلغ التواتر وسنذكر طرفًا منها قريبًا.
وأما الإجماع فأجمع أكابر محققي هذه الأمة من أهل السنة (١) بأن الإيمان بثبوت الوزن والميزان حق واجب وفرض لازب (٢) لثبوته بالسماع وعدم استحالة ذلك عقلًا (٣).
_________________
(١) = قلت: ومثل هذا الخبر لايثبت إلا بدليل صحيح عن النبي -ﷺ-. واللَّه أعلم.
(٢) المناسب أن يقول: أجمع أهل السنة.
(٣) لازب: اللازب الثابت وهو أفصح من اللازم. مختار الصحاح (٥٩٧) لزب.
(٤) علمًا بأن أمور الغيب التي أخبر بها الرسول -ﷺ- يجب الإيمان بها والتسليم لها وإن لم تحط بها العقول وتدرك حقيقتها وهذه فائدة الوحي والإيمان بالغيب ومن أكبر الجهل قياس عالم الغيب على عالم الشهادة وتحكيم العقل في ما لا مجال للعقل فيه، لأن اللَّه جعل للعقول حدا تنتهي إليه ولم يجعلها تحيط بكل شيء وما ضل كثير من المبتدعة من المعتزلة وغيرهم. وردوا كثيرًا من الأحاديث النبوبة الصحيحة الصريحة إلا بدعوى مخالفتها للعقل. وليس معنى هذا القاء العقل جانبًا فالبحث العقلي ليس مذمومًا على الإطلاق إنما يذم إذا اكتفى به عن الأدلة الشرعية أو قدم عليها أو عارض نصوص الدين. أما أبحاث العقيدة التي يستدل بها على وحدانية اللَّه تعالى وعلمه وقدرته وحكمته وعظمته، والبعث والجزاء فقد طالب القرآن العقل البشري أن ينظر فيها ويتفكر فيها فهي أدلة تدعم الإيمان وتزيد في تثبيت الاعتقاد. ولهذا يجد المتأمل في كتاب اللَّه تعالى الآيات الكثيرة التي تحث العقل البشري على التأمل =
[ ٢ / ١٧٩ ]
وهو من مراتب المعاد الواجب اعتقادها على جميع العباد وهي البعث والنشور ثم (١) القيام لرب العالمين ثم العرض ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين والشمال ثم السؤال والحساب ثم الميزان.
قال علماؤنا كغيرهم: نؤمن لأن بالميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق قالوا وله لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال.
قال العلامة الشيخ مرعي (٢) في بهجته: "الصحيح أن المراد بالميزان الميزان الحقيقى لا مجرد العدل خلافًا لبعضهم" (٣).
وقال أبو المعالى (٤) من علمائنا في عقيدته: "واللَّه تعالى يضع ميزانًا يوم القيامة توزن به الصحائف التي تكون فيها أعمال العباد مكتوبة، قال: وله كفتان إحداهما للحسنات وهي تهوي إلى الجنة والأخرى للسيئات وهي تهوي إلى النار، ويجعل رجحان طاعاته علامة على أنه من أهل الجنة وخفتها علامة لشقوته خلافًا لأهل الاعتزال في إنكارهم الميزان، قالوا لا يجوز أن ينصب ميزان أصلًا، قالوا لأن الأعمال أعراض إن أمكن إعادتها لم يمكن وزنها ولأنها مملومة للَّه فوزنها عبثًا.
وأجاب بعض أهل الكلام عن كون الأعراض لا توزن بأنه قد ورد في الحديث أن كتب الأعمال هي التي توزن وحينئذ فلا إشكال.
وعن الثاني على تقدير كون أفعال اللَّه تعالى معللة بالأعراض لعل في الوزن حكمة لا نطع عليها وعدم اطلاعنا على الحكمة لا يوجب العبث" (٥) انتهى.
_________________
(١) = والتفكر والتبصر. واللَّه أعلم. (راجع مقدمة الإبانة لابن بطة ومقدمة السنة لللالكائي).
(٢) في "ظ" الحشر.
(٣) تقدم (٢/ ١٧٢).
(٤) انظر: تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان للشيخ مرعي (ص ٥٠ - ٥١).
(٥) أبو المعالي تقدم (٢/ ١٥٠).
(٦) قال ابن الجوزي ﵀ في تفسيره: "لوزن الأعمال خمس حكم: =
[ ٢ / ١٨٠ ]
وأقول: نهج المعتزلة مباين لنهج الرسول فإن اللَّه تعالى قادر على تجسيم الأعراض والإتيان بها في أحسن صورة وأقبح صورة وهذا غير محال في العقل وقد ثبت به النقل فوجب إعتقاده والمصير إليه كما ستقف على طرف مما ورد من ذلك واللَّه أعلم.
ولكون (١) الإيمان بالميزان ذي الكفتين واللسان من معتقدات أهل السنة وإنكاره من شعار أهل الاعتزال.
قال الناظم رحمه اللَّه تعالى: (إنك) أيها المستمع لنظامي المتفهم لمنطوق كلامي: (تنصح): بضم المثناة الفوقية وفتح الصاد المهملة بينهما نون ساكنة مبنيًا للمفعول والنصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن (هذا) (٢) المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها.
وأصل النصح في اللغة الخلوص. يقال نصحته ونصحت له، ومعنى نصيحة اللَّه تعالى صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب اللَّه
_________________
(١) = إحداها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا. والثانية إظهار علامة السعادة والشقاء في الآخرة. والثالثة تعريف العباد ما لهم من خير وشر. والرابعة إقامة الحجة عليهم. والخامسة الإعلام بأن اللَّه عادل لا يظلم. ونظير هذا أنه أثبت الأعمال في كتاب واستنسخها من غير جواز النسيان عليه" انتهى. راجع زاد المسير (٣/ ١٧٠ - ١٧١). وانظر جواب ابن جرير ﵀أيضًا- عن ذلك في تفسيره (ج ٨/ ١٢٣ - ١٢٤). وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (ص ٤٧٤ - ٤٧٥). وانظر: هذا الاعتراض والجواب عنه في شرح العقائد النسفية (ص ٣٧)، رفي المواقف في علم الكلام (ص ٣٨٤)، وفي شرح المقاصد (٥/ ١٢٠ - ١٢١)، وفي البرهان (ص ٥١) وما بعدها.
(٢) في "ظ" ويكون.
(٣) في"ظ" لهذا المعنى.
[ ٢ / ١٨١ ]
الأحاديث والآثار الواردة في الميزان
تعالى: هو التصديق به والعمل بما فيه، ونصيحة الرسول -ﷺ-: التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به والانكفاف عما نهى عنه ونصيحة الأئمة: أن يطاعوا في الحق ولا يرى الخروج عليهم ولو جاروا.
ونصيحة عامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم وبيان ما يجب عليهم وإيضاح معتقدهم على نهج السلف، ومجانبة الخوض فيما لا تدركه عقولهم من غوامض العلوم (١).
إذا عرفت هذا فألق لبك لما أذكره لك من الأخبار وأتحفك به من الآثار.
فأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضه" ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢) [الكهف: ١٠٥].
وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵄ في حديث سؤال جبريل عن الإيمان فال: يا محمد ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله (وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت) (٣) وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: نعم. قال: صدقت" (٤).
_________________
(١) يبين المؤلف رحمه اللَّه تعالى في كلامه هذا معنى الحديث الذي جاء عن النبي -ﷺ- في قوله: "الدين النصيحة" قلنا لمن يارسول اللَّه؟ قال: للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمبن وعامتهم" رواه مسلم رقم (٥٥) عن أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁. وانظر شرح الحديث في جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/ ١٨٥) وما بعدها.
(٢) وأما الحديث فأخرجه البخاري (٨/ ٢٧٩) رقم (٤٧٢٩) في التفسير في تفسير سورة الكهف باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ. . .﴾، ومسلم رقم (٢٧٨٥) في صفة القيامة.
(٣) ما بين القوسبن ساقط من "ظ".
(٤) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (ص ١٣١) رقم (١٦١) مختصرًا ورواه في شعب =
[ ٢ / ١٨٢ ]
وأخرج الحاكم وصححه وقال على شرط مسلم عن سلمان الفارسي ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعهن فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموس فتقول الملائكة من تجيز على هذا؟ فيقول من شئت من خلقي فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك" (١).
وأخرجه الإمام عبد اللَّه بن المبارك في "الزهد" (٢) والآجري في "الشريعة" (٣) عن سلمان موقوفًا.
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: "الميزان له لسان وكفتان" (٥).
وأخرج ابن جرير (٦) في تفسيره وابن أبي الدنيا (٧) عن حذيفة ﵁ قال: "صاحب الموازين يوم القيامة جبريل ﵇" (٨).
_________________
(١) = الإيمان (ج ٢/ ٥٦ - ٥٧) رقم (٢٧٤) وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (ج ٤/ ٥٨٦)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وأقره الذهبي.
