[أول الواجبات معرفة الله]
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ تَعْدَادِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُثْبِتُهَا الْمُتَكَلِّمَةُ كَالسَّلَفِ وَأَسْمَائِهِ - تَعَالَى - وَكَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
«أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ مَعْرِفَةُ الْإِلَهِ بِالتَّسْدِيدِ»
«بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شِبْهَ وَلَا وَزِيرَ»
«صِفَاتُهُ كَذَاتِهِ قَدِيمَةٌ أَسْمَاؤُهُ ثَابِتَةٌ عَظِيمَةٌ»
«أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ» جَمْعُ عَبْدٍ، وَلَهُ أَحَدَ عَشَرَ جَمْعًا، جَمَعَهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ:
[ ١ / ١١٢ ]
عِبَادٌ عَبِيدٌ جَمْعُ عَبْدٍ وَأَعْبُدُ أَعَابِدُ مَعْبُودَاءُ مُعْبَدَةٌ عَبْدُ
كَذَلِكَ عُبْدَانُ وَعَبْدَانِ أُثْبِتَا كَذَاكَ الْعَبْدَى وَامْدُدِ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُمِدّْ
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ، وَلَا اسْمٌ أَتَمَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْوَصْفِ بِالْعُبُودِيَّةِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي
وَقَالَ الْآخَرُ:
أُصَمُّ إِذَا نُودِيتُ بِاسْمِي وَإِنَّنِي إِذَا قِيلَ لِي يَا عَبْدَهَا لَسَمِيعُ
(مَعْرِفَةُ الْإِلَهِ) - ﷾ - وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُودِ ذَاتِهِ - تَعَالَى - بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقِيَّةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، يَعْنِي أَنَّ الْعَقْلَ يُحِيلُ مَعْرِفَةَ كُنْهِ ذَاتِهِ. وَقَوْلُهُ: أَوَّلُ وَاجِبٍ يَعْنِي لِنَفْسِهِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِالنَّظَرِ فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ، وَوُجُوبُ ذَلِكَ بِالشَّرْعِ دُونَ الْعَقْلِ ; لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ وَلَا يُحَرِّمُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَقْلًا لَا شَرْعًا ; لِأَنَّهَا دَافِعَةٌ لِلضَّرَرِ الْمَظْنُونِ، وَهُوَ خَوْفُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، حَيْثُ أَخْبَرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِذَلِكَ، وَخَوْفُ مَا يَتَرَتَّبُ فِي الدُّنْيَا عَلَى اخْتِلَافِ الْفِرَقِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ مِنَ الْمُحَارَبَاتِ وَهَلَاكِ النُّفُوسِ، وَتَلَفِ الْأَمْوَالِ، وَكُلُّ مَا يُدَافِعُ الضَّرَرَ الْمَظْنُونَ بَلْ وَالْمَشْكُوكَ وَاجِبٌ عَقْلًا، كَمَا إِذَا أَرَدْتَ سُلُوكَ طَرِيقٍ فَأُخْبِرْتَ بِأَنَّ فِيهَا عَدُوًّا أَوْ سَبْعًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ اجْتِنَابُهَا خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْهَلَكَةِ. وَرُدَّ قَوْلُهُمْ بِمَنْعِ ظَنِّ الْخَوْفِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، إِذْ لَا يُلْزِمُ الشُّعُورَ بِالِاخْتِلَافِ، وَلَا بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرَرِ وَلَا بِالصَّانِعِ، وَبِمَا رُتِّبَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ إِنَّمَا يَصِلُ إِلَى بَعْضِ الْبَعْضِ، وَعَلَى فَرْضِ الْوُصُولِ لَا رُجْحَانَ لِجَانِبِ الصِّدْقِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ، وَبَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَدَلَالَةِ الْمُعْجِزَاتِ، وَلَوْ سَلِمَ ظَنُّ خَوْفٍ، فَلَا نَسْلَمُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْمَعْرِفَةِ يَدْفَعُهُ ; لِأَنَّ احْتِمَالَ الْخَطَأِ قَائِمٌ، فَخَوْفُ الْعِقَابِ أَوِ الِاخْتِلَافِ بِحَالِهِ وَالْعَنَاءِ زِيَادَةٌ. وَفِي كِتَابِ الشِّيرَازِيِّ (جَامِعِ الْأَنْوَارِ لِتَوْحِيدِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ) مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مَعًا. وَالتَّحْقِيقُ وُجُوبُ مَعْرِفَةِ الْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ - شَرْعًا، وَقَوْلُهُ (بِالتَّسْدِيدِ) أَيِ التَّقْوِيمِ
[ ١ / ١١٣ ]
وَالتَّوْفِيقِ لِلسَّدَادِ، أَيِ الصَّوَابِ ; يَعْنِي بِالنَّظَرِ الصَّائِبِ فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ ; كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَيَجِبُ النَّظَرُ قَبْلَهَا لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِغَيْرِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَوَّلُ وَاجِبٍ وَطَاعَةٍ اكْتِسَابُ إِرَادَةِ النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ، فَمَنْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَثِمَ، وَلَا إِثْمَ عَلَى النَّاظِرِ فِي مُدَّةِ نَظَرِهِ، وَالنَّظَرُ وَالْمَعْرِفَةُ اكْتِسَابٌ، وَقَدْ يُوهَبَانِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ هُدَاهُ، وَلَا يَقَعَانِ ضَرُورَةً، وَقِيلَ: بَلَى، وَحَمَلَ ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ، كَمَعْرِفَةِ إِبْلِيسَ لَا الْمَعْرِفَةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَقَالَ: مُثْبِتُو النُّبُوَّاتِ تَحْصُلُ لَهُمُ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ بِثُبُوتِ النُّبُوَّةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ فِي دَلَائِلِ الْعُقُولِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي (عُيُونِ الْمَسَائِلِ) وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي (نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ) أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَحْصُلُ بِاكْتِسَابِ مُوجِبٍ، أَيْ أَنَّ الْبِدَايَةَ سَبَقَتْ بِالتَّوْفِيقِ لِإِصَابَةِ الدَّلِيلِ الْمُوصِلِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ، وَاخْتِصَاصُ الْمُرِيدِ بِمَعْرِفَتِهِ سَبَقَ بِفَضْلِهِ وَمُقَارَنَةِ عَوْنِهِ بِالْوُصُولِ إِلَى تَمَامِ أَدِلَّتِهِ، فَتَكُونُ الْمَعْرِفَةُ الْحَقِيقِيَّةُ مَعْرِفَةَ الدَّلِيلِ الْمُوصِلِ إِلَى حَقِيقَةِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ اكْتِسَابٌ مَوْهُوبٌ كَقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇ فِي النَّظَرِ، وَالْمَعْرِفَةُ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ كَالْإِيمَانِ. نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فَمَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِ أَزْيَدُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْجُمْلَةِ.
وَأَوَّلُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى الدِّينِيَّةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَأَعْظَمُهَا أَنْ أَقْدَرَهُ عَلَى إِرَادَةِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لِمَعْرِفَتِهِ - تَعَالَى، وَقَالَ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عُثْمَانُ النَّجْدِيُّ فِي تَعْلِيقَتِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ: أَوَّلُ نِعَمِ اللَّهِ الدِّينِيَّةِ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ أَقْدَرَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَوَّلَ: وَقِيلَ أَنْ هَدَاهُ لِلْإِيمَانِ، وَأَوَّلُ نِعَمِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْحَيَاةُ الْعَرِيَّةُ عَنْ ضَرَرٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِدْرَاكُ اللَّذَّاتِ وَنَيْلُ الْمُشْتَهَيَاتِ، الَّتِي لَا يَتَعَقَّبُهَا ضَرَرٌ لِأَجْلِهَا، وَهُوَ يَعُمُّ كُلَّ حَيَوَانٍ، وَلَكِنْ يُقَيَّدُ الْمُكَلَّفُ بِالشُّكْرِ، وَهُوَ اعْتِرَافُهُ بِنِعْمَةِ الْمُنْعِمِ عَلَى جِهَةِ الْخُضُوعِ وَالْإِذْعَانِ، وَصَرْفُ كُلِّ نِعْمَةٍ فِي طَاعَةٍ، فَشُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ شَرْعًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ عَقْلًا، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ
[ ١ / ١١٤ ]
شَرْعًا أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ - تَعَالَى - بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَيَجْزِمَ (بِأَنَّهُ) - ﷾ - (وَاحِدٌ) لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَنْقَسِمُ، فَرْدٌ صَمَدٌ، (لَا نَظِيرَ لَهُ)، أَيْ لَا مِثْلَ لَهُ، (وَلَا شِبْهَ) لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، (وَلَا وَزِيرَ) لَهُ - تَعَالَى، وَالْوَزِيرُ حَبَا الْمَلِكِ الَّذِي يَحْمِلُ ثِقَلَهُ وَيُعِينُهُ بِرَأْيِهِ، فَلَا وَزِيرَ لِلْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ - يَحْمِلُ ثِقَلَهُ، وَيُعِينُهُ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، وَلَا
[ ١ / ١١٥ ]
ظَهِيرَ لَهُ فِي صُنْعِهِ، وَلَا مُعِينَ لَهُ فِي مُلْكِهِ.
[صفاته تعالى ومن أطلق أنها قديمة ومن فصل]
(صِفَاتُهُ) - ﷾ - الذَّاتِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ وَالْخَبَرِيَّةُ، (كَذَاتِهِ) - عَزَّ شَأْنُهُ - (قَدِيمَةٌ)، لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهَا، وَلَا انْتِهَاءَ، إِذْ لَوْ كَانَتْ حَادِثَةً لَاحْتَاجَتْ إِلَى مُحْدِثٍ، تَعَالَتْ ذَاتُهُ الْمُقَدَّسَةُ وَصِفَاتُهُ الْمُعَظَّمَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ ذَاتِهِ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ، وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ - تَعَالَى.
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ حَقِيقَتُهُ مَعْلُومَةً الْآنَ فِي الدُّنْيَا لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ - تَعَالَى - بِصِفَاتِهِ، وَهَلْ يُمْكِنُ عِلْمُ حَقِيقَتِهِ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، لِحُصُولِ الرُّؤْيَةِ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَبَعْضُهُمْ: " لَا "، وَالرُّؤْيَةُ لَا تُفِيدُ الْحَقِيقَةَ كَمَا يَأْتِي، وَمَذْهَبُ السَّلَفِ مِنَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وَبَيْنَ التَّمْثِيلِ، فَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِصِفَاتِ خَلْقِهِ، كَمَا لَا يُمَثِّلُونَ ذَاتَهُ بِذَوَاتِ خَلْقِهِ، وَلَا يَنْفُونَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، فَيُعَطِّلُونَ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، وَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَيُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَآيَاتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَلَا فِي النَّقْلِ الصَّحِيحِ مَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ أَصْلًا، فَالنَّبِيُّ الْمَعْصُومُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - مَعَ كَمَالِ عِلْمِهِ، وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى هِدَايَةِ أُمَّتِهِ، وَبَلَاغِ نُصْحِهِ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ أَرْشَدَهُمْ إِلَى هَذَا السَّبِيلِ، وَكَذَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَالسَّلَفُ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ كَالذَّاتِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ.
[طوائف المنحرفيين وأنهم أهل تخييل وتجهيل]
وَأَمَّا الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِهِمْ، فَثَلَاثُ طَوَائِفَ: أَهْلُ التَّخْيِيلِ، وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ، وَأَهْلُ التَّجْهِيلِ، فَأَمَّا (أَهْلُ التَّخْيِيلِ) وَهُمُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَمُتَصَوِّفٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ - ﷺ - مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِلْحَقَائِقِ ; لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، لَا أَنَّهُ بَيَّنَ بِهِ الْحَقَّ، وَلَا هَدَى بِهِ الْخَلْقَ، وَلَا أَوْضَحَ الْحَقَائِقَ. وَلَيْسَ فَوْقَ هَذَا الْكُفْرِ كُفْرٌ.
(وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي الصِّفَاتِ، لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الرَّسُولُ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ الْبَاطِلَ، وَلَكِنْ قَصَدَ بِهَا مَعَانِيَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَا دَلَّهُمْ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرُوا، فَيَعْرِفُوا الْحَقَّ بِعُقُولِهِمْ، ثُمَّ يَجْتَهِدُوا فِي صَرْفِ تِلْكَ النُّصُوصِ عَنْ مَدْلُولِهَا، وَمَقْصُودُهُ امْتِحَانُهُمْ وَتَكْلِيفُهُمْ وَإِتْعَابُ أَذْهَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ فِي أَنْ يَصْرِفُوهُ عَنْ مَدْلُولِهِ وَمُقْتَضَاهُ،
[ ١ / ١١٦ ]
وَيَعْرِفُوا الْحَقَّ فِي غَيْرِهِ وَسِوَاهُ. وَهَذَا قَوْلُ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمَنْ نَحَا مَنْحَاهُمْ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي ضِمْنِ كَلَامِ هَؤُلَاءِ مِنْ قَصْدِ الْإِضْلَالِ، وَعَدَمِ النُّصْحِ، وَمُنَاقَضَةِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَقَدْ تَظَاهَرَ هَؤُلَاءِ بِنَصْرِ السُّنَّةِ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا لِلْإِسْلَامِ نَصَرُوا، وَلَا لِلْفَلَاسِفَةِ كَسَرُوا، بَلْ فَتَحُوا لِأَهْلِ الْإِلْحَادِ الْبَابَ، وَسَلَّطُوا الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ مِنْ ذَوِي الْفَسَادِ عَلَى الْإِلْحَادِ فِي السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ.
(وَأَهْلُ التَّجْهِيلِ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَعْرِفْ مَعَانِيَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَلَا جِبْرِيلُ يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْآيَاتِ، وَلَا السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ عَرَفُوا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ الرَّسُولَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ، فَيَقُولُونَ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا: لَا يَعْلَمُ مَعْرِفَتَهَا إِلَّا اللَّهُ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وَيَقُولُونَ: تُجْرَى عَلَى ظَاهِرِهَا، وَظَاهِرُهَا مُرَادٌ مَعَ قَوْلِهِمْ: إِنَّ لَهَا تَأْوِيلًا بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي " الْحَمَوِيَّةِ ": التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي يَئُولُ الْكَلَامُ إِلَيْهَا، فَتَأْوِيلُ الصِّفَاتِ هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي انْفَرَدَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِعِلْمِهَا، وَهُوَ الْكَيْفُ الْمَجْهُولُ الَّذِي قَالَ فِيهِ السَّلَفُ كَمَالِكٍ وَغَيْرِهِ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، فَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِوَاءِ مَثَلًا هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا.
(تَنْبِيهٌ): اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ، فَأَثْبَتَهَا أَهْلُ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ نَفْيٍ لَهَا وَلَا لِبَعْضِهَا، وَهَذَا مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ. وَأَثْبَتَ الْمُتَكَلِّمُونَ بَعْضَهَا مِنَ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَيُسَمُّونَهَا الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ، وَمَا عَدَاهَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَالسُّلُوبِ وَنَحْوِهَا فَحَادِثَةٌ عِنْدَهُمْ. وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ وَأَكْثَرُ فِرَقِ أَهْلِ الضَّلَالِ إِلَى نَفْيِهَا كَمَا يَأْتِي تَحْرِيرُ بَعْضِ قَوْلِ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ، نَعَمْ، الْمُعْتَزِلَةُ تُثْبِتُ لَهُ - تَعَالَى - الْأَسْمَاءَ دُونَ الصِّفَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ١١٧ ]
[فَصْلٌ فِي بَحْثِ أَسْمَائِهِ جَلَّ وَعَلَا]
[الْمُعْتَزِلَةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَاتَّبَعَهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ تَعَالَى الْأَسْمَاءَ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الصِّفَاتِ]
اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَاتَّبَعَهُمْ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ - تَعَالَى - الْأَسْمَاءَ دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الصِّفَاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْعَلِيمَ وَالْقَدِيرَ، وَالسَّمِيعَ وَالْبَصِيرَ، كَالْأَعْلَامِ الْمَحْضَةِ الْمُتَرَادِفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ، قَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ، سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ، بَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ، فَأَثْبَتُوا الِاسْمَ دُونَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الصِّفَاتِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي رِسَالَتِهِ (التَّدْمُرِيَّةِ): وَالْكَلَامُ عَلَى فَسَادِ مَقَالَةِ هَؤُلَاءِ، وَبَيَانِ تَنَاقُضِهَا بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ الْمُطَابِقِ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُسَفْسِطُونَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَيُقَرْمِطُونَ فِي السَّمْعِيَّاتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ، إِذْ نَحْنُ نُشَاهِدُ حُدُوثَ الْمُحْدَثَاتِ، كَالْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ وَالنَّبَاتِ، وَالْحَادِثُ مُمْكِنٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُمْتَنِعٍ، وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَالْمُمْكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ، وَلَا هُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، تَعَيَّنَ أَنَّ (لَهُمْ) خَالِقًا خَلَقَهُمْ، وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ فِي الْوُجُودِ مَا هُوَ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَمَا هُوَ مُحْدَثٌ مُمْكِنٌ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذَا مِثْلَ وُجُودِ هَذَا، بَلْ وُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ، وَوُجُودُ هَذَا يَخُصُّهُ، وَاتِّفَاقُهُمَا فِي اسْمٍ عَامٍّ لَا يَقْتَضِي تَمَاثُلَهُمَا فِي مُسَمَّى ذَلِكَ الِاسْمِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، فَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إِذَا قِيلَ إِنَّ الْعَرْشَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، وَإِنَّ الْبَعُوضَ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، إِنَّ هَذَا مَثَّلَ هَذَا لِاتِّفَاقِهِمَا فِي مُسَمَّى الشَّيْءِ وَالْوُجُودِ، بَلِ الذِّهْنُ يَأْخُذُ مَعْنًى مُشْتَرِكًا كُلِّيًّا هُوَ مُسَمَّى الِاسْمِ الْمُطْلَقِ، وَإِذَا قِيلَ: هَذَا مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْجُودٌ، فَوُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا يَخُصُّهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ - تَعَالَى - نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ، وَسَمَّى صِفَاتِهِ بِأَسْمَاءٍ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ مُخْتَصَّةً بِهِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ، لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - الْقَدِيمُ، وَأَسْمَاؤُهُ قَدِيمَةٌ، وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ، فَإِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ مِمَّنْ يُنْكِرُ الصِّفَاتِ وَيُقِرُّ بِالْأَسْمَاءِ كَالْمُعْتَزِلِيِّ الَّذِي يَقُولُ
[ ١ / ١١٨ ]
: اللَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَيُنْكِرُ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، قِيلَ لَهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الْأَسْمَاءِ، وَبَيْنَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَقْتَضِي تَشْبِيهًا أَوْ تَجْسِيمًا لِمَا يُرَى فِي الشَّاهِدِ، قِيلَ لَهُ: وَلَا يُرَى فِي الشَّاهِدِ مَا هُوَ مُسَمًّى بِحَيٍّ وَعَلِيمٍ وَقَدِيرٍ إِلَّا مَا هُوَ كَذَلِكَ، فَكُلُّ مَا احْتُجَّ بِهِ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، فَمَا كَانَ جَوَابًا لَهُ، كَانَ جَوَابًا لِمُثْبِتِي الصِّفَاتِ. وَلَمَّا كَانَتْ أَسْمَاؤُهُ - سُبْحَانَهُ - ثَابِتَةً بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، قَالَ مُشِيرًا لِذَلِكَ فِي النِّظَامِ بِقَوْلِهِ (أَسْمَاؤُهُ) - ﷾ - (ثَابِتَةٌ) بِالنَّصِّ وَالْعَقْلِ، (عَظِيمَةٌ) وَصَفَهَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُعَظَّمَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِأَنَّهَا حُسْنَى، وَأَنَّهَا قَدِيمَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ، كَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَكَذَا الْفِعْلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِأَسْمَائِهِ - تَعَالَى - مَا دَلَّ عَلَى مُجَرَّدِ ذَاتِهِ كَاللَّهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ كَالْعَالِمِ وَالْقَادِرِ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ): أَسْمَاءُ الرَّبِّ - تَعَالَى - هِيَ أَسْمَاءٌ وَنُعُوتٌ، فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ، فَلَا تَنَافِيَ فِيهَا بَيْنَ الْعِلْمِيَّةِ وَالْوَصْفِيَّةِ، فَالرَّحْمَنُ اسْمُهُ - تَعَالَى - وَوَصْفُهُ لَا يُنَافِي اسْمِيَّتَهُ، فَمِنْ حَيْثُ هُوَ صِفَةٌ، جَرَى تَابِعًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ اسْمٌ، وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرَ تَابِعٍ، بَلْ وُرُودُ الِاسْمِ الْعَلَمُ. وَأَمَّا زَعْمُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ اللَّهَ كَانَ أَزَلِيًّا بِلَا اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، فَلَمَّا أَوْجَدَ الْخَلْقَ، وَضَعُوا لَهُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ وَالْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ، قَالَ السَّمِينُ: هَذَا الْقَوْلُ أَشَدُّ خَطَأً مِنْ قَوْلِهِمْ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ; لِإِشْعَارِهِ بِالِاحْتِيَاجِ لِلْغَيْرِ. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي (نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ): أَسْمَاءُ اللَّهِ - تَعَالَى - قَدِيمَةٌ. انْتَهَى.
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - مَخْلُوقَةٌ، فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَلَا يُقَالُ أَسْمَاءُ اللَّهِ هِيَ الْمُسَمَّى وَلَا غَيْرُهُ، إِذِ الْغَيْرُ مَا فَارَقَ أَوْ يُفَارِقُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، بَلْ يُقَالُ الِاسْمُ لِلْمُسَمَّى بِهِ أَوْ صِفَةٌ لِلْمُسَمَّى، وَعَلَمٌ عَلَيْهِ أَوْ دَالٌّ عَلَى الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: أَسْمَاءُ الْفِعْلِ غَيْرُهُ، وَأَسْمَاءُ الذَّاتِ هِيَ الْمُسَمَّى نَفْسُهُ، قَالَ: وَقَدْ عَظُمَ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْكَلَامُ عَلَى الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، وَأَمْسَكَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ، وَقَالَ الْقَاضِي: الِاسْمُ وَالتَّسْمِيَةُ، وَالْوَصْفُ وَالصِّفَةُ وَاحِدٌ، فَتَسْمِيَةُ الْخَلْقِ لِلَّهِ هُوَ الْمُسَمَّى، كَمَا نَقُولُ فِي التِّلَاوَةِ هُوَ الْمَتْلُوُّ، وَأَمَّا
[ ١ / ١١٩ ]
تَسْمِيَةُ اللَّهِ لِلْخَلْقِ، فَهُوَ غَيْرُ الِاسْمِ ; لِأَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ وَكَذَلِكَ أَسْمَاؤُهُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى. وَقَالَ أَخِيرًا: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْوَصْفَ لَيْسَ هُوَ الصِّفَةَ ; لِأَنَّ الْوَصْفَ حُرُوفٌ، وَالصِّفَةُ مَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَوْصُوفِ، وَهِيَ هَيْئَةٌ فِيهِ لَيْسَتْ حُرُوفًا. قَالَ: وَأَمَّا الِاسْمُ وَالتَّسْمِيَةُ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ الِاسْمُ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ بِحُرُوفٍ، فَهِيَ كَالتِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ ; لِأَنَّ الْجَمِيعَ حُرُوفٌ، وَالْمُسَمَّى هُوَ الذَّاتُ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ: لَا يُقَالُ فِي اسْمِ اللَّهِ أَنَّهُ غَيْرُهُ وَلَا هُوَ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ حَمْدَانَ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: اللَّفْظُ الْمُؤَلَّفُ مِنَ الزَّايِ وَالْيَاءِ وَالدَّالِ مَثَلًا لَهُ حَقِيقَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ مُتَحَصِّلَةٌ، فَاسْتَحَقَّ أَنْ يُوضَعَ لَهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ مَوْجُودٌ فِي اللِّسَانِ، مَسْمُوعٌ بِالْآذَانِ، فَاللَّفْظُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَالسِّينِ وَالْمِيمِ عِبَارَةٌ عَنِ اللَّفْظِ الْمُؤَلَّفِ مِنَ الزَّايِ وَالْيَاءِ وَالدَّالِ مَثَلًا، وَاللَّفْظُ الْمُؤَلَّفُ مِنَ الزَّايِ وَالْيَاءِ وَالدَّالِ عِبَارَةٌ عَنِ الشَّخْصِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَذْهَانِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى وَالْمَعْنَى، وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ هُوَ الِاسْمُ، وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا قَدْ صَارَ مُسَمًّى مِنْ حَيْثُ كَانَ لَفْظُ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ وَالْمِيمِ عِبَارَةً عَنْهُ، فَقَدْ بَانَ لَكَ أَنَّ الِاسْمَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَيْسَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَلِهَذَا تَقُولُ: سَمَّيْتُ هَذَا الشَّخْصَ بِهَذَا الِاسْمِ، كَمَا تَقُولُ حَلَّيْتُهُ بِهَذِهِ الْحِلْيَةِ، فَالْحِلْيَةُ غَيْرُ الْمُحَلَّى، فَكَذَلِكَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وَأَخْطَأَ مَنْ نَسَبَ إِلَيْهِ غَيْرَ هَذَا، وَادَّعَى أَنَّ مَذْهَبَهُ اتِّحَادُهُمَا. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَمَا قَالَ نَحْوِيٌّ قَطُّ، وَلَا عَرَبِيٌّ أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَيَقُولُونَ: أَجَلٌ مُسَمًّى، وَلَا يَقُولُونَ: أَجَلٌ اسْمٌ، وَيَقُولُونَ: مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ كَذَا، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: اسْمُ هَذَا الِاسْمِ كَذَا، وَيَقُولُونَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَلَا يَقُولُونَ: بِمُسَمَّى اللَّهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا» "، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مُسَمًّى، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْبَدَائِعِ: وَإِذَا ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، فَبَقِيَ هُنَا التَّسْمِيَةُ، وَهِيَ اغْتَرَّ بِهَا مَنْ قَالَ بِاتِّحَادِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، وَالتَّسْمِيَةُ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ الْمُسَمَّى وَوَضْعِهِ الِاسْمَ لِلْمُسَمَّى، كَمَا أَنَّ التَّحْلِيَةَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ
[ ١ / ١٢٠ ]
الْمُحَلَّى، وَوَضْعِهِ الْحِلْيَةَ عَلَى الْمُحَلَّى، فَهُنَا ثَلَاثُ حَقَائِقَ: اسْمٌ وَمُسَمًّى وَتَسْمِيَةٌ، كَحِلْيَةٍ وَمُحَلًّى وَتَحْلِيَةٍ، وَعَلَامَةٍ وَمُعَلَّمٍ وَتَعْلِيمٍ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى جَعْلِ لَفْظَيْنِ مِنْهَا مُتَرَادِفَيْنِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ لِتَبَايُنِ حَقَائِقِهَا. فَإِذَا جُعِلَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى، بَطُلَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الثَّلَاثَةِ وَلَا بُدَّ. فَإِنْ قِيلَ: مَا شُبْهَةُ مَنْ قَالَ بِاتِّحَادِهِمَا؟ فَالْجَوَابُ: شُبْهَتُهُ أَشْيَاءُ، مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - هُوَ وَحْدَهُ الْخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، فَلَوْ كَانَتْ أَسْمَاؤُهُ غَيْرَهُ، لَكَانَتْ مَخْلُوقَةً، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ اسْمٌ فِي الْأَزَلِ وَلَا صِفَةٌ ; لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ صِفَاتٌ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا قَادَ مُتَكَلِّمِي الْإِثْبَاتِ إِلَى الْقَوْلِ بِاتِّحَادِهِمَا، وَالْجَوَابُ عَنْ كَشْفِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أَنَّ مَنْشَأَ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ إِطْلَاقِ أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ مُحْتَمِلَةٍ لِمَعْنَيَيْنِ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، فَلَا يَنْفَصِلُ النِّزَاعُ إِلَّا بِتَفْصِيلِ تِلْكَ الْمَعَانِي وَتَنْزِيلِ أَلْفَاظِهَا عَلَيْهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمُشْتَقَّةِ أَسْمَاؤُهُ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَهُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى، وَصِفَاتُهُ وَأَسْمَاؤُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ أَنَّهَا إِلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، فَلَيْسَتْ صِفَاتُهُ وَأَسْمَاؤُهُ غَيْرَهُ، وَلَيْسَتْ هِيَ نَفْسَ الْإِلَهِ، وَبَلَاءُ الْقَوْمِ مِنْ لَفْظَةِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهَا يُرَادُ بِهَا مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْمُغَايِرُ لِتِلْكَ الذَّاتِ الْمُسَمَّاةِ بِاللَّهِ، وَكُلُّ مَا غَايَرَ اللَّهَ مُغَايَرَةً مَحْضَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَخْلُوقًا، وَيُرَادُ بِهِ مُغَايَرَةَ الصِّفَةِ لِلذَّاتِ إِذَا جُرِّدَتْ عَنْهَا، فَإِذَا قِيلَ: عِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُهُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ، كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، وَلَكِنَّ الْإِطْلَاقَ بَاطِلٌ، فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْكَلَامَ مُغَايِرٌ لِحَقِيقَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، كَانَ بَاطِلًا لَفْظًا وَمَعْنًى. وَبِهَذَا أَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُعْتَزِلَةَ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا: كَلَامُهُ - تَعَالَى - دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، فَاللَّهُ - تَعَالَى - اسْمٌ لِلذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَمِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ صِفَةُ الْكَلَامِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَحَيَاتَهُ، وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ كَلَامَهُ، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُقَالُ أَنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ بَعْضَ مَا تَضَمَّنَهُ - وَهُوَ أَسْمَاؤُهُ - مَخْلُوقَةٌ وَهِيَ غَيْرُهُ، فَقَدْ حَصْحَصَ الْحَقُّ بِحَمْدِ اللَّهِ،
[ ١ / ١٢١ ]
وَانْحَسَمَ الْإِشْكَالُ، وَأَنَّ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِهِ - وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ - وَلَا يُقَالُ هُوَ غَيْرُهُ، وَلَا هُوَ هُوَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَسْمَاؤُهُ غَيْرُهُ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ، وَلِمَذْهَبِ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ اسْمُهُ نَفْسُ ذَاتِهِ لَا غَيْرُهُ، وَبِالتَّفْصِيلِ تَزُولُ الشُّبَهُ وَيَتَبَيَّنُ الصَّوَابُ.
احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الذَّاتِ بِقَوْلِهِ: " ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]- ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨]- ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] "، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - امْتَثَلَ هَذَا الْأَمْرَ، وَقَالَ: " «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» "، وَ" «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» "، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا، لَقَالَ: سُبْحَانَ اسْمِ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهُمْ لَا يَجُوزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: عَبَدْتُ اسْمَ رَبِّي، وَلَا سَجَدْتُ لِاسْمِ رَبِّي، وَلَا رَكَعْتُ لِاسْمِ رَبِّي، وَلَا يَا اسْمَ رَبِّي ارْحَمْنِي، وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُسَمَّى لَا بِالِاسْمِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالِاسْمِ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّ التَّعْظِيمَ وَالتَّنْزِيهَ إِذَا وَجَبَ لِلْمُعَظَّمِ، فَقَدْ يُعَظَّمُ مَا هُوَ مِنْ سَبَبِهِ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ، كَمَا يُقَالُ: سَلَامٌ عَلَى الْحَضْرَةِ الْعَالِيَةِ، وَالْبَابِ السَّامِي، وَالْمَجْلِسِ الْكَرِيمِ وَنَحْوَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا قَالَ: " «سُبْحَانَ رَبِّي» "، فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْتُمْ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الِاسْمِ التَّكْبِيرُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ، وَسَائِرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُسَمَّى، فَيُقَالُ: الْحَمْدُ لِاسْمِ اللَّهِ، وَنَحْوَهُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ. وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنَّ الذِّكْرَ الْحَقِيقِيَّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ ; لِأَنَّهُ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَالتَّسْبِيحُ نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ، فَلَوْ أُطْلِقَ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ، لَمَا فُهِمَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ دُونَ اللَّفْظِ بِاللِّسَانِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَلَمْ يَقْبَلِ الْإِيمَانَ وَعَقْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاقْتِرَانِهِمَا وَاجْتِمَاعِهِمَا، فَصَارَ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ بِقَلْبِكَ وَلِسَانِكَ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ بِقَلْبِكَ وَلِسَانِكَ، فَأَقْحَمَ الِاسْمَ تَنْبِيهًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى لَا يَخْلُوَ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ مِنَ اللَّفْظِ بِاللِّسَانِ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْقَلْبِ مُتَعَلِّقُهُ الْمُسَمَّى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَالذِّكْرُ بِاللِّسَانِ مُتَعَلِّقُهُ اللَّفْظُ مَعَ مَدْلُولِهِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُرَادُ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ أَنَّ اللَّفْظَ هُوَ الْمُسَبِّحُ دُونَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْنَى.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْبَدَائِعِ: وَعَبَّرَ لِي
[ ١ / ١٢٢ ]
شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ وَجِيزَةٍ، فَقَالَ: الْمَعْنَى سَبِّحْ نَاطِقًا بِاسْمِ رَبِّكَ مُتَكَلِّمًا بِهِ، وَكَذَا سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، الْمَعْنَى سَبِّحْ رَبَّكَ ذَاكِرًا اسْمَهُ. قَالَ: وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ تُسَاوِي رِحْلَةً، لَكِنْ لِمَنْ يَعْرِفُ قَدْرَهَا.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف: ٤٠]، وَإِنَّمَا عَبَدُوا مُسَمَّيَاتِهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ عَبَدُوا الْمُسَمَّيَاتِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَحَلُوهَا أَسْمَاءَ بَاطِلَةً كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَهِيَ مُجَرَّدُ أَسْمَاءٍ كَاذِبَةٍ بَاطِلَةٍ، لَا مُسَمَّى لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُمْ سَمَّوْهَا آلِهَةً وَعَبَدُوهَا لِاعْتِقَادِهِمْ حَقِيقَةَ الْإِلَهِيَّةِ لَهَا، وَلَيْسَ لَهَا مِنَ الْإِلَهِيَّةِ إِلَّا مُجَرَّدُ الْأَسْمَاءِ لَا حَقِيقَةَ الْمُسَمَّى، فَمَا عَبَدُوا إِلَّا أَسْمَاءً لَا حَقَائِقَ لِمُسَمَّيَاتِهَا، وَهَذَا كَمَنْ سَمَّى قُشُورَ الْبَصَلِ لَحْمًا وَأَكَلَهَا، فَيُقَالُ: مَا أَكَلْتَ مِنَ اللَّحْمِ إِلَّا اسْمَهُ لَا مُسَمَّاهُ.
[تَنْبِيهَاتٌ]
[التنبيه الأول ما يوصف به الرب أو يخبر به عنه أقسام]
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: مَا يَجْرِي صِفَةً أَوْ خَبَرًا عَلَى الرَّبِّ - ﵎ - أَقْسَامٌ:
(أَحَدُهَا): مَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الذَّاتِ، كَقَوْلِكَ ذَاتٌ، وَمَوْجُودٌ، وَشَيْءٌ.
(الثَّانِي): مَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ، كَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ، وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ.
(الثَّالِثُ): مَا يَرْجِعُ إِلَى أَفْعَالِهِ، كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ.
(الرَّابِعُ): مَا يَرْجِعُ إِلَى التَّنْزِيهِ الْمَحْضِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَضَمُّنِهِ ثُبُوتًا، إِذْ لَا كَمَالَ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ، كَالْقُدُّوسِ السَّلَامِ.
(الْخَامِسُ): مَا دَلَّ عَلَى جُمْلَةِ أَوْصَافٍ عَدِيدَةٍ، لَا تُخْتَصُّ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى مَعَانٍ، نَحْوَ الْمَجِيدِ الْعَظِيمِ الصَّمَدِ، فَإِنَّ الْمَجِيدَ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَلَفْظُهُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلسَّعَةِ وَالْكَثْرَةِ وَالزِّيَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فِي كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ وَالْعَفَارُ، وَأَمْجَدَ النَّاقَةَ عَلَفًا، وَمِنْهُ ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] لِسَعَةِ الْعَرْشِ وَعَظَمَتِهِ. وَالْعَظِيمُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَكَذَلِكَ الصَّمَدُ.
(السَّادِسُ): صِفَةٌ تَحْصُلُ مِنِ اقْتِرَانِ أَحَدِ الِاسْمَيْنِ وَالْوَصْفَيْنِ بِالْآخَرِ، وَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُفْرَدَيْهِمَا نَحْوَ الْغَنِيِّ الْحَمِيدِ، الْعَفُّوِ الْقَدِيرِ، الْحَمِيدِ الْمَجِيدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْغِنَى مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَالْحَمْدَ كَذَلِكَ، وَاجْتِمَاعُ الْغِنَى مَعَ الْحَمْدِ كَمَالٌ آخَرَ، فَلَهُ ثَنَاءٌ مِنْ غِنَاهُ، وَثَنَاءٌ مِنْ حَمْدِهِ، وَثَنَاءٌ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُمَا.
[ ١ / ١٢٣ ]
وَأَمَّا صِفَاتُ السَّلْبِ الْمَحْضِ، فَلَا تَدْخُلُ فِي أَوْصَافِهِ - تَعَالَى - إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُتَضَمِّنَةً لِثُبُوتٍ، كَالْأَحَدِ الْمُتَضَمِّنِ لِانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ، وَالسَّلَامِ الْمُتَضَمِّنِ لِسَلَامَتِهِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَبَرَاءَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا يُضَادُّ كَمَالَهُ، وَكَذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالسُّلُوبِ إِنَّمَا هُوَ لِتَضَمُّنِهَا ثُبُوتًا، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فَإِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِكَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] مُتَضَمِّنٌ لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١] مُتَضَمِّنٌ لِكَمَالِ عِلْمِهِ، وَنَظَائِرِ ذَلِكَ.
[التنبيه الثاني ما يدخل في الإخبار عنه أوسع من الأسماء والصفات]
الثَّانِي
يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا يَدْخُلُ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ - تَعَالَى - أَوْسَعُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي بَابِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى.
[التنبيه الثالث الأسماء الحسنى أعلام وأوصاف]
الثَّالِثُ
أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى أَعْلَامٌ وَأَوْصَافٌ، فَالْوَصْفُ فِيهَا لَا يُنَافِي الْعَلَمِيَّةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَوْصَافِ الْعِبَادِ، ثُمَّ إِنَّ الِاسْمَ مِنْ أَسْمَائِهِ لَهُ دَلَالَاتٌ: دَلَالَةٌ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ بِالْمُطَابَقَةِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالتَّضَمُّنِ، وَدَلَالَةٌ عَلَى الصِّفَةِ الْأُخْرَى بِاللُّزُومِ، وَلِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى اعْتِبَارَانِ: (أَحَدُهُمَا) مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ، (وَالثَّانِي) مِنْ حَيْثُ الصِّفَاتِ، فَهِيَ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ مُتَرَادِفَةٌ، وَبِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي مُتَبَايِنَةٌ. وَلَمَّا ذَكَرَ أَسْمَاءَهُ - ﷾ - وَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَنَّهَا عَظِيمَةٌ قَدِيمَةٌ، أَرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
[أسماؤه تعالى توقيفية]
(لَكِنَّهَا فِي الْحَقِّ تَوْقِيفِيَّهْ لَنَا بِذَا أَدِلَّةٌ وَفِيَّهْ)
(لَكِنَّهَا) أَيِ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى (فِي) الْقَوْلِ (الْحَقِّ) الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ (تَوْقِيفِيَّةٌ) بِنَصِّ الشَّرْعِ وَوُرُودِ السَّمْعِ بِهَا. وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عُلَمَاءَ السُّنَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلَى عَلَى الْبَارِي - جَلَّ وَعَلَا - إِذَا وَرَدَ بِهَا الْإِذْنُ مِنَ الشَّارِعِ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ عَلَى مَا وَرَدَ الْمَنْعُ عَنْهُ، وَاخْتَلَفُوا حَيْثُ لَا إِذْنَ وَلَا مَنْعَ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ مَا كَانَ - تَعَالَى - مُتَّصِفًا بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ الْمَوْضُوعَةِ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ، إِذْ لَيْسَ
[ ١ / ١٢٤ ]
جَوَازُ إِطْلَاقِهَا عَلَيْهِ - تَعَالَى - مَحَلُّ نِزَاعٍ لِأَحَدٍ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ إِطْلَاقُهَا يُوهِمُ نَقْصًا، بَلْ كَانَ مُشْعِرًا بِالْمَدْحِ، فَالْجُمْهُورُ مَنَعُوا إِطْلَاقَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، وَجَوَّزَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مُطْلَقًا، وَمَالَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَتَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، وَفَصَّلَ الْغَزَّالِيُّ فَجَوَّزَ إِطْلَاقَ الصِّفَةِ، وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الذَّاتِ، وَمَنَعَ إِطْلَاقَ الِاسْمِ، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْسِ الذَّاتِ، وَاحْتَجَّ لِلْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِمَا لَيْسَ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَالْبَارِي أَوْلَى، وَتَعَلَّقَ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ لُغَةٍ يُسَمُّونَهُ - سُبْحَانَهُ - بِاسْمٍ مُخْتَصٍّ بِلُغَتِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ (خداي) وَشَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. رُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ، لَكَانَ كَافِيًا فِي الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ. وَالتَّوْقِيفِيُّ مَا وَرَدَ بِهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَأَمَّا السُّنَّةُ الضَّعِيفَةُ وَالْقِيَاسُ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِمَا ; لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنَ الْعِلْمِيَّاتِ، فَلِهَذَا قَالَ (لَنَا) مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَتْبَاعِ السَّلَفِ، (بِذَا) أَيْ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ التَّوْقِيفِ فِي أَسْمَاءِ الْبَارِي - جَلَّ وَعَلَا - مِنَ الشَّارِعِ (أَدِلَّةٌ)، جَمْعُ دَلِيلٍ، (وَفِيَّةٌ) عَالِيَةٌ، تُوفِي بِالْمَقْصُودِ ; لِأَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الشَّارِعِ، لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِي إِطْلَاقِهِ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْإِذْنِ، فَإِذَا ثَبَتَ كَانَ تَوْقِيفًا.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ): مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ - ﷾ - فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تَوْقِيفِيٌّ، وَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ، لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا كَالْقَدِيمِ وَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي مَسْأَلَةِ أَسْمَائِهِ، هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ مِنْهَا بَعْضُ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ السَّمْعُ؟
[تنبيهات]
[التنبيه الأول إذا كانت الصفة منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه تعالى]
تَنْبِيهَاتٌ
(أَحَدُهَا): إِذَا كَانَتِ الصِّفَةُ مُنْقَسِمَةً إِلَى كَمَالٍ وَنَقْصٍ، لَمْ تَدْخُلْ بِمُطْلَقِهَا فِي أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - بَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا كَمَالُهَا، وَهَذَا كَالْمُرِيدِ وَالْفَاعِلِ وَالصَّانِعِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَدْخُلُ فِي أَسْمَائِهِ، وَلِهَذَا غَلِطَ مَنْ سَمَّاهُ بِالصَّانِعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، بَلْ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ وَالْفِعْلَ وَالصُّنْعَ مُنْقَسِمَةٌ، وَلِهَذَا إِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ أَكْمَلَهُ فِعْلًا وَخَبَرًا، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِالْفِعْلِ مُقَيَّدًا أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمٌ مُطْلَقٌ، كَمَا غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَجَعَلَ مِنْ
[ ١ / ١٢٥ ]
أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُضِلَّ الْفَاتِنَ الْمَاكِرَ، تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - مِنْهَا إِلَّا أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى بِأَسْمَائِهَا الْمُطْلَقَةِ. وَقَالَ السَّعْدُ: فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَجَدْنَا مِنَ الْأَوْصَافِ مَا يَمْتَنِعُ إِطْلَاقُهُ مَعَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ، كَالْمَاكِرِ وَالْمُسْتَهْزِئِ، وَالْمُنْزِلِ وَالْمُنْشِئِ، وَالْحَارِثِ وَالزَّارِعِ، وَالرَّامِي، أَيْ وَالْبَانِي وَالْآمِرِ وَالنَّاهِي، قُلْنَا: لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الِاجْتِرَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُجَرَّدُ وُقُوعِهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِحَسَبِ مَا اقْتَضَاهُ الْمَقَامُ وَانْتِسَاقُ الْكَلَامِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ لَا يَخْلُوَ عَنْ نَوْعِ تَعْظِيمٍ وَرِعَايَةِ أَدَبٍ، وَمَا قَبْلَ هَذَا أَوْضَحُ مِنْهُ وَأَتَمُّ فَائِدَةً.
[التنبيه الثاني إطلاق الاسم يجيز إطلاق المصدر والفعل]
الثَّانِي
أَنَّ الِاسْمَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، جَازَ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْهُ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ، فَيُخْبَرُ بِهِ عَنْهُ فِعْلًا وَمَصْدَرًا، نَحْوَ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ الْقَدِيرِ، يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ، وَيُخْبَرُ عَنْهُ بِالْأَفْعَالِ مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ١]، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، هَذَا إِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا، فَإِنْ كَانَ لَازِمًا، لَمْ يُخْبَرْ عَنْهُ بِهِ، نَحْوَ الْحَيِّ يُطْلَقُ الِاسْمُ وَالْمَصْدَرُ دُونَ الْفِعْلِ، فَلَا يُقَالُ حَيَّ.
[التنبيه الثالث إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل العلم]
الثَّالِثُ
إِحْصَاءُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَالْعِلْمُ بِهَا أَصْلُ الْعِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَاتِ سِوَاهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ خُلُقًا لَهُ - تَعَالَى - أَوْ أَمْرًا، وَالْعِلْمُ إِمَّا عِلْمٌ بِمَا كَوَّنَهُ، أَوْ عِلْمٌ بِمَا شَرَعَهُ، وَمَصْدَرُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ عَنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَهُمَا مُرْتَبِطَانِ بِهَا ارْتِبَاطَ الْمُقْتَضَى بِمُقْتَضِيهِ، فَالْأَمْرُ كُلُّهُ مَصْدَرُهُ عَنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَلِهَذَا كُلِّهِ حُسْنٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِتَكْمِيلِهِمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، فَأَمْرُهُ كُلُّهُ مَصْلَحَةٌ، وَحِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَلُطْفٌ وَإِحْسَانٌ، إِذْ مَصْدَرُهُ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى، وَفِعْلُهُ كُلُّهُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ، إِذْ مَصْدَرُهُ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى أَيْضًا، فَلَا تَفَاوُتَ فِي خَلْقِهِ وَلَا عَبَثَ، وَلَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ بَاطِلًا وَلَا سُدًى وَلَا عَبَثًا، فَالْعِلْمُ بِأَسْمَائِهِ وَإِحْصَاؤُهَا أَصْلٌ لِسَائِرِ الْعُلُومِ، فَمَنْ أَحْصَاهَا كَمَا يَنْبَغِي لِلْمَخْلُوقِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ.
[ ١ / ١٢٦ ]
[التنبيه الرابع أسماؤه تعالى كلها حسنى وأفعاله كلها خير]
الرَّابِعُ
أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا حَسَنٌ، لَيْسَ فِيهَا اسْمٌ إِلَّا وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، نَحْوَ الْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، وَالْمُحْيِي وَالْمُمِيتِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا خَيِّرَاتٌ مَحْضَةٌ لَا شَرَّ فِيهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ الشَّرَّ لَاشْتُقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمٌ، وَلَمْ تَكُنْ أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا حُسْنَى، وَهَذَا بَاطِلٌ، فَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ، فَكَمَا لَا يَدْخُلُ فِي صِفَاتِهِ وَلَا يَلْحَقُ ذَاتَهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي أَفْعَالِهِ، فَالشَّرُّ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ فِعْلًا وَلَا وَصْفًا، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي مَفْعُولَاتِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ، فَالشَّرُّ قَائِمٌ بِمَفْعُولِهِ الْمُبَايِنِ لَهُ، لَا بِفِعْلِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ. فَتَأَمَّلْ هَذَا، فَإِنَّهُ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَزَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ، وَهَدَى اللَّهُ أَهْلَ الْحَقِّ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَمَا حَرَّرَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْبَدَائِعِ.
[التنبيه الخامس ترتيب الأسماء والدعاء بها]
الْخَامِسُ
اخْتُلِفَ فِي مَرَاتِبِ إِحْصَاءِ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّتِي مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهَذَا قُطْبُ السَّعَادَةِ، وَمَدَارُ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ، فَقِيلَ: أَحْصَى أَلْفَاظَهَا وَعَدَدَهَا، وَقِيلَ: فَهِمَ مَعَانِيَهَا وَمَدْلُولُهَا، وَقِيلَ: دُعَاؤُهُ بِهَا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وَهَذَا عَلَى مَرْتَبَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا دُعَاءُ ثَنَاءٍ وَعِبَادَةٍ، وَالثَّانِي دُعَاءُ طَلَبٍ وَمَسْأَلَةٍ، فَلَا يُثْنَى عَلَيْهِ إِلَّا بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، وَلِذَلِكَ لَا يُسْأَلُ إِلَّا بِهَا، فَلَا يُقَالُ: يَا مَوْجُودُ، أَوْ يَا شَيْءُ، أَوْ يَا ذَاتُ، اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، بَلْ يُسْأَلُ فِي كُلِّ مَطْلُوبٍ بَاسِمٍ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، فَيَكُونُ السَّائِلُ مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ، قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ مَنْ قَالَ: نَتَخَلَّقُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِعِبَارَةٍ سَدِيدَةٍ، وَهِيَ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ: الْفَلْسَفَةُ التَّشْبِيهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُمْ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ، أَشَدُّهَا إِنْكَارًا عِبَارَةُ الْفَلَاسِفَةِ وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِهِ - تَعَالَى، ثُمَّ يَلِيهَا عِبَارَةُ مَنْ قَالَ التَّخَلُّقُ بِأَسْمَائِهِ - تَعَالَى، وَأَحْسَنُ مِنْهَا عِبَارَةُ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ بُرْجَانَ وَهِيَ التَّعَبُّدُ، وَأَحْسَنُ مِنَ الْجَمِيعِ الدُّعَاءُ، وَهِيَ الْمُطَابَقَةُ لِلْأَمْرِ الْقُرْآنِيِّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[ ١ / ١٢٧ ]
[التنبيه السادس الإلحاد في أسمائه تعالى]
السَّادِسُ
الْإِلْحَادُ فِي أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] هُوَ الْعُدُولُ بِهَا وَبِحَقَائِقِهَا وَمَعَانِيهَا عَنِ الْحَقِّ الثَّابِتِ لَهَا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَيْلِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مَادَّةُ - ل ح د، تَقُولُ الْعَرَبُ: الْتَحَدَ فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، إِذَا عَدَلَ إِلَيْهِ، فَالْإِلْحَادُ فِي أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - أَنْوَاعٌ:
(أَحَدُهَا): أَنْ تُسَمَّى الْأَصْنَامُ بِهَا كَتَسْمِيَتِهِمُ اللَّاتَ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعُزَّى مِنَ الْعَزِيزِ، وَتَسْمِيَتِهِمُ الصَّنَمَ إِلَهًا، وَهَذَا إِلْحَادٌ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُمْ عَدَلُوا بِأَسْمَائِهِ إِلَى أَوْثَانِهِمْ وَآلِهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ.
(الثَّانِي): تَسْمِيَتُهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، كَتَسْمِيَةِ النَّصَارَى لَهُ أَبًا، وَتَسْمِيَةِ الْفَلَاسِفَةِ لَهُ مُوجَبًا بِذَاتِهِ أَوْ عِلَّةً فَاعِلَةً بِالطَّبْعِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(وَالثَّالِثُ): وَصْفُهُ بِمَا يَتَعَالَى عَنْهُ وَيَتَقَدَّسُ مِنَ النَّقَائِصِ، كَقَوْلِ أَخْبَثِ الْيَهُودِ إِنَّهُ فَقِيرٌ، وَقَوْلِهِمْ إِنَّهُ اسْتَرَاحَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ خَلْقَهُ، وَقَوْلِهِمْ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ إِلْحَادٌ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
(وَرَابِعُهَا): تَعْطِيلُ الْأَسْمَاءِ عَنْ مَعَانِيهَا، وَجَحْدُ حَقَائِقِهَا، كَقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ: إِنَّ أَسْمَاءَهُ - تَعَالَى - أَلْفَاظٌ مُجَرَّدَةٌ، لَا تَتَضَمَّنُ صِفَاتٍ وَلَا مَعَانِيَ، فَيُطْلِقُونَ عَلَيْهِ اسْمَ السَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَالْحَيِّ وَالرَّحِيمِ، وَالْمُتَكَلِّمِ وَالْمُرِيدِ، وَيَقُولُونَ: لَا حَيَاةَ لَهُ، وَلَا سَمْعَ، وَلَا بَصَرَ، وَلَا كَلَامَ، وَلَا إِرَادَةَ تَقُومُ بِهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْإِلْحَادِ فِيهَا عَقْلًا وَلُغَةً وَشَرْعًا وَفِطْرَةً، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِإِلْحَادِ الْمُشْرِكِينَ.
