يعني القرآن العظيم والذكر الحكيم المنزل على النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، قال الناظم قدس اللَّه روحه ونور ضريحه (وقل) أيها السني المتبع للآثار والسلف الصالح (غير مخلوق) ولا محدث (١) (كلام مليكنا) أي مالكنا ومالك الخلق أجمعين.
ومن أسمائه تعالى الملك وهو التام الملك الجامع لأصناف المملوكات والملك الخاص الملك.
وقد يسمى بعض المخلوقين ملكا إذا إتسع ملكه إلا أن الذي يستحق هذا الإسم هو اللَّه تعالى لأنه مالك الملك، وليس ذلك لغيره لأنه الملك الحق الذي يتصرف في الأمر والنهي في الدنيا والآخرة على الإطلاق، وقيل هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل شيء ويحتاج إليه كل شيء وهو يوصف بالملك والمالك والمليك وكلها في القرآن (٢) كما في تحفة الودود للعلامة أبي بكر بن أبي داود (٣) الحنبلي تلميذ المحقق ابن القيم.
والتحفة هذه كتاب جليل ذكر فيه أدلة أوراد والده الصالح المسماة بالدر المنتقى
_________________
(١) في هذه الكلمة اجمال فإن مفهومها أنه قديم والسلف لا يقولون ذلك، بل يقولون أن كلام اللَّه قديم النوع حادث الآحاد، وأنه سبحانه متكلم في الأزل ويتكلم إذا شاء بما شاء بلا كيف. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة انظر (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٢) كما قال تعالى ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]، وكما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، وكما قال تعالى ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥].
(٣) أبو بكر بن أبي داود كذا في المخطوطتين وجاء في مصادر ترجمته: أبو بكر بن داود.
[ ١ / ٢٠٧ ]
المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع، وهو كتاب جليل في بابه وإنما عرفته هذا التعريف لموافقته الناظم في الكنية وكنية الأب (١) وأن كلا منهما حنبلي.
إذا علمت ذلك فدن اللَّه تعالى وطعه وتعبده باعتقاد قدم (٢) القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي هو كلام اللَّه المنزل على رسول اللَّه -ﷺ-.
(بذلك): أي كون كلام اللَّه غير مخلوق بل قديم (٣).
_________________
(١) كذا ذكر الشارح ﵀ وقد ذكرت المصادر أن التحفة هذا هو لعبد الرحمن بن أبي بكر بن داود زين الدين، وكنيته: أبو الفرج توفي سنة ٨٥٦ هـ. واسم كتابه الكامل: "تحفة العباد وأدلة الأوراد" شرح فيه أوراد والده المسماة: "بالدر المنتفى المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع". وقد جعل السخاوي الكتابين من تأليف الابن عبد الرحمن كما ذكر ابن العماد أن الدر لعبد الرحمن أيضًا. والصحيح كما ذكر الشارح وبينه حاجي خليفه في كشف الظنون أن الدر هو للأب أبو بكر بن داود، وأن التحفة للابن عبد الرحمن. وأما والده فاسمه: أبو بكر بن داود تقي الدين أبو الصفا الدمشقي الصالحي الحنبلي، ويعرف بابن داود، توفي سنة ست وثمانمائة. انظر: السخاوي: الضوء اللامع (٤/ ٦٢ - ٦٣). (١١/ ٣١)، وابن العماد: شذرات الذهب (٧/ ٢٨٨)؛ وحاجي خليفة: كشف الظنون (١/ ٣٦٩، ٧٣٣)؛ وابن طولون: تاريخ الصالحية (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩)؛ والسحب الوابلة (ص ١٩٩ - ٢٠٠)، والأعلام (٣/ ٣٠٠)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٦١، ٥/ ١٢٨).
(٢) و(٣) علق الشيخ عبد اللَّه بابطين في حاشية لوامع الأنوار (١/ ١٣٠) للمؤلف على قول الشارح "كلامه سبحانه قديم" ما نصه: قوله إن مذهب السلف: إن كلام اللَّه قديم وكذلك القرآن فيه نظر فإن مذهب السلف كما هو معروف أن كلام اللَّه مما يتعلق بمشيئته فإذا شاء تكلم ويتكلم متى شاء كيف يشاء بلا كيف. =
[ ١ / ٢٠٨ ]
تفسير لكلمة التقوى، مراتب التقوى
(دان) أى تعبد وأطاع (الأتقياء) جمع تقي من الوقاية، يقال: وقاه فاتقى فالوقاية فرط الصيانة (١). فالتاء من التقوى مبدلة من الواو لأن أصلها من الوقاية وتقديرها يوتقى فقلبت وأدغمت فلما كثر استعمالها توهموا أن التاء من نفس الكلمة فقالوا اتقى يتقي بفتح الياء فيهما وربما قالوا: اتقى يتقي مثل رمى يرمي.
والتقوى في الشرع: اسم لمن يقي نفسه عما يضره في الآخرة وله ثلاث مراتب (٢):
الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى ﴿إِوَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦].
الثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو
_________________
(١) = وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه التسعينية (ص ١٤٣) ما نصه بالحرف الواحد: الوجه الثاني أن أحدًا من السلف والأئمة لم يقل أن القرآن قديم وأنه لا يتعلق بمشيئته وقدرته انتهى. وفي تنبيه ابن سحمان في حاشية لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٣١) قال: فقوله: كلامه سبحانه قديم هو من جنس ما قبله من الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها سلف الأمة وأئمتها والذي عليه أهل السنة والجماعة المخالفون لأهل البدع أن كلام اللَّه ﷾ حادث الآحاد قديم النوع وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته إذا شاء لا يمتنع عليه شيء أراده وأن اللَّه تعالى متصف بالأفعال الإختيارية القائمة به فهر سبحانه قد تكلم في الأزل بما شاء ويتكلم فيما لم يزل بقدرته ومشيئته بما أراد وهو الفعال لما يريد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. انظر: لوامع الأنوار (١/ ١٣١) للمؤلف.
(٢) انظر: تفسير البيضاوي (١/ ١٦).
(٣) انظر: تفسير البيضاوي (١/ ١٦).
[ ١ / ٢٠٩ ]
نصوص في معنى التقوى
المتعارف بالتقوى في الشرع وهذا المعني بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦].
الثالثة: أن ينزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره (١).
وهذا هو التقوى على الحقيقة المطلوب بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقد أخرج الترمذي وابن ماجة من حديث عبد اللَّه بن يزيد ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس" (٢).
وقال أبو الدرداء ﵁: تمام التقوى أن يتقي اللَّه العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا حجابًا بينه وبين الحرام (٣).
وقال الحسن (٤) ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.
_________________
(١) الشراشر: النفس يقال ألقى عليه شراشره، أي نفسه حرصًا ومحبة. والشراشر المحبة (تاج العروس: شرر (١٢/ ١٥٩ - ١٦٠).
(٢) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٥١) في صفة القيامة، وابن ماجة في الزهد رقم (٤٢١٥) باب الورع والتقوى؛ وعبد بن حميد في المنتخب رقم (٤٨٣)؛ والقضاعي في مسند الشهاب (٩٠٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٤٤٦) من حديث عطية السعدي؛ وقال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني في تخريج أحاديث الحلال والحرام رقم (١٧٨) ص (١٣٠) ضعيف. تنبيه: عبد اللَّه بن يزيد أحد رجال السند وليس اسم الصحابي الذي روى الحديث فهو من حديث عطية السعدي.
(٣) النص في جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٨، ٢/ ١١).
(٤) الحسن هو البصري تقدم في (١/ ١٩٣).
[ ١ / ٢١٠ ]
نقل من كتاب البرهان في حقيقة القرآن لابن قدامة
وقال الثوري: (١) إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى (٢).
(وأفصحوا) بقولهم: القرآن كلام اللَّه قديم (٣) غير مخلوق.
قال الإمام موفق الدين ابن قدامة (٤) في صدر كتابه: "البرهان في حقيقة القرآن" (٥): مذهب أهل السنة والجماعة والذي كان عليه رسول اللَّه -ﷺ- والصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان ومن بعدهم من أئمة أهل الإسلام أن القرآن كلام اللَّه القديم وحبله المتين وكتابه المبين نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، وهو سور وآيات وحروف وكلمات، منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، من قرأه وأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، نزله اللَّه تنزيلًا، ورتله ترتيلًا، وسماه قولًا ثقيلًا، ووعد على تلاوته أجرًا جزيلًا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣].
وشهد اللَّه وملائكته بإنزاله على رسوله -ﷺ- وحض على تدبره وترتيله وآجرنا على أحكامه وتفصيله، ونص على تشريفه وتفضيله، وعجز الخلق عن الإتيان بمثله أو تبديله.
_________________
(١) الثوري: هو سفيان الثوري تقدم في (١/ ١٨٤).
(٢) النصوص في جامع العلوم والحكم (١/ ١٧٨، ٢/ ١١).
(٣) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٤) ابن قدامة: عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الفقيه الزاهد الإمام وأحد الأعلام موفق الدين أبو محمد، صاحب "المغني" في الفقه وغيره من المؤلفات النفيسة، مات سنة ٦٢٠ هـ. ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٣)؛ وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥).
(٥) طبع باسم "البرهان في بيان القرآن" ضمن مجلة البحوث الإسلامية، العدد التاسع عشر بتحقيق الدكتور سعود الفنيسان.
[ ١ / ٢١١ ]
الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على أن القرآن كلام الله
قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
وهو هذا الكتاب العربي الذي هو مائة وأربعة عشرة سورة أولها الفاتحة وآخرها المعوذتان، مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب مسموع بالآذان متلو بالألسن، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض.
والدليل على أن هذا هو القرآن: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فإن اللَّه تعالى تحدى الخلق بالإتيان بمثله في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. . .﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤].
ثم قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].
والتحدي إنما وقع بالإتيان بمثل هذا الكتاب بغير إشكال لأن ما في النفس لا يدري ما هو ولا يسمى سورًا ولا حديثًا فلا يجوز أن يقال فأتوا بحديث مثل ما في نفس الباري ولأن المشركين إنما زعموا أن النبي -ﷺ- افترى هذا القرآن أو تقوله، فرد اللَّه عليهم دعواهم فتحداهم بالإتيان بمثل ما زعموا أنه مفترى ومتقول دون غيره.
وهذا واضح لا شك فيه والكتاب العزيز مملوء من مثل هذا فلا نطيل بذكره.
[ ١ / ٢١٢ ]
وأما السنة فقول النبي -ﷺ- وسكوته، أما قوله فكثير جدًّا كقوله -ﷺ-: "هذا القرآن مأدبة اللَّه فتعلموا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فاتلوه فإن اللَّه يأجركم على تلاوته لكل حرف عشر حسنات، ألا إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر (١) " رواه أبو عبيد (٢) في فضائل القرآن.
وقال -ﷺ-: "إن الذي يقرأ القرآن وهو يشتد عليه فله أجران" (٣).
