[إرسال الرسل منة من الله تعالى]
«الْبَابُ الْخَامِسُ»
(فِي ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَذِكْرِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَذِكْرِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَفَضْلِهِ وَفَضْلِ أَصْحَابِهِ وَأُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَسَلَّمَ وَعَظَّمَ وَكَرَّمَ) اعْلَمْ أَنَّ حَاجَةَ الْخَلْقِ إِلَى إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَبَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ضَرُورِيَّةٌ، لَا يَنْتَظِمُ لَهُمْ حَالٌ، وَلَا يَصْلُحُ لَهُمْ دِينٌ وَلَا بَالٌ إِلَّا بِذَلِكَ، فَهُمْ أَشَدُّ احْتِيَاجًا إِلَى ذَلِكَ مِنْ إِرْسَالِ الْمَطَرِ وَالْهَوَاءِ، بَلْ وَمِنَ النَّفَسِ الَّذِي لَابُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، كَمَا فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَحَالَتِ السُّمَنِيَّةُ إِرْسَالَ الرُّسُلِ لِتَوْقِيفِهِ عَلَى عِلْمِ الْمُرْسِلِ بِمَنْ أَرْسَلَهُ، وَلَا طَرِيقَ إِلَيْهِ إِلَّا الْخَبَرُ، وَأَعْلَى أَنْوَاعِهِ الْمُتَوَاتِرُ وَهُوَ لَا يُفِيدُ عِنْدَهُمْ عِلْمًا، فَلَعَلَّ الْقَائِلَ لَهُ أَرْسَلْنَاكَ إِلَى قَوْمِ كَذَا شَيْطَانٌ مَثَلًا.
وَزَعَمَتِ الْبَرَاهِمَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَجُوسِ أَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ عَبَثٌ لَا يَلِيقُ بِالْحَكِيمِ لِإِغْنَاءِ الْعَقْلِ عَنِ الرُّسُلِ، لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ إِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْعَقْلِ حَسَنًا عِنْدَهُ فَهُوَ يَفْعَلُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ قَبِيحًا فَإِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ فَعَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ سَمْعًا وَشَرْعًا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٢٥٦ ]
«وَمِنْ عَظِيمِ مِنَّةِ السَّلَامِ وَلُطْفِهِ بِسَائِرِ الْأَنَامِ»
(أَنْ أَرْشَدَ الْخَلْقَ إِلَى الْوُصُولِ مُبَيِّنًا لِلْحَقِّ بِالرَّسُولِ)
«وَمِنْ عَظِيمِ مِنَّةِ» الرَّبِّ «السَّلَامِ» الْمِنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمَنِّ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَثِيبُهُ وَلَا يَطْلُبُ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْمَنَّانُ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ الْمُعْطِي مِنَ الْمَنِّ وَهُوَ الْعَطَاءُ، وَقَدْ يَقَعُ الْمَنَّانُ عَلَى الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ وَاعْتَدَّ بِهِ عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ، وَهُوَ مَذْمُومٌ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ تُفْسِدُ الصَّنِيعَةَ إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا، وَالسَّلَامُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ ذُو السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقِيصَةٍ، فَيَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَالِكُ تَسْلِيمِ الْعِبَادِ مِنَ الْمَهَالِكِ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْقَادِرِ، وَقِيلَ ذُو السَّلَامِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِنَانِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ قَالَ تَعَالَى ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقُدُّوسِ وَالسَّلَامِ أَنَّ الْقُدُّوسَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ، وَالسَّلَامَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ «وَ» مِنْ عَظِيمِ «لُطْفِهِ» تَعَالَى أَيْ رِفْقِهِ «بِسَائِرِ» أَيْ: جَمِيعِ «الْأَنَامِ» كَسَحَابٍ، وَالْآنَامُ بِالْمَدِّ وَالْأَنِيمُ كَأَمِيرٍ الْخَلْقُ أَوِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَجَمِيعُ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، أَيْ: مِنْ رِفْقِهِ تَعَالَى بِهِمْ فِي الْفِعْلِ وَالْعِلْمِ بِدَقَائِقِ الْمَصَالِحِ وَإِيصَالِهَا إِلَى مَنْ قَدَّرَهَا لَهُ مِنْ خَلْقِهِ، يُقَالُ: لَطَفَ بِهِ وَلَهُ بِالْفَتْحِ يَلْطُفُ لُطْفًا إِذَا رَفُقَ بِهِ، وَأَمَّا لَطُفَ بِالضَّمِّ يَلْطُفُ فَمَعْنَاهُ صَغُرَ وَدَقَّ، وَمِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى اللَّطِيفُ وَهُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ لَهُ الرِّفْقُ فِي الْفِعْلِ وَالْعِلْمِ.
وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: مِنَّةِ الْمَنَّانِ وَلُطْفِهِ بِسَائِرِ الْإِنْسَانِ لِعَدَمِ شُمُولِ نَحْوِ الْجِنِّ، فَبِسَبَبِ عُمُومِ الْأَنَامِ عَلَى الْإِنْسَانِ عَدَلَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَالْإِنْسِ الْبَشَرِ، وَالْمَنُّ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ شَامِلَةٌ لِلثَّقَلَيْنِ بَلْ لِكُلِّ الْخَلْقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
«أَنْ» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ تُسْبَكُ مَعَ مَا بَعْدَهَا بِمَصْدَرٍ «أَرْشَدَ» أَيْ: هَدَى وَدَلَّ وَدَعَا ﷾، يُقَالُ: رَشَدَ كَنَصَرَ وَفَرِحَ رُشْدًا وَرَشَادًا هَدَى، وَاسْتَرْشَدَ طَلَبَ الرُّشْدَ، وَالرُّشْدُ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْخَلْقِ مَعَ تَصَلُّبٍ فِيهِ، وَالرَّشِيدُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْهَادِي إِلَى
[ ٢ / ٢٥٧ ]
سَوَاءِ الصِّرَاطِ، وَالَّذِي حَسُنَ تَقْدِيرُهُ فِيمَا قَدَّرَهُ، وَأَنْ وَمَا بَعْدَهَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَهُ، وَمِنْ عَظِيمِ. . . إِلَخْ، وَالتَّقْدِيرُ: رُشْدُ الْخَلْقِ إِلَى الْوُصُولِ كَانَ مِنْ عَظِيمِ مِنَّةِ السَّلَامِ «الْخَلْقَ» مِنَ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ «إِلَى الْوُصُولِ» إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ، وَالْقِيَامِ بِمَا شَرَعَهُ مِنَ التَّكْلِيفِ الَّذِي ثَمَرَتُهُ الْفَوْزُ بِالسَّلَامَةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَرِضَى الرَّبِّ الرَّحِمَنِ، وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، مَعَ الْأَتْقِيَاءِ الْأَخْيَارِ، وَالْأَوْلِيَاءِ الْأَبْرَارِ، حَالَ كَوْنِهِ تَعَالَى (مُبَيِّنًا) أَيْ مُظْهِرًا وَمُوَضِّحًا «لِـ» نَهْجِ «الْحَقِّ»، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْعَقَائِدِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَيُقَابِلُهُ الْبَاطِلُ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحَقُّ أَوْ مِنْ صِفَاتِهِ، وَأَمَّا الصِّدْقُ، فَقَدْ شَاعَ فِي الْأَقْوَالِ وَيُقَابِلُهُ الْكَذِبُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالصِّدْقِ بِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ تُعْتَبَرُ فِي الْحَقِّ مَنْ جَانِبِ الْوَاقِعِ، وَالصِّدْقِ مَنْ جَانِبِ الْحُكْمِ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى صِدْقِ الْحُكْمِ مُطَابَقَةُ الْوَاقِعِ، وَمَعْنَى حَقِيقَتِهِ مُطَابَقَةُ الْوَاقِعِ إِيَّاهُ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِمَا مُطَابَقَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْوَاقِعِ «بِالرَّسُولِ» مُتَعَلِّقٌ بِمُبَيِّنٍ، وَالرَّسُولُ إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَنَبِيٌّ فَقَطْ، وَتَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، «وَسُئِلَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - كَمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ» . وَالْأَوْلَى عَدَمُ حَصْرِهِمْ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَرُبَّمَا خَالَفَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ دُخُولِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فِيهِمْ، وَخُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنْهُمْ، وَأُولُوا الْعَزْمِ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٌ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ): فِي قَوْلِهِ، وَمِنْ عَظِيمِ مِنَّةِ السَّلَامِ إِلَى آخِرِ الْبَيْتَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ وَإِنْزَالَ الْكُتُبِ وَشَرْعَ الشَّرَائِعِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَضْلٌ لَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ بِالْخَلْقِ وَالْفَضْلِ عَلَيْهِمْ، فَبَعْثُهُ تَعَالَى جَمِيعَ الرُّسُلِ مِنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَجْمَعِينَ،
[ ٢ / ٢٥٨ ]
إِلَى الْمُكَلَّفِينَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ لِيُبَلِّغُوهُمْ عَنْهُ سُبْحَانَهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، وَيُبَيِّنُوا لَهُمْ عَنْهُ سُبْحَانَهُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ مِمَّا جَاءُوا بِهِ مِنْ شَرَائِعِهِمْ وَأَحْكَامِهِمُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كُتُبِهِ عَلَيْهِمُ اخْتِصَاصًا كَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَاشْتِرَاكًا كَالتَّوْرَاةِ لِمُوسَى وَهَارُونَ وَيُوشَعَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَيَنْقَطِعَ عَنْهُمْ سَائِرُ التَّعَلُّلَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وَقَوْلِهِ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فَلَوْلَا إِعْذَارُهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِبَعْثَةِ أَهْلِ خِيرَتِهِ مِنْ ذَوِي النُّبُوَّةِ وَالْفَضْلِ لَتَوَهَّمُوا أَنَّ لَهُمْ حَجَّةً سَائِغَةً وَمَعْذِرَةً بَالِغَةً لِوُجُوهٍ: (أَحَدُهَا): أَنْ يَقُولُوا: إِنَّمَا خَلَقَنَا رَبُّنَا لِعِبَادَتِهِ، وَمَا بَيَّنَ لَنَا الْعِبَادَةَ الَّتِي يُرِيدُهَا مِنَّا مَا هِيَ، وَلَا كَمْ هِيَ، وَلَا كَيْفَ هِيَ.
(ثَانِيهَا): أَنْ يَقُولُوا: قَدْ رَكَّبَنَا رَبُّنَا فِي هَيَاكِلَ وَأَجْسَامٍ تَقْبَلُ السَّهْوَ وَالْغَفْلَةَ، وَسَلَّطَ عَلَيْنَا الشَّيْطَانَ وَالشَّهْوَةَ وَالْهَوَى، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَيِّدَنَا بِمَا إِذَا سَهَوْنَا نَبَّهَنَا، وَإِذَا مَالَ بِنَا الْهَوَى رَدَّنَا، وَإِذَا وَسْوَسَ إِلَيْنَا الشَّيْطَانُ مَنَعَنَا بِمَا يُرْشِدُنَا إِلَيْهِ مِنَ الْأَذْكَارِ، وَغَيْرِهَا.
(ثَالِثُهَا): أَنْ يَقُولُوا: هَبْ أَنَّا نَعْلَمُ بِعُقُولِنَا حُسْنَ الْإِيمَانِ وَقُبْحَ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ لَكِنَّا لَمْ يَصِلْ إِدْرَاكُ عُقُولِنَا إِلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ الْقَبِيحَ عُذِّبَ مَعَ أَنَّا نُحِسُّ أَنَّ لَنَا فِي مُعَاطَاةِ الْقَبِيحِ لَذَّةً وَلَيْسَ عَلَى الْبَارِي فِيهِ مَضَرَّةٌ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ مَعَ إِدْرَاكِنَا بِعُقُولِنَا عَدَمَ الْعَوْدِ بِمَنْفَعَةٍ لَهُ تَعَالَى، فَلَا جَرَمَ تَقَاضَتْنَا الشَّهَوَاتُ، وَأَقْدَمْنَا عَلَى مَا فِيهِ لَنَا اللَّذَّاتُ.
فَإِرْسَالُ الرُّسُلِ لِمُعَاضَدَةِ الْعَقْلِ أَمْرٌ جَائِزٌ فِي حَقِّهِ، وَوَاجِبٌ وُقُوعًا وَسَمْعًا. يَزِيدُ هَذَا وُضُوحًا
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي): أَنَّ الرِّسَالَةَ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعِبَادِ لَا غِنًى لَهُمْ عَنْهَا، وَحَاجَتُهُمْ إِلَيْهَا فَوْقَ حَاجَتِهِمْ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ رُوحُ الْعَالَمِ وَنُورُهُ وَحَيَاتُهُ، فَأَيُّ صَلَاحٍ لِلْعَالَمِ إِذَا عُدِمَ الرُّوحَ وَالْحَيَاةَ وَالنُّورَ؟ وَالدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ مَلْعُونَةٌ كُلُّهَا إِلَّا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مَا لَمْ تُشْرِقْ فِي قَلْبِهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وَتَنَالُهُ حَيَاتُهَا وَرُوحُهَا فَهُوَ فِي ظُلْمَةٍ وَهُوَ مِنَ الْأَمْوَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَهَذَا وَصْفُ الْمُؤْمِنِ كَانَ مَيِّتًا فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ بِرُوحِ الرِّسَالَةِ وَبِنُورِ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ.
وَأَمَّا فِي الْكَافِرِ فَمَيِّتُ الْقَلْبِ فِي الظُّلُمَاتِ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى رِسَالَتَهُ رُوحًا، وَالرُّوحُ إِذَا عُدِمَ فَارَقَتِ الْحَيَاةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] الْآيَةَ، فَالرُّوحُ الْحَيَاةُ، وَالنُّورُ الْإِضَاءَةُ الْمُزِيلَةُ لِلظُّلْمَةِ، فَالْكَافِرُ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَهُوَ مَيِّتٌ غَيْرُ حَيٍّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ بَهِيمِيَّةٌ لَكِنَّهُ عَادِمُ الْحَيَاةِ الرُّوحَانِيَّةِ الْعُلْوِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَبِهَا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ الْفَوْزُ وَالسَّعَادَةُ وَالْفَلَاحُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فِي تَعْرِيفِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ، وَتَكْمِيلِ مَا يُصْلِحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَبُعِثُوا جَمِيعًا بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إِلَيْهِ، وَبَيَانِ حَالِهِمْ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ، فَأَرْشَدُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتِ صِفَاتِهِ وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَذِكْرِ أَيَّامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَهِيَ الْقَصَصُ الَّتِي قَصَّهَا عَلَى الْعِبَادِ، وَالْأَمْثَالُ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهُمْ، وَأَرْشَدُوهُمْ إِلَى الْعِلْمِ بِتَفْصِيلِ الشَّرَائِعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ وَبَيَانِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَكْرَهُهُ، وَكَذَلِكَ بَيَّنُوا لَهُمْ وُجُوبَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَعَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أُصُولٍ مَدَارُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالسَّعَادَةُ وَالْفَلَّاحُ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِهَا وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُدْرِكُ وَجْهَ الضَّرُورَةِ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُدْرِكُ الْحَاجَةَ إِلَى الطِّبِّ وَمَنْ يُدَاوِيهِ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِ الْمَرَضِ، وَتَنْزِيلِ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ، وَحَاجَةُ الْعَبْدِ إِلَى الرِّسَالَةِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ حَاجَةِ الْمَرِيضِ إِلَى الطَّبِيبِ، فَإِنَّ آخِرَ مَا يُعَذَّبُ بِعَدَمِ الطَّبِيبِ مَوْتُ الْأَبْدَانِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَبْدِ نُورُ الرِّسَالَةِ وَحَيَاتُهَا مَاتَ قَلْبُهُ مَوْتًا لَا تُرْجَى الْحَيَاةُ مَعَهُ أَبَدًا، وَشَقِيَ شَقَاوَةً لَا سَعَادَةَ مَعَهَا أَبَدًا، فَلَا فَلَاحَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ بِالْفَلَاحِ أَتْبَاعَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، وَأَنْصَارَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
[ ٢ / ٢٦٠ ]
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أَيْ: لَا مُفْلِحَ إِلَّا هُمْ، فَالْهُدَى وَالْفَلَاحُ دَائِرٌ حَوْلَ رَبْعِ الرِّسَالَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي قَاعِدَةِ وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِالرِّسَالَةِ: وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنَ السَّمَاءِ، وَبُعِثَتْ بِهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ الْمُرْسَلَةِ. وَقَالَ: الرِّسَالَةُ ضَرُورِيَّةٌ فِي صَلَاحِ الْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا صَلَاحَ فِي آخِرَتِهِ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الرِّسَالَةِ، فَكَذَلِكَ لَا صَلَاحَ لَهُ فِي مَعَاشِهِ وَدُنْيَاهُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الرِّسَالَةِ، فَالْإِنْسَانُ مُضْطَرٌّ إِلَى الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ بَيْنَ حَرَكَتَيْنِ حَرَكَةٍ يَجْلِبُ بِهَا مَا يَنْفَعُهُ، وَحَرَكَةٍ يَدْفَعُ بِهَا مَا يَضُرُّهُ، وَالشَّرْعُ هُوَ النُّورُ الَّذِي يُبَيِّنُ مَا يَنْفَعُهُ وَمَا يَضُرُّهُ، فَهُوَ نُورُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَعَدْلُهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَحِصْنُهُ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّرْعِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّافِعِ وَالضَّارِّ بِالْحِسِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِلْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمِ، فَإِنَّ الْحِمَارَ وَالْجَمَلَ يُفَرِّقُ وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الشَّعِيرِ وَالتُّرَابِ، بَلِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَضُرُّ فَاعِلَهَا فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَالْأَفْعَالِ الَّتِي تَنْفَعُهُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، كَنَفْعِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالْبِرِّ وَالصِّدْقِ وَالْإِحْسَانِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْعِلْمِ وَالصَّبْرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْجِيرَانِ وَالْمَمَالِيكِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَالرِّضَا بِمَوَاقِعِ أَقْدَارِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِحُكْمِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ نَفْعٌ وَصَلَاحٌ لِلْعَبْدِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَلَوْلَا الرِّسَالَةُ لَمْ يَهْتَدِ الْعَقْلُ إِلَى تَفَاصِيلِ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ فِي الْمَعَاشِ، فَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَأَشْرَفِ مِنَّةٍ عَلَيْهِمْ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وَبَيَّنَ لَهُمُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْأَنْعَامِ وَأَشَرَّ حَالًا مِنْهَا، فَمَنْ قَبِلَ رِسَالَةَ اللَّهِ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، وَمَنْ رَدَّهَا وَخَرَجَ عَنْهَا فَهُوَ مِنْ شَرِّ الْبَرِيَّةِ وَأَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَأَحْقَرُ مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِنَا يَتْلُو عَلَيْنَا آيَاتِهِ وَيُزَكِّينَا وَيُعَلِّمُنَا الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كُنَّا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَلَا بَقَاءَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مَا دَامَتْ آثَارُ الرِّسَالَةِ مَوْجُودَةً فِيهِمْ.
[ ٢ / ٢٦١ ]
فَإِذَا دَرَسَتْ آثَارُ الرُّسُلِ مِنَ الْأَرْضِ، وَانْمَحَتْ مَعَالِمُ هُدَاهُمْ أَخْرَبَ اللَّهُ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ وَأَقَامَ الْقِيَامَةَ، وَلَيْسَتْ حَاجَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى الرَّسُولِ كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالرِّيَاحِ وَالْمَطَرِ، وَلَا كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى حَيَاتِهِ، وَلَا كَحَاجَةِ الْعَيْنِ إِلَى ضَوْئِهَا وَالْجِسْمِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَشَدُّ حَاجَةً مِنْ كُلِّ مَا يَقْدِرُ وَيَخْطُرُ بِالْبَالِ، فَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُمُ السُّفَرَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، وَكَانَ خَاتَمَهُمْ وَسَيِّدَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى رَبِّهِ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» ".
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي قَاعِدَةِ وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: وَهَذَا الْمَقْتُ كَانَ لِعَدَمِ هِدَايَتِهِمْ بِالرُّسُلِ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا الْمَقْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَمَحَجَّةً لِلْمَسَاكِينِ، وَحُجَّةً عَلَى الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَافْتَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْزِيزَهُ، وَالْقِيَامَ بِأَدَاءِ حُقُوقِهِ، وَسَدَّ إِلَيْهِ جَمِيعَ الطُّرُقِ فَلَمْ يَفْتَحْ لِأَحَدٍ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخَذَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهَا عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرْسَلَهُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، فَخَتَمَ بِهِ الرِّسَالَةَ، وَهَدَى بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَعَلَّمَ بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وَفَتَحَ بِرِسَالَتِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، فَأَشْرَقَتْ بِرِسَالَتِهِ الْأَرْضُ بَعْدَ ظُلُمَاتِهَا، وَتَأَلَّفَتْ بِهَا الْقُلُوبُ بَعْدَ شَتَاتِهَا، فَأَقَامَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، وَأَوْضَحَ بِهِ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَشَرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وَوَضَعَ عَنْهُ وِزْرَهُ، وَرَفَعَ لَهُ ذِكْرَهُ، وَجَعَلَ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، أَرْسَلَهُ - ﷺ - عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَدُرُوسٍ مِنَ الْكُتُبِ، حِينَ حُرِّفَ الْكَلِمُ، وَبُدِّلَتِ الشَّرَائِعُ، وَاسْتَنَدَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى ظُلَمِ آرَائِهِمْ، وَحَكَمُوا عَلَى اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ بِمَقَالَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَأَهْوَائِهِمُ النَّادَّةِ، فَهَدَى اللَّهُ بِهِ الْخَلَائِقَ، وَأَوْضَحَ بِهِ الطَّرَائِقَ، وَأَخْرَجَ النَّاسَ بِهِ مِنْ
[ ٢ / ٢٦٢ ]
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمَيَّزَ بِهِ بَيْنَ نَهْجِ أَهْلِ الْفَلَاحِ وَأَهْلِ الْفُجُورِ، فَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ اهْتَدَى، وَمَنْ مَالَ عَنْ سَبِيلِهِ فَقَدْ ضَلَّ وَاعْتَدَى، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَائِرِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ مَا لَاحَ نَجْمٌ وَبَدَا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنِ اقْتَدَى.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَى وُجُوبِهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مِنْ لَدُنْ صَفِيِّ اللَّهِ أَبِي الْبَشَرِ آدَمَ ﵇ إِلَى خَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَتَصْدِيقِهِمْ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنَ الْغَيْبِ، وَطَاعَتِهِمْ فِي كُلِّ مَا أَمَرُوا بِهِ وَنَهَوْا عَنْهُ، وَلِهَذَا أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ الْإِيمَانَ بِكُلِّ مَا أَتَوْا بِهِ، وَلَمْ يُوجِبْهُ بِمَا أَتَى بِهِ غَيْرُهُمْ، قَالَ تَعَالَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمِلَّةِ عَلَى كُفْرِ مَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا مَعْلُومَ النُّبُوَّةِ، وَكَذَا مَنْ سَبَّ نَبِيًّا أَوِ انْتَقَصَهُ، وَيَجِبُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْ لَا نُفَرِّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَتَصْدِيقُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَاتِّبَاعُهُمْ عَلَى جَمِيعِ مَا جَاءُوا بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا - أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] وَتَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى خَاتَمِهِمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَأَنَّ الرُّسُلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - ﵁ - قَالَ «دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَالِسٌ وَحْدَهُ - فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا، وَفِيهِ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: آدَمُ ﵇، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قُبُلًا. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ آدَمُ وَشِيثٌ
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وَأُخْنُوخُ - وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ - وَنُوحٌ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، أُنْزِلَ عَلَى شَيْثٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً، وَأُنْزِلَ عَلَى أُخْنُوخَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفُرْقَانَ» - الْحَدِيثَ - وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ، وَرَدَّ عَلَى ابْنِ حِبَّانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ لِإِدْخَالِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحِ. وَفِي كِتَابِ شَرْحِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - فِي الرُّسُلِ وَعَدَدِهِمْ، وَأَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِمْ، وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ الْكَفِّ عَنْ عَدَدِهِمْ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، قَالَ: وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا عَدَدَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ فِي ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ. انْتَهَى.
وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - ذَكَرَ ذَلِكَ إِلْزَامًا لِمَنْ لَمْ يَقُلْ بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا زِيَادَتُهُ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَحْدُودَةٍ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ؟ هَلْ تُقِرُّونَ بِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ؟ فَإِذَا قَالُوا نَعَمْ قِيلَ لَهُمْ: هَلْ تَجِدُونَهُمْ وَتَعْرِفُونَ عَدَدَهُمْ؟ أَلَيْسَ إِنَّمَا تَصِيرُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْإِقْرَارِ بِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ تَكُفُّونَ عَنْ عَدَدِهِمْ؟ .
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ مَعْرِفَةِ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْعَقَائِدِ فِي عَقَائِدِهِمْ هَذَا الْعَدَدَ مُعْتَمِدِينَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى مَا فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَةُ أَلْفٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْكُتُبِ أَنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْإِيمَانُ بِهِمْ جُمْلَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] فَالْوَاجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِهِمْ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا فِيمَنْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ.
وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِهِ الْجَوَابِ الصَّحِيحِ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ: أَنَّ بَنَى إِسْرَائِيلَ كَانُوا أَكْثَرَ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءً، بُعِثَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇ بِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، وَبُعِثَ إِلَيْهِمْ بَعْدَهُ أَنْبِيَاءُ كَثِيرُونَ حَتَّى قِيلَ إِنَّهُمْ أَلْفُ نَبِيٍّ كُلُّهُمْ يَأْمُرُونَ بِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، وَلَا يُغَيِّرُونَ مِنْهَا شَيْئًا
[ ٢ / ٢٦٤ ]
إِلَى أَنْ جَاءَ الْمَسِيحُ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى غَيَّرَ فِيهَا بَعْضَ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ بِأَمْرِ اللَّهِ - ﷿.
[الأوصاف اللازمة للنبوة]
«وَشَرْطُ مَنْ أُكْرِمَ بِالنُّبُوَّةِ حُرِّيَّةٌ ذُكُورَةٌ كَقُوَّةِ»
«وَشَرْطُ» مُبْتَدَأٌ " مَنْ " أَيْ: كُلُّ إِنْسَانٍ " أُكْرِمَ " بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: أَكْرَمَهُ اللَّهَ تَعَالَى " بِالنُّبُوَّةِ " بِضَمِّ النُّونِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَيَجُوزُ فِيهِ تَحْقِيقُ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفُهُ، يُقَالُ: نَبَّأَ وَأَنْبَأَ، فَإِنْ قِيلَ: رَوَى النَّسَائِيُّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - يَا نَبِيءَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: " لَا تَنْبُرْ بِاسْمِي فَإِنَّمَا أَنَا نَبِيٌّ» "، فَالْجَوَابُ مَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ: نَبَأْتُ عَلَى الْقَوْمِ إِذَا طَلَعْتَ عَلَيْهِمْ، وَنَبَأْتُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضِ كَذَا إِذَا خَرَجْتَ إِلَى هَذِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ الْأَعْرَابِيُّ بِقَوْلِهِ: يَا نَبِيءَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْهَمْزَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ النَّبِيَّ إِمَّا مُشْتَقٌّ مِنَ النَّبَإِ أَيِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ: يُخْبِرُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا وَيَقُولُ: تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ بِالْهَمْزِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْهَمْزَ فِي النَّبِيِّ كَمَا تَرَكُوهُ فِي الذُّرِّيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْخَبِيَّةِ، إِلَّا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ يَهْمِزُونَ هَذِهِ الْأَحْرُفَ الثَّلَاثَةَ، وَلَا يَهْمِزُونَ غَيْرَهَا وَيُخَالِفُونَ الْعَرَبَ فِي ذَلِكَ.
وَإِمَّا مُشْتَقٌّ مِنَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الشَّيْءُ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ مُرْتَفِعُ الرُّتْبَةِ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالنَّبِيءُ الْمُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ، وَتَرْكُ الْهَمْزِ الْمُخْتَارُ، وَالْجَمْعُ أَنْبِيَاءُ وَنُبَآءُ وَأَنْبَاءٌ وَالنَّبِيئُونَ، وَالِاسْمُ النُّبُوءَةُ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْهَمْزَةِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْمُعْتَلِّ: وَالنَّبَاوَةُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ كَالنَّبْوَةِ وَالنَّبِيِّ. انْتَهَى.
" حُرِّيَّةٌ " خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ (شَرْطُ مَنْ أُكْرِمَ) . . . إِلَخْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّقَّ وَصْفُ نَقْصٍ لَا يَلِيقُ بِمَقَامِ النُّبُوَّةِ، وَالنَّبِيُّ يَكُونُ دَاعِيًا لِلنَّاسِ أَنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَالرَّقِيقُ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَيْضًا الرِّقِّيَّةُ وَصْفُ نَقْصٍ يَأْنَفُ النَّاسُ وَيَسْتَنْكِفُونَ مِنَ اتِّبَاعِ مَنِ اتَّصَفَ بِهَا وَأَنْ يَكُونَ إِمَامًا لَهُمْ وَقُدْوَةً، وَهِيَ إِثْرُ الْكُفْرِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَشَرْطُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ أَيْضًا " ذُكُورَةٌ " أَيْ: أَنْ يَتَّصِفَ بِالذُّكُورِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] فَأَثْبَتَ الرِّسَالَةَ لِلرِّجَالِ الْمُوحَى
[ ٢ / ٢٦٥ ]
إِلَيْهِمْ وَأَشْعَرَ بِنَفْيِ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَلَا تَكُونُ أُنْثَى نَبِيَّةً خِلَافًا لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ الزَّاعِمِينَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ أُخْتِ مُوسَى وَهَارُونَ ﵉، وَقَدْ خَالَفَ فِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ، وَتَبِعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ أُنَاسٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْحَقُّ اعْتِبَارُ الذُّكُورِيَّةِ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَقْتَضِي الِاشْتِهَارَ بِالدَّعْوَةِ، وَالْأُنُوثَةُ تَقْتَضِي التَّسَتُّرَ وَتُنَافِي الِاشْتِهَارَ لِمَا بَيْنَ الِاشْتِهَارِ وَالِاسْتِتَارِ مِنَ التَّمَانُعِ، وَقَدْ حَكَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ عَلَى عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ خِلَافًا فِي نُبُوَّةِ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَسَارَةَ وَهَاجَرَ وَأُمِّ مُوسَى ﵇، وَاسْمُهَا يُخَابَذُ بِنْتُ لَاوَى بْنِ يَعْقُوبَ كَمَا قَالَ شَيْخُ السُّنَّةِ الْبَغَوِيُّ، وَالْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ.
قَالَ الْحَافِظُ بُرْهَانُ الدِّينِ النَّاجِيُّ: قُيِّدَ هَذَا الِاسْمُ (يُوخَابَذُ) عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ بْنِ نَاصِرِ الدِّينِ حَالَ قِرَاءَةِ التَّبْصِرَةِ عَلَيْهِ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ فَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّأْنِيثِ أَيْ مَعَ الْعَلَمِيَّةِ. قُلْتُ: فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَرَأَيْتُهُ فِي التَّوْرَاةِ يُوكَابَدُ بِكَافٍ بَدَلَ الْخَاءِ، وَبِدَالٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّطْقُ بِالْكَافِ مُفَخَّمًا، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ جَلِيلَةٌ، وَرَأَيْتُ الْحَافِظَ جَلَالَ الدِّينِ السُّيُوطِيَّ ضَبَطَهُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بَدَلَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِنُونٍ بَدَلَ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ كَمَا هُوَ فِي تَارِيخِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ.
وَقَوْلُهُ «كَقُوَّةٍ» أَيْ: كَمَا يُعْتَبَرُ فِيمَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا بِأَعْبَاءِ مَا حُمِّلَ مِنْ ثِقَلِ النُّبُوَّةِ، وَالْقُوَّةُ الطَّاقَةُ، وَالْجَمْعُ قُوًى بِالضَّمِّ وَبِالْكَسْرِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْقُوَّةُ بِالضَّمِّ ضِدُّ الضَّعْفِ، يُقَالُ: قَوِيَ كَرَضِيَ فَهُوَ قَوِيٌّ، وَالْقُوَى بِالضَّمِّ الْعَقْلُ، وَطَاقَاتُ الْحَبْلِ. ذَا عَقْلٍ صَحِيحٍ، وَفَهْمٍ رَجِيحٍ، وَعِلْمٍ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ حَسَنَ الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الْخَلْقِ فِي مُخَالَطَاتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ لِأُمُورِ الدِّيَانَةِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مُنَزَّهَةٌ عَنْ جَمِيعِ الرَّذَائِلِ مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَاللَّهْوِ وَاللَّغْوِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، كَمَا أَنَّهُمْ مُبَرَّءُونَ مِنْ لُؤْمِ النَّسَبِ، وَشَرَهِ الْقَلْبِ، وَحِرْصِ النَّفْسِ عَلَى الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي أَشْرَفِ مَنْسَبِ أُمَّتِهِ، فَلَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنْ ذِي نَسَبٍ مَبْذُولٍ، كَمَا لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا عَبْدًا وَلَا لَئِيمًا، وَلَا امْرَأَةً لِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ الذُّكُورَةِ عَلَى الْأُنُوثَةِ مَعَ طَلَبِ عَدَمِ الِاشْتِهَارِ مَعَ النِّسَاءِ الْمَطْلُوبِ لِلدَّعْوَةِ، وَلِكَوْنِ النُّفُوسِ مَائِلَةً فِي ذَوَاتِهِنَّ بِحَسَبِ الطَّبْعِ
[ ٢ / ٢٦٦ ]
فَيَغْفُلُونَ عَنْ مَقَالِهِنَّ.
وَالْحَاصِلُ اخْتِصَاصُ النُّبُوَّةِ بِأَشْرَفِ أَفْرَادِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَالذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ وَقُوَّةِ الرَّأْيِ وَلَوْ فِي الصِّبَا كَعِيسَى وَيَحْيَى ﵉، وَالسَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ مَا نَفَّرَ عَنِ الِاتِّبَاعِ كَدَنَاءَةِ الْآبَاءِ وَعِهْرِ الْأُمَّهَاتِ وَالْغِلْظَةِ وَالْعُيُوبِ الْمُنَفِّرَةِ لِلطِّبَاعِ كَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ، وَالْأُمُورِ الْمُخِلَّةِ بِالْمُرُوءَةِ كَأَكْلٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَالْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ كَالْحِجَامَةِ، وَكُلِّ مَا يُخِلُّ بِحِكْمَةِ الْبَعْثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَلَمَّا ذَكَرَ مَا أَشْعَرَ بِانْفِرَادِ كَمَالِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ بِالنُّبُوَّةِ وَاخْتِصَاصِ الذُّكُورِ الْأَحْرَارِ الْمُنَزَّهِينَ عَنِ النَّقَائِصِ بِهَا خَشِيَ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ يُدْرَكُ بِالرِّيَاضَةِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالتَّأْدِيبِ، فَنَفَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
[النبوة غير مكتسبة]
«وَلَا تُنَالُ رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ بِالْكَسْبِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْفُتُوَّةِ»
«لَكِنَّهَا فَضْلٌ مِنَ الْمَوْلَى الْأَجَلِّ لِمَنْ يَشَا مِنْ خَلْقِهِ إِلَى الْأَجَلْ»
«وَلَا تُنَالُ» بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: لَمْ تُعْطَ «رُتْبَةُ» بِالرَّفْعِ نَائِبُ الْفَاعِلِ، يُقَالُ: نَالَهُ يَنُولُهُ إِذَا أَعْطَاهُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّوَالُ وَالنَّائِلُ الْعَطَاءُ، وَنُلْتُهُ وَنُلْتُ لَهُ وَبِهِ أَنُولُهُ وَأَنَلْتُهُ إِيَّاهُ، وَنَوَّلْتُهُ أَعْطَيْتُهُ.
وَالرُّتْبَةُ بِالضَّمِّ، وَالْمَرْتَبَةُ الْمَنْزِلَةُ «النُّبُوَّةِ» بِالْجَرِّ لِإِضَافَتِهَا إِلَى الرُّتْبَةِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ عَالِيَةٍ يَنْكَشِفُ بِهَا مِنَ الْغُيُوبِ الَّتِي هِيَ مَطْلُوبَاتُ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي يُكَلِّفُهُمْ بِهَا انْكِشَافًا يُنَاسِبُ انْكِشَافَ النَّارِ لِلدُّهْنِ بِرُؤْيَةِ الدُّخَانِ، وَانْكِشَافِ رَائِحَةِ الْمِسْكِ بِجَذْبِ النَّفَسِ إِلَى الْأَنْفِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا: مَا يَعُمُّ الرِّسَالَةَ كَمَا لَا يَخْفَى «بِالْكَسْبِ» مُتَعَلِّقٌ بِلَا تُنَالُ " وَ" لَا تُنَالُ رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ وَدَرَجَةُ الرِّسَالَةِ أَيْضًا بِـ «التَّهْذِيبِ» أَيْ: تَنْقِيَةِ الْبَدَنِ وَتَصْفِيَةِ الْأَخْلَاقِ وَخُلُوصِ الْبِنْيَةِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ وَتَبْقِيَةِ الْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ وَالنُّعُوتِ الْجَلِيلَةِ «وَ» لَا تُنَالُ رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ أَيْضًا بِـ «الْفُتُوَّةِ» أَيْ: كَرَمِ النَّفْسِ وَتَخْلِيصِهَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ إِلَى الْأَوْصَافِ الْمَمْدُوحَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْفُتُوَّةُ الْكَرَمُ، وَقَدْ تَفَتَّى وَتَفَاتَى يَعْنِي تَعَاطَى أَوْصَافَ الْفُتُوَّةِ وَتَخَلَّقَ بِهَا، وَرَاضَ نَفْسَهُ حَتَّى صَارَ مِنْ ذَوِيهَا، وَفَتَوْتُهُمْ إِذَا غَلَبْتَهُمْ فِيهَا.
فَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تُنَالُ بِمُجَرَّدِ الْكَسْبِ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَتَكَلُّفِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَاقْتِحَامِ أَشَقِّ الطَّاعَاتِ، وَتَدَأُّبٍ فِي تَهْذِيبِ نَفْسِهِ، وَتَنْقِيَةِ خَوَاطِرِهِ
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وَتَطْهِيرِ أَخْلَاقِهِ، وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ وَبَدَنِهِ، وَتَهْذِيبِ ذَلِكَ «لَكِنَّهَا» أَيِ: النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ «فَضْلٌ مِنَ الْمَوْلَى الْأَجَلِّ» ﷾ يُؤْتِيهِ مَنْ شَاءَ مِمَّنْ سَبَقَ عِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ الْأَزَلِيَّانِ بِاصْطِفَائِهِ لَهَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ الْمُجَوِّزِينَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ بِزَعْمِهِمْ أَنَّ مَنْ لَازَمَ الْخَلْوَةَ وَالْعِبَادَةَ وَدَوَامَ الْمُرَاقَبَةِ وَتَنَاوُلَ الْحَلَالِ وَإِخْلَاءَ نَفْسِهِ مِنَ الشَّوَاغِلِ الْعَائِقَةِ عَنِ الْمُشَاهَدَةِ بَعْدَ كَمَالِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ بِالتَّهْذِيبِ وَالرِّيَاضَةِ انْصَقَلَتْ مِرْآةُ بَاطِنِهِ وَفُتِحَتْ بَصِيرَةُ لُبِّهِ، وَتَهَيَّأَ لِمَا لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ غَيْرُهُ مِنَ التَّحَلِّي بِالنُّبُوَّةِ، لِأَنَّ النُّبُوَّةَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنِ اجْتِمَاعِ ثَلَاثِ خَوَاصَّ فِي الْإِنْسَانِ (إِحْدَاهَا) الِاطِّلَاعُ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ لِصَفَاءِ جَوْهَرِ نَفْسِهِ وَشِدَّةِ اتِّصَالِهِ بِالرُّوحَانِيَّاتِ الْعَالِيَةِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ كَسْبٍ وَلَا تَعَلُّمٍ وَلَا تَعْلِيمٍ.
(الثَّانِيَةُ): ظُهُورُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ بِحَيْثُ تُعْطِيهِ الْهَيُولَى الْعُنْصُرِيَّةَ الْقَابِلَةَ لِلصُّوَرِ الْمُفَارِقَةَ إِلَى بَدَنٍ.
(الثَّالِثَةُ): مُشَاهَدَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرٍ مُتَخَيَّلَةٍ، وَيَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى.
هَذَا مُحَصَّلُ مَذْهَبِهِمُ الْفَاسِدِ، وَمُلَخَّصُ مَسْلَكِهِمُ الْبَاطِلِ، فَيَجْعَلُونَ كَلَامَ اللَّهِ مَا يَفِيضُ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ كَلَامًا خَارِجًا عَمَّا فِي نَفْسِ النَّبِيِّ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْفَيْضِ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ وَسَائِرِ النُّفُوسِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَصْفَى وَأَكْمَلَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ النَّبِيِّ. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمُ النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ زَنَادِقَةِ الْإِسْلَامِ يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرُوا أَنْبِيَاءَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَمَوْهِبَةٌ، وَنِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَمُنُّ بِهَا سُبْحَانَهُ وَيُعْطِيهَا «لِمَنْ يَشَاءُ» أَنْ يُكْرِمَهُ بِالنُّبُوَّةِ فَلَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّهَا بِكَسْبِهِ، وَلَا يَنَالُهَا عَنِ اسْتِعْدَادِ وِلَايَتِهِ، بَلْ يَخُصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ «مِنْ خَلْقِهِ» وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مُكْتَسَبَةٌ فَهُوَ زِنْدِيقٌ يَجِبُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَلَامُهُ وَاعْتِقَادُهُ أَنْ لَا تَنْقَطِعَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِأَنَّ نَبِيَّنَا - ﷺ - خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ﵈، وَلِهَذَا قَالَ: «إِلَى الْأَجَلِ» يَعْنِي أَنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ يَمُنُّ بِهَا الرَّبُّ الْحَكِيمُ، وَالْعَلِيمُ الْكَرِيمُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَيُرِيدُ إِكْرَامَهُ بِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَدًّا مَنْ عَهِدَ الْأَبِ
[ ٢ / ٢٦٨ ]
الْأَوَّلِ الصَّفِيِّ آدَمَ ﵊ إِلَى أَنْ بُعِثَ الْخَاتَمُ النَّبِيُّ الْحَبِيبُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَلِهَذَا قَالَ:
[خاتم النبيين]
«وَلَمْ تَزَلْ فِيمَا مَضَى الْأَنْبَاءُ مِنْ فَضْلِهِ تَأْتِي لِمَنْ يَشَاءُ»
«حَتَّى أَتَى بِالْخَاتَمِ الَّذِي خَتَمْ بِهِ وَأَعْلَانَا عَلَى كُلِّ الْأُمَمْ»
«وَلَمْ تَزَلْ فِيمَا» أَيْ فِي الزَّمَنِ الَّذِي «مَضَى» أَيْ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ الْمَاضِيَةِ «الْأَنْبَاءُ» جَمْعُ نَبِيٍّ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالنَّبِيِّينَ «مِنْ فَضْلِهِ» أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﷾ وَرَأْفَتِهِ وَلُطْفِهِ لَا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ تَعَالَى - كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ «تَأْتِي» بِإِبْلَاغِ الشَّرَائِعِ وَبَيَانِ الْحَقِّ وَإِيضَاحِ السَّبِيلِ «لِمَنْ» أَيْ: لِكُلِّ أَهْلِ زَمَنٍ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ «يَشَاءُ» اللَّهُ ﷾ بِتَبْلِيغِ مَا يَشَاءُ عَلَى أَلْسِنَةِ مَنْ شَاءَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ مُكَلَّفِي عِبَادِهِ، فَلَمْ تَخْلُ الْأَرْضُ مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ لَدُنْ آدَمَ ﵇ إِلَى أَنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِي مَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِجْمَالًا فِي مَنْ لَمْ يُعَيَّنُوا، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَدَلَّتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ إِلَّا مَنْ تَثْبُتُ تَسْمِيَتُهُ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَكَانَ مَجِيءُ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَالْأَزْمَانِ الْخَالِيَةِ مَعْرُوفًا مُسْتَمِرًّا مِنْ لَدُنِ الْأَبِ الْأَوَّلِ الصَّفِيِّ ﵇ «حَتَّى» أَيْ: إِلَى أَنْ «أَتَى بِـ» النَّبِيِّ «الْخَاتَمِ» وَالرَّسُولِ الْقَائِمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَيْ: إِلَى أَنْ أَرْسَلَهُ بِخَيْرِ كِتَابٍ وَأَتَمِّ شَرِيعَةٍ وَأَفْضَلِ مِلَّةٍ وَأَكْمَلِ دِينٍ «الَّذِي خَتَمَ» اللَّهُ «بِهِ» النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَكْمَلَ بِدِينِهِ كُلَّ دِينٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ الْمُبِينِ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أَيِ: الَّذِي خَتَمَهُمْ وَخُتِمُوا بِهِ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: ««إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ»» الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - ﵁ - وَمِنْ
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وُجُوهٍ أُخَرَ مُرْسَلَةٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: ««مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهُ وَأَحْسَنَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ وَيَعْجَبُونَ مِنْهَا وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ - زَادَ مُسْلِمٌ - فَجِئْتُ فَخَتَمْتُ الْأَنْبِيَاءَ»» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَعْنَاهُ وَفِيهِ: «فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتِ اللَّبِنَةُ، فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»» .
وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ بِمَكَّةَ يَهُودِيٌّ يَتَّجِرُ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ؟ فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ، فَقَالَ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَامَةٌ لَهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَاتِرَاتٌ كَأَنَّهُنَّ عُرْفُ فَرَسٍ، فَخَرَجُوا بِالْيَهُودِيِّ حَتَّى أَدْخَلُوهُ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالُوا: أَخْرِجِي لَنَا ابْنَكِ، فَأَخْرَجُوهُ وَكَشَفُوا عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَى تِلْكَ الشَّامَةَ، فَوَقَعَ الْيَهُودِيُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالُوا: وَيْلَكَ مَا لَكَ؟ قَالَ: ذَهَبَتْ وَاللَّهِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - ﷺ - وُلِدَ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ - ﷺ - الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهُ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَيَسْأَلُونَ عَنْهَا وَيَطْلُبُونَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ مِنَ النَّصَارَى أَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَنْ يَنْظُرُ لَهُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ. وَفِي نُبُوَّةِ شَعْيَا أَنَّ سُلْطَانَهُ - يَعْنِي النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى كَتِفِهِ يُرِيدُ عَلَامَةَ نُبُوَّتِهِ.
وَفِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - مَا نَصُّهُ: قَالَ أَشْعِيَاءُ النَّبِيُّ ﵇ وَنَصَّ عَلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ: وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ يَكُونُ عَجَبًا وَبِشْرًا، وَالشَّامَةُ عَلَى كَتِفَيْهِ آرْكُونُ السَّلَامِ، وَسُلْطَانُهُ سُلْطَانُ السَّلَامِ، يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ. فَالْآرْكُونُ هُوَ الْمُعَظَّمُ بِلُغَةِ الْإِنْجِيلِ، وَالْأَرَاكِنَةُ الْمُعَظَّمُونَ، فَشَهِدَ أَشْعِيَاءُ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا - ﷺ - وَوَصَفَهُ بِأَخَصِّ عَلَامَاتِهِ وَأَوْضَحِهَا، وَهَى شَامَتُهُ، فَلَعَمْرِي لَمْ تَكُنِ الشَّامَةُ لِسُلَيْمَانَ وَلَا لِلْمَسِيحِ، وَوَصْفُهُ بِأَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ يَعْنِي أَنَّهُ سَيَرِثُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبُوَّتَهُمْ، وَمُلْكَهُمْ، وَيَبْتَزُّهُمْ رِيَاسَتَهُمْ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ - ﵏ - فِي حِكْمَةِ وُجُودِ الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ أَوْ عَلَى نَغْضِ كَتِفِهِ
[ ٢ / ٢٧٠ ]
الْأَيْسَرِ: هُوَ عَلَى جِهَةِ الِاعْتِبَارِ أَنَّهُ - ﷺ - لَمَّا مُلِئَ قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْأَنْوَارِ، وَجُمِعَ لَهُ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ وَحَوَاشِيهَا خُتِمَ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الْوِعَاءِ الْمَمْلُوءِ مِسْكًا أَوْ دُرًّا، فَلَمْ تَجِدْ نَفْسُهُ وَلَا عَدُوُّهُ سَبِيلًا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْخَتْمِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَخْتُومَ مَحْرُوسٌ كَمَا بُيِّنَ لَنَا أَنَّا إِذَا وَجَدْنَا الشَّيْءَ بِخَتْمِهِ زَالَ الشَّكُّ، وَانْقَطَعَ الْخِصَامُ فِيمَا بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ، فَلِذَلِكَ خَتَمَ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي قَلْبِهِ خَتْمًا يَطْمَئِنُّ لَهُ الْقَلْبُ، أَلْقَى النُّورَ فِيهِ وَنَفَذَتْ قُوَّةُ الْقَلْبِ فَظَهَرَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَبَيْضَةِ الْحَجَلَةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: «وَأَعْلَانَا» - مَعْشَرَ أُمَّةِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَالرَّسُولِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ - الرَّبُّ الرَّحِيمُ، وَالْإِلَهُ الْحَكِيمُ بِهِ - ﷺ - «عَلَى كُلِّ الْأُمَمِ» الْمَاضِيَةِ، وَالْمِلَلِ الْخَالِيَةِ بِشَاهِدِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]- ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «وَلَا يَزَالُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» ". وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ««لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»» وَرُوِيَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَمِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَمِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ - أَجْمَعِينَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى آخِرُهُ خَيْرٌ أَمْ أَوَّلُهُ» " وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ: عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٢ / ٢٧١ ]
- ﷺ: «أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُهَا فِي الْفِتَنِ وَالزَّلَازِلِ وَالْقَتْلِ» ". وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ» - وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ - «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» - وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بَيْدَ - أَيْ: غَيْرَ - أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁: " «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، مَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ إِلَّا كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَبْيَضَ» ". هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَكَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ بِغَيْرِ أَلِفٍ، يَعْنِي قَبْلَ الْوَاوِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا» ". وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄. وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ٤٠] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: " أَنْتُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنْتُمْ ثُلُثُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنْتُمْ نِصْفُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنْتُمْ ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ» . قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الثَّوْرِيِّ.