(وَخَامِسُهَا): تَشْبِيهُ صِفَاتِهِ - تَعَالَى - بِصِفَاتِ خَلْقِهِ، فَهُوَ إِلْحَادٌ فِي مُقَابَلَةِ إِلْحَادِ الْمُعَطِّلَةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ إِلْحَادِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَبَرَّأَ اللَّهُ أَتْبَاعَ رَسُولِهِ وَوَرَثَةَ نَبِيِّهِ الْقَائِمِينَ بِسُنَّتِهِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَمْ يَصِفُوهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ بِهِ نَبِيُّهُ، فَأَثْبَتُوا لَهُ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَنَفَوْا عَنْهُ مُشَابَهَةَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَكَانَ إِثْبَاتُهُمْ بَرِيئًا مِنَ التَّمْثِيلِ، وَتَنْزِيهُهُمْ خَلِيًّا عَنِ التَّعْطِيلِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنَ الْبَدَائِعِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[فَصْلٌ فِي بَحْثِ صِفَاتِ مَوْلَانَا ﷿]
[أقسام التوحيد]
فَصْلٌ فِي بَحْثِ صِفَاتِ مَوْلَانَا ﷿
اعْلَمْ أَنَّ التَّوْحِيدَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ، وَتَوْحِيدُ الصِّفَاتِ، فَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ أَنْ لَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ، وَلَا مُحْيِيَ
[ ١ / ١٢٨ ]
وَلَا مُمِيتَ، وَلَا مُوجِدَ وَلَا مُعْدِمَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَتَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ إِفْرَادُهُ - تَعَالَى - بِالْعِبَادَةِ، وَالتَّأَلُّهِ لَهُ، وَالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ، وَالْحُبِّ وَالِافْتِقَارِ، وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ - تَعَالَى، وَتَوْحِيدُ الصِّفَاتِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ نَبِيُّهُ - ﷺ - نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَيُثْبَتُ لَهُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُنْفَى عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَرِيقَةَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَثْبَتِهَا إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، مَعَ مَا أَثْبَتَهُ مِنَ الصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ إِلْحَادٍ فِي الْأَسْمَاءِ وَلَا فِي الْآيَاتِ، فَإِنَّهُ - تَعَالَى - ذَمَّ الْمُلْحِدِينَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وَقَالَ - تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فَطَرِيقَةُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إِثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بِهَا، إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَعْطِيلٍ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وَاللَّهُ - ﷾ - بَعَثَ رُسُلَهُ بِإِثْبَاتٍ مُفَصَّلٍ وَنَفْيٍ مُجْمَلٍ، فَأَثْبَتُوا لَهُ الصِّفَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَنَفَوْا عَنْهُ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ. فَالْإِثْبَاتُ الْمُفَصَّلُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مَا أَنْزَلَهُ فِي مُحْكَمِ آيَاتِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السُّورَةَ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وَقَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . . . إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي أَسْمَاءِ الرَّبِّ - ﷾ - وَصِفَاتِهِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ
[ ١ / ١٢٩ ]
مِنْ إِثْبَاتِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَإِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّتِهِ بِنَفْيِ التَّمْثِيلِ، مَا هَدَى اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ. فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الرُّسُلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، بِخِلَافِ مَنْ حَادَ وَزَاغَ عَنْ سَبِيلِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ ضَاهَى هَؤُلَاءِ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ، وَالْقَرَامِطَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْمُلْحِدِينَ، فَهُمْ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، فَيَصِفُونَ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ إِلَّا وُجُودًا مُطْلَقًا، لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى وُجُودٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَقَوْلُهُمْ يَسْتَلْزِمُ التَّعْطِيلَ وَالتَّمْثِيلَ، فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَيُعَطِّلُونَ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ تَعْطِيلًا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَلَمَّا كَانَتْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى - تَعَالَى - يَقُولُ بِإِثْبَاتِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، وَكَذَا الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى مَا مَرَّ قَدَمُ الْبَحْثِ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَتْ صِفَاتُهُ - تَعَالَى - مِنْهَا مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ كَالصِّفَاتِ السَّبْعِ، وَمِنْهَا مَا اخْتُلِفَ فِيهِ كَصِفَاتِ فِعْلِهِ - تَعَالَى - وَرَحْمَتِهِ وَغَضَبِهِ وَنَحْوِهَا، بَدَأَ بِمَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَهِيَ السَّبْعُ صِفَاتٍ الثُّبُوتِيَّةِ:
[الصفات الثبوتية]
[صفة الحياة]
«لَهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْبَصَرْ سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْتَدَرْ»
(بِقُدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْكِنْ كَذَا إِرَادَةٌ فَعِ وَاسْتَبِنْ»
(وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلِي مُطْلَقَا»
(وَسَمْعُهُ سُبْحَانَهُ كَالْبَصَرِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ وَكُلِّ مُبْصَرْ»
(وَإِنَّ مَا جَاءَ مَعَ جِبْرِيلَ مِنْ مُحْكَمِ الْقُرْآنِ وَالتَّنْزِيلْ»
(كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ قَدِيمْ أَعْيَا الْوَرَى بِالنَّصِّ يَا عَلِيمُ»
[ ١ / ١٣٠ ]
«وَلَيْسَ فِي طَوْقِ الْوَرَى مِنْ أَصْلِهِ أَنْ يَسْتَطِيعُوا سُورَةً مِنْ مِثْلِهِ»
الْأُولَى مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ مِمَّا يَجِبُ (لَهُ) - ﷾، (الْحَيَاةُ) وَهِيَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، تَقْتَضِي صِحَّةَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لِاسْتِحَالَةِ قِيَامِهِمَا
[ ١ / ١٣١ ]
بِغَيْرِ الْحَيِّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: حَيَاةُ الْبَارِي - ﷿ - مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ، نَعَمْ، الْحَيَاةُ فِي حَقِّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ فِي حَقِّنَا ; لِأَنَّهَا فِي حَقِّنَا قُوَّةٌ تَتْبَعُ اعْتِدَالَ النَّوْعِ، وَهَذَا فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - مُحَالٌ، فَمِنْ ثَمَّ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا فِي حَقِّهِ - تَعَالَى، فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: حَيَاتُهُ صِحَّةُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، فَمَعْنَى كَوْنِهِ حَيًّا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ وَيَقْدِرَ، وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ الْحَيُّ هُوَ الدَّرَّاكُ الْفَعَّالُ، وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: حَيَاتُهُ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، لِأَجْلِهَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ وَيَقْدِرَ، لَا نَفْسَ صِحَّةِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَكَذَا فَسَّرَهَا جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ فِي نَفْسِهَا، فَاتَّصَفَ بِهَا - جَلَّ وَعَلَا - فَصِفَةُ الْحَيَاةِ هِيَ الْجَامِعَةُ لِسَائِرِ الصِّفَاتِ مُتَقَدِّمَةُ الرُّتْبَةِ عَلَيْهَا، فَلَا يَتَقَدَّمُهَا إِلَّا الْوُجُودُ، وَهِيَ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ لَا مَوْجُودٍ وَلَا مَعْدُومٍ، وَمِثْلُهَا الْوُجُودُ وَالْقِدَمُ وَالْبَقَاءُ عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ، وَضَابِطُهَا أَنَّهَا كُلُّ صِفَةٍ لَا تَقْتَضِي أَمْرًا زَائِدًا عَلَى قِيَامِهَا بِمَحَلِّهَا، كَمَا أَنَّ ضَابِطَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الصِّفَاتِ أَنَّهَا كُلُّ صِفَةٍ تَقْتَضِي أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْقِيَامِ بِمَحَلِّهَا، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَقْتَضِي مَعْلُومًا، وَالْقُدْرَةَ تَقْتَضِي مَقْدُورًا. . . إِلَخْ.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الصِّفَةَ مَتَى قَامَتْ بِمَوْصُوفٍ لَزِمَهَا أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ: أَمْرَانِ لَفْظِيَّانِ، وَأَمْرَانِ مَعْنَوِيَّانِ، فَاللَّفْظِيَّانِ ثُبُوتِيٌّ وَسَلْبِيٌّ، فَالثُّبُوتِيُّ أَنْ يُشْتَقَّ لِلْمَوْصُوفِ مِنْهَا اسْمٌ، وَالسَّلْبِيُّ أَنْ يَمْتَنِعَ الِاشْتِقَاقُ لِغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَوِيَّانِ ثُبُوتِيٌّ وَسَلْبِيٌّ، فَالثُّبُوتِيُّ أَنَّهُ يَعُودُ حُكْمُهَا إِلَى الْمَوْصُوفِ وَيُخْبَرُ بِهَا عَنْهُ، وَالسَّلْبِيُّ أَنَّهُ لَا يَعُودُ حُكْمُهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ خَبَرًا عَنْهُ. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ كَالْكَلَامِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِهِمَا.
[صفة الكلام]
(الثَّانِيَةُ): مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَ) يَجِبُ لَهُ - ﷾ - (الْكَلَامُ)، أَيْ
[ ١ / ١٣٢ ]
يَجِبُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ قَدِيمٍ ذَاتِيٍّ وُجُودِيٍّ، غَيْرِ مَخْلُوقٍ وَلَا مُحْدَثٍ وَلَا حَادِثٍ، لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْخَلْقِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ " رِسَالَةِ الْأَصْفَهَانِيِّ " الْإِمَامِ الْمُتَكَلِّمِ الْأَشْعَرِيِّ: قَدِ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، وَأَنَّ كَلَامَهُ - تَعَالَى - غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنْكَرُوا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ كَلَامَهُ - تَعَالَى - مَخْلُوقٌ، خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامٍ خَلَقَهُ فِي الشَّجَرَةِ، وَكَلَّمَ جِبْرِيلَ بِكَلَامٍ خَلَقَهُ فِي الْهَوَاءِ، وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ مِنْهُ بَدَأَ: أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، لَمْ يَخْلُقْهُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّهُ بَدَأَ مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَمْ يَقُمْ بِهِ كَلَامٌ. قَالَ: وَلَمْ يَرُدَّ السَّلَفُ أَنَّهُ كَلَامٌ فَارَقَ ذَاتَهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ وَغَيْرَهُ مِنَ الصِّفَاتِ لَا يُفَارِقُ الْمَوْصُوفَ، بَلْ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ لَا تُفَارِقُهُ وَتَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَيْفَ صِفَةُ الْخَالِقِ تُفَارِقُهُ وَتَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهِ؟ وَلِهَذَا قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ: كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ " وَإِلَيْهِ يَعُودُ "، مَا جَاءَ فِي الْآثَارِ " إِنَّ الْقُرْآنَ يُسْرَى بِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ حَرْفٌ، وَلَا فِي الْقُلُوبِ مِنْهُ آيَةٌ، وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ - ﷺ - وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، كَالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَكَتَبَهُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ» . يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَفِي لَفْظٍ: " «بِأَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ» "، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ مُسَيْلِمَةَ - إِنَّ هَذَا كَلَامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنِ الْ - أَيْ مِنْ رَبٍّ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - لَمَّا سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ لِمَيِّتٍ لَمَّا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ الْقُرْآنِ، اغْفِرْ لَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَقَالَ: مَهْ، الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَرْبُوبٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَهَذَا الْكَلَامُ مَعْرُوفٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄.
وَقَوْلُ السَّلَفِ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ
[ ١ / ١٣٣ ]
مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، كَمَا اسْتَفَاضَتِ الْآثَارُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْهُمْ فِي الْكُتُبِ الْمَسْطُورَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْمَشْهُورَةِ، (قَالَ) شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ " الْأَصْفَهَانِيَّةِ ": وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ لَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ يُفَارِقُ الْمُتَكَلِّمَ وَيَنْتَقِلُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْقُرْآنِ وَمِنْهُ سُمِعَ، لَا أَنَّهُ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ قَوْلِهِ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مِنْهُ خَرَجَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ يَعْنِي مَا قَدَّمْنَا. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ كَلَامُ الْبَارِي - جَلَّ وَعَلَا - صِفَةُ ذَاتٍ أَوْ صِفَةُ فِعْلٍ؟ فَالْجَوَابُ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَمُحَقِّقِي الْأَئِمَّةِ، أَنَّهُ صِفَةُ ذَاتٍ وَفِعْلٍ مَعًا، فَإِنَّ صِفَةَ الْكَلَامِ لِلَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ثَابِتَةٌ بِإِجْمَاعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ بِلَا كَيْفٍ، فَإِنَّ الْكَلَامَ صِفَةُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ، فَالرَّبُّ أَحَقُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْكَلَامِ مِنْ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِالْكَلَامِ، إِذْ كَلُّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ يَثْبُتُ لِلْمَخْلُوقِ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ ; لِأَنَّ الْقَدِيمَ الْوَاجِبَ الْخَالِقَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْمُحْدَثِ الْمُمْكِنِ الْمَخْلُوقِ، وَلِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ يَثْبُتُ لِلْمَخْلُوقِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْخَالِقِ، وَمَا جَازَ اتِّصَافُهُ بِهِ مِنَ الْكَمَالِ وَجَبَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُ لَكَانَ إِمَّا مُمْتَنِعًا، وَهُوَ مُحَالٌ بِخِلَافِ الْفَرْضِ، وَإِمَّا مُمْكِنًا فَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالرَّبُّ - تَعَالَى - لَا يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِ كَمَالِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ مُعْطِيَ الْكَمَالِ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَكْمَلَ مِنْهُ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ مُعْطِيًا لَهُ الْكَمَالَ، وَهَذَا مُحَالٌ، بَلْ هُوَ - جَلَّ شَأْنُهُ - بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ مُسْتَحِقٌّ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا عَلَى غَيْرِهِ، فَيَجِبُ ثُبُوتُ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَالْمُتَكَلِّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكُونُ الْكَلَامُ لَازِمًا لَهُ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ يَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ أَكْمَلُ مِمَّنْ صَارَ الْكَلَامُ يُمْكِنُهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مُمْكِنًا لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُ (قَدِيمٌ) مَعَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
(وَقَالَ ابْنُ كِلَابٍ) وَمَنْ وَافَقَهُ: كَلَامُهُ - تَعَالَى - صِفَةُ ذَاتِ لَازِمٍ لِذَاتِهِ كَلُزُومِ الْحَيَاةِ، لَيْسَ هُوَ مُتَعَلِّقًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، بَلْ هُوَ قَدِيمٌ كَقِدَمِ الْحَيَاةِ، إِذْ لَوْ - قُلْنَا إِنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ
[ ١ / ١٣٤ ]
مَخْلُوقًا أَوْ قَائِمًا بِذَاتِ الرَّبِّ، فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَسَلْسُلَ الْحَوَادِثِ ; لِأَنَّ الْقَابِلَ لِلشَّيْءِ لَا يَخْلُو عَنْهُ وَعَنْ ضِدِّهِ، قَالُوا: وَتَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ مُمْتَنِعٌ إِذِ التَّفْرِيعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمَّا قَالُوا بِقِدَمِ عَيْنِ الْكَلَامِ تَنَازَعُوا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ حُرُوفًا وَلَا أَصْوَاتًا ; لِأَنَّ الصَّوْتَ يَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ بَقَاءُ الْحَرَكَةِ، وَمَا امْتَنَعَ بَقَاؤُهُ امْتَنَعَ قِدَمُ عَيْنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، فَيَمْتَنِعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْأَصْوَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، كَمَا يَمْتَنِعُ قِدَمُ شَيْءٍ مِنَ الْحَرَكَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ; لِأَنَّ تِلْكَ لَا تَكُونُ كَلَامًا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَعَاقِبَةً، وَالْقَدِيمُ لَا يَكُونُ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَتِ الْمِيمُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ قَدِيمَةً مَعَ كَوْنِهَا مَسْبُوقَةً بِغَيْرِهَا، لَكَانَ الْقَدِيمُ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَدِيمُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ ; لِأَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ، لَكَانَ اخْتِصَاصُهُ بِقَدْرٍ دُونَ قَدْرٍ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَنَاهَى لَزِمَ وُجُودُ أَعْدَادٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى وَاحِدًا هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَهُوَ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِ الْكِلَابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّهُ حُرُوفٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ، لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ، وَهِيَ مُتَرَتِّبَةٌ فِي ذَاتِهَا لَا فِي وُجُودِهَا، كَالْحُرُوفِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ بِأَصْوَاتٍ قَدِيمَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ أَصْوَاتٌ أَيْضًا قَدِيمَةٌ. وَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ بَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَنْطُوقَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا مُتَعَاقِبَةً، وَبَيْنَ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي تُوجَدُ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَصْوَاتِ وَالْمِدَادِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ الْمُعَيَّنُ قَدِيمًا ; لِأَنَّ مَا وَجَبَ قِدَمُهُ لَزِمَ بَقَاؤُهُ وَامْتَنَعَ عَدَمُهُ، وَالصَّوْتُ لَا يَبْقَى. وَأَمَّا الْحُرُوفُ الْمَكْتُوبَةُ فَقَدْ يُرَادُ بِهَا نَفْسُ الشَّكْلِ الْقَائِمِ بِالْمِدَادِ، أَوْ مَا يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمِدَادِ، كَالشَّكْلِ الْمَصْنُوعِ فِي حَجَرٍ أَوْ وَرَقٍ بِإِزَالَةِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ نَفْسُ الْمِدَادِ. وَأَمَّا الْحُرُوفُ الْمَنْطُوقَةُ، فَقَدْ يُرَادُ بِهَا أَيْضًا الْأَصْوَاتُ الْمُقَطَّعَةُ الْمُؤَلَّفَةُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا حُدُودُ الْأَصْوَاتِ وَأَطْرَافُهَا، كَمَا يُرَادُ بِالْحَرْفِ فِي الْجِسْمِ حَدُّهُ
[ ١ / ١٣٥ ]
وَمُنْتَهَاهُ، فَيُقَالُ: حَرْفُ الرَّغِيفِ وَحَرْفُ الْجَبَلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحُرُوفِ الْحُرُوفُ الْحَالِيَّةُ، وَهُوَ مَا يَتَشَكَّلُ فِي بَاطِنِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الْمَنْظُومِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ، هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ حُرُوفٍ بِدُونِ أَصْوَاتٍ فِي الْحَيِّ النَّاطِقِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لَهُمْ، وَعَلَى هَذَا تَنَازَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْقَائِلَةُ بِقِدَمِ أَعْيَانِ الْحُرُوفِ، هَلْ تَكُونُ قَدِيمَةً بِدُونِ أَصْوَاتٍ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ أَصْوَاتٍ قَدِيمَةٍ لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ؟ ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْأَصْوَاتِ الْمُعَيَّنَةِ تَنَازَعُوا فِي الْمَسْمُوعِ مِنَ الْقَارِئِ، هَلْ يُسْمَعُ مِنْهُ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ؟ فَقِيلَ: الْمَسْمُوعُ مِنْهُ هُوَ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ، وَقِيلَ: بَلْ صَوْتَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَدِيمُ، وَالْآخَرُ الْمُحْدَثُ، فَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي وُجُودِ الْقُرْآنِ فَهُوَ الْقَدِيمُ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْمُحْدَثُ. وَقِيلَ: بَلِ الصَّوْتُ الْقَدِيمُ غَيْرُ الْمَسْمُوعِ مِنَ الْعَبْدِ. وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ مَنْ لَا يُعَوَّلُ عَلَى كَلَامِهِ مِنَ الْفِرَقِ الْمَائِلَةِ. وَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّ كَلَامَهُ - تَعَالَى - صِفَةُ فِعْلٍ، هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَبَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بَوْنٌ، الْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ إِنَّ التَّكْلِيمَ وَالنِّدَاءَ لَيْسَ إِلَّا مُجَرَّدَ خَلْقِ إِدْرَاكِ الْمَخْلُوقِ، بِحَيْثُ يَسْمَعُ مَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، لَا أَنَّهُ يَكُونُ هُنَاكَ كَلَامٌ يَتَكَلَّمُ اللَّهُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا تَكْلِيمَ، بَلْ تَكْلِيمُهُ عِنْدَهُمْ جَعْلُ الْعَبْدِ سَامِعًا لِمَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ سَمْعِهِ بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ الْأَعْمَى بَصِيرًا لِمَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ رُؤْيَتِهِ عَنْ غَيْرِ إِحْدَاثِ شَيْءٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ الْأَعْمَى، فَعِنْدَهُمْ لَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ سَمِعَ النِّدَاءَ الْقَدِيمَ لَا أَنَّهُ حِينَئِذْ نُودِيَ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُسْمِعُ كَلَامَهُ لِخَلْقِهِ بَدَلَ قَوْلِ النَّاسِ إِنَّهُ يُكَلِّمُ خَلْقَهُ. وَأَمَّا الْآخَرُونَ وَهُمُ الْخَلْقِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، خَلَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيِّينَ الَّذِينَ قَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالنَّجَّارِيَّةِ وَالضِّرَارِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] مُبْطِلٌ لِهَذَا وَلِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ، بَلْ مَخْلُوقٌ، إِمَّا فِي جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوِ الْهَوَاءِ، أَوْ أُلْهِمَهُ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ أَوِ الْهَوَاءُ، أَوْ أُلْهِمَهُ جِبْرِيلُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ، أَوْ يَكُونُ أَخَذَهُ جِبْرِيلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ
[ ١ / ١٣٦ ]
: إِنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ الْمَعْنِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ، وَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ خُلِقَ لِيَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهَذَا قَوْلُ الْكِلَابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ فِي نَفْسِ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَبَلَّغَهُ لِلنَّبِيِّ الْأَمِينِ، وَأَخْبَرَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْكَلَامُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَيَمْتَنِعَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ مَخْلُوقًا فِي غَيْرِهِ، وَالْحَقُّ - جَلَّ شَأْنُهُ - مُتَكَلِّمٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ حَادِثًا كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَرَامِيَّةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: كَلَامُهُ كُلُّهُ حَادِثٌ لَا مُحْدَثٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ حَادِثٌ وَمُحْدَثٌ.
مَذْهَبُ السَّلَفِ فِي الْكَلَامِ
وَتَحْرِيرُ مَذْهَبِ السَّلَفِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُتَكَلِّمٌ كَمَا مَرَّ، وَأَنَّ كَلَامَهُ قَدِيمٌ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهُ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - مَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ الْبَشَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ - فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ - ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ - ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ - ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ - فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ - إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ - سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٦]، وَمُحَمَّدٌ - ﷺ - بَشَرٌ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ بَشَرٌ أَوْ جِنِّيٌّ أَوْ مَلَكٌ، فَمَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَقَدْ كَفَرَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، فَالْمُرَادُ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ، لَا أَنَّهُ قَوْلُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فَالَّذِي بَلَّغَهُ الرَّسُولُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُهُ، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوَاسِمِ، وَيَقُولُ: " «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَالْكَلَامُ كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا بِهِ، لَا كَلَامُ مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا، وَمُوسَى - ﵇ - سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ يَسْمَعُهُ بَعْضُهُمْ
[ ١ / ١٣٧ ]
مِنْ بَعْضٍ، فَسَمَاعُ مُوسَى مُطْلَقٌ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَسَمَاعُ النَّاسِ مُقَيَّدٌ بِوَاسِطَةٍ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]، فَفَرَّقَ بَيْنَ التَّكْلِيمِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى وَكَلَّمَ نَبِيَّنَا - ﷺ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَبَيْنَ التَّكْلِيمِ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ كَمَا كَلَّمَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ إِلَيْهِمْ، وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ، تَكَلَّمَ بِحُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ بِصَوْتِهِ - ﷺ، ثُمَّ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُ يُبَلِّغُونَ كَلَامَهُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ - ﷺ: " «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ» "، فَالْمُسْتَمِعُ مِنْهُ يُبَلِّغُ حَدِيثَهُ كَمَا سَمِعَهُ لَكِنْ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لَا بِصَوْتِ الرَّسُولِ، فَالْكَلَامُ كَلَامُ الرَّسُولِ، تَكَلَّمَ بِهِ بِصَوْتِهِ، وَالْمُبَلِّغُ بَلَّغَ كَلَامَ الرَّسُولِ بِصَوْتِ نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا فِيمَنْ يُبَلِّغُ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ، فَكَلَامُ الْخَالِقِ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» "، فَجَعَلَ الْكَلَامَ كَلَامَ الْبَارِي، وَجَعَلَ الصَّوْتَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ بِهِ الْعَبْدُ صَوْتَ الْقَارِئِ، وَأَصْوَاتُ الْعِبَادِ لَيْسَتْ هِيَ الصَّوْتَ الَّذِي يُنَادِي اللَّهُ بِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِهِ كَمَا نَطَقَتِ النُّصُوصُ بِذَلِكَ، بَلْ وَلَا مِثْلَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، فَلَيْسَ عِلْمُهُ كَمِثْلِ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا قُدْرَتُهُ مِثْلَ قُدْرَتِهِمْ، وَلَا كَلَامُهُ مِثْلَ كَلَامِهِمْ، وَلَا نِدَاؤُهُ مِثْلَ نِدَائِهِمْ، وَلَا صَوْتُهُ مِثْلَ أَصْوَاتِهِمْ، فَمَنْ قَالَ عَنِ الْقُرْآنِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ: لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ، أَوْ هُوَ كَلَامُ غَيْرِهِ، فَهُوَ مُلْحِدٌ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ أَوِ الْمِدَادَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الْقُرْآنُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ، فَهُوَ مُلْحِدٌ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ، بَلْ هَذَا الْقُرْآنُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ مُثْبَتٌ فِي الْمَصَاحِفِ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغًا عَنْهُ مَسْمُوعًا مِنَ الْقُرَّاءِ، لَيْسَ هُوَ مَسْمُوعًا مِنْهُ - تَعَالَى، فَكَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ، وَصَوْتُ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ كَسَائِرِ السَّلَفِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي رِسَالَتِهِ - الْبُرْهَانِ فِي حَقِيقَةِ الْقُرْآنِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣]
[ ١ / ١٣٨ ]
، وَقَالَ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، وَهُوَ هَذَا الْكِتَابُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي هُوَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً، أَوَّلُهَا الْفَاتِحَةُ، وَآخِرُهَا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ، مَتْلُوٌّ فِي الْمَحَارِيبِ، مَسْمُوعٌ بِالْآذَانِ، مَتْلُوٌّ بِالْأَلْسُنِ، مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ، لَهُ أَوَّلٌ وَآخِرٌ وَأَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَعَدَّدُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - مُتَعَدِّدَةٌ، قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ ": «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» "، وَهِيَ قَدِيمَةٌ، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ إِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - مَخْلُوقَةٌ فَقَدْ كَفَرَ. وَكَذَا كُتُبُ اللَّهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ مُتَعَدِّدَةٌ، وَهِيَ كَلَامُ اللَّهِ - تَعَالَى، وَقَدْ وَرَدَ السَّمْعُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ ذُو عَدَدٍ، وَأَقَرَّ الْمُسْلِمُونَ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ - تَعَالَى. وَقَدْ عَدَّ الْأَشْعَرِيُّ صِفَاتِ اللَّهِ سَبْعَ عَشْرَةَ صِفَةً، بَيَّنَ أَنَّ مِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالسَّمْعِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَمْ يَلْزَمْ بِدُخُولِ الْعَدَدِ فِي الْحُرُوفِ شَيْءٌ.
قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁: الْقُرْآنُ كَيْفَ تَصَرَّفَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَلَا نَرَى الْقَوْلَ بِالْحِكَايَةِ وَالْعِبَارَةِ. وَغَلِطَ مَنْ قَالَ بِهِمَا وَجَهِلَهُ، فَقَالَ: مَنْ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ، فَقَدْ غَلِطَ وَجَهِلَ. قَالَ: وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] يُبْطِلُ الْحِكَايَةَ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. قَالَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونُ حُرُوفًا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي أَصْلِ الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ، كَمَا أَنَّ اتِّفَاقَ الْبَصَرِ فِي أَنَّهُ إِدْرَاكُ الْمُبْصَرَاتِ، وَالسَّمْعُ فِي أَنَّهُ إِدْرَاكُ الْمَسْمُوعَاتِ، وَالْعِلْمُ فِي أَنَّهُ إِدْرَاكُ الْمَعْلُومَاتِ لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ، كَذَلِكَ هَذَا. وَأَيْضًا يَلْزَمُهُمْ إِنْ نَفَوْا هَذِهِ الصِّفَةَ لِكَوْنِ هَذَا تَشْبِيهًا، أَنْ يَنْفُوا سَائِرَ الصِّفَاتِ مِنَ الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ الْحُرُوفَ تَحْتَاجُ إِلَى مَخَارِجَ وَأَدَوَاتٍ، فَالْجَوَابُ أَنَّ احْتِيَاجَهَا إِلَى ذَلِكَ فِي حَقِّنَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ رَبِّنَا، تَعَالِي عَنْ ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى مَخَارِجَ فِي كَلَامِهَا، كَالْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَالْجُلُودِ الَّتِي تَتَكَلَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْحَجَرِ الَّذِي سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ، وَالْحَصَى الَّذِي سَبَّحَ فِي كَفِّهِ، وَالذِّرَاعِ
[ ١ / ١٣٩ ]
الْمَسْمُومَةِ الَّتِي كَلَّمَتْهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ. وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَحْتَاجُ كَحَاجَتِنَا قِيَاسًا عَلَيْنَا، فَهُوَ عَيْنُ التَّشْبِيهِ الَّذِي يَفِرُّونَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُمْ إِنَّ التَّعَاقُبَ يَدْخُلُ فِي الْحُرُوفِ، قُلْنَا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ يَنْطِقُ بِالْمَخَارِجِ وَالْأَدَوَاتِ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ: إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ التَّعَاقُبُ فِي مَنْ يَتَكَلَّمُ بِأَدَاةٍ، يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ شَيْءٍ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُ بِلَا جَارِحَةٍ فَلَا يَلْزَمُ فِي كَلَامِهِ التَّعَاقُبُ، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - ﷾ - يَتَوَلَّى الْحِسَابَ بَيْنَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْمُخَاطَبَ فِي الْحَالِ هُوَ وَحْدَهُ، وَهَذَا خِلَافُ التَّعَاقُبِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وَقَالَ - تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وَقَالَ - تَعَالَى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦]: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ مُوسَى - ﵊ - سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنَ اللَّهِ، لَا مِنْ شَجَرَةٍ وَلَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ سَمِعَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَفْضَلَ فِي ذَلِكَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ أَفْضَلَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مُوسَى، لِكَوْنِهِمْ سَمِعُوا مِنْ مُوسَى - ﵇ - وَهُوَ عَلَى زَعْمِهِمْ إِنَّمَا سَمِعَ مِنَ الشَّجَرَةِ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: لِمَ سُمِّيَ مُوسَى كَلِيمَ اللَّهِ؟ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مُوسَى - ﵇ - إِنَّمَا سَمِعَ مِنَ اللَّهِ - ﷿ - لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي سَمِعَهُ إِلَّا صَوْتًا وَحَرْفًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنًى فِي النَّفْسِ وَفِكْرَةً وَرُؤْيَةً، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْلِيمًا لِمُوسَى وَلَا هُوَ شَيْءٌ يُسْمَعُ، وَالْفِكْرُ لَا يُسَمَّى مُنَادَاةً، فَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ لَا نُسَمِّيهِ صَوْتًا مَعَ كَوْنِهِ مَسْمُوعًا، قُلْنَا: هَذَا مُخَالَفَةٌ فِي اللَّفْظِ مَعَ الْمُوَافَقَةِ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ لَا يُعْنَى بِالصَّوْتِ إِلَّا مَا كَانَ مَسْمُوعًا ٠ ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ الصَّوْتِ قَدْ صَحَّتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ٠
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَمَنْ نَفَى الصَّوْتَ، يَلْزَمُهُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُسْمِعْ أَحَدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَلَا رُسُلِهِ كَلَامَهُ، بَلْ أَلْهَمَهُمْ إِيَّاهُ إِلْهَامًا. قَالَ: وَحَاصِلُ الِاحْتِجَاجِ لِلنَّفْيِ الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيَاسِ عَلَى أَصْوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ; لِأَنَّهَا الَّتِي عُهِدَتْ ذَاتَ مَخَارِجَ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إِذِ الصَّوْتُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مَخَارِجَ، كَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ اتِّصَالِ أَشِعَّةٍ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَلَيُمْنَعِ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ ; لِأَنَّ صِفَةَ الْخَالِقِ لَا تُقَاسُ عَلَى صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَحَيْثُ ثَبَتَ ذِكْرُ الصَّوْتِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ
[ ١ / ١٤٠ ]
الصَّحِيحَةِ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، ثُمَّ إِمَّا التَّفْوِيضُ وَإِمَّا التَّأْوِيلُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: قَوْلُهُ - ﷺ: " «ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ» "، حَمَلَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَلَى مَجَازِ الْحَذْفِ، أَيْ يَأْمُرُ مَنْ يُنَادِي، فَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُ مَنْ أَثْبَتَ الصَّوْتَ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُ هَذَا فِيهِمْ، وَبِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا سَمِعُوهُ صَعِقُوا، وَإِذَا سَمِعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَمْ يَصْعَقُوا. قَالَ: فَعَلَى هَذَا فَصَوْتُهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، لَا يُشْبِهُ صَوْتَ غَيْرِهِ، إِذْ لَيْسَ يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ: وَهَكَذَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ، يَعْنِي الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. انْتَهَى.
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ فِي إِثْبَاتِ الصَّوْتِ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنِيسٍ الْأَنْصَارِيِّ - ﵁ - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنِيسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ النَّاسَ - وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ، حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا "، قَالَ قُلْتُ: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ "، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ، كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: " أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ حَتَّى اللَّطْمَةُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ حَتَّى اللَّطْمَةُ "، قُلْنَا: كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا؟ قَالَ: " بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» "، أَخْرَجَ أَصْلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا مُسْتَشْهِدًا بِهِ إِلَى قَوْلِهِ: «أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ» . وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيثًا فِي الْقِصَاصِ، وَكَانَ صَاحِبُ الْحَدِيثِ بِمِصْرَ، فَاشْتَرَيْتُ بَعِيرًا فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلًا، وَسِرْتُ حَتَّى وَرَدْتُ مِصْرَ، فَمَضَيْتُ إِلَى بَابِ الرَّجُلِ الَّذِي بَلَغَنِي عَنْهُ الْحَدِيثُ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ فَخَرَجَ إِلَيَّ مَمْلُوكُهُ، فَنَظَرَ فِي وَجْهِي وَلَمْ يُكَلِّمْنِي، فَدَخَلَ إِلَى سَيِّدِهِ فَقَالَ: أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: سَلْهُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ. فَخَرَجَ إِلَيَّ مَوْلَاهُ، فَلَمَّا تَرَاءَيْنَا اعْتَنَقَ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ، مَا جِئْتَ تَعْرِفُ؟ فَقُلْتُ:
[ ١ / ١٤١ ]
حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْقِصَاصِ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ بَقِيَ أَحْفَظُ لَهُ مِنْكَ. قَالَ: نَعَمْ يَا جَابِرُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ - ﵎ - يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، ثُمَّ يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ غَيْرِ قَطِيعٍ، يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَنْ قَرُبَ: أَنَا الدَّيَّانُ، لَا تَظَالُمَ الْيَوْمَ، أَمَا وَعِزَّتِي لَا يُجَاوِرُنِي الْيَوْمَ ظَالِمٌ وَلَوْ لَطْمَةً بِكَفٍّ أَوْ يَدًا عَلَى يَدٍ. أَلَا وَإِنَّ أَشَدَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ، فَلْتَرْتَقِبْ أُمَّتِي الْعَذَابَ إِذَا تَكَافَأَ النِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ، وَالرِّجَالُ بِالرِّجَالِ» ". وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، وَمِنْ مُسْنَدِهِ نَقَلَهُ، وَخَرَّجَهُ عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَغَوِيُّ الْمَالِكِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ: فَابْتَعْتُ بَعِيرًا، فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ رَحْلِي، ثُمَّ سِرْتُ إِلَيْهِ، فَسِرْتُ شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنِيسٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَأَتَيْتُ مَنْزِلَهُ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ أَنَّ جَابِرًا عَلَى الْبَابِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَيَّ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَخَرَجَ فَاعْتَنَقْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْمَظَالِمِ لَمْ أَسْمَعْهُ ٠ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ - أَوْ قَالَ النَّاسَ» - الْحَدِيثَ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيَصْعَقُونَ فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ - ﵇، فَإِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ، مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ قَالَ: يَقُولُ الْحَقَّ. فَيُنَادُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ» ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَنَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ: سَأَلْتُ أَبِي فَقُلْتُ: يَا أَبِي، الْجَهْمِيَّةُ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ، فَقَالَ: كَذَبُوا، إِنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى التَّعْطِيلِ. ثُمَّ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: " «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ، سَمِعَ صَوْتَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ» "، قَالَ السِّجْزِيُّ: وَمَا فِي رُوَاةِ هَذَا الْخَبَرِ إِلَّا إِمَامٌ مَقْبُولٌ ٠ انْتَهَى ٠ وَتَتِمَّةُ الْخَبَرِ: " «فَيَخِرُّونَ سُجَّدًا، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ سُكِّنَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - قَالَ أَهْلُ السَّمَاءِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا: الْحَقَّ، قَالَ كَذَا
[ ١ / ١٤٢ ]
وَكَذَا» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ: وَمِثْلُ هَذَا لَا يَقُولُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - إِلَّا تَوْقِيفًا ; لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ صِفَةٍ لِلذَّاتِ. انْتَهَى. وَقَدْ رُوِيَ فِي إِثْبَاتِ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ أَحَادِيثُ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، بَعْضُهَا صِحَاحٌ وَبَعْضُهَا حِسَانٌ وَيُحْتَجُّ بِهَا، أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ. وَأَخْرَجَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ غَالِبَهَا وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَخْرَجَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ غَالِبَهَا أَيْضًا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَاحْتَجَّ بِهَا الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ - جَلَّ شَأْنُهُ - يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَقَدْ صَحَّحُوا هَذَا الْأَصْلَ وَاعْتَقَدُوهُ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى ذَلِكَ مُنَزِّهِينَ اللَّهَ - تَعَالَى - عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ شُبُهَاتِ الْحُدُوثِ وَسِمَاتِ النَّقْصِ، كَمَا قَالُوا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، فَإِذَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّا لَا يُقَدَّرُ عُشْرَ مِعْشَارِ هَؤُلَاءِ يَقُولُ: لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَرَأَيْتَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةَ قَدْ دَوَّنُوا هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَعَمِلُوا بِهَا، وَدَانُوا اللَّهَ - ﷾ - بِهَا، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ لَا يُشْبِهَانِ صَوْتَ مَخْلُوقٍ وَلَا حَرْفَهُ بِوَجْهٍ أَلْبَتَّةَ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا صَحَّ عِنْدَهُمْ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ الْمَعْصُومِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، مَعَ اعْتِقَادِهِمُ الْجَازِمِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ وَلَا وَهْمٌ وَلَا خَيَالٌ - نَفْيَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَالتَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ، بَلْ يَقُولُونَ فِي صِفَةِ الْكَلَامِ كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ، إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَعْطِيلٍ، كَمَا عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَفُحُولُ الْأَئِمَّةِ، فَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ بِلَا مِحَالٍ، وَهَلْ بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ.
(تَنْبِيهٌ): مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنْ قِدَمِ كَلَامِهِ - تَعَالَى - وَأَنَّهُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي مُحَقِّقِي الْأَشَاعِرَةِ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ، وَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ مِنْ مُتَحَذْلِقٍ وَمُجَازِفٍ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ عِنْدَ ذِكْرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالْفُرْقَانِ الْقَدِيمِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
[صفة البصر والسمع]
(الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ) مَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ (وَ) يَجِبُ لَهُ - ﷾ - (الْبَصَرُ)، وَهُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى - تَتَعَلَّقُ بِالْمُبْصَرَاتِ، فَيُدْرِكُ بِهَا إِدْرَاكًا تَمَامًا، لَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ وَالتَّوَهُّمِ، وَلَا عَلَى طَرِيقِ تَأَثُّرِ حَاسَّةٍ، كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ السَّمْعِ قَرِيبًا، (سَمْعٌ) بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْعَطْفِ، أَيْ وَيَجِبُ لَهُ - ﷾ - سَمْعٌ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ
[ ١ / ١٤٣ ]
هِشَامٍ فِي حَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ: بَابُهُ الشِّعْرُ كَقَوْلِ الْحُطَيْئَةِ:
إِنَّ امْرَأً رَهْطُهُ فِي الشَّامِ مَنْزِلُهُ بِرَمْلِ يَبْرِينَ جَارٍ شَدَّ مَا اغْتَرَبَا
أَيْ وَمَنْزِلُهُ. وَالسَّمْعُ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْمُوعَاتِ. وَإِثْبَاتُ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ - أَعْنِي السَّمْعَ وَالْبَصَرَ - لِلدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ، وَهُمَا صِفَتَانِ زَائِدَتَانِ عَلَى الذَّاتِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَسَائِرِ الصِّفَاتِ لِظَوَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَلَيْسَا رَاجِعَيْنِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَلِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعِ وَالْمُبْصَرِ، لَكِنِ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ كَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَنَّ كُلًّا مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ صِفَةٌ مُغَايِرَةٌ لِلْعِلْمِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ أَنَّ الْجُمْهُورَ خَالَفُوا أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى الْعِلْمِ، قَالَ: فَإِنَّا إِذَا عَلِمْنَا شَيْئًا كَاللَّوْنِ مَثَلًا عِلْمًا تَامًّا ثُمَّ رَأَيْنَاهُ، فَإِنَّا نَجِدُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فَرْقًا ضَرُورِيًّا، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ مُخَالِفَةٌ لِلْحَالَةِ الْأُولَى بِلَا شُبْهَةٍ، وَلَوْ كَانَ الْإِبْصَارُ عِلْمًا بِالْمُبْصَرِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَرْقٌ، وَهَكَذَا نَجِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ بِهَذَا الصَّوْتِ وَسَمَاعِهِ، وَبَيْنَ الْعِلْمِ بِهَذَا الطَّعْمِ وَذَوْقِهِ، وَبَيْنَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الرَّائِحَةِ وَشَمِّهَا، وَظَوَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ فِي (بَابِ: وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: " أَرَبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا» " الْحَدِيثَ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: السَّمِيعُ مَنْ لَهُ سَمْعٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَالْبَصِيرُ مَنْ لَهُ بَصَرٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَالْكُلُّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْبَارِي صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى، وَقَدْ أَفَادَتِ الْآيَةُ وَالْأَحَادِيثُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِمَعْنَى عَلِيمٍ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) . . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ» . قَالَ أَبُو يُونُسَ: وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا
[ ١ / ١٤٤ ]
عَلَى عَيْنِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ تَحْقِيقَ إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِلَّهِ لِبَيَانِ مَحَلِّهِمَا مِنَ الْإِنْسَانِ، يُرِيدُ أَنَّ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا، لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَأَشَارَ إِلَى الْقَلْبِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعِلْمِ. وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْجَارِحَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ قِدَمُ الْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ قِدَمُ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَقْدُورَاتِ ; لِأَنَّهَا صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ تَحْدُثُ لَهَا تَعَلُّقَاتٌ بِالْحَوَادِثِ.
[صفة الإرادة]
(الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ): مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ (إِرَادَةٌ) بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْعَطْفِ عَلَى مَا مَرَّ، أَيْ وَيَجِبُ لَهُ - تَعَالَى - صِفَةُ الْإِرَادَةِ، وَيُرَادِفُهَا الْمَشِيئَةُ، وَهُمَا عِبَارَتَانِ عَنْ صِفَةٍ فِي الْحَيِّ، تُوجِبُ تَخْصِيصَ أَحَدِ الْمَقْدُورَيْنِ فِي أَحَدِ الْأَوْقَاتِ بِالْوُقُوعِ مَعَ اسْتِوَاءِ نِسْبَةِ الْقُدْرَةِ إِلَى الْكُلِّ، قَالَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ: نِسْبَةُ الضِّدَّيْنِ إِلَى الْقُدْرَةِ سَوَاءٌ، إِذْ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ بِقُدْرَتِهِ - تَعَالَى - أَحَدُ الضِّدَّيْنِ، يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ بِهِ الضِّدُّ الْآخَرُ، وَنِسْبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْأَوْقَاتِ سَوَاءٌ، إِذْ كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي وَقْتِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ، يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُخَصِّصٍ يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَيُعَيِّنُ لَهُ وَقْتًا دُونَ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَهَذَا الْمُخَصِّصُ هُوَ الْإِرَادَةُ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ بَاقِيَةٌ، إِذْ لَوْ كَانَتْ حَادِثَةً، لَزِمَ كَوْنُهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَأَيْضًا لَا حَاجَةَ إِلَى إِرَادَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ ; لِأَنَّهُ - تَعَالَى - مُوجِدٌ لِكُلِّ مَا يُوجَدُ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ، وَلِأَنَّهُ - تَعَالَى - فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ، فَيَكُونُ مُرِيدًا لَهَا ; لِأَنَّ الْإِيجَادَ بِالِاخْتِيَارِ يَسْتَلْزِمُ إِرَادَةَ الْفَاعِلِ. وَيَأْتِي تَتِمَّةُ الْكَلَامِ عِنْدَ ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، تَعَالَى.
[صفة العلم]
(الصِّفَةُ السَّادِسَةُ): مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَ) يَجِبُ لَهُ - ﷿ - (عِلْمٌ)، أَيْ يَجِبُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - عَالِمٌ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ وُجُودِيٍّ قَدِيمٍ بَاقٍ ذَاتِيٍّ، يَنْكَشِفُ بِهِ الْمَعْلُومَاتُ عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِأَنَّ عِلْمَهُ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ - تَعَالَى - لِلرَّدِّ عَلَى الْحُكَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ وَإِثْبَاتِ غَايَتِهَا، وَلِلرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ
[ ١ / ١٤٥ ]
الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ بِالذَّاتِ، لَا بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ صِفَاتِهِ زَائِدَةٌ عَلَى ذَاتِهِ وُرُودُ النُّصُوصِ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - عَالِمٌ وَحَيٌّ وَقَادِرٌ وَنَحْوُهَا، وَكَوْنُهُ عَالِمًا يُعَلِّلُ بِقِيَامِ الْعِلْمِ بِهِ فِي الشَّاهِدِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغَائِبِ، وَقِسْ عَلَيْهِ سَائِرَ الصِّفَاتِ، وَأَيْضًا فَالْعَالِمُ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ، وَالْقَادِرُ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ ٠ فَإِنْ قِيلَ: قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ فِقْهِيٌّ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ قِيَاسٌ فِي الْجُمْلَةِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ، عَنِ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ فِي كِتَابِهِ نِهَايَةِ الْحُقُولِ، قَالَ نُفَاةُ الصِّفَاتِ: إِنَّ ذَاتَ اللَّهِ لَوْ كَانَتْ مَوْصُوفَةً بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهَا، لَكَانَتِ الْحَقِيقَةُ الْإِلَهِيَّةُ مُرَكَّبَةً مِنْ تِلْكَ الذَّاتِ، وَمِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مُمْكِنَةً ; لِأَنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ مُرَكَّبَةٍ فَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى أَجْزَائِهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهَا غَيْرُهَا، فَإِنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ مُرَكَّبَةٍ فَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى غَيْرِهَا، وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - مُحَالٌ، فَإِذَنْ يَسْتَحِيلُ اتِّصَافُ ذَاتِهِ بِالصِّفَاتِ. وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا: قَوْلُهُ يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وُقُوعُ الْكَثْرَةِ فِي الْحَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ مُمْكِنَةً، قُلْنَا: إِنْ عَنَيْتُمْ بِهِ احْتِيَاجَ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ إِلَى خَارِجِيٍّ فَلَا يَلْزَمُ؛ لِاحْتِمَالِ اسْتِنَادِ تِلْكَ الصِّفَاتِ إِلَى الذَّاتِ الْوَاجِبَةِ لِذَاتِهَا، وَإِنْ عَنَيْتُمْ تَوَقُّفَ الصِّفَاتِ فِي ثُبُوتِهَا عَلَى الذَّاتِ الْمَخْصُوصَةِ، فَذَلِكَ مِمَّا نَلْتَزِمُهُ، فَأَيْنَ الْمُحَالُ؟ وَأَيْضًا فَعِنْدَكُمُ الْإِضَافَاتُ صِفَاتٌ وُجُودِيَّةٌ فِي الْخَارِجِ، فَيَلْزَمُكُمْ مَا أَلْزَمْتُمُونَا ٠ ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ فَسَادَ عُقُولِ الْفَلَاسِفَةِ فِي قَوْلِهِمُ: الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا وَقَابِلًا، أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِالْكُلِّيَّاتِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولِ صُورَةٍ مُسَاوِيَةٍ لِلْمَعْلُومِ فِي الْعَالِمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صُوَرَ الْمَعْلُومَاتِ مُودَعَةٌ فِي ذَاتِ الْبَارِي - تَعَالَى - حَتَّى إِنَّ ابْنَ سِينَا قَالَ: إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ إِذَا كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الذَّاتِ بَلْ كَانَتْ مِنْ لَوَازِمِ الذَّاتِ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْهَا مُحَالٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَذَاتُهُ مُؤَثِّرَةٌ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ وَقَابِلَةٌ لَهَا، وَمَنْ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهُ، كَيْفَ يُمْكِنُهُ إِنْكَارُ الصِّفَاتِ؟ .
قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصِّفَاتِيَّةِ وَبَيْنَ الْفَلَاسِفَةِ، إِلَّا أَنَّ الصِّفَاتِيَّةَ يَقُولُونَ: الصِّفَاتُ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ، وَالْفَلَاسِفَةُ يَقُولُونَ: هَذِهِ الصُّوَرُ الْعَقْلِيَّةُ عَوَارِضُ مَقُومَةٌ بِالذَّاتِ. فَالَّذِي يُسَمِّيهِ الصِّفَاتِيَّةُ صِفَةً يُسَمِّيهِ الْفَلْسَفِيُّ عَارِضًا، وَالَّذِي يُسَمِّيهُ الصِّفَاتِيُّ قِيَامًا، يُسَمِّيهِ الْفَلْسَفِيُّ
[ ١ / ١٤٦ ]
قَوَامًا أَوْ مَقُومًا، فَلَا فَرْقَ إِلَّا فِي الْعِبَارَةِ.
وَقَدْ عَارَضَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ مَقَالَتِهِ، وَغَضَّ مِنْ بَعْضِ أَدِلَّتِهِ، فَمِمَّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ مِنِ اتِّفَاقِ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَالِمٌ بِالْكُلِّيَّاتِ، قَالَ: هُوَ اتِّفَاقُ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ بِخِلَافِ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِإِثْبَاتِ صُوَرِ الْمَعْلُومَاتِ لِذَاتِهِ، وَأَنَّهَا عَارِضَةٌ لِذَاتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِينَا وَمُوَافِقِيهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْإِشَارَاتِ، وَهُوَ مِمَّا اعْتَرَفَ الْفَلَاسِفَةُ بِتَنَاقُضِ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ بِذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ تَوْحِيدِهِمْ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ، حَيْثُ قَالُوا بِنَفْيِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَالُوا بِإِثْبَاتِ صُوَرٍ وُجُودِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ. ثُمَّ إِنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ بَعْدَمَا أَفْسَدَ كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ، وَبَرْهَنَ عَلَى إِفْسَادِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ نُظَّارَ الْمُسْلِمِينَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ، أَمَّا الصِّفَاتِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ وَإِنْ نَفَوُا الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِمَا يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَهَا، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ كَوْنَهُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا، وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَنْشَأُ الضَّلَالِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ مُسَمَّى وَاجِبِ الْوُجُودَ عَبَّرُوا بِهِ عَنْ عِدَّةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى مُبْدِعٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُودُ الْمُمْكِنَاتِ، وَالثَّانِي الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِغَيْرِهِ، وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَنَفْيُ الصِّفَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ. ثُمَّ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَرُدُّ بِهِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَضْرَابِهِمْ، قَالَ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ مَنْ عَرَفَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ أَنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لَمْ يَتَضَمَّنْ نَفْيَ صِفَاتِ اللَّهِ، بَلِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ مَمْلُوءَةٌ بِإِثْبَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لِلَّهِ - تَعَالَى، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ بِامْتِنَاعِ إِثْبَاتِ وَاجِبَيْنِ أَوْ إِلَهَيْنِ قَدِيمَيْنِ لَفْظٌ فِيهِ إِجْمَالٌ وَإِبْهَامٌ، فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ نَفْيُ إِلَهَيْنِ وَاجِبَيْنِ أَوْ إِلَهَيْنِ قَدِيمَيْنِ، فَهَذَا حُقٌّ لَا يُنَازِعُ فِيهِ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَنَوْا نَفْيَ مَوْجُودَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا وَاجِبَيْنِ أَوْ قَدِيمَيْنِ، فَهَذَا حَقٌّ، فَهُمْ وَإِنْ كَانَ هَذَا بَعْضَ مُرَادِهِمْ، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، بَلْ أَرَادُوا نَفْيَ صِفَاتِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ الْقَدِيمَةِ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَنَفْيُ وَاجِبَيْنِ قَدِيمَيْنِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَاطِلٌ، وَهُمْ قَدْ يَقُولُونَ
[ ١ / ١٤٧ ]
: لَوْ كَانَتِ الصِّفَةُ ثَابِتَةً، لَكَانَتْ مُشَارِكَةً فِي أَخَصِّ صِفَاتِهِ، فَتَكُونُ الصِّفَةُ إِلَهًا، وَيَدَّعُونَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ فَقَدْ قَالَ قَوْلَ النَّصَارَى، كَمَا حَكَاهُ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ عَنْهُمْ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ وَهَذَا بَاطِلٌ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ صِفَةَ الْمَوْصُوفِ الْمُحْدَثِ الْمُمْكِنِ إِذَا وَافَقَتْهُ فِي كَوْنِهَا مُحْدَثَةً مُمْكِنَةً، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ تَكُونَ مُمَاثِلَةً لَهُ، فَلَيْسَتْ صِفَةُ النَّبِيِّ نَبِيًّا، وَلَا صِفَةُ الْإِنْسَانِ إِنْسَانًا، فَكَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ صِفَةُ الْإِلَهِ إِلَهًا بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ مُخْتَصٌّ بِمَا لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ مُطْلَقًا، وَعَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ كُفْءٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمَعْرِفَةُ هَذَا مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، فَإِنَّ نُفَاةَ الصِّفَاتِ أَدْخَلُوا ذَلِكَ فِي مُسَمَّى التَّوْحِيدِ، وَجَعَلُوا هَذَا مِنْ مُسَمَّى التَّوْحِيدِ، فَلَبَّسُوا بِذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، إِذْ كَانَ مُسَمَّى التَّوْحِيدِ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَإِذَا ظَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقَائِقَ الْأُمُورِ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ النَّفْيِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلتَّعْطِيلِ هُوَ مِنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ، انْقَلَبَ دِينُ الْإِسْلَامِ فِي نَفْسِهِ، فَجَعَلَ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْطِيلِ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ بِهِ فِرْعَوْنَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْكَافِرِينَ هُوَ مِنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الْمُرْسَلِينَ.
وَلِهَذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ يُصَنِّفُونَ الْكُتُبَ فِي التَّوْحِيدِ، يَذْكُرُونَ إِثْبَاتَ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مُنَاقَضَةً لِهَؤُلَاءِ النُّفَاةِ، فَإِنَّ مَنْفِيَّ الصِّفَاتِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَعْدُومًا، فَإِنَّ إِثْبَاتَ ذَاتٍ بِلَا صِفَاتٍ أَوْ وُجُودٍ مُطْلَقٍ لَا يَتَعَيَّنُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، فَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ لِلَّهِ الصِّفَاتِ لَمْ يُحَقِّقْ عِبَادَتَهُ لَهُ، فَلِهَذَا وَغَيْرِهِ كَانَ الشِّرْكُ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَاقِعًا فِي نُفَاةِ الصِّفَاتِ.
(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ أَدِلَّةً عَقْلِيَّةً عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعِلْمِ لِلَّهِ - تَعَالَى - مِنْهَا: إِيجَادُهُ - ﷾ - الْأَشْيَاءَ لِاسْتِحَالَةِ إِيجَادِهِ الْأَشْيَاءَ مَعَ الْجَهْلِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا الدَّلِيلُ مَشْهُورٌ عِنْدَ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَالْقُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، قَالَ: وَالْفَلَاسِفَةُ أَيْضًا سَلَكُوهُ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا): أَنَّ إِيجَادَهُ الْأَشْيَاءَ هُوَ بِإِرَادَتِهِ، وَالْإِرَادَةُ تَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ الْمُرَادِ وَهُوَ الْعِلْمُ، فَكَانَ الْإِيجَادُ مُسْتَلْزِمًا لِلْإِرَادَةِ، وَالْإِرَادَةُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْعِلْمِ، فَالْإِيجَادُ
[ ١ / ١٤٨ ]
مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ.
(الثَّانِي): أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ فِيهَا مِنَ الْإِحْكَامِ وَالْإِتْقَانِ مَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْفَاعِلِ بِهَا ; لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُحْكَمَ الْمُتْقَنَ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْ غَيْرِ عَالِمٍ. قَالَ: وَبِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ يَتَقَرَّرُ مَا ذَكَرَهُ - أَيِ الْأَصْفَهَانِيُّ - فِي عَقِيدَتِهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَهُمْ طُرُقٌ أُخْرَى مِنْهَا أَنَّ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مَا هُوَ عَالِمٌ، وَالْعِلْمُ صِفَةُ كَمَالٍ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنَ الْخَالِقِ، إِذْ كُلُّ كَمَالٍ فِيهِ فَهُوَ مِنْهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ عَالِمًا. قَالَ: وَهَذَا لَهُ طَرِيقَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ يُقَالَ: يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْخَالِقَ أَكْمَلُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ أَكْمَلُ مِنَ الْمُمْكِنِ، وَيُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّا إِذَا فَرَضْنَا شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا عَالِمٌ، وَالْآخَرُ غَيْرُ عَالِمٍ، كَانَ الْعَالِمُ أَكْمَلَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْوَاجِبُ عَالِمًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُمْكِنُ أَكْمَلَ مِنْهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ كُلُّ عِلْمٍ فِي الْمُمْكِنَاتِ الَّتِي هِيَ الْمَخْلُوقَاتُ فَهُوَ مِنْهُ، وَمِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ الْكَمَالِ وَمُبْدِعُهُ عَارِيًا مِنْهُ، بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَاللَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، لَا يَسْتَوِي هُوَ وَالْمَخْلُوقُ فِي قِيَاسِ شُمُولٍ، وَلَا فِي قِيَاسِ تَمْثِيلٍ، بَلْ كُلُّ مَا ثَبَتَ لِمَخْلُوقٍ مِنْ كَمَالٍ، فَالْخَالِقُ - تَعَالَى - أَحَقُّ بِهِ، وَكُلُّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ مَا، فَتَنْزِيهُ الْخَالِقِ عَنْهُ أَوْلَى. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلِهَذَا كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - هُوَ الْقِيَاسَ الْأَوْلَى، مِثْلَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا ثَبَتَ لِغَيْرِهِ مِنْ كَمَالٍ مُطْلَقٍ لَا نَقْصَ فِيهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يُثْبَتَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْكَمَالِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِمَّا سِوَاهُ، فَإِذَا كَانَ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ كَمَالًا لَا نَقْصَ فِيهِ، وَقَدِ اتَّصَفَ بِهِ الْمَخْلُوقُ، فَالْخَالِقُ - تَعَالَى - أَحَقُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَمَا يُنَزَّهُ عَنْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْعُيُوبِ، فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَدَلِيلُ ثُبُوتِ صِفَةِ الْعِلْمِ لِلَّهِ - تَعَالَى - سَمْعًا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]- ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]- ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧]- ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]- ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، وَمَا لَا يُحْصَى مِنَ الْآيَاتِ إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ» . . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ
[ ١ / ١٤٩ ]
وَالْأَخْبَارِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْأَسْرَارِ.