وقال -ﷺ-: "أعربوا القرآن" (٤).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٥٧)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣) رقم (١٠٠٥٧)، ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل (ص ١٥٥)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا؛ ورواه الدارمي في سننه (٢/ ٣٠٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٩) موقوفًا على عبد اللَّه بن مسعود. وفي إسناده إبراهيم الهجري وهو لين الحديث لكن له متابعات يتقوى بها. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٦٦٠).
(٢) أبو عبيد: القاسم بن سلام بن عبد اللَّه الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء الخراساني البغدادي، من كبار العلماء بالحديث والفقه واللغة والأدب، له مصنفات كثيرة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)؛ والأعلام (٥/ ١٧٦).
(٣) رواه البخاري (٨/ ٥٦٠) في تفسير سورة عبس؛ ومسلم رقم (٧٩٨) في صلاة المسافرين باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع فيه.
(٤) ورد من رواية عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفرعًا وموقوفًا، أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٠) رقم (٨٦٨٤ - ٨٦٨٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٤) رواه الطبراني من طرق وفيها ليث بن أبي سليم وفيه ضعف وبقية رجال أحد الطرق رجال الصحيح.=
[ ١ / ٢١٣ ]
وقال: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم (١).
وقال من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأه فلحن فيه فله بكل حرف حسنة (٢) حديث صحيح فهذه الأخبار وأضعاف أضعافها تدل دلالة واضحة على أن النبي -ﷺ- ما أراد بالقرآن سوى هذا الكتاب المنزل عليه الذي يعرف المسلمون قرآنا.
ولم يرد ما تزعم هذه الطائفة أنه معنى في النفس لا يظهر للشخص ولا ينزل ولا له أول ولا آخر ولا يدري ما هو لا سور ولا آيات ولا حروف ولا كلمات.
وأما سكوته -ﷺ- فإنه لو كان القرآن ما قالوا لوجب على النبي -ﷺ- بيانه وتعريفه
_________________
(١) = وورد من رواية أبي هريرة ﵁ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٥٦) رقم (٩٩٦١)؛ والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٩)؛ وأبو يعلى (١١/ ٤٣٦) رقم (٦٥٦٠)، وقال الحاكم صحيح الإسناد على مذهب جماعة من أئمتنا. ورده الذهبي بقوله: "قلت بل أجمع على ضعفه" وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٣) في إسناده عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك.
(٢) رواه البخاري في الجهاد والسير: باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو (٦/ ١٥٥) رقم (٢٩٩٠) فتح الباري، ومسلم رقم (١٨٦٩) في الإمارة: باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم. ورواه أبو داود رقم (٢٦١٠) وذكر أن قوله: "مخافة أن يناله العدو" من قول مالك، وهو كذلك في الموطأ (٢/ ٤٤٦) في الجهاد، باب النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ورواه ابن ماجه رقم (٢٨٧٩ - ٢٨٨٠)؛ وأحمد بعدة أسانيد عن نافع عن ابن عمر به. المسند (٢/ ٦، ٥٥، ٦٣، ١٢٨).
(٣) ذكره ابن قدامة في عقيدته لمعة الاعتقاد رقم (٣٣) وفي البرهان (ص ٢٢٤) وأشار إلى صحته ولم أجده بهذا اللفظ لكن روى البيهقي في شعب الإيمان رقم (٢٠٩٦) عن ابن عمر نحوه بلفظ "من قرأ القرآن فأعرب في قراءته كان له بكل حرف منه عشرون حسنة ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات، وأشار محققه إلى ضعفه.
[ ١ / ٢١٤ ]
فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه بالاتفاق، وما أشد حاجة الأمة إلى معرفة القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي شرفكم (١).
وقال بعضهم (٢) في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. هو القرآن.
(فإن كل الأمة) (٣) لم تسمع من النبي -ﷺ- فكيف لا يحتاج المسلمون إلى معرفة القرآن الذي شرفهم اللَّه به وجعله بشيرًا ونذيرًا ومناديًا وداعيًا إلى الهدى وحجة ونورًا وبرهانًا وشفاء ورحمة ومعجزة لنبيه -ﷺ- ومعرفًا للأحكام من الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الأحكام.
وأمر النبي -ﷺ- بتبليغه والإنذار به.
فهذا مما لا يجوز للنبي -ﷺ- أن يهمل بيانه ولا يكتمه عن أمته سيما وقد أمره اللَّه بالتبليغ وفرضه وتوعده على تركه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].
وقال مخبرًا عن النبي -ﷺ-: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. أي ومن بلغه القرآن.
وأيضًا لو ساغ للنبي -ﷺ- السكوت عن بيان القرآن فكيف ساغ له إيهام أمته أن
_________________
(١) قاله ابن عباس وغيره: انظر تفسير ابن كثير والبغوي (٥/ ٤٧٧).
(٢) هو محمد بن كعب القرظي: انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٢١٢).
(٣) في النسختين (فإن كلاميته لم تسمع من اللَّه. . . والتصويب من البرهان لابن قدامة (ص ٢٢٧) ومنه ينقل المؤلف.
[ ١ / ٢١٥ ]
القرآن غير ما هو قرآن بما تلاه من الآيات التي فيها ذكر القرآن بأنه هو هذا الذي نقرأه.
والأخبار التي رويناها عنه -ﷺ- ليضل أمته بذلك عن الصواب ويعتقدوا غير الحق ويصيروا معتقدين غير الصواب فلو كان الأمر كما زعموا لكان -ﷺ- هو المضل لأمته والمغوي لهم والداعي إلى صراط الجحيم والمانع من الصراط المستقيم.
ولا شك أن اعتقاد مثل هذا كفر باللَّه العظيم، فهذه أدلة قاطعة في أن القرآن هو ما يعتقده المسلمون قرآنًا لا غير.
وأما الإجماع: فإن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ما كانوا يعتقدون القرآن سوى هذا الذي نعتقده قرآنًا دلت على ذلك أقوالهم وأحوالهم فإنهم سموا (١) حروفه وآياته وكلماته وأجزاءه وذكروا قراءته واستماعه على نحو ما ذكرناه عن النبي -ﷺ-.
قال الصديق الأعظم أبو بكر ﵁: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه" (٢).
وسئل علي ﵁ عن الجنب يقرأ القرآن قال: لا ولا حرف (٣).
وروي عنه أنه قال: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله (٤).
_________________
(١) في النسختين: فإنهم "سموه. . . " والمثبت من البرهان لابن قدامة (ص ٢٣٠) طبع ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد التاسع عشر، ومنه ينقل الشارح.
(٢) روى ذلك عنه وعن عمر بن الخطاب ﵄، رواه عنهما ابن الأنباري كما في تفسير القرطبي (١/ ٢٣)؛ وذكره ابن تيمية (١٢/ ١٠٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٣٣٦) رقم (١٣٠٦)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٠٢)؛ والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩)، وذكره ابن قدامة في المغني (١/ ١٣٤ - ١٣٥) عن علي ﵁.
(٤) ذكره ابن قدامة في عقيدته رقم (٣٦).
[ ١ / ٢١٦ ]
ونصوص الصحابة في ذلك كثيرة جدًّا تخرج عن حد الإحصاء كل ذلك يدل دلالة ظاهرة واضحة على أن القوم ما اعتقدوا قرآنًا سوى هذا الذي هو حروف منظومة وآيات معلومة وكذلك من بعدهم من أهل الإسلام وكلامهم في هذا كثير جدًّا. قال الإِمام الموفق في البرهان: وما علمت أحدًا جحد كون هذا قرآنًا سوى هذه الطائفة ثم إنهم قد أجمعوا مع المسلمين على أنهم متى تلو آية قالوا: قال اللَّه كذا وقول اللَّه هو كلامه.
وأجمع المسلمون على أن القرآن يقرأ ويسمع ويحفظ ويكتب وهذه الصفات لا تعلق لها بما لم ينزل إلينا مما لم ندر ما هو، وأجمعوا على أن القرآن أنزل على محمد -ﷺ- وأنه معجزته التي تحدى بها اللَّه تعالى الخلق الإتيان بمثله فعجزوا عنه، وأجمعوا على أن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا، ولا تعلق لذلك بالكلام النفسي، وأجمعوا على أن من جحد سورة من القرآن أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقا عليه أنه كافر (١).
قال أبو نصر السجزي: (٢) هذه حجة قاطعة على أنه حروف وأجمع المسلمون على أن القرآن لم ينزل على النبي -ﷺ- جملة واحدة وإنما نزل نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا
_________________
(١) انظر: البرهان لابن قدامة (ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) أبو نصر السجزي: جاء في النسختين السنجري والمثبت من المصادر فهو: عبد اللَّه بن سعيد بن حاتم السجزي الوائلي البكري أبو نصر أصله من سجستان ونسبته إليها على غير بأس: قال الذهبي الإِمام العالم المجود شيخ السنة ومصنف "الإبانة الكبرى" في أن القرآن غير مخلوق. وهو مجلد كبير قال على سعة علم الرجل بفن الأثر، توفي سنة أربع وأربعين وأربع مائة بمكة. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤)؛ والأعلام (٤/ ١٩٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
نقل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة له: في بيان أن القرآن كلام الله
جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣]. انتهى ملخصًا (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه في قاعدة له في بيان أن القرآن كلام اللَّه ليس شيء منه كلامًا لغيره، لا جبريل ولا محمد -ﷺ- ولا غيرهما (٢) قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ. . .﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٢].
فإن الضمير في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ عائد على ما في قوله ﴿بِمَا يُنَزِّلُ﴾ والمراد به القرآن كما يدل عليه سياق القرآن وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ فيه إخبار اللَّه بأنه أنزله لكن ليس في هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ولا أنه منزل منه.
ولفظ الإنزال في القرآن قد يرد مقيدًا بالإنزال منه كنزول القرآن، وقد يرد مقيدًا بالإنزال من السماء، ووواد به العلو فيتناول نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند اللَّه وغير ذلك، وقد يرد مطلقًا فلا يختص بنوع من الإنزال، بل ربما تناول الإنزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ. . .﴾ [الحديد: ٢٥].
والإنزال من ظهور الحيوان كإنزال الفحل الماء وغير ذلك.
فقوله: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ بيان لنزول جبريل به من اللَّه فإن روح القدس هنا جبريل بدليل قوله تعالى: ﴿. . . مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ
_________________
(١) انظر: البرهان في بيان القرآن لابن قدامة (ص ٢٥٠).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٧) وما بعدها؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٦٣).
[ ١ / ٢١٨ ]
بطلان قول الجهمية في القرآن
عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧].
وهو الروح الأمين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وفي قوله: الأمين دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص منه. فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة، كما قال في صفته في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠].
وفي قوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] دلالة على أمور:
منها بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهميين (١) الذين قالوا بخلق القرآن من المعتزلة (٢) والنجارية (٣) والضرارية (٤) وغيرهم. فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن
_________________
(١) الجهميون نسبة إلى الجهم بن صفوان: انظر (١/ ١٨١).
(٢) المعتزلة: انظر (١/ ١٦٦).