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، أَنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا» . رَوَاهُ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيُّ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ
[ ٢ / ٢٧٢ ]
قَدْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا، وَاخْتَلَفَتْ مَخَارِجُهَا، وَصَحَّ سَنَدُ بَعْضِهَا فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَدِيثِ الشَّطْرِ، لِأَنَّهُ ﵇ رَجَا أَوَّلًا أَنْ يَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَجَاءَهُ، وَزَادَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا - ﵁ - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ يَتَّبِعُنِي مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ "، قَالَ فَكَبَّرْنَا، قَالَ: " فَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا الشَّطْرَ» . وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي» " قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ حَادِي الْأَرْوَاحِ: فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَسْبَقُ الْأُمَمِ خُرُوجًا مِنَ الْأَرْضِ، وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى مَكَانٍ فِي الْمَوْقِفِ وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى ظِلِّ الْعَرْشِ، وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى الْفَصْلِ وَالْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَالْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى يَدْخُلَهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - وَمُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتُهُ.
وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِ نَبِيِّهَا - ﷺ - أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّكُمْ تُتِمُّونَ - وَفِي لَفْظٍ - إِنَّكُمْ تُوفُونَ - سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَنِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - أَوْ قَالَ أُمَّتِي عَلَى الْأُمَمِ - وَأَحَلَّ لَنَا الْغَنَائِمَ» "، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - رَفَعَهُ: " «يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ يَغْفِرُهَا اللَّهُ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى» " وَقَدْ رَوَى مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ. وَرُوِيَ أَيْضًا
[ ٢ / ٢٧٣ ]
مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» " قَالَ الْعَلَّامَةُ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَيْسَتْ عَلَى عُمُومِهَا، إِنَّمَا هِيَ فِي أُنَاسٍ مُذْنِبِينَ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ، فَأَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِكَاكًا مِنَ النَّارِ. وَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: يَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَنَّهُ يُضَاعِفُ عَلَيْهِمْ عَذَابَ كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ حَتَّى يَكُونَ عَذَابُهُمْ بِقَدْرِ جُرْمِهِمْ وَجُرْمِ مُذْنِبِي الْمُسْلِمِينَ لَوْ أُخِذُوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَأْخُذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُضَاعِفَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ الْعَذَابَ، وَيُخَفِّفُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ بِحُكْمِ إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَيُقَالُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ: «لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا النَّارَ»، مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُذْنِبَ لَمَّا كَانَ يَسْتَحِقُّ مَكَانًا فِي النَّارِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، وَعَفَا اللَّهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ بَقِيَ مَكَانُهُ خَالِيًا مِنْهُ أَضَافَ ذَلِكَ الْمَكَانَ إِلَى يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ لِيُعَذَّبَ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى تَعْذِيبِ مَكَانِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِحَسَبِ كُفْرِهِ.
وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُذْنِبًا كَانَ أَوْ لَا مَنْزِلَيْنِ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْزِلًا فِي النَّارِ، وَكَذَا الْكَافِرُ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] أَيْ يَرِثُ الْمُؤْمِنُونَ مَنَازِلَ الْكُفَّارِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْكُفَّارُ مَنَازِلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّارِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْوِرَاثَةَ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِلَا حِسَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِحِسَابٍ وَمُنَاقَشَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ فِي قَوْمٍ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ كُفِّرَتْ عَنْهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ، أَوْ فِي مَنْ أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ الْخُرُوجِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ مَجَازًا عَنْ رُؤْيَةِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا. وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذُّنُوبِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى الْكُفَّارِ ذُنُوبٌ كَانَ الْكُفَّارُ سَبَبًا فِيهَا بِأَنْ سَنُّوهَا، فَلَمَّا غُفِرَتْ سَيِّئَاتُ الْمُؤْمِنِينَ بَقِيَتْ سَيِّئَاتُ الَّذِي سَنَّ تِلْكَ الْبِدْعَةَ السَّيِّئَةَ بَاقِيَةً عَلَى أَرْبَابِهَا الْكَفَرَةِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُغْفَرُ لَهُمْ، فَيَكُونُ الْوَضْعُ كِنَايَةً عَنْ إِبْقَاءِ الذَّنْبِ الَّذِي لَحِقَ الْكَافِرَ بِمَا سَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ السَّيِّئِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الْمُؤْمِنُ. وَقَوَّاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ نُورَيْنِ كَالْأَنْبِيَاءِ السَّالِفَةِ، رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (الْوَفَاءِ) عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ النَّاسَ جُمِعُوا لِلْحِسَابِ فَدُعِيَ الْأَنْبِيَاءُ، فَجَاءَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ، وَرَأَى لِكُلِّ نَبِيٍّ نُورَيْنِ، وَلِكُلٍّ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ نُورٌ يَمْشِي بِهِ، فَدُعِيَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - فَإِذَا لِكُلِّ شَعَرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ نُورٌ، وَلِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ نُورَانِ يَمْشِي بِهِمَا - فَقَالَ كَعْبٌ - وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهَا رُؤْيَا - مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ رَأَيْتَ هَذَا فِي مَنَامِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إِنَّهَا لَصِفَةُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَأُمَّتِهِ وَصِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأُمَمِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ التَّوْرَاةِ.
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَيْضًا أَنَّهُ رَأَى حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ بَعْضَ الْأُمُورِ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ لَئِنْ أَخْبَرْتُكَ مَا أَبْكَاكَ لَتَصْدُقَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ مُوسَى نَظَرَ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَجِدُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْكِتَابِ الْآخِرِ، وَيُقَاتِلُونَ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حَتَّى يُقَاتِلُوا الْأَعْوَرَ الدَّجَّالَ، قَالَ: فَقَالَ مُوسَى رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ أَحْمَدَ يَا مُوسَى، قَالَ الْحَبْرُ: نَعَمْ - الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قَالَ مُوسَى ﵇: لَيْتَنِي مِنْ أُمَّتِهِ أَوْ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﵊، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] الْحَدِيثَ.
وَرَوَيَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إِنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ وَقَرَأَهَا فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْآخِرُونَ، وَالسَّابِقُونَ الْمَشْفُوعُ لَهُمْ فَاجْعَلْهَا أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ قَالَ: يَا رَبِّ فَاجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ أَحْمَدَ فَأُعْطِيَ عِنْدَ ذَلِكَ خَصْلَتَيْنِ، فَقَالَ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] قَالَ رَضِيتُ يَا رَبِّ» .
وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ جَلَاءِ الْأَفْهَامِ.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فِي كُنْتُمْ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: كَانَ وَصْفُكُمْ فِي الْبِشَارَةِ قَبْلَ وُجُودِكُمْ، قَالَهُ الْحَسَنُ، الثَّانِي: كُنْتُمْ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ، أَوْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَيْ: مَا زِلْتُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَى كُنْتُمْ أَيْ أَنْتُمْ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَدْ يَأْتِي الْفِعْلُ عَلَى بِنْيَةِ الْمَاضِي، وَهُوَ ذَاهِبٌ أَوْ مُسْتَقْبَلٌ كَقَوْلِهِ: كُنْتُمْ، وَمَعْنَاهُ أَنْتُمْ، وَمِثْلُهُ ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٦] أَيْ يَقُولُ اللَّهُ، وَمِثْلُهُ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وَنَظَائِرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاعْلَمْ أَنَّ فَضِيلَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ الْحَقِّ لَهَا وَتَقْدِيمِهِ إِيَّاهَا، إِلَّا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِذَلِكَ سَبَبًا كَمَا جَعَلَ سَبَبَ سُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ ﵇ عِلْمُهُ بِمَا جَهِلُوهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ لِتَقْدِيمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبَبًا هُوَ الْفِطْنَةُ وَالْفَهْمُ وَالْيَقِينُ وَتَسْلِيمُ النُّفُوسِ، فَاعْتَبَرَ حَالَهُمْ بِمَنْ قَبْلَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَ مُوسَى رَأَوْا قُدْرَةَ الْخَالِقِ فِي شَقِّ الْبَحْرِ، ثُمَّ قَالُوا: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا، ثُمَّ مَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَعَرَضَتْ لَهُمْ غُزَاةٌ فَقَالُوا: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، وَلَمْ يَقْبَلُوا التَّوْرَاةَ حَتَّى نَتَقَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلَ، وَلَمَّا اخْتَارَ مُوسَى سَبْعِينَ مِنْهُمْ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ مَا أَوْجَبَ تَزَلْزُلَ الْجَبَلِ بِهِمْ، وَلِهَذَا لَمَّا صَعِدَ نَبِيُّنَا - ﷺ - عَلَى جَبَلِ حِرَاءَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ تَزَلْزَلَ، فَقَالَ: «اسْكُنْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» .
فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ مَنْ يَشُكُّ كَقَوْمِ مُوسَى. وَمَنْ تَأَمَّلَ حَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَآهُمْ قَدْ أُمِرُوا بِقَوْلِ حِطَّةٍ، فَقَالُوا: حِنْطَةٌ، وَقِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، فَدَخَلُوا زَحْفًا، وَآذَوْا نَبِيَّهُمْ فَقَالُوا: آدَرُ. وَمِنْ مَذْهَبِهِمُ التَّشْبِيهُ وَالتَّجْسِيمُ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ التَّغْفِيلِ، لِأَنَّ الْجِسْمَ مُؤَلَّفٌ، وَلَا بُدَّ لِلْمُؤَلَّفِ مِنْ مُؤَلِّفٍ. وَمِنْ غَفْلَةِ النَّصَارَى اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوْهَرٌ، وَالْجَوَاهِرُ تَتَمَاثَلُ، وَلَا مِثْلَ لِلْخَالِقِ، ثُمَّ مَقَالَاتُهُمْ فِي عِيسَى وَتَثْلِيثُهُمْ، وَدَعْوَاهُمْ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ وَأَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ تَعَالَى تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْأَبْدَانُ، وَتَنْفِرُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَتُحِيلُهُ الْعُقُولُ، وَلَيْسَ لِلْقَوْمِ فُهُومٌ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ أُمَّتِنَا: إِنَّهُمْ عَارٌ عَلَى بَنِي آدَمَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأُمَمِ.
هَذَا، وَقَدْ عَلِمَ يَقِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَبَذْلَهُمْ أَنْفُسَهُمْ فِي الْحُرُوبِ وَطَاعَةَ الرَّسُولِ - ﷺ -
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وَحِفْظَهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَلِهَذَا وَنَظَائِرِهِ كَانُوا يُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً هُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ كَرَامَةِ نَبِيِّنَا عَلَى الْلَهِ، وَجَزِيلِ فَضْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ وَفَضَّلَ وَكَرَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي بَعْضِ الخَصَائِصِ النبوية]
فَصْلٌ فِي بَعْضِ خَصَائِصِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَالرَّسُولِ السَّيِّدِ، وَالسَّنَدِ الْعَظِيمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّتِي اخْتَصَّهُ الْحَقُّ بِهَا جَلَّ شَأْنُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَشَارَ إِلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ»:
«وَخَصَّهُ بِذَاكَ كَالْمَقَامِ وَبَعْثِهِ لِسَائِرِ الْأَنَامِ»
«وَمُعْجِزِ الْقُرْآنِ وَالْمِعْرَاجِ حَقًّا بِلَا مَيْنٍ وَلَا اعْوِجَاجِ»
«وَخَصَّهُ» أَيْ: خَصَّ اللَّهُ ﷾ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ «بِذَاكَ» أَيْ: بِكَوْنِهِ خَتَمَ بِهِ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ خَتْمَ الْمُرْسَلِينَ، لِأَنَّ خَتْمَ الْأَعَمِّ يَسْتَلْزِمُ خَتْمَ الْأَخَصِّ بِلَا عَكْسٍ، وَمَعْنَى خَتْمِ النُّبُوَّةِ بِنُبُوَّتِهِ ﵊ أَنَّهُ لَا تُبْتَدَأُ نُبُوَّةٌ وَلَا تُشْرَعُ شَرِيعَةٌ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَأَمَّا نُزُولُ عِيسَى ﵇ وَكَوْنُهُ مُتَّصِفًا بِنُبُوَّتِهِ السَّابِقَةِ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عِيسَى ﵇ إِذَا نَزَلَ إِنَّمَا يَتَعَبَّدُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا - ﷺ - دُونَ شَرِيعَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، فَلَا يَتَعَبَّدُ إِلَّا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وَفُرُوعًا فَيَكُونُ خَلِيفَةً لِنَبِيِّنَا - ﷺ - وَحَاكِمًا مِنْ حُكَّامِ مِلَّتِهِ بَيْنَ أُمَّتِهِ بِمَا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ، وَبِنَظَرِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ، وَسُنَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَهُوَ لَا يَقْصُرُ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُؤَدِّي إِلَى اسْتِنْبَاطِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَيَّامَ مُكْثِهِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَكَسْرِ الصُّلْبَانِ وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ، وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ وَعَدَمِ قَبُولِهَا مِمَّا عُلِمَ مِنْ شَرِيعَتِنَا، لَا يُقَالُ هَذَا نَسْخٌ لِشِرْعَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ هَذَا مِنْ شِرْعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - مُغَيًّى إِلَى نُزُولِ عِيسَى ﵇، فَإِذَا نَزَلَ انْتَهَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ - ﷺ: " «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا» " فَنُزُولُهُ غَايَةٌ لِإِقْرَارِ الْكُفَّارِ بِبَذْلِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ لَا يَقْبَلُ
[ ٢ / ٢٧٧ ]
إِلَّا الْإِسْلَامَ فَلَا نَسْخَ لَهَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ قَرِيبًا. (وَالثَّانِيَةُ): مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ «كَـ» مَا خَصَّهُ اللَّهُ ﷾ بِـ «الْمَقَامِ» الْمَحْمُودِ، وَهُوَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: «يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَأَوَّلُ مَدْعُوٍّ مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، الْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ، وَبِكَ وَإِلَيْكَ، وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ - فَهَذَا قَوْلُهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]») وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - الَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُهُ قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلَانُ اشْفَعْ لَنَا، يَا فُلَانُ اشْفَعْ لَنَا، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْهُ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ الشَّمْسَ لَتَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، ثُمَّ بِمُوسَى، فَيَقُولُ كَذَلِكَ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ فَيَشْفَعُ، فَيَقْضِي اللَّهُ بَيْنَ الْخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ» " وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ - ﵁ - كَانَ مُقَدِّمَةَ الشَّفَاعَةِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْجَبَّارِ وَبَيْنَ جِبْرِيلَ فَيَغْبِطُهُ لِمَقَامِهِ ذَلِكَ أَهْلُ الْجَمْعِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ أَخْذُهُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ إِعْطَاؤُهُ لِوَاءَ الْحَمْدِ، وَقِيلَ: جُلُوسُهُ عَلَى الْعَرْشِ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ شَفَاعَتُهُ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ. انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
«وَ» الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ ﷾ خَصَّ نَبِيَّهُ - ﷺ - بِـ «بَعْثِهِ» نَبِيًّا وَرَسُولًا «لِسَائِرِ» أَيْ: جَمِيعِ «الْأَنَامِ» كَسَحَابٍ، الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَاخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ، وَبِهَذَا جَزَمَ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ عُلَمَائِنَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِينَ: وَنَجْزِمُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَافَّةً، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَأَنَّهُ - ﷺ - خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَفْضَلُهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْقَوْلِ الثَّانِي: بِأَنَّهُ - ﷺ - مَبْعُوثٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا، وَرَجَّحَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي الْخَصَائِصِ، وَالسُّبْكِيُّ قَبْلَهُ، وَزَادَ: أَنَّهُ - ﷺ - مُرْسَلٌ إِلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ - ﷺ: «بُعِثْتُ لِلنَّاسِ كَافَّةً»، شَامِلٌ لَهُمْ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَرَجَّحَ هَذَا الْقَوْلَ الْبَارِزِيُّ، وَزَادَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الضَّبِّ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَبِشَهَادَةِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ لَهُ أَيْضًا بِذَلِكَ، قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ، وَأَزِيدُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى نَفْسِهِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْمُلْحَقَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ
وَكُلُّ إِنْسَانٍ وَكُلُّ جِنَّةِ فِي دَارِ نَارٍ أَوْ نَعِيمِ جَنَّةِ
. فَعَاوِدْهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ كَانُوا جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَرِسَالَةُ نُوحٍ ﵇ عَامَّةٌ لَهُمْ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ عُمُومَهَا أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ إِذْ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْهَلَاكِ إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ، فَالْعُمُومُ صَارَ ثَانِيًا، وَبِالْعَرْضِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْجِنِّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - ﷺ - مَبْعُوثٌ إِلَى الثَّقَلَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَرِسَالَتُهُ مُطْبِقَةٌ جَمِيعَ الْأَكْوَانِ، وَلَا الْتِفَاتَ لِزَعْمِ بَعْضِ مُلْحِدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ خُصُوصِ رِسَالَتِهِ لِلْعَرَبِ، لِأَنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ بَاطِلَةٌ، وَمُغَالَطَةٌ عَاطِلَةٌ لِوُجُوهٍ بَدِيهِيَّةِ الْبُرْهَانِ، مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَا يَكْذِبُ، وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] ثُمَّ مُقَاتَلَتُهُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَسَبْيُ زَرَارِيِّهِمْ وَاسْتِبَاحَةُ دِمَائِهِمْ، وَضَرْبُ الْجِزْيَةِ
[ ٢ / ٢٧٩ ]
عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ، فَالْمُتَعَلِّقُ بِهَذَا هَذَّاءٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ
" وَ" الرَّابِعَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَخَصَّهُ بِـ «مُعْجِزِ الْقُرْآنِ» الَّذِي أَذْعَنَ لِإِعْجَازِهِ الثَّقَلَانِ، وَأَحْجَمَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَصَاقِيعُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَاعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِأَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَهْلُ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفَيًا فِي مَبْحَثِ الْقُرْآنِ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ، فَرَاجِعْهُ تَظْفَرْ بِمَقْصُودِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسَةُ): مِنْ خَصَائِصِهِ - ﷺ - مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ " كُنْ " بِمَا اخْتَصَّهُ اللَّهُ ﷾ بِـ «الْمِعْرَاجِ» إِلَى السَّمَوَاتِ الْعُلَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى إِلَى مُسْتَوًى سَمِعَ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، قَالَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ رِجَالِهِ: كَانَ الْمَسْرَى وَالْمِعْرَاجُ فِي لَيْلَةِ السَّبْتِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْمَبْعَثِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَشْيَاخٍ لَهُ قَالُوا: أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ. وَادَّعَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - ﵃. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا الْفَضْلِ يَقُولُ: قَالَ قَوْمٌ: كَانَ الْإِسْرَاءُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَمَنْ قَالَ بِسَنَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَمَنْ قَالَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رَجَبٍ، وَمَنْ قَالَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَيْلَةَ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ. قُلْتُ: وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَكَانَ الْمِعْرَاجُ إِلَى السَّمَاءِ بِجَسَدِهِ الشَّرِيفِ وَرُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ كَالْإِسْرَاءِ مِنْ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَاءِ، أُحِقُّ هَذَا «حَقًّا» ثَابِتًا، وَأَجْزِمُ جَزْمًا بَاتًّا «بِلَا مَيْنٍ» أَيْ: بِلَا امْتِرَاءٍ وَلَا رَيْبٍ، يُقَالُ مَانَ يَمِينُ: كَذَبَ فَهُوَ مَائِنٌ وَمَيُونٌ وَمَيَّانٌ «وَلَا اعْوِجَاجٍ» يُقَالُ اعْوَجَّ اعْوِجَاجًا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ، قَالَ فِي
[ ٢ / ٢٨٠ ]
النِّهَايَةِ: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْعِوَجِ فِي الْحَدِيثِ اسْمًا وَفِعْلًا وَمَصْدَرًا وَفَاعِلًا وَمَفْعُولًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُخْتَصٌّ بِكُلِّ شَخْصٍ مَرْئِيٍّ كَالْأَجْسَامِ، وَبِالْكَسْرِ فِيمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ كَالرَّأْيِ وَالْقَوْلِ، وَقِيلَ الْكَسْرُ فِيهِمَا مَعًا، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " «حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ» " يَعْنِي مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي غَيَّرَتْهَا الْعَرَبُ عَنِ اسْتِقَامَتِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِسْرَاءَ لَا خِلَافَ فِيهِ إِذْ هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ بِتَفْصِيلِهِ وَشَرْحِ أَعَاجِيبِهِ، فَوَرَدَ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ نَحْوُ الثَّلَاثِينَ - ﵃ - أَجْمَعِينَ، وَأَمَّا لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ فَاخْتُلِفَ فِيهَا، فَقِيلَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: لَيْلَةُ السَّبْتِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، وَقَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: تُسْفِرُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِتُوَافِقَ الْمَوْلِدَ وَالْمَبْعَثَ وَالْهِجْرَةَ وَالْوَفَاةَ، فَإِنَّهُ - ﷺ - وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَبُعِثَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَهَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ - ﵁ - حَدَّثَهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ قَالَ: ««بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي الْحِجْرِ - مُضْطَجِعٌ إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: الْأَوْسَطُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، قَالَ فَأَتَانِي فَقَدَّ - وَقَالَ مَرَّةً فَشَقَّ - مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي؟ فَقَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، قَالَ: فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا وَحِكْمَةً فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ - وَفِي لَفْظٍ: فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِهِ وَمَلَأَهُ عِلْمًا وَحِلْمًا وَيَقِينًا وَإِسْلَامًا ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ - قَالَ: فَقَالَ الْجَارُودُ: هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟، قَالَ نَعَمْ - يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ. وَلَمَّا أَرَادَ - ﷺ - الْعُرُوجَ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَصَلَاتِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈ أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ الَّذِي تَعْرُجُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ الْأَتْقِيَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَمْ تَرَ الْخَلَائِقُ أَحْسَنَ مِنْهُ، لَهُ مَرْقَاةُ فِضَّةٍ، وَمَرْقَاةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُوَ مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ مُنَضَّدٌ بِاللُّؤْلُؤِ، عَنْ يَمِينِهِ مَلَائِكَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ مَلَائِكَةٌ، فَارْتَقَى عَلَيْهِ هُوَ وَجِبْرِيلُ
[ ٢ / ٢٨١ ]
عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ عِنْدِ الْقُبَّةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا قُبَّةُ الْمِعْرَاجِ عَنْ يَمِينِ الصَّخْرَةِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ عَرَجَ مِنْ ثَمَّ، وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ أَنَّ الْبُرَاقَ تَرَقَّى بِهِ، أَيِ النَّبِيِّ - ﷺ - كَمَا قَالَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِيَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ» - الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ صَحَّتِ الْأَحَادِيثُ بِأَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى الْبُرَاقِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نُصِبَ لَهُ الْمِعْرَاجُ فَارْتَقَى فِيهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَبِ الْبُرَاقَ إِلَّا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَ فَلَمْ يَذْكُرْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ فِي الْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا رَكِبَ الْبُرَاقَ، وَاخْتَرَقَ بِهِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فَوْقَهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ بَعْدَ سُؤَالِهِ - ﷺ - رَبَّهُ، وَمُرَاجَعَتِهِ لَهُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِهِ حَتَّى انْتَهَى ذَلِكَ مِنَ الْخَمْسِينَ إِلَى الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ، وَسَمَاعِ النِّدَاءِ مِنَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَشَفَّعْتُ نَبِيِّي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، هُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهُنَّ خَمْسُونَ فِي الْأَجْرِ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَسَمِعَ قَوْلَهُ ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وَلَا يُنْسَخُ كِتَابِي، وَكَانَتِ الْمُرَاجَعَةُ مَا بَيْنَ الْحَقِّ ﷻ وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمَ، فَإِنَّهُ الَّذِي حَثَّ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ عَلَى مُرَاجَعَةِ الرَّبِّ الرَّحِيمِ سُؤَالَهُ التَّخْفِيفَ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ الضَّعِيفِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: «وَنِعْمَ الصَّاحِبُ كَانَ لَكُمْ. أَيْ: مَعْشَرِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ مُوسَى ﵊: اهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ. وَلَمَّا دَنَا الْمُصْطَفَى مِنَ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، وَحَلَّ فِي مُسْتَوًى سَمِعَ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ وَكَلَّمَهُ الْجَلِيلُ ﷻ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَبِّ، قَالَ: سَلْ. قَالَ: إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَأَعْطَيْتَ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِبَالَ، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ، وَسَخَّرْتَ لَهُ الرِّيَاحَ، وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِكَ، وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ
[ ٢ / ٢٨٢ ]
لِلشَّيَاطِينِ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ. فَقَالَ اللَّهُ ﷾: وَقَدِ اتَّخَذْتُكَ حَبِيبًا - قَالَ الرَّاوِي: وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ حَبِيبُ اللَّهِ - وَأَرْسَلْتُكَ لِلنَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، لَا أُذْكَرُ إِلَّا تُذْكَرُ مَعِي، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ أَمَةً وَسَطًا، وَجَعَلْتُ أَمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي، وَجَعَلْتُ مِنْ أُمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ أَنَاجِيلُهُمْ، وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا وَآخِرَهُمْ بَعْثًا، وَأَوَّلَ مَنْ يُقْضَى لَهُ، وَأَعْطَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا مِنْ قَبْلِكَ، وَأَعْطَيْتُكَ الْكَوْثَرَ، وَأَعْطَيْتُكَ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ: الْإِسْلَامُ وَالْهِجْرَةُ، وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَالصَّلَاةُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً - كُلُّ هَذَا الْخِطَابِ فِي حَالِ قُرْبِهِ مِنْ رَبِّ الْعَالِمَيْنِ - ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَفَّفَ عَنْ عِبَادِهِ الْفِعْلَ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ، وَأَبْقَى لَهُمْ ثَوَابَ الْخَمْسِينَ تَفْضِيلًا مِنْهُ تَعَالَى، وَتَكَرُّمًا عَلَى نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى، وَعَلَى أُمَّتِهِ بِبَرَكَتِهِ، وَكَانَ - ﷺ - لَمَّا وَصَلَ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى غَشِيَتْهُ سَحَابَةٌ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، فَتَأَخَّرَ جِبْرِيلُ ثُمَّ عُرِجَ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - حَتَّى وَصَلَ لِمُسْتَوًى سَمِعَ فِيهِ صَرِيرَ الْأَقْلَامِ فَدَنَا مِنَ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، أَيْ: أَوْ أَقْرَبَ، أَيْ: بَلْ أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ انْجَلَتْ عَنْهُ السَّحَابَةُ فَأَخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ، فَانْصَرَفَ سَرِيعًا فَمَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ أَتَى عَلَى مُوسَى، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: وَنِعْمَ الصَّاحِبُ كَانَ لَكُمْ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ مَا فَرَضَ عَلَيْكَ رَبُّكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: فَرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ عَنْكَ وَعَنْ أُمَّتِكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي خَبَرْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَبَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَالَجْتُهُمْ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا وَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَأَبْدَانًا وَقُلُوبًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى جِبْرِيلَ يَسْتَشِيرُهُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَرَجَعَ سَرِيعًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الشَّجَرَةِ، فَغَشِيَتْهُ السَّحَابَةُ وَخَرَّ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
سَاجِدًا وَقَالَ: رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ، قَالَ: وَضَعْتُ عَنْكُمْ خَمْسًا، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ بَقِيَتِ الْخَمْسُ» . وَهَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - وَالَّذِي فِي الْمُسْنَدِ وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَنَسٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - ﵁ تَعَالَى: «حَطَّ عَنْهُ عَشْرًا ثُمَّ عَادَ فَحَطَّ عَنْهُ عَشْرًا ثُمَّ عَادَ فَحَطَّ عَنْهُ عَشْرًا»، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁.
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ، وَهَذَا أَصَحُّ لِاتِّفَاقِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَفْسِهِ أَيْضًا، وَذَكَرَ الْمُرَاجَعَةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ عَنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ حَطَّ خَمْسًا: غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي. انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: كَوْنُ الْحَطِّ كَانَ خَمْسًا خَمْسًا أَصَحُّ، وَلَفْظُهُ: قَدْ حَقَّقْتُ رِوَايَةً ثَابِتَةً أَنَّ التَّخْفِيفَ كَانَ خَمْسًا خَمْسًا، وَهِيَ زِيَادَةٌ مُعْتَمَدَةٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا. انْتَهَى
قُلْتُ: وَلِمُنَاقَشَتِهِ وَجْهٌ وَجِيهٌ مِنْ أُمُورٍ أَحَدُهَا: أَنَّ كَوْنَ التَّخْفِيفِ عَشْرًا عَشْرًا أَلْيَقُ بِكَرَمِ الْكَرِيمِ، الثَّانِي: اتِّفَاقُ الصَّحِيحَيْنِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ خَمْسًا خَمْسًا فَمِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ، وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحِيحَانِ أَصَحُّ.
الثَّالِثُ: كَوْنُهُ عَشْرًا أَقَلُّ مُرَاجَعَةً. الرَّابِعُ: أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنْ كَوْنِهِ كَانَ خَمْسًا صَادِقٌ بِأَنَّ الْحَطَّ فِي الْخَامِسَةِ خَمْسٌ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَطَّ كَانَ خَمْسًا فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَوْنَ الْحَطِّ كَانَ عَشْرًا أَصَحُّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى رُؤْيَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْإِنْعَامِ، وَاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا هُوَ فِي وُقُوعِهَا، لَا فِي إِمْكَانِهَا وَجَوَازِهَا إِذْ هِيَ جَائِزَةٌ عَقْلًا وَنَقْلًا، أَمَّا الْعَقْلُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا النَّقْلُ فَمَا كَانَ كَلِيمُ الرَّحْمَنِ لِيَسْأَلَ الْمُسْتَحِيلَ، هَذَا مِمَّا لَا يَظُنُّهُ مَنْ عَرَفَ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ فَضْلًا عَنِ الرَّسُولِ فَضْلًا عَنْ أَحَدِ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، لَيْتَ شِعْرِي مَنْ جَهِلَ الْوَاجِبَ وَالْجَائِزَ وَالْمُسْتَحِيلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا عَلِمَ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَتَصَوَّرُهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يَرَى الْحَقَّ وَيَتَّبِعُهُ أَبَدًا، ثُمَّ إِنَّ رُؤْيَةَ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وَاقِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ قَطْعًا كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا مَنِ ادَّعَاهَا فِي الدُّنْيَا يَقَظَةً لِغَيْرِ نَبِيِّنَا - ﷺ - عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ فَهُوَ ضَالٌّ، بَلْ قَالَ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ: وَمُعْتَقِدُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُنَا يَعْنِي فِي الدُّنْيَا بِالْعَيْنِ لِغَيْرِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَزِنْدِيقٌ، فَلَوْ قَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّهَ عِيَانًا فِي الدُّنْيَا، وَيُكَلِّمُنِي شِفَاهًا كَفَرَ. انْتَهَى.
وَنُقِلَ عَنِ الْمَهْدَوِيِّ الْمُفَسِّرِ أَنَّهُ كَفَّرَ مُدَّعِيَ الرُّؤْيَةِ. هَذَا، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ لِلْأَوْلِيَاءِ فِي الدُّنْيَا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَأَبُو شَامَةَ: إِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ مُدَّعِي الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا يَقَظَةً، فَإِنَّ شَيْئًا مُنِعَ مِنْهُ مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ ﵊، وَاخْتُلِفَ فِي حُصُولِهِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَيْفَ يُسْمَحُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يَصِلْ لِمَقَامِهِمَا مِمَّا لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِآحَادِ النَّاسِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَنَامًا وَالْحَقُّ جَوَازُهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(الثَّانِي): اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] أَيْ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَابَ قَوْسَيْنِ أَيْ مِقْدَارَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أَوْ أَقْرَبَ، وَالْقَابُ مَا بَيْنَ الْقُبَّةِ وَالسِّيَةِ مِنَ الْقَوْسِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْسِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا. قَالَ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الذِّرَاعُ؛ لِأَنَّهُ يُقَاسُ بِهَا الشَّيْءُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: الْقَابُ الْقَدْرُ، وَالْقَوْسَيْنِ الذِّرَاعَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَوْسُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا لَمْ يُمَثَّلْ بِذَلِكَ لِيَحْتَاجَ إِلَى التَّثْنِيَةِ فَكَانَ يُقَالُ مَثَلًا: قَابَ رُمْحٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ أَنَّهُ عَلَى الْقَلْبِ، وَالْمُرَادُ فَكَانَ قَابَيْ قَوْسٍ؛ لِأَنَّ الْقَابَ مَا بَيْنَ الْمِقْبَضِ إِلَى السِّيَةِ، فَلِكُلِّ قَوْسٍ قَابَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَالِفَتِهِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنَى أَيْ: أَقْرَبَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: خَاطَبَ اللَّهُ الْعَرَبَ بِمَا أَلِفُوا، وَالْمَعْنَى: فِيمَا تُقَدِّرُونَ أَنْتُمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لَا تَرَدُّدَ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، وَالتَّقْدِيرُ بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ، وَسِيَةُ الْقَوْسِ هِيَ الْفُرْضَةُ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الْوَتَرُ، وَالْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي التَّفْسِيرِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الصَّحَابَةِ - ﵃.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى - فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ - ٩] قَالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٤] هَكَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ: وَلَفْظُ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ سَبْعَةَ وُجُوهٍ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَقَالُوا: إِنْ شَرِيكًا غَلِطَ فِيهِ وَذَكَرَ فِيهِ أُمُورًا مُنْكَرَةً، لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ أَنَّ الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّي الَّذِي فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ غَيْرُ الَّذِي فِي الْآيَةِ، وَلِذَا قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَيْ: فَكَانَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ - ﷺ - مِقْدَارُ قَوْسَيْنِ أَوْ أَقَلَّ، وَهَذَا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَعَادَتِهِمْ، فَإِنَّ الْأَمِيرَيْنِ مِنْهُمْ أَوِ الْكَبِيرَيْنِ إِذَا اصْطَلَحَا وَتَعَاقَدَا أَخْرَجَا بِقَوْسَيْهِمَا، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوْسَهُ بِطَرَفِ قَوْسِ صَاحِبِهِ، وَمَنْ دُونَهُمَا مِنَ الرَّعِيَّةِ يَكُونُ كَفُّهُ بِكَفِّ صَاحِبِهِ فَيَمُدَّانِ بَاعَيْهِمَا كَذَلِكَ فَسُمِّيَ مُبَايَعَةً. انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنَى، قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: أَوْ هُنَا لَيْسَتْ لِلشَّكِّ بَلْ لِتَحْقِيقِ قَدْرِ الْمَسَافَةِ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى قَوْسَيْنِ الْبَتَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] تَحْقِيقًا لِهَذَا الْعَدَدِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْقُصُونَ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ رَجُلًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] أَيْ لَا تَنْقُصُ قَسْوَتُهَا عَنْ قَسْوَةِ الْحِجَارَةِ بَلْ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى قَسْوَةِ الْحِجَارَةِ لَمْ تَكُنْ دُونَهَا، قَالَ: وَهَذَا الْمَعْنَى أَحْسَنُ وَأَلْطَفُ وَأَدَقُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ " أَوْ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى بَلْ، وَمِنْ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهَا لِلشَّكِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّائِي، وَمِنْ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ فَتَأَمَّلْهُ. انْتَهَى.
(الثَّالِثُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى): السِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ، وَاحِدُهُ سِدْرَةٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَيْهَا مَا يُهْبَطُ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي
[ ٢ / ٢٨٦ ]
مَا يَعْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ، وَاخْتِيرَتِ السِّدْرَةُ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْصَافٍ: ظِلٌّ مَدِيدٌ، وَطَعْمٌ لَذِيذٌ، وَرَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْإِيمَانِ الَّذِي يَجْمَعُ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ وَالنِّيَّةَ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ السِّدْرَةَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّهَا فِي السَّابِعَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ تَعَارُضٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وَصْفُهَا بِكَوْنِهَا الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا عِلْمُ كُلِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَكُلِّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَيَتَرَجَّحُ حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا قَالَ - يَعْنِي الْقُرْطُبِيَّ - وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الْجَمْعِ بَلْ جَزَمَ بِالتَّعَارُضِ، وَلَا يُعَارِضُ أَنَّهَا فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَصْلَهَا فِي السَّادِسَةِ وَأَغْصَانَهَا وَفُرُوعَهَا فِي السَّابِعَةِ، وَلَيْسَ فِي السَّادِسَةِ إِلَّا أَصْلُ سَاقِهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى مَغْرُوسَةٌ بِالْأَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَلَا يُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظُ وَمَا أَشْبَهَهُ إِلَّا عَلَى مَا يُفْهَمُ، وَالْبَاطِنُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ سَرَيَانُهُ تَحْتَ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَاطِنِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَصْلَ شَجَرَةِ الْمُنْتَهَى فِي الْأَرْضِ لِكَوْنِهِ قَالَ: إِنَّ النِّيلَ وَالْفُرَاتَ يَجْرِيَانِ مِنْ أَصْلِهَا، وَهُمَا بِالْمُشَاهَدَةِ يَجْرِيَانِ مِنَ الْأَرْضِ، فَلْيَزُمْ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ السِّدْرَةِ فِي الْأَرْضِ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَصْلِهَا غَيْرُ خُرُوجِهِمَا بِالنَّبْعِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَهَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَهُمَا يَخْرُجَانِ أَوَّلًا مِنْ أَصْلِ السِّدْرَةِ ثُمَّ يَسِيرَانِ إِلَى أَنْ يَسْتَقِرَّا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْبُعَانِ.
وَفِي أَصْلِ الْقِصَّةِ: فَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَقَالَ جِبْرِيلُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّيلَ وَالْفُرَاتَ لَيْسَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَسِدْرَةُ الْمُنْتَهَى لَيْسَتْ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُمَا يَخْرُجَانِ مِنْهَا بَعْدَ نَبْعِهِمَا مِنَ السِّدْرَةِ، وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْفُرَاتَ وَالنِّيلَ مَنْبَعُهُمَا مِنَ السِّدْرَةِ، وَإِذَا أُنْزِلَا إِلَى الْأَرْضِ
[ ٢ / ٢٨٧ ]
يَسْلُكَانِ أَوَّلًا عَلَى الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلَانِهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلَانِ إِلَى الْأَرْضِ. انْتَهَى.
قُلْتُ: إِذَا قُلْنَا: سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فِي السَّابِعَةِ تَعَيَّنَ أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ سَقْفُهَا سِوَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ): الْمُسْتَوَى الَّذِي سَمِعَ فِيهِ - ﷺ - صَرِيفَ الْأَقْلَامِ هُوَ الْمَصْعَدُ، وَقِيلَ الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي، وَصَرِيفُ الْأَقْلَامِ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْفَاءِ هُوَ صَوْتُ حَرَكَةِ الْأَقْلَامِ، وَهُوَ جَرَيَانُهَا عَلَى الْمَكْتُوبِ فِيهِ مِنَ الْأَقْضِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْوَحْيِ، وَمَا يَنْسَخُونَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُكْتَبَ وَيُرْفَعَ لِمَا أَرَادَهُ تَعَالَى مِنْ أَوَامِرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ بِصِحَّةِ كِتَابَةِ الْوَحْيِ وَالْمَقَادِيرِ فِي كُتُبِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِالْأَقْلَامِ الَّذِي هُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ جِنْسَهَا وَكَيْفِيَّتَهَا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، نَعَمْ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ وَصُورَتُهُ وَجِنْسُهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَمَا يَتَأَوَّلُ هَذَا أَوْ يُحِيلُهُ إِلَّا ضَعِيفُ الْإِيمَانِ إِذْ جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ): الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، هَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَكْثَرُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ وَحْدَهُ فِي لَيْلَةٍ ثُمَّ كَانَ هُوَ وَالْمِعْرَاجُ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَإِنَّمَا كَانَا يَقَظَةً بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ جَمِيعًا - لَا فِي الْمَنَامِ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي هُوَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِلَى السَّمَاوَاتِ الْعُلَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى.
قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ امْتِرَاءٍ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْقُرْآنُ نَصًّا، وَصَحِيحُ الْأَخْبَارِ إِلَى السَّمَاوَاتِ اسْتَفَاضَ اسْتِفَاضَةً تَكَادُ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ أَوْ بَلَغَتْهُ، وَلَا يُعْدَلُ عَنِ الظَّاهِرِ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا عَنِ الْحَقِيقَةِ الْمُتَبَادِرَةِ إِلَى الْأَذْهَانِ مِنْ أَلْفَاظِهَا إِلَى التَّأْوِيلِ إِلَّا عِنْدَ الِاسْتِحَالَةِ، وَتَعَذُّرِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَيْسَ ثَمَّ اسْتِحَالَةٌ تُؤْذِنُ بِالتَّأْوِيلِ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فَلَا جَرَمَ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مَعَ تَفْوِيضِ عِلْمِ مَا دَقَّ إِلَى الْحَقِّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(السَّادِسُ): زَعَمَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْمِعْرَاجَ وَقَعَ لَهُ - ﷺ - ثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِجِسْمِهِ الشَّرِيفِ، وَالْبَاقِي بِرُوحِهِ. وَرَدَّ الْمُحَقِّقُ تَعَدُّدَ ذَلِكَ مَعَ تَعَدُّدِ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالْمُرَاجَعَةِ فِي الْحَطِّ وَالتَّخْفِيفِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ بِالتَّعَدُّدِ يَلْتَزِمُ إِعَادَةَ مِثْلِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مزايا وخصائص النبي ﷺ كثيرة غير ما ذكر]
«فَكَمْ حَبَاهُ رَبُّهُ وَفَضَّلَهْ وَخَصَّهُ سُبْحَانَهُ وَخَوَّلَهْ»
«فَكَمْ حَبَاهُ رَبُّهُ» ﷾ بِمَكْرُمَةٍ " وَ" كَمْ «فَضَّلَهُ» عَلَى غَيْرِهِ بِمَزِيدٍ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِي لَا تُحْصَى، وَالْمَكْرُمَاتِ الَّتِي لَا تُسْتَقْصَى، فَإِنَّ كَمْ هَذِهِ خَبَرِيَّةٌ بِمَعْنَى كَثِيرٍ، فَهِيَ تُفِيدُ كَثْرَةَ مَا حَبَاهُ رَبُّهُ بِهِ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ، وَالْمَزَايَا، وَالْحِبَاءُ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، يُقَالُ: حَبَا فُلَانًا أَعْطَاهُ بِلَا جَزَاءٍ وَلَا مَنٍّ أَوْ عَامٌّ، وَالِاسْمُ الْحِبَاءُ كَكِتَابٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ «وَ» كَمْ «خَصَّهُ» اللَّهُ «سُبْحَانَهُ» وَتَعَالَى بِخُصُوصِيَّةٍ، يُقَالُ: خَصَّهُ خَصًّا وَخُصُوصًا وَخُصُوصِيَّةً، وَيُفْتَحُ، وَخِصِّيصَى وَيُمَدُّ، وَخَصِّيَّةً وَتَخِصَّةً فَضَّلَهُ، وَالْخَاصُّ وَالْخَاصَّةُ ضِدَّ الْعَامَّةِ «وَخَوَّلَهُ» بِمَعْنَى أَعْطَاهُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: خَوَّلَهُ اللَّهُ الْمَالَ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ تَفَضُّلًا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا خَصَّ نَبِيَّهُ الْمُصْطَفَى بِخَصَائِصَ كَثِيرَةٍ وَمَزَايَا غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا، حَتَّى إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ فِي كِتَابِهِ " شَرَفُ الْمُصْطَفَى " أَوْصَلَ الْخَصَائِصَ الَّتِي اخْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ - ﷺ - بِهَا عَنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ إِلَى سِتِّينَ، وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَافِظِ أَوْصَلَهَا إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: الْحَقُّ عَدَمُ حَصْرِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي النَّظْمِ إِلَّا لِبَعْضِ الْمُهِمِّ مِنْهَا عَلَى أَنَّهَا أُفْرِدَتْ بِالتَّأْلِيفِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَعْدَادِهَا هُنَا.
[فَصْلٌ في التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ]
[معجزات النبي ﷺ كثيرة لا تنحصر]
«فَصْلٌ»
«فِي التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ مُعْجِزَاتِهِ - ﷺ - وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا» وَتَعْرِيفُ الْمُعْجِزَةِ: هِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَجْزِ الْمُقَابِلِ لِلْقُدْرَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ مَا أَعْجَزَ بِهِ الْخَصْمَ عِنْدَ التَّحَدِّي، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ. انْتَهَى.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: الْمُعْجِزَةُ هِيَ مَا خَرَقَ الْعَادَةَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ إِذَا وَافَقَ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَقَارَنَهَا وَطَابَقَهَا عَلَى جِهَةِ التَّحَدِّي ابْتِدَاءً بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى مِثْلِهَا، وَلَا عَلَى مَا يُقَارِبُهَا. وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: الْمُعْجِزَةُ عُرْفًا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي مَعَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ: إِنَّمَا قَالَ أَمْرٌ لِيَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ كَانْفِجَارِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَيَتَنَاوَلَ عَدَمَهُ أَيْ عَدَمَ الْفِعْلِ كَعَدَمِ إِحْرَاقِ النَّارِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. وَاحْتَرَزُوا بِقَيْدِ الْمُقَارَنَةِ لِلتَّحَدِّي عَنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالْعَلَامَاتِ الْإِرْهَاصِيَّةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُ الْبَعْثَةَ النَّبَوِيَّةَ وَعَنْ أَنْ يَتَّخِذَ الْكَاذِبُ مُعْجِزَةَ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ حُجَّةً لِنَفْسِهِ، وَبِقَيْدِ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ عَنِ السِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَمْدَانَ: (وَطَابَقَهَا)؛ لِيُخْرِجَ مَا إِذَا قَالَ: مُعْجِزَتِي نُطْقُ هَذَا الْحَجَرِ، فَنَطَقَ بِأَنَّهُ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَكَمَا تَفَلَ مُسَيْلِمَةُ فِي بِئْرٍ فَغَارَ مَاؤُهَا، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِ غُلَامٍ فَصَارَ أَقْرَعَ وَنَحْوُ ذَلِكَ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَدَ أَشَارَ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَثِيرَةٌ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاءُ عَدَدِهَا بِقَوْلِهِ:
«وَمُعْجِزَاتُ خَاتَمِ الْأَنْبَاءِ كَثِيرَةٌ تَجِلُّ عَنْ إِحْصَائِي»
«وَمُعْجِزَاتُ» جَمْعُ مُعْجِزَةٍ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا آنِفًا «خَاتَمِ الْأَنْبَاءِ» يَعْنِي نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - ﷺ - وَالْأَنْبَاءُ جَمْعُ نَبِيٍّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى كَوْنِهِ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ «كَثِيرَةٌ» جِدًّا «تَجِلُّ» أَيْ تَعْظُمُ وَتَكْبُرُ «عَنْ إِحْصَائِي» أَيْ عَنْ عَدِّي وَحِفْظِي لِكَثْرَةِ أَفْرَادِهَا، وَتَنَوُّعِهَا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ الَّتِي مَا سَبَقَتْ لِمِثْلِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ كَثْرَةِ الْمُعْجِزَاتِ مَا بَلَغَهُ نَبِيُّنَا - ﷺ - وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَزِيدِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، وَالِاحْتِفَالِ بِأَمْرِ نُبُوَّتِهِ، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَشَرِيعَتُهُ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ أَجْمَعِينَ نَاسِبَ كَثْرَةَ الْمُعْجِزَاتِ، وَتَرَادُفَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِهِ " الْجَوَابُ الصَّحِيحُ ": الْآيَاتُ وَالْبَرَاهِينُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَهِيَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ آيَاتِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ: وَيُسَمِّيهَا
[ ٢ / ٢٩٠ ]
النُّظَّارُ مُعْجِزَاتٍ وَتُسَمَّى دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامُ النُّبُوَّةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ إِذَا سُمِّيَتْ بِهَا آيَاتُ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ لَفْظِ الْمُعْجِزَاتِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْمُعْجِزَاتِ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَإِنَّمَا فِيهِ لَفْظُ الْآيَةِ وَالْبَيِّنَةِ وَالْبُرْهَانِ، وَأَهْلُ الْكَلَامِ لَا يُسَمُّونَ مُعْجِزًا إِلَّا مَا كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ فَقَطْ، وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ خَرْقِ عَادَةٍ يُسَمُّونَهَا كَرَامَةً، قَالَ: وَالسَّلَفُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَانُوا يُسَمُّونَ هَذَا وَهَذَا مُعْجِزًا وَيَقُولُونَ لِخَوَارِقِ الْأَوْلِيَاءِ إِنَّهَا مُعْجِزَاتٌ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ مَا كَانَ آيَةً وَبُرْهَانًا عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ فَإِنَّ هَذَا يَجِبُ اخْتِصَاصُهُ، وَرُبَّمَا سَمَّوُا الْكَرَامَاتِ آيَاتٍ لِكَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مَنِ اتَّبَعَهُ الْوَلِيُّ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَسْتَلْزِمُ الْمَدْلُولَ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ آيَةً وَبُرْهَانًا وَهُوَ الدَّلِيلُ وَالْعِلْمُ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُمْ سَمَّوْهَا مُعْجِزَاتٍ لِأَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي اتَّبَعُوهُ، أَوْ لِأَنَّهَا تُعْجِزُ غَيْرَهُمْ وَهِيَ آيَةٌ عَلَى صِحَّةِ طَرِيقَتِهِمْ. انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مُعْجِزَاتُ نَبِيِّنَا كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ - ﷺ - أُعْطِي ثَلَاثَ آلَافِ مُعْجِزَةٍ يَعْنِي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ فِيهِ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ تَقْرِيبًا وَلِهَذَا قَالَ:
[القرآن وانشقاق القمر]
«مِنْهَا كَلَامُ اللَّهِ مُعْجِزُ الْوَرَى كَذَا انْشِقَاقُ الْبَدْرِ فِي غَيْرِ امْتِرَا»
«مِنْهَا» أَيْ مِنْ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ بَلْ أَعْظَمِهَا وَأَجَلِّهَا، «كَلَامُ اللَّهِ» الْمُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ، «مُعْجِزُ الْوَرَى» كَفَتَى: الْخَلْقِ جَمِيعِهِمْ إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ، وَأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ فَهُوَ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْبَشَرِ الْإِتْيَانُ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا، وَ«كَذَا» مِنْ غُرَرِ مُعْجِزَاتِهِ - ﷺ - «انْشِقَاقُ الْبَدْرِ» أَيِ الْقَمَرِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْبَدْرُ: الْقَمَرُ الْمُمْتَلِئُ. انْتَهَى.