(٣) الزهد (ص ٤٧٨).
(٤) الشريعة (ص ٣٨٢) وأخرجه اللالكائي في السنة رقم (٢٢٠٨)، موقوفًا على سلمان ﵁ لكن مثل هذا له حكم الرفع.
(٥) أبو الشيخ: عبد اللَّه بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ محدث حافظ ثقة صاحب مصنفات، ولد سنة أربع وسبعين ومائتين، وتوفى سنة تسع وستين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٦)، ومقدمة كتابه العظمة.
(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤١٨)، وفي البدور المسافرة (٢٢٩)، وعزاه لأبي الشيخ في تفسيره من طريق الكلبي.
(٧) ابن جرير تقدم (١/ ٢٦١).
(٨) ابن أبي الدنيا تقدم (١/ ٢٧٣).
(٩) تفسير ابن جرير (٨/ ١٢٣)، واللالكائي (٢٢٠٩).
[ ٢ / ١٨٣ ]
وقال الحسن البصري (١) رحمه اللَّه تعالى: "هو ميزان له لسان وكفتان وهو بيد جبريل ﵇" (٢).
وأخرج ابن مردويه (٣) في تفسيره عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "خلق اللَّه كفتي الميزان مثل السماء والأرض. فقالت الملائكة: يا ربنا لمن تزن بهذه؟. قال: أزن به من شئت، وخلق اللَّه الصراط كحد السيف فقالت الملائكة: يا ربنا من تجيز على هذا؟ قال: أجيز عليه من شئت" (٤).
وروى أن داود ﵇ سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشى عليه فلما أفاق قال إلهي من ذا الذي يقدر يملأ كفة حسناته؟ فقال إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة" (٥).
ذكره البزار (٦) والثعلبي (٧).
وقال عبد اللَّه بن سلام ﵁: "إن ميزان رب العالمين ينصب للجن
_________________
(١) الحسن البصري (١/ ١٩٣).
(٢) زاد المسير لابن الجوزي (٣/ ١٧١)، والدر المنثور (٣/ ٤١٨)، وأخرجه اللالكائي في السنة رقم (٢٢١٠).
(٣) ابن مردويه تقدم (١/ ٢٨٨).
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه، وقد تقدم قبل قليل نحوه عن سلمان ﵁ مرفوعًا. انظر: الدر المنثور (٣/ ٤٢٠).
(٥) ذكره ابن الجوزي في تفسيره (٥/ ٣ / ١٧١)، والبغوي في تفسيره (٥/ ٤٩١) بدون عزو، ولم أجده في مظانه في كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي.
(٦) البزار تقدم (١/ ٢٠٠).
(٧) تقدم (١/ ٣٧٥).
[ ٢ / ١٨٤ ]
والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتيه على الجنة والأخرى على جهنم لو وضعت السموات والأرض في إحداهما لوسعتهن، وجبريل ﵇ آخذ بعموده ينظر إلى لسانه" (١).
ففي هذا أن أعمال الجن توزن كما توزن أعمال الإنس، وكذلك ارتضاه الأئمة (٢) قاله العلامة الشيخ مرعي في "بهجته" (٣).
قال القرطبي في "تذكرته": المتقون توضع حسانهم في الكفة النيرة وصغايرهم في الكفة الأخرى فلا يجعل اللَّه لتلك الصغائر وزنا وتثقل الكفة النيرة حتى لا ترتفع وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية".
قال: وأما الكفار فيوضع كفرهم وأوزارهم في الكفة المظلمة وإن كان لهم أعمال بر، وضعت في الكفة الأخرى فلا تقاومها إظهارًا لفضل المتقين وذل الكافرين" (٤).
وأخرج البزار والبيهقي في البعث عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان يوكل به ملك، فإن ثقل
_________________
(١) ذكره الفخر الرازي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ولم أهتد إلى من أخرجه مسندًا.
(٢) في "ظ" كما قاله.
(٣) وقاله أيضًا في كتابه تحقيق البرهان (ص ٦٤).
(٤) وكل هذه الأقوال وما في حكمها من الأخبار عن يوم القيامة والحساب والجزاء ونحوها من الأمور الغيبية لا تثبت الا بدليل من الكتاب أو السنة الصحيحة. قال ابن عطية في تفسيره: (٧/ ١٣): "ورويت في خبر الميزان آثار عن صحابة وتابعين في هيئته وطوله وأحواله لم تصح بالإسناد، فلم نر للإطاله بها وجها" انتهى.
[ ٢ / ١٨٥ ]
ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان بن فلان، سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خفت موازينة (١) نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: ألا شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا" (٢).
وأخرج ابن أبي حاتم (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: "يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، قال: وإن الميزان تخف بمثقال حبة وترجح، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط (٤).
وأخرج البزار بسند حسن عن ابن عباس ﵄ عن النبي -ﷺ- عن الروح الأمين قال: (قال الرب ﵎) (٥): يؤتى بسيئات العبد وحسناته
_________________
(١) في النسختين: ميزانه والمثبت من المصادر وهو الصحيح.
(٢) أخرجه البزار - كشف الأستار (٤/ ١٦٠) (٣٤٤٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٠) "وفيه صالح المري وهو مجمع على ضعفه". قلت: وفي سنده أيضا داود بن المحبر متروك، بل متهم بالوضع، وأخرجه البيهقي كما في النهاية لابن كثير (٢/ ٦٣) وقال ضعيف بمرة؛ وقال الشيخ ناصر الألباني في تخريج الطحاوية (ص ٤٧٤) "موضوع".
(٣) ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الغطفاني من تميم بن حنظلة بن يربوع الرازي يكنى أبا محمد علامة حافظ محدث فقيه مفسر مصنف، من مؤلفاته: الجرح والتعديل، طبع في تسعة مجلدات وغيره، توفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٣)؛ وطبقات الحنابلة (٢/ ٥٥)، وطبقات السبكي (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٨)؛ والبداية والنهاية (١١/ ١٩١).
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤١٨) إلى ابن أبي حاتم.
(٥) ما بين القوسين ليس في النسختين وأثبته من مصادر الحديث.
[ ٢ / ١٨٦ ]
فيقتص بعضها ببعض فإن بقيت له حسنة واحدة وسع اللَّه له في الجنة (١).
وأخرج الحاكم والبيهقي والآجري عن عائشة -﵂- قالت: قلت يا رسول اللَّه هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال: "أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه أو يخف، وحيث تطاير الكتب حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أو شماله أو من وراء ظهره، وحيث يوضع الصراط حتى يعلم ينجو أم لا ينجو" (٢).
ورواه الآجري أيضًا عنها -﵂- بلفظ: "قلت يا رسول اللَّه هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: " أما عند ثلاث فلا" وذكر الميزان والكتب والثالث حين يخرج عنق من النار فيقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة وكلت بالذي دعى مع اللَّه إلها آخر، ووكلت بكل جبار عنيد، وبكل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (٣).
_________________
(١) الحديث أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٦٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٥): "رواه البزار ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم". وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٢) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) رواه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد (٤٧٩) عن الحسن مرسلًا؛ وأخرجه ابن أبي شيبة في المصف (١٣/ ٢٥٠)؛ وأحمد في المسند (٦/ ١٠١) عن عائشة مختصرًا؛ وأخرجه أبو داود في سننه (٤٧٥٥) في باب السنة، باب في ذكر الميزان؛ والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٨)، والآجري في الشريعة (٣٨٥)؛ وقال الحاكم -بعد إيراده-: "هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة ﵂ وأم سلمة".
(٣) هذه الرواية أخرجها الإمام أحمد في المسند (٦/ ١١٠)، والآجري في الشريعة (٣٨٤)؛ وأوردها الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٨ - ٣٥٩) وقال: "رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح".
[ ٢ / ١٨٧ ]
فوائد:
إحداها: أخرج الإمام أحمد في الزهد من طريق رباح بن زيد عن أبي الجراح عن رجل يقال له خازم أن النبي -ﷺ- نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي، فقال من هذا؟ قال: فلان. قال جبريل ﵇ إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن اللَّه يطفي بالدمعة بحورًا من نيران جهنم" (١).
وأخرج البيهقي عن مسلم بن يسار (٢) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما اغرورقت عين بمائها الا حرم اللَّه سائر ذلك الجسد على النار، ولا سالت قطرة: على خدها فيرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، ولو أن باكيًا بكى في أمة من الأمم رحموا، وما من شيء إلا له مقدار وميزان إلا الدمعة فإنها يطفأ بها بحار من النار" (٣).
الثانية: أخرج الترمذي وحسنه من حديث أنس بن مالك قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- أن يشفع لي يوم القيامة فقال: "أنا فاعل إن شاء اللَّه. قلت: فأين أطلبك؟ قال: أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم القك على الصراط؟ قال: فاطلبني عند الميزان، قلت: فإن لم القك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند الحوض،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في الزهد (٢٧) وفيه مجهول.