[صفة القدرة]
(السَّابِعَةُ) مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَاقْتَدَرَ)، جَلَّ شَأْنُهُ عَلَى إِيجَادِ الْمَوْجُودَاتِ وَخَلْقِ الْمُمْكِنَاتِ (بِقُدْرَةٍ)، وَهِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ تُؤَثِّرُ فِي الْمَقْدُورَاتِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهَا، فَإِنَّهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ بِاتِّفَاقِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَكَذَا الْحُكَمَاءُ، لَكِنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ عِبَارَةٌ عَنْ صِحَّةِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ. وَمُقَدِّمَةُ الشَّرْطِيَّةِ الْأُولَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُودِ الْعَالَمِ دَائِمُ الْوُقُوعِ، وَمُقَدِّمَةُ الشَّرْطِيَّةِ الثَّانِيَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُودِ الْعَالَمِ دَائِمٌ أَنْ لَا وُقُوعَ، وَصِدْقُ الشَّرْطِيَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ صِدْقَ طَرَفَيْهَا، وَلَا يُنَافِي كَذِبَهُمَا، وَدَوَامُ الْفِعْلِ وَامْتِنَاعُ التَّرْكِ بِسَبَبِ الْغَيْرِ لَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ، كَمَا أَنَّ الْعَاقِلَ مَا دَامَ عَاقِلًا يُغْمِضُ عَيْنَهُ كُلَّمَا قَرَّبَ إِبْرَةً مِنْ عَيْنِهِ بِقَصْدِ الْغَمْزِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ مَعَ أَنَّهُ يُغْمِضُهَا بِالِاخْتِيَارِ، وَامْتِنَاعُ تَرْكِ الْإِغْمَاضِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ عَالِمًا بِضَرَرِ التَّرْكِ لَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَكُونُ عِلْمُهُ عَيْنَ ذَاتِهِ، كُلُّ هَذَا عَلَى رَأْيِ الْحُكَمَاءِ الْقَائِلِينَ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِقُدْرَتِهِ هُوَ الذَّاتُ، وَالْمُصَحِّحَ لِلْمَقْدُورِيَّةِ هُوَ الْإِمْكَانُ، فَإِذَا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْبَعْضِ ثَبَتَتْ عَلَى الْكُلِّ ; لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنِ الْبَعْضِ نَقْصٌ، وَهُوَ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مُحَالٌ، مَعَ أَنَّ النُّصُوصَ قَاطِعَةٌ بِعُمُومِ الْقُدْرَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ: الدَّلِيلُ عَلَى قُدْرَتِهِ إِيجَادُهُ الْأَشْيَاءَ، وَهُوَ إِمَّا بِالذَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِلَّا لَكَانَ الْعَالَمُ وَكُلُّ مَخْلُوقَاتِهِ قَدِيمًا وَهُوَ بَاطِلٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: قَدْ يُقَالُ هَذَا إِنَّمَا أُثْبِتَ بِهِ كَوْنُهُ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ يُثْبِتُ الْإِرَادَةَ لَا يُثْبِتُ الْقُدْرَةَ، ثُمَّ قَالَ فِي إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ: وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْدِعُ لِلْأَشْيَاءِ مُجَرَّدَ ذَاتٍ عَرِيَّةٍ عَنِ الصِّفَاتِ مُسْتَلْزِمَةٍ وُجُودَ الْمَفْعُولِ، كَمَا يَقُولُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ وَصُدُورِهَا عَنْ ذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتًا مَوْصُوفَةً بِصِفَاتٍ لَا يَجِبُ مَعَهَا وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْقَدِيمَةَ يَجِبُ أَنْ تَسْتَلْزِمَ مَعْلُولَهَا، فَلَا يَتَأَخَّرُ شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا ; لِأَنَّهَا عَنِ الْأَزَلِ وَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ بِالْمُوجِبِ
[ ١ / ١٥٠ ]
بِالذَّاتِ وَتَقَدُّمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ، وَسَوَاءٌ فَسَّرُوا الْمُوجِبَ بِذَاتٍ مُجَرَّدَةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلْمُوجِبِ، أَوْ بِذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلْمُوجِبِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِ الْمُبْدِعِ مَلْزُومًا لِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ مَعَ تَأَخُّرِ بَعْضِ ذَلِكَ عَنِ الْأَزَلِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. . . إِلَى أَنْ قَالَ: فَالصِّفَةُ الَّتِي يَصْلُحُ بِهَا الْفِعْلُ هِيَ الْقُدْرَةُ، أَوْ يُقَالُ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُوجَبًا بِذَاتِهِ بَلْ بِصِفَةٍ، تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، فَإِنَّهُ إِمَّا مُوجَبٌ بِالذَّاتِ، وَإِمَّا فَاعِلٌ مُخْتَارٌ بِالِاخْتِيَارِ، وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا يَفْعَلُ بِالْقُدْرَةِ، إِذِ الْقَادِرُ هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، فَأَمَّا مَنْ يَسْتَلْزِمُهُ الْمَفْعُولُ بِدُونِ إِرَادَتِهِ، فَهَذَا لَيْسَ بِقَادِرٍ، بَلْ مَلْزُومٌ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي تَسْتَلْزِمُهُ الْحَرَكَاتُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى فِعْلِهَا وَلَا تَرْكِهَا، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْفَاعِلِ قَادِرًا عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ. إِلَى أَنْ قَالَ: صِفَةُ الْحَيِّ تُسَمَّى قُدْرَةً، وَإِذَا كَانَتْ أَكْمَلَ مِنْ غَيْرِهَا سُمِّيَتْ قُوَّةً، قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وَقَدْ ذُكِرَ قَوْلُهُ: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَقَالَ - تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَكَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بِالْأَسْبَابِ، فَالْقُوَى الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ هِيَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يُحْدِثُ الْحَوَادِثَ. قَالَ: وَمَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَقُدْرَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ، وَلَفْظُ الِاخْتِيَارِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ يَتَضَمَّنُ تَفْضِيلَ الْمُخْتَارِ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]، فَذَكَرَ الِاخْتِيَارَ بَعْدَ الْمَشِيئَةِ، وَقَدْ صَارَ لَفْظُ الِاخْتِيَارِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْإِرَادَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ لَا يُرِيدُ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَيَّ لَا يُرِيدُ إِلَّا مَا يَرَاهُ خَيْرًا مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَغْلَطُ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ وَجُمْهُورَ الْأُمَّةِ يُثْبِتُونَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ قُوًى وَقُدْرَةً تَصْدُرُ الْحَوَادِثُ عَنْهَا، فَإِثْبَاتُ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ أَبَيْنِ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُمْ، وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الْمَعَارِفِ وَأَجْلَاهَا، فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي فِطَرِهِمْ أَنَّ الْفَاعِلَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَادِرًا، وَأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةُ كَمَالٍ، فَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ قَوِيًّا قَادِرًا
[ ١ / ١٥١ ]
عَلَى مَا يَفْعَلُهُ، فَالْخَالِقُ - تَعَالَى - أَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَادِرًا قَوِيًّا عَلَى مَا يَفْعَلُهُ.
وَمِنَ الْمُسْتَقِرِّ فِي الْفِطَرِ أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا فُرِضَ الْفَاعِلُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ فَاعِلًا، وَلِهَذَا كَانَ مَنْ نَفَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ مُؤَثِّرَةٌ كَجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُمَا لَا يُسَمُّونَ الْعَبْدَ فَاعِلًا، بَلْ يَقُولُونَ هُوَ كَاسِبٌ، وَجَهْمٌ نَفْسُهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ بِقَادِرٍ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ. وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَاعِلٍ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ كَاسِبٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْمَقْدُورِ، وَمَذْهَبُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ مَعَ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ قَادِرٌ، يَفْعَلُ بِمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَالِقُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - إِذَا خَلَقَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً تَامَّةً وَمَشِيئَةً جَازِمَةً، كَانَ هَذَا مُسْتَلْزِمًا لِخَلْقِ الْمُرَادِ الْمَقْدُورِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَذْهَبُ السَّلَفِ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يُثْبِتُونَ الْقَدَرَ، يَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ قَادِرٌ مُخْتَارٌ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - خَالِقُ فِعْلِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فَإِذَا حَقَّقَ الْعَبْدُ هَذَا الْمَقَامَ زَالَتِ الْإِشْكَالَاتُ كُلُّهَا، وَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ (ذَلِكَ وَبَيْنَ) أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ قَادِرًا مُخْتَارًا مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ مُوجِبٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مَا شَاءَهُ مِنَ الْمَقْدُورَاتِ، فَمَا شَاءَهُ وَجَبَ وُجُودُهُ، وَمَا لَمْ يَشَأِ امْتَنَعَ وُجُودُهُ، فَهُوَ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْمَشِيئَةِ، وَكُلُّ مَا شَاءَ فَهُوَ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ يَقْدُمُهُ، فَإِذَا عُلِمَ هَذَا وَانْضَمَّ إِلَى مَا قَالَهُ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أَنَّهُ - تَعَالَى - يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بِالْأَسْبَابِ وَأَنَّهُ يَخْلُقُ بِحِكْمَةٍ، عُلِمَ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - قَادِرٌ مُخْتَارٌ.
وَلِكَثْرَةِ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا وَكَثْرَةِ لَوَازِمِهَا قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الدُّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ: الْأَوْلَى فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلَبِ بَلْ سَائِرِ الْمَطَالِبِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ إِرْسَالُ الرَّسُولِ عَلَيْهَا أَنْ يُتَمَسَّكَ فِيهَا بِالدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى شُمُولِ الْقُدْرَةِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]، وَعَلَى شُمُولِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْدَادِ السَّبْعِ صِفَاتٍ الَّتِي يُثْبِتُهَا الْمُتَكَلِّمَةُ الصِّفَاتِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ مَا لَهَا مِنَ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ، فَقَالَ:
[ ١ / ١٥٢ ]
[متعلقات الصفات الثبوتية]
[متعلق القدرة]
«تَعَلَّقَتْ» قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَزَلِيَّةُ الْقَدِيمَةُ الذَّاتِيَّةُ «بِ» كُلِّ «مُمْكِنٍ» وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُمْكِنَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَلَا مُسْتَحِيلِ الْوُقُوعِ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ وَلَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ إِلَّا بِهَا، وَقَدْ نَصَّ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ قَدِيمَةٍ، وَقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ: الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْخَارِجِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وُجُودٌ أَوْ ثُبُوتٌ عِنْدَ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَأَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَأَمَّا وُجُودُهُمَا مَعًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ وُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَوَازِمِهِ الَّتِي يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ بِدُونِهَا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَوُجُودِ الْوَلَدِ قَبْلَ وَالِدِهِ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ وُلِدَ وَوُجُودِ الصِّفَاتِ بِدُونِ ذَاتٍ تَقُومُ بِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَمَنْ فَهِمَ هَذَا الْأَمْرَ انْحَلَّتْ عَنْهُ الْإِشْكَالَاتُ الَّتِي تُورَدُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فِي مَسَائِلِ الْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ فِيهِ الْأُمُورَ الْإِلَهِيَّةَ وَالْمَطَالِبَ الْعَلِيَّةَ أَحْسَنَ بَيَانٍ وَأَكْمَلَهُ حَيْثُ يُبَيِّنُ قُدْرَتَهُ عَلَى أَشْيَاءَ لَمْ يَفْعَلْهَا كَقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا - وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ١٣ - ٢٥٣] وَنَحْوِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَفْعَلْ مَقْدُورَهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّ خِلَافَ الْمَعْلُومِ مَقْدُورٌ مُمْكِنٌ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ، لِعَدَمِ مَشِيئَةٍ لَهُ وَهُوَ لَا يَشَاؤُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَوَاتِ حِكْمَتِهِ الَّتِي يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ وُجُودِ هَذَا الْمَفْرُوضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفُهِمَ مِنَ النَّظْمِ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحِيلٍ فَلَيْسَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا، وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا لَزِمَ انْقِلَابُهُمَا جَائِزَيْنِ وَلَزِمَ صِحَّةُ تَعَلُّقِهَا بِإِعْدَامِ مَحَلِّهَا، قَالَ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ: وَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَالُ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى إِجْمَالًا مِثْلَ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٨٤ - ٢] وَتَفْصِيلًا مِثْلَ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ - وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ - خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٤٤ - ٢]
تَنْبِيهَانِ
" الْأَوَّلُ " صَحَّحَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّ لِلْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ تَعَلُّقَيْنِ صُلُوحِيًّا وَهُوَ التَّعَلُّقُ الْأَزَلِيُّ بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي الْأَزَلِ صَالِحَةٌ لِلْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ
[ ١ / ١٥٣ ]
عَلَى وَفْقِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ بِهِمَا فِيمَا لَا يَزَالُ، وَتَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا وَهُوَ التَّعَلُّقُ الْحَادِثُ الْمُقَارِنُ لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِالْحُدُوثِ الْحَالِيِّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ عُلَمَائِنَا بَلْ وَكَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِالْمُمْكِنِ تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ مُغَيًّا بِغَايَةٍ مَحْدُودَةٍ مِنَ الزَّمَانِ يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الْمُخَصَّصِ بِالْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
" الثَّانِي " مِنْ طَوَائِفِ الضُّلَّالِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ شُمُولِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ لِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ الْمَجُوسُ، قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى الشُّرُورِ وَلَا خَلْقِ الْأَجْسَامِ الْمُؤْذِيَةِ، وَإِنَّمَا الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ فَاعِلٌ آخَرُ يُسَمَّى " أَهْرِمَنَ " وَمِنْهُمُ النَّظَّامُ وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَسَائِرِ الْقَبَائِحِ.
وَمِنْهُمْ عَبَّادٌ الضَّمْرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ قَالُوا إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَلَا مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَقَعُ لِاسْتِحَالَةِ الْأَوَّلِ وَوُجُوبِ الثَّانِي، وَمِنْهُمُ الْكَعْبِيُّ وَأَتْبَاعُهُ قَالُوا إِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ مَقْدُورِ الْعَبْدِ، وَمِنْهُمُ الْجُبَّائِيُّ وَأَتْبَاعُهُ، قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْسِ مَقْدُورِ الْعَبْدِ.
قَالَ الْعَلَّامَةَ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِهِ (رَفْعُ الشُّبْهَةِ وَالْغَرَرِ، عَمَّنْ يَحْتَجُّ عَلَى فِعْلِ الْمَعَاصِي بِالْقَدَرِ): مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ مُتَفَرِّدٌ بِخَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَلَا خَالِقَ سِوَاهُ، وَلَا مُبْدِعَ غَيْرُهُ، وَكُلُّ حَادِثٍ فَإِنَّهُ مُحْدِثُهُ.
وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: خَلَقَهَا الَّذِينَ فَعَلُوهَا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَكِنَّهَا أَفْعَالٌ مَوْجُودَةٌ لَا خَالِقَ لَهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ فِعْلُ الطَّبِيعَةِ، فَالَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعِبَادَ خَلَقُوهَا، قَالُوا: إِنَّ وُقُوعَ الْأَفْعَالِ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى وَفْقِ قَصْدِهِ وَدَاعِيَتِهِ إِقْدَامًا وَإِحْجَامًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُوجِدُهَا وَمُخْتَرِعُهَا. قَالُوا: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتِ التَّكَالِيفُ كُلُّهَا وَاقِعَةً عَلَى خِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ وَتَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ، وَكَانَ لَا يَحْسُنُ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ، وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ وَالْعُرْفِ.
وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِيَّةِ هَلْ أَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقٌ لَهُمْ أَوْ خَلْقُ اللَّهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنِ الزَّيْدِيَّةِ أَنَّهُمْ فِرْقَتَانِ فِرْقَةٌ تَزْعُمُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ خَلَقَهَا وَأَبْدَعَهَا، وَفِرْقَةٌ تَزْعُمُ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا كَسْبٌ لِلْعِبَادِ أَحْدَثُوهَا
[ ١ / ١٥٤ ]
وَاخْتَرَعُوهَا وَفَعَلُوهَا، وَتَأْتِي لِهَذَا تَتِمَّةٌ فِي بَحْثِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[متعلق الإرادة]
وَلَمَّا كَانَتِ الْإِرَادَةُ تَتَعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ قَالَ «كَذَا» أَيْ مِثْلَ الْقُدْرَةِ فِي التَّعَلُّقِ بِالْمُمْكِنَاتِ «إِرَادَةً» وَأَنَّهَا أَيْضًا إِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا مَرَّ وَأَنَّ الْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَتَيِ الْمُتَعَلَّقَاتِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ، إِلَّا أَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِالْمُمْكِنَاتِ تَعَلُّقُ إِيجَادٍ أَوْ إِعْدَامٍ، وَتَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِهَا تَعَلُّقُ تَخْصِيصٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْأَوْلَى التَّعْوِيلُ فِي ثُبُوتِ عُمُومِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ عَلَى الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ نَفْيُهَا لِلُزُومِ الْمُحَالِ وَهُوَ أَنَّ نِسْبَةَ الْإِرَادَةِ إِلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَإِلَى جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ عَلَى السَّوَاءِ إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ تَعَلُّقُهَا بِالطَّرَفِ الْآخَرِ وَفِي الْوَقْتِ الْآخَرِ لُزُومُ نَفْيِ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَإِذَا كَانَتْ عَلَى السَّوَاءِ فَتَعَلُّقُهَا بِالْفِعْلِ مَثَلًا دُونَ التَّرْكِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَى مُرَجِّحٍ وَمُخَصَّصٍ لِامْتِنَاعِ وُقُو، الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ عَلَى رَأْيِ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِرَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُرَادِ لِذَاتِهَا مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ لِأَنَّهَا صِفَةٌ شَأْنُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُسَاوِي وَالْمَرْجُوحِ. فَإِنْ قِيلَ فَمَعَ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ لَا يَبْقَى التَّمَكُّنُ مِنَ التَّرْكِ وَيَنْتَفِي الِاخْتِيَارُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِالِاخْتِيَارِ مُحَقَّقُ الِاخْتِيَارِ، ثُمَّ إِنَّا نَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ مَا يَرُدُّ مِثْلَ هَذِهِ الشَّبَّةِ فِي كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ بِالْمُمْكِنَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّاتِ، وَأَمَّا بَعْدَ التَّعَلُّقِ وَالتَّخْصِيصِ فَقَدْ وَقَعَ مَا وَقَعَ وَامْتَنَعَ مَا امْتَنَعَ، وَقَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْأَشَاعِرَةِ: الْإِرَادَةُ تُخَصِّصُ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ وَتُرَجِّحُهُ وَعِنْدَ وُقُوعِ الْمُرَادِ يَزُولُ تَعَلُّقُهَا الْحَادِثُ مَعَ بَقَائِهَا يَعْنِي الْقُدْرَةَ بِحَالِهَا وَبَقَاءَ تَعَلُّقِهَا الصُّلُوحِيِّ بِحَالِهِ أَيْضًا، قَالَ: وَلِلْإِرَادَةِ أَيْضًا تَعَلُّقَانِ أَزَلِيٌّ صُلُوحِيٌّ وَحَادِثٌ تَنْجِيزِيٌّ كَمَا لِلْقُدْرَةِ سَوَاءٌ. وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهَانِ.
«الْأَوَّلُ» التَّعَلُّقَاتُ الثَّانِيَةُ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ يَعْنِي التَّنْجِيزِيَّةَ مُتَرَتِّبَةٌ، فَتَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ تَابِعٌ لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَتَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ تَابِعٌ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ، فَلَا يُوجِدُ أَوْ يُعْدِمُ سُبْحَانَهُ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ عِنْدَنَا إِلَّا مَا أَرَادَ إِيجَادَهُ وَإِعْدَامَهُ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ إِلَّا مَا
[ ١ / ١٥٥ ]
عَلِمَ، فَمَا عَلِمَ مِنْهَا أَنَّهُ يَكُونُ أَرَادَهُ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَمْ يُرِدْهُ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: الْإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِلْأَمْرِ لَا لِلْعِلْمِ فَلَا يُرِيدُ عِنْدَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ أَمْ لَا. فَعِنْدَنَا إِيمَانُ أَبِي جَهْلٍ مَأْمُورٌ بِهِ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ تَعَالَى لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ عَدَمَ وُقُوعِهِ، وَكُفْرُ أَبِي لَهَبٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَهُوَ وَاقِعٌ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ إِيمَانُهُ مُرَادٌ لَهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَكُفْرُهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ لِنَهْيِهِ عَنْهُ.
" الثَّانِي " قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى حُسْنِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى: " وَكَذَلِكَ تَنَازُعُهُمْ فِي الْعَبْدِ هَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى خِلَافِ الْمَعْلُومِ؟ قَالَ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْقُدْرَةِ الْقُدْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَالِاسْتِطَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
فَكُلُّ مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ وَنَهَاهُ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْقُدْرَةِ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا مُقَارِنَةً لِلْمَفْعُولِ، فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ الْفِعْلَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ ثَابِتَةً لَهُ.
قَالَ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَنَازُعُ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ وَالْإِرَادَةِ، هَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُ، أَوْ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِمَا يُرِيدُ؟ قَالَ: فَإِنَّ الْإِرَادَةَ لَفْظٌ فِيهِ إِجْمَالٌ يُرَادُ بِالْإِرَادَةِ الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ الشَّامِلَةُ لِجَمِيعِ الْحَوَادِثِ، كَقَوْلِ الْمُسْلِمِينَ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وَقَوْلِ نُوحٍ ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] ".
فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ الْعِبَادَ بِمَا لَا يُرِيدُهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَالْمَعْنَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْتِ كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ كُلَّ نَفْسٍ بِهُدَاهَا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ فَهِيَ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى فَهِيَ مُلَازِمَةٌ لِلْأَمْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] وَكَقَوْلِ (بَعْضِ - ١) الْمُسْلِمِينَ هَذَا يَفْعَلُ شَيْئًا لَا يُرِيدُهُ اللَّهُ إِذَا كَانَ يَفْعَلُ بَعْضَ الْفَوَاحِشِ أَيِ اللَّهُ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ بَلْ يَنْهَى عَنْهُ وَيَكْرَهُهُ. ثُمَّ
[ ١ / ١٥٦ ]
قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ التَّأْثِيرَ إِذَا فُسِّرَ بِوُجُودِ شَرْطِ (الْحَادِثِ أَوْ بِسَبَبٍ - ١) يَتَوَقَّفُ حُدُوثُ الْحَادِثِ بِهِ (٢) عَلَى سَبَبٍ آخَرَ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ وَكُلُّ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا حَقٌّ، وَتَأْثِيرُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي مَقْدُورِهَا ثَابِتٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ فُسِّرَ التَّأْثِيرُ بِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ مُسْتَقِلٌّ بِالْأَثَرِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ مُعَاوِنٍ، وَلَا مُعَاوِقٍ مَانِعٍ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مُؤَثِّرًا، بَلِ اللَّهُ وَحْدَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ، فَمَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] الْآيَةَ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَقَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى هَذَا الْغُمُوضِ وَالنِّزَاعِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَأَضْعَافِ أَضْعَافِهِ مِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ، حَسُنَ قَوْلُهُ فِي تَتِمَّةِ الْبَيْتِ «فَعِي» مِنْ وَعَاهُ يَعِيهِ حَفِظَهُ وَجَمَعَهُ كَأَوْعَاهُ أَيِ اجْمَعْ حَوَاشِيَ هَذَا الْكَلَامِ، وَاحْفَظْ مَضْمُونَ هَذَا النِّظَامِ، «وَاسْتَبِنْ» أَيِ اطْلُبِ الْبَيَانَ مِنْ مَظَانِّهِ، وَالْإِيضَاحَ مِنْ مَكَامِنِهِ؛ فَإِنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى الْقَدِيمَةَ، وَإِرَادَتَهُ الْأَزَلِيَّةَ الذَّاتِيَّةَ الْعَظِيمَةَ كُلٌّ مِنْهَا إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ الْجَائِزِ، كَمَا فِي التَّفْصِيلِ دُونَ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحِيلِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِسَوَاءِ السَّبِيلِ.
[متعلق العلم والكلام]
«وَالْعِلْمُ» أَيْ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى، «وَالْكَلَامُ» أَيْ كَلَامُهُ ﷾، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدِيمٌ، فَعِلْمُهُ تَعَالَى وَاحِدٌ وُجُودِيٌّ قَدِيمٌ بَاقٍ ذَاتِيٌّ، وَكَلَامُهُ تَعَالَى قَدِيمٌ وُجُودِيٌّ ذَاتِيٌّ، «قَدْ تَعَلَّقَا» أَيْ عِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ تَعَلَّقَ «بِكُلِّ شَيْءٍ» مِنَ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْجَائِزَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، فَيَجِبُ شَرْعًا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ غَيْرُ مُتَنَاهٍ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِهِ، إِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ - وَهُوَ وَاضِحٌ -، وَإِمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِحَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ فَإِنَّهُ يُحِيطُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ كَالْأَعْدَادِ وَالْأَشْكَالِ، وَنَعِيمِ الْجَنَّةِ، فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمُتَصَوَّرَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً كَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، أَوْ مُسْتَحِيلَةً كَشَرِيكٍ لَهُ تَعَالَى، أَوْ مُمْكِنَةً كَالْعَالَمِ بِأَسْرِهِ، الْجُزَيْئَاتُ مِنْ ذَلِكَ وَالْكُلِّيَّاتُ، عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، وَلَا تَكَثُّرَ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ مَعْلُومَاتُهُ
[ ١ / ١٥٧ ]
وَتَكَثَّرَتْ، أَمَّا وُجُوبُ عُمُومِ تَعَلُّقِهِ سَمْعًا فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]- ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣]- ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]- ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ ذَلِكَ عَقْلًا فَلِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْعَالِمِيَّةِ هُوَ الذَّاتُ، إِمَّا بِوَاسِطَةِ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الصِّفَاتِيَّةِ وَالسَّلَفِ، وَهُوَ الْحَقُّ، أَوْ بِدُونِهَا عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ النُّفَاةِ، وَالْمُقْتَضِي لِلْمَعْلُومِيَّةِ إِمْكَانُهَا، وَنِسْبَةُ الذَّاتِ إِلَى الْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ، فَلَوِ اخْتَصَّتْ عَالِمِيَّتُهُ بِالْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ لَكَانَ ذَلِكَ بِمُخَصِّصٍ، وَهُوَ مُحَالٌ لِامْتِنَاعِ احْتِيَاجِ الْوَاجِبِ فِي صِفَاتِهِ وَسَائِرِ كَمَالَاتِهِ إِلَى التَّخْصِيصِ لِمُنَافَاتِهِ لِوُجُوبِ الْوُجُودِ، وَالْغِنَى الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا وُجُوبُ وَحْدَتِهِ فَلِأَنَّ النَّاسَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا انْحَصَرُوا فِي فَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَثَبَتَ الْعِلْمَ الْقَدِيمَ مَعَ وَحْدَتِهِ، وَالْآخَرُ نَفَاهُ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى تَعَدُّدِ عُلُومٍ قَدِيمَةٍ أَحَدٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إِلَّا أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ حَيْثُ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ عُلُومًا لَا نِهَايَةَ لَهَا كَمَا أَنَّ مُتَعَلِّقَاتِهَا كَذَلِكَ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ السَّابِقِ لِمَقَالَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْعِلْمِ مَعَ كَوْنِهِ تَعَالَى عَالِمًا بِمَا كَانَ، وَبِمَا سَيَكُونُ، وَبِالْكَائِنِ، وَالْعِلْمِ بِذَلِكَ كَذَلِكَ مُتَغَايِرٌ؟ . فَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَارِيَ جَلَّ شَأْنُهُ فِي أَزَلِهِ يَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مُضَافًا إِلَى مَحَلِّهِ الْمُعَيَّنِ فَالْمُضِيُّ وَالْحَالُ وَالِاسْتِقْبَالُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَخْبَارِ عَنْ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعَالَى، لَا ظُرُوفَ لِلْعِلْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَانِيٍّ حَتَّى يُوصَفَ بِالْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ.
وَمَنْشَأُ الشُّبْهَةِ مِنْ حَيْثُ الْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ الْمَخْصُوصِ بِالْقَوْلِ اللَّفْظِيِّ، فَإِنْ تَقَدَّمَ زَمَنُ الْإِخْبَارِ عَنْهُ عَلَى زَمَنِ وُجُودِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، سُمِّيَ الْإِخْبَارُ مُسْتَقْبَلًا، وَإِنْ تَأَخَّرَ سُمِّيَ مَاضِيًا، وَإِنْ قَارَنَ سُمِّيَ حَالًا، فَهِيَ مُسَمَّيَاتٌ تَعْرِضُ بِاعْتِبَارِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ.
أَمَّا تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ فِي الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ. وَبَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ جَعَلَ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقَيْنِ: أَزَلِيٌّ، وَتَنْجِيزِيٌّ كَالْقُدْرَةِ وَالْإِدَارَةِ، وَقَالَ: وَتَكُونُ تِلْكَ الْإِخْبَارَاتُ رَاجِعَةً لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ.
قُلْتُ: وَمَذْهَبُ السَّلَفِ بِمَعْزِلٍ عَمَّا يُرَادُ مِنْ هَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِيمٌ، وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ، وَأَفْعَالُهُ قَدِيمَةٌ، وَمَا يُتَخَيَّلُ لِلْعَقْلِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّغَيُّرَاتِ وَالتَّخَالُفَاتِ نِسَبٌ وَإِضَافَاتٌ بِالنِّسْبَةِ لِإِدْرَاكَاتِنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[ ١ / ١٥٨ ]
تَنْبِيهَاتٌ
" الْأَوَّلُ " زَعَمَتِ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الْجُزَيْئَاتِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا جُزَيْئَاتٍ زَمَانِيَّةً يَلْحَقُهَا التَّغَيُّرُ، قَالُوا: لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْمَعْلُومِ يَسْتَلْزِمُ تَغَيُّرَ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَغَيُّرَ الذَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
بَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ زَيْدًا جَالِسٌ فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ فَعِنْدَ خُرُوجِ زَيْدٍ مِنْهُ فَإِمَّا أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الْعِلْمُ أَوْ لَا، فَإِنْ بَقِيَ لَزِمَ الْجَهْلُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَزِمَ التَّغَيُّرُ فِي عِلْمِهِ، وَهُوَ قَائِمٌ بِهِ، فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَالْجَوَابُ: اخْتِيَارُ الثَّانِي، وَمَنْعُ التَّغَيُّرِ فِي نَفْسِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْمُتَغَيِّرَ تَعَلُّقُهُ لَا نَفْسُهُ، وَتَغَايُرُ الْإِضَافَاتِ وَالنِّسَبِ جَائِزٌ.
وَأَجَابَ الْفَلَاسِفَةَ عَنْ هَذَا مَشَايِخُ السُّنَّةِ وَمَشَايِخُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ عِلْمَ الْبَارِي بِأَنَّ الشَّيْءَ سَيُوجَدُ نَفْسُ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ وُجِدَ، فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ زَيْدًا سَيَدْخُلُ الْبَلَدَ غَدًا، فَعِنْدَ حُصُولِ الْغَدِ يَعْلَمُ بِهَذَا الْعِلْمِ أَنَّهُ دَخَلَ الْبَلَدَ الْآنَ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ أَحَدُنَا لِعِلْمٍ آخَرَ لَطَرَيَانِ الْغَفْلَةِ عَنِ الْأَوَّلِ، وَالْبَارِي مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ تَغَيُّرٌ أَصْلًا فِي عِلْمِهِ تَعَالَى.
وَهَذِهِ إِحْدَى مَا كَفَّرَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الْفَلَاسِفَةَ بِهَا. وَلَهُمْ مِنْ أَمْثَالِهَا الطَّامَّاتُ الْمُعْضِلَاتُ فَلَا يَهُولَنَّكَ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَعَارِفِ وَدَقَائِقِ الْأَفْكَارِ فَمَا مِنْهُمْ إِلَّا الْمُخَالِفُ أَوْ عَلَى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ.
" الثَّانِي " خَالَفَ فِي إِحَاطَةِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ فِرَقٌ سِوَى الْفَلَاسِفَةِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ نَفْسَهُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْعِلْمَ نِسْبَةٌ عَارِضَةٌ لِلْعَالِمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْلُومِ، قَالَتْ: وَالنِّسْبَةُ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْمُتَغَايِرَيْنِ فَلَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ صِفَةٌ لَا نِسْبَةٌ بَلْ صِفَةُ ذَاتٍ، وَأَيْضًا يَنْتَقِضُ مَا زَعَمُوهُ بِعِلْمِنَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا يَعْلَمُ نَفْسَهُ ضَرُورَةً مَعَ عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ.
" الثَّانِيَةِ " زَعَمَتْ بِأَنَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ شَيْئًا عَلِمَ عِلْمَهُ بِهِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَاتِهِ ضَرُورَةً، قَالُوا: وَقَدْ عُلِمَ امْتِنَاعُ عِلْمِهِ بِذَاتِهِ - كَمَا زَعَمَتِ الْفِرْقَةُ الْأُولَى -، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ شَيْئًا أَمْكَنَ أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَهُ بِهِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ عَالِمًا بِالْعُلُومِ وَالْهَنْدَسِيَّاتِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهَا. وَهَذَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِنَفْسِ تَصَوُّرِهِ فَلَا يُشْتَغَلُ
[ ١ / ١٥٩ ]
بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ هَذَيَانٌ مِنْ قَائِلِيهِ.
" الثَّالِثَةُ " زَعَمَتْ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِشَيْءٍ غَيْرُ الْعِلْمِ بِآخَرَ، فَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِالْغَيْرِ، وَغَيْرُهُ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، يَلْزَمُ قِيَامُ الْعُلُومِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ بِذَاتِهِ، وَهُوَ يُوجِبُ الْكَثْرَةَ فِي الذَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْكَثْرَةَ فِي الْمَعْلُومَاتِ وَالتَّعَلُّقَاتِ دُونَ الْعِلْمِ وَهَذَا بَيِّنٌ.
«الرَّابِعَةُ» زَعَمَتْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ الْغَيْرَ الْمُتَنَاهِي لِأَنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ مُتَمَيِّزٌ عِنْدَ الْعَالِمِ عَنْ غَيْرِهِ، وَتَمَيُّزُ غَيْرِ الْمُتَنَاهِي لَا يَكُونُ بِأَنْ يُحِيطَ بِهِ حَدٌّ وَغَايَةٌ يَكُونُ الْغَيْرُ خَارِجًا عَنْهُ وَمُتَمَيِّزًا، وَغَيْرُ الْمُتَنَاهِي لَا يَكُونُ لَهُ حَدٌّ وَغَايَةٌ وَإِلَّا يَكُونُ مُتَنَاهِيًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْقُولَ (؟) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَنَاهٍ وَهُوَ مُتَمَيِّزٌ وَمَا هُوَ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ إِنَّمَا هُوَ الْكُلُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ، وَهُوَ لَا يَقْدَحُ فِي الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ عِلْمُهُ بِغَيْرِ الْمُتَنَاهِي، وَهُوَ حَاصِلٌ عِنْدَ الْعِلْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ.
" الْخَامِسَةُ " زَعَمَتْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَقَالَتْ: وَإِلَّا لَزِمَ مَنْ عِلْمِهِ بِشَيْءٍ عِلْمُهُ بِالْعِلْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَهَلُمَّ جَرَّا، فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا التَّسَلْسُلَ فِي الْإِضَافَاتِ وَالنِّسَبِ، وَهُوَ غَيْرُ مُحَالٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
" التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ " مَعْنَى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْمُسْتَحِيلِ عِلْمُهُ تَعَالَى بِاسْتِحَالَتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ تَصَوَّرَ مُتَصَوِّرٌ وُقُوعَهُ لَزِمَهُ مِنَ الْفَسَادِ كَذَا عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ بِقَوْلِهِ: عَلِمَ مَا كَانَ، وَعَلِمَ مَا يَكُونُ، وَعَلِمَ مَا لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ. وَبِهَذَا تَمَيَّزَ عَنْ عِلْمِنَا بِالْمُسْتَحِيلِ.
" الرَّابِعُ " قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ السَّابِقَ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَا مَحْوَ فِيهِ، وَلَا تَغَيُّرَ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نَقْصَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَا يَكُونُ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ.
قَالَ: وَأَمَّا مَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَهَلْ يَكُونُ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. قَالَ: وَأَمَّا الصُّحُفُ الَّتِي بِيَدِ الْمَلَائِكَةِ فَيَحْصُلُ فِيهَا الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ. انْتَهَى.
وَمِثْلُ الْعِلْمِ فِي تَعَلُّقِهِ بِالْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ صِفَةُ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ وَالْمُسْتَحِيلَ.
«يَا خَلِيلِي» أَيْ يَا صَدِيقِي وَمُحِبِّي، مُشْتَقٌّ مِنَ الْخَلَّةِ وَهِيَ تَوْحِيدُ الْمَحَبَّةِ بِالْخَلِيلِ هُوَ الَّذِي يُوَحِّدُ حُبُّهُ لِمَحْبُوبِهِ، وَهِيَ رُتْبَةٌ لَا تَقْبَلُ الْمُشَارَكَةَ، وَلِهَذَا اخْتُصَّ بِهَا الْخَلِيلَانِ إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ - ﷺ -. وَقَالَ الْإِمَامُ
[ ١ / ١٦٠ ]
الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (رَوْضَةِ الْمُحِبِّينَ وَنُزْهَةِ الْمُشْتَاقِينَ): إِنَّمَا سُمِّيَتْ خُلَّةً لَتَخَلُّلِ الْمَحَبَّةِ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الرُّوحِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا
قَالَ: وَالْخَلِيلُ الصَّدِيقُ، وَالْأُنْثَى خَلِيلَةٌ، وَالْخِلَالَةُ مُثَلَّثَةً الصَّدَاقَةُ وَالْمَوَدَّةُ. «مُطْلَقًا» عَنِ التَّقْيِيدِ بِوَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ بَلْ يَعُمُّهَا جَمِيعَهَا.
[متعلق السمع والبصر]
«وَسَمْعُهُ سُبْحَانَهُ»
وَتَعَالَى «كَالْبَصَرِ» مِنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ، فَسَمْعُهُ تَعَالَى يَتَعَلَّقُ «بِكُلِّ» شَيْءٍ «مَسْمُوعٍ وَ» بَصَرُهُ ﷾ يَتَعَلَّقُ بِ «كُلِّ» شَيْءٍ «مُبْصَرٍ» فَهُوَ تَعَالَى سَمِيعٌ بَصِيرٌ كَمَا تَقَدَّمَ، يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَبَصَرٍ قَدِيمَيْنِ ذَاتِيَّيْنِ وُجُودِيَّيْنِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ وَمُبْصَرٍ، كَمَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا وَأَسْنَدُوهُ إِلَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - يَعْنِي أَنَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مُتَّحِدَتَا التَّعَلُّقِ فَتَتَعَلَّقَانِ بِالْمَوْجُودِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُمْكِنًا، عَيْنًا كَانَ أَوْ مَعْنًى، كُلِّيًّا كَانَ أَوْ جُزْئِيًّا، مُجَرَّدًا كَانَ أَوْ ذَا مَادَّةٍ، مُرَكَّبًا أَوْ بَسِيطًا، لَا يَلْزَمُ مِنِ اتِّحَادِ الصِّفَةِ اتِّحَادُ الْمُتَعَلَّقِ، فَالْبَصَرُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمُبْصَرَاتِ، وَالسَّمْعُ يَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْأَصْوَاتِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي مَبْحَثِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالْكَلَامِ الْمُنَزَّلِ الْقَدِيمِ]
اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ - ﷺ - مَا نَزَلَ قَطْرٌ وَهَطَلَ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْأَثَرِ هُوَ مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ «وَأَنْ» أَيْ نَجْزِمُ وَنَتَحَقَّقُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّهُ وَاحِدُ الْبَيْتِ وَمَا بَعْدَهُ فَالْوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ، وَالْمَلْزُومُ اعْتِمَادُهُ، بِأَنَّ «مَا» أَيِ الْوَحْيُ وَالْكَلَامُ الَّذِي «جَاءَ» مِنَ اللَّهِ «مَعَ جِبْرِيلَ» الْمَلَكِ الْمُكَرَّمِ أَمِينِ اللَّهِ عَلَى وَحْيِهِ لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَفِيهِ لُغَاتٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا: جِبْرَائِيلُ «وَجَبْرَئِيلُ» كَجَبْرَعِيلَ وَكَحَزْقِيلَ كَمَا فِي النَّظْمِ وَجَبْرِينُ بِنُونٍ وَغَيْرِهَا.
«مِنْ مُحْكَمِ الْقُرْآنِ» الْعَظِيمِ «وَ» مُحْكَمِ «التَّنْزِيلِ» الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِوَاسِطَةِ أَمِينِهِ الْفَضِيلِ الْمَلَكِ الْمُعَظَّمِ جِبْرِيلَ فَهُوَ عَطْفُ مُرَادِفٍ «كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ» وَتَعَالَى «قَدِيمٌ»، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ
[ ١ / ١٦١ ]
أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكَرْخِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ (الْفُصُولَ فِي الْأُصُولِ): سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِنِيَّ، يَقُولُ: مَذْهَبِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَالْقُرْآنُ حَمَلَهُ جِبْرِيلُ - ﵇ - مَسْمُوعًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ، وَالصَّحَابَةُ - ﵃ - سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -
قَالَ وَهُوَ الَّذِي نَتْلُوهُ نَحْنُ بِأَلْسِنَتِنَا وَفِيمَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، وَمَا فِي صُدُورِنَا مَسْمُوعًا وَمَكْتُوبًا وَمَحْفُوظًا وَمَقْرُوءًا، وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهُ كَالْبَاءِ وَالتَّاءِ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَنْزِيلِهِ وَشَهِدَ بِإِنْزَالِهِ عَلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣]، وَقَالَ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، وَالْمُنَزَّلُ عَلَى الرَّسُولِ - ﷺ - هُوَ هَذَا الْكِتَابُ، وَقَدْ أَمَرَ سُبْحَانَهُ بِتَرْتِيلِهِ، فَقَالَ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا - وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ٤ - ١١٤] وَقَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِقِرَاءَتِهِ وَالِاسْتِمَاعِ لَهُ وَالْإِنْصَاتِ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُسْمَعُ وَيُتْلَى، فَقَالَ ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وَقَالَ ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ - وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٠٤] وَكُلُّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ هَذَا الْمَوْجُودِ عِنْدَنَا لَا مِنْ صِفَاتِ مَا فِي النَّفْسِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ لِحِسٍّ، وَلَا يُدْرَى مَا هُوَ.
وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مِنْهُ سُوَرًا وَآيَاتٍ وَكَلِمَاتٍ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي كِتَابِهِ " الْبُرْهَانِ فِي حَقِيقَةِ الْقُرْآنِ ": الْقُرْآنُ كِتَابُ اللَّهِ الْعَرَبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ هَذَا الَّذِي هُوَ سُوَرٌ وَآيَاتٌ وَحُرُوفٌ وَكَلِمَاتٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا - حم - وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ١ - ٢]، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]
[ ١ / ١٦٢ ]
وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا وَكَذَا الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ وَالْأَخْبَارُ الْأَثَرِيَّةُ كَقَوْلِهِ - ﷺ - " «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ وَهُوَ، النُّورُ الْمُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، عِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، نَجَاةٌ لِمَنِ اتَّبَعُهُ - الْحَدِيثَ. وَفِيهِ - فَاتْلُوهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤْجِرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، أَلَا إِنِّي لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ عَشْرٌ، وَلَامٌ عَشْرٌ، وَمِيمٌ عَشْرٌ» .
وَقَالَ - ﷺ -: " «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ قَرَأَ فَلَحَنَ فِيهِ، فَلَهُ بِكُلِّ حِرَفٍ حَسَنَةٌ» " حَدِيثٌ صَحِيحٌ (؟) وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - الْمُسْتَمِرَّةُ الَّذِي تَحَدَّى اللَّهُ الْخَلْقَ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُقْرَأُ وَيُسْمَعُ وَيُحْفَظُ وَيُكْتَبُ، وَكُلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي قَاعِدَتِهِ الَّتِي فِي بَيَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ كَلَامًا لِغَيْرِهِ لَا جِبْرِيلَ وَلَا مُحَمَّدٍ وَلَا غَيْرِهِمَا، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] إِلَى قَوْلِهِ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] بَيَانٌ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ بِهِ مِنَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هَذَا جِبْرِيلُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] .
وَفِي قَوْلِهِ " الْأَمِينُ " دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا أُرْسِلَ بِهِ لَا يَزِيدُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ الْخَائِنَ قَدْ يُغَيِّرُ الرِّسَالَةَ. وَقَالَ فِي صِفَتِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢]- مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ دَلَالَةٌ عَلَى أُمُورٍ، مِنْهَا بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ كَلَامٌ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيِّينَ الَّذِينَ قَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالنَّجَارِيَّةِ وَالضِّرَارِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُسَمُّونَ كُلَّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتَ وَقَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرَى فِي الْآخِرَةِ جَهْمِيًّا لِأَنَّ بِدْعَةَ نَفْيِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ مِنْ جَهْمٍ، فَإِنَّهُ بَالَغَ فِي نَفْيِ ذَلِكَ فَلَهُ فِي هَذِهِ الْبِدْعَةِ مَزِيَّةُ الْمُبَالَغَةِ، وَكَثْرَةُ إِظْهَارِ ذَلِكَ، وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ، وَإِنْ
[ ١ / ١٦٣ ]
كَانَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى بَعْضِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِوَاسِطَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا - ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ.
فَالْمُعْتَزِلَةُ وَإِنْ وَافَقُوا جَهْمًا عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ، فَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي مَسَائِلَ غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَسَائِلِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَبَعْضِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ، وَلَا يُبَالِغُونَ فِي النَّفْيِ مُبَالَغَتَهُ، فَإِنَّ جَهْمًا يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ أَوْ يَتَكَلَّمُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَيَقُولُونَ: يَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً لَكِنَّ قَوْلَهُمْ فِي الْمَعْنَى هُوَ قَوْلُ جَهْمٍ، وَجَهْمٌ يَنْفِي الْأَسْمَاءَ، كَمَا نَفَتْهَا الْبَاطِنِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ بِخِلَافِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يَنْفُونَ الْأَسْمَاءَ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] دَلَالَةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهُ فَاضَ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالصَّابِئَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْظَمُ كُفْرًا مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ بَلْ مَخْلُوقٌ إِمَّا فِي جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ فِي جِسْمٍ آخَرَ كَالْهَوَاءِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْكُلَّابِيَّةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَلَامُهُ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِهِ، وَالْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ خُلِقَ لِيَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ فِي إِثْبَاتِ خَلْقِ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ.
قُلْتُ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْأَشْعَرِيَّةِ كَالسَّعْدِ التَّفْتَازَانِيِّ وَالْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ وَشَرْحِ جَوَاهِرِ الْعَضُدِ لِتِلْمِيذِهِ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَشَاعِرَةِ وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يُوجِدُ الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ فِي الْغَيْرِ وَهُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ أَوْ جِبْرِيلُ أَوِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّمَا النِّزَاعُ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَمْ يُثْبِتُوا غَيْرَ هَذِهِ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ الْمُوجِدَةِ فِي الْغَيْرِ مَعْنًى قَائِمًا بِذَاتِ الْبَارِي، قَالُوا: وَنَحْنُ - يَعْنِي مَعَاشِرَ الْأَشَاعِرَةِ - نُثْبِتُهُ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ الْبَارِي تَعَالَى، مُعَبَّرٌ عَنْهُ بِالْعِبَارَاتِ وَالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ الطَّلَبُ الَّذِي يَجِدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِصِيغَةِ أَفْعَلَ. قَالُوا فَهُوَ يُغَايِرُ الْعِبَارَاتِ وَالْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ، أَمَّا الْعِبَارَاتُ فَلِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَزْمِنَةِ
[ ١ / ١٦٤ ]
وَالْأَقْوَامِ دُونَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْعِلْمُ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ أَبَا لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ، وَكَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ لِأَنَّ مَعْلُومَهُ تَعَالَى وَاجِبُ الْوُقُوعِ، فَلَوْ كَانَ إِيمَانُ أَبِي لَهَبٍ وَاقِعًا فِي عِلْمِهِ تَعَالَى لَوَقَعَ، وَلَمْ يَقَعْ، وَأَمَّا الْإِرَادَةُ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِهِ وَلَمْ يُرِدْهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعُ، قَالُوا: فَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى حُدُوثِ الْكَلَامِ لَا يَنْفِي قَوْلَنَا بِقَدَمِهِ، لِأَنَّ مَا قَالُوا فِي حُدُوثِهِ وَجْهَانِ مَعْقُولٌ وَمَنْقُولٌ فَالْمَعْقُولُ:
أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدِيمًا يَلْزَمُ تَحَقُّقَ الْأَمْرِ بِلَا مَأْمُورٍ، وَهُوَ سَفَهٌ وَعَبَثٌ، وَهَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ لَفْظِهِ، لَا عَلَى حُدُوثِ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِهِ، لِأَنَّ مَعْنَى أَمْرِهِ فِي الْأَزَلِ أَنَّهُ تَعَالَى يَطْلُبُ فِي الْأَزَلِ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنَ الْمَأْمُورِينَ عِنْدَ وُجُودِهِمْ فِي اللَّايَزَالِ، كَطَلَبِ الْوَالِدِ التَّعَلُّمَ مِنْ وَلَدٍ سَيُوجَدُ، وَلَا سَفَهَ فِي ذَلِكَ وَلَا عَبَثَ، قَالُوا: وَالْمَنْقُولُ أَنَّ الْقُرْآنَ ذِكْرٌ، وَالذِّكْرُ مُحْدَثٌ، وَنَقَلُوا مِنْ جِنْسِ هَذَا الْكَلَامِ ضُرُوبًا.
[موافقة الأشعرية للمعتزلة]
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ مُوَافِقَةٌ الْأَشْعَرِيَّةَ، وَالْأَشْعَرِيَّةَ مُوَافِقَةٌ الْمُعْتَزِلَةَ فِي أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَمْ تُثْبِتْ لِلَّهِ كَلَامًا سِوَى هَذَا، وَالْأَشْعَرِيَّةَ أَثْبَتَتِ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَخْلُوقَ كَلَامُ اللَّهِ، وَالْأَشْعَرِيَّةَ لَا يَقُولُونَ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، نَعَمْ يُسَمُّونَهُ كَلَامَ اللَّهِ مَجَازًا هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ مُتَقَدِّمِيهِمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَأَخَّرِيهِمْ: لَفْظُ كَلَامٍ يُقَالُ عَلَى هَذَا الْمَنْزِلِ الَّذِي نَقْرَؤُهُ وَنَكْتُبُهُ فِي مَصَاحِفِنَا، وَعَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لَكِنَّ هَذَا يَنْقُضُ أَصْلَهُمْ فِي إِبْطَالِ قِيَامِ الْكَلَامِ بِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، وَهُمْ مَعَ هَذَا لَا يَقُولُونَ إِنَّ الْمَخْلُوقَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ كَلَامُهُ حَقِيقَةً، بَلْ يَجْعَلُونَ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامًا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ كَلَامُهُ حَقِيقَةً.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ. وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ أَقْرَبُ. قَالَ: وَقَوْلُ الْآخَرِينَ هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ فِي الْمَعْنَى مُوَافِقُونَ لِهَؤُلَاءِ، وَإِنَّمَا يُنَازِعُونَهُمْ فِي اللَّفْظِ الثَّانِي، إِذَا هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لِلَّهِ كَلَامٌ هُوَ مَعْنًى قَدِيمٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، وَالْخَلْقِيَّةُ يَقُولُونَ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ كَلَامٌ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَالْكُلَّابِيَّةُ خَيْرٌ مِنَ الْخَلْقِيَّةِ فِي الظَّاهِرِ، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ يَقُولُونَ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ
[ ١ / ١٦٥ ]
لَمْ يُثْبِتُوا كَلَامًا لَهُ حَقِيقَةٌ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ إِنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَالْخَبَرُ إِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً، وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ كَانَ إِنْجِيلًا.
وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ فَسَادَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ، فَإِنَّا إِذَا عَرَّبْنَا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُمَا مَعْنَى الْقُرْآنِ بَلْ مَعَانِي هَذَا لَيْسَتْ مَعَانِيَ هَذَا، وَكَذَلِكَ " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] " لَيْسَ هُوَ مَعْنَى " ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] " وَلَا مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ آيَةُ الدَّيْنِ، وَقَالُوا: إِذَا جَوَّزْتُمْ أَنْ تَكُونَ الْحَقَائِقُ الْمُتَنَوِّعَةُ شَيْئًا وَاحِدًا فَجَوِّزُوا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ صِفَةً وَاحِدَةً، فَاعْتَرَفَ أَئِمَّةُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ لَيْسَ لَهُمْ عَنْهُ جَوَابٌ عَقْلِيٌّ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: النَّاسُ فِي الصِّفَاتِ إِمَّا مُثْبِتٌ لَهَا، وَإِمَّا نَافٍ لَهَا، وَأَمَّا إِثْبَاتُهَا وَاتِّحَادُهَا فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَمِمَّنِ اعْتَرَفَ بِأَنْ لَيْسَ لَهُ عَنْهُ جَوَابٌ أَبُو حَسَنٍ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّصَّ الْقُرْآنِيَّ يُبَيِّنُ فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] يَقْتَضِي نُزُولَ الْقُرْآنِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْقُرْآنُ اسْمٌ لِهَذَا الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] فَإِنَّهُ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَا مَعَانِيَهُ الْمُجَرَّدَةَ.
وَأَيْضًا فَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ " نَزَّلَهُ " عَائِدٌ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: ١٠١] فَالَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ، فَإِذَا كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ نَزَلَ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ نَزَّلَهُ مِنَ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ نَزَّلَهُ مِنْ عَيْنٍ مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَخْلُوقَةِ، وَلَا نَزَّلَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ تَعَالَى عَقِبَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
وَهَذَا ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى بُطْلَانِ زَعْمِهِمْ فَقَدِ اشْتُهِرَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ مِنْ شَخْصٍ كَانَ بِمَكَّةَ أَعْجَمِيٍّ، قِيلَ أَنَّهُ كَانَ مَوْلًى لِابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَإِذَا كَانَ الْكُفَّارُ جَعَلُوا الَّذِي يُعَلِّمُهُ مَا نَزَلَ بِهِ رُوحُ الْقُدُسِ بَشَرًا، وَاللَّهُ ﷿ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ لِسَانَ ذَلِكَ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ عَلِمَ أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُؤَلِّفْ نَظْمَ الْقُرْآنِ بَلْ سَمِعَهُ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ
[ ١ / ١٦٦ ]
وَإِذَا كَانَ رُوحُ الْقُدُسِ: نَزَلَ بِهِ مِنَ اللَّهِ عَلِمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ ﵎ لَمْ يُؤَلِّفْهُ رُوحُ الْقُدُسِ، وَهَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ سَمِعَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنَ اللَّهِ ﷾، وَنَزَلَ بِهِ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] .
وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِالضَّرُورَةِ وَالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ الْكُلَّابِيَّةَ أَوْ بَعْضَهُمْ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ كَلَامِ اللَّهِ، وَكِتَابِ اللَّهِ، فَيَقُولُونَ كَلَامُهُ هُوَ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَكِتَابُهُ الْمَنْظُومُ الْمُؤَلَّفُ مِنَ الْحُرُوفِ الْعَرَبِيُّ وَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ يُرَادُ بِهِ هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً.
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَ مَجْمُوعِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى قُرْآنًا وَكِتَابًا وَكَلَامًا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، وَقَالَ ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١]، وَقَالَ ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي سَمِعُوهُ هُوَ الْقُرْآنُ وَهُوَ الْكِتَابُ، وَقَالَ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ - فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ - إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٢١ - ٧٨] .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] يَتَنَاوَلُ نُزُولَ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ إِخْبَارٌ مُسْتَشْهِدٌ بِهِمْ لَا مُكَذِّبَ لَهُمْ.
وَقَالَ: إِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ أَوْ يَقُولُونَهُ، وَالْعِلْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا حَقًّا مُطَابِقًا لِلْمَعْلُومِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ، وَالظَّنُّ الَّذِي يَنْقَسِمُ إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ فَعَلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنَ الْهَوَاءِ، وَلَا مِنَ اللَّوْحِ، وَلَا مَنْ جِسْمٍ آخَرَ، وَلَا مِنْ جِبْرِيلَ، وَلَا مِنْ مُحَمَّدٍ - ﵉ - وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا، فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ خَيْرًا مِنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
فَإِنْ قُلْتَ قَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] أُنْزِلَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ أَنْزَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا بِحَسَبِ الْحَوَادِثِ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ نُزُولِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ - فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى
[ ١ / ١٦٧ ]
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ - فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ - فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ - فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ - مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ - بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] فَالْجَوَابُ أَنَّ كَوْنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مَكْتُوبًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَفِي الصُّحُفِ الْمُطَهَّرَةِ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ نَزَلَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، سَوَاءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَ بِهِ جِبْرِيلَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ قَدْ أَنْزَلَهُ مَكْتُوبًا إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ كَتَبَهُ كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُنَزِّلَهُ، قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.