وَهُوَ أَحَدُ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ الَّتِي هِيَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالزُّهْرَةُ وَعُطَارِدُ وَالْمِرِّيخُ وَالْمُشْتَرَى وَزُحَلُ، فَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ نِصْفَيْنِ ثَابِتٌ، «مِنْ غَيْرِ امْتِرَا» أَيْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا جَدَلٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمِرْيَةِ - بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ - وَالشَّكِّ وَالْجَدَلِ، يُقَالُ: مَارَاهُ مُمَارَاةً وَمِرَاءً وَامْتَرَى فِيهِ وَتَمَارَى: شَكَّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي النِّهَايَةِ الْمِرَاءُ الْجِدَالُ
[ ٢ / ٢٩١ ]
وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ: الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ. انْتَهَى.
وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ وَظُهُورِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ ظُهُورًا تَامًّا وَثُبُوتًا جَازِمًا، وَقِصَّةُ ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - «أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا» .
وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ: «فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اشْهَدُوا» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: «اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالُوا: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَبَّهُ - ﷿ - أَنْ يُعْطِيَهُ مَا سَأَلُوا، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُنَادِي: يَا فُلَانُ يَا فُلَانُ اشْهَدُوا، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ» .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فَبَقِيَتْ فِرْقَةٌ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمَّا انْشَقَّ الْقَمَرُ كَانَ يُرَى بِجَبَلٍ قُعَيْقِعَانَ النِّصْفُ وَبِأَبِي قُبَيْسٍ النِّصْفُ الْآخَرُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قُعَيْقِعَانُ جَبَلٌ بِمَكَّةَ قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ جُرْهُمًا لَمَّا تَحَارَبُوا كَثُرَتْ قَعْقَعَةُ السِّلَاحِ هُنَاكَ، وَجَبَلُ أَبِي قُبَيْسٍ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ بِمَكَّةَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً عَلَى هَذَا الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً عَلَى هَذَا الْجَبَلِ فَقَالُوا: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ وَقَالُوا: إِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَاسْأَلُوا فَإِنْ شَهِدُوا بِمَا أَبْصَرْتُمُوهُ فَهُوَ حَقٌّ وَلَيْسَ هُوَ سِحْرًا، فَسَأَلُوا مَنْ كَانَ مُسَافِرًا عَنْ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا وَمِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ فَتَمَادَوْا فِي كُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَاسْأَلُوا السُّفَّارُ يَقَدَمُونَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ وَإِلَّا فَهُوَ سِحْرٌ، فَقَدِمَ السُّفَّارُ فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأَيْنَا، قَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] قَالَ:
[ ٢ / ٢٩٢ ]
انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. (قُلْتُ) قَدْ ثَبَتَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ عَنِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ، وَقَدْ بَلَغَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَقِّ.
وَهَذَا الِانْشِقَاقُ الْوَاقِعُ لِلْقَمَرِ مِنْ خَصَائِصِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا عَنْ سَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَلَمْ يَشْرَكْهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ وَلَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ سِوَاهُ وَهُوَ مِنْ أُمَّهَاتِ مُعْجِزَاتِهِ الَّتِي لَا يَكَادُ يَعْدِلُهَا بَعْدَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، وَلَا يَعْدِلُهَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - لِظُهُورِ ذَلِكَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ خَارِجًا عَنْ جُمْلَةِ طِبَاعِ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمُرَكَّبِ مِنَ الطَّبَائِعِ، فَهُوَ آيَةٌ وَمُعْجِزَةٌ جَسِيمَةٌ وَلِهَذَا قَرَنَهَا بِمُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، لِأَنَّ فِيهِمَا كِفَايَةً عَمَّا سِوَاهُمَا وَإِلَّا فَمُعْجِزَاتُهُ - ﷺ - لَا تُحْصَى وَدَلَائِلُ نُبُوَّتِهِ لَا تُسْتَقْصَى.
(تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) قَدْ رُوِيَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ - مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةُ وَعَلِيٌّ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَغَيْرُهُمْ - ﵃ -.
(الثَّانِي) الثَّابِتُ مِنْ قِصَّةِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ: إِنَّ الْقَمَرَ دَخَلَ فِي جَيْبِهِ - ﷺ - وَخَرَجَ مِنْ كُمِّهِ فَلَا أَصْلَ لَهُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ: آيَاتُهُ - ﷺ - الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّأْثِيرِ أَنْوَاعٌ، (مِنْهَا) مَا هُوَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَحِرَاسَةِ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ الْحِرَاسَةَ التَّامَّةَ وَمِعْرَاجُهُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: وَإِنَّمَا جَعَلَ الْآيَةَ فِي انْشِقَاقِ الْقَمَرِ دُونَ الشَّمْسِ وَسَائِرِ الْكَوَاكِبِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ، وَكَانَ الِانْشِقَاقُ فِيهِ دُونَ أَجْزَاءِ الْفَلَكِ لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُسْتَنِيرٌ فَيَظْهَرُ فِيهِ الِانْشِقَاقُ لِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ ظُهُورًا لَا يَتَمَارَى فِيهِ، وَإِذَا قُبِلَ الِانْشِقَاقُ فَقَبُولُ مَحَلِّهِ أَوْلَى بِذَلِكَ، قَالَ: وَفِيهِ حِكْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ إِحْدَاهُمَا كَوْنُهُ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ انْشِقَاقِ الْفَلَكِ وَأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ
[ ٢ / ٢٩٣ ]
الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنَ انْشِقَاقِ السَّمَاوَاتِ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْفَلَكَ لَا يَقْبَلُ الْخَرْقَ وَالِالْتِئَامَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَمِنْهَا) مَا هُوَ فِي الْجَوِّ كَاسْتِسْقَائِهِ وَاسْتِصْحَائِهِ - ﷺ - وَطَاعَةِ السَّحَابِ فِي حُصُولِهِ وَذَهَابِهِ، (وَمِنْهَا) تَصَرُّفُهُ فِي الْحَيَوَانَاتِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ، (وَمِنْهَا) تَصَرُّفُهُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْخَشَبِ وَالْأَحْجَارِ، (وَمِنْهَا) تَأْيِيدُهُ بِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، (وَمِنْهَا) كِفَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ أَعْدَاءَهُ وَعِصْمَتُهُ مِنَ النَّاسِ، (وَمِنْهَا) إِعْلَامُهُ بِالْمُغَيَّبَاتِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ، (وَمِنْهَا) تَأْثِيرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ وَالشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَآيَاتِهِ الْبَاهِرَةِ.
(الرَّابِعُ) أَنَّ نَفْسَ صُورَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - الشَّرِيفَةِ الْبَاهِرَةِ وَهَيْئَتِهِ وَطَلْعَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَسَمْتِهِ وَدَلِّهِ يَدُلُّ الْعُقَلَاءَ عَلَى صِدْقِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ - ﵁ -: فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ. وَمَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَرَأَى آدَابَهُ لَمْ يَدْخُلْهُ شَكٌّ فِي نُبُوَّتِهِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ: وَثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ فِي صِغَرِهِ يُعْرَفُ بِالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَقَدْ قَالَ هِرَقْلُ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ: مَا كَانَ لِيَتْرُكَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ: قَالَ نِفْطَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - يَقُولُ: يَكَادُ مَنْظَرُهُ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ - ﵁ -:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تَأْتِيكَ بِالْخَبَرِ
. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الشِّفَاءِ وَذَكَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ طَرَفًا صَالِحًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا وَأُولِي الْعَزْمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ]
[أفضل العالم الرسول ﷺ]
(فَصْلٌ) فِي ذِكْرِ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا وَأُولِي الْعَزْمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -:
«وَأَفْضَلُ الْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا نَبِيُّنَا الْمَبْعُوثُ فِي أُمِّ الْقُرَى»
[ ٢ / ٢٩٤ ]
«وَأَفْضَلُ الْعَالَمِ» الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنْ مَلَكٍ وَبَشَرٍ وَجِنٍّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي سَائِرِ خِلَالِ الْخَيْرِ وَخِصَالِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْمَكَارِمِ وَالْجِمَالِ، «مِنْ غَيْرِ امْتِرَا» أَيْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَالَمُ الْخَلْقُ كُلُّهُ أَوْ مَا حَوَاهُ بَطْنُ الْفَلَكِ، «نَبِيُّنَا» خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْعَالَمِ مُحَمَّدٌ «الْمَبْعُوثُ» رَسُولًا لِكَافَّةِ النَّاسِ بَلْ لِلثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قِيلَ: وَالْمَلَائِكَةُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، «فِي أُمِّ الْقُرَى» مَكَّةُ الْمُشَرَّفَةُ وَبَكَّةُ الْمُعَظَّمَةُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧] يَعْنِي مَكَّةَ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ مُثِيرِ الْغَرَامِ السَّاكِنِ إِلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ: فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لِأَنَّهَا أَقْدَمُهَا، (الثَّانِي) لِأَنَّهَا قِبْلَةٌ يَؤُمُّهَا جَمِيعُ النَّاسِ، (الثَّالِثُ) لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرَى شَأْنًا، (الرَّابِعُ) لِأَنَّ فِيهَا بَيْتَ اللَّهِ - ﷿ - وَلَمَّا اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ بَلَدَ الْمَلِكِ وَبَيْتَهُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْأَمَاكِنِ سُمِّىَ أُمًّا لِأَنَّ الْأُمَّ مُتَقَدِّمَةٌ.
وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَهُ بِأَبْهَرِ الْمُعْجِزَاتِ وَأَظْهَرِ الدَّلَالَاتِ وَأَشْهَرِ الْمُكَرَّمَاتِ، فَمُعْجِزَاتُهُ أَشْهَرُ الْمُعْجِزَاتِ وَأَبْهَرُهَا، وَأُمَّتُهُ أَزْكَى الْأُمَمِ وَأَطْهَرُهَا، وَشَرِيعَتُهُ أَتَمُّ الشَّرَائِعِ وَأَشْهَرُهَا، وَصِفَاتُهُ أَكْمَلُ الصِّفَاتِ وَأَشْرَفُهَا، وَأَخْلَاقُهُ أَحْسَنُ الْأَخْلَاقِ وَأَعْرَفُهَا وَأَوْسَعُهَا، وَشِيَمُهُ أَعْلَى الشِّيَمِ وَأَنْفَعُهَا.
وَمِنْ عِظَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ نَبِيِّنَا وَفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - أَنَّ اللَّهَ - ﷾ - أَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ، وَفِي شَرْعِهِ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ الْأَيْمَانُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ لَا بِدُونِ ذَلِكَ، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ: أَقْسَمَ الْحَقُّ - ﷿ - بِحَيَاتِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ الْقَسَمُ بِالْمُعَظَّمِ وَبِالْمَحْبُوبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: مَا خَلَقَ اللَّهُ وَمَا ذَرَأَ نَفْسًا هِيَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَمَا سَمِعْتُهُ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِهِ فَقَالَ ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَأَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي الَّتِي هِيَ لِلْمِلْكِ أَوْ الِاخْتِصَاصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَاسِطَةً بَلْ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ - وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١ - ٢] الْمَعْنَى أُقْسِمُ بِكَ لَا بِالْبَلَدِ فَإِنْ أَقْسَمْتُ بِالْبَلَدِ فَلِأَنَّكَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَا مُوسَى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ وَلَا تَجِئْ إِلَّا مَاشِيًا، يَا مُحَمَّدُ ارْكَبِ الْبُرَاقَ وَلَا تَجِئْ إِلَّا رَاكِبًا.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - مَرْفُوعًا: " «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» ". وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: يُرِيدُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَالتَّشَهُّدَ وَالْخُطْبَةَ عَلَى الْمَنَابِرِ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا عَبَدَ اللَّهَ وَصَدَّقَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ وَكَانَ كَافِرًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ وَلَا أَذَانٍ إِلَّا يُنَادِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ - ﵁ -:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنْ إِسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
وَمِنْ مَزَايَاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ تَعَالَى دَعَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨]، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦]، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦]، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧]، ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]، وَدَعَا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - ﷺ - بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] وَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَهُ قَرَنَهُ بِذِكْرِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولٌ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]،
[ ٢ / ٢٩٦ ]
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وَلَمَّا ذَكَرَ الْخَلِيلَ وَسَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ الْخَلِيلَ بِاسْمِهِ وَذَكَرَهُ بِاللَّقَبِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ - ﵈ - يُجَادِلُونَ أُمَمَهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالَ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَقَالَ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ: لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ، وَقَالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦]، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧]، وَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا، فَقَالَ مُوسَى: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا أَيْ مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ مَطْبُوعًا عَلَى قَلْبِكَ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا - ﷺ - فَتَوَلَّى الْحَقُّ سُبْحَانَهُ الْمُجَادَلَةَ عَنْهُ فَلَمَّا قَالُوا: هَذَا شَاعِرٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]، وَلَمَّا قَالُوا: كَاهِنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا هُوَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ)، وَقَالُوا: ضَلَّ. فَقَالَ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وَقَالُوا: مَجْنُونٌ. فَقَالَ: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] حَتَّى قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ فَضْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى سَائِرِ الْبَرِيَّةِ فِي الْمُخَاطَبَةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفَخِّمُوهُ وَيُشَرِّفُوهُ، وَلَا يَقُولُوا لَهُ عِنْدَ دُعَائِهِ يَا مُحَمَّدُ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا يَدْعُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، بَلْ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فِي لِينٍ وَتَوَاضُعٍ وَخَفْضٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ [النور: ٦٣] الْآيَةَ، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ إِعْظَامًا لِنَبِيِّهِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ.
وَفَضَائِلُهُ وَمَزَايَاهُ - ﷺ - كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ فَهُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى - ﷺ - وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ» ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي وَأَنَا أَكْرَمُ
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ» ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَرَادَ لَا أَتَبَجَّحُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ لَكِنْ أَقُولُهَا شُكْرًا وَمُنَبِّهًا عَلَى إِنْعَامِ رَبِّي عَلَيَّ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي» ".
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ «قَالَ - ﷺ - لِمَنْ قَالَ لَهُ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ»، وَقَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» . وَقَالَ: «لَا تُفَاضِلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» . وَقَالَ - ﷺ -: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ - ﷺ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ - ﷾ - بِذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَتَأَدُّبًا وَاحْتِرَامًا لِخُلَّةِ إِبْرَاهِيمَ - ﵇ - وَإِمَّا أَنَّهُ أَرَادَ بَرِيَّةَ عَصْرِ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالْفِتْنَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي سَبَبِ وُرُودِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، أَوْ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّفْضِيلِ فِي النُّبُوَّةِ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ قَدْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا بَلْ فِي خَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِتَفْضِيلِ اللَّهِ لَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، مَعَ مُرَاعَاتِهِ لِعُلُوِّ مَرَاتِبِهِمُ الْبَاذِخَةِ وَجَلَالَةِ مَنَاصِبِهِمُ الشَّامِخَةِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَأَفْضَلُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَمَرَ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ فَبَلَّغَهُ كَمَا أُمِرَ، لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ حَقٌّ لَازِمٌ وَفَرْضٌ جَازِمٌ مَعَ مُجَانَبَةِ التَّفْضِيلِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، وَمُرَاعَاةِ عُلُوِّ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الَّتِي لَا تُدْرِكُ كُنْهَ حَقَائِقِهَا أَكْثَرُ الْعُقُولِ، فَالنَّبِيُّ الْمُصْطَفَى أَفْضَلُ الْخَلْقِ جَمِيعًا بِلَا خَفَاءٍ - ﷺ - وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
[الأفضل من سائر الخلق بعد النبي أهل العزم]
«وَبَعْدَهُ الْأَفْضَلُ أَهْلُ الْعَزْمِ فَالرُّسْلُ ثُمَّ الْأَنْبِيَا بِالْجَزْمِ»
«وَبَعْدَهُ» أَيِ النَّبِيِّ - ﷺ -، «الْأَفْضَلُ» مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ هُمْ «أَهْلُ الْعَزْمِ» أَيْ أَهْلُ الثَّبَاتِ وَالْجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَمُوسَى الْكَلِيمُ وَعِيسَى الرُّوحُ وَنُوحٌ النَّجِيُّ فَيَكُونُونَ خَمْسَةً بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ، وَقَدَّمَ نَبِيَّنَا - ﷺ - تَعْظِيمًا لَهُ وَتَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا فِي تَأْسِيسِ الشَّرَائِعِ وَتَقْرِيرِهَا، وَصَبَرُوا عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ مِنْ قَوْمِهِمْ وَمُعَادَاةِ الطَّاغِينَ فِيهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانُوا هُمْ أُولِي الْعَزْمِ لِصَبْرِهِمْ عَلَى الْبَلَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَنُوحٌ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، وَإِبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّارِ وَذَبْحِ وَلَدِهِ، وَقَدْ قِيلَ: كُلُّ الرُّسُلِ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ فَمِنْ لِلتَّبْيِينِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]: ذَوُو الْحَزْمِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذَوُو الْجِدِّ وَالصَّبْرِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُولِي عَزْمٍ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ ذَا عَزْمٍ وَحَزْمٍ وَرَأْيٍ وَكَمَالِ عَقْلٍ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ مِنْ لِلتَّجْنِيسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ كَمَا يُقَالُ اشْتَرَيْتُ أَكْسِيَةً مِنَ الْخَزِّ وَأَرْدِيَةً مِنَ الْبَزِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ أُولُو الْعَزْمِ إِلَّا يُونُسَ - ﵇ - لِعَجَلَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]؟ وَقَالَ قَوْمٌ: أُولُو الْعَزْمِ نُجَبَاءُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - وَقَتَادَةُ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ إِلَخْ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَدَّمْنَا آنِفًا.
وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ - ﵂ -: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «يَا عَائِشَةُ إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَكْرُوهِهَا وَالصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِهَا، فَلَمْ يَرْضَ إِلَّا أَنْ كَلَّفَنِي مَا كَلَّفَهُمْ فَقَالَ:
[ ٢ / ٢٩٩ ]
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا بُدَّ لِي مِنْ طَاعَتِهِ، وَاللَّهِ لَأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَرُوا وَأَجْهَدَنَّ (كَمَا جَهِدُوا) وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ".
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يَلِي النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الْفَضِيلَةِ مِنْهُمْ وَالْمَشْهُورُ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ - ﵇ - خَيْرُ الْبَرِيَّةِ خُصَّ مِنْهُ مُحَمَّدٌ - ﷺ - بِإِجْمَاعٍ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ مُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٍ - ﵈ - وَالثَّلَاثَةُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلِ أَيِّهِمْ أَفْضَلُ، وَالَّذِي يَنْقَدِحُ فِي النَّفْسِ تَفْضِيلُ مُوسَى فَعِيسَى فَنُوحٌ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ مُوسَى - ﵇ - لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ عِيسَى - ﵇ - لِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ أَفْضَلِيَّةُ الْأَفْضَلِ عَلَى طِبْقِ مَا وَرَدَ الْحُكْمُ بِهِ تَفْصِيلًا فِي التَّفْصِيلِيِّ وَإِجْمَالًا فِي الْإِجْمَالِيِّ، ثُمَّ إِنْ تَعَيَّنَ لَنَا نَصٌّ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِأَفْضَلِيَّتِهِ قُلْنَا بِهِ، وَإِلَّا أَمْسَكْنَا عَنْهُ لِأَنَّ التَّفْضِيلَ رَاجِعٌ لِاخْتِيَارِ الْبَارِي - ﷾ - لَا لِعِلَّةٍ مُوجِبَةٍ وُجِدَتْ فِي الْفَاضِلِ وَفُقِدَتْ مِنَ الْمَفْضُولِ، وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُفَضِّلَ مِنْ عَبِيدِهِ مَنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَامِلًا فِي نَفْسِهِ بَالِغًا مِنْ ذَلِكَ الْغَايَةَ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى ذَلِكَ وَصْفٌ يَكُونُ فِيهِمْ، وَذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ لَهُ سُبْحَانَهُ بِحَقِّ رُبُوبِيَّتِهِ وَسِيَادَتِهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَاضِلَ لَا يَجِبُ أَنْ يُفَضَّلَ بِمَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ سَبَبًا لِتَفْضِيلِهِ، وَأَنَّ الْمَفْضُولَ لَا يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مَفْضُولًا لِسَبَبٍ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا لِمَفْضُولِيَّتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ أَنْ يُفَاضِلَ أَحَدٌ بَيْنَ أَحْبَابِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا لِلْمُفَاضَلَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْمَنْقُولِ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَالثَّابِتِ عَنِ الرَّسُولِ - ﷺ - وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ بَعْدَ أُولِي الْعَزْمِ «فَ» الْوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنْ يَلِيَهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سَائِرُ «الرُّسُلِ» الْمُكَرَّمِينَ بِالرِّسَالَةِ، فَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - غَيْرِ الرُّسُلِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَلَوْ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ
[ ٢ / ٣٠٠ ]
فِي قَوْلِهِ إِنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ رِسَالَتِهِ لِقَصْرِهَا عَلَى الْحَقِّ تَعَالَى، إِذْ هِيَ الْإِيحَاءُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ - مِنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ لَهُ بِالْخَلْقِ، أَمَّا مَعَ تَعَدُّدِ الْمَحَلِّ فَلَا خِلَافَ فِي أَفْضَلِيَّةِ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ ضَرُورَةَ جَمْعِ الرِّسَالَةِ لَهَا مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ أَفْضَلِيَّةُ الرِّسَالَةِ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
«ثُمَّ» الْأَفْضَلُ بَعْدَ الرُّسُلِ الْكِرَامِ «الْأَنْبِيَاءُ» - عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْفَضِيلَةِ، فَبَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَهَذَا وَاجِبُ الِاعْتِقَادِ تَفْصِيلًا فِيمَنْ عُلِمَ مِنْهُمْ وَعُلِمَ حُكْمُهُ تَفْصِيلًا وَلَوْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ صَحِيحٍ، وَإِجْمَالًا فِيمَا عُلِمَ مِنْهُمْ وَعُلِمَ حُكْمُهُ إِجْمَالًا، وَلِهَذَا قَالَ: «بِالْجَزْمِ» السَّدِيدِ وَالْقَطْعِ الْمُفِيدِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَرْدِيدٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّهْجِ السَّدِيدِ الْأَقْوَمِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ وَلَا سِيَّمَا مِنْ قَوْلِهِ بِالْجَزْمِ رَدُّ زَعْمِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ كَمَا يُحْكَى عَنِ الْكَرَّامِيَّةِ، بَلْ زَعَمَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ، قَالُوا: لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنِ الْقُرْبِ وَالْكَرَامَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ خَوَاصِّ الْمَلِكِ وَالْمُقَرَّبِينَ مِنْهُ، وَالنُّبُوَّةُ عَنِ الْإِنْبَاءِ وَالتَّبْلِيغِ، كَمَا هُوَ حَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ الْمَلِكُ إِلَى الرَّعَايَا لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ، قَالُوا: إِلَّا أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، لِأَنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْوِلَايَةِ.
وَقَدْ شَنَّعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ ذَلِكَ فِي مَحِلَّاتٍ مِنْ كُتُبِهِ وَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ فِي جَوَابِ الْمَسَائِلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ شَنِيعَ مَقَالَاتِهِمْ وَزَيْفَ تُرَّهَاتِهِمْ: وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْوِلَايَةَ أَعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةَ أَعْظَمُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَيُنْشِدُونَ:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي
وَيَقُولُونَ: إِنَّ وِلَايَةَ النَّبِيِّ أَعْظَمُ مِنْ نُبُوَّتِهِ، وَنُبُوَّتُهُ أَعْظَمُ مِنْ رِسَالَتِهِ، ثُمَّ قَدْ يَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنَّ وِلَايَتَهُ وَوِلَايَةَ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ تَابِعَةٌ لِوِلَايَةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنْ حَيْثُ وِلَايَتِهِمُ (الَّتِي) هِيَ أَعْظَمُ عِنْدِهِمْ مِنْ نَبُّوتِهِمْ وَرِسَالَتِهِمْ، إِنَّمَا يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاللَّهِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمُ الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَشُبْهَتُهُمْ فِي أَصْلِ ذَلِكَ أَنْ قَالُوا:
[ ٢ / ٣٠١ ]
الْوَلِيُّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَالنَّبِيُّ وَالرَّسُولُ يَأْخُذُ بِوَاسِطَةٍ، وَلِهَذَا جَعَلُوا مَا يُلْقَى فِي نُفُوسِهِمْ وَيَجْعَلُونَهُ مِنْ بَابِ الْمُخَاطَبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمُكَاشَفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ أَعْظَمَ مِنْ تَكْلِيمِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ - ﵇ - قَالَ: وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إِيحَاءَاتٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَوَسَاوِسُ نَفْسَانِيَّةٌ ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وَلَوْ هُدُوا لَعَلِمُوا أَنَّ أَفْضَلَ مَا عِنْدَ الْوَلِيِّ مَا يَأْخُذُهُ عَنِ الرَّسُولِ، لَا مَا يَأْخُذُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْأَوْلِيَاءِ الصِّدِّيقُونَ وَأَفْضَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - وَكَانَ هُوَ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ مَعَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُحَدَّثًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: " «قَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ: " «لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ» "، وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» ".
وَمَعَ هَذَا فَالصِّدِّيقُ الَّذِي تَلَقَّى مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا أَفْضَلُ، لِأَنَّ مَأْخَذَهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ، وَالْمُحَدَّثُ لَيْسَ مَعْصُومًا بَلْ يَقَعُ لَهُ الصَّوَابُ وَالْخَطَأُ، وَلِهَذَا يَحْتَاجُ أَنْ يَزِنَهُ بِمِيزَانِ النُّبُوَّةِ الْمَعْصُومَةِ.
وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] قَالَ: أَنْ يَسْأَلَ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى زَعْمِهِمْ مَا زَعَمُوا فِي خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَا حَقِيقَةَ لِفَضْلِهَا وَمَزِيَّتِهَا، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَلَطًا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَمُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ هُوَ آخِرُ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ يَكُونُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الْأَوْلِيَاءِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَفْضَلُ الْأَوْلِيَاءِ سَابِقُهُمْ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى الرَّسُولِ - ﷺ - وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ - ﵄ - كَمَا يَأْتِي، إِذِ الْأَوْلِيَاءُ يَسْتَفِيدُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا يَأْتِي، فَأَقَرَبُهُمْ إِلَى الرَّسُولِ أَفْضَلُهُمْ بِخِلَافِ خَاتَمِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالرِّسَالَةِ لَمْ يُحِلْهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَقِيَاسُ مُسَمَّى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي وُجُوبِ كَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي مَكَانٍ آخَرَ فِي التَّنْكِيتِ عَلَى مَنْ جَعَلَ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلَ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ: وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الرُّسُلَ جَمِيعَهُمْ وَالْأَنْبِيَاءَ يَسْتَفِيدُونَ عِلْمَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ مِشْكَاةِ الَّذِي جَعَلُوهُ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ، وَجَعَلُوهُ أَفْضَلَ مِنْ خَاتَمِ الرُّسُلِ مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْعِلْمِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَأْخُذُ عَنِ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ
[ ٢ / ٣٠٢ ]
يَأْخُذُ الْمَلِكُ الَّذِي يُوحِي إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ إِنَّمَا هُوَ سَيِّدٌ فِي الشَّفَاعَةِ، فَسِيَادَتُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْخَاصِّ لَا عَلَى الْعُمُومِ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ إِلَّا لِخَاتَمِ الرُّسُلِ وَخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ الْوَلِيِّ الْخَاتَمِ، حَتَّى أَنَّ الرُّسُلَ لَا يَرَوْنَهُ مَتَى رَأَوْهُ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ - أَعْنِي نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ وَرِسَالَتَهُ - يَنْقَطِعَانِ، وَالْوِلَايَةُ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا، فَالْمُرْسَلُونَ مِنْ (حَيْثُ) كَوْنُهُمْ أَوْلِيَاءَ لَا يَرَوْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ - يَعْنِي مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ - إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، فَكَيْفَ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ؟ وَإِنْ كَانَ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ تَابِعًا فِي الْحُكْمِ لِمَا جَاءَ بِهِ خَاتَمُ الرُّسُلِ مِنَ التَّشْرِيعِ فَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي مَقَامِهِ، وَلَا يُنَاقِضُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، قَالُوا: فَإِنَّهُ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ أَنْزَلَ كَمَا أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ أَعْلَى.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ التُّرَّهَاتِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً يَنْبُو عَنْهَا السَّمْعُ، وَنَاقَشَهُمْ عَلَيْهَا مُنَاقَشَةً تَامَّةً، وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ الرُّسُلُ، فَالْأَنْبِيَاءُ، فَالصَّحَابَةُ، فَالْأَوْلِيَاءُ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فِي الْجُمْلَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[فَصْلٌ فيما يجب وما يستحيل في حق الأنبياء]
«فَصْلٌ» فِيمَا يَجِبُ لِلْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ»
قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ شُرُوطُ مَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ مِنَ الذُّكُورَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْقُوَّةِ عَلَى أَعْبَاءِ مَا حَمَلُوهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ هُنَا مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي حَقِّهِمْ:
«وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَلِمْ مِنْ كُلِّ مَا نَقْصٍ وَمِنْ كُفْرٍ عُصِمْ»
«كَذَاكَ مِنْ إِفْكٍ وَمِنْ خِيَانَهْ لِوَصْفِهِمْ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَهْ»
«وَ» هُوَ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ مُسْلِمٍ «أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ» أَيِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ وَالرُّسُلِ الْعِظَامِ، «سَلِمَ» وَتَنَزَّهَ، «مِنْ كُلِّ مَا» زَائِدَةٌ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ وَمَزِيدِ التَّأْكِيدِ عَمَّا سَلِمُوا مِنْهُ وَنُزِّهُوا عَنْهُ، «نَقْصٍ» يُؤَدِّي إِلَى إِزَالَةِ الْحِشْمَةِ وَإِسْقَاطِ الْمُرُوءَةِ، وَأَلْحَقَتْ بِفَاعِلِهَا الْإِزْرَاءَ وَالْخِسَّةَ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَتَطْفِيفٍ بِحَبَّةٍ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْإِزْرَاءِ وَالدَّنَاءَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَقَالَ:
[ ٢ / ٣٠٣ ]
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وَمِنَ الْمَعْلُومِ عُمُومُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِ مَا يُزْرِي مَا يُوجِبُ حُبَّ اللَّهِ، وَلَا حُسْنَ التَّأَسِّي وَالِاقْتِدَاءِ فِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ تَنْزِيهُهُمْ عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَسَلَامَتُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُوجِبُ الرَّيْبَ، «وَ» إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ «مِنْ كُفْرٍ» بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ «عُصِمَ» قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، وَالْعِصْمَةُ الْمَنَعَةُ وَالْعَاصِمُ الْمَانِعُ الْحَامِي، وَالِاعْتِصَامُ الِامْتِسَاكُ بِالشَّيْءِ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَمِنْهُ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ:
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
أَيْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الضَّيَاعِ وَالْحَاجَةِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: النَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ فَلَا يَسْتَقِرُّ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ هَلْ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مَا يَسْتَدْرِكُهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَنْسَخُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ؟
هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ: وَالْمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ يُوَافِقُ الْقَوْلَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ؟ وَمُتَنَازِعُونَ فِي الْعِصْمَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا، أَوْ هَلِ الْعِصْمَةُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهَا لَا فِي فِعْلِهَا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْقَوْلُ فِي الْعِصْمَةِ إِلَّا بِالتَّبْلِيغِ فَقَطْ قَالَ: وَهَلْ تَجِبُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْمُوَافِقُ لِلْآثَارِ إِثْبَاتُ الْعِصْمَةِ مِنَ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ مُطْلَقًا، قَالَ: وَوُقُوعُ الذَّنْبِ إِذَا لَمْ يُقِرَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَنْفِيرٌ وَلَا نَقْصٌ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ يُرْفَعُ بِهَا صَاحِبُهَا أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ التَّأَسِّي بِهِمْ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا أَقَرُّوا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ النَّسْخِ وَنَحْوِهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُؤَدُّونَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ وَالصَّغَائِرِ فِي الْأَشْهَرِ، لَكِنْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْإِرْشَادِ: إِنَّهُمْ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَعْتَصِمُوا فِي الْأَفْعَالِ بَلْ فِي نَفْسِ الْأَدَاءِ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ فِي الْأَقْوَالِ فِيمَا يُؤَدُّونَهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: النَّبِيُّ - ﷺ - مَعْصُومٌ مِنْ تَعَمُّدِ الذَّنْبِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ بَعْضِ الْخَوَارِجِ وَالْحَشْوِيَّةِ الَّذِينَ نُقِلَ عَنْهُمْ تَجْوِيزُ ذَلِكَ، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ
[ ٢ / ٣٠٤ ]
قَالَ مِنَ الرَّوَافِضِ بِجَوَازِهَا تَقِيَّةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ وُقُوعِ الصَّغِيرَةِ سَهْوًا فَمَنَعَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ، وَاخْتَارَهُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ وَأَجَازَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ، قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عِصْمَتِهِ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَكْرُوهِ قَصْدًا. انْتَهَى.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَفِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنِ الْكُفْرِ، قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا عَنْ تَعَمُّدِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ امْتِنَاعَهُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ أَوِ الْعَقْلِ، وَأَمَّا سَهْوًا فَجَوَّزَ الْأَكْثَرُونَ، قَالَ: وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَتَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، وَتَجُوزُ سَهْوًا بِالِاتِّفَاقِ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، لَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ شَرَطُوا أَنْ يُنْهَوْا عَنْهُ فَيَنْتَهُوا مِنْهُ، هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْوَحْيِ. قَالَ: وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكَبِيرَةِ، وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى امْتِنَاعِهَا، لِأَنَّهَا تُوجِبُ النَّفْرَةَ الْمَانِعَةَ مِنَ اتِّبَاعِهِمْ فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْبَعْثَةِ، قَالَ السَّعْدُ: وَالْحَقُّ مَنْعُ مَا يُوجِبُ النَّفْرَةَ كَعَهْرِ الْأُمَّهَاتِ وَالْفُجُورِ وَالصَّغَائِرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْخِسَّةِ، وَمَنَعَ الشِّيعَةُ صُدُورَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْهُمْ قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ وَلَكِنَّهُمْ جَوَّزُوا إِظْهَارَ الْكُفْرِ تَقِيَّةً. انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ (لَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، بَلْ وُلِدَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ يَكُنْ - ﷺ - عَلَى دِينٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَلَا كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَطُّ، بَلْ وُلِدَ نَبِيُّنَا مُؤْمِنًا صَالِحًا عَلَى مَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَعَلِمَهُ مِنْ حَالِهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - بِحَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ - ﵇ - لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» " - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَى مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - ﵁ -
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وَمِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ مُرْسَلَةٍ وَخَرَّجَ الْحَاكِمُ أَيْضًا حَدِيثَ الْعِرْبَاضِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ - عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ عَلَى التَّوْحِيدِ مُذْ نَشْأَتِهِ، وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ: بَلْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ - ﷺ - وُلِدَ نَبِيًّا، فَإِنَّ نُبُوَّتَهُ وَجَبَتْ لَهُ مِنْ حِينِ أُخِذَ الْمِيثَاقُ، حَيْثُ اسْتُخْرِجَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ فَكَانَ نَبِيًّا مِنْ حِينَذٍ، لَكِنْ كَانَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ إِلَى الدُّنْيَا مُتَأَخِّرَةً عَنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ نَبِيًّا قَبْلَ خُرُوجِهِ، كَمَنْ يُوَلَّى وِلَايَةً وَيُؤْمَرُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَحُكْمُ الْوِلَايَةِ ثَابِتٌ لَهُ مِنْ حِينِ وِلَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ مُتَأَخِّرًا إِلَى حِينِ مَجِيءِ الْوَقْتِ. قَالَ الْحَافِظُ: قَالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ - ﵁ -: مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ؟
قَالَ: هَذَا قَوْلُ سُوءٍ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يُحْذَرَ كَلَامُهُ وَلَا يُجَالَسَ. قُلْتُ: إِنَّ جَارَنَا النَّاقِدَ أَبَا الْعَبَّاسِ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ وَأَيُّ شَيْءٍ أَبْقَى إِذَا زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عِيسَى - ﵇ -: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ -: مَاذَا يُحَدِّثُ النَّاسُ مِنَ الْكَلَامِ؟ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْكَلَامِ مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ لَمْ يُفْلِحْ، سُبْحَانَ اللَّهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِرُؤْيَا أُمِّهِ النُّورَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَمَا وَلَدَتْ رَأَتْ ذَلِكَ! .
وَقِيلَ وَقَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ كَانَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا مِنَ الْأَوْثَانِ، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: احْذَرُوا الْكَلَامَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْكَلَامِ لَا يَئُولُ أَمْرُهُمْ إِلَى خَيْرٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَمُرَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الِاسْتِدْلَالُ بِتَقْدِيمِ الْبِشَارَةِ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِ خُرُوجِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَوِلَادَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ. انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ مُلَخَّصًا، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِنَصِّ الْإِمَامِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
«كَذَاكَ» كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ قَدْ عُصِمَ، «مِنْ إِفْكٍ» أَيْ مِنْ كَذِبٍ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْإِفْكُ فِي الْأَصْلِ الْكَذِبُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَفَكَ كَضَرَبَ وَعَلِمَ إِفْكًا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ (وَالتَّحْرِيكِ وَ) أُفُوكًا كَذَبَ كَأَفَّكَ فَهُوَ
[ ٢ / ٣٠٦ ]
أَفَّاكٌ وَأَفِيكٌ وَأُفُوكٌ. وَفِي حَدِيثِ عَرْضِ نَفْسِهِ - ﷺ - عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ لَقَدْ أَفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ. أَيْ صَرَفُوا عَنِ الْحَقِّ وَمَنَعُوا مِنْهُ يُقَالُ أَفِكَهُ يَأْفِكُهُ إِفْكًا إِذَا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَرُسُلَهُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَذِبِ «وَ» مَعْصُومُونَ «مِنْ خِيَانَةٍ»، وَلَوْ قُلْتَ «لِ» وُجُوبِ «وَصْفِهِمْ» - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «بِالصِّدْقِ» الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ «وَ» وُجُوبِ وَصْفِهِمْ بِـ «الْأَمَانَةِ» الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَالصِّدْقُ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِمْ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَهُوَ مُطَابَقَةُ أَخْبَارِهِمْ لِلْوَاقِعِ إِيجَابًا وَسَلْبًا، إِذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ لَجَازَ الْكَذِبَ فِي خَبَرِهِ تَعَالَى لِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُمْ بِالْمُعْجِزَةِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي، وَتَصْدِيقُ الْكَاذِبِ مِنَ الْعَالِمِ بِكَذِبِهِ مَحْضُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَلُزُومُهُ كَذَلِكَ.
وَقَدْ أَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغُ فَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ مَعْصُومُونَ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا عَلَى تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ -: يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ أَوِ السُّنَّةُ الْمَعْلُومَةُ وَجَبَ عَلَى الْخَلْقِ الْإِقْرَارُ بِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا عِنْدَ الْعِلْمِ بِالتَّفْصِيلِ، فَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا الْهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ شَهِدَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ، إِذِ الْكَاذِبُ لَيْسَ بِرَسُولٍ فِيمَا يُكَذِّبُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] وَهُوَ عِرْقٌ فِي الْقَلْبِ إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ، وَفِي قِصَّةِ هِرَقْلَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ سُؤَالِ هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ أَوْصَافِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ؟ - أَيْ عَلَى النَّاسِ - قَالَ: لَا وَإِنْ كَانَ لَيُدْعَى فِينَا بِالْأَمِينِ، فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ
[ ٢ / ٣٠٧ ]
عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَيُشْعِرُ هَذَا أَنَّ عُقَلَاءَ الْأُمَمِ مُطْبِقُونَ عَلَى اسْتِحَالَةِ كَذِبِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
وَقَوْلُهُ: وَالْأَمَانَةُ أَيْ يَجِبُ لَهُمُ الْأَمَانَةُ وَهِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] أَيِ الْفَرَائِضَ الْمَفْرُوضَةَ أَوِ النِّيَّةَ الَّتِي يَعْقِدُهَا فِيمَا يُظْهِرُهُ بِاللِّسَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَيُؤَدِّيهِ مِنْ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُظْهِرْهَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَمَنْ أَضْمَرَ مِنَ التَّوْحِيدِ مِثْلَ مَا أَظْهَرَ فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْأَمَانَةُ تَقَعُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانِ. وَالْمُرَادُ بِهَا فِي حَقِّ رُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْبِيَائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اتِّصَافُهُمْ بِحِفْظِ ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ مِنَ التَّلَبُّسِ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلَوْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، أَيْ كَوْنُهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونُوا إِلَّا كَذَلِكَ إِذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخُونُوا اللَّهَ تَعَالَى بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ عَلَى قَوْلٍ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَنْهِيٌّ مِنْهُ مَأْمُورًا بِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَالْمُرَادُ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ كَنِكَاحِ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعٍ فَتَخْتَصُّ بِهِمْ دُونَ أُمَمِهِمْ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ - ﷺ - قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أُمِرَ، وَلَمْ يَكْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَإِنَّ كِتْمَانَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يُنَاقِضُ مُوجَبَ الرِّسَالَةِ، كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ يُنَاقِضُ مُوجَبَ الرِّسَالَةِ، قَالَ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْكِتْمَانِ لِشَيْءٍ مِنَ الرِّسَالَةِ، كَمَا أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْكَذِبِ فِيهَا، وَالْأُمَّةُ تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَيَّنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَقَدْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
(تَتِمَّةٌ) ذَكَرَ أَبُو الْفَضْلِ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ الشِّفَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَا لَا
[ ٢ / ٣٠٨ ]
يَجُوزُ عَلَى طَرِيقِ الْمُذَاكَرَةِ وَالتَّعْلِيمِ أَنْ يَلْتَزِمَ فِي كَلَامِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ - ﵊ - وَذِكْرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، الْوَاجِبَ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَيُرَاقِبُ حَالَ بَيَانِهِ وَلَا يُهْمِلُهُ، وَتَظْهَرُ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الْأَدَبِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ مَا قَاسَاهُ - ﵇ - مِنَ الشَّدَائِدِ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْإِشْفَاقُ وَالِارْتِمَاضُ وَالْغَيْظُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَمَوَدَّةُ الْفِدَاءِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَالنُّصْرَةُ لَهُ لَوْ أَمْكَنَتْهُ، وَإِذَا أَخَذَ فِي أَبْوَابِ الْعِصْمَةِ وَتَكَلَّمَ عَلَى مَجَارِي أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ - ﵇ - تَحَرَّى أَحْسَنَ اللَّفْظِ، وَآدَبَ الْعِبَارَةِ مَا أَمْكَنَهُ، وَاجْتَنَبَ بَشِعَ ذَلِكَ، وَهَجَرَ مِنْ تِلْكَ الْعِبَارَةِ مَا يَقْبُحُ كَلَفْظَةِ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الْأَقْوَالِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ الْخُلْفُ فِي الْقَوْلِ وَالْإِخْبَارُ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ سَهْوًا أَوْ غَلَطًا؟ وَنَحْوُهُ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَتَجَنَّبَ لَفْظَةِ الْكَذِبِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَإِذَا تَكَلَّمَ عَلَى الْعِلْمِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ إِلَّا مَا عُلِّمَ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يُوحَى إِلَيْهِ؟ وَلَا يَقُولُ يَجْهَلُ لِقُبْحِ لَفْظِهِ وَشَنَاعَتِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الْأَفْعَالِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَمُوَاقَعَةِ بَعْضِ الصَّغَائِرِ؟ فَهُوَ آدَبُ وَأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ أَنْ يُذْنِبَ أَوْ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي؟ فَهَذَا مِنْ حَقِّ تَوْقِيرِهِ ﵊ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ تَوْقِيرٍ وَإِعْظَامِ قَدْرٍ.