(٢) مسلم بن يسار البصري: نزيل مكة أبو عبد اللَّه الفقيه ثقة عابد، مات سنة مائة أو بعدها بقليل. تقريب (ص ٣٣٦).
(٣) رواه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ١٠١ - ١٠٢) رقم (٧٩٠) وقال البيهقي: "وهذا مرسل"، وقد روى من قول الحسن البصري ثم أورده بسنده عن الحسن البصر، وأورده المنذري في الترغيب (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦) وقال: "رواه البيهقي هكذا مرسلًا، وفيه راو لم يسم. وروي عن الحسن البصري وأبي عمران الجويني وخالد بن معدان وهو أشبه" انتهى.
[ ٢ / ١٨٨ ]
فأني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن" (١) ورواه البيهقي في الشعب وغيره.
الثالثة: أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن" (٢).
وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- من قضى لأخيه حاجة كنت واقفا عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له" (٣).
وأخرج البزار والطبراني وأبو يعلى وابن أبي الدنيا والبيهقي بسند حسن عن أنس ﵁ قال: لقي رسول اللَّه -ﷺ- أبا ذر فقال: "يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما. قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما" (٤).
_________________
(١) رواه الترمذي في جامعة رقم (٢٤٣٣) في صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الصراط. وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
(٢) رواه أبو داود في سننه رقم (٤٧٩٩) في الأدب، باب في حسن الخلق؛ والترمذي في جامعة رقم (٢٠٠٢) في البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق وقال: "حسن صحيح". وأخرجه ابن حبان في صحيحه -الإحسان- (١/ ٣٥٠).
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٥٣) وقال: "غريب من حديث مالك تفرد به الغفاري". قلت: الغفاري هذا هو عبد اللَّه بن إبراهيم الغفاري، قال الحافظ في التقريب (١٦٧): "متروك ونسبه ابن حبان إلى الوضع". انتهى.
(٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ٢٢٠)؛ والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢)؛ وأبو يعلى في مسنده (٦/ ٥٣) رقم (٣٢٩٨) وابن أبي الدنيا في كتاب "آداب الصمت وآداب اللسان" (ص ٥٢٩ - ٥٣٠) رقم (٥٥٨)؛ وابن حبان في المجروحين (١/ ١٩١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢، ١٠/ ٣٠١)؛ وابن حجر =
[ ٢ / ١٨٩ ]
الرابعة: أخرج الأصبهاني (١) عن الليث بن سعد (٢) -رحمه اللَّه تعالى- قال: قال عيسى بن مريم ﵇: "أمة محمد -ﷺ- أثقل الناس في الميزان ذلت ألسنتهم بكلمة ثقلت (٣) على من كان قبلهم، لا إله إلا اللَّه" (٤).
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن ابن عمرو ﵄ عن النبي -ﷺ- قال: "خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح في دبر كل صلاة عشرًا ويحمد عشرًا، ويكبر عشرًا، فذلك خمسون ومائة (باللسان) (٥) وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويسبح ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان وأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة" (٦).
_________________
(١) = في المطالب العالية (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨). وقال الهيثمي في الموضع الأول "رواه أبو يعلى، والطبراني في الأوسط، ورجال أبي يعلى ثقات" وقال في الموضع الثاني "رواه البزار وفيه (شنار كذا وهو تصحيف) بثمار بن الحكم وهو ضعيف". قلت: مدار الحديث عندهم على بشار بن الحكم الضبي البصري، قال أبو زرعة منكر الحديث، وقال ابن حبان يتفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه. . . ". الميزان (١/ ٣٠٩).
(٢) الأصبهاني: إسماعيل بن محمد، تقدم (١/ ٢٩٢).
(٣) الليث بن سعد: تقدم (١/ ٣٠٤).
(٤) في"ظ": تولت.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤٢٣) إلى الأصبهاني في الترغيب.
(٦) ليست في النسختين وأثبتها من السنن.
(٧) الحديث رواه أبو داود في سننه رقم (٥٠٦٥) في الأدب، باب في التسبيح عند النوم، =
[ ٢ / ١٩٠ ]
وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن أبي سلمى قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- "بخ بخ (١) لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه" (٢).
وأخرج مثله الإمام أحمد من حديث (أبي أمامة) (٣) والبزار من حديث ثوبان (٤) والطبراني في الأوسط من حديث سفينة ﵃، ولفظ الطبراني "وفرط صالح للرجل" (٥) وهو أعم من الولد.
_________________
(١) = والترمذي في جامعه (٣٤١٠) في الدعوات، باب ما جاء في التسبيح والتكبير والتحميد عند المنام؛ والنسائي في سننه (٣/ ٦٢ - ٦٣)؛ وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢٣٠ - ٢٣٣) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد ذكر الشارح الحديث هنا من رواية ابن عمر، وهو وهم، والصواب أنه من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄، كما في مصادر تخريج الحديث. واللَّه أعلم.
(٢) بخ، بح: هي كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرر للمبالغة وهي مبنية على السكون فإن وَصَلْتَ جَرَرْتَ وَنَوّنْتَ فقلت بخ بخ، وربما شُدّدت، وبخبخت الرجل، إذا قلت له ذلك ومعناها: تعظيم الأمر وتفخيمه" النهاية: (١/ ١٠١).
(٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢١٥) رقم (١٦٧)؛ وابن حبان في صحيحه. الإحسان (٢/ ٩٩ - ١٠٠)؛ والحاكم (١/ ٥١١ - ٥١٢)؛ وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
(٤) في النسختين أبي أسامة، وهو في المسند (٥/ ٢٥٣) عن أبي أمامة وهو الصحيح.
(٥) كشف الأستار (٤/ ٩) رقم (٣٠٧٢) وحسن إسناده، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٨) العباس بن عبد العظيم الباسانى شيخ البزار لم أعرفه.
(٦) الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨ - ٨٩)، قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
[ ٢ / ١٩١ ]
وأخرج الحاكم عن (أبي الأزهر) (١) الأنماري -﵁- قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا أخذ مضجعه قال: "اللهم اغفر لي، واخسئ شيطاني، وفك رهاني، وثقل ميزاني، واجعلني في الندى (٢) الأعلى" (٣).
وأخرج ابن عبد البر (٤) في فضل العلم بسنده عن إبراهيم النخعي (٥) قال: "يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء مثل الغمام فيوضع في كفة ميزانه فيرجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا، فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تحدثه الناس" (٦).
وأخرج ابن المبارك (٧) نحوه عن حماد بن أبي سليمان (٨) قال: "يجيء رجل
_________________
(١) في الأصل: (عن أبي زهيرة) والكلمة غير واضحة فيها، وفي "ظ" (عن أبي زهبر). قال الحافظ في الإصابة (١١/ ١١: "أبو الأزهر الأنماري، ويقال أبو زهير".
(٢) الندى: قال الخطابي: "الندى القوم المجتمعون في مجلس، ومثله النادي ويجمع على الأندبة. . . يريد -ﷺ- بالندى الأعلى: الملأ الأعلى من الملائكة". معالم السنن (٧/ ٣٢٢).
(٣) الحديث أخرجه أبو داود في سننه (٥٠٥٤) في الأدب، باب ما يقول عند النوم، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٧١٦)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٠)؛ وصححه ووافقه الذهبي؛ وحسنه النووي في الأذكار رقم (٢٢٩).
(٤) ابن عبد البر تقدم (١/ ١١٩).
(٥) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي الفقيه ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، مات سنة ست وتسعين وهو ابن خمسين أو نحوها. تقريب (ص ٢٤).
(٦) رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٤٦ - ٤٧)، وابن أبي الدنيا كما في النهاية لابن كثير (٢/ ٦٤ - ٦٥).
(٧) ابن المبارك تقدم (١/ ١٨٤).
(٨) حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم أبو إسماعيل الكوفي: فقيه صدوق له =
[ ٢ / ١٩٢ ]
يوم القيامة فيرى عمله محتقرًا فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع في ميزانه، فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس من خير (فورث بعدك) (١) فأجرت فيه" (٢).
الخامسة: وهي من تتمة ما قبلها: أخرج البزار والحاكم عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه، فقال: آمركما بلا إله إلا اللَّه، فإن السموات والأرض وما فيهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا اللَّه في الكفة الأخرى كانت أرجح منهما" (٣).
وأخرج أبو يعلى (٤)؛ وابن حبان (٥)؛ والحاكم، وصححه عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: قال موسى يا رب علمني شيئًا
_________________
(١) = أوهام، مات سنة عشرين ومائة أو قبلها. تقريب (ص ٨٢).
(٢) في "ظ" قررت بعدي وهو خطأ.
(٣) أخرجه عبد اللَّه بن المبارك في الزهد (ص ٤٨٦ - ٤٨٧)؛ وانظر: الدر المنثور (٣/ ٤٢٣).