وَقَالَ: وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَا يَكُونُ وَلَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ، وَهُوَ تَعَالَى قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ، وَكَتَبَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ، ثُمَّ أَنَّهُ يَأْمُرُ الْمَلَائِكَةَ بِكِتَابَتِهَا، بَعْدَمَا يَعْمَلُونَهَا فَيُقَابِلُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْوُجُودِ وَالْكِتَابَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ.
هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵂ - وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ حَقٌّ فَإِذَا كَانَ مَا يَخْلُقُهُ بَائِنًا عَنْهُ قَدْ كَتَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ الَّذِي يُرْسَلُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ مَكْتُوبًا قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهُمْ بِهِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخَذَ الْقُرْآنَ مِنَ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ هَذَا بَاطِلًا مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَتَبَ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى - ﵇ - بِيَدِهِ فَبَنُو إِسْرَائِيلَ أَخَذُوا كَلَامَ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَخَذَهُ عَنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ عَنِ الْكِتَابِ، كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَعْلَى مِنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِدَرَجَةٍ.
وَهَكَذَا مَنْ قَالَ أَنَّهُ أُلْقِيَ إِلَى جِبْرِيلَ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ، فَقَوْلُهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ أُلْهِمَهُ إِلْهَامًا، وَهَذَا الْإِلْهَامُ لِآحَادِ الْمُؤْمِنِينَ، مَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١]، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وَقَدْ أَوْحَى إِلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ، فَيَكُونُ هَذَا الْوَحْيُ الَّذِي يَكُونُ لِآحَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى مِنْ أَخْذِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ عَنْ جِبْرِيلَ - ﵇ - لِأَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ لِمُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَلِهَذَا زَعَمَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ
[ ١ / ١٦٨ ]
الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحِي بِهِ إِلَى الرَّسُولِ، فَجَعَلَ أَخْذَهُ وَأَخْذَ الْمَلَكِ الَّذِي جَاءَ إِلَى الرَّسُولِ - ﷺ - مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ، وَادَّعَى أَنَّ أَخْذَهُ عَنِ اللَّهِ أَعْلَى مِنْ أَخْذِ الرَّسُولِ لِلْقُرْآنِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ. قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ جِنْسِهِ. وَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - حم - تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - حم - تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١ - ٢] وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وَأَيْضًا الْكُلَّابِيَّةُ يَقُولُونَ: أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ فَإِنْ كَانَ مُوسَى سَمِعَ جَمِيعَ الْمَعْنَى، فَقَدْ سَمِعَ جَمِيعَ كَلَامِ اللَّهِ، وَإِنْ سَمِعَ بَعْضَهُ فَقَدْ تَبَعَّضَ، وَكِلَاهُمَا يُنْقَضُ عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ أَنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَعَّضُ فَإِنْ كَانَ مَا يَسْمَعُهُ مُوسَى وَالْمَلَائِكَةُ هُوَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كُلُّهُ، كَانَ كُلٌّ مِنْ مُوسَى وَالْمَلَائِكَةِ سَمِعَ جَمِيعَ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامُهُ مُتَضَمِّنٌ لِجَمِيعِ خَبَرِهِ وَجَمِيعِ أَمْرِهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ كَلَامِهِ عَالِمًا بِجَمِيعِ أَخْبَارِ اللَّهِ وَأَوَامِرِهِ، وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، إِنْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَسْمَعُ بَعْضَهُ فَقَدْ تَبَعَّضَ كَلَامُهُ، وَذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِمْ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا - وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ - وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا - فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى - وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٦٤ - ١٣] الْآيَاتُ دَلِيلٌ عَلَى تَكْلِيمٍ يَسْمَعُهُ مُوسَى، وَالْمَعْنَى الْمُجَرَّدُ لَا يُسْمَعُ بِالضَّرُورَةِ، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ يَسْمَعُ فَهُوَ مُكَابِرٌ، وَدَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ نَادَاهُ وَالنِّدَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا صَوْتًا مَسْمُوعًا فَلَا يُعْقَلُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَفْظُ النِّدَاءِ لِغَيْرِ صَوْتٍ مَسْمُوعٍ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا كَمَا تَقَدَّمَ
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى - ﵇ - فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا مُوسَى فَأَجَابَ سَرِيعًا اسْتِئْنَاسًا بِالصَّوْتِ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، أَسْمَعُ صَوْتَكَ، وَلَا أَرَى مَكَانَكَ، فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: " يَا مُوسَى، أَنَا فَوْقَكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَأَنَا أَمَامَكَ، وَعَنْ وَرَائِكَ " فَعَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ: فَكَذَلِكَ أَنْتَ يَا إِلَهِي؟ أَفَكَلَامَكَ أَسْمَعُ أَمْ كَلَامَ رَسُولِكَ؟
[ ١ / ١٦٩ ]
قَالَ: بَلْ كَلَامِي يَا مُوسَى. كَمَا فِي الْخَبَرِ.
قَالَ: وَجَاءَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: يَا مُوسَى، بِمَا شَبَّهْتَ صَوْتَ رَبِّكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَا شَبَهَ لَهُ.
قَالَ وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ ثُمَّ سَمِعَ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَقَتَهُمْ؛ لِمَا وَقَرَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ، وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَنَحْوُهَا، لَمْ تَزَلْ مُتَدَاوَلَةً بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَرْوِيهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ لَمْ يُنْكِرْهَا مُنْكِرٌ فَيَكُونُ اجْتِمَاعًا. كَذَا قَالَ.
[إعجاز القرآن]
وَلَمَّا بَيَّنَ النَّاظِمُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ جِبْرِيلَ - ﵇ - إِلَى النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ، وَأَثْبَتَ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِبَعْضِ نُعُوتِ هَذَا الْكَلَامِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ.
فَقَالَ «أَعْيَا» أَيْ أَعْجَزَ «الْوَرَى» أَيْ جَمِيعَ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْوَرَى كَفَتَى: الْخَلْقُ «بِالنَّصِّ» الْقُرْآنِيِّ وَالتَّنْزِيلِ الرَّحْمَانِيِّ «يَا عَلِيمُ» أَيْ يَا عَالِمُ «يَعْنِي» الْمُبَالِغَ فِي الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعَلِيمَ صِفَةُ مُبَالَغَةٍ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فَتَحَدَّى الْخَلْقَ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣] .
فَلَمَّا عَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] .
فَلَمَّا عَجَزُوا تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ تَعَالَى قُلْ فَأَتَوْنَا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَيْ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَعَجَزُوا، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤] غَايَةُ التَّحَدِّي وَالتَّبْكِيتِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَالتَّنْكِيتِ أَيْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَقَوَّلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ.
فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - قَادِرًا عَلَى أَنَّ يَتَقَوَّلَهُ كَمَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَظْمٍ وَنَثْرٍ كَانَ هَذَا مُمْكِنًا لِلنَّاسِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ جِنْسِهِ، فَيُمْكِنُ لِلنَّاسِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلَمَّا تَحَدَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِهِ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَعْدَ أَنْ تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِعَشْرِ
[ ١ / ١٧٠ ]
سُوَرٍ هُمْ وَمَنِ اسْتَطَاعُوا، قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] كَمَا قَالَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] أَيْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُفْتَرًى.
كَمَا قَالَ ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] أَيْ مَا كَانَ لِأَنْ يُفْتَرَى، يَقُولُ مَا كَانَ لِيَفْعَلَ هَذَا فَلَمْ يَنْفِ مُجَرَّدَ فِعْلِهِ بَلْ نَفَى احْتِمَالَ فِعْلِهِ، وَأَخْبَرَ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَقَعُ بَلْ يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا يُمْكِنُ، وَلَا يُحْتَمَلُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَرَى هَذَا الْقُرْآنُ مَنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَفْتَرِيهِ مَنْ دُونِ اللَّهِ مَخْلُوقٌ.
«وَلَيْسَ فِي طَوْقِ»
أَيْ لَيْسَ فِي وُسْعِ «الْوَرَى» مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ وَطَاقَتِهِمْ فَالطَّوْقُ الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - وَمُرَاجَعَتِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - " «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ» " أَيْ لَيْتَهُ جُعِلَ دَاخِلًا فِي طَاقَتِي وَقُدْرَتِي، وَلَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَيْهِ لِضَعْفٍ فِيهِ، وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَافَ الْعَجْزَ عَنْهُ لِلْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ لِنِسَائِهِ، فَإِنْ إِدَامَةَ الصَّوْمِ تُخِلُّ بِحُظُوظِهِنَّ مِنْهُ، كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ - ﵁ -: «كُلُّ امْرِئٍ مُجَاهِدٌ بِطَوْقِهِ» . أَيْ أَقْصَى غَايَتِهِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمِقْدَارِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِمَشَقَّةٍ مِنْهُ، فَالْمَعْنَى لَيْسَ فِي قُدْرَةِ الْخَلْقِ وَلَا طَاقَتِهِمْ، وَلَوْ بَذَلُوا جُهْدَهُمْ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُهُمْ وَلَوْ مَعَ تَمَامِ الْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمْ «مِنْ أَصْلِهِ» أَيِ الْوَرَى يَعْنِي الْخَلْقَ أَيْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ.
وَيُحْتَمَلُ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي طَوْقِ الْخَلْقِ مِنَ الْأَصْلِ «أَنْ يَسْتَطِيعُوا» الْإِتْيَانَ بِأَقْصَرِ «سُورَةٍ» مِنَ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فِي طَوْقِ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِمْ وَجِبِلَّتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ وَاسْتِطَاعَتِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْلُبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْإِتْيَانَ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ.
«مِنْ مِثْلِهِ» أَيِ الْقُرْآنِ كَمَا تَحَدَّى الدَّيَّانُ أَهْلَ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَاللُّسُنِ وَذَوِي الرَّزَانَةِ وَالدِّرَايَةِ وَالْفِطَنِ، فَاعْتَرَفُوا بِالْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى -: لَمَّا تَحَيَّرُوا عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَأَدْهَشَهُمْ أُسْلُوبُهُ نُودِيَ عَلَيْهِمْ بِالْعَجْزِ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] انْتَهَى. هَذَا وَهُمْ مَصَاقِيعُ الْكَلَامِ، وَبُلَغَاءِ النَّثْرِ، وَالنِّظَامِ
[ ١ / ١٧١ ]
فَعَدَلُوا عَنْ مُصَاقَعَةِ اللِّسَانِ إِلَى مُقَارَعَةِ السِّنَانِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ - الْجَوَابِ الصَّحِيحِ -: وَهَذَا التَّحَدِّي كَانَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ سُورَةَ يُونُسَ وَهُودٍ وَالطُّورِ مِنَ الْمَكِّيِّ، ثُمَّ أَعَادَ التَّحَدِّيَ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] .
فَذَكَرَ أَمْرَيْنِ، (أَحَدُهُمَا): قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاتُّقُوا النَّارَ، يَقُولُ: إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ حَقٌّ، فَخَافُوا اللَّهَ أَنْ تُكَذِّبُوهُ فَيَحِيقَ بِكُمُ الْعَذَابُ الَّذِي وَعَدْتُهُ الْمُكَذِّبِينَ، وَهَذَا دُعَاءٌ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، بَعْدَ أَنْ دَعَاهُمْ بِالْحِكْمَةِ، وَهُوَ جِدَالُهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
(الثَّانِي) قَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وَلَنْ لِنَفِيِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَثَبَتَ أَنَّهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ لَا يَأْتُونَ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، كَمَا أَخْبَرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - ﷺ - أَنْ يَقُولَ فِي سُورَةِ (سُبْحَانَ) - وَهِيَ مَكِّيَّةٌ افْتَتَحَهَا بِذِكْرِ الْإِسْرَاءِ، وَهُوَ كَانَ بِمَكَّةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فَعَمَّ بِأَمْرِهِ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْخَبَرِ جَمِيعَ الْخَلْقِ مُعَجِّزًا لَهُمْ قَاطِعًا بِأَنَّهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَلَوْ تَظَاهَرُوا، وَتَعَاوَنُوا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا التَّحَدِّي لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، وَقَدْ سَمِعَهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَ الْقُرْآنَ، وَعَرَفَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَعَلِمَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُعَارِضُوهُ، وَلَا أَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَمِنْ حِينَ بُعِثَ - ﷺ - وَإِلَى الْيَوْمِ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الْخَلْقَ كَانُوا كُلُّهُمْ كُفَّارًا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَلَمَّا بُعِثَ إِنَّمَا تَبِعَهُ قَلِيلٌ.
وَكَانَ الْكُفَّارُ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِهِ مُجْتَهِدِينَ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ، تَارَةً يَذْهَبُونَ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أُمُورٍ مِنَ الْغَيْبِ حَتَّى يَسْأَلُوهُ عَنْهَا، كَمَا سَأَلُوهُ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، وَأَهْلِ الْكَهْفِ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي مَجْمَعٍ بَعْدَ مَجْمَعٍ عَلَى مَا يَقُولُونَهُ فِيهِ، وَصَارُوا يَضْرِبُونَ لَهُ الْأَمْثَالَ، فَيُشَبِّهُونَهُ بِمَنْ لَيْسَ بِمِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ شَبَهٍ مَا مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ، فَتَارَةً يَقُولُونَ مَجْنُونٌ، وَتَارَةً سَاحِرٌ، وَكَاهِنٌ، وَشَاعِرٌ، وَإِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي يَعْلَمُونَ هُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ كُلِّ عَاقِلٍ يَسْمَعُهَا أَنَّهَا
[ ١ / ١٧٢ ]
افْتِرَاءٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ قَدْ تَحَدَّاهُمْ بِالْمُعَارَضَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَهِيَ تُبْطِلُ دَعْوَاهُمْ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَيْهَا لَفَعَلُوهَا، فَإِنَّهُ مَعَ وُجُودِ هَذَا الدَّاعِي التَّامِّ الْمُؤَكَّدِ إِذَا كَانَتِ الْقُدْرَةُ حَاصِلَةً وَجَبَ وُجُودُ الْمَقْدُورِ.
ثُمَّ هَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ فَهَذَا يُوجِبُ عِلْمًا بَيِّنًا لِكُلِّ أَحَدٍ يَعْجِزُ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ بِحِيلَةٍ وَبِغَيْرِ حِيلَةٍ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي تَكَرَّرَ جِنْسُهَا كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِنَظِيرِهِ، فَإِقْدَامُهُ - ﷺ - فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى هَذَا التَّحَدِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَأَتْبَاعُهُ قَلِيلٌ، عَلَى أَنْ يَقُولَ خَبَرًا يَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَفِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ جَزْمِهِ بِذَلِكَ وَتَيَقُّنِهِ لَهُ، وَإِلَّا فَمَعَ الشَّكِّ وَالظَّنِّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ فَيَفْتَضِحَ؛ فَيَرْجِعَ النَّاسُ عَنْ تَصْدِيقِهِ، وَإِذَا كَانَ جَازِمًا بِذَلِكَ مُتَيَقِّنًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الْعُلُومِ الْمُعْتَادَةِ أَنْ يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ كَلَامِهِ إِلَّا إِذَا عَلِمَ الْعَالِمُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ، وَالْعِلْمُ بِهَذَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مُعْجِزًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ: وَنَفْسُ نَظْمِ الْقُرْآنِ وَأُسْلُوبُهُ عَجِيبٌ بَدِيعٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ الْمَعْرُوفَةِ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِنَظِيرِ هَذَا الْأُسْلُوبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الشِّعْرِ وَالرِّجْزِ وَلَا الرَّسَائِلِ وَالْخَطَابَةِ، وَلَا نَظْمُهُ نَظْمُ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ، وَنَفْسُ فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتِهِ عَجِيبٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ وَلَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فِي كَلَامِ جَمِيعِ الْخَلْقِ - يَعْنِي مِنْ لَدُنْ آدَمَ وَإِلَى الْآنَ وَهَذَا نِهَايَةُ الْإِعْجَازِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَوَائِدُ الأولى معنى التحدي]
فَوَائِدُ
(الْأُولَى) التَّحَدِّي الْمُعَارَضَةُ، وَالْمُتَحَدِّي هُوَ الَّذِي يَتَحَدَّى النَّاسَ أَيْ يَدْعُوهُمْ، وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَنْ يُعَارِضُوهُ، فَيُقَالُ فِيهِ حَدَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ أَيْ بَعَثَنِي عَلَيْهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ حَادِيَ الْعِيسِ لِأَنَّهُ بِحِدَائِهِ يَبْعَثُهَا عَلَى السَّيْرِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ: وَقَدْ يُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ بِالتَّحَدِّي دَعْوَةَ النُّبُوَّةِ، وَلَكِنَّ أَصْلَهُ الْأَوَّلَ انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ: احْدَى تَعَمَّدَ شَيْئًا كَتَحَدَّاهُ، وَالْحُدَيَّا بِالضَّمِّ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: الْمُنَازَعَةُ وَالْمُبَارَاةُ
[ ١ / ١٧٣ ]
[الفائدة الثانية القول بالصرفة]
(الثَّانِيَةُ): مَا قَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِي "
وَلَيْسَ فِي طَوْقِ الْوَرَى مِنْ أَصْلِهِ
إِلَخْ. . . " أَيْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْبَشَرِ، وَلَا سَائِرِ الْخَلْقِ، وَلَا فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِمْ وَجِبِلَّتِهِمُ الْقُدْرَةُ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْخَلْقِ وَلَا قُدْرَتِهِمْ عَلَى مُضَاهَاتِهِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْوَفَاءِ: وَكَانَ الْمُرْتَضَى الْعَلَوِيُّ يَقُولُ بِالصَّرْفَةِ - يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرَفَ الْعَرَبَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ لَا أَنَّهُمْ عَجَزُوا.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ: الصَّرْفُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الْقُدْرَةَ حَاصِلَةً، قَالَ " وَإِنْ كَانَ فِي الصَّرْفِ نَوْعُ إِعْجَازٍ إِلَّا أَنَّ كَوْنَ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِهِ مُمْتَنِعًا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ لِمَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ، آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ، وَأَعْظَمُ لِفَضِيلَةِ الْقُرْآنِ.
قَالَ: " وَمَا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالصَّرْفَةِ إِلَّا بِمَثَابَةِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ عُيُونَ النَّاظِرِينَ إِلَى عَصَا مُوسَى - ﵇ - خُيِّلَ لَهُمْ أَنَّهَا حَيَّةٌ وَثُعْبَانٌ، لَا أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا انْقَلَبَتْ. قَالَ: فَالتَّحَدِّي لِلْمُصْرَفِ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَحْسُنُ كَمَا لَا يَتَحَدَّى الْعَجَمُ بِالْعَرَبِيَّةِ " قَالَ الْحَافِظُ بْنُ الْجَوْزِيِّ ": وَأَنَا أَقُولُ إِنَّمَا يُصْرَفُونَ عَنِ الشَّيْءِ بِتَغَيُّرِ طِبَاعِهِمْ عِنْدَ نُزُولِهِمْ أَنْ يَقْدِرُوا عَلَى مِثْلِهِ، فَهَلْ وُجِدَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ الصَّرْفَةِ مُنْذُ وُجِدَتِ الْعَرَبُ كَلَامًا يُقَارِبُهُ مَعَ اعْتِمَادِهِمْ عَلَى الْفَصَاحَةِ؟ فَالْقَوْلُ بِالصَّرْفَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي (الْجَوَابِ الصَّحِيحِ): " كُلُّ مَا ذَكَرَهُ النَّاسُ مِنَ الْوُجُوهِ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ - حُجَّةٌ عَلَى إِعْجَازِهِ، وَلَا تَنَاقُصَ فِي ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ قَوْمٍ تَنَبَّهُوا لِمَا تَنَبَّهُوا لَهُ، ثُمَّ قَالَ " وَمِنْ أَضْعَفِ الْأَقْوَالِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إِنَّهُ مُعْجِزٌ بِصَرْفِ الدَّوَاعِي مَعَ قِيَامِ الْمُوجِبِ لَهَا، أَوْ بِسَلْبِ الْقُدْرَةِ الْجَازِمَةِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَرَفَ قُلُوبَ الْأُمَمِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضَى التَّامِّ، أَوْ سَلْبِهِمُ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَادَةَ فِي مِثْلِهِ سَلْبًا عَامًّا مِثْلَ قَوْلِهِ لِزَكَرِيَّا ﴿آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، فَإِنَّ هَذَا يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ وَالتَّنْزِيلِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا قُدِّرَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْدِرُ النَّاسُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، فَامْتِنَاعُهُمْ جَمِيعُهُمْ عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ - مَعَ قِيَامِ الدَّوَاعِي الْعَظِيمَةِ إِلَى الْمُعَارَضَةِ - مِنْ أَبْلَغِ الْآيَاتِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ إِنِّي آخُذُ جَمِيعَ أَمْوَالِ أَهْلِ هَذِهِ الْبَلَدِ الْعَظِيمِ وَأَضْرِبُهُمْ جَمِيعَهُمْ وَأُجَوِّعُهُمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يَشْتَكُوا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَعَ ذَلِكَ مَنْ
[ ١ / ١٧٤ ]
يَشْتَكِي فَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَحَدًا صَنَّفَ كِتَابًا يَقْدِرُ أَمْثَالُهُ عَلَى تَصْنِيفِ مِثْلِهِ، أَوْ قَالَ شِعْرًا يَقْدِرُ أَمْثَالُهُ عَلَى أَنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، وَتَحَدَّاهُمْ كُلَّهُمْ، فَقَالَ: عَارِضُونِي، وَإِنْ لَمْ تُعَارِضُونِي، فَأَنْتُمْ كُفَّارٌ، مَأْوَاكُمُ النَّارُ، وَدِمَاؤُكُمْ حَلَالٌ - امْتَنَعَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ أَحَدٌ، فَإِذَا لَمْ يُعَارِضُوهُ كَانَ هَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ الْخَارِقَةِ لِلْعَادَةِ، وَالَّذِي جَاءَ بِالْقُرْآنِ - ﷺ - قَالَ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، وَمَنْ آمَنَ بِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي دَخَلَ النَّارَ، وَقَدْ أُبِيحَ لِي قَتْلُ رِجَالِهِمْ، وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ، وَغَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ طَاعَتِي، وَمَنْ لَمْ يُعْطِنِي كَانَ مِنْ أَشْقَى الْخَلْقِ، وَمِنْ آيَاتِي هَذَا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، وَأَنَا أُخْبِرُكُمْ أَنَّ أَحَدًا لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ.
فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَادِرِينَ عَلَى الْمُعَارَضَةِ أَوْ عَاجِزِينَ فَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ وَلَمْ يُعَارِضُوهُ، بَلْ صَرَفَ اللَّهُ دَوَاعِيَ قُلُوبِهِمْ وَمَنَعَهَا أَنْ تُرِيدَ مُعَارَضَتَهُ مَعَ هَذَا التَّحَدِّي الْعَظِيمِ أَوْ سَلَبَهُمُ الْقُدْرَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ قَبْلَ تَحَدِّيهِ، فَإِنَّ سَلْبَ الْقُدْرَةِ الْمُعْتَادَةِ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ مُعْجِزَتِي أَنَّكُمْ كُلَّكُمْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى الْكَلَامِ، وَلَا عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنَ الْمُعْتَادِ، كَإِحْدَاثِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ، فَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الْخَوَارِقِ، وَإِنْ كَانُوا عَاجِزِينَ ثَبَتَ أَنَّهُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ فَثَبَتَ كَوْنُهُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ عَلَى تَقْدِيرِ النَّقِيضَيْنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنَ الْعَجَائِبِ النَّاقِضَةِ لِلْعَادَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. "
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ -: فَهَذَا غَايَتُهُ غَايَةُ التَّنْزِيلِ، قَالَ: وَإِلَّا فَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: بَلْ وَلَا يَقْدِرُ مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ - ﷺ - مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَى أَنْ يُبَدِّلَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ يُظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ سَائِرِ كَلَامِهِ لِكُلِّ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَدَبُّرٍ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
قُلْتُ: وَفِي شِفَاءِ أَبِي الْفَضْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَعْضُ مَيْلٍ لِلْقَوْلِ بِالصَّرْفَةِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ - يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ - إِلَى أَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ مِثْلُهُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَيُقَدِّرُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا، وَلَا يَكُونُ فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ هَذَا، وَعَجَّزَهُمْ عَنْهُ. قَالَ: وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ: وَعَلَى
[ ١ / ١٧٥ ]
الطَّرِيقَيْنِ فَعَجْزُ الْعَرَبِ عَنْهُ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ، وَتَحَدَّاهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ قَاطِعٌ.
قَالَ: وَهُوَ أَبْلَغُ فِي التَّعَجُّبِ، وَأَحْرَى بِالتَّقْرِيعِ، وَالِاحْتِجَاجُ بِمَجِيءِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنْ قُدْرَةِ الْبَشَرِ لَازِمٌ، وَهُوَ أَبْهَرُ آيَةً، وَأَقْمَعُ دَلَالَةً، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَا أَتَوْا فِي ذَلِكَ بِمَقَالٍ، بَلْ صَبَرُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَالْقَتْلِ، وَتَجَرَّعُوا كَاسَاتِ الصَّغَارِ وَالذُّلِّ، وَكَانُوا مِنْ شُمُوخِ الْأَنْفِ، وَإِبَاءِ الضَّيْمِ بِحَيْثُ لَا يُؤْثِرُونَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا، وَلَا يَرْضَوْنَهُ إِلَّا اضْطِرَارًا، وَإِلَّا فَالْمُعَارَضَةُ لَوْ كَانَتْ مِنْ قَدْرِهِمْ لَأَسْرَعُوا بِالْحُجَجِ، وَقَطْعِ الْعُذْرِ، وَإِفْحَامِ الْخَصْمِ لَدَيْهِمْ، هَذَا وَهُمْ مِمَّنْ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى الْكَلَامِ، وَقُدْوَةٌ بِالْمَعْرِفَةِ بِهِ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ، وَمَا مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ جَهَدَ جَهْدَهُ، وَاسْتَنْفَدَ مَا عِنْدَهُ فِي إِخْفَاءِ ظُهُورِهِ، وَإِطْفَاءِ نُورِهِ، فَمَا حَلُّوا فِي ذَلِكَ بِحَبَّةٍ مِنْ بَنَاتِ شِفَاهِمْ وَلَا أَتَوْا بِنُقْطَةٍ مِنْ مَعِينِ مِيَاهِهِمْ مَعَ طُولِ الْأَمَدِ، وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَتَظَاهُرِ الْوَالِدِ وَمَا وَلَدَ، بَلْ أُبْلِسُوا فَمَا نَبَسُوا، وَمُنِعُوا فَانْقَطَعُوا، انْتَهَى كَلَامُهُ
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْوَفَاءِ " عَنِ الْإِمَامِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ، قَالَ: حَكَى لِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُسْلِمٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ كُنَّا نَتَذَاكَرُ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ، وَكَانَ ثَمَّ شَيْخٌ كَثِيرُ الْفَضْلِ، فَقَالَ: مَا فِيهِ مَا يَعْجِزُ الْفُضَلَاءُ عَنْهُ، ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى غُرْفَةٍ، وَمَعَهُ صَحِيفَةٌ وَمَحْبَرَةٌ، وَوَعَدَ أَنَّهُ يُبَادِئُهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِمَا يَعْمَلُهُ مِمَّا يُضَاهِي الْقُرْآنَ فَلَمَّا انْقَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ صَعِدَ وَاحِدٌ فَوَجَدَهُ مُسْتَنِدًا يَابِسًا، وَقَدْ جَفَّتْ يَدُهُ عَلَى الْقَلَمِ.
قُلْتُ: وَبِمِثْلِ هَذِهِ يَحْتَجُّ الْقَائِلُونَ بِالصَّرْفَةِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لِعَدَمِ حَصْرِ الْهَلَاكِ فِيهَا، بَلْ لَمَّا عَجَزَ أَهْلَكَهُ اللَّهُ كَمَدًا، وَلِتَجَرُّئِهِ عَلَى مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[الفائدة الثالثة القرآن معجز من عدة أوجه]
(الثَّالِثَةُ): كَوْنُ الْقُرْآنِ مُعْجِزَةً لَيْسَ هُوَ مِنْ جِهَةِ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ فَقَطْ، أَوْ نَظْمِهِ وَأُسْلُوبِهِ، أَوْ إِخْبَارِهِ بِالْغَيْبِ وَالْمُغَيَّبَاتِ، وَلَا مِنْ صَرْفِ الدَّوَاعِي وَالْمُعَارَضَاتِ، بَلْ هُوَ آيَةٌ وَمُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَدَلَالَةٌ بَاهِرَةٌ وَحُجَّةٌ قَاهِرَةٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ النَّظْمِ وَمِنْ جِهَةِ الْبَلَاغَةِ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى، وَمِنْ جِهَةِ مَعَانِيهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا، وَمَعَانِيهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ جِهَةِ مَعَانِيهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْغَيْبِ الْمَاضِي، وَالْغَيْبِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَمِنْ جِهَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْمَعَادِ، وَمِنْ جِهَةِ
[ ١ / ١٧٦ ]
مَا بُيِّنَ فِيهِ مِنَ الدَّلَائِلِ الْيَقِينِيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] . وَفِي ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وَ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] فَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ النَّاسُ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى إِعْجَازِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ بَلْ كُلُّ قَوْمٍ تَنَبَّهُوا لِمَا تَنَبَّهُوا لَهُ كَمَا فِي كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
[الفائدة الرابعة القرآن المعجزة العظمى]
(الرَّابِعَةُ): الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ كَلَامُ اللَّهِ الْقَدِيمُ، وَنُورُهُ الْمُبِينُ، وَحَبْلُهُ الْمَتِينُ، وَفِيهِ الْحُجَّةُ وَالدَّعْوَةُ، فَلَهُ بِذَلِكَ اخْتِصَاصٌ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: " «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ يَعْنِي أَنَّ مُعْجِزَتِي الَّتِي تَحَدَّيْتُ بِهَا الْوَحْيَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ وَهُوَ الْقُرْآنُ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْجَازِ الْوَاضِحِ، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرَ مُعْجِزَاتِهِ فِيهِ، وَلَا أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ مَا أُوتِيَ مَنْ تَقَدَّمَهُ بَلِ الْمُرَادُ الْمُعْجِزَةُ الْعُظْمَى وَالْآيَةُ الْكُبْرَى الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ - ﷺ - مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ دَعْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّتِي هِيَ شَرِيعَتُهُ الْمَنْعُوتُ بِهَا، فِيهَا مُعْجِزَتُهُ الَّتِي تَحَدَّى الْخَلْقَ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ، وَأَبْهَرِ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَظْهَرِ الدَّلَالَاتِ. وَلِهَذَا اسْتَمَرَّتْ مُعْجِزَتُهُ الْعُظْمَى بِاسْتِمْرَارِ شَرِيعَتِهِ الْغَرَّاءِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ وَتَنْبِيهٌ وَإِيمَاءٌ وَتَنْوِيهٌ إِلَى أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الْأَمِينَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، فَشَرِيعَتُهُ دَائِمَةٌ مَا دَامَ الْمَلَوَانِ، وَمُعْجِزَتُهُ بَاقِيَةٌ مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
[الفائدة الخامسة مناسبة المعجزة للعصر الذي وقعت فيه]
(الْخَامِسَةُ): كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْتُونَ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَالْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ، لِأَقْوَامِهِمُ الْكَافِرَةِ، وَأُمَمِهِمُ الْفَاجِرَةِ، فَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ تَقَعُ مُعْجِزَتُهُ مُنَاسِبَةً لِحَالِ قَوْمِهِ، كَمَا كَانَ السِّحْرُ فَاشِيًا عَنْدَ فِرْعَوْنَ، فَجَاءَ مُوسَى بِالْعَصَا عَلَى صُورَةِ مَا يَصْنَعُ السَّحَرَةَ، لَكِنَّهَا تَلَقَّفَتْ مَا صَنَعُوا فَبُسُّوا وَانْصَدَعُوا، وَاحْتَارُوا وَانْقَمَعُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى هُوَ الْحَقُّ الْيَقِينُ ﴿فَأُلْقِيَ
[ ١ / ١٧٧ ]
السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ - قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦ - ١٢٢] .
وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لِغَيْرِ مُوسَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ -. وَلَمَّا كَانَ الزَّمَنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ عِيسَى - ﵇ - قَدْ فَشَا الْأَطِبَّاءُ وَالْحُكَمَاءُ بَيْنَ الْأَنَامِ، وَكَانَ أَمْرُهُمْ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِصِنَاعَتِهِمْ ظَاهِرًا مَشْهُورًا، جَاءَ سَيِّدُنَا الْمَسِيحُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الْقَبِيحِ، وَخَلَقَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَطَاشَتْ قُلُوبُ الْحُكَمَاءِ، وَأَذْعَنُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْعَرَبُ أَرْبَابَ الْبَلَاغَةِ، وَجَرَاثِيمَ الْفَصَاحَةِ، وَرَأْسَ الْبَيَانِ، وَأَرُومَةَ الْوَضَاحَةِ وَفُرْسَانَ الْكَلَامِ، وَأَرْبَابَ النِّظَامِ، قَدْ خُصُّوا مِنَ الْبَلَاغَةِ وَالْحِكَمِ مَا لَمْ يُخْتَصَّ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، قَدْ أُوتُوا مِنْ ذَرَابَةِ اللِّسَانِ مَا لَمْ يُؤْتَ مِثْلَهُ إِنْسَانٌ.
وَمِنْ فَصْلِ الْخِطَابِ مَا قَدْ يُقَيِّدُ الْأَلْبَابَ، جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى لَهُمْ ذَلِكَ طَبْعًا وَسَلِيقَةً وَفِيهِمْ غَرِيزَةً وَحَقِيقَةً، يَأْتُونَ مِنْهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَيُدْلُونَ بِهِ إِلَى كُلِّ سَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، فَيَخْطُبُونَ بِهَدِيَّةٍ فِي الْمَقَامَاتِ الشَّدِيدَةِ الْخَطْبِ وَيَرْتَجِزُونَ بِهِ فِي قَسَاطِلِ الْحَرْبِ بَيْنَ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَيَمْدَحُونَ وَيَقْدَحُونَ، وَيَتَوَسَّلُونَ وَيَتَوَصَّلُونَ، وَيَبْتَدُونَ وَيَتَنَصَّلُونَ، وَيَرْفَعُونَ وَيَضَعُونَ، فَيَأْتُونَ مِنْ ذَلِكَ بِالسِّحْرِ الْحَلَالِ، وَيُطَوِّقُونَ مِنْ أَوْصَافِهِمْ مَا هُوَ أَجْمَلُ مِنْ سِمْطِ اللَّآلِ، فَيَخْدَعُونَ الْأَلْبَابَ، وَيُذَلِّلُونَ الصِّعَابَ، وَيُذْهِبُونَ الْأِحَنَ، وَيُهَيِّجُونَ الدِّمْنَ، وَيُجَرِّئُونَ الْجِنَانَ، وَيَبْسُطُونَ مِنْ يَدِ الْجَعْدِ الْبَنَانَ، وَيُصَيِّرُونَ النَّاقِصَ كَامِلًا، وَيَتْرُكُونَ النَّبِيهَ خَامِلًا، مِنْهُمُ الْبَدَوِيُّ ذُو اللَّفْظِ الْجَزْلِ، وَالْقَوْلِ الْفَصْلِ، وَالْكَلَامِ الْفَخْمِ، وَالطَّبْعِ الْجَوْهَرِيِّ، وَالْمَنْزِعِ الْقَوِيِّ، وَمِنْهُمُ الْحَضَرِيُّ ذُو الْبَلَاغَةِ الْبَارِعَةِ، وَالْأَلْفَاظِ النَّاصِعَةِ، وَالْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ، وَالطَّبْعِ السَّهْلِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الْقَوْلِ، الْقَلِيلِ الْكُلْفَةِ الْجَامِعَةِ، وَالطَّبْعِ السَّهْلِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الْقَوْلِ، الْقَلِيلِ الْكُلْفَةِ الْكَثِيرِ الرَّوْنَقِ الرَّقِيقِ الْحَاشِيَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَهُمْ فِي الْبَلَاغَةِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَالْقُوَّةُ الدَّامِغَةُ، لَا يَشُكُّ أَنَّ الْكَلَامَ طَوْعُ مُرَادِهِمْ، وَالْبَلَاغَةُ مِلْكَ قِيَادِهِمْ، فَمَا رَاعَهُمْ إِلَّا وَالرَّسُولُ الْكَرِيمُ قَدْ أُتِيَ بِهَذَا الْكِتَابِ الْعَزِيزِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، قَدْ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، وَفُصِّلَتْ كَلِمَاتُهُ، وَبَهَرَتْ بَلَاغَتُهُ الْعُقُولَ، وَظَهَرَتْ فَصَاحَتُهُ، عَلَى كُلِّ مَقُولٍ، تَضَافَرَ إِيجَازُهُ وَإِعْجَازُهُ، وَتَظَاهَرَتْ
[ ١ / ١٧٨ ]
حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ، وَهُمْ أَفْسَحُ مَا كَانُوا فِي هَذَا الْبَابِ مَجَالًا، وَأَوْسَعُ فِي اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ مَقَالًا، وَبِلُغَتِهِمُ الَّتِي بِهَا يَتَحَاوَرُونَ وَمَنَازِعِهِمِ الَّتِي عَنْهَا يَتَنَاضَلُونَ، صَارِخًا بِهِمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَمُقَرِّعًا لَهُمْ بَعْضًا وَعِشْرِينَ مِنَ السِّنِينَ، وَمُوَبِّخًا لَهُمْ عَلَى رُؤُوسِ مَلَئِهِمْ أَجْمَعِينَ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] .
فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُقَرِّعُهُمْ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ، وَيُوَبِّخُهُمْ غَايَةَ التَّوْبِيخِ، وَيُسَفِّهُ أَحْلَامَهُمْ، وَيُشَتِّتُ نِظَامَهُمْ، وَيَذُمُّ آلِهَتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ، وَيَسْتَبِيحُ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، وَهُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ نَاكِصُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، مُحْجِمُونَ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ، يُخَادِعُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالتَّشْغِيبِ بِالتَّكْذِيبِ، وَالِاغْتِرَاءِ بِالِافْتِرَاءِ، فَيَقُولُونَ تَارَةً: هَذَا سِحْرٌ مُفْتَرًى، وَأُخْرَى: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وَطَوْرًا يَقُولُونَ إِذَا سَمِعُوا: آيَاتِ الْكِتَابِ: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] .
وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحْمَقَ وَهَذَى، فَقَالَ: بِضَرْبٍ مِنَ الدَّعْوَى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، وَمَنْ تَعَاطَى شَيْئًا مِنْ سُخَفَائِهِمْ، بِدَعْوَى الْمُعَارَضَةِ افْتَضَحَ وَانْكَشَفَ عَوَارُهُ وَمَا نَجَحَ وَظَهَرَ بَوَارُهُ
وَلَمَّا سَمِعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] قَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَأَنْ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، مَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ.
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] فَسَجَدَ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ سَجَدْتُ لِفَصَاحَتِهِ، وَسَمِعَ آخَرُ رَجُلًا يَتْلُو ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ، إِذَا هُوَ بِقَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، فَاسْتَخْبَرَهُ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمًا مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَؤُونَ آيَةً مِنْ كِتَابِكُمْ، فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ جُمِعَ فِيهَا مَا أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - ﵇ - مِنْ أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] .
وَحَكَى
[ ١ / ١٧٩ ]
الْأَصْمَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ جَارِيَةٍ، فَقَالَ لَهَا: قَاتَلَكِ اللَّهُ مَا أَفْصَحَكِ، فَقَالَتْ: أَوَ يُعَدُّ هَذَا فَصَاحَةً بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] الْآيَةَ، فَجَمَعَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَنَهْيَيْنِ، وَخَبَرَيْنِ، وَبِشَارَتَيْنِ. فَهَذَا مِنْ أَنْوَاعِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ: وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الفائدة السادسة هل في بعض آية إعجاز]
(السَّادِسَةُ): قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَفِي بَعْضِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِعْجَازٌ، وَعَلَى التَّحْقِيقِ يَتَفَاضَلُ ثَوَابُهُ وَيَتَفَاوَتُ إِعْجَازُهُ، كَمَا فِي مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ، وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ. قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: فِي بَعْضِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِعْجَازٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، قَالَ الْقَاضِيَ عَلَاءُ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيُّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا يَعْلَى أَرَادَ مَا فِيهِ الْإِعْجَازُ، وَإِلَّا فَلَا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] وَنَحْوَهَا أَنَّ فِي بَعْضِهَا إِعْجَازًا وَإِلَّا فِيهَا أَيْضًا وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلُوذَانِيُّ أَحَدُ أَعْلَامِ الْمَذْهَبِ وَالْحَنَفِيَّةِ: وَلَا إِعْجَازَ فِي بَعْضِ آيَةٍ بَلْ فِي آيَةٍ.
وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَإِنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ الطِّوَالِ فِيهَا إِعْجَازٌ كَمَا أَنَّ الْآيَةَ الْقَصِيرَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا إِعْجَازٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُعْجِزٌ لَكِنَّ مِنْهُ مَا لَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ مُعْجِزًا بِذَاتِهِ، وَمِنْهُ مَا إِعْجَازُهُ مَعَ الِانْضِمَامِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَتَفَاوَتُ إِعْجَازُهُ، وَيَتَفَاضَلُ ثَوَابُهُ، فَإِنَّ الْفَرْقَ يَظْهَرُ بَيْنَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ، وَبَيْنَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَسُورَةِ تَبَّتْ.
فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِجُمَلِهِ وَتَفَاصِيلِهِ وَبِفَضْلِهِ وَتَفْضِيلِهِ: " «يَاسِينُ قَلْبُ الْقُرْآنِ، وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ".
وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَتَخْصِيصِ بَعْضِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ بِالتَّفْضِيلِ وَكَثْرَةِ الثَّوَابِ فِي تِلَاوَتِهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَذَهَبَ الْإِمَامُ
[ ١ / ١٨٠ ]
أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَالْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، إِلَى الْمَنْعِ، وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - وَلِذَلِكَ كَرِهَ أَنْ تُرَدَّدَ سُورَةٌ دُونَ غَيْرِهَا، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَذْكُرُ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ وُرُودِ النُّصُوصِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ بِالتَّفْضِيلِ.
وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: كَلَامُ اللَّهِ فِي اللَّهِ أَيِ الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَفْضَلُ مِنْ كَلَامِهِ فِي غَيْرِهِ، فَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ.
وَقَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ - الْإِتْقَانِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ -: اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْضِيلِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّفْضِيلُ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ الْأَجْرِ، وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ انْفِعَالَاتِ النَّفْسِ وَخَشْيَتِهَا وَتَدَبُّرِهَا وَتَفَكُّرِهَا عِنْدَ وُرُودِ أَوْصَافِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ لِذَاتِ اللَّفْظِ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] الْآيَةَ، وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَآخِرَ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا مَثَلًا فِي ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبَةِ وَكَرَامَتِهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ في ذِكْرِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُثْبِتُهَا السلفيون ويجحدها غيرهم]
[وجوب التحرز عن إطلاق ما لم يطلقه الشرع إثباتا ونفيا]
«فَصْلٌ»
فِي ذِكْرِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُثْبِتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى أَئِمَّةُ السَّلَفِ، وَعُلَمَاءُ الْأَثَرِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْخَلَفِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَضْلًا عَنْ فِرَقِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْفَسَادِ، وَأَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ، وَأَهْلِ الْإِلْحَادِ، وَلَمَّا كَانَ فِي إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ مَا يَبْدُرُ لِلْعُقُولِ الْفَلْسَفِيَّةِ، وَالْأَقْيِسَةِ الْكَلَامِيَّةِ، وَالْأَخْيِلَةِ الْخَلْفِيَّةِ مَا يُوهِمُ التَّجْسِيمَ قَدَّمَ أَمَامَ الْمَقْصُودِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
«وَلَيْسَ رَبُّنَا بِجَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا جِسْمٍ تَعَالَى ذُو الْعُلَى»
«سُبْحَانَهُ قَدِ اسْتَوَى كَمَا وَرَدَ مِنْ غَيْرِ كَيْفٍ قَدْ تَعَالَى أَنْ يُحَدَّ»
«وَلَيْسَ رَبُّنَا» ﵎ «بِجَوْهَرٍ» يُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْعَرَضَ وَيُرَادُ بِهِ مَا فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْكَلَامِ يَعْنِي الْعَيْنَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ لَا فِعْلًا، وَلَا وَهْمًا، وَلَا فَرْضًا، وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ وَبَعْضِ
[ ١ / ١٨١ ]
مُحَقِّقِي النُّظَّارِ لَا وُجُودَ لِلْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، أَعْنِي الْجُزْءَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
قَالَ الْمُثْبِتُونَ لِلْجَوْهَرِ الْفَرْدِ بِأَنَّهُ لَا شَكْلَ لَهُ لِأَنَّ الشَّكْلَ هَيْئَةُ إِحَاطَةِ الْحَدِّ الْوَاحِدِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ شَكْلٌ لَكَانَ مُحَاطًا لِحَدٍّ أَوْ حُدُودٍ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ انْقِسَامُهُ، لِأَنَّ مَا يُلَاقَى مِنْهُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمُحِيطِ يُغَايِرُ الْمُلَاقَى بِآخَرَ، وَهُوَ الِانْقِسَامُ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِالتَّقْسِيمِ إِلَّا مَا يُفْرَضُ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ شَيْءٍ، فَلَا يَكُونُ مَا فَرَضْنَاهُ جَوْهَرًا فَرْدًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَكْلٌ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُشَاكِلًا لِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْمُشَاكَلَةَ هِيَ الِاتِّحَادُ فِي الشَّكْلِ وَلَيْسَ لِلْجَوْهَرِ الْفَرْدِ شَكْلٌ كَمَا عَلِمْتُ.
وَلَسْنَا بِصَدَدِ تَقْرِيرِهِ وَلَا إِبْطَالِهِ وَإِنَّمَا نَحْنُ بِصَدَدِ نَفْيِ كَوْنِ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ جَوْهَرًا «وَلَا) رَبُّنَا جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ بِ «عَرَضٍ» وَهُوَ مَا لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ بَلْ بِغَيْرِهِ، بِأَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ فِي التَّحَيُّزِ أَوْ مُخْتَصًّا بِهِ اخْتِصَاصَ النَّعْتِ بِالْمَنْعُوتِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَقُّلُهُ بِدُونِ الْمَحَلِّ كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَعْرَاضِ «وَلَا» هُوَ سُبْحَانَهُ: «جِسْمٌ» وَهُوَ مَا تَرَكَّبَ مِنْ جُزْئَيْنِ فَصَاعِدًا
وَعِنْدَ بَعْضِ
[ ١ / ١٨٢ ]
النُّظَّارِ لَا بُدَّ مِنْ تَرَكُّبِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ لِتَتَحَقَّقَ الْأَبْعَادُ الثَّلَاثَةُ أَعْنِي الطُّولَ وَالْعَرْضَ وَالْعُمْقَ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ لِيَتَحَقَّقَ تَقَاطُعُ الْأَبْعَادِ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ، قَالَ السَّعْدُ: وَلَيْسَ هَذَا نِزَاعًا رَاجِعًا إِلَى الِاصْطِلَاحِ حَتَّى يَدْفَعَ بِأَنَّ
[ ١ / ١٨٣ ]
لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا شَاءَ، بَلْ هُوَ نِزَاعٌ فِي أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ الْجِسْمِ بِإِزَائِهِ هَلْ يَكْفِي فِيهِ التَّرْكِيبُ مِنْ جُزْئَيْنِ أَمْ لَا؟ احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ يُقَالُ لِأَحَدِ الْجِسْمَيْنِ إِذَا زِيدَ عَلَيْهِ جُزْءٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ أَجْسَمُ مِنَ الْآخَرِ
[ ١ / ١٨٤ ]
فَلَوْلَا أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرْكِيبِ كَافٍ فِي الْجِسْمِيَّةِ، لَمَا صَارَ بِمُجَرَّدِ زِيَادَةِ الْجُزْءِ أَزْيَدَ فِي الْجِسْمِيَّةِ. وَفِيهِ أَنَّهُ أَفْعَلُ مِنَ الْجَسَامَةِ بِمَعْنَى الضَّخَامَةِ وَعِظَمِ الْمِقْدَارِ، يُقَالُ جَسُمَ الشَّيْءُ إِذَا عَظُمَ هُوَ جَسِيمٌ، وَالْكَلَامُ فِي الْجِسْمِ الَّذِي هُوَ
[ ١ / ١٨٥ ]
اسْمٌ لَا صِفَةٌ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَوَاهِرِ: الْجِسْمُ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، الْأَوَّلُ: الْجِسْمُ الطَّبِيعِيُّ الْمَنْسُوبُ إِلَى الطَّبِيعَةِ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْإِثَارَةِ، وَعَرَّفَهُ الْحُكَمَاءُ بِأَنَّهُ جَوْهَرٌ يُمْكِنُ أَنْ يُفْرَضَ فِيهِ أَبْعَادٌ ثَلَاثَةٌ
[ ١ / ١٨٦ ]
مُتَقَاطِعَةٌ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ، فَقَوْلُهُ " يُمْكِنُ " مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَنَاطَ الْجِسْمِيَّةِ لَيْسَ فَرْضَ الْأَبْعَادِ بِالْفِعْلِ حَتَّى يَخْرُجَ الْجِسْمُ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ بِأَنْ لَا يُفْرَضَ فِيهِ الْأَبْعَادُ بِالْفِعْلِ بَلْ مُجَرَّدُ إِمْكَانِ الْفَرْضِ، وَإِنْ لَمْ تُفْرَضْ أَصْلًا كَافٍ، وَتَصْوِيرُ فَرْضِ
[ ١ / ١٨٧ ]
الْأَبْعَادِ فِي الْجِسْمِ بَعْدَ تَأْلِيفِ مَا كَانَ، وَهُوَ الطُّولُ، وَبُعْدٌ آخَرُ مُقَاطِعٌ لَهُ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ وَهُوَ الْعَرْضُ، وَبُعْدٌ آخَرُ مُقَاطِعٌ لَهُمَا كَذَلِكَ وَهُوَ الْعُمْقُ، فَقَوْلُهُ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ بَلْ بَيَانُ الْوَاقِعِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْجِسْمِ لَا يَكُونُ
[ ١ / ١٨٨ ]
إِلَّا كَذَلِكَ.
وَلَمَّا نَفَى كَوْنَ الْبَارِي جَلَّ وَعَزَّ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا أَوْ جِسْمًا؛ لِاتِّصَافِ الْأَوَّلِ بِالْإِمْكَانِ وَالْحَقَارَةِ، وَالثَّانِي لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، وَالثَّالِثِ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ فَيَحْتَاجُ إِلَى الْجُزْءِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا لِذَاتِهِ وَلَا مُسْتَغْنِيًا عَنْ غَيْرِهِ، وَفِي ضِمْنِ مَا نَفَاهُ رَدٌّ عَلَى بَعْضِ فِرَقِ الضَّلَالِ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «تَعَالَى» وَتَقَدَّسَ «ذُو الْعُلَى» فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْقُدْسِيَّةِ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
[استواء الرب على عرشه وعلوه على خلقه وذكر الآيات المثبتة لذلك]
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا التَّمْهِيدِ الْمَذْهَبَ السَّلَفِيَّ، وَالِاعْتِقَادَ الْأَثَرِيَّ، فَقَالَ: «سُبْحَانَهُ» وَإِنَّمَا صَدَّرَ بِالتَّسْبِيحِ إِشَارَةً إِلَى تَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنْ قَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ
[ ١ / ١٨٩ ]
، وَاعْتِقَادِ الْمُمَثِّلَةِ، «قَدِ اسْتَوَى» عَلَى عَرْشِهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِذَاتِهِ «كَمَا وَرَدَ» فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَالنُّصُوصِ السَّلَفِيَّةِ، مِمَّا لَا يُحْصَى وَيَتَعَذَّرُ أَنْ يُسْتَقْصَى، فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ عَامَّةُ كَلَامِ الصَّحَابَةِ - ﵃ - وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ كَلَامُ سَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ مِمَّنْ تُلْوَى عَلَى كَلَامِهِمُ الْخَنَاصِرُ، وَلَا يُنَازِعُ فِيهِ إِلَّا كُلُّ مُعَانِدٍ وَمُكَابِرٍ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ. وَذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى اللَّهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ - يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ - ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٤ - ٦] تَأَمَّلْ مَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنَ الرَّدِّ عَلَى طَوَائِفِ الْمُعَطِّلِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَقَوْلُهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ قَوْلِ الْمَلَاحِدَةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، بَلْ مَنْ أَثْبَتَ مِنْهُمْ وُجُودَ الرَّبِّ جَعَلَهُ لَازِمًا لِذَاتِهِ أَزَلًا أَبَدًا كَمَا يَقُولُ ابْنُ سِينَا، وَالنُّصَيْرُ الطُّوسِيُّ، وَأَتْبَاعُهُمَا مِنَ الْمَلَاحِدَةِ الْجَاحِدِينَ لِمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَالْكُتُبُ وَشَهِدَتْ بِهِ الْعُقُولُ وَالْفِطَرُ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ: يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ قَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ سِوَى الْعَدَمِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مُسْتَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ، وَلَا تُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَيْدِي، وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَلَا رُفِعَ الْمَسِيحُ إِلَيْهِ، وَلَا عُرِجَ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَيْهِ، وَلَا تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، وَلَا يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِهِ جِبْرِيلُ بِوَحْيِهِ لِمَنْ يُوحِي إِلَيْهِ - إِلَخْ كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
[ ١ / ١٩٠ ]
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى - الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٤ - ٥] وَقَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] وَقَوْلُهُ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٣]، فَذَكَرَ عُمُومَ عِلْمِهِ وَعُمُومَ قُدْرَتِهِ وَعُمُومَ إِحَاطَتِهِ وَعُمُومَ رُؤْيَتِهِ، وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦] قَالَ فِي الْجُيُوشِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فَأَكْذَبُ فِرْعَوْنُ مُوسَى - ﵇ - فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَمِنْهَا قِصَّةُ الْمِعْرَاجِ فَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ وَتَجَاوَزَ النَّبِيُّ - ﷺ - السَّمَاوَاتِ سَمَاءً سَمَاءً حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى فَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى - ﵇ - وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ إِلَى مُوسَى، فَيَسْأَلُهُ كَمْ فَرَضَ رَبُّكَ عَلَيْكَ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ (عَنْ أُمَّتِكَ فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ فَيَسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ أَنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» " وَفِي لَفْظٍ " «فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» " وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، فَقَالَ " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» ".
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ
[ ١ / ١٩١ ]
حَدِيثَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - عَنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَفِيهِ " «ثُمَّ عَلَا بِهِ - يَعْنِي جِبْرِيلَ - فَوْقَ ذَلِكَ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاوَزَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَدَنَا مِنَ الْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ، قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ ﵎» " الْحَدِيثَ
وَقَالَ - ﷺ - فِي حُكُومَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» - وَفِي لَفْظٍ - «مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» " وَأَصْلُ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ «حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: لَطَمْتُ جَارِيَةً لِي، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُعْتِقُهَا: قَالَ: بَلَى ائْتِنِي بِهَا، قَالَ: فَجِئْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ لَهَا أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ فِي السَّمَاءِ: قَالَ فَمَنْ أَنَا، قَالَتْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ إِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: " «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» "
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْعَرْشِ): رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَصَانِيفِهِمْ يُدَوِّنُونَهُ كَمَا جَاءَ. وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْعُلُوِّ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ تَفْتَخِرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ. وَقَالَ - ﷺ - فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ " «وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ هُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الَّذِي أَنْشَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -
شَهِدَتْ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
،
وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافَ
وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا.
وَقَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ الَّذِي أُنْشِدَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -:
[ ١ / ١٩٢ ]
فَاسْتَحْسَنَهُ، وَقَالَ: «آمَنَ شِعْرُهُ، وَكَفَرَ قَلْبُهُ»:
مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا
بِالْبِنَاءِ الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ الْخَلْـ ـقَ وَسَوَّى فَوْقِ السَّمَاءِ سَرِيرَا
شَرْجَعًا مَا يَنَالُهُ نَظَرُ الْعَيْ نِ يَرَى دُونَهُ الْمَلَائِكَ صُوَرَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ إِحْصَاؤُهُ، فَتَارَةً يُخْبِرُ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ اسْتِوَاءَهُ عَلَى الْعَرْشِ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَتَارَةً يُخْبِرُ بِعُرُوجِ الْأَشْيَاءِ وَصُعُودِهَا وَارْتِفَاعِهَا إِلَيْهِ، وَتَارَةً يُخْبِرُ بِنُزُولِهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَتَارَةً يُخْبِرُ بِأَنَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى كَقَوْلِهِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَقَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وَتَارَةً يُخْبِرُ بِأَنَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَتَارَةً يَجْعَلُ بَعْضَ الْخَلْقِ عِنْدَهُ دُونَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ - وَمَنْ عِنْدَهُ - إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ١٨ - ٢٠٦]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَلَوْ كَانَ مُوجِبُ الْعِنْدِيَّةِ مَعْنًى عَامًّا لِدُخُولِهِمْ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ لَكَانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَتِهِ بَلْ مُسَبِّحًا لَهُ سَاجِدًا مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وَهُوَ سُبْحَانُهُ وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ رَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبَادَتِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَلَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا اشْتَرَكَتْ فِيهِ هَذِهِ النُّصُوصُ مِنْ إِثْبَاتِ عُلُوِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ هُوَ الْحَقُّ أَوِ الْحَقُّ نَقِيضُهُ إِذِ الْحَقُّ لَا يَخْرُجُ عَنِ النَّقِيضَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ جَلَّ شَأْنُهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْخَلْقِ أَوْ لَا يَكُونَ فَوْقَ الْخَلْقِ كَمَا يَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ هُوَ سُبْحَانَهُ لَا فَوْقَهُمْ، وَلَا فِيهِمْ، وَلَا دَاخِلَ الْعَالَمِ، وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايَنٌ وَلَا مُحَايَثٌ
وَتَارَةً يَقُولُونَ هُوَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كِلَا الْمَقَالَتَيْنِ يَدْفَعُونَ أَنْ يَكُونَ هُوَ نَفْسُهُ فَوْقَ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ إِثْبَاتَ ذَلِكَ أَوْ نَفْيَهُ، فَإِنْ كَانَ نَفْيُ ذَلِكَ هُوَ الْحَقَّ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُبَيِّنْ هَذَا قَطُّ لَا نَصًّا، وَلَا ظَاهِرًا، وَلَا الرَّسُولُ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ
[ ١ / ١٩٣ ]
وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَنْقُلَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ
وَأَمَّا نَقْلُ الْإِثْبَاتِ عَنْ هَؤُلَاءِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ هُوَ النَّفْيَ دُونَ الْإِثْبَاتِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَلَمْ يُذْكَرِ النَّفْيُ أَصْلًا، لَزِمَ أَنَّ يَكُونَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ لَمْ يَنْطِقُوا بِالْحَقِّ فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ نَطَقُوا بِمَا يَدُلُّ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا عَلَى الضَّلَالِ وَالْخَطَأِ الْمُنَاقِضِ لِلْهُدَى وَالصَّوَابِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ هَذَا فِي الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَلَهُ أَوْفَرُ حَظٍّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فَإِنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: هَذِهِ النُّصُوصُ أُرِيدَ بِهَا خِلَافُ مَا يُفْهَمُ مِنْهَا أَوْ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إِثْبَاتُ عُلُوِّ اللَّهِ نَفْسَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ عُلُوُّ الْمَكَانَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ
فَيُقَالُ لَهُ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، بَلْ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَدُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يُرَدْ بِهِ مَفْهُومُهُ وَمُقْتَضَاهُ، فَإِنَّهُ غَايَةُ مَا يَقْدِرُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْمَجَازِ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِيقَةِ، وَالْبَاطِنِ الْمُخَالِفِ لِلظَّاهِرِ، وَمَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ الْمُخَاطِبَ الْمُبَيِّنَ إِذَا تَكَلَّمَ بِمَجَازٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْرِنَ بِخِطَابِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ الْمُبَلِّغُ الْمُبَيِّنُ الَّذِي بَيَّنَ لِلنَّاسِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ - عَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَامِ خِلَافُ مَفْهُومِهِ وَمُقْتَضَاهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرِنَ بِخِطَابِهِ مَا يَصْرِفُ الْقُلُوبَ عَنْ فَهْمِ الْمَعْنَى الَّذِي لَمْ يُرَدْ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ بَاطِلًا لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ فِي اللَّهِ.
فَإِنَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَعْتَقِدُوا فِي اللَّهِ مَا لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَخُوفًا عَلَيْهِمْ، وَلَوْ لَمْ يُخَاطِبْهُمْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ خِطَابُهُ هُوَ الَّذِي يَدُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يَقُولُ النُّفَاةُ أَنَّهُ اعْتِقَادٌ بَاطِلٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ وَلَا كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ النُّفَاةِ أَصْلًا، بَلْ هُمْ دَائِمًا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِالْإِثْبَاتِ امْتَنَعَ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادُهُمُ الْإِثْبَاتَ، وَأَنْ يَكُونَ النَّفْيُ هُوَ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَهُ، وَهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ قَطُّ، وَلَمْ يُظْهِرُوهُ، وَإِنَّمَا أَظْهَرُوا مَا يُخَالِفُهُ وَيُنَافِيهِ.
وَهَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ لَا مَخْلَصَ لِأَحَدٍ عَنْهُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لَكِنَّ لِلْجَهْمِيَّةِ الْمُتَكَلِّمَةِ هُنَا كَلَامٌ وَلِلْجَهْمِيَّةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ كَلَامٌ
أَمَّا الْمُتَفَلْسِفَةُ وَالْقَرَامِطَةُ
[ ١ / ١٩٤ ]
فَيَقُولُونَ إِنَّ الرُّسُلَ كَلَّمُوا الْخَلْقَ بِخِلَافِ مَا هُوَ الْحَقُّ وَأَظْهَرُوا لَهُمْ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ، وَرُبَّمَا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ كَذَبُوا لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّ مَصْلَحَةَ الْعَامَّةِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِإِظْهَارِ الْإِثْبَاتِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَاطِلًا.
هَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الزَّنْدَقَةِ الْبَيِّنَةِ وَالْكُفْرِ الْوَاضِحِ قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، وَالرُّسُلُ مِنْ جِنْسِ رُؤَسَائِكُمْ لَكَانَ خَوَاصُّ الرُّسُلِ يَطَّلِعُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكَانُوا يُطْلِعُونَ خَوَاصَّهُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، فَكَانَ يَكُونُ النَّفْيُ مَذْهَبَ خَاصَّةِ الْأُمَّةِ وَأَكْمَلِهَا عَقْلًا وَعِلْمًا وَمَعْرِفَةً، وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ مِنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَجَدَ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ عِنْدَ الْأُمَّةِ كَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ أَجْمَعِينَ - هُمْ أَعْظَمُ الْخَلْقِ إِثْبَاتًا.
وَكَذَلِكَ أَفَاضِلُ التَّابِعِينَ مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُمْ مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ وَأَمْثَالُهُمْ، بَلِ الْمَنْقُولُ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي الْإِثْبَاتِ يَجْبُنُ عَنْ إِظْهَارِهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَعَلَى ذَلِكَ تَأَوَّلَ يَحْيَى بْنُ عَمَّارٍ، وَصَاحِبُهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ مَا يُرْوَى أَنَّ مِنَ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ فَإِذَا ذَكَرُوهُ لَمْ يُنْكِرْهُ إِلَّا أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاللَّهِ، تَأَوَّلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا جَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنِ الرَّسُولِ وَالسَّابِقِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ بِخِلَافِ النَّفْيِ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ عَنْهُمْ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ
وَقَدْ جَمَعَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ مِنَ الْمَنْقُولِ عَنِ السَّلَفِ فِي الْإِثْبَاتِ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ عَنْهُمْ فِي النَّفْيِ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَنْقُلُهَا مَنْ هُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ مَعْرِفَةِ كَلَامِهِمْ
[قُلْتُ] وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ مِنَ التَّصْنِيفِ، وَأَجْلَبُوا بِخَيْلِهِمْ وَرَجْلِهِمْ مِنَ التَّأْلِيفِ، فِي ثُبُوتِ الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ وَنَبَّهُوا عَلَى ذَلِكَ بِالْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ وَمَا حَوَى، فَمِنْهُمُ الرَّاوِي الْأَخْبَارَ بِالْأَسَانِيدِ، وَمِنْهُمُ الْحَاذِفُ لَهَا، وَأَتَى بِكُلِّ مُفِيدٍ، وَمِنْهُمُ الْمُطَوِّلُ الْمُسْهِبُ، وَمِنْهُمُ الْمُخْتَصِرُ وَالْمُتَوَسِّطُ وَالْمُهَذِّبُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْعُلُوِّ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْعُلُوِّ لِلْإِمَامِ
[ ١ / ١٩٥ ]
الْمُوَفَّقِ صَاحِبِ التَّصَانِيفِ السُّنِّيَّةِ، وَالْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِلْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، وَكِتَابِ الْعَرْشِ لِلْحَافِظِ شَمْسِ الدِّينِ الذَّهَبِيِّ صَاحِبِ الْأَنْفَاسِ الْعَلِيَّةِ، وَمَا لَا أُحْصِي عَدَّهُمْ إِلَّا بِكُلْفَةٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ الْكَرْمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ (أَقَاوِيلِ الثِّقَاتِ فِي تَأْوِيلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ) وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ بِأَنَّهُ الَّذِي طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَهْلَ الْفِطْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ السِّلْمِيَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ، إِذِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ فِطْرِيٌّ عَقْلِيٌّ وَضَرُورِيٌّ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمْعٍ، قَالُوا: وَلَمْ يَقُلْ قَائِلٌ يَا اللَّهُ، إِلَّا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً يَطْلُبُ الْعُلُوَّ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ رَفْعُ هَذِهِ الضَّرُورَةِ عَنِ الْقُلُوبِ وَلَا يَلْتَفِتُ الدَّاعِي يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً.
وَأَمَّا الْعِلْمُ بِأَنَّهُ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ خَلْقِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَهَذَا سَمْعِيٌّ عُلِمَ بِالْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَأَخْبَرُوا - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُمَمَهُمْ بِذَلِكَ.
قَالَ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ (الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلِيُّ) الْحَنْبَلِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - فِي كِتَابِ (الْغُنْيَةُ فِي الْفِقْهِ) قَالَ: وَهُوَ تَعَالَى بِجِهَةِ الْعُلُوِّ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ، مُحْتَوٍ عَلَى الْمُلْكِ، مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِالْأَشْيَاءِ " ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]- ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] " الْآيَةَ، وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بَلْ يُقَالُ إِنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي إِطْلَاقُ صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَإِنَّهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى الْعَرْشِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَوْنُهُ (مُسْتَوِيًا) عَلَى الْعَرْشِ مَذْكُورٌ فِي كُلِّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بِلَا كَيْفٍ. وَهَذَا النَّصُّ كَلَامُهُ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ فِي الْغُنْيَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الْأَوَّلُ - ﵃ - لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ، وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ، بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّةُ بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابُهُ، وَأَخْبَرَتْ رُسُلُهُ، قَالَ: وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَنَّهُ تَعَالَى اسْتَوْلَى عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً. انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ (مَحَجَّةُ الْوَاثِقِينَ) وَأَجْمَعُوا أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ
[ ١ / ١٩٦ ]
وَأَنَّهُ عَالٍ عَلَى عَرْشِهِ، مُسْتَوٍ عَلَيْهِ، لَا مُسْتَوْلٍ كَمَا تَقُولُ الْجَهْمِيَّةُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَشْفِ: وَأَمَّا هَذِهِ الصِّفَةُ - يَعْنِي الْقَوْلَ بِالْجِهَةِ - فَلَمْ تَزَلْ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ يُثْبِتُونَهَا حَتَّى نَفَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ، وَمُتَأَخِّرُو الْأَشَاعِرَةِ كَأَبِي الْمَعَالِي، وَمَنِ اقْتَدَى بِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْجِهَةِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا - إِلَخْ كَلَامُهُ.
وَقِيلَ لِلْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: بِأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. عَلَى أَنَّ نَفْسَ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي كِتَابِهِ (الْإِبَانَةِ) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وَقَالَ: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨] كَذَّبَ مُوسَى فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ. وَقَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] فَالسَّمَاوَاتُ فَوْقَهَا الْعَرْشُ فَلَمَّا كَانَ الْعَرْشُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَكَانَ كُلُّ مَا عَلَا فَهُوَ سَمَاءٌ قَالَ (﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَرْشَ الَّذِي هُوَ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ.
قَالَ: وَرَأَيْنَا الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِذَا دَعَوْا إِلَى نَحْوِ السَّمَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ لَمْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ نَحْوَ الْعَرْشِ.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ: إِنَّ مَعْنَى اسْتَوَى اسْتَوْلَى عَلَى الْعَرْشِ، وَمَلَكَ وَقَهَرَ، وَأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَجَحَدُوا أَنْ يَكُونَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَذَهَبُوا فِي الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْقُدْرَةِ، فَلَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا: كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَالْأَرْضِ فَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَعَلَى الْحُشُوشِ، فَلَوْ كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى الْحُشُوشِ وَالْأَخْلِيَةِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ الِاسْتِيلَاءَ، ثُمَّ بَسَطَ الْأَدِلَّةَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ بِمَا يَطُولُ نَقْلُهُ.
وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ (جُمَلِ الْمَقَالَاتِ): قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا يُشْبِهُ الْأَشْيَاءَ، وَأَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ كَمَا
[ ١ / ١٩٧ ]
قَالَ ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَلَا تَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فِي الْقَوْلِ، بَلْ نَقُولُ اسْتَوَى بِلَا كَيْفٍ، وَأَنَّهُ نُورٌ كَمَا قَالَ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . إِلَى قَالَ: وَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا إِلَّا مَا وَجَدُوهُ مِنَ الْكِتَابِ أَوْ جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
قَالَ: وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِنَّ اللَّهَ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِمَعْنَى اسْتَوَى. هَذَا نَصُّ كَلَامِهِ.
فَالْأَشْعَرِيُّ إِنَّمَا حَكَى تَأْوِيلَ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَصَرَّحَ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّهُ خَالَفَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِهِ تَابِعًا لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ مُتَكَلِّمِي الْأَشْعَرِيَّةِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ تَقُولُونَ إِنَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَانٍ؟ قِيلَ لَهُ مَعَاذَ اللَّهِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] . وَسَاقَ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَكَانَ فِي بَطْنِ الْإِنْسَانِ وَالْحُشُوشِ، وَلَصَحَّ أَنْ يُرْغَبَ إِلَيْهِ نَحْوَ الْأَرْضِ، وَإِلَى خَلْفِنَا، وَيَمِينِنَا، وَشِمَالِنَا.
قَالَ: وَهَذَا قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى خِلَافِهِ، وَتَخْطِئَةِ قَائِلِهِ، وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ فِي كِتَابِهِ (التَّمْهِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ) وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ كُتُبِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ صَارَ مُنْتَسِبًا إِلَى بَعْضِ طَوَائِفِ الْمُتَكَلِّمِينَ، مُتَوَهِّمًا أَنَّهُمْ حَقِّقُوا فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَمْ يُحَقِّقْهُ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ أُتِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعَهَا حَتَّى يُؤْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِمْ، ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا مُخَالِفُونَ لِأَسْلَافِهِمْ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ لَهُمْ.
قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ إِلَّا مِنْ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَا يَتَّبِعُ مَا جَاءَهُ مِنَ الْحَقِّ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] فَكَذَلِكَ مَنْ يَتَعَصَّبُ لِطَائِفَةٍ بِلَا بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ. انْتَهَى.
[نفي استلزام القول بالاستواء والعلو للتجسيم وبعض ما نقل عن السلف في الاستواء]
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْجِهَةِ أَوِ الِاسْتِوَاءِ هُوَ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ، لِأَنَّهُمْ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ مَنْ لَازَمَ ذَلِكَ التَّجْسِيمَ، وَهَذَا وَهْمٌ فَاسِدٌ، وَظَنٌّ كَاذِبٌ، وَحَدْسٌ حَائِدٌ، لِأَنَّا نَقُولُ أَوَّلًا لِمَنِ ارْتَكَبَ هَذَا الْمَرْكَبَ لَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَ أَئِمَّةِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، وَذَوِي النَّبَاهَةِ وَالْمَعْرِفَةِ
[ ١ / ١٩٨ ]
وَالتَّصْدِيقِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْمَرْءِ شَيْءٌ مِنْ لَوَازِمِ كَلَامِهِ، وَهُوَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْهُ بِقَصْدِهِ وَمَرَامِهِ.
فَإِنَّ أَهْلَ الْإِثْبَاتِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْمَنْصُوصِ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْآيَاتِ، يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَنِ التَّكْيِيفِ وَالْحَدِّ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ وَصَفَهُ تَعَالَى بِالْجِسْمِ، أَوْ كَيَّفَ فَقَدَ زَاغَ وَأَلْحَدَ.
وَلِهَذَا قَالَ لَمَّا أَثْبَتَ لَهُ صِفَةَ الِاسْتِوَاءِ كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ نُؤْمِنُ بِأَنَّهُ ﷿ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ «مِنْ غَيْرٍ كَيْفٍ»، كَمَا رَوَى اللَّالْكَائِيُّ الْحَافِظُ فِي كِتَابِهِ (السُّنَّةِ) مِنْ طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أُمِّهِ خَيْرَةَ مَوْلَاةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ كُفْرٌ. وَهَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ.
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ قَالَتْ: الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْجُحُودُ بِهِ كُفْرٌ.
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ أَبِيهِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ - الْمَشْهُورُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ، وَهُوَ شَيْخُ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - ﵁ - عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ «التَّمْهِيدِ» قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُؤْمِنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: اللَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ.
قَالَ: وَقِيلَ لِمَالِكٍ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ مَالِكٌ - ﵀ -: اسْتِوَاؤُهُ مَعْلُومٌ، وَكَيْفِيَّتُهُ مَجْهُولَةٌ، وَسُؤَالُكَ عَنْ هَذَا بِدْعَةٌ، وَأَرَاكَ رَجُلَ سُوءٍ.
وَيُرْوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ نُؤْمِنُ بِهِ، وَلَا
[ ١ / ١٩٩ ]
تَتَعَرَّضُ لِمَعْنَاهُ.
وَرُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ، فَقَالَ: آمَنْتُ بِلَا تَشْبِيهٍ، وَصَدَّقْتُ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَاتَّهَمْتُ نَفْسِي فِي الْإِدْرَاكِ، وَأَمْسَكْتُ عَنِ الْخَوْضِ غَايَةَ الْإِمْسَاكِ.
وَعَنْ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ: اسْتَوَى كَمَا ذَكَرَ، لَا كَمَا يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ.
فَمَعْنَى قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - فِي الْحَدِيثِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ أَيْ وَصَفَهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ (اسْتَوَى) اسْتِوَاءٌ مَعْلُومٌ بِطَرِيقِ النَّقْلِ الثَّابِتِ بِالتَّوَاتُرِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ أَمْرٍ يَعُودُ إِلَى الْكَيْفِيَّةِ فَمَجْهُولٌ، وَالْجَهَالَةُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْكَيْفِيَّةِ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْمَاهِيَّةِ.
وَقَوْلُهُمْ " وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ " لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - ﵃ - لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَالتَّابِعِينَ لَمْ يَسْأَلُوا الصَّحَابَةَ، وَلِأَنَّ جَوَابَهُ يَتَضَمَّنُ الْكَيْفِيَّةَ.
وَلِهَذَا قِيلَ فِي الْجَوَابِ لِمَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّبْهَةُ طَالِبِينَ بِسُؤَالِهِمُ التَّكْيِيفَ: وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، فَالَّذِي ثَبَتَ نَفْيُهُ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ، إِنَّمَا هُوَ عِلْمُ الْعِبَادِ بِالْكَيْفِيَّةِ، فَعِنْدَهَا تَنْقَطِعُ الْأَطْمَاعُ، وَعَنْ دَرْكِهَا تَقْصُرُ الْعُقُولُ.
وَالْوُقُوفُ عَلَى دَرَجِ سُلَّمِ التَّسْلِيمِ مُنْتَهَى هِمَمِ الْأَئِمَّةِ الْفُحُولِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي تَتِمَّةِ نَظْمِهِ مُلَوِّحًا بِالرَّدِّ عَلَى الْمُمَثِّلِ وَالْمُعَطِّلِ بِقَوْلِهِ «قَدْ تَعَالَى» اللَّهُ عَلَا وَجَلَّ، وَلَسْنَا فِي اتِّبَاعِ الْمَأْثُورِ مَعَ التَّسْلِيمِ لِلْمَوْلَى الْحَكِيمِ عَلَى وَجَلٍ، فَإِنَّا نَقْتَفِي أَثَرَ الْمَأْثُورِ، وَنُشْهِرُ سُيُوفَ السُّنَّةِ لِأَعْنَاقِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالنَّفْيِ بِاتِّبَاعِ الْمَشْهُورِ، وَنَرُدُّ عَلَى كُلِّ مَنْ أَلْحَدَ
[ ١ / ٢٠٠ ]
بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ مِنْ «أَنْ يُحَدَّ» أَوْ يُقَاسَ بِمَا يُحَدُّ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ زَعْمِ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ تَعَالَى مُسْتَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ أَنْ
[ ١ / ٢٠١ ]
يُحَدَّ.
قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ، وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَابْنُ فُورَكَ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ
[ ١ / ٢٠٢ ]
بِذَاتِهِ، وَأَطْلَقُوا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ: فَوْقَ عَرْشِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ - وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي أَقُولُ بِهِ -: مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَلَا تَمَكُّنٍ فِي مَكَانٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ
[ ١ / ٢٠٣ ]
سُبْحَانَهُ مِنَ الصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِهِ، قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ لَلَزِمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنَ الْعَرْشِ أَوْ أَصْغَرَ أَوْ مُسَاوِيًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ
[ ١ / ٢٠٤ ]
مُحَالٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ، وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذَا لَمْ يُفْهَمْ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ، إِلَّا مَا يَثْبُتُ لِلْأَجْسَامِ، فَهَذَا اللَّازِمُ تَابِعٌ لِهَذَا الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا
[ ١ / ٢٠٥ ]
اسْتِوَاءٌ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِعَظَمَتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنَ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَجِبُ نَفْيُهَا كَمَا يَلْزَمُ سَائِرَ الْأَجْسَامِ، وَحَالُ هَذَا الْقَائِلِ مِثْلُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِذَا كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ إِذَا لَا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ إِلَّا كَذَلِكَ.
قَالَ: وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِالْعِلْمِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَا يَثْبُتُ لِذَلِكَ خَصَائِصُ الْأَعْرَاضِ الَّتِي لِلْمَخْلُوقِينَ، فَكَذَلِكَ سُبْحَانَهُ هُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَلَا يَثْبُتُ لِفَوْقِيَّتِهِ خَصَائِصُ فَوْقِيَّةِ الْمَخْلُوقِينَ عَلَى الْمَخْلُوقِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
فَلِدَفْعِ هَذَا الْوَهْمِ أَشَارَ فِي النَّظْمِ لِنَفْيِ التَّحْدِيدِ، الْمُتَحَذْلِقِ بِهِ كُلُّ مُلْحِدٍ وَعَنِيدٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَإِنْ كُنْتُ لَا أَقُولُ بِهِ وَلَا أَخْتَارُهُ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْآيُ وَالْأَخْبَارُ وَالْفُضَلَاءُ الْأَخْيَارُ، إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ بِلَا كَيْفٍ بَائِنٌ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، هَذَا جُمْلَةُ مَذْهَبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، انْتَهَى.
وَالْعَجَبُ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: وَإِنْ كُنْتُ لَا أَقُولُ بِهِ وَلَا أَخْتَارُهُ، وَلَعَلَّهُ خَشِيَ مِنْ تَحْرِيفِ الْحَسَدَةِ فَدَفَعَ وَهْمَهُمْ بِذَلِكَ، قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ، وَبِهَذَا قَالَ الْجَمَاهِيرُ الْحَنَابِلَةُ لَكِنْ قَالُوا: اسْتَوَى عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ لِذَاتِهِ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْمُحْدَثُ، وَلَا يُشَابِهُهُ وَلَا يُمَاثِلُهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ كَمِّيَّةٍ، وَلَا صِفَةِ كَيْفِيَّةٍ بَلْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ.
قَالُوا وَإِلَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ فِي حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ - الْحَدِيثَ، وَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ: أَوَ كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ تَرَكْنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - لِجَدَلِ هَؤُلَاءِ؟ وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَخْصُومٌ بِمِثْلِ مَا خُصِمَ بِهِ الْآخَرُ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الرُّجُوعُ لِمَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالتَّسْلِيمُ لَهُمَا.
[تنبيهات]
[التنبيه الأول خطأ الناس من جهة التأويل والقياس]
«تَنْبِيهَاتٌ»
«الْأَوَّلُ» قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - أَكْثَرُ مَا يُخْطِئُ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ، فَالتَّأْوِيلُ فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - وَهُوَ كَمَا قَالَ: وَالتَّأْوِيلُ الْخَطَأُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَشَابِهَةِ، وَالْقِيَاسُ الْخَطَأُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي
[ ١ / ٢٠٦ ]
الْمَعَانِ الْمُتَشَابِهَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدْ وَقَعَ بَنُو آدَمَ فِي عَامَّةِ مَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالَاتِ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِمَنْ يَدَّعِي التَّحْقِيقَ وَالتَّوْحِيدَ وَالْعِرْفَانَ مِنْهُمْ إِلَى أَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ وُجُودُ الرَّبِّ بِوُجُودِ كُلِّ مَوْجُودٍ، وَهَذَا غَايَةُ الضَّلَالِ وَالْهَذَيَانِ.
ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ رَبِّهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ سَوَاءٌ عَرَفْنَا مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ نَعْرِفْ، لِأَنَّهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، فَمَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ الْإِيمَانُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ، وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، مَعَ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُوجَدُ عَامَّتُهُ مَنْصُوصًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَمَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَلْ وَلَا لَهُ أَنْ يُوَافِقَ أَحَدًا عَلَى إِثْبَاتٍ لَفْظٍ أَوْ نَفْيِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مُرَادَهُ، فَإِنْ أَرَادَ حَقًّا قُبِلَ، وَإِنْ أَرَادَ بَاطِلًا رُدَّ، وَإِنِ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ لَمْ يُقْبَلْ مُطْلَقًا وَلَمْ يُرَدَّ جَمِيعُ مَعْنَاهُ، بَلْ يُوقَفُ اللَّفْظُ، وَيُفَسَّرُ الْمَعْنَى.
قَالَ: كَمَا تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْجِهَةِ، فَلَفْظُ الْجِهَةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ غَيْرُ اللَّهِ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا كَمَا إِذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ نَفْسُ الْعَرْشِ، أَوْ نَفْسُ السَّمَاوَاتِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا إِذَا أُرِيدَ بِالْجِهَةِ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ وَالْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّصِّ إِثْبَاتُ لَفْظِ الْجِهَةِ وَلَا نَفْيُهُ كَمَا فِيهِ إِثْبَاتُ الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالْعُرُوجِ إِلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إِلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ، وَالْخَالِقُ مُبَايِنٌ لِلْمَخْلُوقِ ﷾، لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فَيُقَالُ لِمَنْ نَفَى أَتُرِيدُ بِالْجِهَةِ أَنَّهَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ فَاللَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْمَخْلُوقَاتِ، أَمْ تُرِيدُ بِالْجِهَةِ مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَالَمِ بَائِنٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ قَالَ اللَّهُ فِي جِهَةٍ أَتُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَالَمِ، أَوْ تُرِيدُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ دَاخِلٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنْ أَرَدْتَ الْأَوَّلَ فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ أَرَدْتَ الثَّانِيَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْمُتَحَيِّزِ إِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَحُوزُهُ الْمَخْلُوقَاتُ، فَاللَّهُ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ، قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ:
[ ١ / ٢٠٧ ]
" «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ» " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: " «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَمَا فِيهِنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ» ".
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «وَإِنَّهُ لَيَدْحُوَهَا كَمَا يَدْحُو الصِّبْيَانُ بِالْكُرَةِ» " قَالَ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مُنْحَازٌ عَنِ الْمَخْلُوقَاتِ أَيْ مُبَايِنٌ لَهَا وَمُنْفَصِلٌ عَنْهَا لَيْسَ حَالًّا فِيهَا فَهُوَ سُبْحَانُهُ كَمَا قَالَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ: فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّدْمُرِيَّةِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي التَّدْمُرِيَّةِ أَيْضًا: أَمَّا عُلُوُّهُ تَعَالَى وَمُبَايَنَتُهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ فَيَعْلَمُ بِالْعَقْلِ. وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ فَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ هُوَ السَّمْعُ، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَصْفٌ لَهُ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالِمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنُهُ وَلَا مُدَاخِلُهُ، فَيَظُنُّ الْمُتَوَهِّمُ أَنَّهُ إِذَا وُصِفَ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ كَانَ اسْتِوَاؤُهُ كَاسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى ظُهُورِ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ، كَقَوْلِهِ: وَسَخَّرَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ فَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ كَحَاجَةِ الْمُسْتَوِي عَلَى الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ، فَتَعَالَى اللَّهُ وَتَقَدَّسَ، فَهَذَا خَطَأٌ فِي مَفْهُومِ اسْتِوَائِهِ تَعَالَى عَلَى الْعَرْشِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّهُ مِثْلُ اسْتِوَاءِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الِاسْتِوَاءَ إِلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ كَمَا أَضَافَ إِلَيْهِ سَائِرَ أَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ ثُمَّ اسْتَوَى، كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ فَهَدَى، فَلَمْ يَذْكُرِ اسْتِوَاءً مُطْلَقًا يَصْلُحُ لِلْمَخْلُوقِ، وَلَا عَامًّا يَتَنَاوَلُ الْمَخْلُوقَ، كَمَا لَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ صِفَاتِهِ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ تَعَالَى الْغَنِيُّ عَنِ الْخَلْقِ، وَأَنَّهُ الْخَالِقُ لِلْعَرْشِ وَلِغَيْرِهِ، وَإِنْ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ مُسْتَوِيًا عَلَى الْعَرْشِ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، هَلْ هَذَا جَهْلٌ مَحْضٌ، وَضَلَالٌ مِمَّنْ فَهِمَ ذَلِكَ وَتَوَهَّمَهُ، أَوْ ظَنَّهُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ، أَوْ جَوَّزَهُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ الْغَنِيِّ عَنِ الْخَلْقِ الْمَجِيدِ الْمُتَعَالِ.
[التنبيه الثاني عبارة للدواني في شأن الجهة]
(الثَّانِي) قَالَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ مَا لَفْظُهُ: وَلِابْنِ تَيْمِيَّةَ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ مَيْلٌ عَظِيمٌ إِلَى إِثْبَاتِ الْجِهَةِ، وَمُبَالَغَةٍ فِي الْقَدْحِ فِي نَفْيِهَا، قَالَ: وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَ بَدِيهَةِ الْعَقْلِ
[ ١ / ٢٠٨ ]
بَيْنَ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَعْدُومٌ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ طَلَبْتُهُ فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَنَسَبَ النَّافِينَ إِلَى التَّعْطِيلِ، قَالَ هَذَا مَعَ عُلُوِّ كَعْبِهِ فِي الْعُلُومِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، كَمَا يَشْهَدُ بِهِ مَنْ تَتَّبَعَ تَصَانِيفَهُ، قَالَ: وَمُحَصِّلُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَخْصِيصِهِ تَعَالَى بِجِهَةِ الْفَوْقِ كَمَا خَصَّ الْكَعْبَةَ بِكَوْنِهَا بَيْتَ اللَّهِ لِذَلِكَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا فِي الدُّعَاءِ، قَالَ: وَلَا يَخْفَى إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْقَدْرِ غَائِلَةٌ أَصْلًا، لَكِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَأَنْكَرَ كَوْنَ الْفَوْقِ قَبْلَ الدُّعَاءِ، بَلْ قَالَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ هُوَ بِعَيْنِهِ نَفْسُهُ، كَمَا أَنَّ نَفْسَ الْكَعْبَةِ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ، وَصَرَّحَ بِكَوْنِهِ جِهَةَ اللَّهِ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ تَجَوُّزٍ. اه كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ.
قُلْتُ: لَيْسَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَوَّلَ مَنْ نَسَبَ النَّافِينَ لِلتَّعْطِيلِ، فَهَذَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كِلَابٍ، هُوَ الَّذِي تَبِعَ طَرِيقَتَهُ أَبُو الْحَسَنُ الْأَشْعَرِيُّ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، إِلَّا إِنَّهُ عَلَى نَهْجِهِ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْفَوْقِيَّةِ وَعُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ، قَالَ ابْنُ كِلَابٍ فِي كُتُبِهِ: أُخْرِجُ مِنَ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ " وَلَا خَارِجَهُ ".
وَحَكَى عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ وَإِنَّهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ. هَذَا لَفْظُ حِكَايَةِ الْأَشْعَرِيِّ، وَحَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ فُورَكَ فِيمَا جَمَعَهُ مِنْ مَقَالَاتِهِ فِي كِتَابِ الْمُجَرَّدِ: أُخْرِجَ مِنَ النَّظَرِ وَالْخَبَرِ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا هُوَ فِي الْعَالَمِ وَلَا خَارِجًا عَنْهُ، فَنَفَاهُ نَفْيًا مُسْتَوِيًا، لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ صِفَةٌ بِالْعَدَمِ مَا قَدِرَ أَنْ يَقُولَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ ابْنُ كِلَابٍ: إِنْ قَالُوا لَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ، أَعْدَمُوهُ لِأَنَّ مَا كَانَ فَوْقُ وَلَا تَحْتُ عَدَمٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَلَمَّا رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ سَلَكَ طَرِيقَ ابْنِ كِلَابٍ، وَمَالَ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَانْتَسَبَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، كَمَا قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ كُلِّهَا كَالْإِبَانَةِ وَالْمُوجَزِ وَالْمَقَالَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي رِسَالَتِهِ التَّدْمُرِيَّةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِينَ لَا يَصِفُونَهُ إِلَّا بِالسِّلُوبِ لَمْ يُثْبِتُوا فِي الْحَقِيقَةِ إِلَهًا مَحْمُودًا، بَلْ وَلَا مَوْجُودًا، قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ كَالَّذِينِ قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَرَى أَوْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَالَمِ، أَوْ لَمْ يَسْتَوِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ وَلَا مُحَايِثٌ لَهُ، إِذْ هَذِهِ الصِّفَاتُ يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ بِهَا
[ ١ / ٢٠٩ ]
الْمَعْدُومُ وَلَيْسَتْ هِيَ مُسْتَلْزِمَةً صِفَةَ ثُبُوتٍ، وَلِهَذَا قَالَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فِي الْخَلْقِ: مَيِّزْ لَنَا بَيْنَ هَذَا الرَّبِّ الَّذِي تُثْبِتُهُ وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ، انْتَهَى.
[التنبيه الثالث عبارة لعماد الدين الواسطي في تقريب الجملة]
(الثَّالِثُ) ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ عِمَادُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاسِطِيُّ الصُّوفِيُّ الْمُحَقِّقُ الْعَارِفُ، تِلْمِيذُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُمَا، الَّذِي قَالَ فِيهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إِنَّهُ جُنَيْدُ زَمَانِهِ - فِي رِسَالَتِهِ نَصِيحَةِ الْإِخْوَانِ مَا حَاصِلُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ وَالِاسْتِوَاءِ، هُوَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَلَا عَرْشَ، وَلَا مَاءَ، وَلَا فَضَاءَ، وَلَا هَوَاءَ، وَلَا خَلَاءَ، وَلَا مَلَأَ، وَإِنَّهُ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي قِدَمِهِ وَأَزَلِيَّتِهِ، مُتَوَحِّدًا فِي فَرْدَانِيَّتِهِ، لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ فَوْقَ كَذَا إِذَا لَا شَيْءَ غَيْرُهُ، هُوَ تَعَالَى سَبَقَ التَّحْتَ وَالْفَوْقَ اللَّذَيْنِ هُمَا جِهَتَا الْعَالَمِ، وَهُوَ لَا زَمَانَ لَهُ تَعَالَى، هُوَ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْفَرْدَانِيَّةِ مُنَزَّهٌ عَنْ لَوَازِمِ الْحَدَثِ وَصِفَاتِهِ، فَلَمَّا اقْتَضَتِ الْإِرَادَةُ الْمُقَدَّسَةُ خَلْقَ الْأَكْوَانِ وَجَعْلَ جِهَتِي الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ، وَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْكَوْنُ فِي جِهَةِ التَّحْتِ لِكَوْنِهِ مَرْبُوبًا مَخْلُوقًا، وَاقْتَضَتِ الْعَظَمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ أَنْ يَكُونَ هُوَ تَعَالَى فَوْقَ الْكَوْنِ بِاعْتِبَارِ الْكَوْنِ لَا بِاعْتِبَارِ فَرْدَانِيَّتِهِ، إِذَا لَا فَوْقَ فِيهَا وَلَا تَحْتَ، وَالرَّبُّ ﷾ كَمَا كَانَ فِي قِدَمِهِ وَأَزَلِيَّتِهِ وَفَرْدَانِيَّتِهِ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي قِدَمِهِ وَأَزَلِيَّتِهِ فَهُوَ الْآنَ كَمَا كَانَ، لَمَّا أَحْدَثَ الْمَرْبُوبَ الْمَخْلُوقَ ذَا الْجِهَاتِ وَالْحُدُودِ، وَالْخَلَا وَالْمَلَا، ذَا الْفَوْقِيَّةِ وَالتَّحْتِيَّةِ، كَانَ مُقْتَضَى حُكْمِ الْعَظَمَةِ الرَّبَوِيَّةِ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ مُلْكِهِ، وَأَنْ تَكُونَ الْمَمْلَكَةُ تَحْتَهُ بِاعْتِبَارِ الْحُدُوثِ مِنَ الْكَوْنِ لَا بِاعْتِبَارِ الْقِدَمِ مِنَ الْمُكَوِّنِ، فَإِذَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُشَارَ مِنْ جِهَةِ التَّحْتِيَّةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْيَمْنَةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْيَسْرَةِ بَلْ لَا يَلِيقُ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ، ثُمَّ الْإِشَارَةُ هِيَ بِحَسَبِ الْكَوْنِ وَحُدُوثِهِ وَأَسْفَلِهِ فَالْإِشَارَةُ تَقَعُ عَلَى أَعْلَى جُزْءٍ مِنَ الْكَوْنِ حَقِيقَةً، وَتَقَعُ عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِهِ لَا كَمَا يَقَعُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمَحْسُوسَةِ عِنْدَنَا فِي أَعْلَى جُزْءٍ مِنَ الْكَوْنِ فَإِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى جِسْمٍ وَتِلْكَ
[ ١ / ٢١٠ ]
إِشَارَةٌ إِلَى إِثْبَاتٍ.
إِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالِاسْتِوَاءُ صِفَةٌ كَانَتْ لَهُ ﷾ فِي قِدَمِهِ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُهَا إِلَّا بَعْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ، كَمَا أَنَّ الْحِسَابَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهَا إِلَّا فِي الْآخِرَةِ. وَكَذَلِكَ التَّجَلِّي فِي الْآخِرَةِ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ إِلَّا فِي مَحَلِّهِ، قَالَ: فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَالْأَمْرُ الَّذِي تَهْرَبُ الْمُتَأَوِّلَةُ مِنْهُ حَيْثُ أَوَّلُوا الْفَوْقِيَّةَ بِفَوْقِيَّةِ الْمَرْتَبَةِ، وَالِاسْتِوَاءَ بِالِاسْتِيلَاءِ فَنَحْنُ أَشَدُّ النَّاسِ هَرَبًا مِنْ ذَلِكَ، وَتَنْزِيهًا لِلْبَارِي تَعَالَى عَنِ الْحَدِّ الَّذِي يَحْصُرُهُ فَلَا يُحَدُّ بِحَدٍّ يَحْصُرُهُ بَلْ بِحَدٍّ تَتَمَيَّزُ بِهِ عَظَمَةُ ذَاتِهِ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الْجِهَةِ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْكَوْنِ وَأَسْفَلِهِ إِذْ لَا يُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ إِلَّا هَكَذَا، وَهُوَ فِي قُدْسِهِ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِهِ لَا يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ بَارِئِهِ إِلَّا مِنْ فَوْقِهِ، فَتَقَعُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً إِشَارَةً مَعْقُولَةً، وَتَنْتَهِي الْجِهَاتُ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَيَبْقَى مَا وَرَاءَهُ لَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ، وَلَا يُكَيِّفُهُ الْوَهْمُ، فَتَقَعُ الْإِشَارَةُ عَلَيْهِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ مُجْمَلًا مُثْبَتًا لَا مُكَيَّفًا مُمَثَّلًا.
(قَالَ) فَإِذَا عَلِمْنَا ذَلِكَ وَاعْتَقَدْنَاهُ تَخَلَّصْنَا مِنْ شُبْهَةِ التَّأْوِيلِ وَعَمَاوَةِ التَّعْطِيلِ وَحَمَاقَةِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، وَأَثْبَتْنَا عُلُوَّ رَبِّنَا، وَفَوْقِيَّتَهُ وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَالْحَقُّ وَاضِحٌ فِي ذَلِكَ، وَالصَّدْرُ يَنْشَرِحُ لَهُ فَإِنَّ التَّحْرِيفَ تَأْبَاهُ الْعُقُولُ الصَّحِيحَةُ، مِثْلُ تَحْرِيفِ الِاسْتِوَاءِ بِالِاسْتِيلَاءِ وَغَيْرِهِ، وَالْوُقُوفُ فِي ذَلِكَ جَهْلٌ وَغَيٌّ مَعَ كَوْنِ الرَّبِّ وَصَفَ نَفْسَهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لِنَعْرِفَهُ بِهَا فَوُقُوفُنَا عَنْ إِثْبَاتِهَا وَنَفْيِهَا عُدُولٌ عَنِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ فِي تَعْرِيفِنَا إِيَّاهَا، فَمَا وَصَفَ لَنَا نَفْسَهُ بِهَا إِلَّا لِنُثْبِتَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لَنَا، وَلَا نَقِفُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ حَمَاقَةٌ وَجَهَالَةٌ فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإِثْبَاتِ بِلَا تَحْرِيفٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ، وَلَا وُقُوفٍ فَقَدْ وَقَعَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِهِ فِي الْعَرْشِ مَا حَاصِلُهُ: اخْتُلِفَ فِي الْعَرْشِ، هَلْ هُوَ كُرِّيٌّ كَالْأَفْلَاكِ مُحِيطًا بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَوْقَهَا وَلَيْسَ هُوَ كُرِّيًّا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَمِنَ الْمَعْلُومِ بِاتِّفَاقِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُسْتَدِيرَةٌ كُرَيَّةُ الشَّكْلِ أَنَّ الْجِهَةَ الْعُلْيَا هِيَ جِهَةُ الْمُحِيطِ، هُوَ الْمُحَدَّدُ، وَأَنَّ الْجِهَةَ السُّفْلَى هِيَ الْمَرْكَزُ وَلَيْسَ لِلْأَفْلَاكِ إِلَّا جِهَتَانِ الْعُلُوُّ وَالسُّفْلُ فَقَطْ. وَأَمَّا الْجِهَاتُ السِّتُّ
[ ١ / ٢١١ ]
فَهِيَ لِلْحَيَوَانِ، وَلَيْسَ لَهَا فِي نَفْسِهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ، بَلْ هِيَ بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ فَيَكُونُ يَمِينُ هَذَا مَا يَكُونُ يَسَارَ هَذَا، وَيَكُونُ أَمَامَ هَذَا مَا يَكُونُ خَلْفَ هَذَا، وَيَكُونُ فَوْقَ هَذَا مَا يَكُونُ تَحْتَ هَذَا.
لَكِنَّ جِهَةَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ لِلْأَفْلَاكِ لَا تَتَغَيَّرُ فَالْمُحِيطُ هُوَ الْعُلُوُّ وَالْمَرْكَزُ هُوَ السُّفْلُ مَعَ أَنَّ وَجْهَ الْأَرْضِ الَّتِي وَضَعَهَا اللَّهُ لِلْأَنَامِ وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ وَالشَّجَرُ، وَالنَّبَاتُ وَالْجِبَالُ، وَالْأَنْهَارُ الْجَارِيَةُ، فَأَمَّا النَّاحِيَةُ الْأُخْرَى مِنَ الْأَرْضِ فَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَمَا يَتْبَعُهُمْ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هُنَاكَ أَحَدٌ لَكَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ مَنْ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ تَحْتَ مَنْ فِي هَذِهِ، وَلَا مَنْ فِي هَذِهِ تَحْتَ مَنْ فِي هَذِهِ،
كَمَا أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُحِيطَةٌ بِالْمَرْكَزِ وَلَيْسَ أَحَدُ جَانِبَيِ الْفَلَكِ تَحْتَ الْآخَرِ، وَلَا الْقُطْبُ الْجَنُوبِيُّ وَلَا بِالْعَكْسِ، وَإِنْ كَانَ الشَّمَالِيُّ هُوَ الظَّاهِرَ لَنَا فَوْقَ الْأَرْضِ وَارْتِفَاعُهُ بِحَسَبِ بُعْدِ النَّاسِ عَنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ، فَمَا كَانَ بُعْدُهُ عَنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ ثَلَاثِينَ دَرَجَةً مَثَلًا كَانَ ارْتِفَاعُ الْقُطْبِ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ دَرَجَةً، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى عَرْضُ الْبَلَدِ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْعَرْشَ مُسْتَدِيرٌ مُحِيطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَانَ هُوَ أَعْلَاهَا وَسَقْفَهَا، وَهُوَ فَوْقَهَا مُطْلَقًا فَلَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَا فَوْقَهُ الْإِنْسَانُ إِلَّا مِنَ الْعُلُوِّ لَا مِنْ جِهَاتِهِ الْبَاقِيَةِ أَصْلًا، وَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْفَلَكِ التَّاسِعِ أَوِ الثَّامِنِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْعُلُوِّ كَانَ جَاهِلًا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، فَكَيْفَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْعَرْشِ أَوْ إِلَى مَا فَوْقَهُ؟ وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ أَنْ يَكُونَ كُرِّيَّ الشَّكْلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا إِحَاطَةً تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضَ فِي يَدِهِ أَصْغَرُ مِنِ الْحُمُّصَةِ فِي يَدِ أَحَدِنَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَأَمْثَالُهُ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، إِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَرْدَلَةٌ إِنْ شَاءَ قَبَضَهَا فَأَحَاطَتْ بِهَا قَبْضَتُهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبِضْهَا بَلْ جَعَلَهَا تَحْتَهُ فَهُوَ فِي الْحَالَيْنِ مُبَايِنٌ لَهَا، وَالْعَرْشُ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْفَلَكُ التَّاسِعُ الَّذِي هُوَ الْفَلَكُ الْأَطْلَسُ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ، وَيُسَمُّونَهُ الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ، وَفَلَكَ الْأَفْلَاكِ، أَوْ كَانَ جِسْمًا مُحِيطًا بِالْفَلَكِ التَّاسِعِ أَوْ كَانَ فَوْقَهُ مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْأَرْضِ غَيْرَ مُحِيطٍ بِهِ، فَيَجِبُ
[ ١ / ٢١٢ ]
عَلَى كُلِّ حَالٍّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ فِي غَايَةِ الصِّغَرِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا سَيَأْتِي ذِكْرُ بَعْضِهَا عِنْدَ ذِكْرِ يَدَيْهِ تَعَالَى.
وَسَوَاءٌ قُدِّرَ أَنَّ الْعَرْشَ مُحِيطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَإِحَاطَةِ الْكُرَةِ بِمَا فِيهَا، أَوْ قِيلَ إِنَّهُ فَوْقَهَا وَلَيْسَ مُحِيطًا بِهَا كَوَجْهِ الْأَرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَوْفِهَا وَكَالْقُبَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَحْتَهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَعَلَى التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْعَرْشُ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالْخَالِقُ ﷾ فَوْقَهُ، وَالْعَبْدُ فِي تَوَجُّهِهِ إِلَى اللَّهِ يَقْصِدُ الْعُلُوَّ دُونَ التَّحْتِ. ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعَرْشِ: قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ﷾ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْمَخْلُوقَاتُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ دَاخِلِ الْفَلَكِ، وَأَنَّهَا أَصْغَرُ عِنْدَهُ مِنِ الْحِمَّصَةِ أَوِ الْفُلْفُلَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي يَدِ أَحَدِنَا، فَإِذَا كَانَتِ الْحِمَّصَةُ أَوِ الْفُلْفُلَةُ بَلِ الدِّرْهَمُ، وَالدِّينَارُ أَوِ الْكُرَةُ الَّتِي يَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي يَدِ الْإِنْسَانِ أَوْ تَحْتَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، هَلْ يَتَصَوَّرُ عَاقِلٌ إِذَا اسْتَشْعَرَ عُلُوَّ الْإِنْسَانِ عَلَى ذَلِكَ وَإِحَاطَتِهِ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ كَالْفَلَكِ فَاللَّهُ تَعَالَى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُظَنَّ ذَلِكَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَظُنُّهُ الَّذِينَ لَمْ يَقْدِرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[علم الخلق قاصر عن الإحاطة بالله تعالى]
«فَلَا يُحِيطُ عِلْمُنَا بِذَاتِهِ كَذَاكَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ صِفَاتِهِ»
«فَكُلُّ مَا قَدْ جَاءَ فِي الدَّلِيلِ فَثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ تَمْثِيلٍ»
وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ ﷾ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالَةِ، وَكَانَ النَّاظِمُ مُسْتَشْعِرًا بِهَذَا، قَالَ: «فَلَا يُحِيطُ عِلْمُنَا» مَعْشَرَ الْخَلْقِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَلَوْ بَذَلْنَا جُهْدَنَا فِي تَحْصِيلِ مَعْرِفَتِهِ، وَأَنْفَذْنَا أَعْمَارَنَا فِي الدَّأْبِ فِي التَّدْقِيقِ، وَالْإِمْعَانِ فِي النَّظَرِ فِيمَا يُوصِلُ إِلَى إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحِيطَ عِلْمُنَا، وَلَا أَنْ تُدْرِكَ عُقُولُنَا الْعِلْمَ «بِذَاتِهِ» الْمُقَدَّسَةِ وَحَقِيقَتِهِ الْمُعَظَّمَةِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي التَّدْمُرِيَّةِ: وَمِثْلُ هَذَا - يَعْنِي عَدَمَ الْعِلْمِ بِحَقَائِقِ الصِّفَاتِ وَالذَّاتِ - يُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ يَنْفُونَ عِلْمَ الْعِبَادِ بِكَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللَّهِ إِلَّا اللَّهُ،
[ ١ / ٢١٣ ]
قَالَ: فَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا هُوَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - " «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» " وَهَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» " وَالْحَدِيثُ فِي الْمُسْنَدِ، وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّ لِلَّهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا اسْتَأْثَرَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ، فَمَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّهَا اتَّفَقَتْ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى ذَاتِ اللَّهِ مَعَ تَنَوُّعِ مَعَانِيهَا، فَهِيَ مُتَّفِقَةٌ مُتَوَاطِئَةٌ مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ، مُتَبَايِنَةٌ مِنْ جِهَةِ الصِّفَاتِ، فَهِيَ مُتَرَادِفَةٌ بِحَسَبِ الذَّاتِ مُتَبَايِنَةٌ بِحَسَبِ الصِّفَاتِ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْغَيْبِ أَعْظَمُ مِمَّا يُعْلَمُ فِي الشَّاهِدِ، وَفِي الْغَائِبِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ، فَنَحْنُ إِذَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِالْغَيْبِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، عِلْمَنَا مَعْنَى ذَلِكَ، وَفَهِمْنَا مَا أُرِيدَ مِنَّا فَهْمُهُ بِذَلِكَ الْخِطَابِ وَفَسَّرْنَا ذَلِكَ، وَأَمَّا نَفْسُ الْحَقِيقَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهَا مِثْلَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ بَعْدُ وَإِنَّمَا تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، انْتَهَى.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الِاسْمُ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: يَعْرِفُونَ أَسْمَاءَهُ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا بِالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ فِي الطَّعْمِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ وَزَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّهَا تَغَيَّرُ وَتِلْكَ لَا تَتَغَيَّرُ» ".
فَاللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَا يَعْلَمُ عِبَادَهُ الْحَقَائِقَ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يَعْلَمُونَ حَقَائِقَ مَا أَرَادَ بِخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَلَا حَقَائِقَ مَا صَدَرَتْ عَنْهُ مِنَ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ، فَحَقِيقَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ﷾ مِنْ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَمَالَهُ مِنَ الْجُنُودِ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي أَفْعَالِهِ فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وَهَذَا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ.
[ ١ / ٢١٤ ]
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّشَابُهَ يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُتَوَاطِئَةٍ، وَإِنْ زَالَ الِاشْتِبَاهُ بِمَا يُمَيِّزُ أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ إِضَافَةٍ أَوْ تَعْرِيفٍ، كَمَا إِذَا قِيلَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ، فَهُنَا قَدْ خَصَّ هَذَا الْمَاءَ بِالْجَنَّةِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَاءِ الدُّنْيَا، لَكِنَّ حَقِيقَةَ مَا امْتَازَ بِهِ ذَلِكَ الْمَاءُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَنَا، وَهُوَ مَعَ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَكَذَلِكَ مَدْلُولُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا الَّتِي هِيَ حَقِيقَتُهُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، يُنْكِرُونَ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
فَالْحَقِيقَةُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، كَمَا بَسَطَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي التَّدْمُرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَقَدِ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ وَأَتْبَاعُهُمْ آمَنُوا بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْمُبَايَنَةِ الَّتِي بَيْنَ مَا فِي الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ مُبَايَنَةَ اللَّهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَعْظَمُ.
(وَالْفَرِيقُ الثَّانِي) الَّذِينَ أَثْبَتُوا مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَنَفَوْا كَثِيرًا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ مِثْلَ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ.
(وَالْفَرِيقُ الثَّالِثُ) نَفَوْا هَذَا وَهَذَا كَالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ اتْبَاعِ الْمَشَّائِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ، الَّذِينَ يُنْكِرُونَ حَقَائِقَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهَؤُلَاءِ الْبَاطِنِيَّةُ هُمُ الْمَلَاحِدَةُ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُمْ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[إثبات الصفات والرد على النفاة]
«كَذَلِكَ» أَيْ كَمَا أَنَّ عِلْمَنَا لَا يُحِيطُ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ «لَا يَنْفَكُّ» أَيْ لَا يَخْلُصُ وَلَا يَزُولُ «عَنْ صِفَاتِهِ» الذَّاتِيَّةِ وَأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَذَاتُهُ الْمُقَدَّسَةُ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَصِفَاتُهُ كَذَاتِهِ لَيْسَتْ كَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَنِسْبَةُ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ صِفَةِ الْخَالِقِ إِلَيْهِ. وَلَيْسَ الْمَنْسُوبُ كَالْمَنْسُوبِ، وَلَا الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ كَالْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ، وَأَرَادَ النَّاظِمُ بِمَا ذَكَرَ الرَّدَّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ صِفَةً قَدِيمَةً فَهُوَ مُشَبِّهٌ مُمَثِّلٌ، فَمَنْ قَالَ: لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمٌ قَدِيمٌ، أَوْ قُدْرَةٌ قَدِيمَةٌ كَانَ عِنْدَهُمْ مُشَبِّهًا مُمَثِّلًا، لِأَنَّ الْقِدَمَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ هُوَ أَخَصُّ وَصْفِ الْإِلَهِ فَمَنْ أَثْبَتَ لَهُ
[ ١ / ٢١٥ ]
صِفَةً قَدِيمَةً فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ مَثَلًا قَدِيمًا فَيُسَمُّونَهُ مُمَثِّلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
وَمُثْبِتُو الصِّفَاتِ لَا يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى هَذَا بَلْ يَقُولُونَ أَخَصُّ وَصْفِهِ مَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُهُ مِثْلُ كَوْنِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالصِّفَةُ لَا تُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الصِّفَاتِيَّةِ مَنْ لَا يَقُولُ فِي الصِّفَاتِ إِنَّهَا قَدِيمَةٌ بَلْ يَقُولُ الرَّبُّ بِصِفَاتِهِ قَدِيمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ قَدِيمٌ، وَصِفَتُهُ قَدِيمَةٌ، وَلَا يَقُولُ هُوَ وَصِفَتُهُ قَدِيمَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ وَصِفَاتُهُ قَدِيمَانِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الصِّفَةِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِهِ، فَإِنَّ الْقِدَمَ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِالصِّفَاتِ، وَإِلَّا فَالذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ لَا وُجُودَ لَهَا عِنْدَهُمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَخْتَصَّ بِالْقِدَمِ.