وَأَمَّا مَا يُورِدُهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْيِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْهُ فَلَا حَرَجَ فِي شَرْحِ الْعِبَارَةِ وَتَصْرِيحِهَا كَقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ - ﵇ - الْكَذِبُ جُمْلَةً، وَلَا إِتْيَانُ الْكَبَائِرِ بِوَجْهٍ، وَلَا الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ عَلَى حَالٍ. وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجِبُ ظُهُورُ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ مُجَرَّدًا فَكَيْفَ عِنْدَ ذِكْرِ مِثْلِ هَذَا؟ وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ حَالَاتٌ شَدِيدَةٌ عِنْدَ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ - ﷺ -. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِمْ، وَالْمُسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ مِمَّا عُصِمُوا مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَشَارَ إِلَى الْجَائِزِ فِي حَقِّهِمْ بِقَوْلِهِ:
[فَصْلٌ الجائزفي حق الأنبياء]
«وَجَائِزٌ فِي حَقِّ كُلِّ الرُّسُلِ النَّوْمُ وَالنِّكَاحُ مِثْلُ الْأَكْلِ»
«وَجَائِزٌ» عَقْلًا وَشَرْعًا «فِي حَقِّ كُلِّ» الْأَنْبِيَاءِ وَ«الرُّسُلِ» عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهَذَا الْقِسْمُ وَإِنْ فُهِمَ مِنْ ذِكْرِ مَا يَجِبُ لَهُمْ، وَمَا
[ ٢ / ٣٠٩ ]
يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الثُّبُوتِ لَهُمْ وَلَا وَاجِبَ النَّفْيِ عَنْهُمْ، فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ جَائِزٌ فِي حَقِّهِمْ، لَكِنَّهُ نَبَّهَ بِمَا ذَكَرَهُ لِإِيضَاحِ قِسْمِ الْجَائِزِ عَلَيْهِمْ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - «النَّوْمُ» وَهُوَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، لِتَسْتَرِيحَ أَبْدَانُهُمْ عِنْدَ تَعَبِهِمْ، وَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، لَكِنَّ نَبِيَّنَا - ﷺ - كَانَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، بَلْ قَلْبُهُ - ﷺ - كَانَ أَبَدًا مُسْتَيْقِظًا مُتَهَيِّئًا لِإِدْرَاكِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَمِثْلُ النَّوْمِ مِمَّا هُوَ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - الْجُلُوسُ وَالْمَشْيُ وَالْبُكَاءُ وَالضَّحِكُ، وَكُلُّ مَا هُوَ مِنَ الْخَوَاصِّ الْبَشَرِيَّةِ الْمُبَاحَةِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ جَوَازِ وُقُوعِ الْمُبَاحِ مِنْهُمْ، «وَالنِّكَاحُ» وَالتَّسَرِّي وَجِمَاعُ النِّسَاءِ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ وَطْءُ النِّسَاءِ بِالْمِلْكِ بِشَرْطِ كَوْنِهِنَّ مُسْلِمَاتٍ أَوْ مُطْلَقًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ «مِثْلُ الْأَكْلِ» وَالشُّرْبِ الْحَلَالِ، وَكَذَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كُلُّ عَرَضٍ بَشَرِيٍّ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَلَا مُبَاحٍ مُزْرٍ، وَلَا مِمَّا تَعَافُهُ الْأَنْفُسُ، وَلَا مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى النَّفْرَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاحْتِلَامُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْبَشَرِ، وَأُرْسِلُوا إِلَى الْبَشَرِ، فَظَوَاهِرُهُمْ خَالِصَةٌ لِلْبَشَرِ، يَجُوزُ عَلَيْهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالتَّغْيِيرَاتِ وَالْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَتَجَرُّعِ كَأْسِ الْحِمَامِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْبَشَرِ مِمَّا لَا نَقِيصَةَ فِيهِ، فَإِنَّ نَبِيَّنَا - ﷺ - كَانَ يَمْرَضُ وَيَتَأَلَّمُ وَيَتَشَكَّى، وَكَانَ يُصِيبُهُ الْحَرُّ وَالْقُرُّ وَالْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَالْغَضَبُ وَالضَّجَرُ وَالنَّصَبُ وَالتَّعَبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يُوجِبُ الِاتِّصَافُ بِهِ نَوْعَ نُفْرَةٍ عِنْدَ كُلِّ نَبِيهٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ ذِكْرِ فضل الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ ﵃]
[أبو بكر الصديق]
«فَصْلٌ» فِي ذِكْرِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ - ﵃ -
اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - ﷺ -، ثُمَّ بَقِيَّةَ أُولِي الْعَزْمِ، ثُمَّ الرُّسُلَ، ثُمَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ الْبَشَرِ الصَّحَابَةُ - ﵃ -. وَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ - أَعْقَبَ ذِكْرَ الْأَنْبِيَاءِ بِالصَّحَابَةِ حَسَبَ اصْطِلَاحِ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَبَدَأَ بِأَفْضَلِهِمِ الْإِمَامُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِ
[ ٢ / ٣١٠ ]
اللَّهِ - ﷺ - بِالتَّصْدِيقِ: الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ - فَقَالَ:
«وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ بِالتَّحْقِيقِ فِي الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ كَالصِّدِّيقِ»
«وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ» أَيْ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ أُمَّةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَأَلْ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا أَفْضَلُ الْأُمَمِ، فَيَكُونُ الصِّدِّيقُ أَفْضَلَ الْبَشَرِ بَعْدَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، «بِالتَّحْقِيقِ» الثَّابِتِ الْمَنْصُوصِ وَالتَّدْقِيقِ الْبَاتِّ الْمَخْصُوصِ، «فِي الْفَضْلِ» بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ «وَ» بَذْلِ «الْمَعْرُوفِ» مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ «كَ» أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْكَعْبَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عَبْدَ اللَّهِ وَلَقَّبَهُ بِـ «الصِّدِّيقِ»، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَقَّبَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عَتِيقًا لِجَمَالِ وَجْهِهِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقَ، فَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، يَجْتَمِعُ نَسَبُهُ مَعَ نَسَبِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَأُمُّ الصِّدِّيقِ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، بِنْتُ عَمِّ أَبِيهِ، مَاتَتْ هِيَ وَأَبُوهُ أَبُو قُحَافَةَ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو مُسْلِمَيْنِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، فَإِنَّ الصِّدِّيقَ - ﵁ - جَاءَ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَسْلَمَ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، وَهُوَ أَوَّلُ النَّاسِ إِيمَانًا بِالنَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى قَوْلِ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -: قَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: أَلَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ؟ أَلَسْتُ صَاحِبَ كَذَا؟ الْحَدِيثَ. وَقِيلَ: بَلْ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - وَنَقَلَ الْحَاكِمُ اتِّفَاقَ الْمُؤَرِّخِينَ عَلَيْهِ، وَاسْتُنْكِرَ هَذَا مِنْهُ، وَقِيلَ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَقِيلَ: خَدِيجَةُ، وَادَّعَى الثَّعْلَبِيُّ الِاجْمَاعَ فِيهِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَنْ بَعْدَهَا، وَصَوَّبَهُ كَثِيرٌ وَاسْتَظْهَرَهُ الْبَرَمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُمْ بِلَالُ بْنُ حَمَامَةَ، وَقِيلَ: خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ حَكَاهُمَا الْمَسْعُودِيُّ،
[ ٢ / ٣١١ ]
وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيُّ، وَنَقَلَ ابْنُ سَبْعٍ فِي الْخَصَائِصِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَوَّلَهُمْ إِسْلَامًا. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِمَامِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: الْأَوْرَعُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الْمَوَالِي زَيْدٌ، وَمِنَ الْعَبِيدِ بِلَالٌ. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ لِجَمْعِهِ الْأَقْوَالَ. وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَ(أَوَّلُ مَنْ) قَاءَ تَحَرُّجًا مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّى الْقُرْآنَ مُصْحَفًا، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ خَلِيفَةً، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَنَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَا رَاضٍ بِهِ. وَأَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ مَاتَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ.
وَمَنَاقِبُهُ - ﵁ - لَا تُحْصَى، وَمَزَايَاهُ وَمَآثِرُهُ لَا تُسْتَقْصَى، وَهُوَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَخَيْرُهُمْ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ وَالنَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ أُحُدٍ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، ثُمَّ بَاقِي الصَّحَابَةِ، هَكَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ، فَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا - ﷺ - لَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَائِغٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ.
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: هَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - فَلَعَنَ اللَّهُ الرَّافِضَةَ مَا أَجْهَلَهُمْ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: قَدْ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - مِنْ نَحْوِ ثَمَانِينَ وَجْهًا: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ - وَذُكِرَ نَحْوُ ذَلِكَ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَالرَّافِضَةُ تُكَذِّبُهُ فَهُمْ مَعَ عَلِيٍّ كَالنَّصَارَى مَعَ الْمَسِيحِ، وَالْيَهُودِ مَعَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا
[ ٢ / ٣١٢ ]
السَّلَامُ -. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: قُلْنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ذَاكَ امْرُؤٌ سَمَّاهُ اللَّهُ الصِّدِّيقَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، كَانَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَضِيَهُ لِدِينِنَا فَرَضِينَاهُ لِدُنْيَانَا. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي تَحْيَا قَالَ: لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ اللَّهَ سَمَّى أَبَا بَكْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صِدِّيقًا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَأَنْزَلَ اللَّهُ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقَ. وَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ - فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] هُوَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - قَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: إِنَّ الَّذِي جَاءَ بِالْحَقِّ هُوَ مُحَمَّدٌ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِالْحَقِّ، وَلَعَلَّهَا قِرَاءَةٌ لِعَلِيٍّ. انْتَهَى.
وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ صِدِّيقًا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ فِيهِ:
وَسُمِّيتَ صِدِّيقًا وَكُلُّ مُهَاجِرٍ سِوَاكَ يُسَمَّى بِاسْمِهِ غَيْرَ مُنْكَرِ
سَبَقْتَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ شَاهِدٌ وَكُنْتَ جَلِيسًا فِي الْعَرِيشِ الْمُشْهَرِ
وَأَوَّلُ مَا اشْتَهَرَ أَبُو بَكْرٍ بِهَذَا الِاسْمِ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ - ﵄ - قَالَتْ: جَاءَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ صَدَقَ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، بِخَبَرِ السَّمَاءِ غُدْوَةً وَرَوْحَةً. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ أَبِي وَهْبٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَكَانَ بِذِي طُوًى
[ ٢ / ٣١٣ ]
قَالَ: يَا جِبْرِيلُ إِنَّ قَوْمِي لَا يُصَدِّقُونِي، قَالَ: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الصِّدِّيقُ» . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مَوْصُولًا عَنْ أَبِي وَهْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامًا؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ حَسَّانٍ:
إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا
خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا
وَالثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ فُرَاتِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَأَلْتُ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ قُلْتُ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ أَمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ قَالَ: فَارْتَعَدَ حَتَّى سَقَطَتْ عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَبْقَى إِلَى زَمَانٍ يَعْدِلُ بِهِمَا لِلَّهِ دَرُّهُمَا، كَانَا رَأْسَ الْإِسْلَامِ. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامًا أَمْ عَلِيٌّ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ آمَنَ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - زَمَنَ بُحَيْرَا الرَّاهِبِ حِينَ مَرَّ بِهِ، وَاخْتَلَفَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَدِيجَةَ حَتَّى أَنْكَحَهَا إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَلِيٌّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا بَرَزَ سَمِعَ مَنْ يُنَادِيهِ: يَا مُحَمَّدُ، فَإِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ انْطَلَقَ هَارِبًا، فَأَسَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ» ".
قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حُفَّاظِ الْإِسْلَامِ، وَأَئِمَّتِهِمْ: صَحِبَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - النَّبِيَّ - ﷺ - إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، لَمْ يُفَارِقْهُ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا إِلَّا فِيمَا أَذِنَ لَهُ - ﷺ - فِي الْخُرُوجِ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهَاجَرَ مَعَهُ، وَتَرَكَ عِيَالَهُ وَأَوْلَادَهُ، رَغْبَةً فِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ رَفِيقُهُ فِي الْغَارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وَأَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ أَجْوَدُ الصَّحَابَةِ قَالَ تَعَالَى:
[ ٢ / ٣١٤ ]
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾ [الليل: ١٧] إِلَى آخَرِ السُّورَةِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَجْمَعُوا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ -. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵃ -. وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا، وَزَادَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْضِي فِي مَالِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا يَقْضِي فِي مَالِ نَفْسِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - أَسْلَمَ يَوْمَ أَسْلَمَ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَنْفَقَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵄ - قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ. قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ: قَالَ أَبُوهَا، قُلْتُ: ثُمَّ؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» . وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِدُونِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - ﵃ - وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ، فَقَالَ:
وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إِذْ صَعَّدَ الْجَبَلَا
وَكَانَ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلَا
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ هُوَ كَمَا قُلْتَ» . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أَنَّ الصَّاحِبَ الْمَذْكُورَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ
[ ٢ / ٣١٥ ]
عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " «أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ» ". وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبَدِ اللَّهِ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، وَأَبِي الْمُعَلَّى، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ - ﵃ - فَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: " «أَنْتَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ» ". وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَبُو بَكْرٍ صَاحِبِي وَمُؤْنِسِي فِي الْغَارِ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ حَلْقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَشْتَبِكُ حَتَّى تَصِيرَ كَالسِّوَارِ، وَإِنَّ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ مِنْهَا لَفَارِغٌ، مَا يَطْمَعُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا جَاءَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - بِوَجْهِهِ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ حَدِيثَهُ، وَسَمِعَ النَّاسُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَشُكْرُهُ وَاجِبٌ عَلَى أُمَّتِي» ".، وَخَرَّجَ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - مَرْفُوعًا: " «النَّاسُ كُلُّهُمْ يُحَاسَبُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» ". وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِهِ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَعْسُرُ اسْتِقْصَاؤُهَا، وَقَدْ أَشَرْنَا بِقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ لُجِّيٍّ، وَبِذَرَّةٍ مِنْ رَمْلٍ عَالِجٍ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ مَنَاقِبُهُ بِالتَّصْنِيفِ، فَدَعِ الْمُخَادِعَ وَالْمُعَالِجَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - أَبْيَضَ، نَحِيفًا، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، أَجْنَأَ، لَا يَسْتَمْسِكُ إِزَارُهُ يَسْتَرْخِي عَنْ حَقْوَيْهِ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئَ الْجَبْهَةِ، عَارِيَ الْأَشَاجِعِ، وَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ عَبْدُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ وَأُمُّهُمَا قُتَيْلَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةُ - وَأُمُّهُمَا أُمُّ رُومَانَ، وَمُحَمَّدٌ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ -، وَأُمُّ كُلْثُومٍ
[ ٢ / ٣١٦ ]
وَأُمُّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ، وَهِيَ الَّتِى قَالَ فِي حَقِّهَا لِعَائِشَةَ: إِنَّمَا هُوَ أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، وَتُوُفِّيَ الصِّدِّيقُ - ﵁ - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا عَشْرَ لَيَالٍ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَ لَيَالٍ، وَغَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ - ﵂ - وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِائَةُ حَدِيثٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا سِتَّةٌ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِأَحَدَ عَشَرَ، وَمُسْلِمٌ بِحَدِيثٍ، وَسَبَبُ قِلَّةِ رِوَايَتِهِ - ﵁ - أَنَّهُ تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ انْتِشَارِ الْأَحَادِيثِ، وَاعْتِنَاءِ التَّابِعِينَ بِسَمَاعِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي قِصَّةِ بَيْعَةِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ فِي الْأَنْصَارِ إِلَّا ذَكَرَهُ، وَلَا شَيْئًا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي شَأْنِهِمْ إِلَّا ذَكَرَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ مَحْفُوظِهِ مِنَ السُّنَّةِ، وَسِعَةِ عِلْمِهِ بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِلَالٌ، وَعَائِشَةُ، وَأَسْمَاءُ - ﵃ - وَمِنَ التَّابِعِينَ خَلَائِقُ، وَدُفِنَ - ﵁ - فِي الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ إِلَى جَانِبِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَانَ - ﵁ - قَدِ اغْتَسَلَ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَمَاتَ، وَقِيلَ: سَبَبُ مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
[عمر الفاروق]
«وَبَعْدَهُ الْفَارُوقُ مِنْ غَيْرِ افْتِرَا وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ فَاتْرُكِ الْمِرَا»
«وَبَعْدَهُ» أَيْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَيْ يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ «الْفَارُوقُ» سَمَّاهُ بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا أَسْلَمَ، لِأَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحٍ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ - بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَطَاءٌ مُهْمَلَةٌ - بْنِ رَزَاحٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالزَّايِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ بَعْدَ الْأَلْفِ - بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَأُمُّهُ حَنْتَمَةُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَنُونٌ سَاكِنَةٌ فَتَاءٌ مُثَنَّاةٌ
[ ٢ / ٣١٧ ]
فَوْقِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ فَمِيمٌ فَتَاءُ تَأْنِيثٍ - بِنْتُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: بِنْتُ هِشَامٍ، قَالَ: وَيُعْرَفُ هَاشِمٌ بِذِي الرُّمْحَيْنِ، قَالَ وَقَالَ الْأَمِيرُ بْنُ مَاكُولَا: وَمَنْ قَالَ بِنْتُ هِشَامٍ فَقَدْ أَخْطَأَ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ: إِنَّهَا بِنْتُ هِشَامٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي جَهْلٍ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ فَأَبُو جَهْلٍ خَالُ عُمَرَ - ﵁ -. كُنْيَتُهُ أَبُو حَفْصٍ كَنَّاهُ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا نَهَى عَنْ قَتْلِ رِجَالِ بَنِي هَاشِمٍ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا خَرَجُوا مُكْرَهِينَ، فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُ الْعَبَّاسَ لَأُلْجِمَنَّهُ السَّيْفَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَلِكَ فَقَالَ: " «يَا أَبَا حَفْصٍ يُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالسَّيْفِ» " فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِأَبِي حَفْصٍ، رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ، وَالْحَفْصُ فِي اللُّغَةِ وَلَدُ الْأَسَدِ. وَسَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِالْفَارُوقِ مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي سِيرَةِ الْعُمَرَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵃ - قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ - ﵁ - لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ بِالْفَارُوقِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ إِسْلَامِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ الْفَارُوقَ؟ قَالَ: أَسْلَمُ حَمْزَةُ قَبْلِي بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَسَبَبُ إِسْلَامِ حَمْزَةَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ أَسْرَعَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - يَسُبُّهُ وَيُؤْذِيهِ، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ بِذَلِكَ، فَأَخَذَ قَوْسَهُ، وَعَمَدَ الْمَسْجِدَ إِلَى حَلْقَةِ قُرَيْشٍ الَّتِي فِيهَا أَبُو جَهْلٍ، فَاتَّكَأَ عَلَى قَوْسِهِ مُقَابِلَ أَبِي جَهْلٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَعَرَفَ أَبُو جَهْلٍ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَرَفَعَ الْقَوْسَ وَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجَّهُ فَسَالَتِ الدِّمَاءُ، فَأَصْلَحَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَخَافَةَ الشَّرِّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُخْتَفِيًا فِي دَارِ الْأَرْقَمِ الْمَخْزُومِيِّ، فَانْطَلَقَ حَمْزَةُ فَأَسْلَمَ قَالَ عُمَرُ - ﵁ - وَخَرَجْتُ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا فُلَانٌ الْمَخْزُومِيُّ فَقُلْتُ: أَرَغِبْتَ أَنْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْكَ حَقًّا، قُلْتُ: وَمَنْ؟ قَالَ: أُخْتُكَ وَخَتَنُكَ، فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ هَيْنَمَةً، فَدَخَلْتُ فَقُلْتُ: مَاذَا؟ فَمَا زَالَ الْكَلَامُ بَيْنَنَا حَتَّى أَخَذْتُ بِرَأْسِ أُخْتِي فَضَرَبْتُهُ وَأَدْمَيْتُهُ، فَقَامَتْ إِلَيَّ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي، وَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ، وَقَدْ أَدْمَيْتُ رَأْسَهَا، فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ فَجَلَسْتُ، وَقُلْتُ: أَرُونِي
[ ٢ / ٣١٨ ]
هَذَا الْكِتَابَ فَقَالَتْ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فَقُمْتُ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَخْرَجُوا لِي صَحِيفَةً، فَإِذَا فِيهَا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قُلْتُ: أَسْمَاءٌ طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ، وَفِيهَا: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] فَعَظُمَتْ فِي صَدْرِي، وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا نَفَرَتْ قُرَيْشٌ؟ فَأَسْلَمْتُ.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ: «خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تَعْمِدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا، قَالَ: وَكَيْفَ تَأْمَنُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي زُهْرَةَ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا وَقَدْ صَبَوْتَ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ؟ إِنَّ خَتَنَكَ وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوَا وَتَرَكَا دِينَكَ، فَمَشَى عُمَرُ فَأَتَاهُمَا وَعِنْدَهُمَا خَبَّابٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِحِسِّ عُمَرَ تَوَارَى فِي الْبَيْتِ، فَدَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ؟ وَكَانُوا يَقْرَءُونَ طه، قَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا. قَالَ: فَلَعَلَّكُمَا قَدْ صَبَوْتُمَا. فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ: يَا عُمَرُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ فَوَثَبَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَوَطِئَهُ وَطْأً شَدِيدًا، فَجَاءَتْ أُخْتُهُ لِتَدْفَعَهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَنَفَحَهَا نَفْحَةً بِيَدِهِ، فَدَمِيَ وَجْهُهَا، فَقَالَتْ وَهِيَ غَضْبَى: وَكَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطُونِي الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأْهُ - وَكَانَ يَقْرَأُ الْكِتَابَ -. فَقَالَتْ أُخْتُهُ: إِنَّكَ رِجْسٌ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقُمْ وَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ. فَقَامَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ فَقَرَأَ ﴿طه﴾ [طه: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فَقَالَ عُمَرُ: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ قَوْلَ عُمَرَ خَرَجَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَيْلَةَ الْخَمِيسِ: " اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الدَّارِ الَّتِي فِي أَصْلِ الصَّفَا، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى أَتَى الدَّارَ، وَعَلَى بَابِهَا حَمْزَةُ وَطَلْحَةُ وَنَاسٌ، فَقَالَ حَمْزَةُ: هَذَا عُمَرُ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُسْلِمْ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ عَلَيْنَا هَيِّنًا، قَالَ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُوحَى إِلَيْهِ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى عُمَرَ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ، فَقَالَ: أَمَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ مَا أَنْزَلَ بِالْوَلِيدِ
[ ٢ / ٣١٩ ]
بْنِ الْمُغِيرَةِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» . وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنْ أَسْلَمَ نَحْوُهُ وَفِيهِ: فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِفِجَاجِ مَكَّةَ، فَجِئْتُ خَالِي أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ شَرِيفًا، فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ صَبَوْتُ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ، ثُمَّ دَخَلَ وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنِ عَسَاكِرَ، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ فَخَرَجْنَا صَفَّيْنِ أَنَا فِي أَحَدِهِمَا، وَحَمْزَةُ فِي الْآخَرِ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَنَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَى حَمْزَةَ، فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْفَارُوقَ يَوْمَئِذٍ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ذَكْوَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ - ﵂ -: «مَنْ سَمَّى عُمَرَ الْفَارُوقَ؟ قَالَتْ: النَّبِيُّ - ﷺ -» . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلَامِ عُمَرَ» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ الْقَوْمُ الْيَوْمَ مِنَّا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَامَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُوا سَبِيلَنَا.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُقْبِلِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا قُوَّةً، وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُدْبِرِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُعْدًا. وَكَانَ إِسْلَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْبَعْثَةِ، وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ عَقِبَ إِسْلَامِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ، وَالْأَخْبَارُ الشَّهِيرَةُ بِفَضَائِلِهِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وَسَلَّمَ -: " «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» ". وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَقَدْ كَانَ فِي مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» ". أَيْ مُلْهَمُونَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - وَلَفْظُهُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مُحَدَّثُونَ أَيْ مُفَهَّمُونَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ مُلْهَمُونَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا وَقَالَ إِلَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ» ". وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلِيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ - قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينُ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ". فَبَكَى عُمَرُ - ﵁ - وَقَالَ: عَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِشَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ، قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» ". وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - ﵁ -: مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ:
[ ٢ / ٣٢١ ]
مَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ وَقَدْ وَلَّيْتَ عُمَرَ؟ قَالَ: أَقُولُ لَهُ: وَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ. أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّ هَلًا بِعُمَرَ، مَا كُنَّا نَعُدُّ أَنَّ السِّكِّينَةَ لَا تَنْزِلُ إِلَّا عَلَى لِسَانِ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ، لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ، وَلَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ - ﵁ -: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ إِلَّا عُمَرَ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - بَعْدَ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ «مِنْ غَيْرِ افْتِرَا» أَيْ مِنْ غَيْرِ الْكَذِبِ يُقَالُ فَرِيَ يَفْرِي فَرْيًا وَافْتَرَى يَفْتَرِي افْتِرَاءً أَيْ كَذِبَ فَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢] وَفِي الْحَدِيثِ: " «مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا» ". فَالْفِرَى جَمْعُ فِرْيَةٍ وَهِيَ الْكَذِبَةُ، وَأَفْرَى أَفْعَلُ مِنْهُ لِلتَّفْضِيلِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَوْضِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (عَنْهُ يُذَادُ الْمُفْتَرِي كَمَا وَرَدَ)، وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ الْفَارُوقِ - ﵄ - بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ افْتِرَا؛ إِشَارَةً لِرَدِّ قَوْلِ الْخَطَّابِيَّةِ الزَّاعِمِينَ بِأَنَّ عُمَرَ - ﵁ - أَفْضَلُ الْخُلَفَاءِ، وَهَذَا الزَّعْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلصِّدِّيقِ زُورٌ وَافْتِرَاءٌ وَكَذِبٌ وَضَلَالٌ مِنْ زَاعِمِيهِ، نَعَمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَ الصِّدِّيقِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ قَوْلِ الرَّاوَنْدِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - ﵁ -، وَالرَّدُّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْضَلَهُمْ عَلِيٌّ - ﵁ - كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَالْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَخَيْرُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ، وَخَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
[ ٢ / ٣٢٢ ]
الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: " «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَيْضًا، وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - ﵁ - وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵃ أَجْمَعِينَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ". - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ -. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - ﵃ -.
وَهَاجَرَ عُمَرُ - ﵁ - إِلَى الْمَدِينَةِ جَهْرًا وَذَلِكَ أَنَّهُ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْهُمًا، وَأَتَى الْكَعْبَةَ وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَتَى حِلَقَهُمْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ مَنْ أَرَادَ تَثْكَلُهُ أُمُّهُ، وَيُيَتَّمُ وَلَدُهُ، وَتُرَمَّلُ زَوْجَتُهُ فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي. فَمَا تَبِعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَشِدَّةُ عُمَرَ وَشَجَاعَتُهُ لَا تَخْفَى حَتَّى أَنَّهُ وُصِفَ فِي التَّوْرَاةِ بِأَنَّهُ قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ وَفَضَائِلُهُ شَهِيرَةٌ، وَقَدْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي عِدَّةِ أَحْكَامٍ مَأْثُورَةٍ وَمُوَافَقَاتٍ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مَخْبُورَةٍ.
وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِعَهْدٍ مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - يَوْمَ تُوُفِّيَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَقَامَ بِالْأَمْرِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَكَثُرَتِ الْفُتُوحَاتُ فِي أَيَّامِهِ: فَفِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ دِمَشْقُ بَيْنَ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ، وَحِمْصُ وَبَعْلَبَكَّ صُلْحًا، وَأَيْلَةُ عَنْوَةً وَفِيهَا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَفِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتِ الْأُرْدُنُ عَنْوَةً، إِلَّا طَبَرِيَّةَ فَإِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَفِيهَا حَاصَرَ عَمْرٌو مِصْرَ وَمَصَّرَ سَعِدٌ الْكُوفَةَ، وَفِيهَا فَرَضَ عُمَرُ الْفُرُوضَ وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ وَأَعْطَى الْعَطَايَا.
وَفِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتِ الْأَهْوَازُ وَالْمَدَائِنُ، وَأَقَامَ بِهَا سَعْدٌ الْجُمُعَةَ فِي إِيوَانِ كِسْرَى وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بِالْعِرَاقِ، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ جَلُولَا وَهُرْمُزَ وَيَزْدَجِرْدَ بْنِ كِسْرَى
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وَتَقَهْقَرَ إِلَى الرَّيِّ وَفِيهَا فُتِحَتْ تَكْرِيتُ، وَفِيهَا سَارَ بِنَفْسِهِ - ﵁ - فَفَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ صُلْحًا وَخَطَبَ بِالْجَابِيَةِ خُطْبَتَهُ الْمَشْهُورَةَ، وَفِيهَا فُتِحَتْ قِنَّسْرِينُ عَنْوَةً، وَحَلَبُ وَأَنْطَاكِيَةُ وَمَنْبِجُ صُلْحًا، وَفِيهَا كُتِبَ التَّارِيخُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ الْهِجْرَةِ بِمَشُورَةِ عَلِيٍّ - ﵁ -.
وَفِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ زَادَ عُمَرُ - ﵁ - فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَفِيهَا كَانَ الْقَحْطُ بِالْحِجَازِ فَسُمِّيَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ فَأَخَذَ عُمَرُ - ﵁ - بِيَدِ الْعَبَّاسِ - ﵁ - ثُمَّ رَفَعَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ - ﷺ - أَنْ تُذْهِبَ عَنَّا الْمَحْلَ وَأَنْ تَسْقِيَنَا الْغَيْثَ، فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى سُقُوا فَأَطْبَقَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا.
وَفِي الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ جُنْدَيْسَابُورُ صُلْحًا وَحُلْوَانُ عَنْوَةً، وَفِيهَا وَقَعَ طَاعُونُ عَمْوَاسَ، وَفِيهَا فُتِحَتِ الرُّهَاءُ وَشُمَيْسَاطُ وَحَرَّانُ وَنَصِيبِينُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجَزِيرَةِ عَنْوَةً، وَكَذَا الْمَوْصِلُ وَنَوَاحِيهَا.
وَفِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ، وَفِي سَنَةِ عِشْرِينَ فُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً وَقِيلَ صُلْحًا، وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ عَنْوَةً، وَالْمَغْرِبُ كُلُّهُ عَنْوَةً، وَفِيهَا فُتِحَتْ تُسْتَرُ، وَفِيهَا هَلَكَ قَيْصَرُ مَلِكُ الرُّومِ، وَفِيهَا أَجْلَى عُمَرُ الْيَهُودَ عَنْ خَيْبَرَ وَعَنْ نَجْرَانَ وَقَسَّمَ خَيْبَرَ وَوَادِي الْقُرَى، وَفِي سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فُتِحَتْ نَهَاوَنْدُ عَنْوَةً وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَعَاجِمِ بَعْدَهَا جَمَاعَةٌ، وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فُتِحَتْ كِرْمَانُ وَسِجِسْتَانُ وَمَكْرَانُ مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ وَأَصْبَهَانُ وَنَوَاحِيهَا. وَفِي آخِرِهَا كَانَتْ وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - وَذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَجِّ.
قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَمَّا نَفَرَ عُمَرُ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، وَكَانَ قَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنِّي أَجِدُكَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ تُقْتَلُ شَهِيدًا فَقَالَ: وَأَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، وَإِنِّي لَأُرَاهُ حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ قَوْمًا يَأْمُرُونِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلَا خِلَافَتَهُ، فَإِنْ عَجَّلَ بِي أَمْرٌ فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
[ ٢ / ٣٢٤ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ عُمَرُ - ﵁ - لَا يَأْذَنُ لِكَافِرٍ قَدِ احْتَلَمَ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ يَذْكُرُ لَهُ غُلَامًا عِنْدَهُ صَنَائِعُ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، وَيَقُولَ: إِنَّ عِنْدَهُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً فِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وَأَنَّهُ حَدَّادٌ وَنَقَّاشٌ وَنَجَّارٌ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَجَاءَ إِلَى عُمَرَ يَشْتَكِي شِدَّةَ الْخَرَاجِ، فَقَالَ لَهُ: مَا خَرَاجُكَ بِكَثِيرٍ. فَانْصَرَفَ سَاخِطًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ - ﵁ -: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أَشَاءُ لَصَنَعْتُ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ؟ فَالْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ عَابِسًا وَقَالَ: لَأَضَعَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَوْعَدَنِي الْعَبْدُ وَهُوَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، ثُمَّ إِنَّهُ الْخَبِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى خِنْجَرٍ ذِي رَأْسَيْنِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَكَمَنَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ فِي الْغَلَسِ، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى خَرَجَ عُمَرُ يُوقِظُ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ طَعَنَهُ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَطَعَنَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سِتَّةً، فَأَلْقَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ثَوْبًا فَلَمَّا اغْتَمَّ فِيهِ قَتَلَ نَفْسَهُ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ يَصْنَعُ الْأَرْحَاءَ، وَحُمِلَ عُمَرُ - ﵁ - إِلَى أَهْلِهِ وَكَادَتْ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، فَصَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - ﵁ - بِالنَّاسِ بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ، وَأُتِيَ عُمَرُ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ، فَسَقَوْهُ لَبَنًا فَخَرَجَ ثَانِيًا، فَقَالُوا: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ فِي الْقَتْلِ بَأْسٌ فَقَدْ قُتِلْتُ. فَجَعَلَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ كُنْتَ وَكُنْتَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ وَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْهَا كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَ، وَأَنَّ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَلِمَتْ لِي، فَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ، وَقَدْ جَعَلْتُهَا شُورَى فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ، وَأَجَّلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ: يَشْهَدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَأَمَرَ صُهَيْبًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ مَجُوسِيًّا وَكَانَ اسْمُهُ فَيْرُوزُ. وَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ لَا يَدَّعِي الْإِسْلَامَ. وَكَانَتْ إِصَابَتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ
[ ٢ / ٣٢٥ ]
ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَصَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ مَوْتِهِ وَنَاحَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ - ﵁ - لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ -: انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهَا، فَقَالَ: إِنْ وَفَّى مَالُ آلِ عُمَرَ أَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلَّا فَاسْأَلْ فِي بَنِي عَدِيٍّ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَاسْأَلْ فِي قُرَيْشٍ، وَاذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ، فَذَهَبَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ - تَعْنِي الْمَكَانَ - لِنَفْسِي، وَاللَّهِ لَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: قَدْ أَذِنَتْ. فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ - ﵁ -: أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأُوصِيهِ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأُوصِيهِ بِالْأَمْصَارِ خَيْرًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ - ﵁ - صَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَ النَّاسُ يَمْشُونَ وَعَبْدُ اللَّهِ أَمَامَهُمْ، فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: أَدْخِلُوهُ. فَأُدْخِلَ فَوُضِعَ هُنَاكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى رَسُولِهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.
رُوِيَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَمْسُمِائَةٍ وَسَبْعَةُ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، أُخْرِجَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْهَا أَحَدٌ وَثَمَانُونَ، اتَّفَقَا عَلَى سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِأَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَمُسْلِمٌ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ.
(تَنْبِيهٌ (اعْلَمْ أَنَّ خِلَافَةَ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - ﵁ - مُرَتَّبَةٌ وَلَازِمَةٌ لِحَقِّيَّةِ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ وَإِشَارَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَقِّيَةِ خِلَافَتِهِ، فَمَا ثَبَتَ لِلْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الصِّدِّيقُ مِنْ حَقِّيَّةِ الْخِلَافَةِ يَثْبُتُ لِفَرْعِهِ الَّذِي هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِيهَا، فَلَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ مِنْ فِرَقِ الضَّلَالِ فِي الطَّعْنِ وَالنِّزَاعِ فِي حَقِّيَّةِ الْخِلَافَةِ، وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعِلْمِ عِلْمًا بَاتًّا ضَرُورِيًّا أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ أَجْمَعُوا عَلَى تَوْلِيَةِ الصِّدِّيقِ الْخِلَافَةَ، وَمَنْ شَذَّ لَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مِرْيَةٍ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: " مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ سَيِّئٌ ". وَقَدْ رَأَى
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الصَّحَابَةُ - ﵃ - أَنْ يُسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ فَهَذَا صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ، فَحَكَى الِاجْتِمَاعَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ - ﵁ - يَقُولُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -، وَذَلِكَ أَنَّهُ اضْطَرَبَ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَجِدُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ خَيْرًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَوَلَّوْهُ رِقَابَهُمْ. وَأَخْرَجَ أَسَدُ السُّنَّةِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: مَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَشُكُّونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ إِلَّا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ وَلَا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا بَلَغَ التَّوَاتُرَ وَعُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - بَايَعَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ عَنْ تَأَخُّرِهِ لِعَدَمِ مَشُورَتِهِ، وَإِنَّ لَهُ حَقًّا فِي الشُّورَى حَتَّى إِنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا - ﵁ - بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ لِإِزَالَةِ شُبْهَةِ التَّخَلُّفِ وَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ. وَالنُّصُوصُ الْمُشِيرَةُ إِلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ كَثِيرَةٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ، وَأَتَمِّ فِرَاسَتِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَأَكْمَلِ نُصْحِهِ لِهَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ اسْتِخْلَافُهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ الْفَارُوقَ، لِمَا حَصَلَ بِهِ مِنْ عُمُومِ النَّفْعِ وَفَتْحِ الْبِلَادِ، وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ الظُّهُورِ التَّامِّ، وَقَمْعِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - لَمَّا ثَقُلَ بِهِ الْمَرَضُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: مَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَمْرٍ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنْ كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مَنْ وَرَاءَكَ وَرَأْيُكَ فِيهِ أَتَمُّ رَأْيٍ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: أَنْتَ أَخْبَرُنَا بِهِ. وَقَالَ لَعَلِيٍّ كَذَلِكَ، فَقَالَ عِلْمُكَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ لِلصِّدِّيقِ: عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ، وَشَاوَرَ مَعَهُمَا زَيْدًا وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْخَيْرَ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ فَكَتَبَ عَهْدَهُ لِعُمَرَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْكِتَابِ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانَ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا، فَبَايَعَ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ، ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ
[ ٢ / ٣٢٧ ]
- ﵁ - عُمَرَ خَالِيًا فَأَوْصَاهُ بِمَا أَوْصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا إِصْلَاحَهُمْ، وَخِفْتُ عَلَيْهِمُ الْفِتْنَةَ فَعَمِلْتُ فِيهِمْ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُمْ رَأْيِي فَوَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ وَأَقْوَاهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى مَا يُرْشِدُهُمْ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِكَ مَا حَضَرَنِي، فَاخْلُفْنِي فِيهِمْ فَهُمْ عِبَادُكَ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِكَ، أَصْلِحْ وِلَايَتَهُ وَاجْعَلْهُ مِنْ خَلَائِفِكَ الرَّاشِدِينَ، وَأَصْلِحْ لَهُ رَعِيَّتَهُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، وَصَاحِبَةُ مُوسَى حِينَ قَالَتْ: اسْتَأْجِرْهُ، وَالْعَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ فِي يُوسُفَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ يَسَارِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُوَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ عَهِدْتُ عَهْدًا أَفَتَرْضَوْنَ بِهِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: رَضِينَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ - ﵁ - فَقَالَ: لَا نَرْضَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ عُمَرَ. قَالَ: إِنَّهُ عُمَرُ. - ﵃ أَجْمَعِينَ -.
[عثمان ذو النورين]
«وَبَعْدَهُ» أَيْ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَيْ يَلِيهِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ ذُو النُّورَيْنِ «عُثْمَانُ» بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: يُقَالُ كَانَ يُكَنَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَبَا عَمْرٍو، فَلَمَّا وَلَدَتْ لَهُ رُقَيَّةُ - ﵂ - بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَبْدَ اللَّهِ اكْتَنَى بِهِ، وَأُمُّهُ أَرْوَى وَأُمُّهَا أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَبُو أَرْوَى أُمِّ عُثْمَانَ كُرَيْزٌ - بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ فَزَايٌ مُصَغَّرُ كُرْزٍ -، وَهُوَ كُرَيْزُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
وُلِدَ عُثْمَانُ - ﵁ - فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْفِيلِ، وَأَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ - ﷺ - دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَتَزَوَّجَ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَبْلَ الْبَعْثِ، مَاتَتْ عِنْدَهُ فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْعُظْمَى، وَلَمْ يَشْهَدْ عُثْمَانُ - ﵁ - بَدْرًا لِتَخَلُّفِهِ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِيُمَرِّضَ رُقَيَّةَ - ﵂ -، فَجَاءَ الْبَشِيرُ بِنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ دَفْنِهَا، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ
[ ٢ / ٣٢٨ ]
- ﷺ - بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، وَلَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ، وَتُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ أَيْضًا سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ تَزَوَّجَ بِنْتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِذِي النُّورَيْنِ فَهُوَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَأَحَدُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ، وَمَرَّ أَنَّ الصِّدِّيقَ جَمَعَهُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا تَمَيَّزَ عُثْمَانُ بِجَمْعِهِ فِي الْمُصْحَفِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الْيَوْمَ، وَاسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَكَانَ - ﵁ - ذَا جَمَالٍ مُفْرِطٍ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِائَةُ حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمْ - ﵃ - وَخَلَائِقُ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا حَدَّثَ أَتَمَّ حَدِيثًا وَلَا أَحْسَنَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ -، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يَهَابُ الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالْمَنَاسِكِ عُثْمَانُ وَبَعْدَهُ ابْنُ عُمَرَ - ﵃ -. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - كَانَ رَجُلًا رَبْعَةً لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، بِوَجْهِهِ نَكَتَاتُ جُدَرِيٍّ، كَبِيرَ اللِّحْيَةِ عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ جَزْلَ السَّاقَيْنِ طَوِيلَ الذِّرَاعَيْنِ، شَعْرُهُ قَدْ كَسَا ذِرَاعَيْهِ، جَعْدَ الرَّأْسِ أَصْلَعَ أَحْسَنَ النَّاسِ ثَغْرًا، جُمَّتُهُ أَسْفَلُ مِنْ أُذُنَيْهِ يَخْضِبُ بِالصُّفْرَةِ، وَكَانَ قَدْ شَدَّ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «لَمَّا زَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ لِعُثْمَانَ قَالَ لَهَا: " إِنَّ بَعْلَكِ أَشْبَهُ النَّاسِ بِجَدِّكِ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِيكِ مُحَمَّدٍ» " - ﷺ -. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ أَيْضًا وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّا لَنُشَبِّهُ عُثْمَانَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ» ". وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَمَعَ ثِيَابَهُ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وَقَالَ: " «أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ»؟ " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَجَهَّزْتُهُمْ؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَنْ حَفَرَ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَحَفَرْتُهَا؟ فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ» .
وَبَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْهُ بِيَسَارِهِ، فَكَانَتْ يَسَارُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ يَمِينِ نَفْسِهِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِتْنَةً فَقَالَ: يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا مَظْلُومًا - لِعُثْمَانَ -» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «عُثْمَانُ أَحْيَا أُمَّتِي وَأَكْرَمُهَا» ". وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا: " «إِنَّ أَشَدَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «إِنَّ عُثْمَانَ لَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ لُوطٍ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِعُثْمَانَ: «يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ - وَفِي لَفْظٍ لَعَلَّ اللَّهَ - مُقَمِّصُكَ - وَفِي لَفْظٍ يُقَمِّصُكَ - قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ (عَلَى) خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى يَخْلَعُوهُ - وَفِي لَفْظٍ - فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَهْلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ - ﵁ - «يَقُولُ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَنَا مُمْتَثِلٌ لَهُ وَصَابِرٌ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ - ﵁ - شَهِيدًا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالَ غَرِيبٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيقِي فِيهَا عُثْمَانُ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّ خُطَبَاءَ قَامَتْ بِالشَّامِ، وَفِيهِمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَامَ آخِرُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: لَوْلَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا قُمْتُ «وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، وَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: " هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى "
[ ٢ / ٣٣٠ ]
فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ» . فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ مَظْلُومٌ، وَأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى.
وَأَمَّا ذِكْرُ خِلَافَتِهِ ﵁ فَتَقَدَّمَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِ عُمَرَ - ﵁ - اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ، وَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَا لَا أُرِيدُهَا فَأَيُّكُمَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لِيَنْظُرْ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى صَلَاحِ الْأُمَّةِ.
فَسَكَتَ الشَّيْخَانِ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلُوهُ إِلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا آلُوكُمْ عَنْ أَفْضَلِكُمْ، قَالَا: نَعَمْ. فَخَلَا بِعَلِيٍّ وَقَالَ لَهُ: لَكَ مِنَ الْقِدَمِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقَرَابَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا قَدْ عَلِمْتَ، اللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عَلَيْكَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ كَذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ مِيثَاقَهُمَا بَايَعَ عُثْمَانَ وَبَايَعَهُ عَلِيٌّ، وَكَانَتْ مُبَايَعَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَبْلَ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْهَا أَحَدٌ قَدْ خَلَا بِعُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: فَإِنْ لَمْ نُبَايِعْكَ فَمَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ؟ قَالَ: عَلِيٌّ. وَقَالَ لِعَلِيٍّ: إِنْ لَمْ نُبَايِعْكَ فَمَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ؟ قَالَ: عُثْمَانُ، ثُمَّ دَعَا الزُّبَيْرَ فَقَالَ لَهُ: مَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ؟ فَأَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَلَا نُرِيدُهَا. فَقَالَ: عُثْمَانُ.
ثُمَّ اسْتَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَعْيَانَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَرَأَى هَوَى أَكْثَرُهُمْ عُثْمَانَ، فَبَايَعُوا جَمِيعًا فَثَبَتَتْ بَيْعَةُ عُثْمَانَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالَ: «فَاتْرُكِ الْمِرَا» أَيِ الْجِدَالَ وَالشَّكَّ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمِرْيَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ الشَّكُّ وَالْجَدَلُ يُقَالُ مَارَاهُ مُمَارَاةً وَمِرَاءً وَامْتَرَى فِيهِ وَتَمَارَى شَكَّ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ» ". الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ، كَمَا فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ وَتَقَدَّمَ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - مِنْ جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَهُ وَقَدْ غَزَا مَعَهُ، وَكَانَ يُقِيمُ الْحَدَّ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، وَخِلَافَةُ عُثْمَانَ فَرْعٌ عَنْ
[ ٢ / ٣٣١ ]
خِلَافَةِ عُمَرَ الَّتِي هِيَ فَرْعٌ عَنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَاسْتُشْهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - ﵁ - فِي دَارِهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ وَكَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي حُشِّ كَوْكَبٍ بِالْبَقِيعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِهِ - وَالْحُشُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْبُسْتَانُ وَضَمُّ الْحَاءِ أَجْوَدُ مِنْ كَسْرِهَا - وَكَوْكَبٌ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمُدَّةُ حِصَارِهِ فِي دَارِهِ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقِيلَ: شَهْرَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَاسْتُشْهِدَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صَائِمٌ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ قَتْلِهِ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ قَبْلَهَا، فَقَدْ قِيلَ: كَانَ قَتْلُهُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْهُ، وَقَدَّمَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَفِي الزَّهْرِ الْبَسَّامِ أَنَّهُ قُتِلَ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ بَاشَرَ قَتْلَهُ فَقَالَ كَثِيرٌ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ، وَقِيلَ الْأَسْوَدُ التُّجِيبِيُّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقِيلَ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ مِنْ مِصْرَ أَيْضًا، وَقِيلَ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَقِيلَ رُومَانُ الْيَمَانِيُّ، وَقِيلَ سُودَانُ بْنُ رُومَانَ، وَقِيلَ رُومَانُ بْنُ سَرْحَانَ رَجُلٌ أَزْرَقٌ قَصِيرٌ، وَقِيلَ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ حِمَارٌ أَزْرَقُ أَشْقَرُ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ اثْنَانِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَقِيلَ ثَمَانُ وَثَمَانُونَ وَقِيلَ تِسْعُونَ، وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ الْمُصْحَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَقْرَأُ فِيهِ، فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهِ أَوْ قَطَرَاتٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ - ﵀ - قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَرَاثِي عُثْمَانَ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ لَا تَقْتُلُوهُمُ عَفَا اللَّهُ عَنْ كُلِّ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلِ فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ صَبَّ عَلَيْهِمُ الْـ عَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ عَنِ النَّاسِ إِدْبَارَ الرِّيَاحِ الْجَوَافِلِ وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ - ﵁ - وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَمَامُ الْعَامَّةِ وَقَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَإِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ خِصَالًا ثَلَاثًا، اخْتَرْ إِحْدَاهُنَّ: إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ فَتُقَاتِلَهُمْ، فَإِنَّ مَعَكَ عَدَدًا وَقُوَّةً وَأَنْتَ عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِمَّا أَنْ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
تَخْرِقَ لَكَ بَابًا سِوَى الْبَابِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَتَقْعُدَ عَلَى رَوَاحِلِكَ فَتَلْحَقَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْتَحِلُّوكَ وَأَنْتَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَلْحَقَ بِالشَّامِ فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ فِيهِمْ مُعَاوِيَةُ.
فَقَالَ عُثْمَانُ - ﵁ -: فَأَمَّا أَنْ أَخْرُجَ فَأُقَاتِلَ فَلَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي أُمَّتِهِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَأَمَّا أَنْ أَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «يُلْحِدُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ عَذَابِ الْعَالَمِ» " فَلَنْ أَكُونَ أَنَا، وَأَمَّا أَنْ أَلْحَقَ بِالشَّامِ فَلَنْ أُفَارِقَ دَارَ هِجْرَتِي وَمُجَاوَرَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ الْفَهْمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: لَقَدِ اخْتَبَأْتُ عِنْدَ رَبِّي عَشْرًا: إِنِّي لَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنْكَحَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ابْنَتَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَأَنْكَحَنِي الْأُخْرَى، وَمَا تَغَنَّيْتُ، وَمَا تَمَنَّيْتُ، وَلَا وَضَعْتُ يَمِينِي عَلَى فَرْجِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا حَبِيبِي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَا مَرَّتْ بِي جُمُعَةٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا وَأَنَا أُعْتِقُ فِيهَا رَقَبَةً، إِلَّا أَنْ لَا تَكُونَ عِنْدِي فَأُعْتِقُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا سَرَقْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَقَدْ جَمَعْتُ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَيُضَمُّ إِلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ تَجْهِيزُهُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَقَدْ قَالَ - ﷺ - لَمَّا جَاءَهُ بِالْمَالِ وَكَانَ أَلْفَ دِينَارٍ فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ - ﷺ -: " «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» " مَرَّتَيْنِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَيُضَمُّ إِلَيْهَا أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: شَهِدَتُ يَوْمَ الدَّارِ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ - ﵁ - فَقَالَ: ائْتُونِي بِصَاحِبَيْكُمُ اللَّذَيْنِ أَلَّبَا عَلَيَّ، فَجِيءَ بِهِمَا فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ - زَادَ رَزِينٌ وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ إِلَّا بِئْرُ رُومَةَ، فَقَالَ - ﷺ -: «مَنْ يَشْتَرِيهَا وَيَجْعَلُ دَلْوَهُ فِيهَا مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ مَالِي؟ وَأَنَا الْيَوْمُ أُمْنَعُ أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْمِلْحِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ - ﷺ -: مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي؟ وَأَنَا الْيَوْمُ أُمْنَعُ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَجَهَّزْتُهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي كُنْتُ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيضِ، فَرَكَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرِجْلِهِ وَقَالَ: اسْكُنْ ثَبِيرُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدٌ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ شَهِدُوا لِي بِالْجَنَّةِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا» - وَفِي رِوَايَةٍ شَهِدُوا لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ ثَلَاثًا.
وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ - ﵁ -:
مَنْ سَرَّهُ الْمَوْتُ صَرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ فَلْيَأْتِ مَأْدُبَةً فِي دَارِ عُثْمَانَا
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا
لَيُسْمَعَنَّ وَشِيكًا فِي دِيَارِهِمُ اللَّهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ قُتِلَ عُثْمَانُ - ﵁ - ظُلْمًا بِلَا مُحَالٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَحَدُ الْمُهَاجِرِينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَحَدُ أَخْتَانِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، وَمَآثِرُهُ غَزِيرَةٌ، وَأَيَادِيهِ شَهِيرَةٌ، فَرِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -.
رُوِيَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّةَ عَشَرَ، اتَّفَقَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِثَمَانِيَةٍ وَمُسْلِمٌ بِخَمْسَةٍ.
[علي أبو السبطين]
«وَبَعْدُ فَالْفَضْلُ حَقِيقًا فَاسْمَعِ نِظَامِي هَذَا لِلْبَطِينِ الْأَنْزَعِ»
«مُجَدِّلِ الْأَبْطَالِ مَاضِي الْعَزْمِ مُفَرِّجِ الْأَوْجَالِ وَافِي الْحَزْمِ»
«وَافِي النَّدَى مُبْدِي الْهُدَى مُرْدِي الْعِدَا مُجْلِي الصَّدَى يَا وَيْلَ مَنْ فِيهِ اعْتَدَى»
«وَبَعْدُ» بِبِنَائِهَا عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَنِيَّةِ ثُبُوتِ مَعْنَاهُ أَيْ وَبَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ - عَلَى الْقَوْلِ الرَّجِيحِ وَالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، «فَالْفَضْلُ» الشَّامِخُ وَالْقُرْبُ الرَّاسِخُ وَالْمَجْدُ الْبَاذِخُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ وَاتِّفَاقِ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
الْأَئِمَّةِ، «حَقِيقًا» أَيْ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا نُكْرٍ، «فَاسْمَعِ»: فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ مِنِّي «نِظَامِي» أَيْ مَنْظُومِي «هَذَا» الَّذِي أَدْرَجْتُ فِيهِ عَقِيدَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَضَمَّنْتُهُ مَا يَقْتَفِيهِ كُلُّ مُحَقِّقٍ فَالِحٍ ثَابِتٍ، ذَلِكَ الْفَضْلُ وَمُسْتَقِرٌّ «لِـ» الْإِمَامِ الْهُمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، «الْبَطِينِ الْأَنْزَعِ» .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَتِهِ وَفِي صِفَةِ عَلِيٍّ - ﵁ -: الْبَطِينُ الْأَنْزَعُ أَيِ الْعَظِيمُ الْبَطْنِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَيْضًا - ﵁ -: أَبِيتُ مِبْطَانًا وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى؟ الْمِبْطَانُ الْكَثِيرُ الْأَكْلِ وَالْعَظِيمُ الْبَطْنِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ بَطِينًا أَنَّ بَاطِنَهُ عَظِيمٌ لِتَضَلُّعِهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَنْزَعِ الْمُنْحَسِرُ شَعْرُ رَأْسِهِ مِمَّا فَوْقَ الْجَبِينِ، وَالنَّزْعَتَانِ عَنْ جَانِبَيِ الرَّأْسِ مِمَّا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ - ﵁ - أَنْزَعَ الشَّعْرِ لَهُ بَطْنٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْأَنْزَعُ مِنَ الشِّرْكِ الْمَمْلُوءُ الْبَطْنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، «مُجَدِّلِ الْأَبْطَالِ» قَالَ فِي الْقَامُوسِ: جَدَلَهُ فَانْجَدَلَ وَتَجَدَّلَ صَرَعَهُ عَلَى الْجَدَالَةِ كَسَحَابَةِ الْأَرْضِ مُطْلَقًا أَوْ ذَاتَ رَمْلٍ دَقِيقٍ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: " «أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» ". أَيُّ مُلْقًى عَلَى الْجَدَالَةِ وَهِيَ الْأَرْضُ.
وَفِي حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - حِينَ وَقَفَ عَلَى طَلْحَةَ - ﵁ - يَوْمَ الْجَمَلِ وَهُوَ قَتِيلٌ، فَقَالَ: أَعْزِزْ عَلَيَّ أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْ أَرَاكَ مُجَدَّلًا تَحْتَ نُجُومِ السَّمَاءِ. أَيْ مَرْمِيًّا مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ قَتِيلًا، وَالْأَبْطَالُ جَمْعُ بَطَلٍ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَكَشَدَّادٍ بَيْنَ الْبِطَالَةِ أَوِ الْبُطُولَةِ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ جِرَاحَتَهُ فَلَا يَكْتَرِثُ بِهَا، أَوْ يُبْطِلُ عِنْدَهُ دِمَاءَ الْأَقْرَانِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - قَتَلَ مِنَ الْأَبْطَالِ عِدَّةً مِثْلَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَعَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَمَرْحَبٍ مِنْ أَبْطَالِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: «مَاضِي الْعَزْمِ» إِشَارَةٌ إِلَى شِدَّةِ قُوَّتِهِ وَوُفُورِ شِدَّتِهِ، وَالْمَاضِي مَنْ مَضَى فِي الْأَمْرِ مَضَاءً وَمُضُوًّا نَفَذَ، وَمَضَى السَّيْفُ أَيْ قَطَعَ وَالْمُضُوُّ كَالْعُلُوِّ التَّقَدُّمُ وَالْعَزْمُ الْجِدُّ وَالصَّبْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وَقَوْلُهُ: «مُفَرِّجِ» أَيْ كَاشِفِ «الْأَوْجَالِ» يُقَالُ: فَرَّجَ اللَّهُ الْغَمَّ يُفَرِّجُهُ كَشَفَهُ كَفَرَجَهُ، وَالْأَوْجَالُ جَمْعُ وَجَلٍ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْجِيمِ - الْخَوْفُ وَرَجُلٌ وَجِلٌ كَفَرِحٍ يَاجَلُ وَيَجِلُ وَيَوْجَلُ
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وَيِيجَلُ - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ - وَجَلًا وَمَوْجَلًا كَمَقْعَدٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى وَجِلِينَ وَالْمَرْأَةُ وَجِلَةٌ، إِشَارَةٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كَشْفِ الْغُمُومِ وَتَفْرِيجِ الْهُمُومِ، وَالْإِقْدَامِ فِي الْمَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ وَالْبُرُوزِ إِلَى الْأَقْرَانِ الْمُسْتَصْعِبَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ". فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ أَيْ يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا «فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ» - الْحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ: «وَافِي الْحَزْمِ» إِشَارَةٌ إِلَى وُفُورِ عَقْلِهِ وَغَزَارَةِ فِطْنَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَالْحَزْمُ ضَبْطُ الرَّجُلِ أَمْرَهُ وَالْحَذَرُ مِنْ فَوَاتِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَزَمْتَ الشَّيْءَ إِذَا شَدَدْتَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» ". - يَعْنِي النِّسَاءَ - أَيْ أَذْهَبَ لِعَقْلِ الرَّجُلِ الْمُحْتَرِزِ فِي الْأُمُورِ الْمُسْتَظْهِرِ فِيهَا. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّهُ - ﷺ - سُئِلَ مَا الْحَزْمُ؟ فَقَالَ: " تَسْتَشِيرُ أَهْلَ الرَّأْيِ ثُمَّ تُطِيعُهُمْ» ". وَفِي الْقَامُوسِ الْحَزْمُ: ضَبْطُ الْأَمْرِ وَالْأَخْذُ فِيهِ بِالثِّقَةِ كَالْحِزَامَةِ وَالْحُزُومَةِ يُقَالُ: حَزُمَ كَكَرُمَ فَهُوَ حَازِمٌ وَحَزِيمٌ وَالْجَمْعُ حَزَمَةٌ وَحُزَمَاءُ.
وَفِي قَوْلِهِ: «وَافِي» أَيْ كَثِيرِ، «النَّدَى» أَيِ السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ يُقَالُ: فُلَانٌ يَنْدَى عَلَى أَصْحَابِهِ أَيْ يَسْخَى كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ تَنْدَى: تَسْخَى وَأَفْضَلُ كَأَنْدَى فَهُوَ نَدِيُّ الْكَفِّ وَالنَّدَى الثَّرَى وَالشَّحْمُ وَالْمَطَرُ وَالْبَلَلُ (وَالْكَلَأُ) وَشَيْءٌ يُتَطَيَّبُ بِهِ كَالْبَخُورِ. وَفِي مَحَلٍّ آخَرَ أَنْدَى كَثُرَ عَطَايَاهُ. انْتَهَى. إِشَارَةٌ إِلَى غَزَارَةِ كَرَمِهِ وَجَزَالَةِ عَطَايَاهُ وَحَزْمِهِ.
«مُبْدِي» أَيْ مُظْهِرِ «الْهُدَى» أَعْنِي الْعُلُومَ الْغَامِضَةَ وَالْفُهُومَ الرَّائِضَةَ وَالْهُدَى - بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ - الرَّشَادُ وَالدَّلَالَةُ، «مُرْدِي الْعِدَا» اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَرْدَاهُ إِذَا أَهْلَكَهُ وَكَسَرَهُ وَأَوْقَعَ أَعْدَاءَهُ فِي الرَّدَى وَالتَّلَفِ وَالْهَلَاكِ، «مُجْلِي» أَيْ مُزِيلٍ وَمُفَرِّقٍ وَكَاشِفٍ، «الصَّدَى» أَيِ الْعَطَشِ وَالظَّمَأِ وَالْمُرَادُ بِهِ كَاشِفُ الْكَرْبِ وَمُجْلِي النَّوْبِ، «يَا وَيْلَ» هَذِهِ يُرَادُ بِهَا الدُّعَاءُ بِالْحُزْنِ وَالْهَلَاكِ وَالْمَشَقَّةِ وَمَعْنَى
[ ٢ / ٣٣٦ ]
النِّدَاءِ فِيهَا يَا حُزْنُ وَيَا هَلَاكُ وَيَا عَذَابُ احْضُرْ فَهَذَا وَقْتُكَ وَأَوَانُكَ لِـ «مَنْ» أَيْ إِنْسَانٌ مُكَلَّفٌ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، «فِيهِ» أَيْ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، «اعْتَدَى» بِانْتِقَاصِهِ وَانْحِطَاطِهِ عَنْ مَنْزِلَتِهِ الشَّامِخَةِ وَدَرَجَتِهِ الْبَاذِخَةِ وَهَضَمَ مِنْ حُقُوقِهِ الظَّاهِرَةِ وَفَضَائِلِهِ الطَّاهِرَةِ، أَوْ غَلَا فِيهِ غُلُوًّا خَارِجًا عَنْ طَوْرِهِ وَنَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ مِنْ نَحْوِ أُلُوهِيَّةٍ كَغُلَاةِ أَهْلِ الرَّفْضِ أَوْ نُبُوَّةٍ أَوْ أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ نَفْسُهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " «إِنَّ فِيكَ مَثَلًا مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - ﵇ - أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ الْمَنْزِلَ الَّذِي لَيْسَ بِهِ» ". أَلَا وَإِنَّهُ يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ: مُحِبٌّ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِعَلِيٍّ: " «أَشْقَى النَّاسِ رَجُلَانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتَّى يَبُلَّ مِنْهُ هَذِهِ» ". - يَعْنِي لِحْيَتَهُ -. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَصُهَيْبٍ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَغَيْرِهِمْ - ﵁ -.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَقَدْ وُثِّقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ يَوْمًا: «مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ - ﷺ - إِلَى يَافُوخِهِ»، فَكَانَ عَلِيٌّ - ﵁ - يَقُولُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ - يَعْنِي عِنْدَ ضَجَرِهِ مِنْهُمْ - وَدِدْتُ أَنَّهُ قَدِ انْبَعَثَ أَشْقَاكُمْ فَخَضَّبَ هَذِهِ - يَعْنِي لِحْيَتَهُ - مِنْ هَذِهِ. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ. وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ - ﵁ - قَالَ لِعَلِيٍّ: لَا تَقْدَمِ الْعِرَاقَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكَ بِهَا ذُبَابُ السَّيْفِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: فَمَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ مُحَارِبًا يُخْبِرُ بِذَا عَنْ نَفْسِهِ.
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ وَقِيلَ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُهُ
[ ٢ / ٣٣٧ ]
شَيْبَةُ الْحَمْدِ قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: عَامِرٌ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا يَصِحُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَارِثِ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، وَيُكَنَّى أَيْضًا أَبَا الْبَطْحَاءِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ عَمَّهُ الْمُطَّلِبَ أَرْدَفَهُ حِينَ أَتَى بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ صَغِيرًا فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: عَبْدِي، وَهُوَ ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ إِلَخِ النَّسَبِ الشَّرِيفِ، فَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ هَاشِمِيًّا فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - ﵁ - أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَخُو رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالْمُؤَاخَاةِ، وَصِهَرُهُ عَلَى سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ - ﵍ -، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ وَالشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ وَالزُّهَّادِ الْمَذْكُورِينَ وَالْخُطَبَاءِ الْمَعْرُوفِينَ، وَأَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ الْمُبِينَ، وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَبُو السِّبْطَيْنِ السَّعِيدَيْنِ.
أَسْلَمَ عَلِيٌّ - ﵁ - قَدِيمًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ -: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ حَتَّى نَقَلَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَخْبَارٍ، وَتَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الصِّدِّيقِ مَا يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا قَالَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - ﵁ - لَمَّا بَلَغَهُ افْتِخَارُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: اكْتُبْ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَمْلَى عَلَيْهِ - ﵁ - قَوْلَهُ:
مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ أَخِي وَصِهْرِي وَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي
وَجَعْفَرٌ الَّذِي يُمْسِي وَيُضْحِي يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ابْنُ أُمِّي
وَبِنْتُ مُحَمَّدٍ سَكَنِي وَعِرْسِي مَنُوطٌ لَحْمُهَا بِدَمِي وَلَحْمِي
وَسِبْطَا أَحْمَدَ ابْنَايَ مِنْهَا فَأَيُّكُمُ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي
سَبَقْتُكُمُ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حِلْمِي
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: إِنَّ هَذَا الشِّعْرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَوَانٍ فِي عَلِيٍّ - ﵁ - حِفْظُهُ لِيَعْلَمَ مَفَاخِرَهُ فِي الْإِسْلَامِ. انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنَاقِبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - كَثِيرَةٌ
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَمَآثِرُهُ غَزِيرَةٌ وَفَضَائِلُهُ شَهِيرَةٌ حَتَّى قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدَ - ﵁ -: مَا جَاءَ لِأَحَدٍ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا جَاءَ لِعَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -. وَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْحِسَانِ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ - ﵁ -.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَسَبَبُ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَ نَبِيَّهُ - ﷺ - عَلَى مَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ عَلِيٌّ وَمَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ لَمَّا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْخِلَافَةِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ نُصْحَ الْأُمَّةِ بِإِشْهَارِهِ لِتِلْكَ الْفَضَائِلِ لِتَحْصُلَ النَّجَاةُ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ مِمَّنْ بَلَغَتْهُ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ نَشَرَ مَنْ سَمِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ تِلْكَ الْفَضَائِلَ وَبَثَّهَا نُصْحًا لِلْأُمَّةِ أَيْضًا، ثُمَّ لَمَّا اشْتَدَّ الْخَطْبُ وَاشْتَغَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِتَنْقِيصِهِ وَسَبِّهِ حَتَّى عَلَى الْمَنَابِرِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْخَوَارِجُ، اشْتَغَلَتْ جَهَابِذَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِبَثِّ فَضَائِلِهِ حَتَّى كَثُرَتْ، نُصْحًا لِلْأُمَّةِ وَنُصْرَةً لِلْحَقِّ.
وَقَدْ أَخْرَجَ السِّلَفِيُّ فِي الطُّيُورِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵄ - قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ كَثِيرَ الْأَعْدَاءِ فَفَتَّشَ لَهُ أَعْدَاؤُهُ شَيْئًا فَلَمْ يَجِدُوا، فَجَاءُوا إِلَى رَجُلٍ قَدْ حَارَبَهُ وَقَاتَلَهُ فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لَهُ - ﵁ -. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْكُلُّ مُقِرٌّ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ كُفْئًا لِعَلِيٍّ - ﵄ - فِي الْخِلَافَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ خَلِيفَةً مَعَ إِمْكَانِ اسْتِخْلَافِ عَلِيٍّ لِسَابِقَتِهِ وَعِلْمِهِ وَدِينِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَسَائِرِ فَضَائِلِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ ظَاهِرَةً مَعْرُوفَةً كَفَضْلِ إِخْوَانِهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - ﵃ -، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى غَيْرُهُ وَغَيْرُ سَعْدٍ، لَكِنَّ سَعْدًا كَانَ قَدْ تَرَكَ هَذَا الْأَمْرَ وَكَانَ الْأَمْرُ قَدِ انْحَصَرَ فِي عَلِيٍّ وَفِي عُثْمَانَ - ﵄ -، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ لَمْ يَبْقَ لَهَا مُعَيَّنٌ إِلَّا عَلِيٌّ - ﵁ - وَإِنَّمَا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنَ الشَّرِّ بِسَبَبِ قَتْلِ عُثْمَانَ - ﵁ -.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حِينَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْهُ عَلِيٌّ - ﵁ - عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ وَلَا أَنَّهُ
[ ٢ / ٣٣٩ ]
يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَلَا كَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يَبْدَءُوا عَلِيًّا بِقِتَالٍ، بَلْ لَمَّا رَأَى عَلِيٌّ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شَوْكَةً وَهُمْ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ رَأَى أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا إِلَى الْوَاجِبِ، وَهُمْ رَأَوْا أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - قُتِلَ مَظْلُومًا بِاتِّفَاقٍ وَقَتَلَتُهُ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ - ﵁ - وَهُمْ غَالِبُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَعَلِيٌّ - ﵁ - لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُمْ كَمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ عَنْ عُثْمَانَ، فَرَأَوْا مِنَ الْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ أَنْ نُبَايِعَ خَلِيفَةً (لَا) يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْصِفَنَا وَيَبْذُلَ الْإِنْصَافَ، وَكَانَ فِي جُهَّالِ الْفَرِيقَيْنِ مَنْ يَظُنُّ بِالْإِمَامَيْنِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ - ﵄ - ظُنُونًا كَاذِبَةً، مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - أَمَرَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ - ﵁ -، وَكَانَ عَلِيٌّ - ﵁ - يَحْلِفُ وَهُوَ الْبَارُّ الصَّادِقُ بِلَا يَمِينٍ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَا رَضِيَ بِقَتْلِهِ وَلَمْ يُمَالِئْ عَلَى قَتْلِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا مَعْلُومٌ بِلَا رَيْبٍ مِنْ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ مُحِبِّي عَلِيٍّ وَمِنْ مُبْغَضِيهِ يُشِيعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَمُحِبُّوهُ يَقْصِدُونَ الطَّعْنَ عَلَى عُثْمَانَ وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ وَأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَمُبْغِضُوهُ يَقْصِدُونَ الطَّعْنَ عَلَى عَلِيٍّ - ﵁ - وَأَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ الَّذِي صَبَرَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهَا، وَلَمْ يَسْفِكْ دَمَ مُسْلِمٍ فِي الدَّفْعِ عَنْهُ فَكَيْفَ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ. وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى الْمُشَنِّعِينَ الْعُثْمَانِيَّةِ وَالْعَلَوِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مُقِرٌّ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِعَلِيٍّ - ﵁ -.
وَلِي (عَلِيٌّ) الْخِلَافَةَ وَوَقَعَتْ لَهُ الْمُبَايَعَةُ بِهَا الْغَدُ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَالُوا لَهُ: نُبَايِعُكَ فَمُدَّ يَدَكَ فَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَمَنْ رَضِيَ بِهِ أَهْلُ بَدْرٍ فَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ إِلَّا أَتَى عَلِيًّا، فَقَالُوا: مَا نَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، مُدَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ، فَبَايَعُوا، وَهَرَبَ مَرْوَانُ وَوَلَدُهُ وَجَاءَ عَلِيٌّ إِلَى امْرَأَةِ عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهَا: مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ لَا أَعْرِفُهُمَا وَمَعَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَخْبَرَتْ عَلِيًّا وَالنَّاسَ بِمَا صَنَعَ.
فَدَعَا مُحَمَّدًا فَسَأَلَهُ عَمَّا ذَكَرَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَمْ تَكْذِبْ قَدْ وَاللَّهِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا أُرِيدُ قَتْلَهُ فَذَكَرَ لِي أَبِي، فَقُمْتُ عَنْهُ وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ - ﷾ - وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَلَا أَمْسَكْتُ. فَقَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ: صَدَقَ وَلَكِنَّهُ أَدْخَلَهُمَا. وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - دَخَلَ كَمَا ذَكَرَ فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُثْمَانَ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ - ﵁ -: وَاللَّهِ لَوْ رَآكَ أَبُوكَ لَسَاءَهُ مَكَانُكَ مِنِّي. فَتَرَاخَتْ يَدُهُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ الرَّجُلَانِ فَتَوَجَّيَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ وَخَرَجُوا هَارِبِينَ مِنْ حَيْثُ دَخَلُوا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ يُسْمَعْ صُرَاخُهَا لِمَا كَانَ فِي الدَّارِ مِنَ الْجَلَبَةِ وَصَعِدَتْ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قُتِلَ. فَدَخَلَ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ مَذْبُوحًا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَلِيًّا وَطِلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَخَرَجُوا وَقَدْ ذُهِلَتْ عُقُولُهُمْ لِلْخَبَرِ الَّذِي أَتَاهُمْ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ مَقْتُولًا فَاسْتَرْجَعُوا، وَضَرَبَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ وَصَدْرَ الْحُسَيْنِ وَشَتَمَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ وَكَانَ أَرْسَلَهُمْ يَذُبُّونَ عَنْ عُثْمَانَ، وَقَالَ لِابْنَيْهِ كَيْفَ قُتِلَ وَأَنْتُمَا عَلَى الْبَابِ؟ وَخَرَجَ وَهُوَ غَضْبَانُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ فَهُرِعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ جَمِيعًا. وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ إِنَّمَا بَايَعَا كَارِهَيْنِ غَيْرَ طَائِعَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِهَا فَأَخَذَاهَا وَخَرَجَا إِلَى الْبَصْرَةِ يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَقِيَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا وَهِيَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ، وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقُتِلَ بِهَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَقَامَ عَلِيٌّ - ﵁ - بِالْبَصْرَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّامِ فَبَلَغَ عَلِيًّا فَسَارَ، فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَدَامَ الْقِتَالُ بِهَا أَيَّامًا، فَرَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَ إِلَى مَا فِيهَا مَكِيدَةً مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا أَنْ يُوَافُوا رَأْسَ الْحَوْلِ بِأَذْرُحَ فَيَنْظُرُوا فِي أَمْرِ الْأُمَّةِ، فَافْتَرَقَ النَّاسُ وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ وَمُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: وَكَانَ مُقَامُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْبِيضُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. ذَكَرَهُ الثِّقَةُ الْعَدْلُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَمِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْهَرِيرِ جَعَلَ يَهُرُّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَالْهَرِيرُ: الصَّوْتُ يُشْبِهُ النُّبَاحَ، لِأَنَّهُمْ تَرَامَوْا بِالنَّبْلِ حَتَّى فَنِيَتْ وَتَطَاعَنُوا بِالرِّمَاحِ حَتَّى انْدَقَّتْ وَتَضَارَبُوا بِالسُّيُوفِ حَتَّى انْقَضَبَتْ، حَتَّى نَزَلَ الْقَوْمُ يَمْشِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَدْ كَسَرُوا أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ وَتَضَارَبُوا بِمَا بَقِيَ مِنَ السُّيُوفِ وَعُمُدِ الْحَدِيدِ، فَلَا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَةُ الْقَوْمِ وَالْحَدِيدُ فِي الْهَامِ، ثُمَّ تَرَامَوْا بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ فَتَحَاثَّوْا بِالتُّرَابِ ثُمَّ تَكَادَمُوا بِالْأَفْوَاهِ
[ ٢ / ٣٤١ ]
وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ وَثَارَ الْقَتَامُ وَارْتَفَعَ الْغُبَارُ، وَضَلَّتِ الْأَلْوِيَةُ وَالرَّايَاتُ، وَمَرَّتْ مَوَاقِيتُ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ، لِأَنَّ الْقِتَالَ كَانَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى مَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ كَمَا فِي تَارِيخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - وَغَيْرِهِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الَّذِينَ مَعَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ. وَاسْتُشْهِدَ فِي صِفِّينَ أَبُو الْيَقْظَانِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ - ﵁ - وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، وَكَانَ عَمَّارٌ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ الطَّيِّبُ الْمُطَيَّبُ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: " «ائْذَنُوا لَهُ مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ» ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِعَمَّارٍ: " «تَقْتُلُكَ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ» ". وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِعَمَّارٍ: " تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِعَمَّارٍ: " أَبْشِرْ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ". وَاسْتَسْقَى يَوْمَ صِفِّينَ فَأُتِيَ بِقَعْبٍ فِيهِ لَبَنٌ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّ آخِرَ رِزْقِي مِنَ الدُّنْيَا ضَيَاحُ لَبَنٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَعْبِ، ثُمَّ حَمَلَ فَلَمْ يَثْنِ حَتَّى قُتِلَ» أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ الْمُسْنَدَ مِنْهُ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْبَاقِي ذَكَرَهُ رَزِينٌ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَعَلَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ عَمَّارٍ وَهُمْ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَيَقُولُ: " «وَيْحَ عَمَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» ". قَالَ: وَجَعَلَ عَمَّارٌ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» ". وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ - يَعْنِي تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ -، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ
[ ٢ / ٣٤٢ ]
رُوحَهُ -: وَمَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ - ﵁ - كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا أَيْ حُكْمَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ الَّتِي قَتَلَتْهُ.
وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ تَأَوَّلَ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى مَنُونِ مَقَاتِلِهِ فَمَا قَتَلَهُ إِلَّا الَّذِي أَخْرَجَهُ، فَأَلْزَمَهُ عَلِيٌّ - ﵁ - بِقَوْلِهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَنْ قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ حُجَّةَ مُعَاوِيَةَ هَذِهِ أَوْهَى مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ - ﵁ - هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. انْتَهَى. وَلَا يَرْتَابُ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي السِّبْطَيْنِ، وَزَوْجِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ - ﵁ - فَهُوَ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ فِي الْخِلَافَةِ حَقٌّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: أَنْتَ تُنَازِعُ عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ وَأَنْتَ مِثْلُهُ؟ قَالَ: لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا؟ وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ وَوَلِيُّهُ أَطْلُبُ بِدَمِهِ، فَائْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَعُ لَنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ، فَأَجَابَ مُعَاوِيَةُ أَهْلَ الشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ أَبَا مُسْلِمٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ وَلِيَّهُ وَابْنُ عَمِّهِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ: يَدْخُلُ فِي الْبَيْعَةِ كَمَا فَعَلَ النَّاسُ، ثُمَّ يُحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عِنْدِي، فَأَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَأَبَى مُعَاوِيَةُ حَتَّى جَرَى مَا جَرَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يُسَمُّونَ قَتْلَ عَمَّارٍ فَتْحَ الْفُتُوحِ، وَفِي قَتْلِهِ يَقُولُ الْحَجَّاجُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ: قَالَ النَّبِيُّ لَهُ تَقْتُلْكَ شِرْذِمَةٌ سِيطَتْ لُحُومُهُمُ بِالْبَغْيِ فُجَّارُ فَالْيَوْمَ يَعْلَمُ أَهْلُ الشَّامِ أَنَّهُمُ أَصْحَابُ ذَاكَ وَمِنْهُمْ شَبَّتِ النَّارُ
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُونَ فِي عَمَّارٍ - ﵁ -: وَمَا رَعَتْ لِأَبِي الْيَقْظَانِ صُحْبَتَهُ وَلَمْ تُزَوِّدْهُ إِلَّا الضَّيْحَ فِي الْعُمْرِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الضَّيَاحُ وَالضَّيْحُ بِالْفَتْحِ اللَّبَنُ الْخَاثِرُ يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ ثُمَّ يُخْلَطُ - وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ -. وَفِي الْقَامُوسِ: اللَّبَنُ الرَّقِيقُ الْمَمْزُوجُ وَكَذَا الضَّيَاحُ - بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ -. وَلَمَّا رَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَ إِلَى مَا فِيهَا قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: نَعَمْ نَحْنُ
[ ٢ / ٣٤٣ ]
أَحَقُّ بِالْإِجَابَةِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ خَوَارِجَ: خَوَّانًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَنْظُرُ إِلَى هَؤُلَاءِ، أَلَا نَمْشِي عَلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا، فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ. فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ كَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا أَنْ يُوَافُوا رَأْسَ الْحَوْلِ بِأَذْرُحَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَخَرَجَتْ عَنْ طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَوَارِجُ وَهُمُ الْقُرَّاءُ فَقَالُوا: كَفَرَ عَلِيٌّ وَكَفَرَ مُعَاوِيَةُ، فَاعْتَزَلُوا عَلِيًّا - ﵁ - وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ وَهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَنَاشَدَهُمُ اللَّهَ ارْجِعُوا إِلَى خَلِيفَتِكُمْ فِيمَ نَقَمْتُمْ عَلَيْهِ أَفِي قِسْمَةٍ أَوْ قَضَاءٍ؟ قَالُوا: نَخَافُ أَنْ نَدْخُلَ فِي الْفِتْنَةِ. قَالَ: فَلَا تُعَجِّلُوا ضَلَالَةَ الْعَامِ مَخَافَةَ فِتْنَةِ الْعَامِ الْقَابِلِ، فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَكُونُ نَاحِيَةً فَإِنْ قَبِلَ الْقَضِيَّةَ - يَعْنِي التَّحْكِيمَ - قَاتَلْنَاهُ عَلَى مَا قَاتَلْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ الشَّامِ بِصِفِّينَ وَإِنْ نَقَضَهَا قَاتَلْنَا مَعَهُ.
فَسَارُوا حَتَّى قَطَعُوا النَّهْرَ وَافْتَرَقَتْ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ يَقْتُلُونَ النَّاسَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُمْ: مَا عَلَى هَذَا فَارَقْنَا عَلِيًّا. فَلَمَّا بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا - ﵁ - صُنْعُهُمْ وَكَانَ مُتَجَهِّزًا لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، فَإِنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا بِأَذْرُحَ فِي شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَحَضَرَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا الْفِتْنَةَ - ﵃ -، فَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ مَكِيدَةً مِنْهُ فَتَكَلَّمَ، فَاتَّفَقَا عَلَى خَلْعِ الِاثْنَيْنِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَيَصِيرُ الْأَمْرُ شُورَى فَمَنْ رَضِيَهُ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، فَتَقَدَّمَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: قَدْ خَلَعْتُ عَلِيًّا. فَقَامَ عَمْرٌو فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُوسَى قَدْ خَلَعَ عَلِيًّا وَإِنِّي نَصَّبْتُ مُعَاوِيَةَ. فَاخْتَلَفَ النَّاسُ وَأَخَذَ أَبُو مُوسَى يَسُبُّ عَمْرًا، وَيَقُولُ: إِنَّكَ غَدَرْتَ فَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ وَمُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ، وَصَارَ خِلَافٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى صَارَ - ﵁ - يَعَضُّ عَلَى إِصْبَعِهِ وَيَقُولُ: أُعْصَى وَيُطَاعُ مُعَاوِيَةُ؟ وَرُبَّمَا قَالَ: وَيُطَاعُ ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ. إِشَارَةً إِلَى أَكْلِ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ أُمِّ مُعَاوِيَةَ مِنْ كَبِدِ حَمْزَةَ - ﵁ - يَوْمَ أُحُدٍ.
فَلَمَّا تَجَهَّزَ عَلِيٌّ - ﵁ - لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ شَغَلَهُ أَمْرُ الْخَوَارِجِ وَمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمَفَاسِدِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَتَسِيرُونَ إِلَى عَدُوِّكُمْ أَوْ تَرْجِعُونَ إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَلَّفُوكُمْ فِي دِيَارِكُمْ؟ فَقَالُوا: بَلْ نَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ - ﵁ -: اسْطُوا عَلَيْهِمْ،
[ ٢ / ٣٤٤ ]
فَوَاللَّهِ لَا يُقْتَلُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ وَلَا يَفِرُّ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فَكَانَ كَذَلِكَ، فَقَالَ: اطْلُبُوا فِي الْقَتْلَى رَجُلًا صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ مِنْ نَعْتِهِ أَنَّ لَهُ ثَدْيًا كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ، فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَبَادَهُمْ وَأَرَاحَنَا مِنْهُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ لَمْ تَحْمِلْهُ النِّسَاءُ بَعْدُ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فَقَتَلَهُمْ عَلِيٌّ - ﵁ -، وَفَرِحَ عَلِيٌّ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ بِخِلَافِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ كَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ وَالْأَسَفُ. وَمِنْ بَقَايَا الْخَوَارِجِ الْقَرَامِطَةُ وَهُمُ الْبَاطِنِيَّةُ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَالْمَلَاحِدَةُ وَأَضْرَابُهُمْ.
(غَرِيبَةٌ عَجِيبَةٌ)
ذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي لَقْطِ الْمَرْجَانِ قَالَ: ذُكِرَ فِي كِتَابِ نُزْهَةِ الْمُذَاكَرَةِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: حَضَرْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَتْلَ الْحَرُورِيَّةِ بِالنَّهْرَوَانِ، فَالْتَمَسَ عَلِيٌّ ذَا الثُّدَيَّةِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ: اطْلُبُوهُ فَوَجَدُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: مَنْ يَعْرِفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَحْنُ نَعْرِفُهُ هَذَا قُوصٌ وَأُمُّهُ هَاهُنَا. فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَبُو هَذَا؟ قَالَتْ: مَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ، فَغَشِيَنِي شَيْءٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فَحَبَلْتُ مِنْهُ فَوَلَدْتُ هَذَا. انْتَهَى. تَعْنِي أَنَّ أَبَاهُ مِنَ الْجِنِّ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ)
عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ - أَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵃ - بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ - أَجْمَعِينَ. قَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي عُلَمَائِنَا: قَدِ اتَّفَقَ عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ - ﵁ - عَامَّةُ مَنْ حَضَرَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ وَالْأَنْصَارِ كَاجْتِمَاعٍ أَهْلِ السَّقِيفَةِ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ -. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - ﵁ -:
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ - ﵁ - إِلَّا كَبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵃ -. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ مِنْ عُلَمَائِنَا: كَانَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ - ﵁ - (بَيْعَةَ) اجْتِمَاعٍ وَرَحْمَةٍ لَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُجْبِرْهُمْ عَلَى بَيْعَتِهِ بِسَيْفِهِ، وَلَمْ يَغْلِبْهُمْ بِعَشِيرَتِهِ، وَلَقَدْ شَرَّفَ الْخِلَافَةَ بِنَفْسِهِ، وَزَانَهَا بِشَرَفِهِ وَكَسَاهَا حُلَّةَ الْبَهَاءِ بِعَدْلِهِ، وَرَفَعَهَا بِعُلُوِّ قَدْرِهِ، وَلَقَدْ أَبَاهَا فَأَجْبَرُوهُ وَتَقَاعَسَ عَنْهَا فَأَكْرَهُوهُ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ -: إِنَّ عَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ تُزِنْهُ الْخِلَافَةُ وَلَكِنْ عَلِيٌّ زَانَهَا.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى عَلِيٍّ - ﵁ - حِينَ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ زَيَّنْتَ الْخِلَافَةَ وَمَا زَانَتْكَ، وَرَفَعْتَهَا وَمَا رَفَعَتْكَ، وَلَهِي كَانَتْ أَحْوَجُ إِلَيْكَ مِنْكَ إِلَيْهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَدْ أَحْسَنَ الْأَعْرَابِيُّ وَصَدَقَ فِيمَا قَالَ، فَإِنَّ عَلِيًّا وَمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ - ﵃ - زَيَّنُوا الْخِلَافَةَ وَجَمَّلُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَأَتَمُّوا الدِّينَ وَأَظْهَرُوهُ وَأَسَّسُوا الْإِسْلَامَ وَأَشْهَرُوهُ، وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي حَقِّ عَلِيٍّ - ﵁ -: مَا زَانَهُ الْمُلْكُ إِذْ حَوَاهُ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ يُزَانُ جَرَى فَفَاتَ الْمُلُوكَ سَبْقًا فَلَيْسَ قُدَّامَهُ غِيَانُ نَالَتْ يَدَاهُ ذُرَى مَعَالٍ يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهَا الْعِيَانُ
وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ انْعَقَدَ عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ - ﵁ - الْإِجْمَاعُ، وَوَجْهُ انْعِقَادِهِ مَا انْحَصَرَ الْأَمْرُ فِيهِ وَفِي عُثْمَانَ زَمَنَ الشُّورَى عَلَى أَنَّهَا لَهُ أَوْ لِعُثْمَانَ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ عَلَى عَلِيٍّ - ﵁ - لَوْلَا عُثْمَانُ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ - ﵁ - بَقِيَتْ لِعَلِيٍّ إِجْمَاعًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي عُلَمَاءِ الْكَلَامِ: لَا اكْتِرَاثَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا إِجْمَاعَ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ - ﵁ -، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا الْمَقَامُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ.
وَلَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ - ﵁ - الْخَوَارِجَ بِالنَّهْرَوَانِ وَاسْتَأْصَلَ جُمْهُورَهُمْ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، انْتَدَبَ مِنْ بَقَايَاهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّرِيمِيُّ وَيُعْرَفُ بِالْبَرْكِ، وَدَاذَوَيْهِ مَوْلَى بَنِي الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَنْ يَكُونَ قَتْلُهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ لَيْلَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ إِحْدَى
[ ٢ / ٣٤٦ ]
عَشَرَ، وَقِيلَ: لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ تَعَاقُدُهُمْ وَتَعَاهُدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ، فَضِمْنَ ابْنُ مُلْجَمٍ قَتْلَ عَلِيٍّ، فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ لَكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: أَغْتَالُهُ. وَضَمِنَ الْبَرْكُ قَتْلَ مُعَاوِيَةَ، وَضَمِنَ دَاذَوَيْهِ قَتْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ قَدْ أَفْسَدُوا أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَوْ قَتَلُوا لَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ كَذَا زَعَمُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَتَوَجَّهَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى صَاحِبِهِ، فَأَمَّا الْبَرْكُ الصَّرِيمِيُّ فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِدِمَشْقَ فَضَرَبَهُ فَجَرَحَ أَلْيَتَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَطَعَ عِرْقَ النَّسْلِ مِنْهُ فَمَا أَحَبْلَ النِّسَاءَ بَعْدَ تِلْكَ الضَّرْبَةِ، وَأَمَّا دَاذَوَيْهِ بْنُ حُذَافَةَ الْعَنْبَرِيُّ فَقَدِمَ مِصْرَ لِقَتْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ اسْتَخْلَفَ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيَّ الْعَدَوِيَّ، شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَكَانَ أَمِيرُ رُبْعِ الْمَدَدِ الَّذِينَ أَمَدَّ بِهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي فَتْحِ مِصْرَ، وَكَانَ عَلَى شُرَطِ مِصْرَ فِي إِمْرَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - ﵃ -، قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: كَانَ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ هَذَا أَحَدُ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَعْدِلُ بِأَلْفِ فَارِسٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَانَ كَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَمِدُّهُ بِثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ فَأَمَدَّهُ بِخَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ - ﵃ -.
فَأَرَادَ الْخَارِجِيُّ دَاذَوَيْهِ قَتْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَتَلَ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الْخَارِجِيُّ أُخِذَ وَأُدْخِلَ عَلَى عَمْرٍو فَقَالَ الْخَارِجِيُّ: مَنْ هَذَا الَّذِي أَدْخَلْتُمُونِي عَلَيْهِ؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. قَالَ: وَمَنْ قَتَلْتُ؟ قَالُوا: خَارِجَةُ. فَقَالَ: أَرَدْتُ عَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ. فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدُونَ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الرَّائِيَةِ الَّتِي رَثَى بِهَا بَنِيَ الْأَفْطَسِ مُلُوكَ بَطْلَيُوسَ بِقَوْلِهِ:
وَلَيْتَهَا إِذْ فَدَتْ عَمْرًا بِخَارِجَةَ فَدَتْ عَلِيًّا بِمَنْ شَاءَتْ مِنَ الْبَشَرِ
وَأَمَّا أَشْقَى الْآخَرَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ اللَّعِينُ فَقَدِمَ الْكُوفَةَ وَلَقِيَ بِهَا مِنْ إِخْوَانِهِ الْخَوَارِجِ، فَسَارَّهُمْ بِمَا أَرَادَ فَاشْتَرَى سَيْفًا فِيمَا زَعَمُوا بِأَلْفٍ وَسَقَاهُ السُّمَّ حَتَّى لَفَظَهُ، وَكَانَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَأْتِي عَلِيًّا - ﵁ - فَيَسْأَلُهُ
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فَوَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى قَطَامِ بِنْتِ عَلْقَمَةَ مِنْ تَيْمِ الرِّبَابِ وَكَانَتْ خَارِجِيَّةً تَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً رَائِعَةً فِي الْجَمَالِ، فَأَعْجَبَتْهُ فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ: آلَيْتُ أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ إِلَّا عَلَى مَهْرٍ لَا أُرِيدُ سِوَاهُ. فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَتْ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَجَارِيَةٌ وَقَتْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُ إِلَّا لِلْفَتْكِ بِهِ وَلَا أَقْدَمَنِي هَذَا الْمِصْرَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَيْتُكِ أَرَدْتُ تَزْوِيجَكِ. فَقَالَتْ: لَيْسَ إِلَّا الَّذِي قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ: وَمَا يُغْنِينِي مِنْكِ إِذَا أَنَا قَتَلْتُ عَلِيًّا أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُفْلِتْ؟ فَقَالَتْ: إِنْ قَتَلْتَهُ وَنَجَوْتَ فَهُوَ الَّذِي أَرَدْتَ تَبْلُغُ شِفَاءَ نَفْسِكَ وَيُهْنِيكَ الْعَيْشُ مَعِي، وَإِنْ قُتِلْتَ فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا. فَقَالَ لَهَا: لَكِ مَا اشْتَرَطْتِ. ثُمَّ قَالَ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَقَيْنَةٌ وَضَرْبُ عَلِيٍّ بِالْحُسَامِ الْمُسَمَّمِ
فَلَا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ غَلَا وَلَا فَتْكَ إِلَّا دُونَ فَتْكِ ابْنِ مُلْجَمِ
فَقَالَتْ لَهُ: وَرَائِي مَنْ يَشُدُّ ظَهْرَكَ. فَبَعَثَتْ إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَهَا يُدْعَى وَرْدَانَ بْنَ مُجَالِدٍ، فَأَجَابَهَا وَلَقِيَ ابْنُ مُلْجَمٍ شَبِيبَ بْنَ شَجَرَةَ الْأَشْجَعِيَّ فَقَالَ: يَا شَبِيبُ هَلْ لَكَ فِي شَرَفِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: تُسَاعِدُنِي عَلَى قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِدًّا كَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ رَجُلٌ لَا حَرَسَ لَهُ وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْفَرِدًا، فَنَتَمَكَّنُ مِنْهُ وَقَدْ كَمِنَّا لَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَنَقْتُلُهُ، فَإِنْ نَجَوْنَا نَجَوْنَا وَإِنْ قُتِلْنَا فَقَدْ سَعِدْنَا بِالذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا وَبِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ. فَقَالَ: وَيْلَكَ إِنَّ عَلِيًّا ذُو سَابِقَةٍ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَا تَنْشَرِحُ نَفْسِي لِقَتْلِهِ. قَالَ: وَيْلَكَ إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَقَتَلَ إِخْوَانَنَا الصَّالِحِينَ، فَنَقْتُلُهُ بِبَعْضِ مَنْ قَتَلَ فَلَا تَشُكَّنَّ فِي دِينِكَ.
فَأَجَابَهُ وَأَقْبَلَا حَتَّى دَخَلَا عَلَى قَطَامِ وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ فِي قُبَّةٍ ضَرَبَتْهَا لِنَفْسِهَا، فَدَعَتْ لَهُمَا وَأَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَجَلَسَا قُبَالَةَ السُّدَّةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، فَخَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَبَدَرَهُ شَبِيبٌ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَضَرَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: الْحُكْمُ لِلَّهِ يَا عَلِيُّ لَا لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَا يَفِرُّ مِنْكُمُ الْكَلْبُ. وَشَدَّ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنُ مُلْجَمٍ فَأَفْرَجُوا لَهُ فَتَلَقَّاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
[ ٢ / ٣٤٨ ]
فَرَمَى عَلَيْهِ قَطِيفَةً كَانَتْ عِنْدَهُ وَاحْتَمَلَهُ وَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ وَقَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، وَأَمَّا شَبِيبٌ فَانْتَزَعَ السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَصَرَعَهُ وَقَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَصِيحُونَ: عَلَيْكُمْ بِصَاحِبِ السَّيْفِ فَخَافَ الْحَضْرَمِيُّ عَلَى نَفْسِهِ فَرَمَى بِالسَّيْفِ وَانْسَلَّ شَبِيبٌ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ. فَأُخِذَ ابْنُ مُلْجَمٍ فَدُخِلَ بِهِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - ﵁ - فَقَالَ: إِنْ أَعِشْ فَالْأَمْرُ لِي وَإِنْ أَمُتْ فَالْأَمْرُ لَكُمْ فَالْعَفْوُ أَوِ الْقِصَاصُ.
وَاجْتَمَعَ الْأَطِبَّاءُ عِنْدَهُ وَكَانَ أَبْصَرَهُمْ بِالطِّبِّ أَثِيرُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ وَكَانَ مِنْ أَطِبَّاءِ كِسْرَى، فَأَخَذَ رِئَةَ شَاةٍ حَارَّةٍ فَتَتَبَّعَ عِرْقًا مِنْهَا فَأَخْرَجَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي جِرَاحَةِ عَلِيٍّ - ﵁ - ثُمَّ نَفَخَ الْعِرْقَ فَاسْتَخْرَجَهُ، فَإِذَا عَلَيْهِ بَيَاضُ دِمَاغٍ وَإِذَا الضَّرْبَةُ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اعْهَدْ عَهْدَكَ فَأَنْتَ مَيِّتٌ. وَسَمِعَ ابْنُ مُلْجَمٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - الرَّنَّةَ مِنَ الدَّارِ فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - ﵁ -. فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ: فَعَلَى مَنْ تَبْكِي أُمُّ كُلْثُومٍ؟ أَعَلَيَّ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدِ اشْتَرَيْتُ سَيْفِي بِأَلْفٍ وَمَا زِلْتُ أَعْرِضُهُ فَمَا يَعِيبُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْلَحْتُ ذَلِكَ الْعَيْبَ، وَلَقَدْ سَقَيْتُهُ السُّمَّ حَتَّى لَفَظَهُ، وَلَقَدْ ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى مَنْ بِالْمَشْرِقِ لَأَتَتْ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِتِسْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَغَسَّلَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ - ﵃ - وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ وَدُفِنَ بِدَارِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ، ثُمَّ أُحْضِرَ ابْنُ مُلْجَمٍ وَجَاءَ النَّاسُ بِالنِّفْطِ وَالْبَوَارِي وَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَكُحِّلَتْ عَيْنَاهُ بِمَسَامِيرِ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً، ثُمَّ قُطِعَ لِسَانُهُ ثُمَّ أُحْرِقَ فِي قَوْصَرَةٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ قُطِعَتْ أَطْرَافُهُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَلَمْ يَتَأَوَّهْ بَلْ (كَانَ) يَتْلُو الْقُرْآنَ فَلَمَّا أَرَادُوا قَطْعَ لِسَانِهِ امْتَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِهِ فَتَعِبُوا فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُطِعَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ فَمَا تَمَانَعْتَ، فَمَا هَذَا التَّمَانُعُ عِنْدَ قَطْعِ لِسَانِكَ؟ قَالَ: لِئَلَّا يَفُوتَنِي مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ وَأَنَا حَيٌّ، فَشَقُّوا شِدْقَهُ وَأَخْرَجُوا لِسَانَهُ بِكُلَّابٍ فَقَطَعُوهُ.