(٤) الحديث ورد من رواية عبد اللَّه بن عمر ﵄، ومن رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، رواه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص الإمام أحمد في المسند (٢/ ١٦٩ - ١٧٠، ٢٢٥) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٨ - ٤٩) وصححه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠)؛ وقال: رواه أحمد والطبراني بنحوه. . . ورجال أحمد ثقات. ورواه عن ابن عمر البزار -كما في كشف الأستار (٤/ ٧ - ٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٤): "وفيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس وهو ثقه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وانظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٦٩٩ - ٧٠٠).
(٥) أبو يعلى: تقدم (١/ ١٣٧).
(٦) ابن حبان: تقدم (١/ ١٩٩).
[ ٢ / ١٩٣ ]
الأول: هل هو ميزان واحد أو أكثر؟
أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسىى "لا إله إلا اللَّه"، قال: كل عبادك يقول هذا، قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا اللَّه في كفه، مالت بهن لا إله إلا اللَّه" (١).
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "والذي نفسي بيده لو جئ بالسموات والأرض ومن فيهن، وما بينهن، وما تحتهن، فوضعت في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله الا اللَّه في الكفة الأخرى، لرجحت بهن" (٢). واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات:
الأول: الأصح الأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال كفتاه كأطباق السموات والأرض (٣) كما مر.
_________________
(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٨٣٤) و(١١٤١)؛ وأبو يعلى (٢/ ٥٢٨) رقم (١٣٩٣)؛ وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (٨/ ٣٥)؛ والحاكم (١/ ٥٢٨ - ٥٢٩)؛ وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٢٨)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٢٨)؛ والبغوي في شرح السنة (٥/ ٥٤) كلهم من طريق دراج بن السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد أن عزاه لأبي يعلى، ورجاله وثقوا، وفيهم ضعف (١٠/ ٨٢)؛ وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١١). وانظر: الترغيب والترهيب (٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٥٤) بزيادة فيه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٢٣): "ورجاله ثقات إلا أن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس".
(٣) ورجحه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٥٤٧)؛ والمؤلف في لوامع الأنوار =
[ ٢ / ١٩٤ ]
وقيل لكل أمة ميزان (١).
وقال الحسن البصري: "لكل واحد من المكلفين ميزان" (٢).
واستظهر بعضهم (٣) إثبات موازين يوم القيامة، لا ميزان واحد لظاهر قوله ﷿: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨].
وقال: "لا يبعد على هذا أن يكون لأعمال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان" (٤).
ورد هذا ابن عطية (٥) وقال: "الناس على خلافه وإنما لكل واحد وزن مختص به والميزان واحد" (٦).
_________________
(١) = (٢/ ١٨٦)؛ وانظر تفسير ابن كثير مع البغوي (٥/ ٤٩٠).
(٢) ذكره المؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ١٨٦).
(٣) ذكره عنه ابن عطية في تفسيره (٧/ ١٣).
(٤) هو: الفخر الرازي كما في تفسيره (١٤/ ٢٥).
(٥) انظر: تفسير الرازي (١٤/ ٢٥).
(٦) ابن عطية: عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي أبو محمد: من أهل غرناطة، ولد سنة ٤٨١، أحد القضاة المشهورين بالبلاد الأندلسية، وصدور رجالها ينتمي إلى بيت علم وفضل، كان فقيهًا عالمًا بالتفسير والأحكام والحديث، وكان لغويًا أديبًا شاعرًا، ومن مصنفاته: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، طبع، توفى سنة ٥٤٦. مقدمة كتابه فهرس ابن عطية؛ وبغية الملتمس (ص ٣٨٩)؛ والمعجم لابن الآبار (ص ٢٦٩)؛ والصلة لابن بشكوال (٢/ ٣٨٦).
(٧) انظر: تفسير ابن عطية (٧/ ١٣).
[ ٢ / ١٩٥ ]
الثاني: الخلاف في الموزون
وقال بعضهم: إنما جمع الموازين في الآية الكريمة لكثرة من توزن أعمالهم، وهو حسن (١) وباللَّه التوفيق.
الثاني: اختلف في الموزون (٢) فقيل العبد مع عمله، وقيل الموزون نفس الأعمال، فتصور الأعمال الصالحات بصور حسنة نورانية ثم تطرح في كفة النور، وهي اليمنى المعدة للحسنات فتثقل بفضل اللَّه سبحانه، وتصور الأعمال السيئة بصور قبيحة ظلمانية، ثم تطرح في الكفة المظلمة، وهي الشمال المعدة للسيئات فتخف بعدل اللَّه كما في الحديث وتقدم.
فادعاء امتناع قلب الحقائق في مقام خرق العادات غير ملتفت إليه كما لا يخفى وتقدمت الإشارة إليه، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلق أجسامًا على عدد تلك الأعمال من غير قلب لها (٣).
والصحيح أن الموزون صحف الأعمال.
وصححه إمام المغرب ابن عبد البر (٤)؛ والقرطبي (٥)؛ وأبو المعالي في عقيدته.
وقال العلامة ابن حمدان (٦) في "نهاية المبتدئين": والميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات نص عليه أي الإمام أحمد ﵁ ذكره أبو الفضل التميمي" (٧).
_________________
(١) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٦).
(٢) في "ظ" الوزن.
(٣) حاشيه جوهرة: التوحيد (ص ١٧٩).
(٤) ذكرها المؤلف في اللوامع (٢/ ١٨٧)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٤٣).
(٥) كما في تفسيره (٧/ ١٦٤ - ١٦٥)؛ وفي التذكرة (ص ٣٧٧).
(٦) ابن حمدان تقدم (١/ ١٥٣).
(٧) التميمي: تقدم (١/ ٣٤١). وانظر معتقد الإمام أحمد رواية التميمي في طبقات الحنابلة =
[ ٢ / ١٩٦ ]
قال: "وإن له لسانًا وكفتين توزن به صحائف الأعمال".
وقال ابن عقيل: (١) "توزن فيه أعمال العباد بمعنى أنهم يعرفون مقاديرها عند رجحانه ونقصانه، قال: ويحتمل أن يكون المطروح فيه الصحف لتعذر بقاء الأعمال، وصوبه الشيخ مرعي في بهجته وذهب إليه جمهور المفسرين (٢).
وقد سئل -ﷺ- عما يوزن يوم القيامة، فقال: الصحف (٣). ذكره الفخر الرازي (٤) وغيره. وحكاه ابن عطية عن أبي (٥) المعالي (٦).
يؤيد ذلك ما رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إن اللَّه يستخلص رجلًا من أمتي" وفي لفظ: "يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مثل مد البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يارب، فيقول: أفلك عذر أو حسنة؟ فيقول: لا يارب، فيقول اللَّه:
_________________
(١) = (٢/ ٣٠٣)؛ والسنة للآلكائي رقم (٢٢٢٢).
(٢) ابن عقيل: تقدم (١/ ٢٤٨).
(٣) قال البيضاوى في تفسيره (١/ ٣٣٢) الجمهور على أن صحائف الأعمال هي التي توزن.
(٤) ذكره الفخر الرازي في تفسيره (١٤/ ٢٤) ولم يسنده.
(٥) الفخر الرازي: تقدم (١/ ١٨٦).
(٦) في النسختين "ابن أبي المعالي" وقد تقدم (٢/ ١٥٠). والذي في اللوامع للمؤلف (٢/ ١٨٧) "أبي المعالي" ولعله الصحيح، وأبو المعالي، هنا هو الجويني، وقد تقدت ترجمته (١/ ١٣٧).
(٧) انظر: تفسير ابن عطية (٧/ ١٣)؛ وانظر العقيدة النظامية (ص ٨٠ - ٨١)؛ والإرشاد (ص ٣٧٩ - ٣٨٠) كلاهما لأبي المعالي الجويني.
[ ٢ / ١٩٧ ]
بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول احضر وزنك، فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم اللَّه شيء" (١).
فثبت بهذا الحديث الصحيح أن الموزون صحائف الأعمال كما صوبه العلامة الشيخ مرعي في بهجته، وهو الحق (٢).
ومثله ما أخرجه سيدنا الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن عمرو أيضًا -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة ويوضع ما أحصى عليه في كفة فتمايل به الميزان، فيبعث به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صايح يصيح من عند الرحمن لا تعجلوا، لا تعجلوا، فإنه قد بقي له فيؤتى ببطاقة فيها لا إله الا اللَّه، فتوضع مع الرجل في كفته حتى تميل به الميزان" (٣).
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢١٣)؛ والترمذي (٢٦٣٩) في الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا اللَّه؛ وابن ماجة (٤٣٠٠)؛ وابن حبان في صحيحه -كما في موارد الظمآن رقم (٢٥٢٤) (ص ٦٢٥)؛ والحاكم (١/ ٦، ٥٢٩) والبغوي في شرح السنة (١٥/ ١٣٣ - ١٣٤). وحسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي. وانظر السلسلة الصحيحة رقم (١٣٥).