(٣) النجارية: أتباع الحسين بن محمد النجار (ويسمون الحسينية) من المعتزلة الجهمية، وافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر، وخالفوهم في خلق أفعال العباد بمعنى أن أعمال العباد مخلوقه للَّه وأنكر الرؤية وقال: الإيمان التصديق ولا يخلد صاحب الكبيرة في النار. الملل والنحل (١/ ٨٨ - ٩٠)؛ ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٠).
(٤) الضرارية: أصحاب ضرار بن عمرو من المعتزلة لكن خالفهم في أن أعمال العباد مخلوقة، وكان يزعم أن معنى: عالم قادر أي ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك سائر صفاته وأنكر قراءة ابن مسعود وأُبي. مقالات الإِسلاميين (١/ ٣٣٩)؛ والملل (١/ ٩٠ - ٩١).
[ ١ / ٢١٩ ]
الجعد بن درهم أول من قال بخلق القرآن
ترجمة لخالد بن عبد الله القسرى
القرآن مخلوق وأن اللَّه لا يرى في الآخرة جهميا. فإن جهما (١) أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في نفي ذلك فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه وإن كان الجعد بن درهم (٢) سبقه إلى بعض ذلك.
فإن الجعد بن درهم أول من أحدث ذلك في الإسلام فضحى به خالد بن عبد اللَّه القسري (٣) بواسط يوم النحر وقال: "يا أيها الناس ضحوا تقبل اللَّه ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن اللَّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليمًا. تعالى عما يقول الجعد بن درهم علوًا كبيرًا ثم نزل فذبحه" (٤).
وكان خالد أمير العراقين (٥) من جهة هشام بن
_________________
(١) جهم بن صفوان. انظر (١/ ١٨١).
(٢) الجعد بن درهم من الموالي من أهل الشام، وهو مؤدب مروان بن محمد الخليفة الأموي وهو شيخ الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية أول من ابتدع أن اللَّه ما اتخذ إبراهيم خليلا، ولا كلم موسى، وأن ذلك لا يجوز على اللَّه. قتله خالد بن عبد اللَّه القسري في نحو سنة ١١٨ هـ. البداية والنهاية (١٠/ ١٩)؛ وسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣)؛ والأعلام (٢/ ١٢٠).
(٣) خالد بن عبد اللَّه بن يزيد بن ساد القسري من بجيلة أبو الهيثم، أمير العراقيين وأحد خطباء العرب وأجوادهم، يماني الأصل من أهل دمشق، ولي مكة للوليد بن عبد الملك سنة ٨٩ هـ ثم ولاه هشام العراقين سنة ١٠٥، مات مقتولًا سنة ١٢٦ هـ. سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٢٥)؛ والبداية (١٠/ ١٧)؛ والأعلام (٢/ ٢٩٧).
(٤) انظر الخبر في خلق أفعال العباد للبخاري (١٢) رقم ٣؛ وفي التاريخ الكبير له (١/ ٦٤)؛ وفي الرد على الجهمية لأبي سعيد الدارمي (١٣، ٣٨٨)، والآجري في الشريعة (٩٧، ٣٢٨)؛ وعند ابن كثير في البداية (١٠/ ١٩)، وفي السير (٥/ ٤٣٢)؛ وهنا نهاية كلام ابن تيمية، انظر مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٩).
(٥) العراقين الكوفة والبصرة. معجم البلدان (٤/ ٩٣) عراق.
[ ١ / ٢٢٠ ]
بيان معنى "منزل من ربك"
عبد الملك (١) الأموي وكان معدودًا من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وكان جوادًا كثير العطاء، وفيه يقول بعض الشعراء (٢):
تبرعت لي بالجود حتى نعشتني وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
فأنت الندى وابن الندى وأبو الندى حليف الندى ما للندى عنك مذهب
ولكن (٣) المعتزلة وإن وافقوا جهما على بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك كمسائل الإيمان والقدر وبعض مسائل الصفات أيضًا، ولا يبالغون في النفي مبالغته، وهو يقول إن اللَّه تعالى لا يتكلم ويقول: إنه يتكلم بطريق المجاز.
وأما المعتزلة فيقولون: إنه يتكلم حقيقة لكن قولهم في المعنى هو قول جهم وجهم ينفي الأسماء كالصفات كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة.
وأما جمهور المعتزلة فلا ينفون الأسماء.
والمقصود أن قوله تعالى: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] فيه بيان أنه منزل من اللَّه لا من مخلوق.
ولهذا قال السلف منه بدأ أي هو الذي تكلم به لم يبتد من غيره كما قالت الخلقية (٤)، ومنها أن قوله: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ فيه بطلان قول من يجعله فاض
_________________
(١) هشام بن عبد الملك بن مروان من خلفاء الدولة الأموية في الشام، ولد في دمشق وبويع فيها، كان حسن السياسة يقظًا في أمره يباشر الأعمال بنفسه، مات سنة ١٢٥ هـ. الأعلام (٨/ ٨٦).
(٢) الأبيات في: السير (٥/ ٤٢٨)؛ وفي البداية (١٠/ ٢٠)؛ وفي مختصر تاريخ دمشق (٧/ ٣٧٩)؛ وفي وفيات الأعيان (٢/ ٢٢٧) في ترجمة خالد.
(٣) عود إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٩).
(٤) الخلقية: أي الذين يقولون إن القرآن مخلوق وهم المعتزلة ومن وافقهم.
[ ١ / ٢٢١ ]
على نفس النبي -ﷺ- من العقل الفعال أو غيره كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة، وهذا القول أعظم كفرًا وضلالًا من الذي قبله.
ومنها أن هذه الآية تبطل أيضًا قول من يقول إن القرآن العربي ليس منزلًا من اللَّه بل مخلوق له تعالى إما في جبربل، أو محمد، أو جسم آخر غيرهما كما تقول ذلك الكلابية (١) والأشعرية (٢) الذين يقولون القرآن العربي ليس هو كلام اللَّه وإنما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى. ثم عندهم إما أن يكون خلق في بعض الأجسام: الهواء وغيره أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمدًا -ﷺ- فعبر عنه بالقرآن العربي، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره.
فهذه الأقوال التي تقال تفريعًا على هذا القول فإن هذا القرآن العربي لا بد له من متكلم تكلم به أولًا قبل أن يصل إلينا وهذا يوافق قول المعتزلة ونحوهم في إثبات خلق القرآن العربي وكذا التوراة البرية ويفارقه من وجهين:
أحدهما أن أولئك يقولون: أن المخلوق كلام اللَّه وهؤلاء لا يقولون: إنه كلام اللَّه لكن يسمونه كلام اللَّه مجازًا، وهذا قول أئمتهم وجمهورهم، وقالت طائفة من
_________________
(١) الكلابية أصحاب عبد اللَّه بن سعيد بن كلاب (توفي نحو سنة ٢٤٠ هـ) قال الذهبي: رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه وصاحب التصانيف في الرد على المعتزلة وربما وافقهم ثم قال والرجل أقرب المتكلمين إلى السنة بل هو في مناظريهم. وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة، ولا مشيئة. وهذا ما سبق إليه أبدًا قاله في معارضة من يقول بخلق القرآن. والكلابية يثبتون الأسماء والصفات لكن على طريقة أهل الكلام لذلك يعدهم أهل السنة من متكلمة أهل الإثبات ويوافقون أهل السنة في كثير من مسائل العقيدة. انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٤ - ١٧٥)؛ ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٣/ ١٠٣) (٤/ ١٢، ١٤، ١٤٧، ١٥٦، ١٧٤)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٥٠).
(٢) الأشعرية تقدمت انظر (١/ ١٤٢)
[ ١ / ٢٢٢ ]
متأخريهم: بل لفظ الكلام يقال على هذا، وهذا بالإشتراك اللفظي لكن قد ينقض أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به وهم من هذا لا يقولون: إن المخلوق كلام اللَّه حقيقة كما تقوله المعتزلة مع قولهم: إنه كلامه حقيقة، بل يجعلون القرآن العربي كلامًا لغير اللَّه، وهو كلامه حقيقة وهذا شر من قول المعتزلة، وهذا حقيقة قول الجهمية. ومن هذا الوجه فقول المعتزلة أقرب وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة.
نعم المعتزلة موافقون لهؤلاء في المعنى وإنما ينازعونهم في اللفظ.
الثاني: أن هؤلاء يقولون للَّه كلام هو معنى قديم قائم بذاته تعالى والخلقية يقولون: لا يقوم بذاته كلام.
ومن هذا الوجه الكلابية والأشعرية خير من الخلقية في الظاهر، لكن جمهور الناس يقولون: إن أصحاب هذا عند التحقيق لم يثبتوا كلامًا له حقيقة غير المخلوق فإنهم يقولون: إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، ومنهم من قال: هو خمس معان.
وجمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام. والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطؤ واتفاق كما في مخبر الأخبار المتواترة. وأما مع التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدًا، وقد يتفقون على جحد الضرورات وإن لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولم يفهم حقيقة القول الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ولحبه لنصرة ذلك القول.
كما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم مفاسدها بالضرورة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وقال جمهور العقلاء: نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن معنى ذلك معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا.
وكذلك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ليس هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ولا معنى آية الكرسي آية الدين.
وقالوا: إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه جواب عقلي، ثم منهم من قال: إن الناس في الصفات إما مثبت لها قائل بالتعدد، وإما ناف لها، وإما إثباتها واتحادها فخلاف الإجماع. وهذه طريقة أبي بكر الباقلاني (١)، وأبِي المعالي الجويني (٢)، وغيرهما ومنهم من اعترف بأنه ليس له جواب كأبي الحسن الآمدي (٣) وغيره.
والمقصود هنا أن هذه الآية الكريمة تبين بطلان هذا القول كما بينت بطلان غيره فإن قوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقتضي نزول القرآن من ربه.
والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه بدليل قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ معانيه المجرده.
فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أن يكون نزله من اللَّه فلا يكون شيء منه نزله من عين الأعيان المخلوقة ونزله من نفسه.
_________________
(١) الباقلاني: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم البصري ثم البغدادي المعروف بالباقلاني (أبو بكر) متكلم على مذهب الأشعري ولد بالبصرة، وسكن بغداد وسمع بها الحديث، توفى سنة ٤٠٣ هـ. تاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩)؛ ووفيات الأعيان (٤/ ٢٦٩).
(٢) الجويني: انظر (١/ ١٣٧).
(٣) الآمدي: (١/ ١٣٧).
[ ١ / ٢٢٤ ]
نقل من كلام شيخ الإسلام في شرح العقيدة الأصفهانية
وأيضًا فإنه قال عقب هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
وهم كانوا يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر لم يكونوا يقولون إنما يعلمه بشر معانيه فقط.
بدليل قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
وعبر عن هذا بـ (يلحدون) لما تضمن من معنى ميلهم عن الحق، وميلهم إلى هذا الذي أضافوا إليه القرآن، فإن لفظ الإلحاد يقتضي ميلًا عن شيء إلى شيء بباطل.