وَكَانَ عُمْرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا مَاتَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَعُمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ - ﵂ - مَوْتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ
[ ٢ / ٣٤٩ ]
اللَّهُ عَنْهُ - قَالَتْ: لِتَصْنَعِ الْعَرَبُ مَا شَاءَتْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ لَهَا مَنْ يَنْهَاهَا. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الْمَعْدُودِينَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، حَتَّى يُقَالُ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ أَنْ يُوَسِّعَ دَارَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الْفِقْهَ وَالْقُرْآنَ، ثُمَّ كَانَ مِنْ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - ﵁ - وَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ، ثُمَّ فَعَلَ بَعْدَ هَذَا مَا فَعَلَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ فِي عَافِيَةٍ.
وَعِنْدَ الْخَوَارِجِ أَنَّ ابْنَ مُلْجَمٍ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ وَكَذَلِكَ النَّصِيرِيَّةُ يُعَظِّمُونَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: يَقُولُونَ إِنَّهُ أَفْضَلُ أَهْلِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ خَلَّصَ رُوحَ اللَّاهُوتِ مِنْ ظُلْمَةِ الْجَسَدِ وَكَدَرِهِ. وَعِنْدَ الرَّوَافِضِ أَنَّهُ أَشْقَى الْخَلْقِ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَلْ عَدَّ قَتْلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ، وَهَذَا كُفْرٌ بِلَا رَيْبٍ حَتَّى إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ الْخَارِجِيَّ - قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ يَمْدَحُ ابْنَ مُلْجَمٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ -:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا
وَعَارَضَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ:
قُلْ لِابْنِ مُلْجِمِ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ هَدَمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانَا
قَتَلْتَ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ وَأَوَّلَ النَّاسِ اسْلَامًا وَإِيمَانَا
وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ بِمَا سَنَّ الرَّسُولُ لَنَا شَرْعًا وَتِبْيَانَا
صِهْرُ النَّبِيِّ وَمَوْلَاهُ وَنَاصِرُهُ أَضْحَتْ مَنَاقِبُهُ نُورًا وَبُرْهَانَا
وَكَانَ مِنْهُ عَلَى رَغْمِ الْحَسُودِ لَهُ مَكَانُ هَارُونَ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَا
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وَكَانَ فِي الْحَرْبِ سَيْفًا مَاضِيًا ذَكَرَا
لَيْثًا إِذَا لَقِيَ الْأَقْرَانُ أَقْرَانَا ذَكَرْتُ قَاتِلَهُ وَالدَّمْعُ مُنْحَدِرٌ
فَقُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ سُبْحَانَا إِنِّي لَأَحْسَبُهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ
يَخْشَى الْمَعَادَ وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانَا أَشْقَى مُرَادٍ إِذَا عُدَّتْ قَبَائِلُهَا
وَأَبْخَسُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الْأُولَى الَّتِي جَلَبَتْ
عَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحُجْرِ خُسْرَانَا قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يَخْضِبُهَا
قَبْلَ الْمَنِيَّةِ أَزْمَانًا وَأَزْمَانَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ مَا تَحَمَّلَهُ
وَلَا سَقَى قَبْرَ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَا لِقَوْلِهِ فِي شَقِيٍّ ظَلَّ مُجْتَرِمًا
وَنَالَ مَا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانَا يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا
إِلَّا لَيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا بَلْ ضَرْبَةٌ مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَثَتْهُ لَظًى
فَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا كَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ
إِلَّا لِيَصْلَى عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانَا
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ عُمَارَةُ الْيَمَنِيُّ فِي الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ - ﵃ -:
أَرْدَتْ عَلِيًّا وَعُثْمَانًا بِمَخْلَبِهَا وَلَمْ يَفُتْهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
وَمَنْ أَرَادَ التَّأَسِّي فِي مُصِيبَتِهِ فَلِلْوَرَى فِي رَسُولِ اللَّهِ مُعْتَبَرُ
[ ٢ / ٣٥١ ]
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنَاقِبَ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - كَثِيرَةٌ وَمَآثِرُهُ شَهِيرَةٌ، وَلَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵃ -: كَانَ لِعَلِيٍّ ضِرْسٌ قَاطِعٌ فِي الْعِلْمِ، وَكَانَ لَهُ الْقِدَمُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالصِّهْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَالْفِقْهُ فِي السُّنَّةِ، وَالنَّجْدَةُ فِي الْحَرْبِ، وَالْجُودُ فِي الْمَالِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ - يَعْنِي عَلِيًّا - ﵁ -.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ: صِفْ لِي عَلِيًّا. قَالَ: أَوَتُعْفِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: بَلْ تَصِفُهُ لِي. قَالَ: أَوَتُعْفِينِي. قَالَ: لَا أُعْفِيكَ. قَالَ: أَمَّا إِذْ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ كَانَ بَعِيدَ الْمَدَى، شَدِيدَ الْقُوَى، يَقُولُ فَصْلًا، وَيَحْكُمُ عَدْلًا، يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ، يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ، كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ، طَوِيلَ الْفِكْرَةِ، يُقَلِّبُ كَفَّهُ، وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ، يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا خَشُنَ، وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ، كَانَ وَاللَّهِ كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ، وَيَبْتَدِئُنَا إِذَا أَتَيْنَاهُ، وَيَأْتِينَا إِذَا دَعَوْنَاهُ، وَنَحْنُ وَاللَّهِ مَعَ تَقْرِيبِهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لَا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً وَلَا نَبْتَدِئُهُ لِعَظَمَتِهِ، كَانَ إِذَا تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ، يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ، وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُجُوفَهُ، وَغَارَتْ نُجُومُهُ، وَقَدْ مَثَلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ، فَلَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَلِي تَعَرَّضْتِ؟ أَمْ لِي تَشَوَّفْتِ؟ هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، قَدْ بِنْتُكِ ثَلَاثًا لَا رَجْعَةَ لِي فِيكِ وَلَا مَثْنَوِيَّةَ، فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ، وَعَيْشُكِ حَقِيرٌ، وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: حَلَالُكِ حِسَابٌ وَحَرَامُكِ عَذَابٌ، ثُمَّ أَنْشَدَ - ﵁ -:
دُنْيَا تُخَادِعُنِي كَأَنِّ ي لَسْتُ أَعْرِفُ حَالَهَا
مَدَّتْ إِلَيَّ يَمِينَهَا فَرَدَدْتُهَا وَشِمَالَهَا
حَظَرَ الْإِلَهُ حَرَامَهَا وَأَنَا اجْتَنَبْتُ حَلَالَهَا
وَعَلِمْتُهَا خَدَّاعَةً فَتَرَكْتُ جُمْلَتَهَا لَهَا
آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ.
قَالَ: فَذَرَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ
[ ٢ / ٣٥٢ ]
فَمَا يَمْلِكُهَا وَهُوَ يُنَشِّفُهَا بِكُمِّهِ وَقَدِ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ؟ قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا فَلَا تَرْقَأُ عَبْرَتُهَا، وَلَا تَسْكُنُ حَسْرَتُهَا. وَأَنْشَدَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ نَظْمِ الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ - ﵁ - وَوَصْفِ نَفْسِهِ:
إِذَا الْمُشْكِلَاتُ تَصَدَّيْنَ لِي كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ
وَإِنْ بَرَقَتْ فِي مَحَلِّ الصَّوَا بِ عَمْيَاءُ لَا يَجْتَلِيهَا الْبَصَرْ
مُقَنَّعَةٌ بِغُيُوبِ الْأُمُورِ وَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الْفِكَرْ
لِسَانِي كَشَقْشَقَةِ الْأَرْحَبِيِّ أَوْ كَالْحُسَامِ الْيَمَانِيِّ الذَّكَرْ
وَفِي الطُّيُورِيَّاتِ قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيٍّ - ﵁ -: نَسْمَعُكَ تَقُولُ فِي الْخُطْبَةِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْنَا بِمَا أَصْلَحْتَ بِهِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَمَنْ هُمْ؟ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ قَالَ: هُمْ أَحِبَّائِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ إِمَامَا الْهُدَى وَشَيْخَا الْإِسْلَامِ، رَجُلَا قُرَيْشٍ وَالْمُقْتَدَى بِهِمَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَنِ اقْتَدَى بِهِمَا عُصِمَ، وَمَنِ اتَّبَعَ آثَارَهُمَا هُدِيَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِمَا فَهُوَ فِي حِزْبِ اللَّهِ.
وَالْإِمَامُ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - ﵁ - أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ عِلْمَ النَّحْوِ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ فِي أَمَالِيهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَرَأَيْتُهُ مُفَكِّرًا، قُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ بِبَلَدِكُمْ هَذَا لَحْنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ. فَقُلْتُ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا أَحْيَيْتَنَا وَبَقِيتْ فِينَا هَذِهِ اللُّغَةُ. ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَأَلْقَى إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْكَلَامُ كُلُّهُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالِاسْمُ مَا أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أَنْبَأَ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أَنْبَأَ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ يَا أَبَا الْأَسْوَدِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةٌ: ظَاهِرٌ وَمُضْمَرٌ وَشَيْءٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلَا مُضْمَرٍ، ثُمَّ قَالَ: تَتَبَّعْهُ وَانْحُ نَحْوَهُ وَزِدْ فِيهِ. وَهَذَا مَشْهُورٌ وَمَا تُحِيطُ الدَّفَاتِرُ بِالْبَحْرِ الْخِضَمِّ، وَالشَّيْءِ الْأَعَمِّ وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، فَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَرَكْنَاهُ كَقَطْرَةِ مَاءٍ مِنْ بَحْرٍ لُجِّيٍّ، أَوْ كَرَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ رِمَالٍ فَيْحَةٍ.
وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وَسَلَّمَ - خَمْسُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَا مِنْهَا عَلَى عِشْرِينَ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِتِسْعَةٍ وَمُسْلِمٌ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
[مَنْ أَحَب الخلفاء الأربعة فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ أَبْغَضَهُم فَهُوَ زِنْدِيقٌ]
ثُمَّ قَالَ فِي نَظْمِهِ:
«فَحُبُّهُ كَحُبِّهِمْ حَتْمًا وَجَبْ وَمَنْ تَعَدَّى أَوْ قَلَى فَقَدْ كَذَبْ»
«فَحُبُّهُ» أَيْ حُبُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، «كَحُبِّهِمْ» أَيِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْإِمَامِ الْمُبَجَّلِ عَلَى التَّحْقِيقِ الْمُسَمَّى بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْمُلَقَّبِ بِعَتِيقٍ، فَمَنْ أَحَبَّهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمُلَقَّبُ بِالْفَارُوقِ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الَّذِي بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ مَرْمُوقٌ، فَإِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَأَحِبَّهُمْ جَمِيعًا وَحَتِّمْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِكَ وَعَلَى كُلِّ أَبْنَاءِ جِنْسِكَ.
«حَتْمًا» أَيْ خَالِصًا مُحْكَمَ الْأَمْرِ، «وَجَبَ» عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ لَا يَزُوغُ عَنْ حُبِّهِمْ إِلَّا هَالِكٌ، وَلَا يَرُوغُ عَنْ وُجُوبٍ ذَلِكَ إِلَّا آفِكٌ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: «وَمَنْ» أَيْ مُكَلَّفٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، «تَعَدَّى» فِي حُبِّهِ أَوْ لَمْ يَقُلْ بِفَضْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى تَرْتِيبِ الْخِلَافَةِ «أَوْ قَلَى» هُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَيْ أَبْغَضَهُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ، يُقَالُ: قَلَاهُ كَرَمَاهُ رَفَضَهُ قِلًى وَقِلَاءً إِذَا أَبْغَضَهُ وَكَرِهَهُ غَايَةَ الْكَرَاهَةِ وَتَرَكَهُ وَهَجَرَهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ عَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةَ: الْقِلَى بُغْضٌ بَعْدَ حُبٍّ، «فَقَدَ» الْفَاءُ فِي جَوَابِ مَنْ وَقَدْ حَرْفُ تَحْقِيقٍ، «كَذَبَ» فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنْ تَعَدِّيهِ فِي الْحُبِّ أَوْ بُغْضِهِ لَهُمْ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ - ﵃ أَجْمَعِينَ -.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) اعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا - ﷺ - الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ - ﵃ -، فَهُمُ الَّذِينَ وُلُّوا الْخِلَافَةَ الَّتِي هِيَ النِّيَابَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِقَامَةِ الدِّينِ وَصِيَانَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ الِاتِّبَاعُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْمُخَالَفَةُ، وَقَدْ بَيَّنَ - ﷺ - مُدَّةَ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ بِأَنَّهَا ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا عَضُوضًا، فَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِمْ، فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ - ﵁ -
[ ٢ / ٣٥٤ ]
مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ عَامًا ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْمُلْكُ» ". وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الثَّلَاثِينَ بَعْدَهُ - ﷺ - إِلَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَأَيَّامُ الْحَسَنِ - ﵃ -.
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِنَّ أَوَّلَ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَجَبْرِيَّةً» ". فَثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ مُدَّةَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ خِلَافَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَكَذَا مُدَّةُ سَيِّدِنَا الْحَسَنِ - ﵁ - وَكَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) تَرْتِيبُهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ مِنَ الْأَثَرِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ -: عَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - رَابِعُهُمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ. وَقَالَ: مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْإِمَامَةِ دُونَ النَّسَبِ فَهُوَ رَافِضِيٌّ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: فَإِنْ فَضَّلَهُ - يَعْنِي عَلِيًّا - ﵁ - عَلَى عُثْمَانَ - ﵁ - فَكَذَلِكَ، يَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ رَافِضِيًّا مُبْتَدِعًا فَاسِقًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يَكُونُ رَافِضِيًّا مُبْتَدِعًا بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ - ﵄ -، وَتَبَرَّأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - مِمَّنْ ضَلَّلَهُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمُ اهـ.
(الثَّالِثُ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ عُظَمَاءُ الْمِلَّةِ وَعُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَرُؤَسَاءُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا - ﷺ - الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵄ -، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَالْأَكْثَرُونَ وَمِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵃ - أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄ - عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵄ -، وَجَزَمَ الْكُوفِيُّونَ وَمِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ فَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَارِزِيُّ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا
[ ٢ / ٣٥٥ ]
سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ فَقِيلَ لَهُ: وَعَلِيٌّ وَعُثْمَانُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِمَّنْ أَقْتَدِي بِهِ يُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ. انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ يُرِيدُ مَا سَنُحَرِّرُهُ أَنَّ تَفْضِيلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ قَطْعِيٌّ، نَعَمْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ التَّوَقُّفِ إِلَى تَفْضِيلِ عُثْمَانَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ نَقَلَ التَّوَقُّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَعِينٍ، قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَمَنْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَعَرَفَ لِعَلِيٍّ سَابِقَتَهُ وَفَضْلَهُ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى عُثْمَانَ وَلَمْ يَعْرِفْ لِعَلِيٍّ فَضْلَهُ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَمِنْ ثَمَّ يَعْلَمُ أَنَّ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ - ﵄ - مَدْخُولٌ بَلِ الْخِلَافُ مَعْلُومٌ، نَعَمْ مُعْتَمَدُ مُحَقِّقِي أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى نَسَقِ تَرْتِيبِ الْخِلَافَةِ، وَهَذَا مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ التَّفْضِيلَ فِي طَرَفِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄ - قَطْعِيٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ ظَنِّيٌّ كَمَا عِنْدَ الْبَاقِلَّانِيِّ وَغَيْرِهِ.
(الرَّابِعُ) سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَمَّنِ اعْتَقَدَ فِي الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَفْضَلِيَّةَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَعْلُومِ وَلَكِنْ يُحِبُّ أَحَدَهُمْ أَكْثَرَ هَلْ يَأْثَمُ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَالْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ فَمَنْ كَانَ أَفْضَلَ كَانَتْ مَحَبَّتُنَا الدِّينِيَّةُ لَهُ أَكْثَرَ، فَمَتَى اعْتَقَدْنَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَفْضَلُ ثُمَّ أَحْبَبْنَا غَيْرَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ أَكْثَرَ كَانَ تَنَاقُضًا، نَعَمْ إِنْ أَحْبَبْنَا غَيْرَ الْأَفْضَلِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ الْأَفْضَلِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَقَرَابَةٍ وَإِحْسَانٍ وَنَحْوِهِ فَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ وَلَا امْتِنَاعَ، فَمَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، لَكِنَّهُ أَحَبَّ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا فَإِنْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً فَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ، إِذِ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ كَمَا قَرَّرْنَا وَهَذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا بِلِسَانِهِ، وَأَمَّا بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُفَضِّلٌ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ أَحَبَّهُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً زَائِدَةً عَلَى مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً
[ ٢ / ٣٥٦ ]
دُنْيَوِيَّةً لِكَوْنِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ. انْتَهَى.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى حَسَبِ زِيَادَتِهَا وَنَقْصِهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[باقي العشرة]
[طلحة بن عبيد الله]
«وَبَعْدُ فَالْأَفْضَلُ بَاقِي الْعَشَرَهْ فَأَهْلُ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلُ الشَّجَرَهْ»
«وَبَعْدُ» أَيْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، «فَالْأَفْضَلُ» مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ الْمُكْرَمِينَ، «بَاقِي الْعَشَرَةِ» الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِ الْعَالَمِينَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَهُمُ السِّتَّةُ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
(أَحَدُهُمْ) أَبُو مُحَمَّدٍ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، وَأُمُّهُ الصَّعْبَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمَادٍ الْحَضْرَمِيِّ، أُخْتُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ طَلْحَةُ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا غَيْرَ بَدْرٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَنْفَذَهُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ يَتَعَرَّفَانِ خَبَرَ الْعِيرِ الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَعَادَا يَوْمَ اللِّقَاءِ بِبَدْرٍ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ وَوَقَاهُ بِيَدِهِ فَشَلَّتْ إِصْبَعُهُ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً، وَقِيلَ: كَانَتْ فِيهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ طَلْحَةَ الْخَيْرِ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ غَزْوَةِ ذَاتِ الْعَشِيرَةِ طَلْحَةَ الْفَيَّاضُ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ طَلْحَةَ الْجُودِ.
وَكَانَ آدَمَ كَثِيرَ الشَّعْرِ لَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، حَسَنَ الْوَجْهِ دَقِيقَ الْعِرْنِينِ، لَا يُغَيِّرُ شَعْرَهُ. قُتِلَ - ﵁ - يَوْمَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعِشْرِينَ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَيُقَالُ إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ قَتَلَهُ وَقِيلَ: أَصَابَهُ سَهْمٌ فِي حَلْقِهِ، وَدُفِنَ بِالْبَصْرَةِ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ: اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ، يَلْتَقِي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَرُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثَيْنِ وَمُسْلِمٌ بِثَلَاثَةٍ، وَرَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ،
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، وَغَيْرُهُمْ.
[الزبير بن العوام]
(الثَّانِي) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - ﵂ - عَمَّةُ الرَّسُولِ - ﷺ - أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ هُوَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵃ - وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعَذَّبَهُ عَمُّهُ بِالدُّخَانِ لِيَتْرُكَ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ السَّيْفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا، وَيُقَالُ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ يَمِيلُ إِلَى الْخِفَّةِ فِي اللَّحْمِ، وَيُقَالُ: كَانَ أَسْمَرَ خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، قَتَلَهُ عُمَيْرُ بْنُ جُرْمُوزٍ بِسَفَوَانَ مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِوَادِي السِّبَاعِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَقَبْرُهُ بِهَا مَشْهُورٌ، يَجْتَمِعُ نَسَبُهُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي قُصَيٍّ، رُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تِسْعَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَبَاقِيهَا لِلْبُخَارِيِّ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورَةِ، وَحَوَارِيُّ الرَّسُولِ - ﷺ -.
[سعد بن أبي وقاص]
(الثَّالِثُ) أَبُو إِسْحَاقَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبٍ، وَيُقَالُ: أُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، وَأُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ، وَقِيلَ: بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵄ - وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَ: كُنْتُ ثَالِثًا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَانَ قَصِيرًا غَلِيظًا ذَا هَامَةٍ، شَثْنَ الْأَصَابِعِ، آدَمَ، أَفْطَسَ، أَشْعَرَ الْجَسَدِ، وَفَدَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ بِأَبَوَيْهِ أَيْ قَالَ لَهُ: " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ". مَاتَ - ﵁ - فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ: اثْنَانِ وَثَمَانُونَ، وَهُوَ آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا، وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ - ﵁ - وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَا مِنْهَا عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِخَمْسَةٍ وَمُسْلِمٌ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَعَامِرٌ وَمُحَمَّدٌ وَمُصْعَبٌ بَنُوهُ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَغَيْرُهُمْ.
[سعيد بن زيد]
(الرَّابِعُ) أَبُو الْأَعْوَرِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَبَاقِي نَسَبِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ نَسَبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ بَعْجَةَ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ - ابْنِ أُمَيَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - دَارَ الْأَرْقَمِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَيْرَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَطْلُبَانِ خَبَرَ عِيرِ قُرَيْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَضَرَبَ الرَّسُولُ - ﷺ - بِسَهْمَيْهِمَا فِي الْغَنِيمَةِ وَالْأَجْرِ، كَانَ آدَمَ طَوِيلًا أَشْعَرَ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ إِلَيْهَا وَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَدُفِنَ بِهَا، يَجْتَمِعُ مَعَ نَسَبِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي لُؤَيٍّ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا اثْنَانِ، وَالثَّالِثُ لِلْبُخَارِيِّ.
[عبد الرحمن بن عوف]
(الْخَامِسُ) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدُ عَمْرٍو فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأُمُّهُ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَفِي الزَّهْرِ الْبَسَّامِ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَيُقَالُ: الشِّفَاءُ - بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ - بِنْتُ عَوْفٍ، وَأَسْلَمَ هُوَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵄ - وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَصَلَّى
[ ٢ / ٣٥٩ ]
النَّبِيُّ - ﷺ - خَلْفَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَأَتَمَّ مَا فَاتَهُ. كَانَ طَوِيلًا رَقِيقَ الْبَشَرَةِ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ ضَخْمَ الْكَفَّيْنِ أَقْنَى، وَقِيلَ: كَانَ سَاقِطَ الثَّنِيَّتَيْنِ أَعْرَجَ، أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَجُرِحَ عِشْرِينَ جِرَاحَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَأَصَابَهُ بَعْضُهَا فِي رِجْلِهِ فَعَرِجَ. وُلِدَ بَعْدَ الْفِيلِ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ، وَلَهُ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ: خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَيَلْقَى نَسَبَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَةُ أَحَادِيثَ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَبَاقِيهَا لِلْبُخَارِيِّ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَبَجَالَةُ بْنُ عَبْدٍ، وَغَيْرُهُمْ - ﵃ -.
[أبوعبيدة بن الجراح]
(السَّادِسُ) أَمِينُ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ كِنَانَةَ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرَيُّ، أَسْلَمَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَنَزَعَ الْحَلْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ دَخَلَتَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ حِلَقِ الْمِغْفَرِ بِفِيهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتَاهُ فَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ هَتْمًا، كَانَ - ﵁ - طُوَالًا، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسٍ بِالْأُرْدُنِّ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَدُفِنَ هُنَاكَ وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ يُزَارُ وَيُتَبَرَّكُ بِهِ، وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ شَيْئًا، وَلَا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ إِلَّا فِي حَدِيثِ الْعَنْبَرِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵃ -، وَهُوَ قَوْلُهُ - يَعْنِي قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ - ﵁ -: نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ مَعْنًى تَامٌّ فَسَمَّوْهُ حَدِيثًا.
فَهَؤُلَاءِ الْعَشَرَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: " «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ رَبَاحِ بْنِ الْحَارِثِ
[ ٢ / ٣٦٠ ]
قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ فُلَانٍ فِي الْكُوفَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَعِنْدَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ، فَجَاءَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَرَحَّبَ بِهِ وَحَيَّاهُ وَأَقْعَدَهُ عَلَى السَّرِيرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ قَيْسُ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَاسْتَقْبَلَهُ فَسَبَّ وَسَبَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: مَنْ يَسُبُّ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: يَسُبُّ عَلِيًّا. فَقَالَ: لَا أَرَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - يُسَبُّونَ عِنْدَكَ ثُمَّ لَا تُنْكِرُ وَلَا تُغَيِّرُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ - وَإِنِّي لَغَنِيٌّ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ غَدًا إِذَا لَقِيتُهُ -: " «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» ". وَسَكَتَ عَنِ الْعَاشِرِ، قَالُوا وَمَنْ هُوَ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ - يَعْنِي نَفْسَهُ - ثُمَّ قَالَ: يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ - ﵁ -: وَاللَّهِ لَمَشْهَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَغْبَرُّ فِيهِ وَجْهُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ وَلَوْ عَمَّرَ عُمْرَ نُوحٍ.
زَادَ رَزِينٌ ثُمَّ قَالَ: لَا جَرَمَ لَمَّا انْقَطَعَتْ أَعْمَالُهُمْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَلَا يَنْقَطِعَ الْأَجْرُ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ أَبْغَضَهُمْ وَالسَّعِيدُ مَنْ أَحَبَّهُمْ. وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: أَشْهَدُ عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ شَهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ آثَمْ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ظَالِمٍ الْمَازِنِيُّ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ -: مَنِ التِّسْعَةُ؟ فَذَكَرَهُمْ، قُلْتُ وَمَنِ الْعَاشِرُ؟ فَتَلَكَّأَ هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «عَشَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ» ". فَعَدَّ التِّسْعَةَ وَسَكَتَ عَنِ الْعَاشِرِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَبَا الْأَعْوَرِ مَنِ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: نَشَدْتُمُونِي بِاللَّهِ، أَبُو الْأَعْوَرِ فِي الْجَنَّةِ، أَبُو الْأَعْوَرِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَيَكْفِي مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ الْيَشْكُرِيِّ قَالَ: «سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - يَقُولُ: - يَعْنِي بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ - سَمِعَتْ أُذُنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يَقُولُ: طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ» . وَبَعْدَ الْعَشَرَةِ أَيِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ.
[أهل بدر]
«فَأَهْلُ» غَزْوَةِ «بَدْرٍ» الْعُظْمَى، وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى، وَيُقَالُ لَهَا بَدْرُ الْقِتَالِ وَيَوْمُ الْفُرْقَانِ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
[ ٢ / ٣٦١ ]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَقَّ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهِيَ الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ، وَقَمَعَ بِهَا عَبَدَةَ الْأَصْنَامِ، وَبَدْرٌ قَرْيَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَلَمْ تَزَلْ مِنْ يَوْمِئِذٍ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعْمُورَةٌ، عَلَى نَحْوِ أَرْبَعَةِ مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، قِيلَ: نُسِبَتْ إِلَى بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَقِيلَ: إِلَى بَدْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَقِيلَ: إِلَى بَدْرِ بْنِ كَلَدَةَ، وَقِيلَ: بَلْ بَدْرٌ اسْمٌ لِلْبِئْرِ الَّتِي بِهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاسْتِدَارَتِهَا وَلِصَفَائِهَا فَكَأَنَّ الْبَدْرَ يُرَى فِيهَا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبَلَدِ الْمَذْكُورِ كَغَيْرِهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْبِلَادِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ: وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ نَهَارَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَةَ عَشَرَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵄ - قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ عَبَرُوا مَعَهُ النَّهْرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْهُ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثُمِائَةٍ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - ﵁ - عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَعْتَدَّ فَفَعَلْنَا، فَإِذَا نَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَأَخْبَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بِعِدَّتِنَا، فَسُّرَ بِذَلِكَ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى»، وَقَالَ: عِدَّةُ أَصْحَابِ طَالُوتَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ - وَلَفْظُ مُسْلِمٍ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا -، وَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ، الْحَدِيثَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ يَوْمَ جَالُوتَ، ثَلَاثَمِائَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ. وَفِي الْفَتْحِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَدَلَ سَبْعَةَ عَشَرَ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ ضُرِبَ لَهُ سَهْمُهُ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ، مَعَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ أَخْرَجَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى السِّتِّينَ، وَالْأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ،
[ ٢ / ٣٦٢ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا حِسًّا، وَقَوْلَ الزُّهْرِيِّ فِيمَنْ شَهِدَهَا بِالْعَدَدِ حُكْمًا مِمَّنْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْعَدَدِ الْأَوَّلِ الْأَحْرَارُ، وَبِالثَّانِي بِانْضِمَامِ مَوَالِيهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ. وَإِذَا تَحَرَّرَ هَذَا فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ فَقَدْ عَدَّ ثَمَانِيَةَ أَنْفُسٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدُوهَا، وَإِنَّمَا ضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَعَهُمْ بِسِهَامِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ تَخَلَّفُوا لِضَرُورَاتٍ لَهُمْ، وَهُمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ، وَسَعِيدٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَبُو لُبَابَةَ - ﵃ -.
وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ نَفْسًا، سِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ - ﵃ - أَجْمَعِينَ. وَقُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ سَبْعُونَ، وَأُسِرَ سَبْعُونَ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: إِنَّ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْوَاحَهُمْ فِي الْجَنَّةِ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: يَا عِبَادِي مَاذَا تَشْتَهُونَ؟ فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا هَلْ فَوْقَ هَذَا مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ: فَيَقُولُ عِبَادِي: مَاذَا تَشْتَهُونَ؟ فَيَقُولُونَ فِي الرَّابِعَةِ: تُرَدُّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا فَنُقْتَلُ كَمَا قُتِلْنَا.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ - ﵁ - وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا -. قَالَ: كَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ» . وَرَوَى نَحْوَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي جَامِعِ الْمَسَانِيدِ: كَذَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ لَا ابْنِ خَدِيجٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ ابْنُ خَدِيجٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ رَجُلٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «اطَّلَعَ
[ ٢ / ٣٦٣ ]
اللَّهُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ". وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» ". قَالَتْ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ: " «كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» ".
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - فِي قِصَّةِ كِتَابِ حَاطِبٍ، «وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَلَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ - أَوْ قَالَ: - قَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ» ". وَفِي الْمَعْنَى أَحَادِيثُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا.
(تَنْبِيهٌ (قَدِ اسْتَشْكَلَ جَمْعٌ قَوْلَهُ: " «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ» "، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ خِلَافُ عَقْدِ الشَّرْعِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ الْمَاضِي، أَيْ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ لَكُمْ فَهُوَ مَغْفُورٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الْعَمَلِ لَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَلَقَالَ: فَسَأَغْفِرُهُ لَكُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمَاضِي لَمَا حَسُنَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ، لِأَنَّهُ - ﷺ - خَاطَبَ بِذَلِكَ عُمَرَ - ﵁ - مُنْكِرًا عَلَيْهِ مَا قَالَهُ فِي أَمْرِ حَاطِبٍ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتِّ سِنِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَيَأْتِي، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً فِي تَحْقِيقِهِ، «فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ لِحَاطِبٍ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، تَرَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَأْخُذُ بِالْأَنْقَابِ وَتَكْتُبُ إِلَى قُرَيْشٍ تُحَذِّرُهُمْ؟ دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ - ﷿ - اطَّلَعَ عَلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ؟ " فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مَا قَالَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]
[ ٢ / ٣٦٤ ]
- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٣]» . وَقِيلَ: إِنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ اعْمَلُوا لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ، فَالْمُرَادُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ خُصُّوا بِذَلِكَ، لِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْحَالِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ مَحْوَ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ، وَتَأَهَّلُوا لِأَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ اللَّاحِقَةَ، أَيْ كُلَّ مَا عَمِلْتُمُوهُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ مِنْ أَيِّ عَمَلٍ كَانَ فَهُوَ مَغْفُورٌ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ مَغْفُورَةً، وَقِيلَ: هِيَ شَهَادَةٌ بِعَدَمِ وُقُوعِ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَا ثَبَتَ فِي قِصَّةِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ حِينَ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - مُتَأَوِّلًا، فَحَدَّهُ عُمَرُ ثُمَّ هَاجَرَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَرَأَى عُمَرُ فِي الْمَنَامِ مَنْ يَأْمُرُهُ بِمُصَالَحَتِهِ، وَكَانَ قُدَامَةُ بَدْرِيًّا. وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْقِصَّةِ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْبِشَارَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ، لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
عَلَى أَنَّهُ زَعَمَ أُنَاسٌ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الْآيَةَ وَفِيهَا ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ [التوبة: ٧٧] الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، أَوِ ابْنِ أَبِي حَاطِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ، وَقَدْ ذَكَرُوهُ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، وَقَدْ عَدَّهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ عَدَّهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: كَانَ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثَمِائَةٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مِائَةٌ وَسَبْعِينَ. وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ كَثَعْلَبَةَ، وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخِذْلَانِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ ثَعْلَبَةَ الْبَدْرِيَّ قُتِلَ بِأُحُدٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ فِي تَرْجَمَةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ، أَوِ ابْنِ أَبِي حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيِّ - ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدَ الضِّرَارِ - قَالَ الْحَافِظَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي كَوْنِ صَاحِبِ الْقِصَّةِ - إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ، وَلَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ - هُوَ الْبَدْرِيَّ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ نَظَرٌ، وَقَدْ تَأَكَّدَتِ الْمُغَايِرَةُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ إِنَّ الْبَدْرِيَّ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ مَرْدَوَيْهِ رَوَى فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ يَعْنِي ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] قَالَ: نَزَلَ ذَلِكَ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي حَاطِبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى مَجْلِسًا
[ ٢ / ٣٦٥ ]
فَأَشْهَدَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥]- الْآيَةَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، فَقَالَ: إِنَّهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي حَاطِبٍ، وَالْبَدْرِيُّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» . وَحَكَى عَنْ رَبِّهِ - ﵎ - أَنَّهُ قَالَ: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، فَمَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَيْفَ يُعْقِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى نِفَاقًا فِي قَلْبِهِ وَيَنْزِلُ فِيهِ مَا نَزَلَ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[أهل الشجرة]
«ثُمَّ» بَعْدَ أَهْلِ بَدْرٍ فَالْأَفْضَلِيَّةُ لِـ «أَهْلِ» بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ «الشَّجَرَةِ» الْمَعْهُودَةِ، وَتُسَمَّى شَجَرَةُ الْبَيْعَةِ وَشَجَرَةُ الرِّضْوَانِ، وَهِيَ شَجَرَةٌ خَضْرَاءُ سَمُرَةُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ - مِنْ شَجَرِ الطَّلْحِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعِضَاةِ أَوْ مِنَ السِّدْرِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ، وَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا يَذْهَبُونَ إِلَى الشَّجَرَةِ فَيُصَلُّونَ تَحْتَهَا وَيَتَبَرَّكُونَ بِهَا، فَأَمَرَ - ﵁ - بِهَا فَقُطِعَتْ وَأُخْفِيَ مَكَانُهَا خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهَا، وَلِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ أَهْلِ الْجَهْلِ لَهَا، حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ جَهْلُهُمْ إِلَى أَنَّ بِهَا قُوَّةَ نَفْعٍ وَضَرٍّ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ وَمُذْ أَزْمَانٍ مِنْ تَعْظِيمِ مَا دُونَهَا مِنَ الشَّجَرِ وَالْبِقَاعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ - يَعْنِي إِخْفَاءَهَا - بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ كَانَتْ مَوْضِعَ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَحَلَّ رِضْوَانِهِ لِإِنْزَالِهِ الرِّضَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَهَا.
[أهل أحد]
«وَقِيلَ أَهْلُ أُحُدٍ الْمُقَدَّمَهْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلنُّصُوصِ الْمُحْكَمَهْ»
وَقَوْلُهُ «وَقِيلَ أَهْلُ» غَزْوَةِ جَبَلِ «أُحُدٍ الْمُقَدَّمَةِ» أَيْ فِي الزَّمَنِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْأَفْضَلَ أَهْلُ بَدْرٍ، فَأَهْلُ أُحُدٍ، فَأَهْلُ الْبَيْعَةِ، وَقَوْلُهُ «وَالْأَوَّلُ» وَهُوَ تَقْدِيمُ أَهْلِ الْبَيْعَةِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ «أَوْلَى» وَأَحَقُّ وَأَحْرَى بِذَلِكَ، وَذَلِكَ «لِـ» وُرُودِ «النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ» مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَحَادِيثِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ - ﷺ -، وَكَانَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوَّلَ نَهَارِ السَّبْتِ، وَفِي الْفَتْحِ لِإِحْدَى عَشَرَ خَلَتْ مِنْهُ، وَقِيلَ لِتِسْعٍ وَقِيلَ لِثَمَانٍ وَقِيلَ لِسَبْعٍ. وَأُحُدٌ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ وَالدَّالِّ الْمُهْمَلَتَيْنِ - هُوَ جَبَلٌ أَحْمَرُ لَيْسَ بِذِي شَنَاخِبَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ
[ ٢ / ٣٦٦ ]
أَقَلُّ مِنْ فَرْسَخٍ، وَهُوَ فِي شَمَالِهَا إِلَى الشَّرْقِ، رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ - ﵃ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِأُحُدٍ لَمَّا بَدَا لَهُ: " هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ". وَتَكَرَّرَ مِنْهُ - ﷺ - هَذَا الْقَوْلُ مَرَّاتٍ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا: " «أُحُدٌ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْجَنَّةِ» ".
قَالَ يَاقُوتُ: أُحُدٌ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ لِهَذَا الْجَبَلِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: سُمِّيَ أُحُدًا لِتَوَحُّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخَرَ هُنَاكَ، أَوْ لِمَا وَقَعَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ نُصْرَةِ التَّوْحِيدِ، وَلَا أَحْسَنَ مِنَ اسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ، وَأَهْلُهُ هُمُ الْأَنْصَارُ نَصَرُوا التَّوْحِيدَ، وَالْمَبْعُوثُ بِدِينِ التَّوْحِيدِ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ حَيًّا وَمَيِّتًا.
إِذَا عَلِمَتْ هَذَا فَظَاهِرُ كَلَامِ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ أَهْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ يَلُونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ بَعْدَ انْخِزَالِ ابْنِ أُبَيٍّ سَبْعَمِائَةٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَعِدَّةُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَهُمْ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ وَمُصْعَبٌ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ جَحْشٍ وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَوْلَى حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَثَقِفَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ حَلِيفَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - قَالَ: أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ شُهَدَاءُ أُحُدٍ فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيفٍ فَتَفَطَّنْ لَهُ. فَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ كَقَوْلِهِ - ﷺ - فِي حَقِّ عَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ جَابِرٍ - ﵄ -: " «مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: «لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قَالُوا: يَا لَيْتَ لَنَا مُخْبِرًا يُخْبِرُ إِخْوَانَنَا بِالَّذِي صِرْنَا إِلَيْهِ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ - ﷾ - أَنَا رَسُولُكُمْ إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١]» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ:
[ ٢ / ٣٦٧ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ، وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا - وَفِي لَفْظٍ قَالُوا: - مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكِلُوا عَنِ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ - ﷿ -: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ»، وَرَوَى نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
«وَكَانَ - ﷺ - يَزُورُ شُهَدَاءَ أُحُدٍ، فَإِذَا بَلَغَ فُرْضَةَ الشِّعْبِ يَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنَعِمَ عُقْبَى الدَّارِ "، ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ وَكَذَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ - ﵄ -، وَلَمَّا أَجْرَى مُعَاوِيَةُ - ﵁ - الْعَيْنَ فَمَرَّتْ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَأَخْرَجَهُمْ طَرَايَا تَنْثَنِي أَطْرَافُهُمْ، وَجَدُوا وَالِدَ جَابِرٍ وَيَدُهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ، فَانْبَعَثَ الدَّمُ، فَرُدَّتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَسَكَنَ الدَّمُ، قَالَ جَابِرٌ: فَرَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ كَأَنَّهُ نَائِمٌ، وَالنَّمِرَةَ الَّتِي كُفِّنَ فِيهَا كَمَا هِيَ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أُحُدٍ بِسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ رِجْلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَهُوَ حَمْزَةُ، فَانْبَعَثَ الدَّمُ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ - ﵁ -: لَا يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكِرٌ، وَكَانُوا وَهُمْ يَحْفِرُونَ يَفِيحُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُبُورِ رِيحُ الْمِسْكِ» .
وَرَوَى الْحَارِثُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْحَاكِمُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵃ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَصْحَابَ أُحُدٍ يَقُولُ: " أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِي بِنَحْضِ الْجَبَلِ ". - يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ» - وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَأَمَّا أَهْلُ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي أَهْلَ الْبَيْعَةِ - وَهُمْ أَصْحَابُ الْحُدَيْبِيَةَ فَقَدْ وَرَدَتِ النُّصُوصُ الْمُحْكَمَةُ فِي فَضْلِهِمْ كَمَا سَنَذْكُرُ طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْحُدَيْبِيَةُ - بِحَاءٍ مَضْمُومَةٍ فَدَالٍّ مُهْمَلَتَيْنِ وَالدَّالُ مَفْتُوحَةٌ، فَمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ - قَالَ النَّحَّاسُ: سَأَلْتُ كُلَّ مَنْ لَقِيتُ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الْعِلْمِ عَنِ الْحُدَيْبِيَةَ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَى قِرَاءَتِهَا مُخَفِّفَةً، وَنَصَّ فِي الْبَارِعِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَحُكِيَ التَّشْدِيدُ عَنِ ابْنِ سَيِّدِهِ فِي الْمُحْكَمِ، قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْمَطَالِعِ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّشْدِيدَ لَمْ يُسْمَعْ فِي فَصِيحٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: هُمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ أَكْثَرُهَا مِنَ الْحَرَمِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ - ﵁ - وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ يُشِيرُ إِلَى الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِالْحُدَيْبِيَةَ: سُمِّيَ بِبِئْرٍ كَانَتْ هُنَاكَ هَذَا اسْمُهَا، ثُمَّ عُرِفَ الْمَكَانُ كُلُّهُ بِذَلِكَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ مَرْحَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ تِسْعُ مَرَاحِلَ، وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الزَّائِدَ عَلَى الْأَلْفِ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ مِنَ الْخُدَّامِ وَالْأَتْبَاعِ، وَأَمَّا نَفْسُ الْمُقَاتِلَةِ فَأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ فَغَلَطٌ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ، وَكَانَ سَبَبُ الْبَيْعَةِ «أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا صَدَّتِ النَّبِيَّ - ﷺ - وَالْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - ﵁ - وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، إِنَّمَا جِئْنَا عُمَّارًا، وَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ - ﵁ - قَدْ قَتَلَتْهُ قُرَيْشٌ. فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ وَقَالَ: " لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ الْقَوْمَ» ".
رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - ﵁ -، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ شُيُوخِهِ قَالَ سَلَمَةُ - ﵁ - «بَيْنَا نَحْنُ قَائِلُونَ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَيُّهَا النَّاسُ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ الْقُدُسِ، فَاخْرُجُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَسِرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةِ سَمُرَةَ فَبَايَعْنَاهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعْتُهُ وَسَطَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعْتُهُ آخِرَ النَّاسِ» . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «أَوَّلَ النَّاسِ فِي تِلْكَ الْبَيْعَةِ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ. فَقَالَ - ﷺ -: عَلَامَ تُبَايِعُنِي؟ قَالَ: عَلَى مَا فِي نَفْسِكَ. قَالَ: وَمَا فِي نَفْسِي؟ قَالَ: أَضْرِبُ بِسَيْفِي بَيْنَ يَدَيْكَ حَتَّى يُظْهِرَكَ اللَّهُ أَوْ أُقْتَلَ. فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي سِنَانٍ، وَضَرَبَ
[ ٢ / ٣٦٩ ]
رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ -، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ فِي حَاجَتِكَ وَحَاجَةِ رَسُولِكَ، فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ»، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُ الْخَبَرِ بِقَتْلِ عُثْمَانَ - ﵁ - فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا عَشَرَةً وَذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعَةِ، ثُمَّ كَانَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَبَيْنَ قُرَيْشٍ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - قَالَ: «كُنَّا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَيْضًا - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - «أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ: " لَا يُدْرِكُ قَوْمٌ بَعْدَكُمْ صَاعَكُمْ وَلَا مُدَّكُمْ» ". «وَسَأَلَ أَبُو الزُّبَيْرِ جَابِرًا: كَمْ كَانُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهِيَ سَمُرَةٌ، فَبَايَعْنَاهُ غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ اخْتَفَى تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرٍ، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ - يَعْنِي إِلَى الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ - لَاصِقًا بِإِبِطِ نَاقَتِهِ قَدْ ضَبَأَ إِلَيْهَا - وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَهْمُوزًا أَيِ اخْتَبَأَ بِهَا يَسْتَتِرُ بِهَا عَنِ النَّاسِ - فَبَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ» .
وَهَذَا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ الَّذِي لَمْ يُبَايِعْ كَانَ يُرْمَى بِالنِّفَاقِ، وَعَدَّهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ نَزَلَ فِي حَقِّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسَوَّدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ، وَقِيلَ: سَوَّدَ عَلَيْهِمْ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَمَالَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ» ". وَمِنْ ثَمَّ قَالَ
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَيْسَ فِي غَزَوَاتِهِ - ﷺ - مَا يُعَادِلُ بَدْرًا، أَوْ يَقْرُبُ مِنْهَا إِلَّا غَزْوَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقِيلَ: صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ غَيْرُ الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، يَدُلُّ لَهُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ غُفِرَ لِلرَّكْبِ أَجْمَعِينَ إِلَّا رُوَيْكِبًا وَاحِدًا عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ الْتَفَّتْ عَلَيْهِ رِحَالُ الْقَوْمِ لَيْسَ مِنْهُمْ ". وَقَالَ - ﷺ -: " كُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ - ﵁ -: فَطُلِبَ فِي الْعَسْكَرِ، فَإِذَا هُوَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَالرَّجُلُ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، مِنْ أَهْلِ سَيْفِ الْبَحْرِ، يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقِيلَ لِسَعِيدٍ - ﵁ -: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: وَيْحَكَ اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَسْتَغْفِرْ لَكَ. وَقَالَ جَابِرٌ: فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي، وَإِذَا هُوَ قَدْ أَضَلَّ بَعِيرًا لَهُ، فَانْطَلَقَ يَطْلُبُ بَعِيرَهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَبْرَأَ الْعَسْكَرَ وَطَلَبَهُ فِيهِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي جَبَلِ سُرَاوِعَ إِذْ زَلِقَتْ بِهِ نَعْلُهُ، فَتَرَدَّى فَمَاتَ فَمَا عُلِمَ بِهِ حَتَّى أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ» . وَقِصَّةُ هَذَا قَبْلَ الْبَيْعَةِ إِذْ هَذَا لَيْسَ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ «الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ عُلَمَائِنَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْعَشَرَةِ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ الْأَنْصَارُ عَلَى قَدْرِ الْهِجْرَةِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا، ثُمَّ سَائِرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَلَهُمْ رُتَبٌ، وَهَذَا الَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَأَفْضَلَهُمُ الْقَرْنُ الَّذِي صَحِبُوهُ وَشَاهَدُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ وَنَصَرُوهُ، وَأَفْضَلَ الْقَرْنِ الَّذِي صَحِبُوهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً الَّذِينَ بَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأَفْضَلَهُمْ أَهْلُ بَدْرٍ الَّذِينَ نَصَرُوهُ، وَأَفْضَلَهُمْ أَرْبَعُونَ فِي الدَّارِ كَنَفُوهُ - يَعْنِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ -، وَأَفْضَلَهُمْ عَشَرَةٌ عَزَّرُوهُ وَوَقَّرُوهُ، وَشَهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَمَاتَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَأَفْضَلَ هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَفْضَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهَذَا
[ ٢ / ٣٧١ ]
مُوَافِقٌ لِمَا حَرَّرْنَا مِنْ تَقْدِيمِ أَهْلِ الْبَيْعَةِ عَلَى أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ يَلُونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وَقَالَ فِي أَهْلِ غَزْوَةِ أُحُدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَوَصَفَهُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْعَفْوِ، وَوَصَفَ أَهْلَ الْبَيْعَةِ بِالرِّضَى، وَهُوَ أَعْلَى وَأَسْنَى وَأَفْضَلُ مِنَ الْعَفْوِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) الْمُرَادُ بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا قَبْلَ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا، وَالْمُرَادُ بِالْفَتْحِ أَمْرُ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصْحَابَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُمُ الَّذِينَ فَتَحُوا خَيْبَرَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» ". وَسُورَةُ الْفَتْحِ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَبِذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ - ﷺ - وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ حَصَلَ الْفَتْحُ وَالْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ كَوْنِهِ قَدْ كَرِهَهُ خَلْقٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ وَعِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الثَّامِنِ، وَكَانَ قَدْ أَنْزَلَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .
(الثَّالِثُ) الْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ كُلِّ فَرْدٍ مَثَلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَإِنَّمَا نَقُولُ الصُّحْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا أَحَدَ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ يُسَاوِي أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ
[ ٢ / ٣٧٢ ]
الْهِجْرَةُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا امْتَازَتْ بِهِ جُمْلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ هَضْمٍ لِلْمَفْضُولِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْكَمَالَاتِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ الَّتِي فَضَلَهُ فِيهَا غَيْرُهُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[عائشة وخديجة]
«وَعَائِشَهْ فِي الْعِلْمِ مَعْ خَدِيجَة فِي السَّبْقِ فَافْهَمْ نُكْتَةَ النَّتِيجَهْ»
«وَعَائِشَةُ» الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ - ﵄ - أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِيبَةُ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَقَدَ عَلَيْهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ وَقِيلَ بِثَلَاثٍ، وَبَنَى بِهَا بِالْمَدِينَةِ أَوَّلَ مَقْدَمِهِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَأَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فَهِيَ - ﵂ - وَعَنْ أَبِيهَا أَفْضَلُ نِسَائِهِ - ﷺ -.
«فِي الْعِلْمِ» النَّافِعِ وَالْفِقْهِ النَّاصِعِ فَلَهَا (مِنَ) الْفَضْلِ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ - ﷺ -، حَتَّى كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ - إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ مِنَ الدِّينِ اسْتَفْتَوْهَا، فَيَجِدُونَ عِلْمَهُ عِنْدَهَا، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ، فَقَدَّمَ الْبُلْبَانِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرَةِ عُلَمَائِنَا تَبَعًا لِابْنِ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ أَنَّ عَائِشَةَ أَفْضَلُ النِّسَاءِ، وَقَالَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ: أَفْضَلُ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ عَلَى عَائِشَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا الْوَقْفُ. قَالَ: وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - عَنْهُمَا فَقَالَ: اخْتَصَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِخَاصَّةٍ. وَإِلَى هَذَا أَشَرْتُ بِقَوْلِي: «مَعَ خَدِيجَةَ» بِنْتِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوَّلِ أَزْوَاجِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَقِيَتْ مَعَهُ إِلَى أَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِسَالَتِهِ، فَآمَنَتْ بِهِ وَصَدَّقَتْهُ وَنَصَرَتْهُ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، وَمَاتَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ بِأَرْبَعٍ وَقِيلَ بِخَمْسٍ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ - ﷺ - عَلَيْهَا غَيْرَهَا، وَكُلُّ أَوْلَادِهِ مِنْهَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ،
[ ٢ / ٣٧٣ ]
إِلَّا إِبْرَاهِيمَ - ﵇ - فَإِنَّهُ مِنْ سُرِّيَّتِهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، فَخَدِيجَةُ الْمَذْكُورَةُ أَفْضَلُ نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - «فِي السَّبْقِ» إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمُؤَازَرَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي جَوَابِهِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ: خَدِيجَةُ كَانَ تَأْثِيرُهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ تُسَلِّي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَتُثَبِّتُهُ وَتَبْذُلُ دُونَهُ مَالَهَا، فَأَدْرَكَتْ غُرَّةَ الْإِسْلَامِ، وَاحْتَمَلَتِ الْأَذَى فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَكَانَتْ نُصْرَتُهَا لِلرَّسُولِ - ﷺ - فِي أَعْظَمِ الْحَاجَةِ، فَلَهَا مِنَ النُّصْرَةِ وَالْبَذْلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا.
قَالَ: وَعَائِشَةُ - ﵂ - تَأْثِيرُهَا فِي آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِسْلَامِ، فَلَهَا مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَتَبْلِيغِهِ إِلَى الْأُمَّةِ، وَانْتِفَاعِ بَنِيهَا بِمَا أَدَّتْ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، فَلِعَائِشَةَ - ﵂ - فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ مِنْ حَمْلِ الدِّينِ وَتَبْلِيغِهِ إِلَى الْأُمَّةِ، وَإِدْرَاكِهَا مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ تُشْرِكْهَا فِيهِ خَدِيجَةُ وَلَا غَيْرُهَا مَا تَمَيَّزَتْ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: الْخِلَافُ فِي كَوْنِ عَائِشَةَ - ﵂ - أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ - ﵍ - أَوْ فَاطِمَةَ أَفْضَلَ إِذَا حُرِّرَ مَحَلُّ التَّفْضِيلِ لَا يَسْتَقِيمُ، أَيِ الْخِلَافُ.
فَإِنْ أُرِيدَ بِالْفَضْلِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ فَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالنَّصِّ، لِأَنَّهُ بِحَسَبِ تَفَاضُلِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، لَا بِمُجَرَّدِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَكَمْ مِنْ عَامِلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ عَمَلًا بِجَوَارِحِهِ، وَالْآخَرُ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ التَّفْضِيلُ بِالْعِلْمِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ عَائِشَةَ أَعْلَمُ وَأَنْفَعُ لِلْأُمَّةِ، وَأَدَّتْ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُؤَدِّ غَيْرُهَا، وَاحْتَاجَ إِلَى عِلْمِهَا خَوَاصُّ الْأُمَّةِ وَعَامَّتُهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّفْضِيلِ شَرَفُ الْأَصْلِ وَجَلَالَةُ النَّسَبِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ، فَإِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَذَلِكَ اخْتِصَاصٌ لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهِ غَيْرُ إِخْوَتِهَا، وَإِنْ أُرِيدَ السِّيَادَةُ فَفَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْأُمَّةِ، وَإِذَا تَبَيَّنَتْ وُجُوهُ التَّفْضِيلِ وَمَوَارِدُ الْفَضْلِ وَأَسْبَابُهُ صَارَ الْكَلَامُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ إِذَا تَكَلَّمَ فِي التَّفْضِيلِ لَمْ يُفَصِّلْ جِهَاتِ الْفَضْلِ، وَلَمْ يُوَازِنْ بَيْنَهَا فَيَبْخَسُ الْحَقَّ، وَإِنِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ نَوْعُ تَعَصُّبٍ وَهَوًى لِمَنْ يُفَضِّلُهُ تَكَلَّمَ بِالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ التَّفْضِيلِ، فَأَجَابَ فِيهَا بِالتَّفْصِيلِ الشَّافِي، وَإِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ أَشَرْنَا بِقَوْلِنَا «فَافْهَمْ» فَهْمَ تَحْقِيقٍ وَإِذْعَانٍ وَتَدْقِيقٍ وَإِتْقَانٍ
[ ٢ / ٣٧٤ ]
«نُكْتَةَ النَّتِيجَةِ» أَيْ أَثَرَ فَائِدَةِ الْخِلَافِ، فَإِنَّ النُّكْتَةَ أَثَرٌ قَلِيلٌ كَالنُّقْطَةِ شِبْهُ الْأَثَرِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمِرْآةِ وَالسَّيْفِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ أَيْ أَثَرٌ قَلِيلٌ كَالنُّقْطَةِ شِبْهُ الْوَسَخِ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّكْتِ بِالْحَصَى، وَنَكْتِ التُّرَابِ وَالْأَرْضِ بِالْقَضِيبِ، وَالنَّتِيجَةُ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْحُكْمُ الْمُتَوَلِّدُ مِنَ الْقَضِيَّتَيْنِ بِالتَّفْصِيلِ فِي التَّفْضِيلِ، وَأَصْلُهُ مِنْ نُتِجَتِ النَّاقَةُ إِذَا وُلِدَتْ فَهِيَ مَنْتُوجَةٌ، وَأَنْتَجَتْ إِذَا حَمَلَتْ فَهِيَ نَتُوجٌ، وَلَا يُقَالُ مُنْتِجٌ، وَنَتَجْتُ النَّاقَةَ أَنْتِجُهَا إِذَا وَلَّدْتُهَا، وَالْحُكْمُ النَّاتِجُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ خَدِيجَةَ أَفْضَلُ بِحَسَبِ السَّبْقِ وَالْمُؤَازَرَةِ وَإِنْفَاقِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَتَسْلِيَتِهِ وَحَمْلِ الْمَشَاقِّ بِسَبَبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَائِشَةُ أَفْضَلُ بِسَبَبِ تَحَمُّلِهَا لِلْعُلُومِ وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَإِنَّهَا أَحَدُ الْمُكْثِرِينَ، وَنَشْرِهَا لِسُنَّتِهِ - ﷺ - وَنَفْعِهَا لِلْأُمَّةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً فَقِيهَةً، فَصِيحَةً فَاضِلَةً، كَثِيرَةَ الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَارِفَةً بِعُلُومِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا، وَفَضَائِلُهَا وَمَنَاقِبُهَا كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى، وَمَحَبَّةُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِيَّاهَا، وَتَفْضِيلُهَا عَلَى سَائِرِ زَوْجَاتِهِ - ﷺ - مِمَّا لَا يَخْفَى.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: وَمِنْ خَصَائِصِ خَدِيجَةَ - ﵂ - أَنَّ اللَّهَ - ﷾ - بَعَثَ إِلَيْهَا السَّلَامَ مَعَ جِبْرِيلَ، فَبَلَّغَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَلِكَ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ» . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَهَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ خَاصَّةٌ لَمْ تَكُنْ لِسِوَاهَا، وَأَمَّا عَائِشَةُ - ﵂ - فَإِنَّ جِبْرِيلَ سَلَّمَ عَلَيْهَا عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا: " يَا عَائِشَ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ ". فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى» .
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: مِنْ خَوَاصِّ خَدِيجَةَ - ﵂ - أَنَّهَا لَمْ تَسُؤْهُ قَطُّ، وَلَمْ تُغَاضِبْهُ، وَلَمْ يَنَلْهَا مِنْهُ إِيلَاءٌ وَلَا عَتْبٌ قَطُّ وَلَا هَجْرٌ، وَكَفَى بِهَذِهِ
[ ٢ / ٣٧٥ ]
مَنْقَبَةٌ، وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَمِنْ خَصَائِصِ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ يَنْزِلُ الْوَحْيُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ فِي لِحَافِهَا، وَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِهَا فَخَيَّرَهَا «وَقَالَ لَهَا: " فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ". فَقَالَتْ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ» . فَاسْتَنَّ بِهَا بَقِيَّةُ أَزْوَاجِهِ - ﷺ -، وَقُلْنَ كَمَا قَالَتْ، وَمِنْ أَعْظَمِ خَصَائِصِهَا أَنَّهَا كَانَتْ أَحَبُّ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ، وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: " «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا.
وَمِنْ أَعْظَمِ خَصَائِصِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَرَّأَهَا مِمَّا رَمَاهَا بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ، وَأَنْزَلَ فِي بَرَاءَتِهَا وَحْيًا يُتْلَى فِي مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَوَاتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَشَهِدَ لَهَا أَنَّهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَلِلَّهِ مِنْ حَصَانٍ عَظُمَتْ فَضَائِلُهَا، وَجَلَّتْ مَنَاقِبُهَا، وَرَسَخَتْ قَدَمُهَا فِي الدِّينِ، وَعَظُمَ شَأْنُهَا عِنْدَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتَاجَ لِعِلْمِهَا أَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ، وَشَهِدَ لَهَا أَهْلُ التَّحْقِيقِ بِالتَّقَدُّمِ وَالْإِصَابَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - وَصَحَّحَهُ أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ - ﵂ - عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - ﵁ - فَقَالَ: اغْرُبْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ - ﵁ - يَقُولُ: هِيَ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. - يَعْنِي عَائِشَةَ ﵂ -. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَنَاقِبُهَا كَثِيرَةٌ، وَفَضَائِلُهَا غَزِيرَةٌ ﵂، وَعَنْ سَائِرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
[فَصْلٌ فِي فضل الصَّحَابَةِ جملة وحقهم]
[الصحابة أَحَقُّ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَأَجْدَرُ الْخَلْقِ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ]
«فَصْلٌ»
فِي ذِكْرِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ، وَبَيَانِ مَزَايَاهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَالتَّعْرِيفِ بِمَا يَجِبُ لَهُمْ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالتَّبْجِيلِ وَالتَّرَضِّي، وَالتَّفْضِيلِ عَلَى سَائِرِ
[ ٢ / ٣٧٦ ]
الْأُمَّةِ، وَتَقْبِيحِ مَنْ آذَاهُمْ وَشَنَّاهُمْ، وَالْكَفِّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ مِمَّا لَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ، وَمَا صَحَّ فَلَهُ تَأْوِيلَاتٌ سَائِغَةٌ، وَإِذَا كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ هَنَاتٌ تَقَعُ مُكَفَّرَةً مُسْتَهْلَكَةً فِي عَظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَجَسِيمِ مُجَاهَدَاتِهِمْ، ثُمَّ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ
وَلِهَذَا قَالَ:
«وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ كَالصَّحَابَةِ فِي الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِصَابَةِ»
«وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ» الْمُحَمَّدِيَّةِ الْمُفَضَّلَةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ بِأَفْضَلِيَّةِ نَبِيِّهَا - ﷺ -، وَأَفْضَلِيَّةِ مَا جَاءَ بِهِ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالدِّينُ الْقَوِيمُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَيَكُونُ الصَّحَابَةُ أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ، «كَالصَّحَابَةِ» الْكِرَامِ الَّذِينَ فَازُوا بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ، وَتَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ تَعْرِيفُ الصَّحَابَةِ، وَطَرِيقُ ثُبُوتِ الصُّحْبَةِ، وَبَيَانُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ، وَبَيَانُ عِدَّتِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، فَمُعْتَمَدُ الْقَوْلِ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ الْمُعْتَبَرِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قِيلَ: اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي التَّفَاسِيرِ مَشْهُورٌ، وَرَجَّحَ كَثِيرٌ عُمُومَهَا فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَهَذَا خِطَابٌ لِلْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَاتِ، فَلَيْسَ فِي سَائِرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِثْلُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، «فِي الْفَضْلِ» بِشَاهِدِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ -: " «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ". وَهَذَا وَإِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ مَا جَرَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - ﵄ -، فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْنَ الْخِطَابِ لِأَصْحَابِهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ لَا يَسُبُّ غَيْرُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي، وَلَا يَسُبُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ حُصُولِ السَّبِّ لَهُمْ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ بِالْخِطَابِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ يُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَتَهُمْ، وَقَدْ يَأْتِي الْخِطَابُ لِقَوْمٍ تَعْرِيضًا بِغَيْرِهِمْ كَثِيرًا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِنْهُ، وَالنَّصِيفُ أَحَدُ اللُّغَاتِ الْأَرْبَعِ
[ ٢ / ٣٧٧ ]
فِي النِّصْفِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: نَصِفٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا وَنَصِيفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَزِيَادَةِ الْيَاءِ، وَالْمَعْنَى لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ ثَوَابُهُ فِي ذَلِكَ نَفَقَةَ أَصْحَابِي فِي مُدٍّ وَلَا نِصْفِ مُدٍّ، لِأَنَّ إِنْفَاقَهُمْ كَانَ فِي نُصْرَتِهِ - ﷺ - وَحِمَايَتِهِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ بَعْدَهُ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ أَفْضَلِيَّتَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا، وَأَنَّ فَضِيلَةَ نَفَقَتِهِمْ عَلَى نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ بِاعْتِبَارِ ذَوَاتِهِمْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ - زَادَ فِي رِوَايَةٍ -، وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ» ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: " «خَيْرُ أُمَّتِي الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» " وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا، الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِنَحْوِهِ وَفِيهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ -.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «يُبْلِغُ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَمَنْ يَأْخُذْهُ اللَّهُ فَيُوشِكُ أَنْ لَا يُفْلِتَهُ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى شَرِّكُمْ» ". وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - «أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: يَا ابْنَ أُخْتِي أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَسَبُّوهُمْ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ - ﵁ - قَالَ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بِأَرْضٍ إِلَّا بُعِثَ لَهُمْ نُورًا وَقَائِدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عُمَرَ بْنَ
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي، فَأَوْحَى إِلَيَّ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَلِكُلٍّ نُورٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى» ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ". ذَكَرَهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ.
«وَ» لَيْسَ فِي الْأُمَّةِ كَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ فِي «الْمَعْرُوفِ» وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُلِّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ، وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ أَمْرٍ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهُ لَا يُنْكِرُونَهُ، وَالْمَعْرُوفُ النَّصَفَةُ، وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، ضِدُّ الْمُنْكَرِ فِي ذَلِكَ جَمِيعِهِ وَفِي حَدِيثٍ: " «أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» ". أَيْ مَنْ بَذَلَ مَعْرُوفَهُ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا آتَاهُ اللَّهُ جَزَاءَ مَعْرُوفِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ مَنْ بَذَلَ جَاهَهُ لِأَصْحَابِ الْجَرَائِمِ الَّتِي لَا تَبْلُغُ الْحُدُودَ فَيُشَفَّعُ فِيهِمْ شَفَّعَهُ اللَّهُ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ: يَأْتِي أَصْحَابُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُغْفَرُ لَهُمْ بِمَعْرُوفِهِمْ، وَتَبْقَى حَسَنَاتُهُمْ جَامَّةٌ، فَيُعْطُونَهَا لِمَنْ زَادَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، فَيُغْفَرُ لَهُ، وَيُدْخَلُ الْجَنَّةَ، فَيَجْتَمِعُ لَهُمُ الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ هُمُ الَّذِينَ حَازُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى مَعَالِي الْأُمُورِ مِنَ الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ وَالصِّدْقِ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُمُ الْمُسْتَقِيمَ، وَاقْتَفَى مَنْهَجَهُمُ الْقَوِيمَ، وَالتَّعِيسُ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِمْ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بِتَحْقِيقِهِمْ، فَأَيُّ خُطَّةِ رُشْدٍ لَمْ يَسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا؟ وَأَيُّ خَصْلَةِ خَيْرٍ لَمْ يَسْبِقُوا إِلَيْهَا؟ تَاللَّهِ لَقَدْ وَرَدُوا يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ عَذْبًا صَافِيًا زُلَالًا، وَوَطَّدُوا قَوَاعِدَ الدِّينِ وَالْمَعْرُوفِ فَلَمْ يَدَعُوا لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ مَقَالًا، فَتَحُوا الْقُلُوبَ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْإِيمَانِ، وَالْقُرَى بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ وَبَذْلِ النُّفُوسِ النَّفِيسَةِ فِي مَرْضَاةِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، فَلَا مَعْرُوفَ إِلَّا مَا عَنْهُمْ عُرِفَ، وَلَا بُرْهَانَ إِلَّا مَا بِعُلُومِهِمْ كُشِفَ، وَلَا سَبِيلَ نَجَاةٍ إِلَّا مَا سَلَكُوهُ، وَلَا خَيْرَ سَعَادَةٍ
[ ٢ / ٣٧٩ ]
إِلَّا مَا حَقَّقُوهُ وَحَكَوْهُ، فَرِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَا تَحَلَّتِ الْمَجَالِسُ بِنَشْرِ ذِكْرِهِمْ، وَمَا تَنَمَّقَتِ الطُّرُوسُ بِعُرْفِ مَدْحِهِمْ وَشُكْرِهِمْ.
«وَ» لَيْسَ فِي الْأُمَّةِ أَيْضًا كَالصَّحَابَةِ - ﵃ - فِي «الْإِصَابَةِ» لِلْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ وَالْهَدْيِ الْمَتْبُوعِ، فَهُمْ أَحَقُّ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَأَجْدَرُ الْخَلْقِ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: مَنْ كَانَ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِنَّهُمْ أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمُهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنُهَا حَالًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرَفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوا آثَارَهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ. فَأَحَقُّ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الصَّوَابِ أَبَرُّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عُلُومًا، وَأَقْوَمُهَا هَدْيًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَنَظَرَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاخْتَارَهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ، فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ قَبِيحٌ.
فَخَيْرُ قُلُوبِ الْعِبَادِ أَحَقُّ الْخَلْقِ بِإِصَابَةِ الصَّوَابِ، فَكُلُّ خَيْرٍ وَإِصَابَةٍ وَحِكْمَةٍ وَعِلْمٍ وَمَعَارِفَ وَمَكَارِمَ إِنَّمَا عُرِفَتْ لَدَيْنَا، وَوَصَلَتْ إِلَيْنَا مِنَ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَالسِّرْبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، فَهُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا الْعُلُومَ وَالْمَعَارِفَ عَنْ يَنْبُوعِ الْهُدَى وَمَنْبَعِ الِاهْتِدَا، وَفِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: " «وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَتِّي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْحَافِظَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدِيثٌ جَيِّدٌ صَحِيحٌ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ سُنَّةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مُتَّبَعَةٌ كَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ - ﷺ -، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - جُلُوسًا فَقَالَ: " إِنِّي
[ ٢ / ٣٨٠ ]
لَا أَدْرِي مَا قَدْرُ بَقَائِي فِيكُمْ، فَاقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي، - وَأَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ عَمَّارٍ، وَمَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ» ". وَفِي رِوَايَةٍ «وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ»، فَنَصَّ - ﷺ - فِي آخِرِ عُمْرِهِ عَلَى مَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الَّذِينَ أَمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ - ﵃ -، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ - ﵁ -: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا» ". وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ، فَكُلُّ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، أَوْ جَمَعَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْهِ فَاجْتَمِعُوا فَهُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ، وَمِنْ ثَمَّ نَحْتَجُّ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ حَيْثُ لَا نَصَّ نَبَوِيَّ، إِنْ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ مِثْلَهُ عَلَى مُعْتَمَدِ الْمَذْهَبِ، وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: " «مَثَلُ أَصْحَابِي مَثَلُ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ» ".
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَرْتَابُ ذَوُو الْأَلْبَابِ مِنْ ذَوِي الْأَفَاضِلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ حَازُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ بِصُحْبَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْأَمَدِ، فَلَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ بَعْدَهُمْ فِي اللَّحَاقِ، وَلَكِنَّ الْمُبْرِزَ مَنِ اتَّبَعَ صِرَاطَهُمُ الْمُسْتَقِيمَ، وَاقْتَفَى مِنْهَاجَهُمُ الْقَوِيمَ، وَالْمُتَخَلِّفَ مَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَذَاكَ الْمُنْقَطِعُ التَّائِهُ فِي بَيْدَاءِ الْمَهَالِكِ وَالضَّلَالِ. وَقَوْلُهُ - ﷺ -: " «مَثَلُ أَصْحَابِي كَمَثَلِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ» ". يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمِلْحَ صَلَاحُ الطَّعَامِ فَأَصْحَابِي صَلَاحُ الْأَنَامِ، قَالَ فِي (إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ): كَمَا أَنَّ الْمِلْحَ بِهِ صَلَاحُ الطَّعَامِ، فَالصَّوَابُ بِهِ صَلَاحُ الْأَنَامِ، فَلَوْ أَخْطَأَ الصَّحَابَةُ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ لَاحْتَاجَ ذَلِكَ إِلَى مِلْحٍ يُصْلِحُهُ، فَإِذَا أَفْتَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِالْحَقِّ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ خَطَأَهُمْ فَكَانَ مِلْحًا لَهُمْ. انْتَهَى. أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ هُمُ الْمِلْحُ الْمُصْلِحُ، فَكَيْفَ يَكُونُ غَيْرُهُمْ مُصْلِحًا لَهُمْ؟ فَهَذَا خَلْفٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ خُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ لَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ بَعِيدًا. قَالَ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ: وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ فِي غَيْرِ طَرِيقِ مَنْ سَبَقَ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَالَ
[ ٢ / ٣٨١ ]
فِيهِ أَيْضًا: مَنْ تَأَمَّلَ الْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ، وَالْحَوَادِثَ الْفَرْعِيَّةَ، وَتَدَرَّبَ بِمَسَالِكِهَا، وَتَصَرَّفَ فِي مَدَارِكِهَا وَسَلَكَ سُبُلَهَا ذُلُلًا، وَارْتَوَى مِنْ مَوْرِدِهَا عَلَلًا وَنَهَلًا، عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا قَدْ يَشْتَبِهُ فِيهَا وُجُوهُ الرَّأْيِ، بِحَيْثُ لَا يُوقَفُ فِيهَا بِظَاهِرٍ مُرَادٍ، أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ تَنْشَرِحُ لَهُ الصُّدُورُ، وَيَنْثَلِجُ لَهُ الْفُؤَادُ، بَلْ تَتَعَارَضُ فِيهَا الظَّوَاهِرُ وَالْأَقْيِسَةُ عَلَى وَجْهٍ يَقِفُ الْمُجْتَهِدُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلظَّنِّ رُجْحَانٌ بَيِّنٌ، لَا سِيَّمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ، فَإِنَّ عُقُولَهُمْ مِنْ أَكْمَلِ الْعُقُولِ وَأَوْفَرِهَا، فَإِذَا تَلَدَّدُوا وَتَوَقَّفُوا، وَلَمْ يَتَقَدَّمُوا وَلَمْ يَتَأَخَّرُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ وَاضِحَةٌ، وَلَا حُجَّةٌ لَائِحَةٌ، فَإِذَا وَجَدَ فِيهَا قَوْلًا لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الَّذِينَ هُمْ سَادَاتُ الْأُمَّةِ، وَقُدْوَةُ الْأَئِمَّةِ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَقَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَعَرَفُوا التَّأْوِيلَ، وَنِسْبَةُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْعِلْمِ إِلَيْهِمْ نِسْبَتُهُمْ إِلَيْهِمْ فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ، كَانَ الظَّنُّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِأَنَّ الصَّوَابَ فِي وُجْهَتِهِمْ، وَالْحَقُّ فِي جَانِبِهِمْ مِنْ أَقْوَى الظُّنُونِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَقْيِسَةِ، هَذَا مِمَّا لَا يَمْتَرِي فِيهِ عَاقِلٌ مُنْصِفٌ، وَكَانَ الرَّأْيُ الَّذِي يُوَافِقُ رَأْيَهُمْ هُوَ الرَّأْيُ السَّدِيدُ الَّذِي لَا رَأْيَ سِوَاهُ، وَإِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي الْحَادِثَةِ إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ رَاجِحٌ، وَلَوِ اسْتَنَدَ إِلَى اسْتِصْحَابٍ، أَوْ قِيَاسِ عِلَّةٍ، أَوْ دَلَالَةٍ، أَوْ شَبَهٍ، أَوْ عُمُومٍ، أَوْ خُصُوصٍ، أَوْ مَحْفُوظٍ مُطْلَقٍ، أَوْ وَارِدٍ عَلَى سَبَبٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَنَا بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَمْ يُخَالِفْ، أَرْجَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الظُّنُونِ الْمُسْتَنِدَةِ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ أَكْثَرِهَا.
فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الصَّحَابَةَ - ﵃ - أَوْلَى الْأُمَّةِ بِالْإِصَابَةِ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ - ﵃ - كَانُوا أَبَرَّ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَ عِلْمًا، وَأَقَلَّ تَكَلُّفًا، وَأَقْرَبَ إِلَى أَنْ يُوَفَّقُوا إِلَى الصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِمْ، لِمَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَوَقُّدِ الْأَذْهَانِ، وَفَصَاحَةِ اللِّسَانِ، وَسِعَةِ الْعِلْمِ، وَسُهُولَةِ الْأَخْذِ، وَحُسْنِ الْإِدْرَاكِ وَسُرْعَتِهِ، وَقِلَّةِ الْمُعَارِضِ أَوْ عَدِمِهِ، وَحُسْنِ الْقَصْدِ، وَتَقْوَى الرَّبِّ، فَالْعَرَبِيَّةُ طَرِيقَتُهُمْ وَسَلِيقَتُهُمْ، وَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ مَرْكُوزَةٌ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى النَّظَرِ فِي الْإِسْنَادِ، وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ، وَعِلَلِ الْحَدِيثِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَلَا إِلَى النَّظَرِ فِي قَوَاعِدَ الْأُصُولِ، وَأَوْضَاعِ الْأُصُولِيِّينَ، فَقَدْ أُغْنُوا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَيْسَ فِي حَقِّهِمْ إِلَّا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا وَقَالَ
[ ٢ / ٣٨٢ ]
رَسُولُهُ كَذَا، وَالثَّانِي مَعْنَاهُ كَذَا وَكَذَا، وَهُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَأَحْظَى الْأُمَّةِ بِهِمَا، فَقُوَاهُمْ مُتَوَافِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ عَلَيْهِمَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[أسباب تفضيل الصحابة]
وَلِهَذَا نَقُولُ فِي النَّظْمِ:
«فَإِنَّهُمْ قَدْ شَاهَدُوا الْمُخْتَارَا وَعَايَنُوا الْأَسْرَارَ وَالْأَنْوَارَا»
«وَجَاهَدُوا فِي اللَّهِ حَتَّى بَانَا دِينُ الْهُدَى وَقَدْ سَمَا الْأَدْيَانَا»
«وَقَدْ أَتَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ مِنْ فَضْلِهِمْ مَا يَشْفِي لِلْغَلِيلِ»
«وَفِي الْأَحَادِيثِ وَفِي الْآثَارِ وَفِي كَلَامِ الْقَوْمِ وَالْأَشْعَارِ»
«مَا قَدْ رَبَا مِنْ أَنْ يُحِيطَ نَظْمِي عَنْ بَعْضِهِ فَاقْنَعْ وَخُذْ عَنْ عِلْمِ»
«فَإِنَّهُمْ» أَيِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ مِنَ الْمَلِكِ السَّلَامِ، «قَدْ شَاهَدُوا»، وَصَحِبُوا «الْمُخْتَارَا» بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ سَائِرِ الْأَنَامِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَأَتَمُّ السَّلَامِ، «وَعَايَنُوا» فِي صُحْبَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ الْمُخْتَارِ «الْأَسْرَارَ» الْقُرْآنِيَّةَ، وَعَلِمُوهَا مِنَ الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَعَلِمُوا التَّنْزِيلَ وَالتَّأْوِيلَ وَآدَابَهُ، «وَ» عَايَنُوا «الْأَنْوَارَ» الْقُرْآنِيَّةَ، وَالْأَشِعَّةَ الْمُصْطَفَوِيَّةَ، فَهُمْ أَسْعَدُ الْأُمَّةِ بِإِصَابَةِ الصَّوَابِ، وَأَجْدَرُ الْأَئِمَّةِ بِعِلْمِ فِقْهِ السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ، لِفَوْزِهِمْ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَمُشَاهَدَةِ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَسْبَابِ، فَلَا يُجَارُوا فِي عِلْمِهِمْ، وَلَا يُبَارُوا فِي فَهْمِهِمْ، فَكُلُّ عِلْمٍ وَفَهْمٍ وَخَيْرٍ عَنْهُمْ وَصَلَ، وَكُلُّ سَعَادَةٍ وَسِيَادَةٍ وَفِقْهٍ مِنْ عِلْمِهِمْ وَبِسَبَبِهِمْ حَصَلَ، فَرِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَا زَيَّنَ ذِكْرُهُمُ الدَّفَاتِرَ، وَشَرَّفَ نَشْرُهُمُ الْمَنَابِرَ، «وَجَاهَدُوا فِي» سَبِيلِ «اللَّهِ»، لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمُ النَّفِيسَةَ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ، «حَتَّى بَانَا» بِأَلْفِ الْإِطْلَاقِ أَيْ ظَهَرَ وَوَضَحَ وَاسْتَعْلَنَ «دِينُ الْهُدَى» أَيْ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بِهِ الْهُدَى وَالدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ وَالْفَوْزُ وَالْفَلَاحُ، وَأَشْرَقَ نُورُ الِاهْتِدَا وَشُعَاعُ الْوُصُولِ فَلَاحَ «وَقَدْ سَمَا» أَيْ عَلَا دِينُ الْإِسْلَامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ «الْأَدْيَانَا» أَيْ سَائِرَ الْأَدْيَانِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الدِّينِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، فَسَائِرُ الْأَدْيَانِ غَيْرُ دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ سَيِّدُ وَلَدِ عَدْنَانَ مَنْسُوخَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ مَمْسُوخَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وَقَالَ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] .
[ ٢ / ٣٨٣ ]
«وَقَدْ أَتَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ»
مِنَ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ، وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، «مِنْ فَضْلِهِمْ» أَيِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ - عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ وَالسَّلَامُ - «مَا» أَيِ الَّذِي يَعْنِي مِنَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ، وَالْكَلِمَاتِ الْبَاهِرَاتِ «يَشْفِي» مِنْ شَفَى يَشْفِي أَيْ يُبْرِئُ «لِلْغَلِيلِ» - بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - كَأَمِيرٍ الْعَطَشِ أَوْ شِدَّتِهِ، أَوْ حَرَارَةِ الْجَوْفِ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ مَا يُطْفِئُ حَرَارَةَ الْجَهْلِ بِمَقَامَاتِهِمُ الْبَاذِخَةِ، وَبِنَفْيِ الْوَهْمِ وَالْغُلِّ عَنْ أَطْوَادِ عُلُومِهِمُ الرَّاسِخَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَاتِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] الْآيَاتِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] وَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] وَقَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الصَّادِقِينَ، وَكُلُّ صَادِقٍ بَعْدَهُمْ فَبِهِمْ يَأْتَمُّ فِي صِدْقِهِ، بَلْ حَقِيقَةُ صِدْقِهِ اتِّبَاعُهُ لَهُمْ، وَكَوْنُهُ مَعَهُمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ أُمَّةً خِيَارًا عُدُولًا فَإِنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الْوَسَطِ، فَهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَعْدَلُهَا فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَبِهَذَا اسْتَحَقُّوا أَنْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ لِلرُّسُلِ عَلَى أُمَمِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ شُهَدَاؤُهُ، وَلِهَذَا نَوَّهَ بِهِمْ، وَرَفَعَ ذِكْرَهُمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] الْآيَةَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْكَلِمَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ.
«وَ» قَدْ أَتَى أَيْضًا «فِي الْأَحَادِيثِ» النَّبَوِيَّةِ «وَفِي الْآثَارِ»
[ ٢ / ٣٨٤ ]
السَّلَفِيَّةِ «وَ» قَدْ أَتَى «فِي كَلَامِ الْقَوْمِ» مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ وَالْهِمَمِ الْوَافِيَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَفْهَامِ الذَّكِيَّةِ، «وَ» فِي «الْأَشْعَارِ» الْمَرْضِيَّةِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْمُوَلَّدِينَ مِنْ مَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ «مَا» أَيْ شَيْءٌ «قَدْ رَبَا» أَيْ زَادَ وَعَلَا وَنَمَا «مِنْ أَنْ يُحِيطَ نَظْمِي» فِي هَذِهِ الْأُرْجُوزَةِ، وَيَضِيقَ «عَنْ بَعْضِهِ» فَضْلًا عَنْ غَالِبِهِ وَكُلِّهِ، «فَاقْنَعْ» بِمَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاتَّةِ وَالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْ سَيِّدِ بَنِي آدَمَ، وَصَفْوَةِ جَمِيعِ الْعَالَمِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، «وَخُذْ» ذَلِكَ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ وَصُرَّهُ إِلَيْكَ وَاعْتَصِمْ بِهِ وَاسْتَنِدْ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ «عَنْ عَلْمٍ» وَيَقِينٍ وَإِيضَاحٍ وَتَبْيِينٍ وَمَعْرِفَةٍ وَتَمْكِينٍ، وَقَوْلُهُ: وَاقْنَعْ مِنَ الْقَنُوعِ، وَهُوَ الرِّضَا بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَطَاءِ، وَقَدْ قَنِعَ بِالْكَسْرِ يَقْنَعُ قُنُوعًا وَقَنَاعَةً إِذَا رَضِيَ، وَقَنَعَ بِالْفَتْحِ قُنُوعًا إِذَا سَأَلَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: " «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى» ". لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِنْهَا لَا يَنْقَطِعُ، فَكُلَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا قَنِعَ بِمَا دُونَهُ وَرَضِيَ، وَحَدِيثُ: " «عَزَّ مَنْ قَنِعَ وَذَلَّ مَنْ طَمَعَ» ". لِأَنَّ الْقَانِعَ لَا يُذِلُّهُ الطَّلَبُ، فَلَا يَزَالُ عَزِيزًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا مَقَامَ بَعْدَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ أَعْظَمُ مِنْ مَقَامِ قَوْمٍ ارْتَضَاهُمُ اللَّهُ - ﷿ - لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ - ﷺ -، وَنُصْرَةِ دِينِهِ الْقَوِيمِ، وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] الْآيَاتِ، وَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فَمَنْ تَأَمَّلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَأَعْطَى الْمَقَامَ حَقَّهُ نَجَا مِنْ قَبِيحِ مَا انْتَحَلَتِ الرَّافِضَةُ، وَفَضِيحِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِلْحَادُ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْإِفْكِ وَالْمُنَاقَضَةِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ أَدْنَى شَائِبَةٍ تُزْرِي بِتِلْكَ الْمَنَاصِبِ الشَّامِخَةِ، وَالْعُلُومِ الرَّاسِخَةِ، وَلِهَذَا نَقُولُ:
[التحذير من الإزراء بفضل الصحابة]
«وَاحْذَرْ مِنَ الْخَوْضِ الَّذِي قَدْ يُزْرِي بِفَضْلِهِمْ مِمَّا جَرَى لَوْ تَدْرِي»
«فَإِنَّهُ عَنِ اجْتِهَادٍ قَدْ صَدَرْ فَاسْلَمْ أَذَلَّ اللَّهُ مَنْ لَهُمْ هَجَرْ»
[ ٢ / ٣٨٥ ]
«وَاحْذَرْ» حَذَرَ إِذْعَانٍ وَتَسْلِيمٍ مَعَ سَلَامَةِ صَدْرٍ وَامْتِثَالِ أَمْرِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ «مِنَ الْخَوْضِ» الْمُفْضِي إِلَى التَّوَسُّعِ وَالتَّنْقِيبِ وَالتَّبَجُّحِ وَالتَّأْنِيبِ «الَّذِي قَدْ يُزْرِي» وَيُنْقِصُ وَيَحُطُّ «بِفَضْلِهِمُ» الْمَعْلُومِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ ذَوِي الْعُلُومِ مِمَّا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ شَذْرَةً صَالِحَةً مِنْهُ «مِمَّا» أَيْ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالتَّخَاصُمِ وَالتَّشَاجُرِ الَّذِي «جَرَى» بَيْنَهُمْ «لَوْ» كُنْتَ «تَدْرِي» غِبَّ ذَلِكَ الْخَوْضِ الْمُفْضِي إِلَى تَوْلِيدِ الْإِحَنِ وَحَزَازَاتِ الْقُلُوبِ وَالْحِقْدِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَهُمُ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَقَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا مِنَ الْمُنَازَعَاتِ وَالْمُقَاتَلَاتِ مَا لَوْ صَدَرَتْ مِنْ سِوَاهُمْ، أَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ تَقْصُرْ عَنِ التَّفَسُّقِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ «فَإِنَّهُ» أَيِ التَّخَاصُمُ وَالنِّزَاعُ وَالتَّقَاتُلُ وَالدِّفَاعُ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ، كَانَ «عَنِ اجْتِهَادٍ قَدْ صَدَرَ» مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُءُوسِ الْفَرِيقَيْنِ، وَمَقْصِدٍ سَائِغٍ لِكُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُصِيبُ فِي ذَلِكَ لِلصَّوَابِ وَاحِدًا، وَهُوَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَالْمُخْطِئُ هُوَ مَنْ نَازَعَهُ وَعَادَاهُ، غَيْرَ أَنَّ لِلْمُخْطِئِ فِي الِاجْتِهَادِ أَجْرًا وَثَوَابًا، خِلَافًا لِأَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْعِنَادِ، فَكُلُّ مَا صَحَّ مِمَّا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي عَنْهُمُ الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ، فَمُقَاوَلَةُ عَلِيٍّ مَعَ الْعَبَّاسِ - ﵄ - لَا تَقْضِي إِلَى شَيْنٍ، وَتَقَاعُدُ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - عَنْ مُبَايَعَةِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ كَانَ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا لِعَدَمِ مَشُورَتِهِ كَمَا عَتَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِمَّا وُقُوفًا مَعَ خَاطِرِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِ فَاطِمَةَ الْبَتُولِ - ﵍ - مِمَّا ظَنَّتْ أَنَّهُ لَهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا هُنَالِكَ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا بَايَعَ الصِّدِّيقَ - ﵄ - عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، فَاتَّحَدَتِ الْكَلِمَةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَحَصَلَ الْمُرَادُ، وَتَوَقُّفِ عَلِيٍّ - ﵁ - عَنْ الِاقْتِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، إِمَّا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْقَاتِلِ، وَإِمَّا خَشْيَةَ تَزَايُدِ الْفَسَادِ وَالطُّغْيَانِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمُعَاوِيَةُ - ﵃ - وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مَا بَيْنَ مُجْتَهِدٍ وَمُقَلِّدٍ فِي جَوَازِ مُحَارِبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، سَيِّدِنَا أَبِي الْحَسَنَيْنِ، الْأَنْزَعِ الْبَطِينِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ الْمُصِيبَ فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ وَالتَّنَازُعِ
[ ٢ / ٣٨٦ ]
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَدَافُعٍ، وَالْحَقُّ الَّذِي لَيْسَ عَنْهُ نُزُولٌ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عُدُولٌ، لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ فِي تِلْكَ الْخُصُومَاتِ، مُجْتَهِدُونَ فِي هَاتِيكَ الْمُقَاتَلَاتِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ وَاحِدًا، فَالْمُخْطِئُ مَعَ بَذْلِ الْوُسْعِ وَعَدَمِ التَّقْصِيرِ مَأْجُورٌ لَا مَأْزُورٌ، وَسَبَبُ تِلْكَ الْحُرُوبِ اشْتِبَاهُ الْقَضَايَا، فَلِشِدَّةِ اشْتِبَاهِهَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمْ، وَصَارُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ ظَهَرَ لَهُمُ اجْتِهَادًا أَنَّ الْحَقَّ فِي هَذَا الطَّرَفِ، وَأَنَّ مُخَالِفَهُ بَاغٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ نُصْرَةُ الْمُحِقِّ، وَقِتَالُ الْبَاغِي عَلَيْهِ فِيمَا اعْتَقَدُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ التَّأَخُّرُ عَنْ مُسَاعَدَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ فِي اعْتِقَادِهِ، وَقِسْمٌ عَكْسُهُ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمُ الْقَضِيَّةُ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَاعْتَزَلُوا الْفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ هَذَا الِاعْتِزَالُ هُوَ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ عَلَى قِتَالِ مُسْلِمٍ حَتَّى يَظْهَرَ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّهُمْ مَعْذُورُونَ وَمَأْجُورُونَ لَا مَأْزُورُونَ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَاتِهِمْ وَرِوَايَاتِهِمْ، وَثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِنْهُمُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: يَجِبُ حُبُّ كُلِّ الصَّحَابَةِ، وَالْكَفُّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ كِتَابَةً وَقِرَاءَةً وَإِقْرَاءً وَسَمَاعًا وَتَسْمِيعًا، وَيَجِبُ ذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَالْمَحَبَّةُ لَهُمْ، وَتَرْكُ التَّحَامُلِ عَلَيْهِمْ، وَاعْتِقَادُ الْعُذْرِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ لَا يُوجِبُ كُفْرًا وَلَا فِسْقًا، بَلْ رُبَّمَا يُثَابُونَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ سَائِغٌ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: الْمُصِيبُ عَلِيٌّ، وَمَنْ قَاتَلَهُ فَخَطَؤُهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الْخَوْضِ فِي النَّظْمِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ خَاضَ، وَيُسَلِّمُ أَحَادِيثَ التَّفَاضُلِ، وَقَدْ تَبَرَّأَ - ﵁ - مِمَّنْ ضَلَّلَهُمْ أَوْ كَفَّرَهُمْ، وَقَالَ: السُّكُوتُ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ - وَعَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لَيْسَ مِنَ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، وَلَا مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الدِّينِ، بَلْ رُبَّمَا أَضَرَّ بِالْيَقِينِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ نُتَفًا فِي كُتُبِهِمْ، صَوْنًا لِلْقَاصِرِينَ عَنِ التَّأْوِيلِ عَنِ اعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ حِكَايَاتِ الرَّافِضَةِ وَرِوَايَاتِهَا، لِيَتَجَنَّبَ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَى
[ ٢ / ٣٨٧ ]
حَقِيقَةِ عِلْمِهَا، وَلِأَنَّ الْخَوْضَ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيمِ، وَلِلرَّدِّ عَلَى الْمُتَعَصِّبِينَ، أَوْ لِتَدْرِيسِ كُتُبٍ تَشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الْآثَارِ، فَيُؤَوِّلُ ذَلِكَ، وَيُبَيِّنُهُ لِلْعَوَامِّ، لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ بِالتَّأْوِيلِ مَعَ أَنَّ غَالِبَ أَوْ كُلَّ مَا يَحْكِيهِ الرَّافِضَةُ مَوْضُوعٌ، وَأَكْثَرُهُ بَاطِلٌ مَصْنُوعٌ، فَلَا جَرَمَ السَّلَامَةُ فِي التَّسْلِيمِ، وَكَفُّ اللِّسَانِ عَنْ هَذَا الْمَدْخَلِ الضَّيِّقِ الْعَظِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ: «فَاسْلَمْ» مِنَ الْخَوْضِ فِي تِلْكَ الْبُحُورِ، وَاحْذَرْ مِنَ الْعِثَارِ فِي ذَلِكَ الْغَطْشِ الدَّيْجُورِ، فَإِنَّ مَنْ قَارَبَ الْفِتْنَةَ افْتَتَنَ، وَمَنْ تَعَرَّضَ بِدِينِهِ لِلشُّبَهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ اخْتَبَنَ، ثُمَّ إِنَّ النَّاظِمَ دَعَا عَلَى طَائِفَةِ الْجَفَاءِ وَالْفُجُورِ وَأَهْلِ الرَّفْضِ وَالضَّلَالِ مِمَّنْ حَادَ عَنِ الْأَمْرِ الْمَأْمُورِ، فَقَالَ: «أَذَلَّ اللَّهُ» - ﷾ - وَقَدْ فَعَلَ «مَنْ» كُلُّ مُبْتَدِعٍ مِنَ الرَّافِضَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ «لَهُمْ» أَيْ لِلصَّحَابَةِ الْكِرَامِ أَوْ لِبَعْضِهِمْ «هَجَرَ» وَعَادَى وَلَمْ يُوَالِ وَيُحِبَّ.