وَقَدْ يَقُولُونَ: الذَّاتُ مُتَّصِفَةٌ بِالْقِدَمِ، وَالصِّفَاتُ مُتَّصِفَةٌ بِالْقِدَمِ، وَلَيْسَتِ الصِّفَاتُ إِلَهًا وَلَا رَبًّا كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ مُحْدَثٌ وَصِفَاتُهُ مُحْدَثَةٌ، وَلَيْسَتِ الصِّفَاتُ نَبِيًّا، فَهَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةُ إِذَا أَطْلَقُوا عَلَى الصِّفَاتِيَّةِ اسْمَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ كَانَ هَذَا بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمُ الْفَاسِدِ الْبَاطِلِ.
وَهَبْ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ يُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ بَعْضِ النَّاسِ تَشْبِيهًا، فَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَنْفِهِ عَقْلٌ وَلَا سَمْعٌ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ نَفْيُ مَا نَفَتْهُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ.
وَالْقُرْآنُ قَدْ نَفَى مُسَمَّى الْمِثْلِ وَالْكُفْءِ وَالنِّدِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالصِّفَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَيْسَتْ مِثْلَ الْمَوْصُوفِ وَلَا كُفْأَهُ وَلَا نِدَّهُ فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّصِّ، وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَمْ يَنْفِ مُسَمَّى التَّشْبِيهِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ زَعْمُهُمْ أَنَّ الصِّفَاتَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِجِسْمٍ فَلَوْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِسَائِرِ الْأَجْسَامِ، وَهَذَا هُوَ التَّشْبِيهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا مِثْلَ لَهُ بَلْ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ هُوَ وَالْمَخْلُوقُ فِي قِيَاسِ تَمْثِيلٍ، وَلَا فِي قِيَاسِ شُمُولٍ تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ، وَلَكِنْ يُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى الْمَثَلُ الْأَعْلَى هُوَ أَنَّ كُلَّ مَا اتَّصَفَ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ كَمَالٍ فَالْخَالِقُ بِهِ أَوْلَى، وَكُلُّ مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ الْمَخْلُوقُ، فَالْخَالِقُ أَنْزَهُ عَنْهُ وَأَعْلَى، فَالَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ نَفْيُ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ مِمَّا هُوَ سُبْحَانَهُ مُقَدَّسٌ عَنْهُ فَهَذِهِ الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ، وَالْمَحَجَّةُ الرَّجِيحَةُ، فَيُثْبِتُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، مَا يَلِيقُ بِعِزَّةِ ذِي الْجَلَالِ، وَيَنْفِي مُمَاثَلَةَ غَيْرِهِ لَهُ فِيهَا فَلَا يُشْرِكُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَهُوَ
[ ١ / ٢١٦ ]
مُتَّصِفٌ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ أَحَدٌ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ إِثْبَاتُ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَنَفْيُ مُمَاثَلَتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الصِّفَاتِ بِمَا لَعَلَّ فِيهِ كِفَايَةً لِمَنْ تَبَصَّرَ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. تَنْبِيهٌ
اخْتَلَفَ النُّظَّارُ فِي صِفَاتِ الْبَارِي ﷿، هَلْ هِيَ عَيْنُ ذَاتِهِ تَعَالَى، أَوْ غَيْرُ ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَبِهَذِهِ الشُّبْهَةِ نَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الصِّفَاتَ عَنِ الذَّاتِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّفَاتُ حَادِثَةً، فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ، وَخُلُوُّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ عَنِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْحَيَاةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْكَمَالَاتِ، وَصُدُورِهَا عَنْهُ تَعَالَى بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ أَوْ بِشَرَائِطَ حَادِثَةٍ، وَالْجَمِيعُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ، وَهُوَ كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَفَرَ النَّصَارَى بِثَلَاثَةِ قُدَمَاءَ فَكَيْفَ بِالْأَكْثَرِ.
وَالْجَوَابُ إِنَّمَا الْمَحْظُورُ فِي تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ الْمُغَايِرَةِ، وَنَحْنُ نَمْنَعُ تَغَايُرَ الذَّاتِ مَعَ الصِّفَاتِ، وَالصِّفَاتُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ؛ فَيَنْتَفِي التَّعَدُّدُ وَالتَّكَثُّرُ، وَلَئِنْ سَلِمَ مَا زَعَمُوا مِنْ تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ فَالْمُمْتَنَعُ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ إِذَا كَانَتْ ذَوَاتًا مُسْتَقِلَّةً لَا تَعَدُّدَ ذَاتٍ وَصِفَاتٍ لَهَا، فَهَذَا مُبَايِنٌ لِقَوْلِ النَّصَارَى، كَمَا لَا يَخْفَى عَنْ ذِي بَصِيرَةٍ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ: وَاسْمُ الْغَيْرِ فِيهِ اصْطِلَاحَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ. وَعُرِفَا أَيْضًا بِأَنَّهُمَا الْمَوْجُودَانِ اللَّذَانِ يُمْكِنُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ بِوُجُودٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ، فَالْغَيْرِيَّةُ كَوْنُ الْمَوْجُودِينَ يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ.
وَالْعَيْنِيَّةُ هِيَ الِاتِّحَادُ فِي الْمَفْهُومِ بِلَا تَفَاوُتٍ أَصْلًا. فَلَا يَكُونَانِ نَقِيضَيْنِ بَلْ يُتَصَوَّرُ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ مَفْهُومَ الْآخَرِ، وَلَا يُوجَدُ بِدُونِهِ، كَالْجُزْءِ مَعَ الْكُلِّ، وَالصِّفَةِ مَعَ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، وَبَعْضِ صِفَاتِهَا مَعَ بَعْضٍ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْأَوَّلِ - يَعْنِي أَنَّ حَدَّ الْغَيْرَيْنِ: مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْآخَرِ - اصْطِلَاحُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَامِيَّةِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنْ حَدَّ الْغَيْرَيْنِ: مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ اصْطِلَاحُ طَوَائِفَ مِنَ الْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
[ ١ / ٢١٧ ]
قَالَ: وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - ﵁ - وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ لَفْظَ الْغَيْرِ عِنْدَهُمْ يَحْتَمِلُ هَذَا وَهَذَا، وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ لَا يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ صِفَاتَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُهُ، وَلَا أَنَّهَا لَيْسَتْ غَيْرَهُ، فَلَا يَقُولُونَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلَا يَقُولُونَ لَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ، بَلْ يَسْتَفْسِرُونَ الْقَائِلَ عَنْ مُرَادِهِ فَقَدْ يُرِيدُ الْأَوَّلَ وَقَدْ يُرِيدُ الثَّانِيَ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ حُذَّاقِ النُّظَّارِ، فَإِنْ أَرَادَ الِاصْطِلَاحَ الثَّانِيَ فَجُزْءُ الشَّيْءِ اللَّازِمِ وَصِفَتُهُ اللَّازِمَةُ لَيْسَ بِغَيْرٍ لَهُ، فَلَا يَكُونُ ثُبُوتُهُ مُوجِبًا لِافْتِقَارِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِالْأَوَّلِ فَثُبُوتُ الْغَيْرِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ خَالِقٌ، وَالْعِلْمُ بِعِلْمِهِ، وَالْعِلْمُ بِإِرَادَتِهِ، وَهُمْ يُفَسِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَالْعِنَايَةِ، وَهَذِهِ الْمَعَانِي أَغْيَارٌ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ، وَثُبُوتُهَا لَازِمٌ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ، وَإِذَا كَانَ ثُبُوتُ هَذِهِ الْأَغْيَارِ لَازِمًا لَهُ لَمْ يَجُزِ الْقَوْلُ بِنَفْيِهَا لِأَنَّ نَفْيَهَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ وَاجِبِ الْوُجُودِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا وَإِنَّ سُمِّيَ تَرْكِيبًا فَلَيْسَ مُنَافِيًا لِوُجُوبِ الْوُجُودِ فَإِذَا قِيلَ وَاجِبُ الْوُجُودِ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ قِيلَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرٍ يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ لَهُ أَمْ إِلَى غَيْرٍ لَازِمٌ لِوُجُودِهِ؟ فَالْأَوَّلُ حَقٌّ، وَأَمَّا الثَّانِي إِذَا أُرِيدَ بِالِافْتِقَارِ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ فَمَمْنُوعٌ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - فِي كِتَابِهِ (الْجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ) مَا مُلَخَّصُهُ: مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ صِفَةٍ لِلرَّبِّ ﷿ غَيْرُ الْأُخْرَى، وَيَقُولُ الْغَيْرَانُ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ الْجَهْلِ بِالْآخَرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَتْ هِيَ غَيْرَ الْأُخْرَى وَلَا هِيَ هِيَ، لِأَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَا جَازَ وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ عَدَمِ الْآخَرِ أَوْ مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ وُجُودٍ.
قَالَ: وَالَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إِذَا قِيلَ لَهُمْ: عِلْمُ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ، هَلْ هُوَ غَيْرُ اللَّهِ أَمْ لَا؟ لَمْ يُطْلِقُوا النَّفْيَ وَلَا الْإِثْبَاتَ؛ فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: هُوَ غَيْرُهُ أَوْهَمَ أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهُ، وَإِذَا قِيلَ: لَيْسَ غَيْرَهُ أَوْهَمَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ يَسْتَفْصِلُ السَّائِلُ، فَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ غَيْرَهُ أَنَّهُ مُبَايِنٌ لَهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ فَصِفَاتُ الْمَوْصُوفِ لَا تَكُونُ مُبَايِنَةً لَهُ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَخْلُوقًا فَكَيْفَ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ؟ وَإِنْ أَرَادَ بِالْغَيْرِ أَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ هُوَ فَلَيْسَتِ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَ فَهِيَ غَيْرُهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاسْمُ
[ ١ / ٢١٨ ]
الرَّبِّ إِذَا أُطْلِقَ يَتَنَاوَلُ الذَّاتَ الْمُقَدَّسَةَ بِمَا تَسْتَحِقُّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الذَّاتِ عَرِيَّةً عَنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَاسْمُ (اللَّهِ) جَلَّ وَعَزَّ يَتَنَاوَلُ الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ زَائِدَةً عَلَى هَذَا الْمُسَمَّى بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمُسَمَّى، وَلَكِنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي ثَبَتَهَا نُفَاةُ الصِّفَاتِ
فَأُولَئِكَ لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ، قَالَ هَؤُلَاءِ: الصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى مَا أَثْبَتُّمُوهُ مِنَ الذَّاتِ، وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَيْسَ هُنَاكَ ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ تَكُونُ الصِّفَاتُ زَائِدَةً عَلَيْهَا، بَلِ الرَّبُّ تَعَالَى هُوَ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَصِفَاتُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى أَسْمَائِهِ ﷾، انْتَهَى. وَهَذَا تَحْقِيقٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ أَخَذَ فِي ذِكْرِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُثْبِتُهَا السَّلَفُ فَقَالَ «فَكُلُّ مَا» أَيْ وَصْفٍ «قَدْ جَاءَ» مَضْمُونُهُ «فِي الدَّلِيلِ» الشَّرْعِيِّ مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَوَصَفَهُ بِهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ «وَ» أَنَّهُ «ثَابِتٌ» لَهُ ﷾، وَمَوْصُوفٌ بِهِ «مِنْ غَيْرِ مَا» زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ النَّفْيِ وَتَأْكِيدِهِ «تَمْثِيلٌ» بَلْ نُثْبِتُ لَهُ مَا وَرَدَ وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُ بِتَأْوِيلٍ وَلَا رَدٍّ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ أَنَّهَا لَا تُؤَوَّلُ، وَلَا تُفَسَّرُ بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا، وَتَفْوِيضُ مَعْنَاهَا الْمُرَادُ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ رَوَى اللَّالْكَائِيُّ الْحَافِظُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ وَلَا تَشْبِيهٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةَ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَغَيْرِهِمْ: مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ عَلَى الْإِيمَانِ بِظَاهِرِ مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَغَيْرُهُمْ - ﵏، وَرَضِيَ عَنْهُمْ - يَقُولُونَ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ: مُرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - وَنَاهِيكَ بِهِ عِلْمًا وَفَهْمًا وَوَرَعًا وَزُهْدًا وَإِمَامَةً -: وَكُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ - ﷺ -، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرْهُ مِمَّا هُوَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ أَضْعَافِهِ.
[ ١ / ٢١٩ ]
[تعداد الصفات]
[صفة الرحمة]
«مِنْ رَحْمَةٍ وَنَحْوِهَا كَوَجْهِهِ وَيَدِهِ وَكُلِّ مَا مِنْ نَهْجِهِ»
«وَعَيْنُهُ وَصِفَةُ النُّزُولِ وَخَلْقُهُ فَاحْذَرْ مِنَ النُّزُولِ»
«فَسَائِرُ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ قَدِيمَةٌ لِلَّهِ ذِي الْجَلَالِ»
«لَكِنْ بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ رَغْمًا لِأَهْلِ الزَّيْغِ وَالتَّعْطِيلِ»
«فَمُرَّهَا كَمَا أَتَتْ فِي الذِّكْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَغَيْرِ فِكْرٍ»
[ ١ / ٢٢٠ ]
إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَمِمَّا يُثْبِتُهُ لَهُ تَعَالَى السَّلَفُ دُونَ غَيْرِهِمْ - صِفَةُ الرَّحْمَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ «مِنْ رَحْمَةٍ» وَهِيَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى تَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِنْعَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ: الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالسَّمْعِ مَعَ الْعَقْلِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، كَمَا قَالَ: (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥])، (﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢])، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وَقَدْ عُلِمَ بِالْعَقْلِ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ يَجُوزُ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَخْلُوقُ مَثَلًا لِلْخَالِقِ لَلَزِمَ اشْتِرَاكُهُمَا فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ، وَالْخَالِقُ يَجِبُ وُجُودُهُ وَقِدَمُهُ، وَالْمَخْلُوقُ يَسْتَحِيلُ وُجُوبُ وُجُودِهِ وَقِدَمُهُ، بَلْ يَجِبُ حُدُوثُهُ وَإِمْكَانُهُ، فَلَوْ كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ لَلَزِمَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي ذَلِكَ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
قَالَ: إِذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] .
قَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَارَةً عَمَّا يَخْلُقُهُ مِنَ النِّعْمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ رَحْمَتَهُ إِرَادَتَهُ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الرَّحْمَةَ لُغَةً رِقَّةُ الْقَلْبِ وَانْعِطَافِهِ، وَذَلِكَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ التَّابِعَةِ لِلْمِزَاجِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهَا، فَالْمُرَادُ بِهَا فِي حَقِّهِ إِرَادَةُ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ يَرْحَمُهُ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ، دُونَ الْمَبَادِئِ الَّتِي هِيَ انْفِعَالَاتٌ، وَقَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الْكَلَامُ عَلَى الرَّحْمَةِ بِمَا لَعَلَّهُ يَشْفِي وَيَكْفِي.
[صفات المحبة والرضا والغضب]
قَوْلُهُ «وَنَحْوِهَا» أَيْ نَحْوِ الرَّحْمَةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى " ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]- ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]- ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]- وَ: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]- وَ: ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]- وَ: ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] ".
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ نَفَى أَنْ تَكُونَ لَهُ صِفَةُ مَحَبَّةٍ أَوْ رِضًا أَوْ غَضَبٍ غَيْرَ الْإِرَادَةِ، قَالَ عُلَمَاءُ الْخَلَفِ الْمَحَبَّةُ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى مَا يُلَائِمُ الطَّبْعَ وَاللَّهُ
[ ١ / ٢٢١ ]
مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَمَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ إِرَادَةُ اللُّطْفِ بِهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ هِيَ مَحَبَّةُ طَاعَتِهِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَالِاعْتِنَاءُ بِتَحْصِيلِ مَرَاضِيهِ، فَمَعْنَى يُحِبُّ اللَّهَ أَيْ يُحِبُّ طَاعَتَهُ وَخِدْمَتَهُ أَوْ يُحِبُّ ثَوَابَهُ وَإِحْسَانَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ الْأُصُولِيُّ الطَّوْفَيُّ الْحَنْبَلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهِ تَعَالَى - ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ، وَإِنَّمَا مَحَبَّتُهُ مَحَبَّةُ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ. وَقَالُوا أَيْضًا: هُوَ لَا يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا مَحَبَّتُهُ إِرَادَتُهُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ: وَالَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، وَجَمِيعُ مَشَايِخِ الطَّرِيقِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ وَيُحَبُّ لِذَاتِهِ، وَأَمَّا حُبُّ ثَوَابِهِ فَدَرَجَةٌ نَازِلَةٌ.
وَهَذَا كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا): أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ وَيُحَبُّ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَمَالُ الْمَحَبَّةِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ يُحِبُّ مَا أَمَرَ بِهِ، وَيُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا قَوْلُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَقَوْلُ أَئِمَّةِ شُيُوخِ الْمَعْرِفَةِ.
(وَالْقَوْلُ الثَّانِي): أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحِبَّ لَكِنَّهُ لَا يُحِبُّ إِلَّا بِمَعْنَى أَنْ يُرِيدَ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الصُّوفِيَّةِ.
(وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ لَا يُحِبُّ وَلَا يُحَبُّ، وَإِنَّمَا مَحَبَّةُ الْعِبَادِ لَهُ إِرَادَاتُهُمْ طَاعَتَهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَتْهُمْ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْكَلَامِ كَالرَّازِيِّ.
فَيُقَالُ لِمَنْ نَفَى رَحْمَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ وَغَضَبَهُ وَرِضَاهُ وَنَحْوَهَا وَأَثْبَتَ لَهُ الْإِرَادَةَ: لِمَ نَفَيْتَ تِلْكَ وَأَثْبَتَّ لَهُ الْإِرَادَةَ؟ فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّ إِثْبَاتَ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَشْبِيهٌ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ رِقَّةٌ تَلْحَقُ الْمَخْلُوقَ، وَالْغَضَبَ غَلَيَانُ الدَّمِ لِإِرَادَةِ الِانْتِقَامِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ يَقُولُ لَكَ مُنَازِعُكَ فِي الْإِرَادَةِ أَنَّ الْإِرَادَةَ الْمَعْرُوفَةَ مَيْلُ الْإِنْسَانِ إِلَى مَا يَنْفَعُهُ، وَدَفْعُ، مَا يَضُرُّهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى عِبَادِهِ، وَهُمْ لَا يَبْلُغُونَ ضَرَّهُ وَلَا نَفْعَهُ، بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ
فَإِنْ قِيلَ الْإِرَادَةُ الَّتِي نُثْبِتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مِثْلَ إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ، كَمَا أَنَّا قَدِ اتَّفَقْنَا، وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ سَائِرِ الْأَحْيَاءِ الْعُلَمَاءِ الْقَادِرِينَ، قَالَ لَكَ أَهْلُ الْإِثْبَاتِ: وَكَذَلِكَ الْمَحَبَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَنَحْوُهُمَا الَّتِي نُثْبِتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مِثْلَ رَحْمَةِ الْمَخْلُوقِ
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَمَحَبَّتِهِ. فَإِنْ قُلْتَ: لَا أَعْقِلُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ إِلَّا هَذَا، قَالَ لَكَ النُّفَاةُ: وَنَحْنُ لَا نَعْقِلُ مِنَ الْإِرَادَةِ إِلَّا هَذَا، وَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ إِرَادَتَنَا وَمَحَبَّتَنَا وَرَحْمَتَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، وَإِرَادَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَرَحْمَتَهُ تَعَالَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلِينَ فَيُثْبِتُ لَهُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَيَنْفِي الْأُخْرَى، وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي السَّمْعِ مَا يُوجِبُ التَّفْرِيقَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي التَّدْمُرِيَّةِ: الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مِمَّنْ يُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيٌّ بِحَيَاةٍ، عَلِيمٌ بِعِلْمٍ، قَدِيرٌ بِقُدْرَةٍ، سَمِيعٌ بِسَمْعٍ، بَصِيرٌ بِبَصَرٍ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ، مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقِيقَةً، وَيُنَازِعُ فِي مَحَبَّتِهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَكَرَاهَتِهِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَجَازًا وَيُفَسِّرُهُ إِمَّا بِالْإِرَادَةِ، وَإِمَّا بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ النِّعَمِ وَالْعُقُوبَاتِ، قِيلَ لَهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا نَفَيْتَهُ وَبَيْنَ مَا أَثْبَتَّهُ، بَلِ الْقَوْلُ فِي أَحَدِهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْآخَرِ، فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ إِرَادَتَهُ مِثْلُ إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ، فَكَذَلِكَ مَحَبَّتُهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبُهُ، وَهَذَا هُوَ التَّمْثِيلُ، وَإِنْ قُلْتَ: لَهُ إِرَادَةٌ تَلِيقُ بِهِ كَمَا أَنَّ لِلْمَخْلُوقِ إِرَادَةً تَلِيقُ بِهِ، قِيلَ لَكَ: وَكَذَلِكَ لَهُ مَحَبَّةٌ تَلِيقُ بِهِ، وَلَهُ تَعَالَى رِضًا وَغَضَبٌ يَلِيقُ بِهِ، وَلِلْمَخْلُوقِ رِضًا وَغَضَبٌ يَلِيقُ بِهِ، فَإِنْ قَالَ: الْغَضَبُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ، قِيلَ لَهُ: وَالْإِرَادَةُ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَإِنْ قُلْتَ: هَذِهِ إِرَادَةُ الْمَخْلُوقِ، قِيلَ لَكَ: وَهَذَا غَضَبُ الْمَخْلُوقِ.
وَكَذَلِكَ يُلْزَمُ بِالْقَوْلِ فِي عِلْمِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا الْمُفَرِّقُ بَيْنَ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَبَعْضٍ يُقَالُ لَهُ فِيمَا نَفَاهُ كَمَا يَقُولُهُ هُوَ لِمُنَازِعِهِ فِيمَا أَثْبَتَهُ، فَإِنْ قَالَ: تِلْكَ الصِّفَاتُ أَثْبَتَّهَا بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ دَلَّ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَالتَّخْصِيصَ دَلَّ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْإِحْكَامَ دَلَّ عَلَى الْعِلْمِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْحَيَاةِ، وَالْحَيُّ لَا يَخْلُو عَنِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ أَوْ ضِدِّ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ سَائِرُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ لَكَ جَوَابَانِ:
(أَحَدُهُمَا): أَنْ يُقَالَ: عَدَمُ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْمَدْلُولِ الْمُعَيَّنِ فَهَبْ أَنَّ مَا سَلَكْتَهُ مِنَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفِيهِ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَنْفِيَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، لِأَنَّ النَّافِيَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا عَلَى الْمُثْبِتِ، وَالسَّمْعُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ مُعَارِضٌ عَقْلِيٌّ، وَلَا سَمْعِيٌّ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ الدَّلِيلُ
[ ١ / ٢٢٣ ]
السَّالِمُ عَنِ الْمَعَارِضِ الْمُقَاوِمِ
(الثَّانِي): أَنْ يُقَالَ: يُمْكِنُ إِثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِنَظِيرِ مَا أَثْبَتَ بِهِ تِلْكَ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ، فَيُقَالُ: نَفْعُ الْعِبَادِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَمَا يُوجَدُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْمَنَافِعِ لِلْمُحْتَاجِينَ، وَكَشْفِ الضُّرِّ عَنِ الْمَضْرُورِينَ، وَأَنْوَاعِ الرِّزْقِ وَالْهُدَى وَالْمَسَرَّاتِ، دَلِيلٌ عَلَى رَحْمَةِ الْخَالِقِ، كَدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ عَلَى الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَالْقُرْآنُ يُثْبِتُ دَلَائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، تَارَةً يَدُلُّهُمْ بِالْآيَاتِ الْمَخْلُوقَةِ عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ، وَيُثْبِتُ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَحَيَاتَهُ، وَتَارَةً يَدُلُّهُمْ بِالنِّعَمِ وَالْآلَاءِ عَلَى وُجُودِ بِرِّهِ وَإِحْسَانِهِ الْمُسْتَلْزِمِ رَحْمَتَهُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ أَقَلَّ مِنْهُ بِكَثِيرٍ، وَإِكْرَامُ الطَّائِعِينَ يَدُلُّ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَعِقَابُ الْكُفَّارِ يَدُلُّ عَلَى بُغْضِهِمْ كَمَا قَدْ ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ وَالْخَبَرِ مِنْ إِكْرَامِ أَوْلِيَائِهِ وَعِقَابِ أَعْدَائِهِ، وَالْغَايَاتُ الْمَوْجُودَةُ فِي مَفْعُولَاتِهِ وَمَأْمُورَاتِهِ وَهِيَ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ مَفْعُولَاتُهُ وَمَأْمُورَاتُهُ مِنَ الْعَوَاقِبِ الْحَمِيدَةِ تَدُلُّ عَلَى حِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ كَمَا يَدُلُّ التَّخْصِيصُ عَلَى الْإِرَادَةِ وَأَوْلَى لِقُوَّةِ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ مَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مِنْ بَيَانِ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ النِّعَمِ وَالْحِكَمِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ مِنْ بَيَانِ مَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - طَيَّبَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ -: وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَ تَصْدِيقِ كُلِّ مُسْلِمٍ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا أَخْبَرَنَا بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ عَلَيْنَا التَّصْدِيقُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ ثُبُوتَهُ بِعُقُولِنَا، وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَتَّى يَعْلَمَهُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ أَشْبَهَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وَمَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ مُؤْمِنًا بِالرَّسُولِ، وَلَا مُتَلَقِّيًا عَنْهُ الْأَخْبَارَ بِشَأْنِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ؛ فَإِنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَقْلِهِ لَا يُصَدَّقُ بِهِ بَلْ يَتَأَوَّلُهُ أَوْ يُفَوِّضُهُ، وَمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ إِنْ عَلِمَهُ بِعَقْلِهِ آمَنَ بِهِ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَ مَنْ سَلَكَ هَذِهِ السَّبِيلَ
[ ١ / ٢٢٤ ]
بَيْنَ وُجُودِ الرَّسُولِ وَإِخْبَارِهِ، وَبَيْنَ عَدَمِ الرَّسُولِ وَعَدَمِ إِخْبَارِهِ، وَكَانَ مَا يُذْكَرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ عَدِيمَ الْأَثَرِ عِنْدَهُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا أَئِمَّةُ هَذَا الطَّرِيقِ.
قَالَ: ثُمَّ أَهْلُ الطَّرِيقِ الثُّبُوتِيَّةِ فِيهِمْ مَنْ يُحِيلُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَفِيهِمْ مَنْ يُحِيلُ عَلَى الْكَشْفِ، وَكُلٌّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ فِيهَا مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالِاخْتِلَافِ مَا لَا يَنْضَبِطُ، وَلَيْسَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا تُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ بِدُونِ الطَّرِيقِ النَّبَوِيَّةِ، وَالطَّرِيقُ النَّبَوِيَّةُ بِهَا يُحَصَّلُ الْإِيمَانُ النَّافِعُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ إِنْ حَصَلَ قِيَاسٌ أَوْ كَشْفٌ يُوَافِقُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ - ﷺ - كَانَ حَسَنًا مَعَ أَنَّ الْقُرْآنُ قَدْ نَبَّهَ عَلَى الطَّرِيقِ الِاعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي بِهَا يُسْتَدَلُّ عَلَى مِثْلِ مَا فِي الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِي عِبَادَهُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةِ الَّتِي هِيَ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا خُصَّتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ السَّمْعَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِالسَّمْعِيَّاتِ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الصِّفَاتِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مَعَ إِثْبَاتِهِمْ بَعْضَ صِفَاتِهِ بِالْعَقْلِ وَبَعْضَهَا بِالسَّمْعِ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ حَقَائِقَ أَقْوَالِ النَّاسِ بِطَرِيقِهِمُ الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ وَالرَّحْمَةُ فَعَلِمَ الْحَقَّ، وَرَحِمَ الْخَلْقَ، وَكَانَ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَهَذِهِ خَاصَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلرَّسُولِ - ﷺ -، فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الْحَقَّ، وَيَرْحَمُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ بِاجْتِهَادِهِ حَيْثُ عَذَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَيَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً بَاطِلَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا. انْتَهَى. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[ذكر وجه الله ﵎]
ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي يُثْبِتُهَا السَّلَفُ دُونَ غَيْرِهِمْ عِدَّةً وَبَدَأَ بِصِفَةِ الْوَجْهِ لَهُ تَعَالَى فَقَالَ: «كَوَجْهِهِ» أَيْ مِنَ الصِّفَاتِ الثَّابِتَةِ لَهُ تَعَالَى صِفَةُ الْوَجْهِ إِثْبَاتَ وُجُودٍ لَا إِثْبَاتَ تَكْيِيفٍ وَتَحْدِيدٍ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَ الْخَطَابِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ إِجْرَاءُ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ نَفْيِ
[ ١ / ٢٢٥ ]
الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ عَنْهَا مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، فَإِذَا كَانَ إِثْبَاتُ الذَّاتِ وُجُودًا لَا إِثْبَاتَ تَكْيِيفٍ، فَكَذَلِكَ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ، وَقَالُوا: إِنَّا لَا نَلْتَفِتُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَأْوِيلٍ لَسْنَا مِنْهُ عَلَى ثِقَةٍ وَيَقِينٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، لَا بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ، فَلَا نَبْنِي اعْتِقَادَنَا عَلَيْهِ، وَلَا نَرْجِعُ عَنِ النَّصِّ الثَّابِتِ إِلَيْهِ
فَإِنَّ هَذَا عِنْدَ السَّلَفِ مَذْمُومٌ وَنَاهِجُ هَذَا الْمَنْهَجِ مَعِيبٌ مَلُومٌ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: صِفَاتُ الرَّبِّ تَعَالَى مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَالثُّبُوتِ، غَيْرُ مَعْقُولَةٍ مِنْ حَيْثُ التَّكْيِيفِ وَالتَّحْدِيدِ، فَالْمُؤْمِنُ مُبْصِرٌ بِهَا مِنْ وَجْهٍ أَعْمَى مِنْ وَجْهٍ، مُبْصِرٌ مِنْ حَيْثُ الْإِثْبَاتِ وَالْوُجُودِ، أَعْمَى مِنْ حَيْثُ التَّكْيِيفِ وَالتَّحْدِيدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]- ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]- ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]- ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ»، وَفِي آخَرَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ»، وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ.
قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ، فَأَمَّا كَوْنُهُ صِفَةَ اللَّهِ فَلَا، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَجُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: الْوَجْهُ عِبَارَةٌ عَنْهُ ﷿، كَمَا قَالَ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وَقَالَ ابْنُ فُورَكَ: قَدْ تُذْكَرُ صِفَةُ الشَّيْءِ وَيُرَادُ بِهَا الْمَوْصُوفُ تَوَسُّعًا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ رَأَيْتُ عِلْمَ فُلَانٍ، وَنَظَرْتُ إِلَى عِلْمِهِ، وَالْمُرَادُ نَظَرْتُ إِلَى الْعَالِمِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ الْحُذَّاقُ: الْوَجْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْوُجُودِ وَالْعِبَارَةُ عَنْهُ بِالْوُجُوهِ مِنْ مَجَازِ الْكَلَامِ، إِذَا كَانَ الْوَجْهُ أَظْهَرَ الْأَعْضَاءِ فِي الْمُشَاهَدَةِ.
وَمَذْهَبُ السَّلَفِ الْأُوَلِ، وَالرَّعِيلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ أَنَّ الْوَجْهَ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَرَدَ بِهَا السَّمْعُ فَتُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ. وَيُبْطِلُ مَذْهَبَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْخَطَابِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] فَأَضَافَ الْوَجْهَ إِلَى الذَّاتِ، وَأَضَافَ النَّعْتَ إِلَى الْوَجْهِ، فَقَالَ (ذُو الْجَلَالِ) وَلَوْ كَانَ ذَكَرَ الْوَجْهَ وَلَمْ يَكُنْ صِفَةً لِلذَّاتِ لَقَالَ ذِي الْجَلَالِ، فَلَمَّا قَالَ ذُو الْجَلَالِ عَلِمْنَا أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْوَجْهِ صِفَةٌ لِلذَّاتِ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: قَدْ ثَبَتَ فِي الْخِطَابِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْوَجْهِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ وَقَعَ مِنَ
[ ١ / ٢٢٦ ]
الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ يَزِيدُ عَلَى قَوْلِنَا ذَاتٌ، فَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَذَلِكَ مَشْهُورٌ حَقِيقَةً لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَأَمَّا فِي مَقَامَاتِ الْمَجَازِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يُقَالُ: فُلَانٌ وَجْهُ الْقَوْمِ لَا يُرَادُ بِهِ ذَاتُ الْقَوْمِ، إِذْ ذَوَاتُ الْقَوْمِ غَيْرُهُ قَطْعًا، وَيُقَالُ: هَذَا وَجْهُ الثَّوْبِ لِمَا هُوَ أَجْوَدُهُ، وَيُقَالُ: هَذَا وَجْهُ الرَّأْيِ أَيْ أَصَحُّهُ وَأَقْوَمُهُ، وَيُقَالُ: أَتَيْتُ بِالْخَبَرِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ حَقِيقَتِهِ - إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَالُ فِيهِ الْوَجْهُ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمُسْتَقِرَّ فِي اللُّغَةِ، وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْوَجْهُ فِي حَقِّ الْبَارِي عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى تَسْمِيَةِ قَوْلِنَا ذَاتٌ
فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عُضْوًا وَجَارِحَةً ذَاتَ كَمِّيَّةٍ وَكَيْفِيَّةٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَالْجَوَابُ هَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ مَا تَوَهَّمَهُ الْمُعْتَرِضُ، إِنَّمَا هُوَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَاتِ الْحَيَوَانِ الْمُحْدَثِ لَا مِنْ خِصِّيصَةِ صِفَةِ الْوَجْهِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ نِسْبَةِ الْوَجْهِ إِلَى جُمْلَةِ الذَّاتِ، فِيمَا ثَبَتَ لَهَا مِنَ الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ فِي جُمْلَةِ الذَّاتِ، فَكَانَتِ الصِّفَاتُ الْحَادِثَةُ مُسَاوِيَةً لِلَّذَّاتِ الْمُحْدَثَةِ، بِطَرِيقِ كَوْنِهَا مِنْهَا، وَمُنْتَسِبَةً إِلَيْهَا نِسْبَةَ الْجُزْءِ مِنَ الْكُلِّ، فَأَمَّا الْوَجْهُ (الْمُضَافُ - ١) لِلْبَارِي تَعَالَى يُنْسَبُ إِلَيْهِ نِسْبَةَ الذَّاتِ إِلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الذَّاتَ فِي حَقِّ الْبَارِي، لَا تُوصَفُ بِأَنَّهُمْ جِسْمٌ مُرَكَّبٌ تَدْخُلُهُ الْكَمِّيَّةُ وَتَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا الْكَيْفِيَّةُ، وَلَا نَعْلَمُ لَهَا مَاهِيَّةً، فَصِفَتُهُ تَعَالَى الَّتِي هِيَ الْوَجْهُ كَذَلِكَ لَا يُوصَلُ لَهَا إِلَى مَاهِيَّةٍ، وَلَا يُوقَفُ لَهَا عَلَى كَيْفِيَّةٍ، وَلَا تَدْخُلُهَا التَّجْزِئَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْكَمِّيَّةِ، لِأَنَّ هَذِهِ إِنَّمَا هِيَ صِفَاتُ الْجَوَاهِرِ الْمُرَكَّبَةِ أَجْسَامًا، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ
وَلَوْ جَازَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ فِي الْوَجْهِ لَقِيلَ بِمِثْلِهِ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ الْعِلْمَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ فِي الشَّاهِدِ عَرَضٌ قَائِمٌ بِقَلْبٍ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ ضَرُورَةٍ أَوِ اكْتَسَابٍ مُشَارِكٍ فِي إِثْبَاتِ مَاهِيَّةٍ أَوْ كَمِّيَّةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: لِلَّهِ تَعَالَى وَجْهٌ بِلَا كَيْفٍ كَمَا قَالَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، قَالَ: وَنُصَدِّقُ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي يُثْبِتُهَا أَهْلُ النَّقْلِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجْهًا؟ قِيلَ لَهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: وَلَهُ تَعَالَى يَدٌ وَوَجْهٌ وَنَفْسٌ.
فَمَا ذَكَرَ
[ ١ / ٢٢٧ ]
اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالنَّفْسِ فَهُوَ لَهُ صِفَاتٌ بِلَا كَيْفٍ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ حَدِيثَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» .
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَنَامُ، وَأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ النَّوْمُ، فَإِنَّ النَّوْمَ انْغِمَارٌ وَغَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْلِ يَسْقُطُ بِهِ الْإِحْسَاسُ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَسُبُحَاتُ وَجْهِهِ نُورُهُ وَبَهَاؤُهُ وَجَلَالُهُ، بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ سُبُحَاتُ الْوَجْهِ مَحَاسِنُهُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ سُبْحَانَ اللَّهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا، وَأَصْلُ الْحِجَابِ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ وَالسَّتْرُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَانِعُ مِنْ رُؤْيَتِهِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَانِعُ نُورًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ فِي الْعَادَةِ مِنَ الْإِدْرَاكِ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ.
قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ، وَالْمُرَادُ بِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ، لِأَنَّ بَصَرَهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ إِلَخْ كَلَامِهِ، وَقَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ يَعْنِي عَلَى طَرِيقَةِ الْخَلَفِ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أَيْ فَثَمَّ رِضَاهُ وَثَوَابُهُ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] أَيْ لِرِضَاهُ وَطَلَبِ ثَوَابِهِ، وَقِيلَ فَثَمَّ اللَّهُ وَالْوَجْهُ صِلَةٌ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] الْجِهَةُ الَّتِي وَجَّهَنَا اللَّهُ إِلَيْهَا أَيِ الْقِبْلَةِ، وَالْحَقُّ الْحَقِيقِيُّ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَمَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَجْهِ وَنَحْوِهِ.
[ذكر اليدين والأصابع]
وَلِهَذَا قَالَ «وَ» كَ «يَدِهِ» تَعَالَى الثَّابِتُ بِهَا النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ، وَالْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الْعِرْفَانِيُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]- ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]- ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]- ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، فَقَدْ أَعْلَمَنَا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَانَا آدَمَ - ﵇ - بِيَدَيْهِ، وَكَذَّبَ جَلَّ شَأْنُهُ الْيَهُودَ فِي قَوْلِهِمْ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، فَقَالَ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَأَعْلَمَنَا فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وَقَالَ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣]، وَقَالَ ﴿تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]- ﴿أَوْ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧٠]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ
[ ١ / ٢٢٨ ]
رُوحِهِ»: الْحَدِيثَ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا نَحْوَهُ - «فَقَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ»، الْحَدِيثَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ الرَّسُولِ - ﷺ - قَالَ: " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ " - وَفِي رِوَايَةٍ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ " - كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ: أَنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» ".
وَفِي حَدِيثِ النُّزُولِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَفِيهِ: «فَيَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: أَلَا عَبْدٌ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ» - الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَصَدَّقُ بِالتَّمْرَةِ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طِيبًّا - فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي يَدِهِ الْيَمِينِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَصِيرَ مِثْلَ أُحُدٍ. وَفِي رِوَايَةٍ فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي كَفِّهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَعُودَ فِي يَدِهِ مِثْلَ الْجَبَلِ»، وَمَعْنَى تَعُودَ هُنَا تَصِيرُ.
وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا طَيِّبٍ - فَتَقَعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، وَفِي لَفْظٍ - إِلَّا هُوَ يَضَعُهَا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ أَوْ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ - وَفِي رِوَايَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ تَمْرَةٍ، فَتَرْبُوا لَهُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ ". وَفِي لَفْظٍ " وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَصَدَّقُ بِاللُّقْمَةِ فَتَرْبُوا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْ قَالَ فِي كَفِّ اللَّهِ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ، وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ رَبُّكَ يَا آدَمُ - الْحَدِيثَ، وَفِيهِ " فَقَالَ اللَّهُ لَهُ - وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ -: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، قَالَ اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ» - الْحَدِيثَ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَمِينِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ»، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: قَالَ " «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ
[ ١ / ٢٢٩ ]
يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطَ يَدَهُ - يَعْنِي بِالنَّهَارِ - لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» "
وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الْآيَةَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَالِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ»، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ) أَيْضًا، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَالِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ»؟ . وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ أَنَا الْمَالِكُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَالِكُ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» -.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ - وَقَبَضَ بِيَدِهِ، وَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا - وَيَقُولُ أَنَا الرَّحْمَنُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا السَّلَامُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الَّذِي بَدَأْتُ الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، أَنَا الَّذِي أُعِيدُهَا، أَيْنَ الْمُلُوكُ؟ أَيْنَ الْجَبَابِرَةُ؟ - وَفِي لَفْظٍ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ - وَيَتَمَيَّلُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شَمَالِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» -.
وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا بِأَلْفَاظٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ قَالَ: «قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الْآيَةَ قَالَ: مَطْوِيَّةٌ فِي كَفِّهِ يَرْمِي بِهَا كَمَا يَرْمِي الْغُلَامُ بِالْكُرَةِ»، وَفِي لَفْظٍ: «يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ فَيَجْعَلُهَا فِي كَفِّهِ ثُمَّ يَقُولُ بِهِمَا هَكَذَا
[ ١ / ٢٣٠ ]
كَمَا يَقُولُ الصِّبْيَانُ بِالْكُرَةِ: أَنَا اللَّهُ الْوَاحِدُ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: يَقْبِضُ عَلَيْهِمَا فَمَا يُرَى طَرَفَاهُمَا بِيَدِهِ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ، وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ، وَمَا فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي كِتَابِ الْعَرْشِ: وَهَذِهِ الْآثَارُ مَعْرُوفَةٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى أُصْبُعٍ، فَيَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ. قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]») الْآيَةَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُفَسِّرَةِ لَهَا الْمُسْتَفِيضَةِ الَّتِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهَا وَتَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ ﷿ أَصْغَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعَ قَبْضَتِهِ لَهَا إِلَّا كَالشَّيْءِ الصَّغِيرِ فِي يَدِ أَحَدِنَا حَتَّى يَدْحُوَهَا كَمَا يُدْحَى بِالْكُرَةِ.
إِذَا اسْتَحْضَرْتَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَفَهِمْتَ مَعْنَى مَا تَلَوْنَاهُ، فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَعُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدَيْنِ إِثْبَاتُ صِفَتَيْنِ ذَاتِيَّتَيْنِ تُسَمَّيَانِ يَدَيْنِ تَزِيدَانِ عَلَى النِّعْمَةِ وَالْقُدْرَةِ، مُحْتَجِّينَ بِمَا مَرَّ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ لِآدَمَ ﵇ مِنَ الْمَزِيَّةِ وَالِاخْتِصَاصِ مَا لَمْ يُثْبِتْ مِثْلَهُ لِإِبْلِيسَ بِقَوْلِهِ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وَإِلَّا فَكَانَ إِبْلِيسُ يَقُولُ: وَأَنَا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ، فَلَا مَزِيَّةَ لِآدَمَ وَلَا تَشْرِيفَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى آدَمَ لِيُوجِبَ لَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا عَلَى إِبْلِيسَ، وَمُجَرَّدُ النِّسْبَةِ فِي ذَلِكَ كَافٍ فِي التَّشْرِيفِ كَنَاقَةِ اللَّهِ، وَبَيْتِ اللَّهِ، فَهَذَا كَافٍ فِي التَّشْرِيفِ، وَإِنْ كَانَتِ النُّوقُ وَالْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ. فَالْجَوَابُ: التَّشْرِيفُ بِالنِّسْبَةِ إِذَا تَجَرَّدَتْ عَنْ إِضَافَةٍ إِلَى صِفَةٍ اقْتَضَى مُجَرَّدَ التَّشْرِيفِ، فَأَمَّا النِّسْبَةُ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِذِكْرِ صِفَةٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ إِثْبَاتَ الصِّفَةِ الَّتِي لَوْلَاهَا مَا تَمَّتِ النِّسْبَةُ، فَإِنَّ قَوْلَنَا: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ، لَمَّا نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى تَعَلُّقِهِ بِصِفَةِ اللَّهِ اقْتَضَى
[ ١ / ٢٣١ ]
ذَلِكَ إِثْبَاتَ الصِّفَةِ، وَكَذَا: أَحَاطَ بِالْخَلْقِ بِعِلْمِهِ يَقْتَضِي إِحَاطَتَهُ بِصِفَةٍ هِيَ الْعِلْمُ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَمَّا كَانَ ذِكْرُ التَّخْصِيصِ مُضَافًا إِلَى صِفَةٍ وَجَبَ إِثْبَاتُ تِلْكَ الصِّفَةِ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ لَا بِمَعْنَى الْعُضْوِ وَالْجَارِحَةِ، وَالْجِسْمِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَغَوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (بِيَدِيَّ) فِي تَحْقِيقِ اللَّهِ تَعَالَى التَّثْنِيَةَ فِي الْيَدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ وَالنِّعْمَةِ، وَإِنَّهُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ «الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ»: بَابُ مَا جَاءَ فِي إِثْبَاتِ الْيَدَيْنِ صِفَتَيْنِ لَا مِنْ حَيْثُ الْجَارِحَةِ - فَذَكَرَ الْآيَاتِ ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ: قَدْ تَكُونُ الْيَدُ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ كَقَوْلِهِ ﴿دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أَيْ ذَا الْقُوَّةِ، وَبِمَعْنَى الْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالنِّعْمَةِ وَتَكُونُ صِلَةً أَيْ زَائِدَةً. ثُمَّ أَبْطَلَ الْبَيْهَقِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَثْبَتَ أَنَّ الْيَدَيْنِ صِفَتَانِ تَعَلَّقَتَا بِخَلْقِ آدَمَ تَشْرِيفًا لَهُ دُونَ خَلْقِ إِبْلِيسَ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ، لَا مِنْ طَرِيقِ الْمُبَاشِرِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمُمَاسَّةِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ التَّخْصِيصِ وَجْهٌ غَيْرُ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: الْيَدُ صِفَةٌ وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ وَالَّذِي يَلُوحُ مِنْ مَعْنَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ مَعْنَى الْقُدْرَةِ، إِلَّا أَنَّهَا أَخَصُّ مِنْهَا، وَالْقُدْرَةُ أَعَمُّ كَالْمَحَبَّةِ مَعَ الْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، فَإِنَّ فِي الْيَدِ تَشْرِيفًا لَازِمًا.
وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدَيْنِ مَعْنَى النِّعْمَتَيْنِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْأَشْعَرِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدَيْنِ الْقُدْرَةُ لِأَنَّ الْيَدَ يُعَبَّرُ بِهَا فِي اللُّغَةِ عَنِ الْقُدْرَةِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَقُمْتُ وَمَالِي فِي الْأُمُورِ يَدَانِ
وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] إِنَّمَا ثَنَّى الْيَدَ مُبَالَغَةً فِي الرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ، وَنَفْيِ الْبُخْلِ عَنْهُ، وَإِثْبَاتًا لِغَايَةِ الْجُودِ، قَالُوا: فَإِنَّ غَايَةَ مَا يَبْذُلُ السَّخِيُّ مِنْ مَالِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى مَنْحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: أَوِ الْمُرَادُ بِالتَّثْنِيَةِ بِاعْتِبَارِ نِعْمَةِ الدُّنْيَا وَنِعْمَةِ الْآخِرَةِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ قُوَّةِ الثَّوَابِ وَقُوَّةِ الْعِقَابِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنَ الْإِعْرَاضِ وَالِانْصِرَافِ وَالْعُدُولِ عَنِ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ، بَلِ الصَّوَابُ إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَوَصَفَهُ بِهِ نَبِيُّهُ حَسْبَمَا وَرَدَ، مِنْ غَيْرِ إِلْحَادٍ وَلَا رَدٍّ، فَهُوَ إِثْبَاتُ وُجُودٍ بِلَا تَكْيِيفٍ كَمَا مَرَّ.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ لَمْ يُفَسِّرُوا مَا وَرَدَ مِنَ الْآيِ وَالْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ بِأَجْمَعِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْعِيضُ، قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْيَمِينَ يُرَادُ بِهِ الْيَدُ، وَالْيَدُ لِلَّهِ صِفَةٌ بِلَا جَارِحَةٍ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فَالْمُرَادُ بِذِكْرِهَا تَعَلُّقُهَا بِالْمَكَانِ الْمَذْكُورِ مَعَهَا مِنَ الطَّيِّ وَالْأَخْذِ وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَالْقَبُولِ وَالْإِنْفَاقِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ بِمُقْتَضَاهَا مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِحَالٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَيْسَ مَعْنَى الْيَدِ عِنْدِي الْجَارِحَةُ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ جَاءَ بِهَا التَّوْقِيفُ فَنَحْنُ نُطْلِقُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ، وَلَا نُكَيِّفُهَا، وَنَنْتَهِي إِلَى حَيْثُ انْتَهَى بِهَا الْكِتَابُ وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، انْتَهَى.
وَقَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ مَا فِي تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الْآيَةِ هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى عَظَمَتِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَفْعَالِ الْعِظَامِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيهَا الْأَفْهَامُ، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ تَخْرِيبَ الْعَالَمِ أَهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيْهِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْيِيلِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْقَبْضَةِ وَالْيَمِينِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لِبَيَانِ تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَإِنَّ الْمَلَكُوتَاتِ كُلَّهَا مُنْقَادَةٌ لِإِرَادَتِهِ وَمُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَبْضَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ وَالْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: مَا فُلَانٌ إِلَّا فِي قَبْضَتِي أَيْ قُدْرَتِي، وَيَقُولُونَ: الْأَشْيَاءُ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ أَيْ فِي مُلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ، قَالُوا: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَخْرُجُ الْآيَةُ وَالْأَحَادِيثُ، كَحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ " «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حَكَمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» " وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ -.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، إِمَّا نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نَتَكَلَّمُ بِتَأْوِيلٍ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَأَنَّ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ، أَوْ تُؤَوَّلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِمْ عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْحَالَةِ الْحَسَنَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، وَقَوْلُهُ " «وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» " فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْيَمِينِ الْجَارِحَةَ وَأَنَّ يَدَيْهِ تَعَالَى بِصِفَةِ الْكَمَالِ لَا نَقْصَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ الشِّمَالَ تَنْقُصُ عَلَى الْيَمِينِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَقَدْ تَكُونُ الْيَمِينُ
[ ١ / ٢٣٣ ]
بِمَعْنَى التَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ، يُقَالُ فُلَانٌ عِنْدَنَا بِالْيَمِينِ، أَيْ بِالْمَحَلِّ الْجَلِيلِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَقُولُ لِنَاقَتِي إِذَا بَلَغَتْنِي لَقَدْ أَصْبَحْتِ عِنْدِي بِالْيَمِينِ
أَيْ بِالْمَحَلِّ الرَّفِيعِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
أَلَمْ أَكُ فِي يُمْنَى يَدَيْكَ جَعَلْتَنِي فَلَا تَجْعَلْنِي بَعْدَهَا فِي شِمَالِكَا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي كِتَابِهِ - الْقَوْلُ الْبَدِيعُ فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ -: أَرَادَ أَنْ يَقُولَ أَلَمْ أَكُنْ قَرِيبًا مِنْكَ فَلَا تَجْعَلْنِي بَعِيدًا عَنْكَ، فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى لَفْظِ التَّمْثِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى، لِمَا تُعْطِيهِ لَفْظَتَا الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ مِنَ الْأَوْصَافِ لِأَنَّ الْيَمِينَ أَشَدُّ قُوَّةً، فَهِيَ مُعَدَّةٌ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَكُلِّ مَا شَرُفَ، وَالشِّمَالُ بِالْعَكْسِ وَالْيَمِينُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ وَالشِّمَالُ مِنَ الشُّؤْمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَلَمْ أَكُنْ مُكْرَمًا عِنْدَكَ فَلَا تَجْعَلْنِي مُهَانًا، وَقَدْ كُنْتُ مِنْكَ بِالْمَكَانِ الشَّرِيفِ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْوَضِيعِ.
وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ ذِكْرُ الشِّمَالِ لِلَّهِ تَعَالَى، قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الشِّمَالِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ طَرِيقَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَفِي الْآخَرِ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، وَهُمَا مَتْرُوكَانِ، قَالَ وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ سَمَّى «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينًا» (؟)، وَكَأَنَّهُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَرْسَلَهُ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ، أَوْ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ مَنْ ذِكْرِ الشِّمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْيَمِينِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ فِيمَا يُضَافُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ صِفَةِ الْيَدَيْنِ شِمَالٌ، لِأَنَّ الشِّمَالَ مَحَلُّ النَّقْصِ وَالضَّعْفِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِهِ " السُّنَّةِ ": مَذْهَبُنَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْآثَارِ، وَمُتَّبِعِي السُّنَنِ، وَلَا نَلْتَفِتُ إِلَى جَهْلِ مَنْ يُسَمِّيهِمْ مُشَبِّهَةً، إِذِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ جَاهِلُونَ بِالتَّشْبِيهِ، فَنَحْنُ نَقُولُ: لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا يَدَانِ كَمَا أَعْلَمَنَا الْخَالِقُ الْبَارِي فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى - ﷺ -، وَنَقُولُ كِلْتَا يَدَيْ رَبِّنَا ﷿ يَمِينٌ عَلَى مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَنَقُولُ إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقْبِضُ الْأَرْضَ جَمِيعًا بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينَانِ لَا شِمَالَ فِيهِمَا.
ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ يَكُونُ مُشَبِّهًا مَنْ يُثْبِتُ لِلَّهِ تَعَالَى أَصَابِعَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -
[ ١ / ٢٣٤ ]
لِلْخَالِقِ الْبَارِي؟ وَنَقُولُ إِنَّ اللَّهَ جَلَا وَعَلَا، يَضَعُ السَّمَاءَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ - إِلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ مُشَبِّهًا مَنْ يُثْبِتُ لِرَبِّهِ ﷿ يَدَيْنِ عَلَى مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَأَثْبَتَهُ لَهُ نَبِيُّهُ - ﷺ - فَكَيْفَ يَكُونُ مُشَبِّهًا يَدَيْ رَبِّهِ بِيَدَيْ بَنِي آدَمَ؟ نَقُولُ لِلَّهِ يَدَانِ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ بِهِمَا، خَلَقَ آدَمَ - ﵇ - وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَيَدَاهُ قَدِيمَتَانِ لَمْ تَزَالَا بَاقِيَتَيْنِ، وَأَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ مَخْلُوقَةٌ، مُحْدَثَةٌ غَيْرُ قَدِيمَةٍ، فَانِيَةٌ غَيْرُ بَاقِيَةٍ، بَالِيَةٌ تَصِيرُ مَيْتَةً ثُمَّ رَمِيمًا ثُمَّ يُنْشِئُهُ اللَّهُ خَلْقًا آخَرَ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
ثُمَّ قَالَ: أَيُّ تَشْبِيهٍ يَلْزَمُ أَصْحَابَنَا أَيُّهَا الْعُقَلَاءُ إِذَا أَثْبَتُوا لِلْخَالِقِ مَا يُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا يُثْبِتُهُ لَهُ نَبِيُّهُ الْمُصْطَفَى - ﷺ -؟ ! ثُمَّ قَالَ: وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلَةِ يُوجِبُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، وَيُؤْمِنُ بِهِ إِقْرَارًا بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ، فَهُوَ مُشَبِّهٌ لِأَنَّ مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ تَزْعُمُ هَذِهِ الْفِرْقَةُ أَنَّ مِنْ وَصْفِهِ بِهِ فَهُوَ مُشَبِّهٌ، ثُمَّ سَبَّهُمْ وَلَعَنَهُمْ وَوَصَفَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّعْطِيلِ، وَأَطَالَ مِنَ التَّبْكِيتِ وَالتَّنْكِيتِ عَلَى مَنْ أَوَّلَ النُّصُوصَ، وَصَرَفَهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ " «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ» " «ثُمَّ قَالَ ﵊ " اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ» ".
رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ - مِنْهُمُ النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ، قَالَ - ﵁ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا هُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ تَعَالَى، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ» "
وَكَانَ يَقُولُ: " «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» "، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ. وَمِنْهُمْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ " اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ "، قَالَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ الْقُلُوبَ لَتَتَقَلَّبُ؟ ! قَالَ " نَعَمْ، وَمَا مِنْ خَلْقٍ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ» " فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذَا هَدَانَا، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً
[ ١ / ٢٣٥ ]
إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ، وَمِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ صَرَفَهُ، وَإِذَا شَاءَ بَصَّرَهُ، وَإِذَا شَاءَ نَكَّسَهُ، وَلَمْ يُعْطِ اللَّهُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُسْلِكَ فِي قَلْبِهِ الْيَقِينَ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَفَاتِحُ الْقُلُوبِ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، فَتَحَ لَهُ قُفْلَ قَلْبِهِ، وَالْيَقِينَ وَالصِّدْقَ وَجَعَلَ قَلْبَهُ وِعَاءً وَاعِيًا لِمَا سَلَكَ فِيهِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، وَلِسَانَهُ صَادِقًا، وَخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وَجَعَلَ أُذُنَهُ سَمِيعَةً وَعَيْنَهُ بَصِيرَةً، وَلَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ شَيْئًا - يَعْنِي هُوَ شَرٌّ - مِنْ أَنْ يُسْلِكَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الرِّيبَةَ، وَجَعَلَ نَفْسَهُ شَرَّةً شَرِهَةً مُتَعَطِّلَةً لَا يَنْفَعُهُ الْمَالُ وَإِنْ أُكْثِرَ لَهُ، وَغَلَقَ اللَّهُ الْقُفْلَ عَلَى قَلْبِهِ، فَجَعَلَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ إِلَى السَّمَاءِ» " كَمَا رُوِيَ، ذَكَرُهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِهِ السُّنَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: ذِكْرُ الْأَصَابِعِ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهَا، فَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَشَابِهَاتِ: وَفِيهَا الْقَوْلَانِ: الْإِيمَانُ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَأْوِيلٍ وَلَا لِمَعْرِفَةٍ بَلْ نُؤْمِنُ بِهَا، وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ثَانِيهُمَا: يَتَأَوَّلُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ، قَالَ فَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ الْمَجَازُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فِي قَبْضَتِي، وَفِي كَفِّي. لَا يُرَادُ أَنَّهُ حَالٌّ فِي كَفِّهِ بَلِ الْمُرَادُ تَحْتَ قُدْرَتِي.
وَيُقَالُ: فُلَانٌ فِي خِنْصَرِي، وَبَيْنَ أُصْبُعِي أُقَلِّبُهُ كَيْفَ شِئْتُ يَعْنِي أَنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيَّ قَهْرَهُ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَ شِئْتُ فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﷾ يَتَصَرَّفُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَغَيْرِهَا كَيْفَ شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَا يَفُوتُهُ مَا أَرَادَهُ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَا كَانَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ.
(قَالَ): خَاطَبَ الْعَرَبَ بِمَا يَفْهَمُونَهُ، وَمِثْلَهُ بِالْمَعَانِي الْحِسِّيَّةِ تَأْكِيدًا لَهُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَأَجَابُوا عَنْ تَثْنِيَةِ الْأَصَابِعِ مَعَ كَوْنِ الْقُدْرَةِ وَاحِدَةً بِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّمْثِيلِ بِحَسَبِ مَا اعْتَادُوهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ.
وَفِي - نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ - إِطْلَاقُ الْأَصَابِعِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَجَازٌ كَإِطْلَاقِ الْيَدِ وَالْيَمِينِ وَالْعَيْنِ، وَهُوَ جَارٍ مَجْرَى التَّمْثِيلِ وَالْكِنَايَةِ عَنْ سُرْعَةِ تَقَلُّبِ الْقَلْبِ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْقُودٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الْأَصَابِعِ كِنَايَةٌ عَنْ إِجْرَاءِ الْقُدْرَةِ وَالْبَطْشِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالْيَدِ وَالْأَصَابِعِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ:
[ ١ / ٢٣٦ ]
وَغَيْرُهُ: الْأُصْبُعُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ، وَسُهُولَةِ تَقَلُّبِهِ، كَمَا يَقُولُ مَنِ اسْتَسْهَلَ شَيْئًا وَاسْتَخَفَّهُ مُخَاطِبًا لِمَنِ اسْتَثْقَلَهُ أَنَا أَحْمِلُهُ عَلَى أُصْبُعِي، وَأَرْفَعُهُ بِأُصْبُعِي، وَأَمْسِكُهُ بِخِنْصَرِي، فَهَذَا مِمَّا يُرَادُ بِهِ الِاسْتِظْهَارُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَى الشَّيْءِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَعْظَمَ الْمَوْجُودَاتِ، وَكَانَ إِمْسَاكُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ كَالشَّيْءِ الْحَقِيرِ الَّذِي نَجْعَلُهُ بَيْنَ أَصَابِعِنَا، وَنَهُزُّهُ بِأَيْدِينَا، وَنَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْنَا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهِ الْقَاهِرَةِ، وَعَظَمَتِهِ الْبَاهِرَةِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَنَزَّهَ السَّلَفُ عَنْ تَأْوِيلِهِ كَأَحَادِيثِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْيَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَجْرِي بِلَفْظِهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَبَّهَ بِمُشَبَّهَاتِ الْحُسْنِ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنَى الْمَجَازِ فِي الِاتِّسَاعِ، بَلْ يُعْتَقَدُ أَنَّهَا صِفَاتٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا كَيْفِيَّةَ لَهَا، قَالَ: وَإِنَّمَا تَنَزَّهُوا عَنْ تَأْوِيلِ هَذَا الْقِسْمِ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ مَعَهُ، وَلَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَضِيهِ الْعَقْلُ إِلَّا وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي رِسَالَتِهِ التَّدْمُرِيَّةِ: إِذَا قَالَ قَائِلٌ ظَاهِرُ النُّصُوصِ مُرَادٌ أَوْ لَيْسَ بِمُرَادٍ؟ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: لَفْظُ الظَّاهِرِ فِيهِ إِجْمَالٌ وَاشْتِرَاكٌ، فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ظَاهِرَهَا التَّمْثِيلُ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ أَوْ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَلَكِنَّ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَ هَذَا ظَاهِرًا وَلَا يَرْتَضُونَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ كُفْرًا وَبَاطِلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ الَّذِي وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ إِلَّا مَا هُوَ كُفْرٌ وَإِضْلَالٌ - إِلَى أَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» " فَقَالُوا قَدْ عَلِمَ أَنْ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا أَصَابِعُ الْحَقِّ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَوْ أَعْطَيْتُمُ النُّصُوصَ حَقَّهَا مِنَ الدَّلَالَةِ لَعَلِمْتُمْ أَنَّهَا لَمْ تَدُلَّ إِلَّا عَلَى حَقٍّ
أَمَّا الْوَاحِدُ فَقَوْلُهُ - ﷺ - " «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبَّلَهُ فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ تَعَالَى وَقَبَّلَ يَمِينَهُ» " صَرِيحٌ أَنَّ الْحَجَرَ لَيْسَ هُوَ صِفَةَ اللَّهِ، وَلَا هُوَ نَفْسَ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: فَكَأَنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ، وَقَبَّلَ يَمِينَهُ، فَالْمُشَبَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمُشَبَّهَ بِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ قَوْلَهُ - ﷺ - " «قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» " فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ أَنَّ الْقَلْبَ مُتَّصِلٌ بِالْأُصْبُعِ وَلَا مَمَاسٌّ لَهَا وَلَا أَنَّهَا فِي
[ ١ / ٢٣٧ ]
جَوْفِهِ وَلَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ هَذَا بَيْنَ يَدَيَّ مَا يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ لِيَدَيْهِ
وَإِذَا قِيلَ السَّحَابُ الْمُسَخَّرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَمْ يَقْتَضِ أَنَّ يَكُونَ مُمَاسًّا لِلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ فِي هَذَا وَنَظَائِرُهُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَشَابِهَةِ الْوَارِدَةِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ ﷿ مَا بَلَغَنَا، وَمَا لَمْ يَبْلُغْنَا مِمَّا صَحَّ عَنْهُ - ﷺ - اعْتِقَادُنَا فِيهِ، وَفِي الْآيِ الْمُتَشَابِهَةِ فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَقْبَلَهَا وَلَا نَرُدَّهَا، وَلَا نَتَأَوَّلَهَا بِتَأْوِيلِ الْمُخَالِفِينَ، وَلَا نَحْمِلُهَا عَلَى تَشْبِيهِ الْمُشَبِّهِينَ، وَلَا نَزِيدُ عَلَيْهَا، وَلَا نَنْقُصُ مِنْهَا (وَلَا نُفَسِّرُهَا) وَلَا نُكَيِّفُهَا، فَنُطْلِقُ مَا أَطْلَقَهُ اللَّهُ، وَنُفَسِّرُ مَا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، وَالتَّابِعُونَ، وَالْأَئِمَّةُ الْمَرْضِيُّونَ مِنَ السَّلَفِ الْمَعْرُوفِينَ بِالدِّينِ وَالْأَمَانَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَهَذَا مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ، وَالْعُدُولُ عَنْهُ وَصْمَةٌ، وَالِالْتِفَاتُ إِلَى سِوَاهُ نِقْمَةٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[إثبات الصورة والعين]
وَقَوْلُهُ «وَكُلُّ مَا» أَيْ كُلُّ شَيْءٍ وَارِدٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى «مِنْ نَهْجِهِ» أَيْ نَهْجِ الْيَدِ وَالْوَجْهِ وَنَحْوِهِمَا، وَالنَّهْجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ أَيْ كُلُّ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَصْنَافِ مِنَ الرِّجْلِ وَالْقَدَمِ وَالصُّورَةِ «وَ» مِنْ «عَيْنِهِ» ﷿، فَنَهْجُهُ الْوَاضِحُ وَسَبِيلُهُ الْمُبِينُ
[ ١ / ٢٣٨ ]
الْإِقْرَارُ بِمَا وَرَدَ، وَالْإِيمَانُ بِمَا صَحَّ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، وَلَا إِلْحَادٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، بَلْ نُقِرُّ وَنُذْعِنُ، وَنُسَلِّمُ وَنُؤْمِنُ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَنُثْبِتُهُ إِثْبَاتَ وُجُودٍ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ، فَمِنْ ذَلِكَ الْعَيْنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وَقَوْلِهِ ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وَقَوْلِهِ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ إِثْبَاتُ ذَلِكَ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا لَمَّا ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ - ﷺ -: " «إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» " فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْنَ ظَهَرَانَيِ النَّاسِ فَقَالَ " «إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، إِلَّا أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيَّنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» " هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وَلَفْظُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ " إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» "، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] .
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي مِنْ صَحِيحِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «كَنَّا نَتَحَدَّثُ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ، وَقَالَ " مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، أَنْذَرَهُ نُوحٌ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ
[ ١ / ٢٣٩ ]
فَمَا خَفَّى عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» ". وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَغَيْرُهُمَا: فِي هَذَا نَفْيُ نَقْصِ الْعَوَرِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِثْبَاتُ الْعَيْنِ لَهُ صِفَةً وَعَرَفْنَا بِقَوْلِهِ " ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِحَدَقَةٍ
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: قَدْ وَرَدَ السَّمْعُ بِإِثْبَاتِ صِفَةٍ لَهُ تَعَالَى، وَهِيَ الْعَيْنُ فَتَجْرِي مَجْرَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إِثْبَاتَ عَيْنٍ، هِيَ حَدَقَةٌ مَاهِيَّتُهَا شَحْمَةٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ مِنْ جِسْمٍ مُحْدَثٍ، وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْعَيْنُ الَّتِي وُصِفَ بِهَا الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا فَهِيَ مُنَاسِبَةٌ لِذَاتِهِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ جِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، فَلَا يُعْرَفُ لَهَا مَاهِيَّةٌ وَلَا كَيْفِيَّةٌ، قَالُوا: وَقَدِ امْتَنَعَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ، مِنْ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ تَعَالَى عَيْنٌ، فَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَنَفَوُا الْعَيْنَ وَالْبَصَرَ، فَهُمْ عَلَى جَادَّتِهِمْ، وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَنَفَوْا صِفَةَ الْعَيْنِ، وَأَثْبَتُوا صِفَةَ الْبَصَرِ، فَيَضْعُفُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُبْصِرُ بِبَصَرٍ، وَإِنَّمَا امْتَنَعُوا مِنْ تَسْمِيَةِ عَيْنٍ لِمَا اسْتَوْحَشُوا مِنَ الْعَيْنِ فِي الشَّاهِدِ، فَقَالُوا بِالتَّأْوِيلَاتِ، وَمِنَ الْمَفَاسِدِ قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ.
وَقَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] أَيْ بِمَرْأًى مِنَّا وَنَحْنُ نَرَاهَا، قَالُوا: أَوِ الْمُرَادُ بِأَعْيُنِنَا يَحْفَظُنَا وَكَلَاءَتَنَا، قَالُوا: أَوِ الْمُرَادُ بِهِ أَعْيُنُ الْمَاءِ أَيْ تَجْرِي بِأَعْيُنٍ خَلَقْنَاهَا وَفَجَّرْنَاهَا فَهِيَ إِضَافَةُ مِلْكٍ وَخَلْقٍ لَا إِضَافَةُ صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ، أَوِ الْمُرَادُ تَجْرِي بِأَوْلِيَائِنَا وَخِيَارِ خَلْقِنَا، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] أَيْ تُرَبَّى وَتُغَذَّى عَلَى مَرْأًى مِنَى، وَكَذَا " ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] " أَيْ بِمَرْأًى مِنَّا وَفِي حِفْظِنَا
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَيْنُ مُؤَوَّلَةٌ بِالْبَصَرِ أَوِ الْإِدْرَاكِ، بَلْ قِيلَ إِنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي ذَلِكَ، خِلَافًا لِتَوَهُّمِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهَا مَجَازٌ، قَالَ وَإِنَّمَا الْمَجَازُ فِي تَسْمِيَةِ الْعُضْوِ بِهَا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْكُورَانِيُّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ شَيْخِهِ الشَّيْخِ (أَحْمَدَ بْنِ) مُحَمَّدِ الْمَقْدِسِيِّ الْقُشَاشِيِّ مَا لَفْظُهُ: ثُمَّ وَقَفْتُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ فِي - الْإِبَانَةِ - الَّذِي هُوَ آخِرُ مُصَنَّفَاتِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمُعْتَقَدِ عَلَى مَا يَشُدُّ أَرْكَانَ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: وَأَنَّ لَهُ تَعَالَى عَيْنَيْنِ بِلَا كَيْفٍ، وَأَنَّ لِلَّهِ عِلْمًا، وَنُثْبِتُ لِلَّهِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَلَا نَنْفِي ذَلِكَ كَمَا نَفَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ، قَالَ الْكُورَانِيُّ فَصَرَّحَ بِإِثْبَاتِ الْعَيْنَيْنِ بِلَا كَيْفٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، انْتَهَى
وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ
[ ١ / ٢٤٠ ]
- ﵁ - أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ مَعَانِيهَا، وَنُخَالِفُ مَا خَطَرَ فِي الْخَاطِرِ عِنْدَ سَمَاعِهَا، وَنَنْفِي التَّشْبِيهَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِهَا مَعَ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَكُلُّ مَا يُعْقَلُ وَيُتَصَوَّرُ فَهُوَ تَكْيِيفٌ وَتَشْبِيهٌ وَهُوَ مُحَالٌ - كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ، انْتَهَى. وَهَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ الْأَثَرِيَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَائِدَةٌ
ذَكَرَ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ الْجَوَابِ الصَّحِيحِ مَا نَصُّهُ: لَمَّا كَانَ حُلُولُ الْلَاهُوتِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادُهُ بِهِ مَذْهَبًا ضَلَّ بِهِ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ: النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ يَأْتِي بِخَوَارِقَ عَظِيمَةٍ، وَالنَّصَارَى احْتَجُّوا عَلَى إِلَاهِيَّةِ الْمَسِيحِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ عَلَامَاتِ كَذِبِهِ أُمُورًا ظَاهِرَةً لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى بَيَانِ مَوَارِدِ النِّزَاعِ الَّتِي ضَلَّ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ تُدْهِشُهُمُ الْخَوَارِقُ حَتَّى يُصَدِّقُوا صَاحِبَهَا قَبْلَ النَّظَرِ فِي إِمْكَانِ دَعْوَاهُ، وَإِذَا صَدَّقُوهُ صَدَّقُوا النَّصَارَى فِي دَعْوَى إِلَاهِيَّةِ الْمَسِيحِ، وَصَدَّقُوا أَيْضًا مَنِ ادَّعَى الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ فِي بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ وَالْفُجُورِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا أَوْرَدَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ كَالرَّازِي عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالُوا: دَلَائِلُ كَوْنِ الدَّجَّالِ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ ظَاهِرَةٌ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ؟ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا السُّؤَالُ يَدُلُّ عَلَى جَهْلِ قَائِلِهِ بِمَا يَقَعُ فِيهِ بَنُو آدَمَ مِنْ إِضْلَالِ الْأَدِلَّةِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ فَسَادَ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي عَهْدِ مُوسَى - ﵇ - ظَنُّوا أَنَّ الْعِجْلَ هُوَ إِلَهُ مُوسَى، فَقَالُوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى، وَظَنُّوا أَنَّ مُوسَى نَسِيَهُ، وَالنَّصَارَى مَعَ كَثْرَتِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ، وَفِي الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْقِبْلَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَشَايِخِ أَوْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَكَابِرِ شُيُوخِ الْمَعْرِفَةِ أَوِ التَّصَوُّفِ يَجْعَلُونَ هَذَا نِهَايَةَ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَحِّدُ هُوَ الْمُوَحَّدُ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مَعَ
[ ١ / ٢٤١ ]
إِظْهَارِ الدَّجَّالِ هَذِهِ الْخَوَارِقَ الْعَظِيمَةَ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ اللَّهُ؟ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ، وَقَدِ اعْتُقِدَ ذَلِكَ فِي مَنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مِثْلُ خَوَارِقِهِ مِنَ الْكَذَّابِينَ، وَفِي مَنْ لَمْ يَقُلْ أَنَا اللَّهُ كَالْمَسِيحِ، وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ذكر نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا]
«وَ» مِنْ «صِفَةِ النُّزُولِ» أَيْ مَا يُثْبِتُهُ السَّلَفُ وَلَا يَتَأَوَّلُونَهُ صِفَةَ نُزُولِ الْبَارِي، جَلَّ وَعَلَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ بَنِي كَلْبٍ» ".
وَلِحَدِيثِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ، نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ فَنَادَى هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ، هَلْ مِنْ دَاعٍ - حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ» ".
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَفْظُهُ - «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﷿ إِلَى السَّمَاءِ» - وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَدِيثِ رَفَاعَةَ بْنِ غُرَابَةَ الْجُهَنِيِّ، وَمِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَمِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهَ، عَنْ جَدِّهِ، وَغَيْرِهِمْ - ﵃ أَجْمَعِينَ -.
وَذَكَرَ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ - لَهُ بِأَسَانِيدِهِ مِنْ أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ (فَتْحِ الْبَارِي فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) قَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ وَهُمُ الْخَوَارِجُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤْمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مُنَزِّهًا لِلَّهِ تَعَالَى عَنِ الْكَيْفِيَّةِ وَالتَّشْبِيهِ وَهُمْ جُمْهُورُ السَّلَفِ.
وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَغَيْرِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْرَطَ فِي التَّأْوِيلِ حَتَّى كَادَ يَخْرُجُ إِلَى نَوْعِ التَّحْرِيفِ، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَسْلَمُهَا الْإِيمَانُ بِلَا كَيْفٍ، وَالسُّكُوتُ عَنِ الْمُرَادِ إِلَّا أَنْ يَرِدَ ذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ، فَيُصَارُ إِلَيْهِ، قَالَ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ الْمُعَيَّنَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيضُ
[ ١ / ٢٤٢ ]
أَسْلَمُ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْعَلَامَةَ الطَّوْفِيُّ فِي (قَوَاعِدِ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ): الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - أَنَّهُمْ لَا يَتَأَوَّلُونَ الصِّفَاتَ الَّتِي مِنْ جِنْسِ الْحَرَكَةِ، كَالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنُّزُولِ وَالْهُبُوطِ وَالدُّنُوِّ وَالتَّدَلِّي، كَمَا لَا يَتَأَوَّلُونَ غَيْرَهَا مُتَابَعَةً لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَقَالَ: وَكَلَامُ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْمَعْنَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النُّزُولِ: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: يَدْنُو مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ.
وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ عِيَاضٍ إِذَا قَالَ لَكَ الْجَهْمِيُّ أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ، فَقُلْ أَنَا أُؤْمِنُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: حَضَرْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، فَسَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ حَدِيثِ " «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» " وَقَالَ لَهُ: فَالنُّزُولُ كَيْفَ يَكُونُ؟ يَبْقَى فَوْقَهُ عُلُوٌّ؟ ! فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ: النُّزُولُ مَعْقُولٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدَعَةٌ. فَقَدْ قَالَ فِي النُّزُولِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الِاسْتِوَاءِ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ وَحَضَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النُّزُولِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ قُوَّادِ الْأَمِيرِ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ، أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: وَكَيْفَ يَنْزِلُ؟ قَالَ لَهُ إِسْحَاقُ: أَثْبِتِ الْحَدِيثَ حَتَّى أَصِفَ لَكَ النُّزُولَ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَثْبَتُهُ. فَقَالَ إِسْحَاقُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، فَقَالَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ، هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ إِسْحَاقُ: أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ، وَمَنْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَمْنَعُهُ الْيَوْمَ؟ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ قَالَ: قَالَ لِيَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تَرْوُونَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» " كَيْفَ يَنْزِلُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ، لَا يُقَالُ لِأَمْرِ الرَّبِّ كَيْفَ يَنْزِلُ؟ إِنَّمَا يَنْزِلُ بِلَا كَيْفٍ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِي أَمْرِ اللَّهِ كَمَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَى اللَّهِ بِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ يَفْهَمُ مَا يَجُوزُ التَّفَكُّرُ وَالنَّظَرُ فِي أَمْرِ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إِذَا مَضَى ثُلُثُهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كَمَا شَاءَ، وَلَا يُسْأَلُ كَيْفَ نُزُولُهُ لِأَنَّ الْخَالِقَ يَصْنَعُ مَا يَشَاءُ كَمَا شَاءَ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ (فِي شَرْحِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ) عَنِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ - ﵁ - أَنَّهُ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنِ النُّزُولِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَالَ: يَا ضَعِيفُ، لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَحْدَهَا؟ يَنْزِلُ اللَّهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: كَيْفَ يَنْزِلُ؟ أَلَيْسَ يَخْلُو ذَلِكَ الْمَكَانُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: يَنْزِلُ كَيْفَ شَاءَ.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمَّا صَحَّ خَبَرُ النُّزُولِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَقَرَّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَقَبِلُوا الْحَدِيثَ، وَأَثْبَتُوا النُّزُولَ عَلَى مَا قَالَهُ الرَّسُولُ - ﷺ -، وَلَمْ يَعْتَقِدُوا تَشْبِيهًا بِنُزُولِ خَلْقِهِ، وَعَلِمُوا، وَعَرَفُوا وَاعْتَقَدُوا، وَتَحَقَّقُوا أَنَّ صِفَاتَ الرَّبِّ لَا تُشْبِهُ صِفَاتَ الْخَلْقِ، كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ ذَوَاتَ الْخَلْقِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ وَالْمُعَطِّلَةُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: جَمَعَنِي وَهَذَا الْمُبْتَدَعَ - يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ بْنَ صَالِحٍ - مَجْلِسُ الْأَمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، فَسَأَلَنِي الْأَمِيرُ عَنْ أَخْبَارِ النُّزُولِ فَثَبَتُّهَا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ: كَفَرْتُ بِرَبٍّ يَنْزِلُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ. فَقُلْتُ: آمَنْتُ بِرَبٍّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. فَرَضِيَ عَبْدُ اللَّهِ كَلَامِي وَأَنْكَرَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ الْمُلَقَّبُ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي السُّنَّةِ: وَيُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ نُزُولَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ فِي
[ ١ / ٢٤٤ ]
كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ لَهُ بِنُزُولِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ، بَلْ يُثْبِتُونَ مَا أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَيَنْتَهُونَ فِيهِ إِلَيْهِ، وَيُمِرُّونَ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ الْوَارِدَ بِذِكْرِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَكِلُونَ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ، وَكَذَلِكَ يُثْبِتُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ فِي ظُلَلِ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَقَوْلَهُ ﷿ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] .
وَقَالَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّرَامِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ (بِنَقْضِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى الْمِرِّيسِيِّ الْجَهْمِيِّ الْعَنِيدِ، فِيمَا افْتَرَى عَلَى اللَّهِ فِي التَّوْحِيدِ) مَا لَفْظُهُ: وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَمْضِي مِنَ اللَّيْلِ الثُّلُثُ؟ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ، هَلْ مِنْ دَاعٍ» .
قَالَ فَادَّعَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِلُ بِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَنْزِلُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَهُوَ عَلَى الْعَرْشِ، وَكُلُّ مَكَانٍ مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ، لِأَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَالْقَيُّومُ بِزَعْمِهِ مَنْ لَا يَزُولُ،
قَالَ فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ حُجَجِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ بَيَانٌ، وَلَا لِمَذْهَبِهِ بُرْهَانٌ، لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ تَنْزِلُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَوَقْتٍ وَأَوَانٍ، فَمَا بَالُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَحِدُّ لِنُزُولِهِ اللَّيْلَ دُونَ النَّهَارِ، وَيُوَقِّتُ مِنَ اللَّيْلِ شَطْرَهُ أَوِ الْأَسْحَارَ، أَفَأَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ يَدْعُوَانِ الْعِبَادَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ، أَوْ يَقْدِرُ الْأَمْرُ وَالرَّحْمَةُ أَنْ يَتَكَلَّمَا دُونَهُ فَيَقُولَا: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟
فَإِنْ قَرَّرْتَ مَذْهَبَكَ لَزِمَكَ أَنْ تَدَّعِيَ أَنَّ الرَّحْمَةَ وَالْأَمْرَ هُمَا اللَّذَانِ يَدْعُوَانِ إِلَى الْإِجَابَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِكَلَامِهِمَا دُونَ اللَّهِ، وَهَذَا مُحَالٌ عِنْدَ السُّفَهَاءِ فَكَيْفَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَلَكِنْ تُكَابِرُونَ، وَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ يَنْزِلَانِ مِنْ عِنْدِهِ اللَّيْلَ ثُمَّ يَمْكُثَانِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ يُرْفَعَانِ، لِأَنَّ رِفَاعَةَ يَرْوِيهِ يَقُولُ فِي حَدِيثِهِ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَبْطَلُ بَاطِلٍ، وَلَا يَقْبَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ - إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَجْمَلَ الْمَعَارِضُ جَمِيعَ مَا أَنْكَرَهُ الْجَهْمِيَّةُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسَمَّاةِ فِي كِتَابِهِ وَآثَارِ رَسُولِهِ ﷺ - فَعَدَّ مِنْهَا بِضْعَةً وَعِشْرِينَ صِفَةً نَفَسًا وَاحِدًا، يَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا وَيُفَسِّرُهَا بِمَا حَكَى بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمِرِّيسِيُّ، وَفَسَّرَهَا وَتَأَوَّلَهَا حَرْفًا حَرْفًا، خِلَافَ مَا عَنَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ (وَخِلَافَ مَا تَأَوَّلَهَا الْفُقَهَاءُ وَالصَّالِحُونَ لَا يَعْتَمِدُ فِي أَكْثَرِهَا
[ ١ / ٢٤٥ ]
إِلَّا عَلَى الْمِرِّيسِيِّ) فَبَدَأَ مِنْهَا بِالْوَجْهِ، ثُمَّ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْفَرَحِ وَالْكُرْهِ، وَالضَّحِكِ وَالْعَجَبِ وَالسُّخْطِ، وَالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ، وَالْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ وَالْقَدَمِ وَالْيَدِ وَالْيَمِينِ وَالْعَيْنِ، وَالْإِتْيَانِ، وَالْمَجِيءِ، وَالنَّفْسِ وَالتَّكْلِيمِ.
قَالَ: عَمَدَ الْمُخَالِفُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ فَنَسَّقَهَا، وَنَظَّمَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ قَرَّرَهَا أَبْوَابًا فِي كِتَابِهِ، وَتَلَطَّفَ بِرَدِّهَا بِالتَّأْوِيلِ كَتَلَطُّفِ الْجَهْمِيَّةِ، مُعْتَمِدًا فِيهَا عَلَى الْمِرِّيسِيِّ، وَيُدَلِّسُ عِنْدَ الْجُهَّالِ بِالتَّشْنِيعِ بِهَا عَلَى قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَيُصَدِّقُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيهَا بِغَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، فَزَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا يُكَيِّفُونَهَا وَيُشْبِهُونَهَا بِذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا بِزَعْمِهِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا اجْتِهَادَ رَأْيٍ، لِيُدْرَكَ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَوْ يُشَبَّهَ شَيْءٌ مِنْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا هُوَ فِي الْخَلْقِ، قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ كَمَا أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ لَيْسَ كَصِفَاتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ: فَقُلْنَا لِلْمُعَارِضِ الْمُدَلِّسِ بِالتَّشْنِيعِ أَنَّ قَوْلَهُ كَيْفِيَّةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَتَشْبِيهُهَا بِمَا هُوَ فِي الْخَلْقِ خَطَأٌ، فَإِنَّا لَا نَقُولُ كَمَا قُلْتَ، فَنَحْنُ لَا نُكَيِّفُهَا، وَلَا نُشَبِّهُهَا وَلَا نَكْفُرُ بِهَا، وَلَا نُكَذِّبُهَا، وَلَا نُبْطِلُهَا بِتَأْوِيلِ الضَّلَالِ كَمَا أَبْطَلَهَا الْمِرِّيسِيُّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُ مِنَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي تَكْيِيفِ صِفَاتِ اللَّهِ، فَإِنَّا لَا نُجِيزُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي نَرَاهَا بِأَعْيُنِنَا، وَنَسْمَعُهَا بِآذَانِنَا، فَكَيْفَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَمْ تَرَهَا الْعُيُونُ، وَقَصُرَتْ عَنْهَا الظُّنُونُ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولَ فِيهَا كَمَا قَالَ الْمِرِّيسِيُّ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتَ كُلَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ السَّمْعُ مِنْهُ غَيْرَ الْبَصَرِ وَأَنَّ الرَّحْمَنَ، بِزَعْمِكُمْ لَيْسَ يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ سَمْعًا مِنْ بَصَرٍ، وَلَا بَصَرًا مِنْ سَمْعٍ، وَلَا وَجْهًا مِنْ يَدَيْنِ، وَلَا يَدَيْنِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ كُلُّهُ - بِزَعْمِكُمْ - سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَوَجْهٌ وَيَدٌ وَنَفْسٌ وَعِلْمٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وَقَالَ ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] وَلَمْ يَقُلْ يَسْمَعُ اللَّهُ فَلَمْ يَذْكُرِ الرُّؤْيَةَ فِيمَا يَسْمَعُ، وَلَا السَّمْعَ فِيمَا يَرَى - إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ الَّذِي رَدَّ بِهِ عَلَى الْمِرِّيسِيَّةِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ: بَابُ ذِكْرِ أَخْبَارٍ ثَابِتَةِ السَّنَدِ صَحِيحَةِ الْقِوَامِ، رَوَاهَا عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
[ ١ / ٢٤٦ ]
﵇ فِي نُزُولِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، فَنَشْهِدَ شَهَادَةَ مُقِرٍّ بِلِسَانِهِ، مُصَدِّقٍ بِقَلْبِهِ، مُسْتَيْقِنٍ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنْ ذِكْرِ نُزُولِ الرَّبِّ، مِنْ غَيْرِ أَنَّ نِصْفَ الْكَيْفِيَّةِ لِأَنَّ نَبِيَّنَا الْمُصْطَفَى لَمْ يَصِفْ لَنَا كَيْفِيَّةَ نُزُولِ خَالِقِنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَلَّى نَبِيَّهُ - ﵇ - بَيَانَ مَا بِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مَنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، فَنَحْنُ قَائِلُونَ وَمُصَدِّقُونَ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مَنْ ذِكْرِ النُّزُولِ غَيْرُ مُكَلِّفِينَ لِلْعُقُولِ بِصِفَةِ الْكَيْفِيَّةِ، إِذِ النَّبِيُّ - ﷺ - لَمْ يَصِفْ لَنَا كَيْفِيَّةَ النُّزُولِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ بِأَسَانِيدِهِ.
[تَنْبِيهَاتٌ]
[التنبيه الأول التأويل الذي يحيل هذه النصوص بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصلاة]
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: الَّذِي يُلْزِمُ مَنْ قَالَ بِإِثْبَاتِ صِفَةِ النُّزُولِ يُلْزِمُ مِثْلَهُ مَنْ قَالَ بِصِفَةِ الْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ لَهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلَّا الْأَعْرَاضُ الَّتِي لَا تَقُومُ إِلَّا بِجَوَارِحِنَا، فَكَمَا نَقُولُ نَحْنُ وَإِيَّاهُمْ حَيَاتُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ لَيْسَتْ بِأَعْرَاضٍ، بَلْ هِيَ صِفَاتٌ كَمَا يَلِيقُ بِهِ لَا كَمَا تَلِيقُ بِنَا، فَنَقُولُ نَحْنُ أَيْضًا بِمِثْلِ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ نُزُولُهُ وَفَوْقِيَّتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُكَيَّفٍ بِكَيْفِيَّةٍ وَلَا انْتِقَالٍ يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ، بَلْ هُوَ كَمَا أَخْبَرَ هُوَ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الْبَشَرِ مِمَّا يَلِيقُ بِجَلَالِ عَظْمَتِهِ وَبَاهِرِ كِبْرِيَائِهِ، لِأَنَّ ذَاتَهُ وَصِفَاتَهُ مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ثُبُوتٌ وَعِلْمُ وُجُودٍ بِلَا كَيْفِيَّةٍ وَلَا تَحْدِيدٍ، فَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ، وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ، فَسَبِيلُهُ وَاحِدٌ مِنَ النُّزُولِ، وَالْيَدُ وَالْقَدَمُ وَالْوَجْهُ وَالْغَضَبُ وَالرِّضَا وَغَيْرُهَا فَاحْفَظْهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَلِهَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي رِسَالَتِهِ الْحَمَوِيَّةِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَلَا فِي النَّقْلِ الصَّحِيحِ مَا يُوجِبُ مُخَالَفَةَ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ أَصْلًا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - جَاءَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ بِالِاضْطِرَارِ، كَمَا أَنَّهُ جَاءَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَالتَّأْوِيلُ الَّذِي يُحِيلُهَا عَنْ هَذَا بِمَنْزِلَةِ تَأْوِيلَاتِ الْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ، ثُمَّ إِنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يُوَافِقُ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ، وَإِنْ كَانَ فِي النُّصُوصِ مِنَ التَّفْصِيلِ مَا يَعْجِزُ الْعَقْلُ عَنْ دَرْكِ تَفْصِيلِهِ عَلَى أَنَّ الْأَسَاطِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَالْفُحُولَ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الْعَقْلَ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْيَقِينِ فِي عَامَّةِ الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ
[ ١ / ٢٤٧ ]
وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالْوَاجِبُ تَلَقِّي عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ النُّبُوَّاتِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ بِذَلِكَ، وَأَنْصَحُ لِلْأُمَّةِ، وَأَفْصَحُ مِنْ غَيْرِهِ عِبَارَةً وَبَيَانًا، بَلْ هُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِذَلِكَ، وَأَنْصَحُ الْخَلْقِ لِلْأُمَّةِ وَأَفْصَحِهِمْ، فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ - ﷺ - كَمَالُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِذَا كَمُلَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ كَمُلَ كَلَامُهُ وَفِعْلُهُ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ النَّقْصُ إِمَّا مِنْ نَقْصِ عِلْمِهِ، وَإِمَّا مَنْ عَجْزِهِ عَنْ بَيَانِ عَلَمِهِ وَإِمَّا لِعَدَمِ إِرَادَةِ الْبَيَانِ وَالرَّسُولِ - ﷺ - هُوَ الْغَايَةُ فِي كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْغَايَةُ فِي إِرَادَةِ كَمَالِ الْبَلَاغِ الْمُبَيَّنِ وَالْغَايَةُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى الْبَلَاغِ، وَمَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَالْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ، يَجِبُ وُجُودُ الْمُرَادِ، فَعُلِمَ قَطْعًا أَنَّ مَا بَيَّنَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ حَصَلَ بِهِ مُرَادُهُ مِنَ الْبَيَانِ وَأَنَّ مَا أَرَادَهُ مِنَ الْبَيَانِ هُوَ الْمُطَابِقُ لِعِلْمِهِ، وَعِلْمُهُ بِذَلِكَ هُوَ أَكْمَلُ الْعُلُومِ، فَكُلُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَ الرَّسُولِ - ﷺ - أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْهُ فَهُوَ مِنَ الْمُلْحِدِينَ، لَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةُ - ﵃ - وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ السَّلَفِ، هُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ دُونَ سِوَاهُمْ. وَتَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مَا لَعَلَّهُ يَشْفِي وَيَكْفِي.
[التنبيه الثاني قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ورد كلامهم]
(الثَّانِي) قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: أَنَّ الْعَرَبَ تَنْسِبُ الْفِعْلَ إِلَى مَنْ أَمَرَ بِهِ، كَمَا تَنْسِبُهُ إِلَى مَنْ فَعَلَهُ وَبَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ، قَالُوا: وَالْمَعْنَى هُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ مَلَكًا بِالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُنَادِي بِأَمْرٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ قَوْلَهُ وَيَنْزِلُ رَاجِعٌ إِلَى أَفْعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِنَّ النُّزُولَ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَجْسَادِ يَكُونُ فِي الْمَعَانِي، أَوْ رَاجِعٌ إِلَى الْمَلَكِ الَّذِي يَنْزِلُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ تَعَالَى، فَإِنْ حُمِلَ النُّزُولُ فِي الْأَحَادِيثِ عَلَى الْجِسْمِ فَتِلْكَ صِفَةُ الْمَلَكِ الْمَبْعُوثِ بِذَلِكَ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ فَعَلَ سُمِّيَ ذَلِكَ نُزُولًا عَنْ مَرْتَبَةٍ إِلَى مَرْتَبَةٍ فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ، إِمَّا بِأَنَّ الْمُرَادَ يَنْزِلُ أَمْرُهُ أَوِ الْمَلَكُ بِأَمْرِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالْإِجَابَةِ لَهُمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ نَزَلَ الْبَائِعُ فِي سِلْعَتِهِ إِذَا قَارَبَ الْمُشْتَرِيَ بَعْدَ مَا بَاعَدَهُ وَأَمْكَنَهُ مِنْهَا بَعْدَ مَنْعِهِ، وَالْمَعْنَى هُنَا أَنَّ الْعَبْدَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَقْرَبُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يُقْبِلُ عَلَيْهِمْ بِالتَّحَنُّنِ وَالْعَطْفِ فِي هَذَا
[ ١ / ٢٤٨ ]
الْوَقْتِ بِمَا يُلْقِيهِ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ الْبَاعِثَيْنِ لَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ فُورَكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ ضَبَطَ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ، أَيْ يُنْزِلُ مَلَكًا قَالُوا: وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ - ﵄ - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «إِنَّ اللَّهَ ﷿ يُمْهِلُ حَتَّى يَمْضِي شَطْرُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى» "، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ صَحَّحَهُ عَبْدُ الْخَالِقِ. قَالُوا وَهَذَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَيُزِيلُ كُلَّ احْتِمَالٍ، وَالسُّنَّةُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَكَذَا الْآيَاتُ.
قَالُوا وَلَا سَبِيلَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى صِفَاتِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِتَجَدُّدِ النُّزُولِ وَاخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالسَّاعَاتِ، وَصِفَاتُ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ يَجِبُ اتِّصَافُهَا بِالْقِدَمِ وَتَنْزِيهُهَا عَنِ التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ. قَالُوا: وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ فَكَانَ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ فَثَبَتَ مِنْ أَوْصَافِهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ صِفَةِ الْأَفْعَالِ، قَالُوا: فَالنُّزُولُ وَالِاسْتِوَاءُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٢٤٩ ]
[التنبيه الثالث نصوص لمشايخ الحنابلة تتعلق بالنزول]
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: نَقُولُ بِحَدِيثِ النُّزُولِ مِمَّا سَنَدُهُ صَحِيحٌ وَلَفْظُهُ صَرِيحٌ، قَالَ التَّمِيمِيُّ: فِي اعْتِقَادِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ النُّزُولُ حَقٌّ نَقُولُ بِهِ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ وَلَا حُلُولٍ فِي الْأَمْكِنَةِ
وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: فِي اعْتِقَادِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لَا يُقَالُ بِحَرَكَةٍ وَلَا انْتِقَالٍ. وَقَالَ الْقَاضِي قَدْ وَصَفَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، لَا عَلَى جِهَةِ الِانْتِقَالِ وَالْحَرَكَةِ، كَمَا جَازَتْ رُؤْيَتُهُ تَعَالَى، وَتَجَلَّى لِلْجَبَلِ لَا عَلَى وَجْهِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ. وَقَالَ: لَا نُثْبِتُ نُزُولًا عَنْ عُلُوٍّ وَزَوَالٍ، بَلْ نُزُولًا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَلَا يُعْقَلُ ذَلِكَ فِي الشَّاهِدِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ بِنُزُولٍ وَلَا انْتِقَالٍ وَلَا كَنُزُولِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ أَنَّهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا يُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ كَفَرَ.
وَخَطَّأَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَنْ قَالَ: نُزُولُهُ بِحَرَكَةٍ وَانْتِقَالٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: النُّزُولُ صِفَةُ ذَاتٍ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ، قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ الْوَاسِطِيُّ: نُزُولُهُ ثَابِتٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُكَيَّفٍ بِحَرَكَةٍ وَانْتِقَالٍ، يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ، بَلْ نُزُولٌ كَمَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، فَصِفَاتُهُ تَعَالَى مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَالثُّبُوتِ، غَيْرُ مَعْقُولَةٍ مِنْ حَيْثُ التَّكْيِيفِ وَالتَّحْدِيدِ، فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُبْصِرًا بِهَا مِنْ وَجْهٍ، أَعْمَى مِنْ وَجْهٍ، مُبْصِرًا مِنْ حَيْثُ الْإِثْبَاتِ وَالْوُجُودِ، أَعْمَى مِنْ حَيْثُ التَّكْيِيفِ وَالتَّحْدِيدِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[ ١ / ٢٥٠ ]
[صفة الخلق أي التكوين]
«وَ» مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ فَأَثْبَتَهُ السَّلَفُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ صِفَةُ «خَلْقِهِ»، لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ وَنَحْوَهُمْ يُثْبِتُونَ لَهُ تَعَالَى الصِّفَاتَ السَّبْعَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَتَنْفِي قِيَامَ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ بِهِ، وَتُسَمِّي الصِّفَاتَ أَعْرَاضًا وَالْأَفْعَالَ حَوَادِثَ، وَيَقُولُونَ لَا تَقُومُ بِهِ تَعَالَى الْأَعْرَاضُ وَلَا الْحَوَادِثُ، فَيَتَوَهَّمُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ أَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَنِ النَّقَائِضِ وَالْعُيُوبِ وَالْآفَاتِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ وَآفَةٍ، فَإِنَّهُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الصَّمَدُ الْكَامِلُ فِي كُلِّ نَعْتٍ مِنْ نُعُوتِ الْكَمَالِ، كَمَالًا لَا يُدْرِكُ الْخَلْقُ حَقِيقَتَهُ، مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ نَقْصٍ تَنْزِيهًا لَا يُدْرِكُ الْخَلْقُ كَمَالَهُ، وَكُلُّ كَمَالٍ يَثْبُتُ لِمَوْجُودٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِلْزَامِ نَقْصٍ فَالْخَالِقُ تَعَالَى أَحَقُّ (بِهِ وَأَكْمَلُ فِيهِ مِنْهُ، وَكُلُّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ فَالْخَالِقُ أَحَقُّ) بِتَنْزِيهِهِ عَنْهُ وَأَوْلَى بِبَرَاءَتِهِ مِنْهُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - فِي مَسْأَلَةِ حُسْنِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِخَلْقِ الْخَلْقِ وَإِنْشَاءِ الْأَنَامِ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ غَيْرِ وَاحِدٍ كَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَغَيْرِهِمْ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (الصَّمَدُ) قَالَ: السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي كُلِّ سُؤْدُدِهِ، وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ، وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظْمَتِهِ، وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ، وَالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، الْجَبَّارُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَبَرُوتِهِ، وَالْعَالِمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، وَالْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ، وَهُوَ الَّذِي كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ، وَهُوَ اللَّهُ ﷿، هَذِهِ صِفَتُهُ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ، لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
قَالَ وَهَذَا التَّفْسِيرُ ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيِّ، لَكِنْ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ التَّفْسِيرَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ ثَابِتٌ عَنِ السَّلَفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: الصَّمَدُ الْكَامِلُ فِي صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَثَبَتَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَمَا أَشْبَهَهَا لَا تُنَافِي مَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ كَسَعِيدِ بْنِ
[ ١ / ٢٥١ ]
الْمُسَيَّبِ، وَابْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالسُّدِّيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّ: الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، مَوْقُوفًا أَوْ مَرْفُوعًا فَإِنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ، قَالَ: وَلَفْظُ الْأَعْرَاضِ فِي اللُّغَةِ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْحَوَادِثِ وَالْمُحْدَثَاتِ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ وَالْبِدَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، أَوْ مَا يَحْدُثُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ نَحْوِ الْأَمْرَاضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَمَّا هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَوْعُ نَقْصٍ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِمْ، مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ إِلَّا نَفْيَ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَعِنْدَهُمْ لَا يَقُومُ بِهِ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا مَشِيئَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا حُبٌّ وَلَا رِضًا وَلَا فَرَحٌ وَلَا خَلْقٌ وَلَا إِحْسَانٌ وَلَا عَدْلٌ وَلَا إِتْيَانٌ وَلَا مَجِيءٌ وَلَا نُزُولٌ وَلَا اسْتِوَاءٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَجَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ يُخَالِفُونَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمِنَ الطَّوَائِفِ مَنْ يُنَازِعُهُمْ فِي الصِّفَاتِ دُونَ الْأَفْعَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَازِعُهُمْ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُنَازِعُهُمْ فِي الْفِعْلِ الْقَدِيمِ فَيَقُولُ إِنَّ فِعْلَهُ تَعَالَى قَدِيمٌ وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ مُحْدَثًا، انْتَهَى.
وَقَالَ الْوَزْنَنِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ (مِرْقَاةُ الْمُبْتَدِئِينَ، فِي أُصُولِ الدِّينِ) - وَهُوَ شَرْحُ الْمَنْظُومَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْجَوَاهِرِ - مَا مُلَخَّصُهُ: التَّخْلِيقُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ فِعْلُ اللَّهِ لِاقْتِضَاءِ الْمَفْعُولِ، لِاسْتِحَالَةِ مَفْعُولٍ بِلَا فِعْلٍ، فَفِعْلُهُ تَعَالَى صِفَةٌ لَهُ، فَاسْتَحَالَ دُخُولُهُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ وَنَظَائِرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرَ رِجَالِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ كَانَتْ كَرَامَاتُهُمْ ظَاهِرَةً مِثْلَ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ، وَالسَّرِيِّ السَّقَطِيِّ، وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ، وَمَنْ نَشَرَ عِلْمَ الْإِشَارَةِ الْجُنَيْدُ الْبَغْدَادِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ، وَغَيْرَهُمْ كَانُوا يَصِفُونَ اللَّهَ بِالْفِعْلِ وَالْكَلَامِ وَالرُّؤْيَةِ وَالسَّمْعِ كَمَا يَصِفُونَهُ بِالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. ثُمَّ حَطَّ عَلَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَّهُ أَتَى بِخِلَافِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. انْتَهَى
وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي عَقَائِدِهِ الْمَشْهُورَةِ: وَالتَّكْوِينُ صِفَةٌ لِلَّهِ أَزَلِيَّةٌ وَهُوَ
[ ١ / ٢٥٢ ]
تَكْوِينُهُ لِلْعَالَمِ وَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُكَوَّنِ عِنْدَنَا.
قَالَ شَارِحُهَا الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ: التَّكْوِينُ هُوَ الْمَعْنَى الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ وَالْخَلْقِ وَالتَّخْلِيقِ وَالْإِيجَادِ وَالْإِحْدَاثِ وَالِاخْتِرَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيُفَسَّرُ بِإِخْرَاجِ الْمَعْدُومِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى لِإِطْبَاقِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ عَلَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْعَالَمِ مُكَوِّنٌ لَهُ، وَامْتِنَاعُ إِطْلَاقِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ وَصْفًا قَائِمًا بِهِ أَزَلِيَّةً لِوُجُوهٍ:
(الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يَمْتَنِعُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ تَعَالَى.
(الثَّانِي) أَنَّهُ وَصَفَ ذَاتَهُ فِي كَلَامِهِ الْأَزَلِيِّ بِأَنَّهُ الْخَالِقُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَزَلِ خَالِقًا لَلَزِمَ الْكَذِبُ أَوِ الْعُدُولُ إِلَى الْمَجَازِ - أَيِ الْخَالِقُ فِي مَا يُسْتَقْبَلُ، أَوِ الْقَادِرُ عَلَى الْخَلْقِ - مِنْ غَيْرِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَازَ إِطْلَاقُ الْخَالِقِ عَلَيْهِ بِمَعْنَى الْقَادِرِ، لَجَازَ إِطْلَاقُ كُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْرَاضِ.
(الثَّالِثُ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَادِثًا فَإِمَّا بِتَكْوِينِ آخَرَ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِحَالَةُ تَكَوُّنِ (الْعَالَمِ) مَعَ أَنَّهُ مُشَاهَدٌ، وَإِمَّا بِدُونِهِ فَيَسْتَغْنِي الْحَادِثُ عَنِ الْمُحْدِثِ وَالْأَحْدَاثِ، وَفِيهِ تَعْطِيلُ الصَّانِعِ.
(الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ لَحَدَثَ إِمَّا فِي ذَاتِهِ تَعَالَى؛ فَيَصِيرُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو الْهُذَيْلِ مِنْ أَنَّ تَكْوِينَ كُلِّ جِسْمٍ قَائِمٌ بِهِ فَيَكُونُ كُلُّ جِسْمٍ خَالِقًا وَمُكَوِّنًا لِنَفْسِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي اسْتِحَالَتِهِ. وَمَبْنَى هَذِهِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ التَّكْوِينَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ
قَالَ: وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْإِضَافَاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، مِثْلُ كَوْنِ الصَّانِعِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، وَمَذْكُورًا بِأَلْسِنَتِنَا، وَمَعْبُودًا لَنَا، وَمُمِيتًا وَمُحْيِيًا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ: وَالْحَاصِلُ فِي الْأَزَلِ هُوَ مَبْدَأُ التَّخْلِيقِ وَالتَّرْزِيقِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِهِ صِفَةً أُخْرَى سِوَى الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، (فَإِنَّ الْقُدْرَةَ) وَإِنْ كَانَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى وُجُودِ الْمُكَوَّنِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، لَكِنْ مَعَ انْضِمَامِ الْإِرَادَةِ بِتَخْصِيصِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ.
قَالَ: وَلَمَّا اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِحُدُوثِ التَّكْوِينِ بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمُكَوَّنِ كَالضَّرْبِ بِدُونِ الْمَضْرُوبِ، فَلَوْ كَانَ قَدِيمًا لَزِمَ قِدَمُ الْمُكَوَّنَاتِ وَهُوَ مُحَالٌ.
أَشَارَ النَّسَفِيُّ إِلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ أَيِ التَّكْوِينُ تَكْوِينُهُ لِلْعَالَمِ وَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، لَا فِي الْأَزَلِ بَلْ لِوَقْتِ وُجُودِهِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَالتَّكْوِينُ بَاقٍ أَزَلًا
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَأَبَدًا، وَالْمُكَوَّنُ حَادِثٌ بِحُدُوثِ التَّعَلُّقِ كَمَا فِي الْحِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِهَا قِدَمُ مُتَعَلِّقَاتِهَا لِكَوْنِ تَعَلُّقَاتِهَا حَادِثَةً، وَهَذَا تَحْقِيقُ مَا يُقَالُ إِنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، لَزِمَ تَعْطِيلُ الصَّانِعِ وَاسْتِغْنَاءُ الْحَوَادِثِ عَنِ الْمُوجِدِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ تَعَلَّقَ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَ ذَلِكَ قِدَمَ مَا يَتَعَلَّقُ وَجُودُهُ بِهِ فَيَلْزَمُ قِدَمُ الْعَالَمِ وَهُوَ بَاطِلٌ، أَوْ لَا فَلْيَكُنِ التَّكْوِينُ أَيْضًا قَدِيمًا مَعَ حُدُوثِ الْمُكَوَّنِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ.
وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَعَلُّقِ وُجُودِ الْمُكَوَّنِ بِالتَّكْوِينِ قَوْلٌ بِحُدُوثِهِ، إِذِ الْقَدِيمُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ وُجُودُهُ بِالْغَيْرِ، وَالْحَادِثُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَمَنْظُورٌ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى الْقَدِيمِ وَالْحَادِثُ بِالذَّاتِ عَلَى مَا يَقُولُ بِهِ الْفَلَاسِفَةُ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَالْحَادِثُ مَا لِوُجُودِهِ بِدَايَةٌ أَيْ يَكُونُ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ وَالْقَدِيمُ بِخِلَافِهِ، وَمُجَرَّدُ تَعَلُّقِ وَجُودِهِ بِالْغَيْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إِلَى الْغَيْرِ، صَادِرًا عَنْهُ، دَائِمًا بِدَوَامِهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ فِيمَا ادَّعَوْا قِدَمَهُ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ كَالْهَيُولَى مَثَلًا، نَعَمْ إِذَا أَثْبَتْنَا صُدُورَ الْعَالَمِ مِنَ الصَّانِعِ بِالِاخْتِيَارِ دُونَ الْإِيجَابِ بِدَلِيلٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ، كَانَ الْقَوْلُ بِتَعَلُّقِ وُجُودِهِ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلًا بِحُدُوثِهِ.
وَمِنْ هُنَا يُقَالُ إِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ إِشَارَةٌ إِلَى الرَّدِّ عَلَى زَعْمِ قِدَمِ بَعْضِ الْأَجْزَاءِ كَالْهَيُولَى، وَإِلَّا فَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ بِقِدَمِهَا بِمَعْنَى عَدَمِ الْمَسْبُوقِيَّةِ بِالْعَدَمِ لَا بِمَعْنَى عَدَمِ تَكَوُّنِهِ بِالْغَيْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّكْوِينُ بِدُونِ (وُجُودِ) الْمُكَوَّنِ، وَأَنَّ وِزَانَهُ مَعَهُ وِزَانُ الضَّرْبِ مَعَ الْمَضْرُوبِ، فَإِنَّ الضَّرْبَ صِفَةٌ إِضَافِيَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمُتَضَايِفَيْنِ أَعْنِي الضَّارِبَ وَالْمَضْرُوبَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّكْوِينَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ هِيَ مَبْدَأُ الْإِضَافَةِ الَّتِي هِيَ إِخْرَاجُ الْمَعْدُومِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لَا عَيْنُهَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَيْنُهَا عَلَى مَا وَقَعَ فِي عِبَارَةٍ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، لَكَانَ الْقَوْلُ بِتَحَقُّقِهَا بِدُونِ الْمُكَوَّنِ مُكَابَرَةً وَإِنْكَارًا لِلضَّرُورَةِ، فَلَا يَنْدَفِعُ بِمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الضَّرْبَ مُسْتَحِيلُ الْبَقَاءِ، فَلَا بُدَّ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَفْعُولِ وَوُصُولِ الْأَلَمِ إِلَيْهِ مِنْ وُجُودِ الْمَفْعُولِ مَعَهُ، إِذْ لَوْ تَأَخَّرَ لَانْعَدَمَ كَذَا قِيلَ.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ بِخِلَافِ فِعْلِ الْبَارِي فَإِنَّهُ أَزَلِيٌّ (وَاجِبُ) الدَّوَامِ يَبْقَى إِلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَفْعُولِ، فَالتَّكْوِينُ غَيْرُ الْمُكَوَّنِ عِنْدَنَا، لِأَنَّ الْفِعْلَ يُغَايِرُ الْمَفْعُولَ بِالضَّرُورَةِ كَالضَّرْبِ مَعَ الْمَضْرُوبِ
[ ١ / ٢٥٤ ]
وَالْأَكْلِ مَعَ الْمَأْكُولِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَفْسُهُ الْمُكَوَّنَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُكَوَّنُ مُكَوَّنًا مَخْلُوقًا بِنَفْسِهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مُكَوَّنٌ بِالتَّكْوِينِ الَّذِي هُوَ عَيْنُهُ، فَيَكُونُ قَدِيمًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الصَّانِعِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْخَالِقِ تَعَلُّقٌ بِالْعَالَمِ سِوَى أَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْهُ وَقَادِرٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعٍ وَتَأْثِيرٍ فِيهِ ضَرُورَةَ تَكَوُّنِهِ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ خَالِقًا وَالْعَالَمَ مَخْلُوقًا، فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ خَالِقُ الْعَالَمِ وَصَانِعُهُ، هَذَا خُلْفٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ مُكَوِّنًا لِلْأَشْيَاءِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْمُكَوِّنِ إِلَّا مَنْ قَامَ بِهِ التَّكْوِينُ، وَالتَّكْوِينُ إِذَا كَانَ عَيْنَ الْمُكَوَّنِ لَا يَكُونُ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ خَالِقَ سَوَادِ هَذَا الْحَجَرِ أَسْوَدُ، وَهَذَا الْحَجَرُ خَالِقُ السَّوَادِ إِذْ لَا مَعْنَى لِلْخَالِقِ وَالْأَسْوَدِ إِلَّا مَنْ قَامَ بِهِ الْخَلْقُ وَالسَّوَادُ، وَهُمَا وَاحِدٌ فَمَحَلُّهُمَا وَاحِدٌ، هَذَا كُلُّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ بِتَغَايُرِ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ ضَرُورِيًّا.