وقد اشتهر في التفاسير: أن بعض الكفار كانوا يقولون إن محمدًا -ﷺ- تعلم القرآن من شخص كان بمكة أعجمي قيل: إنه كان مولى لابن الحضرمي (١).
فإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل به روح القدس بشرًا واللَّه أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي، وهذا لسان عربي مبين.
علم أن روح القدس نزل باللسان العربي المبين وأن محمدًا -ﷺ- لم يؤلف نظم القرآن بل سمعه من روح القدس، وإذا كان روح القدس نزل به من اللَّه علم أنه سمعه منه لم يؤلفه هو، وهذا بيان من اللَّه أن القرآن الذي هو باللسان العربي المبين سمعه روح القدس من اللَّه رب العالمين ونزل به منه (٢) " وهذا بين وللَّه الحمد.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا في شرح الأصفهانية (٣).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير والبغوي (٥/ ٩١).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ١٢٤).
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٣٥).
[ ١ / ٢٢٥ ]
قال أبو الحسن محمد بن عبد الملك (١) الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه "الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول" وذكر إثنى عشر إمامًا: الشافعي (٢)، ومالك (٣)، وسفيان الثوري (٤)، وأحمد بن حنبل (٥)، وسفيان بن عيينة (٦)، عبد اللَّه بن المبارك (٧)، وإسحاق بن راهوية (٨)، والبخاري (٩)، وأبا زرعة (١٠)، وأبا حاتم (١١).
قال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد (١٢) يقول: سمعت الإمام
_________________
(١) محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الكرجي بالجيم أبو الحسن بن أبي طالب: فقيه محدث مفسر أديب شاعر، من تصانيفه: الذرائع في علم الشرائع، الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول؛ تفسير القرآن؛ وغيرها، توفى سنة ٥٣٢. طبقات الشافعية (٦/ ١٣٧)؛ البداية (١٢/ ٢١٣)، ومعجم المؤلفين (١٠/ ٢٥٨).
(٢) الشافعي تقدم (١/ ١٧٤).
(٣) مالك تقدم (١/ ١٧٧).
(٤) سفيان الثوري تقدم (١/ ١٧٤).
(٥) أحمد تقدم (١/ ١١١).
(٦) سفيان بن عيينة تقدم (١/ ١٩١).
(٧) عبد اللَّه بن المبارك تقدم (١/ ١٨٤).
(٨) إسحاق بن راهويه تقدم (١/ ١١٢).
(٩) البخاري تقدم (١/ ١٨٦).
(١٠) أبو زرعة تقدم (١/ ١٠٩).
(١١) أبو حاتم: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أبو حاتم الرازي، أحد الحفاظ، توفى سنة سبع وسبعين ومائتين. تقريب (ص ٢٨٩).
(١٢) محمد بن أحمد بن علي بن شكرويه الأصبهاني أبو منصور: القاضي الفقيه المعمر، مات سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة هـ. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٩٣).
[ ١ / ٢٢٦ ]
أَبا بكر عبد اللَّه بن أحمد (١) يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الأسفرائيني (٢)، يقول مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر.
والقرآن حملة جبريل مسموعًا من اللَّه تعالى والنبي -ﷺ- سمعه من جبريل والصحابة ﵃ سمعوه من النبي -ﷺ- وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا فيما بين الدفتين، وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام اللَّه غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر عليه لعائن اللَّه والملائكة والناس أجمعين (٣).
قال أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد الاسفرائيني شديد الإنكار على أصحاب الكلام، وكان يدخل الجامع المنصور ويقبل على من حضر ويقول: أشهدوا عليّ
_________________
(١) أبو بكر عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه المروزي الخراساني: الإمام العلامة الفقيه، شيخ الشافعية، ويعرف بالقفال الصغير، وهو صاحب طريقة الخراسانيين في الفقه، كما أن أَبا حامد الأسفرائيني هو صاحب طريقة العراقيين، وعنهما انتشر المذهب الشافعي، توفى سنة سبع عشرة وأربع مائة وله من العمر تسعون سنة. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٠٥)؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٥٣ - ٦٢).
(٢) أحمد بن أبي طاهر صمد بن أحمد الأسفرائيني: الأستاذ العلامة الفقيه شيخ الشافعية ببغداد، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى في الطبقات: انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد وطبق الأرض بالأصحاب، وجمع مجلسه ثلاثمائة متفقه، مات سنة ست وأربعمائه. سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٣)؛ وطبقات الشافعية للسبكي (٤/ ٦١).
(٣) الأثر ذكره ابن تيمية أيضًا في درء تعارض الأصل والنقل (٢/ ٩٥ - ٩٦)؛ وذكره المؤلف في لوامع الأنوار (١/ ١٦٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٤/ ١٧٥، ١٢/ ١٦٠). وقد ذكر هنا عشرة وبقيتهم كما في درء تعارض العقل والنقل: الأوزاعي، والليث بن سعد.
[ ١ / ٢٢٧ ]
بأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق كما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁، لا كما يقول الباقلاني، وكان يتكرر منه ذلك فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس ويشيع الخبر في أهل البلاد، أني بريء مما هم عليه -يعني الأشعرية- وبريء من مذهب أبي بكر الباقلاني فإن جماعة (١) من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤن عليه فيعتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم مني تعلموه، وأنا قلته، وأنا بريء من مذهب الباقلاني وعقيدته" (٢).
هذا كلام (٣) الإمام أبي حامد أحمد بن طاهر الاسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحابًا، قال ابن خلكان في تاريخه وفيات الأعيان: أنتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد فكان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثمائة فقيه (٤).
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد: "أنه كان يحضر مجلسه سبعمائة متفقه، وكان الناس يقولون لو رآه الشافعي لفرح به" (٥) انتهى.
وكانت ولادة أبي حامد الإسفرائيني سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد سنة ثلاث وستين وثلائمائة، وتوفى سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن في داره ثم نقل إلى باب حرب (٦).
_________________
(١) في المخطوطتين فإن جماعته وما أثبتنا من العقيدة الأصفهانية (ص ٣٦)؛ ومن درء تعارض العقل والنقل، ومنهما ينقل الشارح.
(٢) نهاية ما أورده ابن تيمية. انظر: شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٣٦)؛ ودرء تعارض العقل والنقل (٢/ ٩٧).
(٣) في الأصل: هذا كلام هذا الإمام أبي حامد، وما أثبته من نسخة "ظ" وهو الصحيح.
(٤) وفيات الأعيان (١/ ٧٢).
(٥) تاريخ بغداد (٤/ ٣٦٩).
(٦) وفيات الأعيان (١/ ٧٤).
[ ١ / ٢٢٨ ]
أصل مقالة التعطيل
وإسفراين بلدة بخراسان من نواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان (١) ﵀ ورضي عنه.
و"لا" ناهية (تك) مجزومًا بها وحذفت النون تخفيفًا (في القرآن) العظيم والذكر الحكيم: (بالوقف قائلا): بأن تقول: أنا لا أقول القرآن قديم (٢) ولا مخلوق.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: الواقفة: هم الذين يقولون: القرآن كلام اللَّه ولا يقولون غير مخلوق، قال: وهم من شر الأصناف وأخبثها (٣) انتهى.
وقوله رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه: (كما قال أتباع) أي نوع من أتباع الجهم بن صفوان الذي نسبت إليه مقالة الجهمية. وإن كان إنما أخذ المقالة المذكورة عن الجعد بن درهم الذي ضحى عليه خالد القسري كما تقدم.
قال شيخ الإسلام بن تيمية روح اللَّه روحه في "الرسالة الحموية" (٤) أصل مقالة تعطيل الصفات إنما أخذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين فإنه أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم ابن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه.
وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي
_________________
(١) نفس المصدر.
(٢) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية القرآن بالقديم.
(٣) انظر السنة لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ١٧٩)؛ والسنة للإمام أحمد (ص ١٩ - ٢٠).
(٤) الفتوى الحموية الكبرى (ص ٩٨) ضمن مجموع النفائس.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الساحر الذي سحر النبي -ﷺ- (١).
وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم، والنمرود هو ملك الصابئة الكذابين المشركين كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك القبط الكفار، وقيصر ملك الروم، فهو اسم جنس لا اسم علم وكانت الصابئة إلا قليلا منهم إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم الفلاسفة. وإن كان الصابيء قد لا يكون مشركا، بل قد يكون مؤمنًا باللَّه واليوم الآخر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
لكن كثيرًا منهم، أو أكثرهم كانوا كفارًا ومشركين، فأولئك الصابئون كانوا إذ ذاك، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل فمذهب (٢) النفاة من هؤلاء في الرب سبحانه: أنه ليس له إلا صفات سلبية، أو اضافية، أو مركبة منهما، وهم الذين بعث إبراهيم خليل الرحمن ﵊ إليهم فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة وأخذها الجهم عنه، وأخذ المقالة الجهم أيضًا فيما ذكره سيدنا الإمام أحمد ﵁ وغيره من السمنية وهم بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات، فهذه أسانيد الجهم ترجع إلى اليهود والنصارى والصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين، إما من الصابئين، وإما من المشركين، ثم لما عربت الكتب الرومية كما تقدم الإشارة إليه زاد البلاء مع ما ألقى
_________________
(١) انظر مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠ - ٥١)، والبداية (٩/ ٣٥٠)؛ والوافي بالوفيات (١١/ ٨٦ - ٨٧)؛ سرح العيون (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).
(٢) في "ظ": فيذهب.
[ ١ / ٢٣٠ ]
الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.
وفي حدود المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي يسميها السلف مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل: مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والفضيل بن عياض، وبشر الحافي ﵃ وغيرهم في هؤلاء في ذمهم وتضليلهم مشهور معلوم (١).
فقول الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه (كما قال أتباع لجهم وأسمحوا) يعني إن الواقفية من فرق الجهمية.
وأما الجهمية المحضة من جهم وأتباعه المختصين به الذاهبين مذهبه فصرحوا بالقول بخلق القرآن.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁ في كتاب السنة: "الجهمية هم أعداء اللَّه فهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأن اللَّه تعالى لم يكلم موسى ﵇، وأن اللَّه تعالى لم يتكلم، وأنه تعالى لا يرى في الآخرة، ويقولون: ليس للَّه عرش ولا كرسي، قال: ويقولون كلامًا كثيرًا أكره حكايته.
قال: وهم كفار" (٢) انتهى.
ومعنى قوله: "وأسمحوا" أي جادوا بالقول بخلق القرآن ولانوا. يقال: سمح ككره سماحًا وسماحة جاد وكرم كأسمح فهو سمح وأسمحت قرونته ذلت نفسه والدابة لانت بعد استصعاب (٣).
_________________
(١) نهاية كلام ابن تيمية. انظر الفتوى الحموية (ص ٩٩) ضمن النفائس.
(٢) السنة للإمام أحمد (ص ١٩).
(٣) تاج العروس (٢/ ١٦٦ - ١٦٧) سمح.