(٢) وصوبه الشيخ مرعي في "تحقيق البرهان" (٥٨ - ٥٩)؛ ونقله عنه الشارح في لوامع الأنوار (٢/ ١٨٧) موافقًا له.
(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)؛ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٢). =
[ ٢ / ١٩٨ ]
فإن قيل: قد صرح في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن الوزن لنفس بدن الآدمي حيث قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة" وتقدم (١).
فالجواب: أن هذا ضربه النبي -ﷺ- مثلا للذي يغتر ببعض الأجسام فهو كناية عن عدم الاكتراث بالأجسام، فإن اللَّه لا ينظر للأجسام والأموال، وإنما ينظر للقلوب والأعمال، فكم من جسم وسيم، وهو عند اللَّه من أصحاب الجحيم، وكم من حقير دميم، وهو من أهل القرب والنعيم (٢).
_________________
(١) وقال: "رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٢) انظر (٢/ ١٨٢).
(٣) يتلخص من كلام الشارح ﵀ أن العلماء اختلفوا في الموزون على ثلاثة أقوال:
(٤) أن الموزون العامل مع عمله.
(٥) أن الموزون الأعمال نفسها.
(٦) أن الموزون صحائف الأعمال وهو الذي مال إليه المؤلف ورجحه واستدل له. وهناك قول رابع، وهو أن الموزون هو العامل نفسه. قال الحافظ بن كثير ﵀ في تفسيره (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١) بحد أن ذكر الأقوال في الموزون، قال: "وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها. واللَّه أعلم. انتهى. وقال الشيخ حافظ حكمي -﵀- في كتابه "معارج القبول" (٢/ ١٨٥): "والذي استظهر من النصوص -واللَّه أعلم- أن العامل وعمله وصحيفة عمله، كل ذلك موزن لأن الأحاديث التي في بيان القرآن قد وردت بكل من ذلك ولا منافاة يينها". واستدل بالحديث الذي رواه أحمد وتقدم قبل قليل. ثم قال: "فهذا الحديث يدل على أن العبد يوضع هو وحسناته وصحيفتها في كفة وسيئاته مع صحيفتها في الكفة الأخرى، وهذا غاية الجمع في ما تفرق ذكره في سائر أحاديث الوزن، وللَّه الحمد والمنة" انتهى.
[ ٢ / ١٩٩ ]
الثالث: القول بأن الإيمان لا يوزن والرد عليه
الثالث: زعم النسفي (١) في بحر الكلام: أن الإيمان لا يوزن لأنه لا ضد له يوضع في الكفة الأخرى، إذ ضده الكفر، والإيمان والكفر لا يجتمعان في الواحد (٢).
قلت: ويرد هذا ما قدمناه من وزن كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا اللَّه وهي أس الإيمان.
وانتصر كل من الحكيم الترمذي، والقرطبي لما ذكره النسفي، وأجاب الحكيم الترمذي عن كلمة الإخلاص بأنها إنما تكون إيمانًا أول مرة، وبعد ذلك تكون من حسناته، قال: ويدل عليه قوله -ﷺ-: "بلى إن لك عندنا حسنة ولم يقل إن لك عندنا إيمانًا".
وقد سئل -ﷺ- عن لا إله إلا اللَّه من الحسنات هي فقال: "من أعظم الحسنات" رواه البيهقي وغيره (٣).
_________________
(١) النسفي: ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول أبو المعين النسفي عالم بالأصول والكلام، كان بسمرقند وسكن بخارى من كتبه: بحر الكلام، مطبوع، وتبصرة الأدلة في الكلام؛ والتمهيد لقواعد التوحيد؛ والعمدة في أصول الدين، وغيرها، توفى سنة ٥٠٨ هـ. الجواهر المضيئة (٣/ ٥٢٧)؛ وكشف الظنون (١/ ٢٢٥)؛ والأعلام (٧/ ٣٤١).
(٢) انظر: كتاب الجوهرة المنيفة في شرح وصية الإمام أبي حنيفة (ص ٨٤)؛ والبدور السافرة (ص ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٣) رواه أحمد في المسند (٥/ ١٦٩)؛ وفي الزهد (ص ٢٧)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ١٣٣)؛ وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٧ - ٢١٨) عن أبي ذر وصححه الشيخ ناصر الألباني في الصحيحة رقم (١٣٧٣) وانظر: جامع العلوم والحكم (٢/ ٥) شرح الحديث الثامن عشر. =
[ ٢ / ٢٠٠ ]
التنبيه الرابع: هل الوزن في الآخرة كالوزن في الدنيا؟
قلت: وفيه نظر لا يخفي لأنه ينظر إلى أن الإيمان مجرد التصديق و(هو) (١) خلاف مذهب السلف، فإن الأعمال من الإيمان كما يأتي تحريره.
فإن قيل ما الحكمة في الوزن مع إحاطة علم اللَّه بكل شيء حتى خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟
فالجواب الحكمة في ذلك تعريف اللَّه عبادة ما لهم عنده من الجزاء من خير أو شر قاله الثعلبي.
واختار العلامة الشيخ مرعي أن الحكمة إظهار العدل وبيان الفضل حيث إنه يزن مثاقيل الذر من خير أو شر: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (٢).
الرابع: ظواهر الآثار وأقوال العماء أن كيفية الوزن في الآخرة خفة، وثقلًا كالدنيا ما ثقل نزل إلى أسفل ثم يرفع إلى عليين وما خف طاش إلى أعلى ثم نزل إلى سجين.
وبه صرح جموع منهم القرطبي في تذكرته (٣).
وقد أخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق السدي (٤) الصغير عن
_________________
(١) = وانظر: كلام الحكيم الترمذي والقرطبي هذا في التذكرة (ص ٣٨١). وانظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار للمؤلف (٢/ ١٨٨).
(٢) في النسختين (وهي) والصحيح ما أثبتنا.
(٣) انظر: تحقيق البرهان للشيخ مرعي (ص ٦٥)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٨٨) وانظر ما سبق (٢/ ١٨٠) حول الحكمة في الوزن.
(٤) انظر: التذكرة: (ص ٣٧٨ - ٣٧٩).
(٥) محمد بن مروان بن عبد اللَّه بن إسماعيل السدي بضم المهملة والتشديد وهو الأصغر كوفي متهم بالكذب وهو صاحب الكلبي. الميزان (٤/ ٣٢ - ٣٣)؛ تقريب (ص ٣١٨).
[ ٢ / ٢٠١ ]
الكلبي (١) عن أبي صالح (٢) عن ابن عباس ﵄ قال:
"الميزان له لسان وكفتان توزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فتثقل على السيئات فتؤخذ فتوضع في الجنة عند منازله، ثم يقال للمؤمن: الحق بعملك فينطلق إلى الجنة فيعرف منازله بعمله، ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف والباطل خفيف، فتوضع في جهنم إلى منازله منها، ويقال: الحق بعملك إلى النار فيأتى النار فيعرف منازله بعمله وما أعد اللَّه له فيها من ألوان العذاب".
قال ابن عباس ﵄: "فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمعة راجعين إلى منازلهم" (٣).
ففي كلام ابن عباس ﵁ التصريح بما ذكرنا (٤).
وزعم بعض المتأخرين أن صفة الوزن تخالف الصفة المعهودة في الدنيا فعمل المؤمن إذا رجح صعد (وأسفلت) (٥) سيئاته والكافر تسفل كفته لخلو الأخرى عن
_________________
(١) الكلبي: محمد بن السائب بن بشر الكلبي أبو النضر الكوفي النسابة المفسر متهم بالكذب، مات سنة ١٤٦. تقريب (ص ٢٩٨).
(٢) أبو صالح: باذام بالذال المعجمة، ويقال آخره نون أبو صالح مولى أم هانئ ضعيف مدلس، مات بعد المائة. تهذيب الكمال (٤/ ٦ - ٨)؛ وتقريب (ص ٤٢).
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٩ - ٧٠)؛ وأورده السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٤٢٠)؛ وعزاه البيهقي في شعب الإيمان. وفي إسناده السدي الصغير وشيخه الكلبي، وكلاهما متهم بالكذب.
(٤) ولكن الأثر لم يصح عن ابن عباس.
(٥) كذا في الأصل وفي "ظ" (واستفلت)؛ وفي اللوامع: (وسفلت) ولعله الصحيح.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
التنبيه الخامس: هل الميزان خاص كأهل الإيمان أو عام لسائر الناس؟
الحسنات واستدل لما قال بقول ذي العزة والجلال ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
والجواب عن الآية الكريمة عدم صحة الاستدلال لأن الرفع يكون بعد الوزن، وثقل الميزان كما قدمنا.