ثُمَّ قَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَهَذَا - يَعْنِي إِبْطَالَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْمَفْعُولُ - لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِثْبَاتِ أَنَّ تَكَوُّنَ الْأَشْيَاءِ وَصُدُورِهَا عَنِ الْبَارِي تَعَالَى، يَتَوَقَّفُ عَلَى صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، مُغَايِرَةٍ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.
قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ بِوُجُودِ الْمَقْدُورِ لِوَقْتِ وُجُودِهِ إِذَا نُسِبَ إِلَى الْقُدْرَةِ يُسَمَّى إِيجَابَهَا لَهُ وَإِذَا نُسِبَ إِلَى الْقَادِرِ يُسَمَّى الْخَلْقَ وَالتَّكْوِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَحَقِيقَتُهُ كَوْنُ الذَّاتِ بِحَيْثُ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِوُجُودِ الْمَقْدُورِ لِوَقْتِهِ، ثُمَّ يَتَحَقَّقُ بِحَيْثُ خُصُوصِيَّاتِ الْمَقْدُورَاتِ خُصُوصِيَّاتُ الْأَفْعَالِ كَالتَّرْزِيقِ وَالتَّصْوِيرِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى مَا لَا يَكَادُ يَتَنَاهَى.
قَالَ: وَأَمَّا كَوْنُ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ صِفَةً حَقِيقِيَّةً أَزَلِيَّةً، فَمِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَفِيهِ تَكْثِيرٌ لِلْقُدَمَاءِ جِدًّا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَغَايِرَةً. قَالَ: وَالْأَقْرَبُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَنَّ مَرْجِعَ الْكُلِّ إِلَى التَّكْوِينِ فَإِنَّهُ إِنْ تَعَلَّقَ بِالْحَيَاةِ سُمِّيَ إِحْيَاءً، وَبِالْمَوْتِ إِمَاتَةً، وَبِالصُّورَةِ تَصْوِيرًا، وَبِالرِّزْقِ تَرْزِيقًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَالْكُلُّ تَكْوِينٌ، وَإِنَّمَا الْخُصُوصُ بِخُصُوصِيَّةِ التَّعَلُّقَاتِ، انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ يَعْنِي عُلَمَاءَ الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا إِلَى آرَاءٍ مُتَهَافِتَةٍ وَتَخَيُّلَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ وَنُحَاتَةِ
[ ١ / ٢٥٥ ]
أَذْهَانٍ قَدِ انْحَرَفَتْ عَنْ جَادَّةِ الْمَأْثُورِ وَزُبَالَاتِ أَنْظَارٍ قَدِ انْفَلَتَتْ عَنِ الْمَنْهَجِ الْمَشْهُورِ إِلَى التَّهَافُتَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَالتَّخَيُّلَاتِ الْكَلَامِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي شَرْحِ (الْعَقَائِدِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ): الصَّوَابُ أَنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ.
قَالَ: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ قَوْلُهُمْ فَاسِدٌ وَبَيَّنَ وَجْهُ فَسَادِهِ، وَذَكَرَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ شَيْئًا كَثِيرًا مِثْلَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨] وَقَوْلَهُ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، فَأَخْبَرَ أَنَّ طَاعَتَهُ سَبَبٌ لِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَمَعْصِيَتَهُ سَبَبٌ لِسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَعَ الشَّرْطِ كَالْمُسَبَّبِ مَعَ سَبَبِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» "، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا " «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِمَّنْ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِأَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلَكَةٍ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، إِذَا هُوَ بِدَابَّتِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ» ".
وَفِي الصَّحِيحِ " «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» "، وَفِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ كَثِيرٌ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ إِحْصَاؤُهُ، وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا. ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَكَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، بَلْ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ وَأَكَابِرُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ حَتَّى مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، يَظْهَرُ بُطْلَانُ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْقُدَمَاءِ الْخَمْسَةِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ مَنْسُوبٌ إِلَى دِيمَقْرَاطِيسَ، وَهِيَ الْعِلَّةُ وَالنَّفْسُ وَالْهَيُولَى - وَهِيَ فِي لُغَتِهِمْ بِمَعْنَى الْمَحَلِّ - وَالْخَلَاءِ وَالدَّهْرِ فَزَعَمَ هَؤُلَاءِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْخَمْسَةَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ، وَأَنَّ سَبَبَ حُدُوثِ الْعَالَمِ أَنَّ النَّفْسَ الْتَفَتَتْ إِلَى الْهَيُولَى وَامْتَنَعَ عَلَى الرَّبِّ تَخْلِيصُهَا أَوْ رَأَى أَنَّهُ لَا يُخَلِّصُهَا (حَتَّى تَذُوقَ)
[ ١ / ٢٥٦ ]
مَرَارَةَ تَعَلُّقِهَا بِالْهَيُولَى ثُمَّ يُخَلِّصُهَا، أَوْ لِتَسْتَفِيدَ بِذَلِكَ كَمَالَاتٍ، ثُمَّ يُخَلِّصُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: وَلِهَذَا يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الرَّازِيُّ - مِنْ فَلَاسِفَةِ الْإِسْلَامِ -: لَا لَذَّةَ إِلَّا عَدَمُ الْأَلَمِ، وَغَايَةُ سَعَادَةِ النَّفْسِ خَلَاصُهَا مِنَ الْأَلَمِ الْحَاصِلِ بِتَعَلُّقِهَا بِالْهَيُولَى.
وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْخَطِيبِ الرَّازِيُّ - يَعْنِي الْفَخْرَ - وَبَعْضُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ يُرَجِّحُونَ الْقَوْلَ، وَبِهِ يُجِيبُ هَؤُلَاءِ عَنِ الْحُجَّةِ الْمَشْهُورَةِ لِلْفَلَاسِفَةِ وَيُسَمُّونَهُ - الْجَوَابَ الْبَاهِرَ - قَالَ فِي مُحَصِّلِهِ - وَذِكْرُ مَا هُوَ شَبِيهٌ بِالْخُرَافَةِ وَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْ كَلَامِ أَهْلِ الشَّرَائِعِ وَالدِّينِ وَالنُّبُوَّاتِ وَمَنَاهِجِ الْمُرْسَلِينَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - وَهَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ أَفْسَدِ مَذَاهِبِ الْعَالِمِ، قَالَ: وَهُوَ يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَذْهَبَ الْمَجُوسِ الْقَائِلِينَ بِالْأَصْلَيْنِ الْقَدِيمَيْنِ، النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، قَالَ: وَالرُّسُلُ ﵈ وَأَتْبَاعُهُمْ أَهْلُ الْمِلَلِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقٌ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ فَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ لَا نَفْسٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْيَانِ، سَوَاءٌ سُمِّيَ خَلَاءً أَوْ دَهْرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْمِلَّةِ مُخْتَلِفَةً فَمِنْهُمْ، مَنْ نَفَى الصِّفَاتَ مِنْ أَصْلِهَا وَأَثْبَتَ الْأَسْمَاءَ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى الصِّفَاتَ الْخَبَرِيَّةَ وَالْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَنْ تَقُومَ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَأَثْبَتَ السَّبْعَ الصِّفَاتَ كَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَكَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَصِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى حَثَّكَ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِسَلَفِ الْأُمَّةِ، وَحَذَّرَكَ مِنَ الِابْتِدَاعِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَأَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ، فَقَالَ (فَاحْذَرْ مِنَ النُّزُولِ) مِنْ ذُرْوَةِ الْإِيمَانِ، وَسَنَامِ الدِّينِ وَالْإِيقَانِ، وَأَوْجِ الرِّفْعَةِ وَالْعِرْفَانِ إِلَى حَضِيضِ الِابْتِدَاعِ وَقَاذُورَاتِ الِاخْتِرَاعِ، فَإِنَّ السَّلَامَةَ كُلَّ السَّلَامَةِ فِي اتِّبَاعِ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَالسِّرْبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوِّلُ لَا مَا ابْتَدَعَتْهُ فُرُوخُ الْجَهْمِيَّةِ وَانْتَحَلَتْهُ أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ فِرَقِ الْمَشَّائِيَةِ وَالْإِشْرَاقِيَّةِ.
[قوله إن صفات الله تعالى قديمة وما أورد عليه]
(فَسَائِرُ الصِّفَاتِ) الذَّاتِيَّةِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهَا وَسَائِرُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ مِنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمِ، وَالْعَيْنَيْنِ وَنَحْوِهَا «وَ» سَائِرُ صِفَاتِ «الْأَفْعَالِ» مِنَ الِاسْتِوَاءِ
[ ١ / ٢٥٧ ]
وَالنُّزُولِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَالتَّكْوِينِ وَنَحْوِهَا «قَدِيمَةٌ لِلَّهِ» أَيْ هِيَ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لِلَّهِ «ذِي الْجَلَالِ» وَالْإِكْرَامِ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مُحْدَثٌ وَإِلَّا لَكَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَمَا حَلَّ بِهِ الْحَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ ذَلِكَ
[ ١ / ٢٥٨ ]
سَلِمَ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ الْمَنْفِيِّ فِي مُحْكَمِ النَّصِّ اسْتَدْرَكَ ذَلِكَ فَقَالَ «لَكِنْ» بِإِسْكَانِ النُّونِ «بِلَا كَيْفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ» وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ وَالِاعْتِرَافُ بِهِ وَالْإِقْرَارُ وَالْإِذْعَانُ بِمُوجِبِهِ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ
[ ١ / ٢٥٩ ]
النَّبَوِيَّةُ فَاعْتَقَدْنَا ذَلِكَ، وَاعْتَمَدْنَاهُ مُتَابَعَةً لِلسَّلَفِ وَارْتَضَيْنَاهُ «رَغْمًا لِ» أَيْ لِأَجْلِ رَغْمِ أُنُوفِ «أَهْلِ الزَّيْغِ» أَيْ لِأَجْلِ الْمَيْلِ وَالِانْحِرَافِ عَنْ نَهْجِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَالشَّكِّ وَالْجَوْرِ عَنْ سَبِيلِ أَهْلِ الصِّدْقِ، يُقَالُ زَاغَ إِذَا مَالَ وَأَزَاغَ غَيْرَهُ
[ ١ / ٢٦٠ ]
إِذَا أَمَالَهُ (وَ) رَغْمًا لِأُنُوفِ أَهْلِ (التَّعْطِيلِ) مِنَ الطَّوَائِفِ الضَّالَّةِ وَالْفِرَقِ الْمَائِلَةِ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ حَقٌّ بَيْنَ بَاطِلَيْنِ، وَسُنَّةٌ بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ; فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ حَمَلَ النُّصُوصَ عَلَى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ فَضَلَّ وَأَضَلَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى التَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ، فَأَلْحَدَ وَانْفَصَلَ عَنِ الْحَقِّ وَخَتَلَ، وَأَهْلُ الْحَقِّ أَثْبَتُوا النُّصُوصَ وَاعْتَقَدُوهَا بِلَا تَكْيِيفٍ، فَهُمْ يَقُولُونَ إِثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إِثْبَاتُ تَكْيِيفٍ وَتَحْدِيدٍ، وَلِهَذَا قَالَ (فَمُرَّهَا) أَيْ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَخْبَارَهَا، وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَعَانِيهَا وَأَسْرَارِهَا، بَلْ تَفْسِيرُهَا أَنْ نُمِرَّهَا (كَمَا أَتَتْ فِي الذِّكْرِ) الْقُرْآنِيِّ، وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ الْمَعْصُومِ الْعَدْنَانِيِّ (مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ) لَهَا (وَغَيْرِ فِكْرٍ) فِي مَعَانِيهَا; فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي طَوْقِ الْبَشَرِ أَنْ يُكَلَّفُوهُ، وَلَا فِي وُسْعِهِمْ أَنْ يَعْرِفُوهُ، وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ، وَالْحَقُ مَنْ سَلَفَ، فَكَانَ الزُّهْرِيُّ، وَالْإِمَامُ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَغَيْرُهُمْ - ﵃ - يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ، يَعْنِي الَّتِي فِيهَا مَجِيءُ اللَّهِ، وَوَجْهُهُ وَإِتْيَانُهُ، وَالْأَخْبَارُ كَخَبَرِ النُّزُولِ " مُرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ "، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَسَمِعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - شَخْصًا يَرْوِي حَدِيثَ النُّزُولِ، وَيَقُولُ يَنْزِلُ بِغَيْرِ حَرَكَةٍ، وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَا تَغَيُّرِ حَالٍ
[ ١ / ٢٦١ ]
فَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ قُلْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَهُوَ كَانَ أَغْيَرَ عَلَى رَبِّهِ مِنْكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ - فِي كِتَابِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ: مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالنَّفْسِ فَهُوَ لَهُ صِفَاتٌ بِلَا كَيْفٍ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ يَدَهُ قُدْرَتُهُ وَنِعْمَتُهُ، لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ الصِّفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْقَدَرِ وَالِاعْتِزَالِ، وَلَكِنَّ يَدَهُ صِفَتُهُ بِلَا كَيْفٍ، وَغَضَبُهُ وَرِضَاهُ صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِهِ بِلَا كَيْفٍ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ الْأُصْبُعَ وَالْيَدَ صِفَةٌ لَهُ تَعَالَى لَا بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ بَلْ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَّالِيُّ فِي كِتَابِهِ " إِلْجَامِ الْعَوَّامِ " فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْهُ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَقَّ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا مِرَاءَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ أَعْنِي الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ - ﵃ أَجْمَعِينَ -. ثُمَّ قَالَ: حَقِيقَةُ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَهُوَ الْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ حَدِيثٌ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنْ عَوَامِّ الْخَلْقِ يَجِبُ عَلَيْهِ سَبْعَةُ أُمُورٍ، التَّقْدِيسُ ثُمَّ التَّصْدِيقُ ثُمَّ الِاعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ ثُمَّ السُّكُوتُ ثُمَّ الْكَفُّ ثُمَّ الْإِمْسَاكُ ثُمَّ التَّسْلِيمُ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
(فَالتَّقْدِيسُ) تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ وَتَوَابِعِهَا، (وَالتَّصْدِيقُ) الْإِيمَانُ بِقَوْلِهِ - ﷺ - وَأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرَ حَقٌّ، وَهُوَ فِيمَا قَالَهُ صَادِقٌ، وَأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ وَأَرَادَهُ، (وَالِاعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ) أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ مُرَادِهِ لَيْسَ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَحِرْفَتِهِ، (وَالسُّكُوتُ) بِأَنْ لَا يَسْأَلَ عَنْ مَعْنَاهُ وَلَا يَخُوضَ فِيهِ مُخَاطِرًا بِدِينِهِ، وَأَنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْفُرَ لَوْ خَاضَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. وَأَمَّا (الْإِمْسَاكُ) فَأَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ بِالتَّصْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ بِلُغَةٍ أُخْرَى وَالزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنُّقْصَانِ مِنْهَا وَالْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ، بَلْ أَلَّا يَنْطِقَ لَا بِذَلِكَ اللَّفْظِ وَعَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مِنَ الْإِيرَادِ وَالْإِعْرَابِ وَالتَّصْرِيفِ وَالصِّيغَةِ، (وَأَمَّا الْكَفُّ) فَبِأَنْ يَكُفَّ بَاطِنَهُ عَنِ الْبَحْثِ عَنْهُ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ، (وَأَمَّا التَّسْلِيمُ) لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَأَنْ لَا يَعْتَقِدَ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ فَقَدْ خَفِيَ عَلَى الرَّسُولِ - ﷺ - وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ عَلَى الصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ، انْتَهَى، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا هُوَ تَعَالَى غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ مَا يَجِبُ لَهُ تَعَالَى مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْإِخْبَارِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، أَخَذَ فِي ذِكْرِ مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَقَالَ:
[الأوصاف المستحيلة في حق الله تعالى]
«وَيَسْتَحِيلُ الْجَهْلُ وَالْعَجْزُ كَمَا قَدِ اسْتَحَالَ الْمَوْتُ حَقًّا وَالْعَمَى»
«فَكُلُّ نَقْصٍ قَدْ تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ فَيَا بُشْرَى لِمَنْ وَالَاهُ»
«وَيَسْتَحِيلُ» فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَضْدَادُ الصِّفَاتِ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ، وَالْمُسْتَحِيلُ هُوَ كَمَا مَرَّ مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ ثُبُوتُهُ، فَمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ مَوْلَانَا ﷿ «الْجَهْلُ» الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعِلْمِ، «وَالْعَجْزُ» الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْقُدْرَةِ، «كَمَا» أَنَّهُ قَدِ «اسْتَحَالَ» فِي حَقِّهِ تَعَالَى «الْمَوْتُ» الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ، حَقَّ ذَلِكَ «حَقًّا» فَهُوَ مَصْدَرٌ «وَ» يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى «الْعَمَى»، الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَصَرِ، وَكَذَا الصَّمَمُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ السَّمْعِ، وَالْبَكَمُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكَلَامِ، وَالْفَنَاءُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَقَاءِ، وَالْعَدَمُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْوُجُودِ، وَالْفَقْرُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْغِنَى، وَالْمُمَاثَلَةُ لِلْحَوَادِثِ الْمَنْفِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، فَهِيَ مِنَ الْمُسْتَحِيلَةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَمَا نَفَاهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ كَقَوْلِهِ (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]- ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]- ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]- ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]- ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]- ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الفرقان: ٢]- ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]) وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالنَّفْيُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمَنْفِيِّ، وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ كَمَالًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَمَالًا إِذَا اسْتَلْزَمَ أَمْرًا وُجُودِيًّا، فَلِهَذَا لَمْ يَصِفِ الرَّبُّ تَعَالَى نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ النَّفْيِ إِلَّا إِذَا تَضَمَّنَ ثُبُوتًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَقَوْلُهُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ، فَإِنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَمَنْ تَأْخُذُهُ السِّنَةُ وَالنَّوْمُ لَا يَكُونُ قَيُّومًا دَائِمًا بِنَفْسِهِ، مُقِيمًا لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ السِّنَةَ وَالنَّوْمَ يُنَاقِضُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَنَفْيُ شَفَاعَةِ أَحَدٍ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَتَضَمَّنُ كَمَالَ كَوْنِهِ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكٌ وَلَا ظَهِيرٌ، فَإِنَّ الشَّافِعَ إِذَا شَفَعَ عِنْدَ
[ ١ / ٢٦٣ ]
غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ شَرِيكًا لَهُ فِيمَا يَشْفَعُ فِيهِ، وَكَانَ مُتَصَرِّفًا فِيهِ إِذْ جَعَلَهُ مُمَاثِلًا، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَكَانَ فِي نَفْسِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَالصَّمَدُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ ضِدًّا لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ نَقِيضًا أَوْ خِلَافًا فَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلِهَذَا قَالَ «فَكُلُّ نَقْصٍ» مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا «قَدْ تَعَالَى» وَتَنَزَّهَ «اللَّهُ عَنْهُ» لِأَنَّ لَهُ الْكَمَالَ الْمُطْلَقَ فَكُلُّ كَمَالٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ مَا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِ، وَكُلُّ نَقْصٍ فَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ «فَيَا بُشْرَى» نَادَى الْبُشْرَى بِشَارَةً «لِ» كُلِّ «مَنْ» أَيْ شَخْصٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَدْ «وَالَاهُ» اللَّهُ، أَوْ قَدْ وَالَى هُوَ اللَّهَ، أَيِ اتَّخَذَ وَلِيًّا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَمُفَوِّضًا جَمِيعَ أُمُورِهِ إِلَيْهِ، مَعَ اقْتِفَائِهِ الْمَأْثُورَ وَاتِّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِنَفْسِهِ وَلِسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ هَذَا أَوَانُ حُصُولِ الْبُشْرَى لَكُمْ، أَوْ يَا بُشْرَى أَقْبِلِي وَتَعَالِي فَهَذَا أَوَانُكِ، وَإِنَّمَا نَوَّهَ بِالْبُشْرَى لِمَنْ وَالَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعِظَمِ ذَلِكَ وَخَطَرِهِ وَدُخُولِهِ فِي حِصْنِ وِلَايَتِهِ وَمَحَلِّ نَظَرِهِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ - عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنَتْهُ بِالْحَرْبِ» " الْحَدِيثَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ - ﵂ - عَنِ النَّبِيِّ صَلِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللَّهِ ﷿ أَنَّهُ قَالَ " «مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي» "، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ اللَّهُ ﷿ " «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» "
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ " «إِنَّ يَسِيرَ الرِّئَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ وَالْأَتْقِيَاءَ وَالْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» "، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] فَالنَّاظِمُ اقْتَبَسَ مِنَ الْآيَةِ الْبِشَارَةَ لِأَهْلِ الْوَلَايَةِ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ
[ ١ / ٢٦٤ ]
فِي كِتَابِ الزُّهْدِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَالَ لِمُوسَى - ﵇ - حِينَ كَلَّمَهُ: اعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا وَأَخَافَهُ فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَبَادَأَنِي وَعَرَّضَ نَفْسَهُ وَدَعَانِي إِلَيْهَا، وَأَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي، أَفَيَظُنُّ الَّذِي يُحَارِبُنِي أَنْ يَقُومَ لِي، أَوْ يَظُنُّ الَّذِي يُعَاجِزُنِي أَنْ يُعْجِزَنِي، أَمْ يَظُنُّ الَّذِي يُبَارِزُنِي أَنْ يَسْبِقَنِي أَوْ يَفُوتَنِي، وَكَيْفَ وَأَنَا الثَّائِرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَا أَكِلَ نُصْرَتَهُمْ إِلَى غَيْرِي»، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ حَارَبَهُ، لَكِنْ كُلَّمَا كَانَ الذَّنْبُ أَقْبَحَ كَانَ أَشَدَّ مُحَارَبَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى أَكَلَةَ الرِّبَا وَقُطَّاعَ الطُّرُقِ مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ لِعِظَمِ ظُلْمِهِمْ لِعِبَادِهِ وَسَعْيِهِمْ بِالْفَسَادِ فِي بِلَادِهِ، وَكَذَلِكَ مُعَادَاةُ أَوْلِيَائِهِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَوَلَّى نُصْرَةَ أَوْلِيَائِهِ وَيُحِبُّهُمْ وَيُؤَيِّدُهُمْ فَمَنْ عَادَاهُمْ فَقَدْ عَادَى اللَّهَ وَحَارَبَهُ، فَإِذَا كَانَ مَنْ وَالَى اللَّهَ تَعَالَى بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ الْحِفْظِ وَالْإِعْزَازِ وَالنُّصْرَةِ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْعَزِيزِ الْقَهَّارِ، وَتَوَعُّدِ مَنْ عَادَاهُ وَآذَاهُ بِمُعَادَاةِ الْقَوِيِّ الْجَبَّارِ، فَلَهُ الْبِشَارَةُ الْعُظْمَى وَالْمَسَرَّةُ وَالْمَنْزِلَةُ الْعُلْيَا وَالْمَبَرَّةُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْحَقَّ ﷿ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمَالٍ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْمُتَعَالِ.
تَنْبِيهٌ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - جِمَاعُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَقْسَامَ الْمُمْكِنَةَ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا سِتَّةُ أَقْسَامٍ، كُلُّ قِسْمٍ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، قِسْمَانِ يَقُولَانِ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَقِسْمَانِ يَقُولَانِ عَلَى خِلَافِ ظَوَاهِرِهَا، وَقِسْمَانِ يَسْكُتَانِ، فَأَمَّا الْأَوَّلَانِ فَأَحَدُهُمَا مَنْ يُجْرِيهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مَنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَهَؤُلَاءِ الْمُشَبِّهَةُ وَمَذْهَبُهُمْ بَاطِلٌ، أَنْكَرَهُ السَّلَفُ وَعَلَيْهِمْ تَوَجَّهَ الرَّدُّ بِالْحَقِّ، الثَّانِي مِنْ يُجْرِيهَا عَلَى ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ، كَمَا يَجْرِي اسْمُ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالرَّبِّ وَالْإِلَهِ وَالْمَوْجُودِ وَالذَّاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهَا اللَّائِقِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ ظَوَاهِرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ إِمَّا جَوْهَرٌ مُحْدَثٌ، وَإِمَّا عَرَضٌ قَائِمٌ، فَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْكَلَامُ وَالْمَشِيئَةُ وَالرَّحْمَةُ وَالرِّضَا وَالْغَضَبُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ أَعْرَاضٌ وَالْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالْعَيْنُ فِي حَقِّهِ أَجْسَامٌ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ
[ ١ / ٢٦٥ ]
﷿ مَوْصُوفًا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ بِأَنَّ لَهُ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَكَلَامًا وَمَشِيئَةً، وَلَمْ تَكُنْ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أَعْرَاضًا يَجُوزُ عَلَيْهَا مَا يَجُوزُ عَلَى صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَكَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ وَنَحْوُهَا صِفَاتٌ لَهُ تَعَالَى لَا كَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ السَّلَفِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ جُمْهُورِهِمْ، وَكَلَامُ الْبَاقِينَ لَا يُخَالِفُهُ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ، فَإِنَّ الصِّفَاتَ كَالذَّاتِ فَكَمَا أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ ثَابِتَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا، فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إِلَّا مَا يُنَاسِبُ الْمَخْلُوقَ، فَقَدْ ضَلَّ فِي عَقْلِهِ وَدِينِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّ صِفَاتَهُ لَا يَعْلَمُ كُنْهَهَا وَحَقِيقَتَهَا إِلَّا هُوَ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا تُعْلَمُ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ وَالصِّفَاتُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي حَقِيقَةِ الرُّوحِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا مَعَ الْقَطْعِ بِاتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ، وَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَعْرُجُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَدْ تَخَبَّطَ فِيهَا الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ تَخَبُّطَ الَّذِي بِهِ مَسٌّ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ لِكَوْنِهِمْ رَأَوْهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْبَدَنِ وَعَالَمِهِ وَصِفَاتِهِ، فَعَدَمِ مُمَاثَلَتِهَا لِلْبَدَنِ لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ الصِّفَاتُ الثَّابِتَةُ لَهَا مِنَ الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ حَقًّا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَأَمَّا الْقِسْمَانِ اللَّذَانِ يَقُولَانِ هِيَ عَلَى خِلَافِ ظَوَاهِرِهَا، فَقِسْمٌ يَتَأَوَّلُونَهَا وَيُعَيِّنُونَ الْمُرَادَ مِنْهَا، مِثْلُ قَوْلِهِمُ اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى أَوْ بِمَعْنَى عُلُوِّ الْمَكَانَةِ وَالْقَدْرِ، وَقِسْمٌ يَقُولُونَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْهَا لَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِثْبَاتَ صِفَةٍ خَارِجَةٍ عَمَّا عَلِمْنَاهُ.
قَالَ: وَأَمَّا الْقِسْمَانِ الْوَاقِفَانِ فَقِسْمٌ يَقُولُ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهَا اللَّائِقَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ صِفَةً لِلَّهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِسْمٌ يُمْسِكُونَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَلَا يَزِيدُونَ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَقِرَاءَةِ الْحَدِيثِ مُعْرِضِينَ بِقُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ.
قَالَ: فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ السِّتَّةُ لَا يُمْكِنُ الرَّجُلَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ قِسْمٍ مِنْهَا، قَالَ وَالصَّوَابُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا الْقَطْعُ بِالطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[ ١ / ٢٦٦ ]
[فصل في إيمان المقلد]
[ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ]
فَصْلٌ
فِي ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ فِي الْعَقَائِدِ وَعَدَمِهَا وَفِي جَوَازِهِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ أَشَارَ النَّاظِمُ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ وَالَّذِي هُوَ مَزَلَّةُ أَقْدَامٍ فَقَالَ:
«وَكُلُّ مَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ فَمَنْعُ تَقْلِيدٍ بِذَاكَ حَتْمُ»
«لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالظَّنِّ لِذِي الْحِجَى فِي قَوْلِ أَهْلِ الْفَنِّ»
«وَقِيلَ يَكْفِي الْجَزْمُ إِجْمَاعًا بِمَا يُطْلَبُ فِيهِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَا»
«فَالْجَازِمُونَ مِنْ عَوَامِّ الْبَشَرِ فَمُسْلِمُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ» .
«وَكُلُّ مَا» أَيْ حُكْمٌ وَمَطْلُوبٌ مِمَّا عَنْهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ، وَهُوَ مَا أَنْبَأَ عَنْ أَمْرٍ فِي نَفْسِكَ مِنْ إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا كُلُّ اعْتِقَادٍ «يُطْلَبُ فِيهِ» أَيْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَجِبُ لَهُ وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ «الْجَزْمُ» بِأَنْ يَجْزِمَ بِهِ جَزْمًا لَا يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ عِنْدَهُ لَوْ قَدَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ طَابَقَ الْوَاقِعَ فَهُوَ اعْتِقَادٌ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَفَاسِدٌ، فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ «فَمَنْعُ تَقْلِيدٍ» وَهُوَ لُغَةً وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْعُنُقِ حَالَ كَوْنِهِ مُحِيطًا بِهِ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى قِلَادَةً وَجَمْعُهَا قَلَائِدُ، وَعُرْفًا أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ يَعْنِي اعْتِقَادَ صِحَّتِهِ وَاتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ بِلَا دَلِيلٍ، فَإِنْ أَخَذَهُ بِالدَّلِيلِ فَلَيْسَ بِمُقَلِّدٍ لَهُ فِيهِ، وَلَوْ وَافَقَهُ فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِ - ﷺ - لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي الْمُسَوَّدَةِ: التَّقْلِيدُ قَبُولُ الْقَوْلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَيْسَ الْمَصِيرُ إِلَى الْإِجْمَاعِ بِتَقْلِيدٍ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ، وَلِذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَا يُقَالُ تَقْلِيدٌ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ مَنْ قَلَّدَ الْخَبَرَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْلَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ عَلَى مَنْ صَارَ إِلَى الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ.
انْتَهَى مُلَخَّصًا «بِذَاكَ» أَيْ بِمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ «حَتْمِ» بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ أَيْ لَازِمٌ وَاجِبٌ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ يَحْرُمُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ، وَكَذَا فِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ، عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - وَالْأَكْثَرِ وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ قَالَهُ
[ ١ / ٢٦٧ ]
فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ، قَالَ: وَأَطْلَقَ الْحُلْوَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِ مَنْعَ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَاسْتَدَلُّوا لِتَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ بِأَمْرِهِ ﷾ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ.
وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ لَمَّا نَزَلَ فِي آلِ عِمْرَانَ " ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] " الْآيَاتِ قَالَ - ﷺ -: " «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهُنَّ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُنَّ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» ".
وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَحْصُلُ بِتَقْلِيدٍ لِجَوَازِ كَذِبِ الْمُخْبِرِ، وَاسْتِحَالَةِ حُصُولِهَا، كَمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ، وَكَمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِهِ، وَلِأَنَّ التَّقْلِيدَ لَوْ أَفَادَ عِلْمًا، فَإِمَّا بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ، فَيَسْتَلْزِمُ الدَّلِيلَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ، وَاحْتِمَالِ الْخَطَأِ لِعَدَمِ مُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَأَلْزَمَ الشَّارِعَ بِالْعِلْمِ، وَيَلْزَمُنَا نَحْنُ أَيْضًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
فَتَعَيَّنَ طَلَبُ الْيَقِينِ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، وَالتَّقْلِيدُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَلِهَذَا قَالَ مُعَلِّلًا لِلْمَنْعِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ «لِأَنَّهُ» أَيِ الشَّأْنَ وَالْأَمْرَ وَالْقِصَّةَ «لَا يُكْتَفَى» فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ «بِالظَّنِّ» الَّذِي هُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَالرَّاجِحُ هُوَ الظَّنُّ، وَالْمَرْجُوحُ الْوَهْمُ، فَلَا يُكْتَفَى بِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ «لِذِي» أَيْ لِصَاحِبِ «الْحِجَى» كَإِلَى أَيِ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ «فِي قَوْلِ أَهْلِ الْفَنِّ» مِنَ الْأَئِمَّةِ وَعُلَمَاءِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُتَكَلِّمَةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: كُلُّ مَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ يَمْتَنِعُ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَالْأَخْذُ فِيهِ بِالظَّنِّ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ، وَإِنَّمَا يُفِيدُهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، قَالَ: فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ: وَأَجَازَهُ - يَعْنِي فِي التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ - جَمْعٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَأَجَازَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلِهَا هَلْ نَظَرْتَ؟ وَسَمِعَهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ التَّبَّانِ الْمُعْتَزِلِيِّ قَالَ: وَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِطَرِيقٍ فَاسِدٍ، وَقَالَ هَذَا الْمُعْتَزِلِيُّ: إِذَا عَرَفَ اللَّهَ، وَصَدَّقَ رَسُولَهُ، وَسَكَنَ قَلْبُهُ إِلَى ذَلِكَ، وَاطْمَأَنَّ بِهِ، فَلَا عَلَيْنَا مِنْ طَرِيقِ تَقْلِيدٍ كَانَ أَوْ نَظَرًا أَوِ اسْتِدْلَالًا، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ «وَقِيلَ يَكْفِي» فِي أُصُولِ الدِّينِ «الْجَزْمُ»
[ ١ / ٢٦٨ ]
وَلَوْ تَقْلِيدًا «إِجْمَاعِيًّا» «بِ» كُلِّ «مَا» أَيْ حُكْمٍ «يُطْلَبُ» بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلَى الْجَزْمِ «فِيهِ» أَيْ فِيهِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ «عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ» مِنْ عُلَمَاءِ مَذْهَبِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْعَنْبَرِيُّ وَغَيْرُهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَلَا يَجِبُ النَّظَرُ اكْتِفَاءً بِالْعَقْدِ الْجَازِمِ، لِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ يَكْتَفِي فِي الْإِيمَانِ مِنَ الْأَعْرَابِ - وَلَيْسُوا أَهْلًا لِلنَّظَرِ - بِالتَّلَفُّظِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ الْمُنْبِئِ عَنِ الْعَقْدِ الْجَازِمِ، وَيُقَاسُ غَيْرُ الْإِيمَانِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَقِيلَ يَكْفِي الْجَزْمُ يَعْنِي بِالظَّنِّ إِجْمَاعًا بِمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ، «فَالْجَازِمُونَ» حِينَئِذٍ بِعَقْدِهِمْ، وَلَوْ تَقْلِيدًا «مِنْ عَوَامِّ الْبَشَرِ» الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِسْلَامُ بِدُونِهِ «فَ» عَلَى الصَّوَابِ هُمْ «مُسْلِمُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ» وَأَكْثَرِ النُّظَّارِ وَالْمُحَقِّقِينَ وَإِنْ عَجَزُوا عَنْ بَيَانِ مَا لَمْ يَتِمَّ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَجْزِمَ عَنْ دَلِيلٍ - يَعْنِي بَلْ يَكْفِي الْجَزْمُ وَلَوْ عَنْ تَقْلِيدٍ، وَقِيلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ حُكْمًا فِي النِّكَاحِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يُدْرَى مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ ابْنَ قَاضِي الْجَبَلِ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي أُصُولِهِ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْقِيَاسُ النَّقْلِيُّ حُجَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَجِبُ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ، وَالْحَقُّ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، وَلَا انْفِكَاكَ لِأَحَدٍ مِنْهُ صِحَّةُ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ تَقْلِيدًا جَازِمًا صَحِيحًا، وَأَنَّ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ، وَأَنَّ التَّقْلِيدَ الصَّحِيحَ مُحَصِّلٌ لِلْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، نَعَمْ يَجِبُ النَّظَرُ عَلَى مَنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ أَوَّلَ مَا تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ.
قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، بَلْ يَكْفِي اعْتِقَادٌ جَازِمٌ بِذَلِكَ، إِذِ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى مِنَ الْخَلَفِ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، صِحَّةُ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ، قَالَ: وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ، فَكَذِبٌ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ.
ثُمَّ قَالَ: وَمِمَّا يَرُدُّ عَلَى زَاعِمِي بُطْلَانِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ
[ ١ / ٢٦٩ ]
عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فَتَحُوا أَكْثَرَ الْعَجَمِ، وَقَبِلُوا إِيمَانَ عَوَامِّهِمْ، كَأَجْلَافِ الْعَرَبِ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ السَّيْفِ، أَوْ تَبَعًا لِكَبِيرٍ مِنْهُمْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَأْمُرُوا أَحَدًا مِنْهُمْ بِتَرْدِيدِ نَظَرٍ، وَلَا سَأَلُوهُ عَنْ دَلِيلِ تَصْدِيقِهِ، وَلَا أَرْجَئُوا أَمْرَهُ حَتَّى يُنْظَرَ
وَالْعَقْلُ يَجْزِمُ فِي نَحْوِ هَذَا بِعَدَمِ وُقُوعِ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُمْ لِاسْتِحَالَتِهِ حِينَئِذٍ، فَكَانَ مَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ دَلِيلًا أَيَّ دَلِيلٍ عَلَى إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ، وَقَالَ: إِنَّ التَّقْلِيدَ أَنْ يَسْمَعَ مَنْ نَشَأَ بِقُلَّةِ جَبَلٍ النَّاسَ يَقُولُونَ لِلْخَلْقِ رَبٌّ خَلَقَهُمْ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ لَهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ عَلَيْهِمْ، فَيَجْزِمُ بِذَلِكَ إِجْلَالًا لَهُمْ عَنِ الْخَطَأِ، وَتَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِمْ، فَإِذَا تَمَّ جَزْمُهُ بِأَنْ لَمْ يَجُزْ نَقِيضُ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَقَدْ حَصَلَ وَاجِبُ الْإِيمَانِ، وَإِنْ فَاتَهُ الِاسْتِدْلَالُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذَاتِهِ بَلْ لِلتَّوَصُّلِ بِهِ لِلْجَزْمِ وَقَدْ حَصَلَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْآتِي بِالشَّهَادَتَيْنِ مُؤْمِنٌ حَقًّا، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْجَمَاهِيرِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، لِأَنَّهُ - ﷺ - اكْتَفَى بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَعْرِفَةَ بِالدَّلِيلِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهَذَا الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرُ وَالْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ، انْتَهَى.
وَبِمَا تَقَرَّرَ تَعْلَمُ أَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ مُطْلَقًا، وَإِلَّا لَمَا وُجِدَتْ بِدُونِهِ لِوُجُوبِ انْتِفَاءِ الْمَشْرُوطِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ، لَكِنَّهَا قَدْ تُوجَدُ فَظَهَرَ أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ لَا طَرِيقَ لَهُ سِوَاهُ، بِأَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوَّلَ مَا بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ، وَصَدَّقَ بِهِ تَصْدِيقًا جَازِمًا بِلَا تَرَدُّدٍ، فَمَعَ صِحَّةِ إِيمَانِهِ بِالِاتِّفَاقِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ النَّظَرِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ الْإِثْمُ مَعَ حُصُولِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي لِأَجْلِهِ طُلِبَ النَّظَرُ مِنَ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ قَدْ حَصَلَ بِدُونِ النَّظَرِ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، نَعَمْ فِي رُتْبَتِهِ انْحِطَاطٌ، وَرُبَّمَا كَانَ مُتَزَلْزِلَ الْإِيمَانِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ النَّظَرِ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ الْإِيمَانُ، وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَأْثِيمِهِ لِأَنَّ جَزْمَهُ حِينَئِذٍ لَا ثِقَةَ بِهِ، إِذْ لَوْ عُرِضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ عَكَّرَتْ عَلَيْهِ، وَصَارَ مُتَرَدِّدًا بِخِلَافِ الْجَزْمِ النَّاشِئِ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّهُ لَا يَفُوتُ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
[ ١ / ٢٧٠ ]
[تَنْبِيهَاتٌ]
[التنبيه الأول في التقليد ثلاثة أقوال أو أربعة]
الْأَوَّلُ: فِي مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، (أَوَّلُهَا) النَّظَرُ وَاجِبٌ، وَقَدْ نَقَلْنَاهُ عَمَّنْ مَرَّ النَّقْلُ عَنْهُمْ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ.
(الثَّانِي) لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالتَّقْلِيدُ جَائِزٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَ الْعَنْبَرِيِّ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ.
(الثَّالِثُ) التَّقْلِيدُ حَرَامٌ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَمَعَ إِثْمِهِ بِتَرْكِ النَّظَرِ، فَإِيمَانُهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ فُهِمَ كُلُّ هَذَا مِمَّا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا.
وَثَمَّ قَوْلٌ (رَابِعٌ) وَهُوَ أَنَّ النَّظَرَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبَهِ وَالضَّلَالِ لِاخْتِلَافِ الْأَذْهَانِ بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ، فَيَجِبُ بِأَنْ يَجْزِمَ الْمُكَلَّفُ عَقْدَهُ بِمَا يَأْتِي بِهِ الشَّرْعُ مِنَ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، وَلَكِنْ قَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَإِنْ سُمِّيَ تَقْلِيدًا فَمَجَازٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ -: وَمَنْ قَلَّدَ الْخَبَرَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْلَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ «فَيْصَلُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ): مَنْ ظَنَّ أَنَّ مَدْرَكَ الْإِيمَانِ الْكَلَامُ وَالْأَدِلَّةُ الْمُحَرَّرَةُ وَالتَّقْسِيمَاتُ الْمُرَتَّبَةُ فَقَدْ أَبْعَدَ، لَا بَلِ الْإِيمَانُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ عَطِيَّةً وَهَدِيَّةً مِنْ عِنْدِهِ، تَارَةً بِتَنْبِيهٍ فِي الْبَاطِنِ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ، وَتَارَةً بِسَبَبِ رُؤْيَا فِي الْمَنَامِ، وَتَارَةً بِقَرِينَةِ حَالِ رَجُلٍ مُتَدَيِّنٍ وَسِرَايَةِ نُورِهِ إِلَيْهِ عِنْدَ صُحْبَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ، وَتَارَةً بِقَرِينَةِ حَالٍ، «فَقَدْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - جَاحِدًا لَهُ مُنْكِرًا، فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى طَلْعَتِهِ الْبَهِيَّةِ، وَغُرَّتِهِ الْفَرِيدَةِ، فَرَآهَا يَتَلَأْلَأُ مِنْهَا نُورُ النُّبُوَّةِ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا وَجْهُ كَذَّابٍ، وَسَأَلَ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ» .
«وَجَاءَ آخَرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، آللَّهُ بَعَثَكَ نَبِيًّا؟ فَقَالَ " بَلَى وَاللَّهِ، اللَّهُ بَعَثَنِي نَبِيًّا " فَصَدَّقَهُ بِيَمِينِهِ وَأَسْلَمَ» . وَأَمْثَالُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَمْ يَشْتَغِلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَطُّ بِكَلَامٍ وَتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ، بَلْ كَانَ يَبْدُو نُورُ الْإِيمَانِ أَوَّلًا بِمِثْلِ هَذِهِ الْقَرَائِنِ فِي قُلُوبِهِمْ لَمْعَةً بَيْضَاءَ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ وُضُوحًا وَإِشْرَاقًا بِمُشَاهَدَةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْعَظِيمَةِ، وَبِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتَصْفِيَةِ الْقُلُوبِ - إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقُّ الصَّرِيحُ أَنَّ كُلَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ حَقٌّ، اعْتِقَادًا جَازِمًا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَدِلَّتَهُ.
قَالَ: فَالْإِيمَانُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْكَلَامِيَّةِ ضَعِيفٌ جِدًّا، مُشْرِفٌ عَلَى التَّزَلْزُلِ بِكُلِّ شُبْهَةٍ، انْتَهَى
[ ١ / ٢٧١ ]
فَإِنْ قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ - ﵃ - كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْعَوَامَّ وَأَجْلَافَ الْعَرَبِ يَعْلَمُونَ الْأَدِلَّةَ إِجْمَالًا، كَمَا أَجَابَ بِهِ الْأَعْرَابِيُّ الْأَصْمَعِيَّ عَنْ دَلِيلِ سُؤَالِهِ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَآثَرُ الْأَقْدَامِ يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ.
فَلِذَلِكَ لَمْ يُلْزِمُوهُمْ بِالنَّظَرِ، وَلَا سَأَلُوهُمْ عَنْهُ، وَلَا أَرْجَئُوا أَمْرَهُمْ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنِ اكْتِفَاؤُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ النَّظَرِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَلَا عَلَى أَنَّ تَارِكَهُ غَيْرُ آثِمٍ. فَالْجَوَابُ: مَا ذَكَرُوهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَحِكَايَةُ الْأَعْرَابِيِّ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَجْلَافِ وَالْعَوَامِّ كَانُوا عَالِمِينَ بِالْأَدِلَّةِ إِجْمَالًا، فَإِنَّ الْمِثَالَ الْجُزْئِيَّ لَا يُصَحِّحُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ، وَالْعُقُولُ مُخْتَلِفَةُ الْأَمْزِجَةِ مُتَفَاوِتَةٌ أَشَدَّ تَفَاوُتٍ، فَوُجُودُ فَرْدٍ مِنَ الْأَعْرَابِ قَوِيِّ الْعَقْلِ نَافِذِ الْبَصِيرَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْأَعْرَابِ وَالْأَجْلَافِ كَذَلِكَ بِلَا خَفَاءٍ.
وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ مِنَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي عَهْدِهِمْ كَانُوا يَكُونُونَ عَجَمًا وَنِسَاءً، وَقَبِلُوا مِنْهُمُ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِالنَّظَرِ وَلَمْ يُرْجِئُوهُمْ، أَيْضًا كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ مِنْ قُرَيْشٍ يُجَادِلُونَ وَيُنَاضِلُونَ عَنْ آلِهَتِهِمْ، وَ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥]، وَقَالُوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، وَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ، وَهُوَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَصَنَادِيدِهِمْ، يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ. فَمِثْلُ هَذَا الْمُصَمِّمِ عَلَى الشِّرْكِ الْمُتَعَجِّبِ مَعَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَقَدْ أَسْلَمَ تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ، كَيْفَ كَانَ - ﷺ - (يَرَى) أَنَّ مِثْلَ هَذَا كَانَ يَعْلَمُ دَلِيلًا إِجْمَالِيًّا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ لَمْ يَسْمَعُوا، وَلَمْ يَعْلَمُوا مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا الشِّرْكَ الْمُصَمَّمَ، وَالْكُفْرَ الصُّرَاحَ، وَالِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ. هَذَا مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ.
[التنبيه الثاني التقليد الصحيح محصل للعلم]
(الثَّانِي) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ التَّقْلِيدَ الصَّحِيحَ مُحَصِّلٌ لِلْعِلْمِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْمُقَلِّدَ تَقْلِيدًا صَحِيحًا لَا يُصَدِّقُ بِمَا أُلْقِيَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَقَائِدِ إِلَّا بَعْدَ انْكِشَافِ صِدْقِهَا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالْفِرْيَابِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ
[ ١ / ٢٧٢ ]
الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيِّ - رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَيْسَ هُوَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ - قَالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ لِلْإِسْلَامِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ " نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ "، قَالُوا فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتٍ يُعْرَفُ بِهَا؟ قَالَ " الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقَاءِ الْمَوْتِ» "
قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مُرْسَلٌ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَمُرْسَلَةٌ يَرْتَقِي بِهَا إِلَى دَرَجَةِ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ.
وَكَمَا كَانَ قَذْفُ النُّورِ فِي الْقَلْبِ مُوجِبًا لِانْشِرَاحِ الصَّدْرِ وَانْفِسَاحِ الْقَلْبِ، كَانَ قَذْفُهُ مُسْتَلْزِمًا لِجَعْلِ النَّفْسِ قَابِلَةً لِلْحَقِّ مُهَيَّأَةً لِحُلُولِهِ فِيهَا مُصَفَّاةً عَمَّا يَمْنَعُهُ وَيُنَافِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ اسْتِدْلَالٌ أَوْ لَا، وَكُلَّمَا تَصَفَّتْ مِنْ كُدُورَاتِهَا، وَاتَّصَفَتْ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، كَانَ قُبُولُهَا لِلْعَقَائِدِ الْخَفِيَّةِ أَشَدَّ، وَإِذْعَانُهَا لَهَا أَحْرَى لِكَوْنِ ذَلِكَ النُّورِ الْمَقْذُوفِ فِي الْقَلْبِ كَاشِفًا لِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ عَنْ صِدْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْعَقَائِدِ كَشْفًا يَحْمِلُهُ عَلَى الْإِذْعَانِ وَالِانْقِيَادِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ وَحُسْنِ الِاعْتِقَادِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ ضَرُورِيًّا حَتَّى لَوْ رَامَ الِانْفِكَاكَ عَنْهُ، لَمْ يَجِدْ لَهُ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَظَرٌ وَلَا اسْتِدْلَالٌ.
[التنبيه الثالث ما نقل عن أبو الحسن الأشعري في إيمان المقلد]
(الثَّالِثُ) قَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ انْبِنَاءِ الِاعْتِقَادِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْأُصُولِ عَلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ الِاقْتِدَارُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ، وَعَلَى مُجَادَلَةِ الْخُصُومِ، وَدَفْعِ الشُّبَهِ، قَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي (شَرْحِ الْمَقَاصِدِ): هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ حَتَّى حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا. انْتَهَى.
قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَعَنِ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَصِحُّ إِيمَانُ الْمُقَلِّدِ. قَالَ شَارِحُهُ: وَشَنَّعَ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَكْفِيرُ الْعَوَامِّ، وَهُمْ غَالِبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ.
قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ أَخْذًا لِقَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احْتِمَالٍ شَكٍّ أَوْ وَهْمٍ بِأَنْ لَا يَجْزِمَ بِهِ، فَلَا يَكْفِي إِيمَانُ الْمُقَلِّدِ قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَا إِيمَانَ مَعَ أَدْنَى تَرَدُّدٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ التَّقْلِيدُ أَخْذًا لِقَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لَكِنْ جَزْمًا فَيَكْفِي إِيمَانُ الْمُقَلِّدِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ
[ ١ / ٢٧٣ ]
الْمُعْتَزِلِيِّ فِي قَوْلِهِ: لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْإِيمَانِ مِنَ النَّظَرِ.
وَقَدْ وَافَقَ النَّقْلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا، قَالُوا: قَالَ الْجُمْهُورُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَعَزَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ -.
وَالْمَشْهُورُ نَقْلُ بَعْضِهِمْ عَنِ الْجُمْهُورِ عَدَمُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ وَأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمُقَلِّدِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ إِلَّا أَنَّهُ عَاصٍ بِتَرْكِ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي يُنْتِجُهَا النَّظَرُ الصَّحِيحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَقَالَ: هُوَ مُؤْمِنٌ عَاصٍ، إِنَّ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِفَهْمِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَغَيْرُ عَاصٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّ مَنْ قَلَّدَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ الْقَطْعِيَّةَ صَحَّ إِيمَانُهُ لِاتِّبَاعِهِ الْقَطْعِيِّ، وَمَنْ قَلَّدَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إِيمَانُهُ لِعَدَمِ أَمْنِ الْخَطَأِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ شَرْطًا لِلْكَمَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ النَّظَرَ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ.
قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ (جَمْعِ الْجَوَامِعِ): وَقَدِ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ الثَّلَاثُ - يُعْنَى الْمُوجِبَةَ لِلنَّظَرِ، وَالْمُجَوِّزَةَ لَهُ، وَالْمُحَرِّمَةَ - عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ، انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْآمِدِيِّ فِي (الْأَبْكَارِ) اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى انْتِفَاءِ كُفْرِ الْمُقَلِّدِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْجُمْهُورِ إِلَّا الْقَوْلُ بِعِصْيَانِهِ بِتَرْكِ النَّظَرِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِهِ وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ إِلَّا لِأَبِي هَاشِمِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ ﷾ بِالدَّلِيلِ فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَأَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ رَئِيسُ الطَّائِفَةِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْعَوَامَّ مُؤْمِنُونَ عَارِفُونَ بِرَبِّهِمْ، وَأَنَّهُمْ حَشْوُ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ نَظَرٍ عَقْلِيٍّ فِي الْعَقَائِدِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْقَدْرِ الْكَافِي، فَإِنَّ فِطْرَتَهُمْ جُبِلَتْ عَلَى تَوْحِيدِ الصَّانِعِ، وَقِدَمِهِ، وَحُدُوثِ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَإِنْ عَجَزُوا عَنِ التَّعْبِيرِ بِاصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ.
هَذَا حَاصِلُ مَا أُجِيبَ بِهِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَكَادُ يَكُونُ فِي الْعَوَامِّ مُقَلِّدٌ. وَعِبَارَةُ (شَرْحِ الْمَقَاصِدِ) ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ إِلَى صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ، وَتَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْهُ الشَّيْخُ
[ ١ / ٢٧٤ ]
أَبُو الْحَسَنِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالصِّحَّةِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ، وَقَدْ وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِهِ بِمُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِ الْكُفْرِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا يُتَصَوَّرُ التَّصْدِيقُ بِدُونِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ إِمَّا ذَاتِيٌّ لِلتَّصْدِيقِ أَوْ شَرْطٌ لَهُ، وَلَا عِلْمَ لِلْمُقَلِّدِ لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ مُطَابِقٌ مُسْتَنِدٌ إِلَى سَبَبٍ مِنْ ضَرُورَةٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّصْدِيقِ هُوَ الْيَقِينُ، أَعْنِي الِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ بَلْ رُبَّمَا يَكْتَفِي بِالْمُطَابَقَةِ، وَيَجْعَلُ الظَّنَّ الْغَالِبَ الَّذِي لَا يَخْطُرُ مَعَهُ النَّقِيضُ بِالْبَالِ فِي حُكْمِ الْيَقِينِ. انْتَهَى.
[التنبيه الرابع اختلاف القائلين بعدم صحة إيمان المقلد]
(الرَّابِعُ) قَالَ السَّعْدُ: اعْلَمْ بِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ أَوْ لَيْسَ بِنَافِعٍ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ ابْتِنَاءُ الِاعْتِقَادِ (عَلَى اسْتِدْلَالٍ عَقْلِيٍّ) فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بَلْ يَكْفِي ابْتِنَاؤُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ عُرِفَتْ رِسَالَتُهُ بِالْمُعْجِزَةِ مُشَاهَدَةً أَوْ تَوَاتُرًا، أَوْ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ ابْتِنَاءِ الِاعْتِقَادِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْأُصُولِ عَلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ الِاقْتِدَارُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ وَلَا عَلَى مُجَادَلَةِ الْخُصُومِ، وَتَقَدَّمَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ مِنْ هَذَا قَرِيبًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مَعَ ابْتِنَاءِ الِاعْتِقَادِ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ مِنَ الِاقْتِدَارِ عَلَى مُجَادَلَةِ الْخُصُومِ، وَحَلِّ مَا يُورَدُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ - قَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ فَلَمْ يَحْكُمُوا بِإِيمَانِ مَنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يَحْكُمُ أَبُو هَاشِمٍ بِكُفْرِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ جَوَازُ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ النَّظَرُ اكْتِفَاءً بِالْعَقْدِ الْجَازِمِ. فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ. وَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُرَجَّحَ صِحَّةُ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ عِنْدَ مُحَقِّقِي كُلِّ طَائِفَةٍ بِشَرْطِ الْجَزْمِ وَعَدَمِ التَّزَلْزُلِ وَالشَّكِّ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ: الْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاجِعَ إِلَى أَخْبَارِ الرَّسُولِ، وَالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَالْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِمُقَلِّدٍ، فَمَنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِمُحَمَّدٍ - ﷺ - بِالرِّسَالَةِ، وَنَهَجَ سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ، وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَلَمْ يَأْتِ بِمُكَفِّرٍ، فَهُوَ الْمُؤْمِنُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ (تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي، فِيمَا نُسِبَ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ) بِسَنَدِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى أَبِي حَازِمٍ عُمَرَ بْنِ
[ ١ / ٢٧٥ ]
أَحْمَدَ الْعَبْدَوِيِّ الْحَافِظِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ طَاهِرَ بْنَ أَحْمَدَ السَّرْخَسِيَّ يَقُولُ: لَمَّا قَرُبَ حُضُورُ أَجْلِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي دَارِي بِبَغْدَادَ، دَعَانِي فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: اشْهَدْ عَلَيَّ أَنِّي لَا أُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّ الْكُلَّ يُشِيرُونَ إِلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ اخْتِلَافُ عِبَارَاتٍ.
انْتَهَى بِلَفْظِهِ. فَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ، وَحُسْنَ الْخَاتِمَةِ.