[ ١ / ٢٣١ ]
النهي عن القول بخلق القرآن
مذهب السلف في كلام الله
مسألة اللفظ بالقرآن
(ولا تقل القرآن العظيم خلق) أي مخلوق فلا ناهية وتقل مجزوم وحركت اللام بالكسر لالتقاء الساكنين، والقرآن مبتدأ، وخلق بمعنى مخلوق خبره.
و(قراءة) منصوب على الحال أو بنزع الخافض أي في القراءة يعني لا تقل: قراءتي مخلوقة.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "اللفظية هم الذين يزعمون أن القرآن كلام اللَّه، ولكن ألفاظنا وقراءتنا مخلوقة، وهم جهمية (١) فساق. انتهى.
ولهذا قال الناظم (فإن كلام اللَّه) الذي هو القرآن (باللفظ يوضح) أي يكشف ويظهر ويبين.
فتحرير مذهب السلف: أن اللَّه تعالى متكلم، وأن القرآن كلام اللَّه، وأنه قديم (٢) حروفه ومعانية.
والكلام كلام من قاله مبتدئًا به لا كلام من قاله مبلغًا ومؤديًا، وموسى ﵇ سمع كلام اللَّه من اللَّه بلا واسطة، والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض، فسماع موسى مطلق بلا واسطة، وسماع الناس مقيد بواسطة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
_________________
(١) انظر: السنة للإمام أحمد (ص ٢٠)؛ ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٥).
(٢) انظر: ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية القرآن قديم.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وقال النبي -ﷺ-: "زينوا القرآن بأصواتكم" (١).
فجعل الكلام، كلام الباري، وجعل الصوت صوت القارئ فالذي يقرأ به العبد صوت نفسه، فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون: ليس هو كلام اللَّه، أو هو كلام غيره، فهو ملحد مبتدع ضال. ومن قال إن أصوات العباد والمداد الذي كتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع ضال، بل هذا القرآن هو كلام اللَّه وهو مثبت في المصاحف، وهو كلام اللَّه مبلغ مسموع من القراء ليس هو مسموعًا منه تعالى فكلام اللَّه قديم وصوت العبد حادث مخلوق (٢).
_________________
(١) رواه أبو داود رقم (١٤٦٨) في الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة؛ والنسائي (٢/ ١٣٩، ١٤٠) في الصلاة باب تزيين القرآن بالصوت؛ والدارمي (٢/ ٣٤٠)؛ وأحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤)؛ وابن ماجة رقم (١٣٤٢)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٢/ ٦٤)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧١ - ٥٧٥) من عدة طرق عن البراء بن عازب ﵁؛ وقال الألباني صحيح. صحيح الجامع (٣/ ١٩٤).
(٢) هذه المسألة تسمى "مسألة اللفظ بالقرآن". قال ابن تيمية ﵀: قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة حتى قال ابن قتيبة كلامًا معناه لم يختلف أهل الحديث في شيء من مذاهبهم إلا في مسألة "اللفظ". وبين أن سبب ذلك لما وقع فيها من الغموض والنزاع بينهم في كثير من المواضع لفظي. ثم قال في موضع آخر: ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. لأن اللفظ يراد به صدر لفظ يلفظ لفظًا، ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد مخلوق. ويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام اللَّه لا كلام القارئ، فمن قال: إنه مخلوق فقد قال إن اللَّه لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام اللَّه، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول، وأما صوت العبد فهو مخلوق. =
[ ١ / ٢٣٣ ]
مذهب الحنابلة في كلام الله
والحاصل أن مذهب الحنابلة كسائر السلف أن اللَّه يتكلم بحرف وصوت.
قال العلامة ابن حمدان (١) في "نهاية المبتدئين في أصول الدين": "اللَّه تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم (٢) ذاتي وجودي غير مخلوق ولا محدث ولا حادث.
وقال: قال الإمام أحمد ﵁: لم يزل اللَّه متكلمًا كيف شاء وإذا شاء بلا كيف.
وقال: القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة وغلط من قال بهما وجهله، ونصه:
"من قال إن القرآن عبارة عن كلام اللَّه تعالى فقد غلط وجهل".
وقال الناسخ والمنسوخ في كتاب اللَّه تعالى دون العبارة والحكاية، وقال:
_________________
(١) = وقد صرح أحد وكبره بأن الصوت المسموع صوت العبد. ثم قال في موضع آخر: فكان ما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة من أن الصوت صوت العبد موافقًا للكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. ففرق سبحانه بين المداد الذي تكتب به كلماته وبين كلماته فالبحر وغيره من المداد الذي يكتب به الكلمات مخلوق وكلمات اللَّه غير مخلوقه. انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ٧٤، ١٣٦، ١٣٧، ٢١١، ٣٠٢ - ٣٠٣، ٣٣٣، ٥٦٦ - ٥٦٧).
(٢) ابن حمدان تقدم (١/ ١٥٣).
(٣) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية كلام اللَّه قديم.
[ ١ / ٢٣٤ ]
تقرير لشيخ الإسلام حول مسألة اللفظ بالقرآن
هذه بدعة لم يقلها السلف.
وقوله تعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ يبطل الحكاية، منه بدأ وإليه يعود (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب اللَّه ثراه: " (٢) معنى قولهم منه بدأ: أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية (٣) من المعتزلة وغيرهم إنه بدأ من بعض المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم به كلام قال ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته تعالى فإن الكلام وغيره من الصفات لا يفارق الموصوف به، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره.
ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد: كلام اللَّه من اللَّه ليس ببائن منه خلقه في بعض الأجسام.
ومعنى قول السلف: "إليه يعود":
ما جاء في الآثار أن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية (٤).
_________________
(١) انظر: اعتقاد الإمام أحمد رواية أبي الفضل عبد الواحد التميمي في الجزء الثاني (ص ٢٩٦) من طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٤)؛ والعين والأثر (ص ٧٦).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٥ - ٦)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٨٧ - ٨٨)؛ ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٩٠، ٥١٧)؛ وتوضيح المقاصد شرح النونية (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٣) في "ظ" والمعتزلة.
(٤) ورد في ذلك أحاديث منها: ما رواه ابن ماجه في سننه (٢/ ١٣٤٤) رقم (٤٠٤٩) في الفتن باب ذهاب القرآن والعلم، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٧٣، ٥٠٦) عن حذيفة ﵁ في حديث طويل وفيه: "وليسرى على كتاب اللَّه ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية". =
[ ١ / ٢٣٥ ]
وقال الإمام أحمد ﵁ تارة: منه القرآن أي من اللَّه خرج وهو المتكلم به وإليه يعود: أي يرتفع القرآن دفعة واحدة عن الناس وترتفع تلاوته وأحكامه.
فيعود إلى اللَّه تعالى حقيقة نص عليه الإمام أحمد ﵁.
ونص الإمام أحمد أيضًا ﵁ على أنه حروف وأصوات وسور وآيات فقال في رواية ابنه عبد اللَّه: تكلم اللَّه بصوت، وإنما تنفى هذا الجهمية، وإنما يدورون على التعطيل (١).
وقال في رسالته إلى أهل نيسابور: من زعم أن حروف الهجاء مخلوقة فهو كافر لأنه سلك طريقًا إلى البدعة، قال: ومتى قال بذلك حكم بأن القرآن مخلوق (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه (٣): "إذا قيل إن حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكنًا بخلاف ما إذا قيل إن عين اللفظ الذي نطق به زيد وعمرو قديم فإن هذا مكابرة للحس والمتكلم يسلم أن حروف المعجم كانت موجودة قبل وجوده بنوعها.
وأما نفس الصوت المعين الذي قام به أو التقطيع أو التأليف المعين لذلك الصوت فيعلم أن عينه لم يكن موجودًا قبله قال: والمنقول عن الإمام أحمد ﵁ وغيره من الأئمة أهل السنة يطابق لهذا القول.
_________________
(١) = قال البوصيرى في زوائد ابن ماجة (٤/ ١٩٤): إسناده صحيح رجاله ثقات. وصححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي.
(٢) انظر كتاب السنة لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، والأصفهانية (ص ٣١)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٩٩ - ١٠٠)؛ وفتح الباري (١٣/ ٤٦٩).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (١٢/ ٨٥).
(٤) المصدر السابق (١٢/ ١٥٨ - ١٥٩).
[ ١ / ٢٣٦ ]
قال: ولهذا أنكروا على من زعم أن حرفًا من حروف المعجم مخلوق وأنكروا على من قال لما خلق اللَّه الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر، مع أن هذه الحكاية نقلت للإمام أحمد عن السري السقطي (١) وهو نقلها عن بكر (٢) بن خنيس العابد (٣).
ولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا بيان أن العبد الذي يتوقف فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذي يعبد اللَّه بغير شرع، فإن كثيرًا من العباد يعبدون اللَّه تعالى بما تحبه قلوبهم، وإن لم يكونوا مأمورين به، فقصد أولئك الشيوخ أن من عبد اللَّه بالأمر، ولم يفعل شيئًا حتى يؤمر به فهو أفضل ممن عبده بما لم يؤمر به.
وذكروا هذه الحكاية الإسرائيلية شاهدًا لذلك، مع أن هذه لا إسناد لها ولا يثبت بها حكم، ولكن الإسرائيليات إذا ذكرت على طريق الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس.
وقصدوا بذلك الحروف المكتوبة لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك، مع أن هذا أمر اصطلاحي وخط العرب غير خط الغرب، ولم يكن قصد أولئك الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التي هي مباني أسماء اللَّه الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة
_________________
(١) السري بن المغلس السقطي أبو الحسن البغدادي: أحد العباد الزهاد، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين. تاريخ بغداد (٩/ ١٨٧)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨٥).
(٢) بكر بن خنيس الكوفي العابد نزيل بغداد، قال الذهبي: كان في حدود السبعين ومائة. تهذيب الكمال (٤/ ٢٠٨ - ٢١١)؛ تقريب (ص ٤٧).
(٣) روى هذه الحكاية أبو بكر النقاش في تفسيره كما في الإنصاف للباقلاني (ص ١٥٢ - ١٥٣) وسيأتي تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية عليها بعد قليل.
[ ١ / ٢٣٧ ]
بائنة عن اللَّه تعالى، بل هذا شيء لمله لم يخطر بقلوبهم، والحروف المنطوقة لا يقال فيها إنها منتصبة ولا ساجدة، فمن احتج بهذا من قولهم على أنهم يقولون: إن اللَّه لم يتكلم بالقرآن العربي، ولا بالتوراة العبرية، فقد قال عنهم ما لم يقولوه.
وأما الإمام أحمد ﵁ فإنه أنكر إطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الإطلاق، وهو أن نفس حروف المعجم مخلوقة كما نقل عنه أنه قال: ومن زعم أن حرفًا من حروف المعجم مخلوق، فقد سلك طريقًا إلى البدعة فإنه إذا قال ذلك مخلوق فقد قال القرآن مخلوق (١) أو كما قال.