وزعم قوم أن صفة الوزن: أن توضع أعمال العباد في الميزان دفعة واحدة الحسنات في كفة النور، وهي عن يمين العرش جهة الجنة والسيئات في كفة الظلمة وهي عن يساره جهة النار، قال: ويخلق اللَّه تعالى لكل إنسان علمًا ضروريًا يدرك به خفة أعماله وثقلها.
قلت: وهذا يشبه قول المعتزلة.
وقيل: علامة الرجحان عمود نور يقوم من كفة الحسنات حتى يكسو كفة السيئات، وعلامة الخفة عمود ظلمة يقوم من كفة السيئات حتى يكسو كفة الحسنات لكل واحد، وهذا من جنس ما قبله (١).
والصواب ما قدمنا واللَّه تعالى أعلم.
الخامس: اختلف في الميزان، هل هو خاص بأهل الإيمان، أو عام لسائر أهل الأديان.
استدل للأول بظاهر قوله تعالى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
وأجاب عنه من يقول بالعموم -وهو المقبول- بأنه مجاز عن عدم الاعتداد بهم،
_________________
(١) والصواب الوقوف مع النصوص لأن الأخبار الغيبية لا تثبت إلا بنص صحيح عن اللَّه، أو عن رسوله -ﷺ- كما قدمنا (٢/ ١٨٥، ١٨٦)
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣ - ١٠٥]. فهذه الآيات في الكفار وتقدم في الحديث.
وأما الكفار فيوضع كفرهم وأوزارهم في الكفة المظلمة، وإن كان لهم أعمال بر وضعت في الكفة الأخرى فلا تقاومها.
نعم ذكر القرطبي أن الميزان لا يكون في حق كل أحد فإن الذين يدخلون الجنة بغير حساب لا ينصب لهم ميزان، وكذلك من يعجل به إلى النار بغير حساب وهم المذكورون في قوله تعالى ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] الآية (١).
قال الجلال السيوطي في البدور السافرة: "وهذا الذي قاله القرطبي حسن يجمع بين القولين والآيتين، فالفريق الذي يعجل بهم هم الذين لا يقام لهم وزن وبقيت الكفار ينصب لهم الميزان".
قال الجلال: "ويحتمل تخصيص الكفار المذكورين بالمنافقين لأنهم هم الذين بيقون في المسلمين، وأهل الكتاب الذين لم يبدلوا بعد لحوق كل أمة بما كانت تعبد كما تقدم في حديث التجلي (٢).
وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها".
وذكر الغزالي أن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لا ينصب لهم ميزان، ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءات مكتوبة هذه براءة فلان ابن
_________________
(١) انظر: كلام القرطبي هذا في التذكرة (ص ٣٧٥).
(٢) انظر (١/ ٢٧١).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
تتمة: في ذكر الصحف، والصراط والحساب ثبوت الصحف بالكتاب والسنة والإجماع
فلان (١). واللَّه ولي الإحسان (٢).
تتمة:
لم يذكر الناظم -رحمه اللَّه تعالى- الصحف ونشرها وأخذها باليمين والشمال، ولا ذكر الصراط ولا الحساب وذلك أنه إنما يشير إلى أمهات مسائل اشتهر فيها خلاف أهل البدع من المعتزلة وغيرهم مما لا يحسن إغفاله في العقائد الدينية، مع أن مما أنكرته المعتزلة أيضًا الصحف، فزعمت المعتزلة أنه عبث مع ثبوتها -كالصراط- بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق.
أما الكتاب فعدة آيات منها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الإنشفاق: ٧ - ١٢].
وفي الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ. .﴾ إلى قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
وقال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠].
_________________
(١) ذكره القرطبي في التذكرة (ص ٣٧٥)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٤١).
(٢) في "ظ" كتب هنا بلغ مقابلة.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
ومعنى طائره: عمله (١).
وقال مقاتل والكلبي: خيره وشره معه لا يفارقه (٢).
وقال الثعلبى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] أي التي فيها أعمال بني آدم نشرت للحساب، وإنما يؤتى بالصحف إلزامًا للعباد، ورفعًا للجدل والعناد، وأنكرته المعتزلة زعما منهم أنه عبث.
وجواب أهل الكلام لهم أفعال اللَّه ليست معللة بالغرض، وعلى تقدير التسليم فلعل في الكتاب حكمة لا نطلع عليها وعدم اطلاعنا عليها لا يوجب العبث.
وقد علمت أن من حكمة ذلك إلزام العباد، وقطع معاذيرهم ورفع الجدال مع إعادة الذكر وإحصاء ما في الصحف وتعدادها على العبد وليعلم العبد أنه ما فرط في الكتاب من شيء فيقولون:
﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] (٣).
وأما السنة: فقد أخرج العقيلي (٤) من حديث أنس ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة يبعث اللَّه ريحًا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خط فيها ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] (٥).
_________________
(١) قالة ابن عباس ومجاهد. تفسير ابن كثير (٥/ ١٥٨).
(٢) تفسير البغوى (٥/ ١٥٨).
(٣) وانظر: ما تقدم من الحكمة في وزن الأعمال (٢/ ١٨٠).
(٤) العقيلي: تقدم (١/ ١٤٦).
(٥) والحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٦٦) من حديث يغنم بن سالم، وقال عنه: =
[ ٢ / ٢٠٦ ]
قال قتادة: (١) "سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئًا في الدنيا" (٢).
وفي سنن الترمذي وحسنه وصحيح ابن حبان والبيهقي والبزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ عنه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. قال: "يدعى الرجل فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستون ذراعًا ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا فإن لكل واحد منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد في جسمه ستون ذراعًا ويجعل على رأسه تاج من نار فيراه أصحابه من بعيد فيقولون: اللهم إنا نعوذ بك من هذا، اللهم لا تأتنا بهذا فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم اللَّه فإن لكل رجل منكم مثل هذا" (٣).
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أيضًا ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان
_________________
(١) = منكر الحديث وقال وعنده -يغنم- عن أنس نسخة أكثرها مناكير" انتهى. وقال ابن حبان: شيخ يضع الحديث على أنس بن مالك روى عنه بنسخة موضوعة لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه، إلا على سبيل الأعتبار" المجروحين (٣/ ١٤٥).
(٢) قتادة تقدم (١/ ١٩٣).
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٣)؛ وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٥/ ٢٥٠).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه (٣١٣٦) في التفسير باب ومن سورة بني إسرائيل؛ وابن حبان -الإحسان- (٩/ ٢٢٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣) والبزار كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٢٠٨). وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
فجدال ومعاذير (١) فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (٢).
وأخرج نحوه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري -﵁- مرفوعًا قال: "وأما الثالثة فتطاير الصحف في الأيدى، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله" (٣).
وأخرجه البيهقي من حديث ابن مسعود -﵁- مرفوعًا قال: "وأما العرضة الثالثة فتطاير الكتب في الأيمان والشمائل" (٤).
قال الحكيم الترمذي: "الجدال للأعداء يجادلون لأنهم لا يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوه نجوا وقامت حجتهم، والمعاذير للَّه تعالى يعتذر إلى آدم وإلى أنبيائه ويقيم حجته عندهم على الأعداء ثم يبعث بهم إلى النار.
والعرضة الثانية للمؤمنين، وهو العرض الأكبر يخلو بهم فيعاتب من (يريد) (٥)
_________________
(١) كذا في النسختين وبعدها في الترمذي: "وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف. . . ".
(٢) الحديث أخرجه الترمذي رقم (٢٤٢٥) في صفة القيامة، باب ما جاء في العرض، وقال: "ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن على الرفاعي عن الحسن عن أبي موسي عن النبي -ﷺ-". قال: "ولا يصح هذا الحديث من قِبَلِ أنَّ الحسن لم يسمع من أبي موسى".
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٤)؛ وابن ماجة رقم (٤٢٧٧) في الزهد باب ذكر البعث. قال البوصيري في الزوائد (٤/ ٢٥٤): "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع الحسن لم يسمع من أبي موسى قاله علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة". ثم ذكر كلام الترمذي في رواية الحسن عن أبي هريرة.
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٩/ ٥٩) والبيهقي في البعث كما في الدر المنثور (٨/ ٢٧١) عن ابن مسعود موقوفًا وسنده حسن، قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٤١٠).
(٥) في الأصل: من يرد والمثبت "ظ"، ومن اللوامع والتذكرة للقرطبي.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
عتابه في تلك الخلوات حتى يذوق وبال الحياء والخجل، ثم يغفر لهم ويرضى عنهم" (١).
فوائد:
الأولى: قال الإمام الجليل سعيد بن المسيب: (٢) "الذي يأخذ كتابه بشماله تلوي يده خلف ظهره ثم يعطى كتابه" (٣).
وقيل: "تنزع من صدره إلى خلف ظهره" (٤).
وقال مجاهد (٥) في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الإنشقاق: ١٠] قال تجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه" (٦).