قال الإمام تقي الدين ابن تيمية: ولا ريب أن من جعل نوع الحروف مخلوقًا بائنًا عن اللَّه كائنًا بعد أن لم يكن لزم أن يكون كلام اللَّه العربي والعبري ونحوهما مخلوقًا وامتنع أن يكون اللَّه تكلم بكلامه الذي أنزله على عبده فلا يكون شيء من ذلك كلامه.
فطريقة (٢) الإمام أحمد وغيره من السلف مطابقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول (٣) انتهى.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: فإن قال القرآن مخلوق، أو محدث، أو حادث، أو القرآن بلفظي، أو لفظي بالقرآن مخلوق، أو محدث، أو حادث، أو وقف فيه شاكًا، أو ادعى قدرة بشر على مثله كفر.
ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع (٤) نص عليه انتهى.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٥٨ - ١٦٠، ٨٤، ٨٥).
(٢) في "ظ" فطريق.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٠).
(٤) انظر: السنة للإمام أحمد (ص ١٦)، وعقيدة أهل السنة للإمام أحمد (ص ٢٧)؛ والسنة =
[ ١ / ٢٣٨ ]
الأول: ثبت الصوت بالنص
ومراد الإمام أحمد والأصحاب أن يحمي حمى القرآن فلا تتسلق إليه الألسنة -خصوصًا ألسنة المبتدعة بما لعله يصير سلمًا للوصول إلى القول بخلقه- وإلا فلا يرتاب أن ألفاظ العباد كأصواتهم وسائر ما هو منهم مخلوق بلا شك ضرورة كون الألفاظ من المتلفظ وهي لا تزيد على ما هي منه.
وحينئذٍ فالصواب أن يقال: القرآن قديم (١) ولفظي مخلوق (٢) وهذا بين وللَّه الحمد.
تنبيهات:
الأول: ثبت الصوت بالنص صريحًا مع ما يفهم من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] و﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات القرآنية مما لا يحصى إلا بكلفة.
وموسى ﵇ مع الكلام بحرف وصوت من الملك السلام، وإذا ثبت سماع موسى من اللَّه تعالى لم يجز أن يكون الكلام الذي سمعه إلا صوتًا وحرفًا.
فإنه لو كان معنى في النفس وفكرة ورؤية لم يكن ذلك تكليمًا لموسى ولا هو بشيء يسمع والفكر لا يسمى مناداة.
فإن قيل نحن لا نسميه صوتًا وإن كان مسموعًا، قلنا هذا مخالفة في اللفظ مع موافقة المعنى فإنه لا يعني بالصوت إلا ما كان مسموعًا فإن قيل إنما سمع موسى
_________________
(١) = لعبد اللَّه (١/ ١٦٣ - ١٦٥، ١٧٩)
(٢) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٣) انظر ما تقدم (٢/ ٢٣٢) حول مسألة اللفظ بالقرآن.
[ ١ / ٢٣٩ ]
تقرير للحافظ ابن حجر حول مسألة "الصوت"
الكلام من الشجرة. قلنا هذا مع مصادمته للنص ومكابرة في غير طائل يلزم أن يكون موسى كليم الشجرة لا كليم اللَّه تعالى ويلزم أن يكون بنو إسرائيل أفضل في ذلك منه لأنهم سمعوا من أفضل ممن سمع منه موسى على زعمكم، إنما سمع من الشجرة، ولا يرتاب مؤمن أن موسى أفضل وأجل وأعظم من الشجرة (١).
ثم إن لفظ الصوت صحت به الأخبار عن النبي المختار -ﷺ-.
قال الحافظ بن حجر (٢) في شرح البخاري: (٣) "من نفى الصوت يلزمه أن اللَّه تعالى لم يسمع أحدًا من ملائكته ولا رسله كلامه، بل ألهمهم إياه إلهامًا، قال: وحاصل الإحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنها التي عهدت ذات مخارج ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير انفصال أشعة، ولئن سلم فيمنع القياس المذكور لأن صفة الخالق تعالى لا تقاس على صفة المخلوقين.
وحيث ثبت ذكر الصوت بالأحاديث الصحيحة، وجب الإيمان به ثم إما التفويض وإما التأويل" (٤).
_________________
(١) هذا الكلام ذكره المؤلف في اللوامع (١/ ١٤٠) من كلام ابن قدامة.
(٢) ابن حجر تقدم (١/ ١١٩).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٤٦٦).
(٤) الصحيح أن التاويل والتفويض ليس من مذهب السلف وإن مذهبهم الإيمان باللَّه وبأسمائه وصفاته وإثباتها للَّه على الوجه اللائق به كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وإنما نفوا علم الصفة والكيفية، فهذا هو الذي لا يعلمه إلا اللَّه كما أجاب الإمام مالك بن أنس لما سئل عن الاستواء قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول" انتهى. وسيأتى في كلام الشارح مزيد بيان وتفصيل لمذهب السلف.
[ ١ / ٢٤٠ ]
أحاديت إثبات الصوت
وقال في موضع آخر من شرح البخاري أيضًا: "قوله -ﷺ-: "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف -أي يأمر من ينادي فأستبعده بعض من أثبت الصوت بأن في قوله: "يسمعه من بعد" إشارة إلى أنه ليس من المخلوق لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم. وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا، وإذا سمع بعضهم بعضًا لم يصعقوا.
قال: فعلى هذا فصوته صفة من صفات ذاته، لا يشبه صوت غيره إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين.
قال: وهكذا قرره المصنف يعني الإمام البخاري ما في كتاب خلق أفعال العباد (١).
فمن أحاديث اثبات الصوت ما روى جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: خرجت إلى الشام إلى عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري ﵁ فقال عبد اللَّه بن أنيس: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "يحشر اللَّه العباد أو قال الناس وأوما بيده إلى الشام عراة غرلا (٢) بهما قال قلت ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل النار وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة قلنا كيف وإنما نأتي اللَّه حفاة عراة غرلا، قال بالحسنات والسيئات" أخرج أصله البخاري فى صحيحه تعليقا مستشهدًا به إلى قوله: "أنا الملك أنا الديان" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، ولوامع الأنوار (١/ ١٤٠ - ١٤١)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٥٤ - ٥٥)، وكلام الحافظ ابن حجر في نفس الحديث.
(٢) غرلا: جمع أغرل: الأقلف: وهو الذي لم يختن. النهاية (٣/ ٣٦٢).
(٣) الحديث رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٩٥)؛ والبخاري في خلق أفعال العباد رقم (٤٦٣)؛ =
[ ١ / ٢٤١ ]
وأخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي (١)، والطبراني (٢).
وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي (٣) بسنده إلى جابر ﵁ قال: بلغني أن للنبي -ﷺ- حديثا في القصاص قال وكان صاحب الحديث بمصر فاشتريت بعيرًا فشددت عليه رحلا، وسرت حتى وردت مصر فمضيت إلى باب الرجل الذي بلغني عنه الحديث، فقرعت بابه فخرج إليه مملوكه فنظر في وجهي ولم يكلمني، فدخل إلى سيده، فقال أعرابي، فقال سله من أنت؟
_________________
(١) = وفي الأدب المفرد رقم (٩٧٠) (ص ٣٣٧)؛ وفي الصحيح مختصرًا ومعلقًا في التوحيد في باب قول اللَّه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١٣/ ٤٦٥). وأخرجه الحاكم في موضعين (٢/ ٤٣٧، ٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥)؛ والبيهقي في الأسماء (ص ٣٤٦)؛ والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص ٣١ - ٣٢)؛ وفي الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٢٢٣)، والطبراني في الكبير؛ وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (١/ ١٣٣) (١٠/ ٣٤٥ - ٣٤٦، ٣٥١)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٩٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في الموضعين وحسنه المنذري في الترغيب (٤/ ٣٧٣)، وكذا الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥١) وابن القيم في الصواعق المرسلة المختصر (٢/ ٢٨٠).
(٢) أبو يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الموصلي أبو يعلى من علماء الحديث الحفاظ الثقات له كتب منها: المعجم في شيوخه طبع، والمسند الكبير والصغير طغ في ثلاث عشر مجلدا، مات سنة سبع وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٧٤)؛ والأعلام (١/ ١٧١).
(٣) الطبراني تقدم (١/ ١٤٦).
(٤) ضياء الدين المقدسي: محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن ابن اسماعيل ضياء الدين أبو عبد اللَّه السعدي المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي محدث حافظ ورع صاحب تصانيف ورحلة واسعة في طلب العلم، توفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٢٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]
فقال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، فخرج إلى مولاه، فلما ترائينا اعتنق أحدنا صاحبه فقال: يا جابر ما جئت تعرف فقلت حديث بلغني عن النبي -ﷺ- في القصاص ولا أظن أحدًا ممن مضى وممن بقي أحفظ له منك قال: نعم يا جابر سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول إن اللَّه تعالى يبعثكم يوم القيامة من قبوركم حفاة عراة غرلا بهما ثم ينادي بصوت رفيع غير فظيع يسمعه من بعد كمن قرب أنا الديان لا تظالم اليوم أما وعزتي لا يجاورني اليوم ظالم، ولو لطمة بكف أو يد على يد ألا وأنَّ أشد ما أتخوف على أمتي من بعدى عمل قوم لوط فلترتقب أمتي العذاب إذا تكافأ النساء بالنساء والرجال بالرجال" (١) ورواه عبد الحق الأشبيلي (٢) من طريق الحارث (٣) ابن أبي أسامه ومن مسنده نقله وخرجه علي بن معبد البغوي (٤) المالكي وغيره.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه تعالى
_________________
(١) رواه عبد الحق الأشبيلي في العاقبة فى ذكر الموت والآخرة (ص ٣٠٦)؛ من مسند الحارث بن أبي أسامة بالرواية الأولى التي سبقت قبل قليل، وهذه الرواية أخرجها الضياء المقدسى في "المختارة" كما في شرح الكوكب المنير (٢/ ٦٤ - ٦٥)؛ وانظر فتح الباري (١/ ٢٠٩)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٤١ - ١٤٢).
(٢) عبد الحق الأشبيلي: عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحسين بن سعيد الأزدي الأندلسي الأشبيلي أبو محمد المعروف في زمانه بابن الخراط، كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله عارفًا بالرجال موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة، صنف التصانيف منها: الأحكام الكبرى، والصغرى وغيرها، مات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٨)؛ وبغية المتلمس للضبي (ص ٣٩١).
(٣) الحارث بن محمد بن أبي أسامة واسم أبي أسامة داهر محدث حافظ صدوق، صاحب المسند المشهور، مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٨).
(٤) علي بن معبد البغوي لم أجده.
[ ١ / ٢٤٣ ]
إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبريل: ماذا قال ربك؟ "يقول" الحق. فينادون الحق الحق".
أخرجه أبو داود (١) ورواته ثقات.
ونحوه من حديث أبي هريرة رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة (٢).
وكذا رواه الإمام أحمد ورواه ابنه عبد اللَّه قال: وسألت أبي فقلت يا أبي الجهمية يزعمون أن اللَّه لا يتكلم بصوت، فقال: كذبوا إنما يدورون على التعطيل.