الثانية: الذي يأخذ كتابه بشماله إما كافر، وإما (فاسقًا) (٧) فإن كان كافرًا أعطي كتابه بشماله من وراء ظهره، بأن تخلع يده أو تدخل من صدره أو تلوى. وإن كان مؤمنًا عاصيًا يعطى كتابه بشماله من أمامه، وأما المؤمن الطائع فيعطى كتابه بيمينه من أمامه (٨).
_________________
(١) انظر كلام الحكيم الترمذي هذا في التذكرة للقرطبي (ص ٣٠٥)؛ وفي لوامع الأنوار للشارح (٢/ ١٨١ - ١٨٢)؛ وفي البدور السافرة للسيوطي (ص ١٨٢).
(٢) سعيد بن المسيب تقدم (١/ ٢٦٢).
(٣) ذكره المؤلف في لوامع الأنوار (٢/ ١٨٢).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير والبغوي (٩/ ١٥١).
(٥) مجاهد: تقدم (١/ ١٩٧).
(٦) تفسير مجاهد (ص ٧٤٢)؛ والدر المنثور (٨/ ٤٥٧).
(٧) في الأصل: (فساق) والمثبت من "ظ".
(٨) انظر: لوامع الأنوار للشارح (٢/ ١٨٣).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
الكلام على الصراط
الثالثة: ورد أن أول من يأخذ كتابه بيمينه من هذه الأمة: أبو سلمة ابن عبد الأسد (١) واسمه عبد اللَّه المخزومي القرشي بن عمة النبي -ﷺ- برة بنت عبد المطب، "وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة (٢)؛ وهو أول من هاجر من مكة هو وزوجته أم المؤمنين أم سلمة إلى الحبشة (٣)، وشهد بدرًا، وكان أخا النبي -ﷺ-، وأخا حمزة بن عبد المطلب من الرضاعة أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب، وشهد الشاهد إلى أن مات بالمدينة سنة أربع (٤).
وروي أن أول من يأخذ كتابه بشماله: الأسود أخو أبي سلمة المذكور، روي أنه يمد يده ليأخذ كتابه فيجذبه ملك فيخلع يده، فيأخذه بشماله من وراء ظهره (٥) واللَّه تعالى أعلم.
وأما الصراط فهو حق ثابت بلا شطاط.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في الأوائل (٨٢) عن ابن عباس موقوفًا؛ والطبراني في الأوائل رقم (٨٢) عن ابن عباس مرفوعًا، وفي إسناده حبيب بن زريق، رماه أبو حاتم وابن عدي بالوضع. الميزان (١/ ٤٥٢).
(٢) ذكره المؤلف في كتابه لوامع الأنوار (٢/ ١٨٣) وقال: "وهو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة بعد نبيها -ﷺ-". ولم أجد هذا الخبر فيما لدي من مصادر.
(٣) الإصابة (٦/ ١٤١).
(٤) الاستيعاب (٦/ ٢٧٢)؛ والإصابة (٦/ ١٤٠ - ١٤١).
(٥) رواه ابن أبي على رقم (٨٢) وتقدم قبل قليل، لكن وقع في اسه اختلاف فعند ابن أبي عاصم: سفيان بن عد الأسد، وفي رواية الطبراني أبو سفيان بن عبد الأسد، وعند المؤلف والقرطبي في تفسيره (٢/ ٢٧٢)، (١٨/ ٢٧٠): الأسود بن عبد الأسد.
[ ٢ / ٢١٠ ]
قال العلماء: الصراط في اللغة الطريق الواضح ومنه قول جرير (١):
أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم (٢)
وهو بالصاد والسين المهملتين، وبالزاي (على) (٣) نزاع في إخلاصها ومضارعتها بين الصاد والزاي (٤).
وفي الشرع: جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار وخلق من حين خلقت جهنم (٥).
قال القرطبي في "تذكرته": في الآخرة صراطان:
أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم.
إلا من دخل الجنة بغير حساب.
وإلا من يلتقط عنق من النار.
فإذا خلص من خلص من هذا الصراط الأكبر المذكور، ولا يخلص عنه إلا المؤمنون الذين علم اللَّه تعالى منهم أن القصاص لا يستنفذ حسناتهم حبسوا على صراط خاص لهم، ولا روجع إلى النار من هؤلاء أحد إن شاء اللَّه تعالى لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم الذي يسقط عنه فيها من أوبقته ذنوبه، وزادت على حسناته جرائحه وعيوبه. . " (٦).
_________________
(١) جرير: تقدم (٢/ ٤٦).
(٢) البيت في ديوانه (ص ٥٠٧).
(٣) في الأصل بلا نزاع والمثبت من "ظ"، ومن اللوامع (٢/ ١٨٩).
(٤) انظر: تفسبر ابن جرير (١/ ٧٣)؛ وابن كثير مع البغوي (١/ ٤٩ - ٥٠)؛ وتفسير ابن عطية (١/ ٧٨ - ٧٩)؛ والقرطبي (١/ ١٤٧ - ١٤٨).
(٥) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٩).
(٦) تذكرة للقرطبي (ص ٤٠٨).
[ ٢ / ٢١١ ]
فقد أخرج البخاري والإسماعيلي (١) في مشيخته واللفظ له عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي -ﷺ- في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] قال: "يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا" (٢).
قال قتادة: "كان يقال: ما يشبه بهم إلا أهل الجمعة انصرفوا من جمعتهم" (٣).
قال القرطبي: "هذا في حق من لم يدخل النار من عصاة الموحدين أما من دخلها ثم أخرج منها، فإنهم لا يحبسون بل إذا أخرجوا أبقوا على أنهار الجنة" (٤).
وقال (٥) في "الفتح" في قوله: "يخلص المؤمنون من النار" ينجون من السقوط فيها بمجاوزة الصراط فيها.
_________________
(١) الإسماعيلي: أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيل الشافعي أبو بكر محدث فقيه حافظ صاحب "الصحيح" وشيخ الشافعية في ناحيته قال الذهبي "وصنف تصانيف تشهد له بالإمامة في الفقه والحديث عمل مسند عمر في مجلدتين، والمستخرج على الصحيح، أربع مجلدات ومعجمه في مجيليد يكون عن نحو ثلاثمائة شيخ، توفى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٩٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٦٥٣٥) (١١/ ٤٠٣) في الرقاق، باب القصاص يوم القيامة.
(٣) انظر هذه الرواية في تفسير ابن جرير (١٤/ ٣٧ - ٣٨)؛ وفي الدر المنثور (٥/ ٨٤).
(٤) التذكرة للقرطبي (ص ٤٠٨).
(٥) أي الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري.
[ ٢ / ٢١٢ ]
قال: "واختلف في القنطرة المذكورة فقيل هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة وقيل إنها صراط آخر وبه جزم القرطبي" (١).
واختار الجلال السيوطي في "البدور السافرة" أنه طرف الصراط الذي يلي الجنة للأحاديث (٢) واللَّه أعلم إذا علمت هذا، فقد قال العلماء ﵃ ورحمهم:
الصراط أدق من الشعرة وأحدّ من السيف وأحمى من الجمرة، لما رواه للطبراني بإسناد حسن عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف مدحضة -أي مزلقة مزلة- أي لا تثبت عليه قدم بل تزل عنه إلا من يثبته اللَّه تعالى، عليه كلاليب من نار يختطف بها فممسك يهوي فيها (٣) ويستبقون عليه بأعمالهم فمنهم من شده (٤) كالبرق، فذلك الذي لا ينشب أن ينجو، ومنهم من شده كالريح، ومنهم من شده كالفرس الجواد، ومنهم من شده كهرولة الرجل، ثم كمشي الرجل، وآخر من يدخل الجنة رجل قد لوحته (٥) النار فيقول اللَّه له: سل
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١١/ ٤٠٦)؛ والتذكرة للقرطبي (ص ٤٠٨)؛ ولوامع الأنوار (٢/ ١٩٠).
(٢) انظر: البدور السافرة (ص ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٣) جاءت العبارة في النسختين، وفي كتاب اللوامع للشارح (٢/ ١٩٠) عليه جلاليب من نار تخطف أهلها فتمسك بهواديها. . . إلخ. والمثبت من معجم الطبراني ومن معجم الزوائد وهو الصحيح.
(٤) كذا في النسختين، وفي الطبراني: "ومنهم من يمر كالبرق". ومعنى الشد: العدو. النهاية (٢/ ٤٥٢).
(٥) كذا في النسختين، وفي اللوامع، وفي الطبراني: "حتى يكون آخرهم إنسانا (رجل) قد أوحته ولقى فيها شرًا. . . " =
[ ٢ / ٢١٣ ]
وتمن، فإذا فرغ، قال: لك ما سألت ومثله معه" (١).
وأخرج الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لجهنم جسر أدق من الشعرة وأحدّ من السيف عليه كلاليب (٢) وحسك (٣) تأخذ من شاء اللَّه، والناس عليه كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في النار على وجهه" (٤).