ثم روى الإمام أحمد بسنده إلى ابن مسعود ﵁ قال: إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع صوته أهل السماء (٣).
_________________
(١) رواه أبو داود في السنة رقم (٤٧٣٨)؛ وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٥٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٦٢ - ٢٦٣)، وقال الألباني في الصحيحة رقم (١٢٩٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) رواه البخاري في المسير (٨/ ٣٩٨) في تفسير سورة سبأ، باب "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"؛ وفي تفسير سورة الحجر باب قوله: "إلا من استرق السمع" (٨/ ٢٣١)؛ وفي التوحيد رقم (٧٤٨١) باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾؛ والترمذي في التفسير رقم (٣٢٢٣) باب ومن سورة سبأ؛ وابن ماجة في المقدمة (١/ ٦٩ - ٧٠) رقم (١٩٤).
(٣) أخرجه أحمد رواه عنه ابنه عبد اللَّه في السنة رقم (٥٣٦) موقوفًا على ابن مسعود وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٤٤ ]
قال السجزي: (١) وما في رواة هذا الخبر إلا إمام مقبول انتهى.
وتتمة الخبر: فيخرون سجدًا حتى إذا فزع عن قلوبهم قال سكن عن قلوبهم قال أهل السماء: ماذا قال ربكم، قالوا الحق قال كذا وكذا.
قال الإمام القاضي أبو الحسين (٢) وغيره ومثل هذا لا يقوله ابن مسعود ﵁ إلا توقيفًا لأنه إثبات صفة للذات (٣).
وقد روي في إثبات الحرف والصوت ما يزيد على أربعين حديثًا بعضها صحاح وبعضها حسان يحتج بها (٤) أخرجها الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي (٥) وغيره.
وأخرج سيدنا الإمام أحمد غالبها، واحتج به وذكر الحافظ بن حجر غالبها في شرح البخاري، واحتج بها البخاري وغيره من أئمة أهل السنة والحديث على أن اللَّه تعالى وتقدس يتكلم بحرف وصوت.
_________________
(١) السجزي: جاء في المخطوطتين السنجري والمثبت من المصادر فهو عبيد اللَّه بن سعيد "أبو نصر السجزي" تقدمت ترجمته (١/ ٢١٧).
(٢) هو: محمد بن محمد بن الحسين القاضي الشهيد أبو الحسين صاحب طبقات الحنابلة ابن القاضي أبي يعلى الفراء كان عارفًا بالمذهب متشددًا في السنة، وكان فقيهًا مناظرًا له تصانيف كثيرة، توفى سنة ٥٢٦ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦)؛ وشذرات الذهب (٤/ ١٧٩).
(٣) انظر: هذه النصوص في شرح الكوكب المنير (٢/ ٦٨ - ٦٩)؛ وفي لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٤٢ - ١٤٣)؛ وفي شرح الكافية الشافية لابن عيسى (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، وفي البرهان في بيان القرآن لابن قدامة (ص ٢٧٠ - ٢٧٢).
(٤) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ٧٩).
(٥) تقدم (١/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢٤٥ ]
تقرير مذهب السلف في إثبات الصوت
التنبيه الثاني: القرآن كلام الله وما فيه من الخصائص والإعجاز
وقد صححوا هذا الأصل واعتقدوه واعتمدوه مع تنزيههم للَّه تعالى عما لا يليق بعظمة جلاله من شبهات الحدوث وسمات النقص كما قالوا في سائر الصفات إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل فالمشبه يعبد صنما، والمعطل يعبد عدمًا، والمسلم يعبد إله الأرض والسماء.
فإذا رأينا أحدًا من الناس مما لا يقدر عشر معشار هؤلاء يقول لم يصح عن النبي -ﷺ- حديث واحد أنه تكلم بحرف وصوت، ورأينا هؤلاء الأئمة قد دونوا هذه الأخبار، وعملوا بها ودانوا اللَّه تعالى بها وصرحوا بأن اللَّه تعالى تكلم بحرف وصوت لا يشبهان صوت مخلوق ولا حرفه بوجه ألبتة، معتمدين على ما صح عندهم عن صاحب الشريعة المعصوم في أقواله وأفعاله الذي (لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
مع اعتقادهم الجازم الذي لا ريب فيه ولا شك يعتريه نفي التمثيل والتكييف والتشبيه، بل يقولون في صفة الكلام كما يقولون في غيرها من سائر الصفات الذاتية، والفعلية، والخبرية: نؤمن بما جاءة بها الأخبار وصحت الآثار، لا كما يخص بالبال أو يتوهمه الخيال.
إذ ليس كمثل اللَّه شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله (١) واللَّه تعالى الموفق.
الثاني: القرآن العظيم كلام اللَّه القديم (٢) ونوره المبين وحبله المتين وفيه الحجة
_________________
(١) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ٧٩ - ٨٠)، ولوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٤٣)؛ وشرح الكافية (١/ ٢٢٩).
(٢) انظر ما تقدم (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨) حول نسية كلام اللَّه القديم.
[ ١ / ٢٤٦ ]
والدعوة، فله اختصاص بذلك على غيره من سائر الكتب الإلهية كما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه اللَّه إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١).
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: يعني أن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل عليّ وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، قال: وليس المراد حصر معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه.
بل المراد أنه المعجزة العظمى والآية الكبرى التي اختص بها دون غيره -ﷺ- من الاُنبياء ﵈ (٢). انتهى.
ولا يخفى أن كون دعوة النبي -ﷺ- التي هي شريعته المبعوث بها فيها معجزته التي تحدى الخلق بها من أعظم الآيات وأبهر المعجزات، وأظهر الدلالات، ولهذا استمرت معجزته العظمى باستمرار شريعته الغراء. وفيه إشارة، وتنبيه، وبشارة، وتنويه بأن هذا النبي الأمين خاتم النبيين والمرسلين، فشريعته دائمة ما دام الملوان (٣) ومعجزته باقية ما
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي أول ما نزل (٨/ ٦١٩)؛ وفي الإعتصام باب قول النبي -ﷺ-: بعثت بجوامع الكلم (١٣/ ٢٦١) رقم (٧٢٧٤)؛ وأخرجه مسلم في الإيمان رقم (١٥٢) باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -ﷺ- من رواية أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: فتح الباري (٨/ ٦٢٣).
(٣) الملوان: الليل والنهار وطرفاهما وهما في المثنى الذي لا يفرد واحده.
[ ١ / ٢٤٧ ]
التنبية الثالث: ثبوت إعجاز القرآن وبطلان القول بالصرفه
كر الجديدان (١) واللَّه ولي الإحسان. . . (٢).
الثالث: قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: من قال القرآن مقدور على مثله، ولكن اللَّه منع قدرتهم من ذلك كفر، بل هو معجزة بنفسه -كما في نهاية المبتدئين (٣) - يعني ليس في وسع الخلق ولا قدرتهم مضاهات القرآن ولا شيئا منه (٤).
قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (٥) الحنبلي في كتابه "الوفاء": "وكان المرتضى (٦) العلوي يقول بالصرفة -يعني أن اللَّه تعالى صرف العرب عن الإتيان بمثله لا أنهم عجزوا" (٧).
قال الإمام أبو الوفاء (٨) ابن عقيل الحنبلي شيخ ابن الجوزي:
_________________
(١) الجديدان: الليل والنهار، أو الغدوة والعشي. جنى الجنتين في تمييز نوعي المثنيين (ص ٣٣، ١٠٨).
(٢) لوامع الأنوار (١/ ١٧٧).
(٣) نهاية المبتدئين في أصول الدين لأحمد بن حمدان تقدم التعريف به (١/ ١٥٣).
(٤) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ١١٥).
(٥) ابن الجوزي تقدم التعريف به (١/ ١٤٦).
(٦) المرتضى العلوي: علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم أبو القاسم من أحفاد الحسين بن علي بن أبي طالب نقيب الطالبين وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر يقول بالإعتزال، مولده ووفاته ببغداد، له تصانيف كثيرة، توفى سنة ٤٣٦. ميزان الإعتدال (٣/ ١٢٤)؛ والأعلام (٤/ ٢٧٨).
(٧) وهذا رأي النظام من المعتزلة. انظر: الإتقان في علوم القرآن (٤/ ٦ - ٧)، والبرهان في علوم القرآن (٢/ ٩٣ - ٩٤).
(٨) أبو الوفاء ابن عقيل: علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد اللَّه البغدادي الظفري أبو الوفاء ابن عقيل شيخ الحنابلة في عصره وعالم العراق، كان قوي الحجة يتوقد ذكاء، =
[ ١ / ٢٤٨ ]
نقل من كلام شيخ الإسلام حول إعجاز القرآن وضعف القول بالصرفة
الصرف عن الإتيان بمثله دال على أن له قدرة حاصلة قال، وإن كان في الصرفة نوع إعجاز إلا أن كون القرآن في نفسه ممتنعًا عن الإتيان بمثله لمعنى يعود عليه آكد في الدلالة وأعظم لفضيلة القرآن، قال وما قول من قال بالصرفة إلا بمثابة من قال بأن عيون الناظرين إلى عصا موسى ﵇ خيل لهم أنها حية وثعبان، لا أنها في نفسها انقلبت، قال: فالتحدي للمصروف عن الشيء لا يحس كما لا يتحدى العجم بالعربية.
قال ابن الجوزي وأنا أقول: إنما يصرفون عن النبي بتغير طباعهم عند نزوله أن يقدروا على مثله، فهل وجد لأحد منهم قبل الصرفة منذ وجدت العرب كلام يقاربه مع اعتمادهم على الفصاحة (١).
فالقول بالصرفة ليس بشيء (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه سره في كتابه: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (٣): "كلما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن حجة على إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له.
ثم قال: ومن أضعف الأقوال قول من يقول من أهل الكلام أنه معجز بصرف
_________________
(١) = وكان بحر معارف اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته، ثم تاب ورجع عنه، له تصانيف كثيرة منها: كتاب الفنون في أربعمائة مجلد، توفى سنة ٥١٣. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣) وما بعدها، والأعلام (٤/ ٣١٣).
(٢) انظر: الوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزي (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وانظر الرد على من يقول بالصرفة البرهان في علوم القرآن (٢/ ٩٣ - ٩٤)؛ والإتقان في علوم القرآن (٤/ ٦ - ٧).
(٣) انظر لوامع الأنوار (١/ ١٧٤).
(٤) انظر الجواب الصحيح (٤/ ٧٥ - ٧٦)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٧٤).
[ ١ / ٢٤٩ ]
الدواعي مع قيام الموجب لها، أو سلب القدرة الجازمة وهو أن اللَّه صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضى التام أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًا شل قوله تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠].
فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله فامتناعهم جميعهم عن هذه المعارضة مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة من أبلغ الآيات الخارقة للعادة بمنزلة من يقول: "إني آخذ جميع أموال أهل الأرض، أو أهل هذه البلد العظيم، وأضربهم جميعهم وأجوعهم، وهم قادرون على أن يشتكوا إلى اللَّه، وإلى ولي الأمر، وليس فيهم مع ذلك من يشتكي فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة، ولو قدر أن أحدًا صنف كتابًا يقدر أمثاله على تصنيف مثله، أو قال شعرًا يقدر أمثاله على أن يقولوا مثله وتحداهم كلهم فقال: عارضوني، وإن لم تعارضون فأنتم كفار مأواكم النار ودماؤكم حلال امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد فإذا لم يعارضوه كان هذا من العجائب الخارقة للعادة.
والذي جاء بالقرآن العظيم -ﷺ- قال للخلق كلهم أنا رسول اللَّه إليكم جميعا، ومن آمن بي دخل الجنة، ومن لم يؤمن بي دخل النار، وقد أبيح لي قتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم وغنيمة أموالهم، ووجب عليهم كلهم طاعتي ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق.
ومن آياتي هذا القرآن فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله وأنا أخبركم أن أحدًا لا يأتي بمثله فإنه لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة، أو عاجزين فإن كانوا قادرين ولم يعارضوه، بل صرف اللَّه دواعى قلوبهم ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم، أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه،
[ ١ / ٢٥٠ ]
فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل: معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام، ولا على الأكل والشرب، فإن المنع من المعتاد كإحداث غير المتعاد فهذا من أبلغ الخوارق.
وإن كانوا عاجزين ثبت أنه خارق للعادة فثبت خرق العادة على تقدير النقيضين النفي والإثبات.
فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر، قال شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه (١): فهذا غاية التنزل وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك. قال: بل ولا يقدر محمد -ﷺ- من تلقاء نفسه أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكل من له أدنى تدبر كما أخبر تعالى فى قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].
قلت: وفى شفاء القاضي عياض (٢) ميل للقول بالصرفة (٣).
_________________
(١) الجواب الصحيح (٤/ ٧٦)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٧٥).
(٢) القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل، عالم المغرب، إمام أهل الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، مولده بمدينة سبته وتولى القضاء فيها، ثم قضاء غرناطة، ثم توفى بمراكش مسمومًا وقيل: سمه يهودي سنة ٥٤٤ هـ، وقد جمع المقرئ سيرته وأخباره في كتاب "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض" ط. ولولده أبي عبد اللَّه محمد التعريف بالقاضي عياض طبع أيضًا. أنظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)؛ والأعلام (٥/ ٩٩).
(٣) انظر: الشفا للقاضي عياض (١/ ٣٧٣) وذكر أن الأشعري أيضًا ممن يقول بالصرفة. وقال القاري: وهو -القول بالصرفة- قول مرجوح عند أكابر الأئمة. شرح الشفاء للقاري (٢/ ٧٨١، ٨٠٦).
[ ١ / ٢٥١ ]
التنبية الرابع: معجزات الأنبياء مناسبة لأحوال قومهم
وذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابه الوفاء عن الإمام أبي الوفاء ابن عقيل أنه قال: حكى لي أبو محمد بن مسلم النحوي قال: كنا نتذاكر إعجاز القرآن، وكان ثم شيخ كثير الفضل، فقال: ما فيه ما يعجز العقلاء عنه، ثم ارتقى إلى غرفة ومعه صحيفة ومحبرة ووعد أنه سيباديهم بعد ثلاثة أيام بما يعمله مما يضاهي القرآن، فلما انقضت الأيام الثلاثة صعد واحد فوجده مستندا يابسًا وفد جفت يده على القلم (١).
قلت: وبمثل هذه الحكاية يتعلق القائلون بالصرفة، وليس لهم في ذلك حجة لعدم حصر الهلاك فيها، بل لما عجز أهلكه اللَّه كمدًا، ولتجريه على ما ليس في وسعه وقدرته (٢) واللَّه أعلم.
الرابع: كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأتون بالمعجزات الباهرة والآيات الظاهرة لأقوامهم الكافرة، وأممهم الفاجرة، فكان كل نبي تقع معجزتة مناسبة لحال قومه (٣).
كما كان السحر فاشيًا عند فرعون وقومه، فجاء موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا فبسوا (٤)، وانصدعوا واحتاروا وانقمعوا
_________________
(١) انظر: الوفاء (١/ ٢٦٨).
(٢) انظر: لوامع الأنوار (١/ ١٧٦).
(٣) ممن ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ. . .﴾ [آل عمران: ٤٩] (٢/ ١٤٢)؛ وذكره ابن عطية في مقدمة تفسيره (١/ ٤٠)؛ والزركشي في البرهان (٢/ ٩٧ - ٩٨)؛ والسيوطي في الإتقان (٤/ ٩).
(٤) بسوا: كذا في الأصل؛ وفي اللوامع للمؤلف (١/ ١٧٧). وفي "ظ" بئسوا، ومعنى بسوا. =
[ ١ / ٢٥٢ ]
العرب هم أرباب البلاغة ولذا جاء القرآن معجزا في بلاغته وبيانه وتحداهم الله عن الإتيان بمثله
وعلموا أن ما جاء به موسى الأمين هو الحق اليقين فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.
ولم يقع ذلك بعينه لغير موسى من الأنبياء ﵈.
ولما كان الزمن الذي بعث فيه عيسى بن مريم ﵇ كان قد فشى فيها الأطباء والحكماء بين الأنام، وكان أمرهم في غاية من الظهور والاعتناء بصناعتهم ظاهر مشهور، جاء السيد المسيح بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من الداء العضال القبيح، وخلق من الطين كهيئة الطير بإذن اللَّه فطاشت قلوب الحكماء وأذعنوا بأنه من عند اللَّه.
ولما كانت العرب هم أرباب البلاغة وجراثيم (١) الفصاحة وأس (٢) البيان وأرومة (٣) الوضاحة (٤) وفرسان الكلام وأرباب النظام قد خصوا من البلاغة
_________________
(١) = قال في التاج: البس زِجر للإبل ببس بس. . . والبس ارسال المال في البلاد وتفريقه فيها، وقد بسه في البلاد فانبس كبثه فأنبث، والبس الطرد: بسهم عنك: أي أطردهم. والمعنى واللَّه أعلم: انهم طردوا وتفرقوا. تاج العروس (بسس) (١٥/ ٤٤٩) وما بعدها.
(٢) جراثيم: جرثومة الشيء بالضم أصله. والمعنى أنهم أصول الفصاحة. القاموس المحيط (١٤٠٥ جرثم).
(٣) وأس البيان كذا في المخطوطتين. وفي اللوامع للمؤلف ورأس البيان، ومعنى اس البيان: أصل البناء كالأساس والأسس جمع أساس أصل كل شيء. القاموس المحيط (ص ٦٨٢).
(٤) في المخطوطتين ورومة، وفي اللوامع أرومة ولعله الصواب. ومعنى أرومة الأصل -أيضًا- القاموس المحيط (١٣٨٩).
(٥) الوضاحة: البياض والوضوح والظهور، والمعنى أنهم أرباب البيان الواضح.
[ ١ / ٢٥٣ ]
والحكم ما لم يخص به غيرهم من سائر الأمم، وقد أوترا من ذرابة (١) اللسان ما لم يؤت مثله إنسان.
ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل إذنه تعالى لهم ذلك طبعا وسليقة، وفيهم غريزة وحقيقة يأتون منه على البديهة بالعجب العجاب، ويدلون به إلى كل سبب من الأسباب، فإذا مدحوا أعجبوا، وإذا وصفوا أغربوا، وإذا هجوا أبدعوا، وإذا ذموا أقذعوا، وإذا تغزلوا هيجوا النفوس، وهيموا البليد فضلًا عن المأنوس (٢).
وعلى كل حال لهم من البلاغة البالغة والقوة الدامغة، والفنون البديعة والضروب الرفيعة ما يعجز عن وصفه الواصفون ويحجم عن إستقصائه العارفون فبينما هم في ذلك كذلك فما راعهم إلا والرسول الكريم قد أتى بهذا القرآن العظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قد أحكمت آياته وفصلت كلماته وبهرت بلاغته العقول وسمت فصاحته على كل معقول وتظافر إيجازه وإعجازه وتظاهرت حقيقته ومجازه.
وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا وأوسعه في اللغة والغريب مقالا.
والقرآن العظيم نزل بلغتهم التي بها يتحاورون ومنازعهم التي عنها يتناضلون صارخًا بهم في كل حين ومفزعًا لهم بضعًا وعشرين من السنين وموبخًا لهم على رؤوس الخلائق أجمعين.
_________________
(١) ذرابة اللسان: حدة اللسان وسلاطته بحيث لا يبالي ما قال. القاموس (ص ١٠٩)؛ والنهاية (٢/ ١٥٦).
(٢) المأنوس: الذي فيه أنس: أي في فرح وسرور. المعجم البسيط (١/ ٢٩ - ٣٠).
[ ١ / ٢٥٤ ]
﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].
فلم يزل النبي -ﷺ- يقرعهم بالقرآن أشد التقريع، ويتحداهم ويوبخهم ويشنع عليهم غاية التشنيع، ويسفه أحلامهم، ويفرق نظامهم، ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وأموالهم ونساءهم وأبناءهم، وهم فى كل ذلك ناكصون عن معارضته، محجمون عن مناضلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب، بالتكذيب والإفتراء بالإفتراء، فتارة يقولون هذا سحر مفترى، وأخرى أساطير الأولين، وطورًا يقولون إذا سمعوا آيات الكتاب: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥].
ومنهم من استحق وهذى فقال بضرب من الدعوى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].
ومن تعاطى شيئًا من سخفائهم بدعوى المعارضة افتضح وانكشف عواره، وما نجح وظهر بواره.
ولما سمع الوليد بن المغيرة من النبي -ﷺ- قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى. . .﴾ [النحل: ٩٠] قال واللَّه إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر (١).
_________________
(١) رواه البيهقي فى دلائل النبوة عن عكرمة مرسلا. ورواه عن ابن عباس متصلا -لكن فيه أن النبي -ﷺ- قرأ عليه القرآن. . . انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٩٨) وما بعدها؛ والبداية (٣/ ٦٠، ٦١، ٦٢).
[ ١ / ٢٥٥ ]
وذكر أبو عبيد (١) أن أعرابيًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. فسجد فقيل له في ذلك، فقال: سجدت لفصاحته.
وسمع آخر رجلًا يتلو: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠].
فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام (٢). وقد ذكرنا في شرح الدرة (٣) طرفًا صالحًا من متعلقات ذلك وهو قليل من كثير.
واللَّه ولي التيسير وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) أبو عبيد تقدم (١/ ٢١٣).
(٢) انظر: هذه النصوص في الشفاء (١/ ٣٦٥)، وفي اللوامع للمؤلف (١/ ١٧٩).
(٣) الدرة المضيئة فى عقد الفرقة المرضية. منظومة فى العقيدة للمؤلف عدتها مائتا بيت وبضعة عشر وشرحها المسمى "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية" وهو مطبوع، وقد تقدم الكلام عنه. انظر (١/ ٤٧). وما بعدها.
[ ١ / ٢٥٦ ]