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد ﵁ قال: "بلغني أن الجسر (أدق) (٥) من الشعر وأحدّ من السيف (٦).
_________________
(١) = وفي المجمع: "رجل قد توجبه النار. . . " ومعنى "لوحته النار": أي غيرت لونه. النهاية (٤/ ٢٧٦).
(٢) الحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٠) رقم (٨٩٩٢)؛ وأورده المصنف في لوامع الأنوار (٢/ ١٩٠)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٥١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩ - ٣٦٠): "رجاله رجال الصحيح غير عاصم وقد وثق".
(٣) كلاليب: جمع كلوب بالتشديد حديدة معوجة الرأس. النهاية (٤/ ١٩٥)؛ وشرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢١).
(٤) حسك: الحسك جمع حسكة وهي شوكة حديد صلبة. غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٢١٤)؛ وشرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢٩).
(٥) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ١١٠) وقد اختصره المؤلف هنا.
(٦) في النسختين أرق من الشعر بالراء والمثبت من صحيح مسلم.
(٧) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٨٣) في الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾. وأصله في البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة: ﵄. جامع الأصول (١٠/ ٤٤٠) وما بعدها.
[ ٢ / ٢١٤ ]
الأول: اتفاق أهل السنة على ثبوت الصراط والرد على المعتزلة في إنكاره
وأخرج ابن ماجة عنه نحوه مرفوعًا (١).
وأخرج ابن عساكر (٢) عن الفضيل بن عياض (٣) -رحمه اللَّه تعالى- قال: "بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى أدق من الشعرة وأحدّ من السيف على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية اللَّه تعالى" (٤).
والأخبار والآثار في ذلك كثيرة جدًا، واللَّه تعالى أعلم.
تنبيهات:
الأول: اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهر ما ورد من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، وأحمى من الجمرة.
وأنكره أكثر المعتزلة كالقاضي عبد الجبار (٥) المعتزلي وكثير من أتباعه (٦)، زعمًا منهم: أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما يراد به طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٥ - ٦].
_________________
(١) ابن ماجة رقم (٦٠) في المقدمة باب في الإيمان؛ وفي الزهد رقم (٤٢٨٠).
(٢) ابن عساكر: تقدم (١/ ٣٧١).
(٣) الفضيل بن عياض: تقدم (١/ ١٨٥).
(٤) الأثر أورده الشارح في لوامع الأنوار (٢/ ١٩١)؛ والسيوطي في البدور السافرة (ص ٢٥٤)؛ ومثل هذه الأخبار لا تثبت الا بدليل عن النبي -ﷺ- لأنها أمور الغيب، كما سبق أن بينا ذلك (٢/ ١٨٥).
(٥) تقدم (١/ ١٨٦).
(٦) انظر: المواقف في علم الكلام (ص ٣٨٤).
[ ٢ / ٢١٥ ]
وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣].
ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة والمباحات، أو الأعمال الردية ليسأل عنها ويؤاخذ بها (١).
وكل هذا هذيان وخرافات وبهتان، لوجوب حمل النصوص على حقائقها الظاهرة، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء (٢) أو الطيران في الهواء أو الوقوف فيه (٣).
وقد أجاب -ﷺ- عن سؤال حشر الكافر على وجهه، بأن القدرة صالحة لذلك (٤).
وأنكر العلامة القرافي (٥) كون الصراط أدق من الشعرة، وأحد من
_________________
(١) انظر: شرح المقاصد (٥/ ١١٧ - ١٢١).
(٢) كالطيور المائية وبعض الحيوانات البحرية ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
(٣) كما نشاهده في الطير، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩].
(٤) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، قال اللَّه تعالى ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا. انظر: جامع الأصول (١٠/ ٤٢٦)؛ والدر المنثور (٥/ ٣٤١).
(٥) أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي المصري شهاب الدين أبو العباس كان إمامًا في الفقه والأصول والعلوم العقلية وله معرفة بالتفسير وتخرج به جمع من الفضلاء وله مصنفات مفيدة تدل على علمه وفضله، توفى سنة أربع وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة في مصر. الديباج المذهب (١/ ٢٣٦)؛ والوافي بالوفيات (٦/ ٢٣٣).
[ ٢ / ٢١٦ ]
السيف (١) وسبقه إلى ذلك شيخه الإمام العز بن عبد السلام (٢) وهما
_________________
(١) رأيه هذا ذكره في كتابه الانتقاد في الاعتقاد (كما في شرح الشيخ قاسم بن عيسى القروي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني) (١/ ٥٧ - ٥٨).
(٢) العز بن عبد السلام: تقدم التعريف به (١/ ٢٩٥). وقد ذكر المؤلف ﵀ في كتابه اللوامع (٢/ ١٩٣) سبب تأويلهم كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف -وكلامهم يرجع إلى ما قاله الحليمي في المنهاج (١/ ٤٦٣). وتابعه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٧) في معنى الحديث قال الحليمي: "والمعنى -واللَّه أعلم- أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر أن يكون عسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا اللَّه تعالى جده لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقًا، وضرب المثل به بدقة الشعر، فذا واللَّه أعلم من هذا الباب". إلى أن قال: "فأما أن يقال إن الصراط نفسه أحدّ من السيف وأدق من الشعر فذلك (مرفوع كذا في الأصل والظاهر مدفوع) بنفس هذا الحديث لأن فيه: إن الملائكة يقومون بجنبيه، ويقولون: اللهم سلم سلم، وفيه أن فيه كلاليب وحسكا (في الأصل مسكا) وفيه أن ممن يمر على الصراط من يقع على بطنه، ومنهم من يزل ثم يقوم وفيه: إن من الذين يمشون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه، وفي ذلك إثبات أن المارين عليه مواطئ الأقدام ومعلوم أن دقة الشعر لا تحتمل هذا كله. وقد سألت أحد الحفاظ عن هذه اللفظة فذكر أنها ليست ثابتة فأما أن لا يشتغل بها، وإما أن يحمل على المعنى الذي ذكرنا -واللَّه أعلم" انتهى. وقال البيهقي: "وهذا اللفظ من الحديث لم أجده في الرويات الصحيحة". وتابعه القرافي -كما ذكر الشارح في اللوامع- وقد رد عليهم المؤلف بقوله: "وقد رد هذا الإمام القرطبي وغيره من أئمة الآثار، وقد أخرج مسلم تلك الزيادة في صحيحة عن أبي سعيد بلاغًا وليست مما للرأي والاجنهاد فيه مجال فهي مرفوعة، وقد مر من الأخبار ما يوجب الإيمان بذلك، ثم إن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن ويجريه ويمشيه" انتهى. انظر: لوامع الأنوار (٢/ ١٩٣ - ١٩٤)؛ والتذكرة للقرطبي (ص ٤٠٠ - ٤٠١).
[ ٢ / ٢١٧ ]
التنبيه الثاني: هل الصراط مخلوق الآن؟
محجوجان بثبوت الأخبار الصحيحة بالألفاظ الصريحة في ذلك، فوجب حملها على ظاهرها كما ثبت ذلك في الصحاح والمسانيد والسنن مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق وهم في جوازه متفاوتون كما مر -واللَّه تعالى الموفق.
الثاني: الحق أن الصراط مخلوق الآن.
ونقل بعض العلماء (١) عن بعض أهل التحقيق أنه يجوز أن يخلقه اللَّه تعالى حين يضرب على متن جهنم، ويجوز أن يكون خلقه حين خلق جهنم، ونحوه في كلام القاضي عياض (٢).
الثالث: من الخرافات الباردة، زعم من زعم أن ماهية الصراط شعرة من شعر جفون مالك خازن النار.
فهو كلام تنبؤ عنه الأفهام وتمجه الأوهام وإن نقله مثل الحافظ برهان الدين الحلبي (٣) فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه واللَّه أعلم (٤).
_________________
(١) عزاه المؤلف في كتابه اللوامع (٢/ ١٩٤) إلى كنز الأسرار. قلت: ويمكن أن يكون لمحمد بن سعيد بن عمر الصنهاجي المعروف بابن شابذ فقد ذكر له حاجي خليفة في كشف الظنون (٢/ ١٥١٣) كتابًا بعنوان "كنز الأسرار ولواقح الأفكار" في علوم الآخرة.
(٢) القاضي عياض: تقدم (١/ ٢٥١).
(٣) إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الأصل (طرابلس الشام) الحلبي المولد والدار، والشافعي المعروف بسبط ابن العجمي برهان الدين أبو الوفاء عالم بالحديث ورجاله من كبار الشافعية له مؤلفات كثيرة. توفى سنة ٨٤١ هـ. الضوء اللامع (١/ ١٣٨)؛ والأعلام (١/ ٦٥)؛ ومعجم المؤلفين (١/ ٩٢ - ٩٣).
(٤) انظر: هذا المبحث في لوامع الأنوار (٢/ ١٩٤).
[ ٢ / ٢١٨ ]