وَقَدْ رَوَى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي خَيْرًا أَلْقَى حُبَّ أَصْحَابِي فِي قَلْبِهِ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: " «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» ". وَالَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ تَزْكِيَةُ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، بِإِثْبَاتِ الْعَدَالَةِ لَهُمْ، وَالْكَفِّ عَنِ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ عَنِ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ لَأَوْجَبَتِ الْحَالُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ، وَنُصْرَةِ الدِّينِ، وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ، وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ، وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، الْقَطْعُ بِتَعْدِيلِهِمْ، وَالِاعْتِقَادُ لِنَزَاهَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْمُعَوِّلُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا مَنْ شَذَّ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالِابْتِدَاعِ، مِمَّنْ ضَلَّ وَأَضَلَّ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِمْ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ الْعِرَاقِيُّ - مِنْ أَجَلِّ شُيُوخِ مُسْلِمٍ -: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ
[ ٢ / ٣٨٨ ]
أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ، وَالرَّسُولُ حَقٌّ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَمَا أَدَّى إِلَيْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَّا الصَّحَابَةُ، فَمَنْ جَرَحَهُمْ إِنَّمَا أَرَادَ إِبْطَالَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكُونُ الْجَرْحُ بِهِ أَلْيَقَ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ وَالضَّلَالِ أَقْوَمَ وَأَحَقَّ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَطْعًا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَثَبَتَ أَنَّ جَمِيعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَهْجُرُ الصَّحَابَةَ وَيُعَادِيهِمْ إِلَّا عَدُوٌّ لِلَّهِ مَبْعُودٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ خَبِيثٌ زِنْدِيقٌ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ فَسَقَ، وَعَنْهُ: يَكْفُرُ مُطْلَقًا، وَإِنَّ فَسَّقَهُمْ أَوْ طَعَنَ فِي دِينِهِمْ أَوْ كَفَّرَهُمْ كَفَرَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَنِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ، وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ فِي جَنْبِ مَا سُكِتَ عَنْهُ كَقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ طَامٍّ، وَذُبَالَةٍ مِنْ نُورٍ عَامٍّ؛ ذَكَرَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، ثُمَّ تَابِعِيهِمْ كَمَا قَالَ خَيْرُ الْأَنَامِ، فَقَالَ:
[التابعون وفضلهم]
«وَبَعْدَهُمْ فَالتَّابِعُونَ أَحْرَى بِالْفَضْلِ ثُمَّ تَابَعُوهُمْ طُرَّا»
«وَبَعْدَهُمْ» أَيْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ الْمَخْصُوصِينَ بِالْفَضْلِ وَالْعَدَالَةِ الْعَامَّةِ وَالْإِصَابَةِ، «فَالتَّابِعُونَ» لَهُمْ بِإِحْسَانٍ «أَحْرَى» أَيْ أَحَقُّ وَأَجْدَرُ «بِالْفَضْلِ» وَالْإِتْقَانِ وَالتَّقْدِيمِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَتَعْرِيفُ التَّابِعِيِّ هُوَ كُلُّ مَنْ صَحِبَ الصَّحَابِيَّ، وَمُطْلَقُهُ مَخْصُوصٌ بِالتَّابِعِيِّ بِإِحْسَانٍ، وَيُقَالُ لِلْوَاحِدِ تَابِعٌ وَتَابِعِيٌّ، وَلَا بُدَّ فِي التَّابِعِيِّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى مَا تُعْتَبَرُ بِهِ الصُّحْبَةُ فِي الصَّحَابِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الصُّحْبَةَ خُصُوصِيَّةٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَلَهُمْ طَبَقَاتٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اجْتَمَعَ بِعَشَرَةٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِالْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَفْضَلِ التَّابِعِينَ، قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَفْضَلُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَفْضَلُ التَّابِعِينَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَمْرٍو وَهُوَ الْقَرَنِيُّ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِحَدِيثِ: " «خَيْرُ التَّابِعِينَ أُوَيْسٌ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى
[ ٢ / ٣٨٩ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: " «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ» ". قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا: وَيُقَالُ: أُوَيْسُ بْنُ عَمْرٍو، وَهُوَ الْقَرَنِيُّ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ - وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ، وَهُوَ قَرَنُ بْنُ رَمْدَانَ، وَغَلَّطُوا مَنْ نَسَبَهُ إِلَى قَرْنِ الْمَنَازِلِ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ فِي الْإِحْرَامِ، وَفِيهِ طَلَبُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ تَفْضِيلَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَلَى سَائِرِ التَّابِعِينَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الصَّرِيحِ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ فِي تَفْضِيلِ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَضْرَابِهِ أَفْضَلِيَّةُ سَعِيدٍ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَفْعِ الْأُمَّةِ بِذَلِكَ، وَبِمَا بَلَّغَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - فَإِنَّهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ حَتَّى قِيلَ فِيهِ: أَعْلَمُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِدِينِ مُحَمَّدٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ - ﵀ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّابِعِينَ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانٌ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً - ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ ". زَادَ فِي رِوَايَةٍ وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ -، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ: " «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا» . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا. وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: " «لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ طَلْحَةُ: فَقَدْ رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ -، وَقَالَ مُوسَى: قَدْ رَأَيْتُ طَلْحَةَ، وَقَالَ يَحْيَى: وَقَالَ لِي مُوسَى: وَقَدْ رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ نَرْجُو اللَّهَ تَعَالَى. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ أَلْقَى الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ إِلَى التَّابِعِينَ مَا تَلَقَّوْهُ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ خَالِصًا صَافِيًا، وَكَانَ سَنَدُهُمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ - ﷺ - عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ رَبِّ
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الْعَالَمِينَ سَنَدًا صَحِيحًا عَالِيًا، وَقَالُوا: هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إِلَيْنَا، وَقَدْ عَهِدْنَاهُ إِلَيْكُمْ، وَهَذِهِ وَصِيَّةُ رَبِّنَا وَفَرْضِهِ عَلَيْنَا، وَهِيَ وَصِيَّتُهُ وَفَرْضُهُ عَلَيْكُمْ، فَجَرَى التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَاقْتَفَوْا آثَارَ صِرَاطِهِمُ الْمُسْتَقِيمِ، وَلِهَذَا قَالَ «ثُمَّ» الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّابِعِينَ «تَابِعُوهُمْ» أَيْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَصَرِيحِ الْآثَارِ «طُرًّا» أَيْ جَمِيعًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ، لِأَنَّهُمْ سَلَكُوا مَسْلَكَهُمُ الرَّشِيدَ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤] وَكَانُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ كَمَا قَالَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]، ثُمَّ جَاءَ الْأَئِمَّةُ مِنَ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْمُفَضَّلِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵃ - أَجْمَعِينَ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» " الْحَدِيثَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ زَمَانٍ وَاحِدٍ مُتَقَارِبٍ اشْتَرَكُوا فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ، فَقَرْنُهُ - ﷺ - هُمْ أَصْحَابُهُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَبُو الطُّفَيْلِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ نَحْوِ مِائَةٍ إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا، وَأَظْهَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ نِحْلَتَهَا، وَرَفَعَتِ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا، وَامْتُحِنَتْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُمْ إِمَامَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ، فَقَامَ بِأَمْرِ السُّنَّةِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَعَاضَدَهُ عَلَيْهَا أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ، وَحُفَّاظٌ لِلدِّينِ فِخَامٌ، شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُمْ، وَثَبَّتَنَا عَلَى نَهْجِهِمْ، آمِينَ، وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ - ﷺ - كَمَا فِي رِوَايَةِ: «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ»، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي - يَعْنِي الصَّحَابَةَ -، ثُمَّ التَّابِعِينَ، وَالْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ كُلِّ زَمَانٍ، مَأْخُوذٌ مِنْ الِاقْتِرَانِ، فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ مِائَةٌ، وَقِيلَ هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ قَرْنًا. قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ
[ ٢ / ٣٩١ ]
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِثْبَاتِهَا]
وَهَذَا مِنَ الْعَقَائِدِ السُّنِّيَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِي اعْتِقَادِهَا، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا وَإِهْمَالُهَا، وَلِهَذَا قَالَ:
«وَكُلُّ خَارِقٍ أَتَى عَنْ صَالِحٍ مِنْ تَابِعٍ لِشَرْعِنَا وَنَاصِحٍ»
«فَإِنَّهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي بِهَا نَقُولُ فَاقْفُ لِلْأَدِلَّةِ»
«وَمَنْ نَفَاهَا مِنْ ذَوِي الضَّلَالِ فَقَدْ أَتَى فِي ذَاكَ بِالْمُحَالِ»
«فَإِنَّهَا شَهِيرَةٌ وَلَمْ تَزَلْ فِي كُلِّ عَصْرٍ يَا شَقَا أَهْلِ الزَّلَلْ»
«وَكُلُّ خَارِقٍ» لِلْعَادَةِ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: (الْأَوَّلُ) الْمُعْجِزَةُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، (الثَّانِي) الْإِرْهَاصُ وَهُوَ كُلُّ خَارِقٍ تَقَدَّمَ النُّبُوَّةَ فَهُوَ مُقَدِّمَةٌ لَهَا، فَالْمُعْجِزَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَالْإِرْهَاصُ مُقَدِّمَةٌ لَهَا قَبْلَهَا كَقِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ، (الثَّالِثُ) الْكَرَامَةُ وَهِيَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ غَيْرُ مَقْرُونٍ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ وَلَا هُوَ مُقَدِّمَةٌ، يَظْهَرُ عَلَى يَدِ عَبْدٍ ظَاهِرِ الصَّلَاحِ، مُلْتَزِمٍ لِمُتَابَعَةِ نَبِيٍّ كُلِّفَ بِشَرِيعَتِهِ مَصْحُوبٍ بِصَحِيحِ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، عَلِمَ بِهَا ذَلِكَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، (الرَّابِعُ) الِاسْتِدْرَاجُ وَالْمَكْرُ، (الْخَامِسُ) الْمَعُونَةُ كَمَا يَظْهَرُ بِسَبَبِ بَعْضِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ وَضُعَفَاءِ أَهْلِ الدِّينِ تَخْلِيصًا لَهُمْ مِنَ الْمِحَنِ وَالْمَكَارِهِ، (السَّادِسُ) الْإِهَانَةُ وَالِاحْتِقَارُ كَمَا فَعَلَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ مِنْ مَسْحِهِ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِ غُلَامٍ فَانْقَرَعَ، وَمِنْ تَفْلِهِ فِي بِئْرٍ عَذْبَةٍ لِيَزْدَادَ حَلَاوَةً فَصَارَ مِلْحًا أُجَاجًا، وَمِنَ الْخَوَارِقِ الْفَاسِدَةِ السِّحْرُ وَالشَّعْوَذَةُ وَنَحْوُهُمَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَرَامَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَمْرًا خَارِقًا لِلْعَادَةِ، «أَتَى» ذَلِكَ الْخَارِقُ «عَنْ» امْرِئٍ «صَالِحٍ» وَهُوَ الْوَلِيُّ الْعَارِفُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ حَسْبَ مَا يُمْكِنُ، الْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَاتِ الْمُجْتَنِبُ عَنِ الْمَعَاصِي، الْمُعْرِضُ عَنْ الِانْهِمَاكِ فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صُدُورُ ذَلِكَ الْخَارِقِ فِي زَمَانِنَا وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ مُنْذُ بُعِثَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - «مِنْ» إِنْسَانٍ «تَابِعٍ لِشَرْعِنَا» مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ سَائِرَ الشَّرَائِعِ سِوَاهُ قَدْ نُسِخَتْ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِقُ مِنْ قِبَلِ مَنْ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ غَيْرِ مُقَارِنٍ لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، فَمَا لَا يَكُونُ مَقْرُونًا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ يَكُونُ اسْتِدْرَاجًا وَمَا
[ ٢ / ٣٩٢ ]
يَكُونُ مَقْرُونًا بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُعْجِزَةً كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَلِاعْتِبَارِ كَوْنِ مَنْ صَدَرَتْ عَنْهُ الْخَوَارِقُ عَارِفًا مُطِيعًا ظَاهِرَ الصَّلَاحِ، مُتَابِعًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَشَارَ بِقَوْلِهِ «وَنَاصِحٍ» لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ الَّتِي أَتَى بِهَا عَنِ اللَّهِ، وَنَاصِحٍ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَخَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، فَإِنَّ «الدِّينَ النَّصِيحَةُ»، فَمَا يَصْدُرُ مِنَ الْخَوَارِقِ الْمُؤَكِّدَةِ لِكَذِبِ الْكَذَّابِينَ وَتُرَّهَاتِ الْمُفْتَرِينَ مِنْ قَبِيلِ الْمَكْرِ وَالِاسْتِدْرَاجِ وَالْمِحَنِ وَالِاعْوِجَاجِ، وَأَمَّا إِذَا صَدَرَتْ عَمَّنْ ذَكَرَ مِنَ الصَّالِحِ النَّاصِحِ الْمُتَابِعِ لِشَرْعِنَا الْقَوِيمِ وَدِينِنَا الْمُسْتَقِيمِ «فَإِنَّهَا» تَكُونُ «مِنَ الْكَرَامَاتِ الَّتِي بِهَا» أَيْ بِجَوَازِهَا وَوُقُوعِهَا «نَقُولُ» مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَكَرَامَةُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ، وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - عَلَى مَنْ أَنْكَرَهَا وَضَلَّلَهُ، وَقَالَ: وَتُوجَدُ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عَلَى وِلَايَتِهِ لِجَوَازِ سَلْبِهَا وَأَنْ تَكُونَ اسْتِدْرَاجًا لَهُ يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ الْخَارِقِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَلَا يُسَاكِنُهَا وَلَا يَقْطَعُ هُوَ بِكَرَامَتِهِ بِهَا وَلَا يَدَّعِيهَا، وَتَظْهَرُ بِلَا طَلَبِهِ تَشْرِيفًا لَهُ ظَاهِرًا، وَلَا يَعْلَمُ مَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ وَلِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى غَالِبًا بِذَلِكَ، وَقِيلَ: بَلَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْكَرَامَاتِ وَوُجُودِهَا صِدْقُ مَنْ يَدَّعِيهَا بِدُونِ بَيِّنَةٍ أَوْ قَرَائِنَ حَالِيَّةٍ تُفِيدُ الْجَزْمَ بِذَلِكَ، وَإِنْ مَشَى هُوَ عَلَى الْمَاءِ وَفِي الْهَوَاءِ أَوْ سُخِّرَتْ لَهُ الْجِنُّ وَالسِّبَاعُ، حَتَّى تَنْظُرَ خَاتِمَتَهُ وَمُوَافَقَتَهُ لِلشَّرْعِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَإِنْ وُجِدَ الْخَارِقُ مِنْ نَحْوِ جَاهِلٍ فَهُوَ مَخْرَقَةٌ وَمَكْرٌ مِنْ إِبْلِيسَ وَإِغْوَاءٌ وَإِضْلَالٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ ظَنَّ الْخَيْرَ بِمَنْ يَرَاهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ شَيْطَانًا وَحُسْنُ الظَّنِّ بِأَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ حَسَنٌ «فَاقْفُ» فِي اعْتِقَادِكَ الصَّالِحِ وَنَهْجِكَ أَيِ اتَّبِعْ «لِلْأَدِلَّةِ»
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الشَّرْعِيَّةِ وَالْمُشَاهَدَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْقَوَاطِعِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالْعِيَانِ وَالْبُرْهَانِ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ وُجُودَهَا جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ عِيَانًا وَشَرْعًا، فَإِنَّ حَمْلَ مَرْيَمَ بِلَا ذَكَرٍ، وَوُجُودَ الرِّزْقِ عِنْدَهَا بِلَا سَبَبٍ مِنْ فَاكِهَةِ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةِ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ مِنَ الْخَوَارِقِ، وَلَيْسَتَا بِمُعْجِزَتَيْنِ لِعَدَمِ شَرْطِ الْمُعْجِزَةِ وَهُوَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ وَالتَّحَدِّي فَتَعَيَّنَ كَوْنُ ذَلِكَ كَرَامَةً لَهَا، وَأَيْضًا قِصَّةُ آصِفَ بْنَ بَرْخِيَا، فَإِنَّ إِحْضَارَهُ لِعَرْشِ بِلْقِيسَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ حَتْمًا، وَأَيْضًا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فَإِنَّ بَقَاءَهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ بِلَا آفَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْخَوَارِقِ.
وَثَانِيًا مَا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُهُ آحَادًا مِنْ كَرَامَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَإِلَى وَقْتِنَا هَذَا مِمَّا ذَاعَ وَشَاعَ، وَمَلَأَ الْآفَاقَ وَالْأَسْمَاعَ، وَضَاقَتْ عَنْ إِحْصَائِهِ الدَّفَاتِرُ، وَشَهِدَتْ بِوُجُودِهِ الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُعَانِدٌ وَمُكَابِرٌ، فَلَا جَرَمَ فَهُوَ الْحَقُّ الصُّرَاحُ الرَّادِعُ لِأَهْلِ الْإِنْكَارِ وَالْكِفَاحِ.
وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ كَرَامَةً لِمَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ غَالِبًا، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مَتْبُوعِ مَنْ ظَهَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ وَحَقِّيَّةِ دِينِهِ وَاسْتِقَامَةِ نَهْجِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا «وَمَنْ» أَيْ أَيُّ إِنْسَانٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ «نَفَاهَا» أَيْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَمْ يَقُلْ بِجَوَازِهَا فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهَا «مِنْ ذَوِي» أَيْ أَصْحَابِ «الضَّلَالِ» وَالزَّيْغِ عَنْ نَهْجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاعْتِزَالِ، وَكَذَا مَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ، «فَقَدْ أَتَى فِي ذَاكَ» النَّفْيِ وَعَدَمِ التَّجْوِيزِ لَهَا «بِالْمُحَالِ» الْمُنَابِذِ لِلْبُرْهَانِ وَالْعِيَانِ وَثُبُوتِهَا فِي السُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَمُحْكَمِ الْقُرْآنِ، فَمَعَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْوَقَائِعِ الْمُتَكَاثِرَةِ، فَالْإِنْكَارُ لَهَا مُكَابَرَةٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهِ وَلَا مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَزَعْمُهُمْ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَوْ جَازَ ظُهُورُهَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ لَالْتَبَسَ النَّبِيُّ بِغَيْرِهِ، إِذِ الْفَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا إِنَّمَا هُوَ بِالْمُعْجِزَةِ، وَبِأَنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ لَكَثُرَتْ لِكَثْرَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا خَارِقَةً لِلْعَادَةِ وَالْغَرَضُ كَوْنُهَا خَارِقًا، فَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا لِكَثْرَتِهَا نَافَتِ الْمَقْصُودَ وَخَالَفَتْهُ، وَلِكَوْنِهَا لَوْ ظَهَرَتْ لَا لِغَرَضِ التَّصْدِيقِ لَانْسَدَّ بَابُ إِثْبَاتِ النُّبُوَّةِ بِالْمُعْجِزَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا يَظْهَرُ مِنَ النَّبِيِّ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ التَّصْدِيقِ، وَبِأَنَّ مُشَارَكَةَ الْأَوْلِيَاءِ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي ظُهُورِ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
الْخَوَارِقِ يُخِلُّ بِعَظِيمِ قَدْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَوَقْعِهِمْ فِي النُّفُوسِ، بَاطِلُ الْمَأْخَذِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ، وَالِالْتِفَاتِ لَهُ وَالْمَصِيرِ إِلَيْهِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْأَدِلَّةُ بِكَرَامَةِ الْأَوْلِيَاءِ طَافِحَةً وَالْعِيَانُ وَالْبَيَانُ وَالْبَرَاهِينُ بِهَا وَاضِحَةً، فَكَيْفَ وَالْأَدِلَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالسُّنَنُ النَّبَوِيَّةُ وَالْآثَارُ السَّلَفِيَّةُ وَالْمُشَاهَدَاتُ الْعِيَانِيَّةُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُسْتَقْصَى؟
وَلِهَذَا قَالَ مُعَلِّلًا لِمَا ارْتَكَبُوهُ فِي نَفْيِهَا مِنَ الْمُحَالِ: «لِأَنَّهَا» أَيْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ كَثِيرَةٌ «شَهِيرَةٌ» لِلْعِيَانِ ثَابِتَةٌ بِالْبُرْهَانِ، «وَلَمْ تَزَلْ» تَظْهَرُ عَلَى يَدِ الْأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ التَّحْقِيقِ الْعَارِفِينَ «فِي كُلِّ عَصْرٍ» مَنِ الْأَعْصَارِ الْمَاضِيَةِ وَإِلَى الْآنِ، وَالْعَصْرُ مُثَلَّثَةٌ وَبِضَمَّتَيْنِ الدَّهْرُ وَيُجْمَعُ عَلَى أَعْصَارٍ وَعُصُورٍ وَأَعْصُرٍ وَعُصُرٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالْعَشِيِّ إِلَى احْمِرَارِ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ قِصَّةِ مَرْيَمَ وَعَرْشِ بِلْقِيسَ وَقِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ كَمَا نُقِلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵃ أَجْمَعِينَ -، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ سَلَكُوا مَفَازَةً وَعَطِشُوا عَطَشًا شَدِيدًا حَتَّى خَافُوا الْهَلَاكَ، فَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا حَلِيمُ يَا عَلِيمُ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ اسْقِنَا، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَأَمْطَرَتْ حَتَّى مَلَئُوا الْآنِيَةَ وَسَقَوُا الرِّكَابَ، ثُمَّ انْطَلَقُوا إِلَى خَلِيجٍ مِنَ الْبَحْرِ مَا خِيضَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يَجِدُوا سُفُنًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: يَا حَلِيمُ يَا عَلِيمُ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ أَجِزْنَا، ثُمَّ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، ثُمَّ قَالَ: جُوزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَشَيْنَا عَلَى الْمَاءِ فَوَاللَّهِ مَا ابْتَلَّ لَنَا قَدَمٌ وَلَا خُفٌّ وَلَا حَافِرٌ وَكَانَ الْجَيْشُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ.
وَالطَّيَرَانُ فِي الْهَوَاءِ كَمَا فِي قِصَّةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ذِي الْجَنَاحَيْنِ - ﵁ -، وَقِصَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - وَرُؤْيَتِهِ لِجَيْشِ سَارِيَةَ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرٍ بِالْمَدِينَةِ بِنَهَاوَنْدَ فَنَادَى وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ سَارِيَةَ، فَقَالَ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ. تَحْذِيرًا لَهُ مِنَ الْعَدُوِّ وَمَكْرِهِمْ لَهُ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ، وَسَمَاعِ سَارِيَةَ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ، وَكَشُرْبِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - ﵁ - السُّمَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ تَضَرُّرٌ، وَكَجَرَيَانِ النِّيلِ بِكِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِ الصَّحَابَةِ - ﵃ - مِمَّا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةِ، وَكَذَلِكَ
[ ٢ / ٣٩٥ ]
كَرَامَاتُ التَّابِعِينَ لَهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَا هُوَ طَافِحٌ وَمَشْهُورٌ، لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَإِنْكَارُهُ فِي غَلَبَةِ الْبَيَانِ وَالظُّهُورِ.
وَلِذَا قَالَ لِمَنِ انْتَحَلَ الْمُحَالَ «يَا شَقَا أَهْلِ الزَّلَلِ» بِمَا ارْتَكَبُوهُ، وَيَا خَسَارَتَهُمْ لِمَا انْتَحَلُوا مِنْ رَدِّ الْمَحْسُوسِ وَتَكْذِيبِهِمْ لِلْبُرْهَانِ بِوَسَاوِسِ النُّفُوسِ، وَمُكَابَرَتِهِمْ لِإِنْكَارِ الْعِيَانِ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ وَالْهَوَسِ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّ كَرَامَةَ الْوَلِيِّ وَظُهُورَ الْخَارِقِ عَلَى يَدِهِ مِنْ (حَيْثُ) كَوْنُهُ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ الَّذِي ظَهَرَتْ هَذِهِ الْكَرَامَةُ لِوَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِهِ، لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِتِلْكَ الْكَرَامَةِ أَنَّهُ وَلِيٌّ وَلَنْ يَكُونَ وَلِيًّا إِلَّا بِكَوْنِهِ مُحِقًّا فِي دِيَانَتِهِ، وَدِيَانَتُهُ هِيَ الْإِقْرَارُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالِانْقِيَادُ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ لِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُ الْمَتْبُوعُ وَرَسُولُهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ وَإِلَى مَا جَاءَ بِهِ الرُّجُوعُ، وَالطَّاعَةُ لِأَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءُ عَنْ زَوَاجِرِهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، حَتَّى لَوِ ادَّعَى هَذَا الَّذِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ الْكَرَامَةُ الِاسْتِقْلَالَ بِنَفْسِهِ وَعَدَمَ الْمُتَابَعَةِ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا وَلَمْ يَظْهَرِ الْخَارِقُ عَلَى يَدِهِ، وَلَوْ فُرِضَ ظُهُورُهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِدْرَاجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ مُعْجِزَةٌ سَوَاءٌ ظَهَرَ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ آحَادِ أُمَّتِهِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ كَرَامَةٌ لِخُلُوِّهِ عَنْ دَعْوَى نُبُوَّةِ مَنْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ، فَالنَّبِيُّ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا، وَمِنْ قَصْدِ إِظْهَارِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَعْلَمَ بِوِلَايَتِهِ وَيَسْتُرَ كَرَامَتَهُ وَيُسِرَّهَا، وَيَجْتَهِدَ عَلَى إِخْفَاءِ أَمْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) وَافَقَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ الْمُعْتَزِلِيُّ وَمَنْ نَحَا مَنْحَاهُ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي جَوَازِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَوُقُوعِهَا.
(الثَّانِي) يَجُوزُ فِي الْكَرَامَاتِ أَنْ تَقَعَ بِسَائِرِ وُجُوهِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَلَوْ كَقَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً وَكَوُجُودِ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، لَا بِمِثْلِ مَا اخْتُصَّ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِثْلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ وَأَخَصُّ الْآيَاتِ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْكَرَامَاتُ تُخْتَصُّ بِمِثْلِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ، وَإِنْكَارٌ لِلْحِسِّ بَلِ الصَّوَابُ جَرَيَانُهَا حَتَّى فِي قَلْبِ الْأَعْيَانِ.
(الثَّالِثُ) الْوِلَايَةُ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ وَلَا يَصِلُ الْوَلِيُّ مَا دَامَ
[ ٢ / ٣٩٦ ]
عَاقِلًا بَالِغًا إِلَى مَرْتَبَةِ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ فَهُوَ إِلْحَادٌ وَزَنْدَقَةٌ، وَمِنَ الزَّنْدَقَةِ مَا زَعَمَهُ مَنْ زَعَمَهُ مِنْ بَعْضِ الْكَرَّامِيَّةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِنْ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ بَلْ أَعْلَى، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِي تَزْيِيفِ هَذَا الْمَقَامِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَرَامُ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لِلْوَلِيِّ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأُصُولِ الدِّينِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْخَالِقِ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّي. (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ نَقْلًا وَفَهْمًا، لِيَكْتَفِيَ بِنَظَرِهِ عَنِ التَّقْلِيدِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا اكْتَفَى عَنْ ذَلِكَ فِي أُصُولِ التَّوْحِيدِ، فَلَوْ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى عُلَمَاءَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَوُجِدَ عِنْدَهُ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ وَلَأَقَامَ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، (قُلْتُ) وَهَذَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَا مُشْتَرَطٍ فِي مُطْلَقِ الْوَلِيِّ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، نَعَمْ يُعْتَبَرُ هَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ دُونَ مُطْلَقِ الْوَلِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَتَخَلَّقَ بِالْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ مِنَ الْوَرَعِ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، بَلْ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ وَحُسْنِ الْمُتَابَعَةِ وَالِاقْتِدَاءِ. (الرَّابِعُ) أَنْ يُلَازِمَهُ الْخَوْفُ أَبَدًا، وَاحْتِقَارُ النَّفْسِ سَرْمَدًا، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْخَلْقِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَأَنْ يُبْذَلَ جُهْدَهُ فِي مُرَاقَبَةِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَمُطَالَعَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ وَآفَاتِهَا، وَالْخَوْفِ بِمُلَاحَظَةِ السَّابِقَةِ وَالْخَاتِمَةِ، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ - لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
[فَصْلٌ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ]
(فَصْلٌ)
فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ كَثُرَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ، وَتَشَعَّبَتْ فِيهَا الْأَقْوَالُ، وَعَظُمَتْ فِيهَا الْمِحَنُ وَالْجِدَالُ، وَلِكَثْرَةِ الْخِلَافِ فِيهَا وَتَبَايُنِ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ فِي تَفَاصِيلِهَا قُلْنَا فِي النَّظْمِ
«وَعِنْدَنَا تَفْضِيلُ أَعْيَانِ الْبَشَرْ عَلَى مَلَاكِ رَبِّنَا كَمَا اشْتُهِرْ»
«قَالَ وَمَنْ قَالَ سِوَى هَذَا افْتَرَى وَقَدْ تَعَدَّى فِي الْمَقَالِ وَاجْتَرَى»
«وَعِنْدَنَا» مَعْشَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ خُصُوصًا أَهْلُ الْأَثَرِ وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَكِبَارُ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ وَيَعْتَقِدُونَ «تَفْضِيلَ أَعْيَانِ الْبَشَرِ» مُحَرَّكَةً الْإِنْسَانُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَيُطْلَقُ الْبَشَرُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، وَقَدْ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ أَبْشَارًا وَالْمُرَادُ بِأَعْيَانِهِمُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْأَوْلِيَاءُ، فَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: كُلُّ صَالِحٍ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَا بْنُ عَقِيلٍ: الصَّحِيحُ تَفْضِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْفَسَقَةِ. وَقَالَ تَارَةً: الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَجِبْرِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمِيكَائِيلُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ -: بَنُو آدَمَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَلِذَا قُلْنَا «عَلَى مَلَاكِ رَبِّنَا» ﵎
[ ٢ / ٣٩٨ ]
«كَمَا اشْتُهِرَ» ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ إِمَامِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ -، وَالْمَلَاكُ هُوَ الْمَلَكُ وَجَمْعُهُ مَلَائِكَةٌ، وَحُذِفَتْ هَمْزَةُ مَلَاكٍ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَأَصْلُ وَزْنِهِ مَفْعَلٌ فَقِيلَ مَلَكٌ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ مِنَ الْجَمِيعِ فَيُقَالُ مَلَائِكٌ، وَأَصْلُهُ مَأْلُكٌ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْأُلُوكَةِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ ثُمَّ تَقَدَّمَتِ اللَّامُ عَلَى الْهَمْزَةِ فِي الْجَمْعِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، «قَالَ» إِمَامُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - «وَمَنْ» أَيُّ إِنْسَانٍ «قَالَ» بِلِسَانِهِ أَوِ اعْتَقَدَ بِجَنَانِهِ «سِوَى هَذَا» أَيْ غَيْرَ الْقَوْلِ بِتَفْضِيلِ بَنِي آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ «افْتَرَى» أَيْ أَتَى بِكَلَامٍ خَطَأٍ يُشْعِرُ بِالِافْتِرَاءِ، «وَقَدْ تَعَدَّى» أَيْ تَجَاوَزَ الْحَدَّ الْمَنْقُولَ وَالثَّابِتَ عَنِ الرَّسُولِ وَالسَّلَفِ الْفُحُولِ «فِي الْمَقَالِ» الَّذِي اعْتَمَدَهُ، «وَاجْتَرَى» أَيِ افْتَاتَ عَلَى الشَّارِعِ بِالِاعْتِقَادِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ، وَلَفْظُ النَّصِّ: يُخْطِئُ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَةَ.
وَقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ وَقَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَشْهُورُ بِغُلَامِ الْخَلَّالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَنْ كَانَ خَيْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ كَانَ شَرُّهُ أَكْثَرُ مِنْ خَيْرِهِ فَالْبَهَائِمُ خَيْرٌ مِنْهُ. وَقِيلَ: مَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ عَلَى شَهْوَتِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ فَالْبَهَائِمُ خَيْرٌ مِنْهُ. هَذَا مُحَصَّلُ قَوْلِ جُلِّ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - عَنْ صَالِحِي بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ صَالِحِي الْبَشَرِ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ كَمَالِ النِّهَايَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ بِاعْتِبَارِ الْبِدَايَةِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ الْآنَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مُنَزَّهُونَ عَمَّا يُلَابِسُهُ بَنُو آدَمَ مُسْتَغْرِقُونَ فِي عِبَادَةِ الرَّبِّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ الْآنَ أَكْمَلُ مِنْ أَحْوَالِ الْبَشَرِ، وَأَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَتَصِيرُ حَالُ صَالِحِي الْبَشَرِ أَكْمَلُ مِنْ حَالِ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَتَبَيَّنُ سِرُّ التَّفْضِيلِ وَتَتَّفِقُ أَدِلَّةُ الْفَرِيقَيْنِ وَيُصَالِحُ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى حَقِّهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَعَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي هَذَا الْبَابِ - يَعْنِي بَابَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ - أَنْ يَعْرِفَ أَسْبَابَ الْفَضْلِ أَوَّلًا، ثُمَّ دَرَجَاتِهَا وَنِسْبَةَ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ وَالْمُوَازَنَةَ بَيْنَهَا ثَانِيًا، ثُمَّ نِسْبَتَهَا إِلَى مَنْ قَامَتْ بِهِ كَثْرَةٌ وَقُوَّةٌ ثَالِثًا، ثُمَّ اعْتِبَارُ تَفَاوُتِهَا بِتَفَاوُتِ مَحَلِّهَا رَابِعًا، فَرُبَّ صِفَةٍ هِيَ كَمَالٌ لِشَخْصٍ وَلَيْسَتْ كَمَالًا لِغَيْرِهِ بَلْ كَمَالُ غَيْرِهِ بِسِوَاهَا، فَكَمَالُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِشَجَاعَتِهِ وَحُرُوبِهِ، وَكَمَالُ ابْنِ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
عَبَّاسٍ بِفِقْهِهِ وَعِلْمِهِ، وَكَمَالُ أَبِي ذَرٍّ بِزُهْدِهِ وَتَجَرُّدِهِ عَنِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَقَامَاتٍ يَضْطَرُّ إِلَيْهَا الْمُتَكَلِّمُ فِي دَرَجَاتِ التَّفْضِيلِ، وَتَفْضِيلُ الْأَنْوَاعِ أَسْهَلُ مِنْ تَفْضِيلِ الْأَشْخَاصِ عَلَى الْأَشْخَاصِ وَأَبْعَدُ مِنَ الْهَوَى وَالْغَرَضِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
تَنْبِيهَاتٌ
(الْأَوَّلُ) قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هُنَا ثَلَاثَ صُوَرٍ: (الْأُولَى) التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَفِي هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ الصَّوَابُ. (الثَّانِي) الْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْحَلِيمِيُّ، وَفَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَعَالِمِ وَأَبُو شَامَةَ، وَاخْتَارَ فَخْرُ الدِّينِ الْأَوَّلَ فِي الْأَرْبَعِينَ وَفِي الْمُحَصِّلِ. (الثَّالِثُ) الْوَقْفُ عَنِ الْقَوْلِ بِالتَّفْضِيلِ لِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي غَيْرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ -، أَمَّا هُوَ فَأَفْضَلُ الْخَلْقِ بِلَا خِلَافٍ لَا يُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا غَيْرُهُ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ كَالسُّيُوطِيِّ فِي الْحَبَائِكِ، وَالتَّاجِ السُّبْكِيِّ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ، وَالسِّرَاجِ الْبَلْقِينِيِّ فِي مَنْهَجِ الْأَصْلَيْنِ، وَبَدْرِ الدِّينِ الزَّرْكَشِيِّ، وَنَقَلَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) التَّفَاضُلُ بَيْنَ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَأَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ، وَهُمْ مَنْ عَدَا الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ زَعَمَ بَعْضُهُمْ نَفِيَ الْخِلَافِ بِأَنَّ خَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ، وَنَقَلَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ عَقَائِدِ النَّسَفِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ خَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ بَعْدَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ وَمَدْخُولٌ، فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مُعْتَمَدَ الْقَوْلِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ، نَعَمِ ابْنُ عَقِيلٍ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: خَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ مِنْ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ مَلَكِ الْمَوْتِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، وَقَالَ: فِي الْقَوْلِ بِخِلَافِ هَذَا شَنَاعَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى قَائِلِهِ. كَذَا قَالَ مَعَ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَصَحَّحَ ذَلِكَ.
(الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) التَّفْضِيلُ بَيْنَ أَوْلِيَاءَ الْبَشَرِ وَغَيْرِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وَفِي هَذَا قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) تَفْضِيلُ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَذَكَرَ الْبَلْقِينِيُّ فِي مَنْهَجِهِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَالثَّانِي تَفْضِيلُ أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّفَّارُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ، وَمَالَ الْبَلْقِينِيُّ إِلَى بَعْضِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِنْ أَوْلِيَاءَ الْبَشَرِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوْلِيَاءُ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى مُفَضَّلُونَ عَلَى سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَفَصَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فَقَالُوا: رُسُلُ الْبَشَرِ كَمُوسَى - ﵊ - أَفْضَلُ مِنْ رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ - ﵇ -، وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ كَإِسْرَافِيلَ - ﵇ - أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵄ -، وَعَامَّةُ الْبَشَرِ كَأَوْلِيَائِهِمْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ غَيْرُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ كَحَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالْكُرُوبِيِّينَ.
وَهَذَا نَحْوُ مَا حَكَيْنَا عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَاحْتَجَّ أَهْلُ التَّفْضِيلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ مَدْخُولٌ بَلِ ادَّعَوْا فِيهِ الضَّرُورَةَ، وَاحْتَجُّوا عَلَى تَفْضِيلِ رُسُلِ الْبَشَرِ عَلَى رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ وَعَامَّةِ الْبَشَرِ عَلَى عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ بِوُجُوهٍ سَنَذْكُرُهَا، وَنَقَلَ الْبَلْقِينِيُّ فِي مَنْهَجِ الْأَصْلَيْنِ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ وَهُمُ الرُّسُلُ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمَلَائِكَةُ الْخَوَاصُّ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْخَوَاصِّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ صَالِحِي الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ.
كَذَا قَالَ وَالْحَقُّ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ كَالْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ كَرُسُلِهِمْ، وَخَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ كَرُسُلِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْبَشَرِ كَالْأَوْلِيَاءِ، وَعَوَامُّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ غَيْرُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) فِي بَعْضِ أَدِلَّةِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ تَفْضِيلِ صَالِحِي الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] فَالْمَسْجُودُ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ السَّاجِدِ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى وَآدَمُ كَالْقِبْلَةِ؟
[ ٢ / ٤٠١ ]
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ السُّجُودُ دَالًّا عَلَى (عُلُوِّ) مَنْصِبِ الْمَسْجُودِ لَهُ عَلَى السَّاجِدِ لَمَا قَالَ إِبْلِيسُ: ﴿أَرَأَيْتَكُ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] إِذْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُ هَذَا الْكَلَامَ إِلَيْهِ سِوَى هَذَا السُّجُودِ، فَدَلَّ ذَلِكَ السُّجُودُ عَلَى تَرْجِيحِ مَنْصِبِ الْمَسْجُودِ لَهُ عَلَى السَّاجِدِ، (وَمِنْهَا) أَنَّ آدَمَ - ﵇ - كَانَ أَعْلَمَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَعْلَمُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، (وَمِنْهَا) أَنَّ طَاعَةَ الْبَشَرِ أَشَقُّ، وَالْأَشَقُّ أَفْضَلُ فَإِنَّ الْبَشَرَ مَجْبُولُونَ عَلَى الشَّهْوَةِ وَالْحِرْصِ وَالْغَضَبِ وَالْهَوَى وَنَحْوِهَا وَهَذِهِ مِنْ أَكْبَرِ الْمَوَانِعِ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِي الْمَلَكِ.
(وَمِنْهَا) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] وَالْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْآلُ يُرَادُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسُهُ وَيُرَادُ بِهِ أُقَارِبُهُ الْأَدْنَوْنَ وَيُرَادُ بِهِ أَتْبَاعُهُ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] إِذْ يَلْزَمُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا تَفْضِيلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَالْجَوَابُ الْآيَةُ أَوَّلًا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وَثَانِيًا مِنْ شَرْطِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ وُجُودِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَهُمْ مَوْجُودُونَ حَالَ وُجُودِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، (وَمِنْهَا) أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَهُمْ عُقُولٌ بِلَا شَهْوَةٍ وَالْبَهَائِمُ لَهَا شَهْوَةٌ بِلَا عَقْلٍ، وَالْآدَمِيُّ لَهُ عَقْلٌ وَشَهْوَةٌ، ثُمَّ إِنَّ الْآدَمِيَّ إِنَّ رَجَحَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ كَانَ أَخَسَّ مِنَ الْبَهَائِمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وَقَالَ: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وَإِذَا رَجَحَ عَقْلُهُ عَلَى شَهْوَتِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ وَأَوَامِرَهُ وَطِينَتُهُ مَعْجُونَةٌ بِالشَّهْوَةِ وَالْهَوَى، وَيَقْمَعُ شَهْوَتَهُ وَيُخَالِفُ هَوَاهُ تَكُونُ عِبَادَتُهُ أَفْضَلَ، أَلَا تَرَى مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِالشَّهْوَةِ كَيْفَ وَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ عَلَى مَا قِيلَ؟
وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: كَمَا وَقَعَ لِهَارُوتَ وَمَارُوتَ وَسَاقَهَا مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَكْرَمَ خَلِيقَةِ اللَّهِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ
[ ٢ / ٤٠٢ ]
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَأَيْنَ الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ خَلْقٌ كَخَلْقِ الْأَرْضِ وَخَلْقِ السَّحَابِ وَخَلْقِ الْجِبَالِ وَخَلْقِ الرِّيَاحِ وَسَائِرِ الْخَلَائِقِ، وَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلَائِقِ عَلَى اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ - ﷺ -. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ. قِيلَ: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] . وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا شَيْءٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ غَانِمٍ السُّلَمِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ عَجَائِبُ. قَالَ: وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ تَفْضِيلُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى سُكَّانِ الْأَرْضِ أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ إِذَا كَانَ التَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مَنْ يَكُونُ تَوْفِيقُهُ لَهُ وَعِصْمَتُهُ إِيَّاهُ أَكْثَرُ، وَوَجَدْنَا الطَّاعَةَ الَّتِي وُجُودُهَا بِتَوْفِيقِهِ وَعِصْمَتِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا حَدِيثَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: رَبِّ خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ اللَّهُ ﵎: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدِي وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ» . قَالَ: وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ فِي أَنْوَاعِ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْحَوَادِثِ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ: لَا يُفَضِّلُ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا هَجَّامٌ، بَنَى التَّفْضِيلَ عَلَى خَيَالَاتٍ تَوَهَّمَهَا وَأَوْهَامٍ فَاسِدَةٍ تَعَمَّدَهَا، وَلَمْ يَنْفُوا الْخَيَالَاتِ وَالتَّوَهُّمَاتِ فِي أُمُورٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ خِلَافُهَا. انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ - مِنْ عُلَمَائِنَا - فِي كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ: مُؤْمِنُو أَوْلَادِ آدَمَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى أَشْرَفُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ مِثْلَ جِبْرِيلَ
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وَمِيكَائِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَلَكِنِّي أُفَضِّلُ عَلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءَ بَنِي آدَمَ، وَهُمْ مَنْ عَدَا الْمُقَرَّبِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ السَّيَّاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ: وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ خَوَاصَّ الْمَلَائِكَةِ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُقَرَّبِينَ خَيْرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ سَاوَوْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ، وَفُضِّلُوا بِالْقُرْبِ وَالرِّسَالَةِ وَسَمَاعِ الْكَلَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي شَرَّفَ بِسَمَاعِهِ مُوسَى - ﵇ - عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الرُّتْبَةُ عَظِيمَةٌ لِمَنْ عَقَلَهَا، وَفَارَقَ الْأَنْبِيَاءَ لِأَنَّهُمْ فَضَلُوهُمْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَمُعَانَاةِ الْأُمَمِ وَالتَّعْلِيمِ وَجَعْلِ الْمَلَائِكَةِ خَدَمًا لَهُمْ، وَلِأَنَّ فِي قَوْلِنَا بِأَنَّ صَالِحًا مِنْ بَنِي آدَمَ خَيْرٌ مِنْ جِبْرِيلَ شَنَاعَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْنَا مِنْ حَيْثُ سَوَّيْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُتْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ جَلَالَةِ جِبْرِيلَ وَعَظَمَتِهِ وَشَرَفِهِ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ سَفِيرُ الرَّحْمَنِ وَحَامِلُ وَحْيِهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ.
ثُمَّ قَالَ: وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْعُمُومِ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى أَنْ قَالَ: " أَوْسِعُوا لِمَنْ خَلْفَكُمْ ". فَقُلْنَا: وَلِمَنْ نُوَسِّعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لِلْمَلَائِكَةِ إِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مَعَكُمْ لَمْ يَكُونُوا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَلَا مِنْ خَلْفِكُمْ وَإِنَّمَا يَكُونُونَ عَنْ أَيْمَانِكُمْ وَشَمَائِلِكُمْ ". قَالُوا: مِنْ فَضْلِنَا عَلَيْهِمْ أَوْ مِنْ فَضْلِهِمْ عَلَيْنَا؟ قَالَ: " أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ» . وَأَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» . وَأَيْضًا اللَّفْظُ الْمَشْهُورُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ» . وَلَا يُبَاهِي إِلَّا بِالْأَفْضَلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ جِبْرِيلَ افْتَخَرَ بِأَنْ يُسَمَّى مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْ يُدْخِلَهُ تَحْتَ الْكِسَاءِ، وَكَانَ تَحْتَهُ فَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. انْتَهَى.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَوَّلُ فَمَوْضُوعٌ لَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ فَضْلًا عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَمِمَّنْ حَكَمَ بِوَضْعِهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ بِاخْتِصَارٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ قَالُوا: مِنْ فَضْلِنَا عَلَيْهِمْ إِلَخْ وَحَكَمَ بِوَضْعِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» . فَالْمَعْرُوفُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ» . كَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ بَلْ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَحَدِيثُ الْمُنَاهَاةِ لَا يَدُلُّ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - افْتَخَرَ بِأَنْ يُسَمَّى مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَسُؤَالُهُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْ يُدْخِلَهُ تَحْتَ الْكِسَاءِ، فَلَا أَصْلَ لَهُ، قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَكَيْفَ يَجْسُرُ أَحَدٌ عَلَى تَفْضِيلِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْبَشَرِ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ مَعَ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ؟ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَقَالَ سِرَاجُ الدِّينِ الْبَلْقِينِيُّ: الْأَكْثَرُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْعُلْوِيَّةَ أَفْضَلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَهُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، قَالَ: وَأَمَّا الصَّالِحُونَ مِنَ الْبَشَرِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ تَقِيًّا نَقِيًّا مُوَافِيًا الْمَوْتَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ يُفَضَّلُ عَلَى الْمَلَكِ بِاعْتِبَارِ الْمَشَقَّاتِ فِي عِبَادَتِهِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الدَّوَاعِي إِلَى الشَّهْوَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ خَلِيفَةَ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ -. وَقَالَ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: أَمَّا تَفْضِيلُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ عَقِيدَةُ الْأَشْعَرِيِّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، لِاجْتِمَاعِ الْعِصْمَةِ مَعَ التَّرْكِيبِ الْمُعَرَّضِ لِلنَّوَائِبِ الَّتِي يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهَا وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي يَجِبُ الصَّبْرُ عَنْهَا، وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِهِ جَمَاعَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] وَالْمَلَائِكَةُ مِنَ الْعَالَمِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة: ٧ - ٨] وَأَرَادَ بَنِي آدَمَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يُجَازَوْنَ بَلْ هُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلِأَنَّ بِالْأَنْبِيَاءِ قَامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وَلِأَنَّ آدَمَ سَجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْمَسْجُودُ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ السَّاجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ، وَلِأَنَّ النَّاسَ فِي الْمَوْقِفِ إِنَّمَا يَتَشَفَّعُونَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَا بِالْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا شَكَّ أَنَّ
[ ٢ / ٤٠٥ ]
لِلْبَشَرِ طَاعَاتٌ لَمْ يَثْبُتْ مِثْلُهَا (لِلْمَلَائِكَةِ) كَالْجِهَادِ وَالْغَزْوِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَيُبَشِّرُهُمْ بِإِحْلَالِ رِضْوَانِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعُصَاةَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، فَأَمَّا الْمُطِيعُونَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي الْأُصُولِ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنَّا: الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرَّسُولَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَكِ بِاعْتِبَارِ الرِّسَالَةِ لَا بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْأَوْصَافِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتِ الْبَشَرِيَّةُ بِمُجَرَّدِهَا أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ (لَكَانَ كُلُّ الْبَشَرِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) وَمَعَاذَ اللَّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) قَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ ذَهَبَتْ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ حَتَّى عَلَى الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَاخْتَارَهُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِنِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَالْحَلِيمِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي الْمَعَالِمِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ وَأَبُو شَامَةَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ وَاحْتَجُّوا بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ فُلَانًا لَا يَسْتَنْكِفُ الْوَزِيرُ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلَا السُّلْطَانُ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَا يَسْتَنْكِفُ السُّلْطَانُ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلَا الْوَزِيرُ؟ فَلَمَّا ذُكِرَ الْمَسِيحُ أَوَّلًا وَالْمَلَائِكَةُ ثَانِيًا عَلِمْنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - وَكَذَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ - ﵇ -، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَلَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. (الثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ صِيغَةُ جَمْعٍ فَتَنَاوَلَ الْكُلَّ، فَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ مَجْمُوعِ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَسِيحِ؟ (الثَّالِثُ) أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ حَرْفُ عَطْفٍ، وَهُوَ إِنَّمَا يُفِيدُ الْجَمْعَ الْمُطْلَقَ لَا التَّرْتِيبَ، وَالْمِثَالُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لَيْسَ
[ ٢ / ٤٠٦ ]
بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ لَا يَثْبُتُ بِالْمِثَالِ الْجُزْئِيِّ، ثُمَّ إِنَّهُ مُعَارَضٌ بِنَحْوِ قَوْلِكَ: مَا أَعَانَنِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لَا عَمْرٌو وَلَا زَيْدٌ، فَهَذَا لَا يُفِيدُ كَوْنَ الْمُتَأَخِّرِ فِي الذِّكْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْمُقَدَّمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ [المائدة: ٢] وَلَمَّا اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ امْتَنَعَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا، ثُمَّ التَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قِيلَ: إِذَا قِيلَ هَذَا الْعَالِمُ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ خِدْمَتِهِ الْوَزِيرُ وَلَا السُّلْطَانُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ بِعُقُولِنَا أَنَّ السُّلْطَانَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الْوَزِيرِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِ الثَّانِي هُوَ الْمُبَالَغَةُ، فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ إِنَّمَا عَرَفْنَاهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ فِي الذِّكْرِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ بَيَانُ الْمُبَالِغَةِ إِلَّا إِذَا عَرَفْنَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسِيحِ، وَحِينَئِذٍ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْمَطْلُوبِ. وَذَلِكَ دَوْرٌ (الرَّابِعُ) هَبْ أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَنْصِبَ الْمَلَكِ أَعْلَى وَأَزْيَدُ مِنْ مَنْصِبِ الْمَسِيحِ، وَلَكِنْ لَا تَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَالْمَلَكُ أَزْيَدُ مِنْ جِهَةِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْبَطْشِ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - قَلَعَ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ، وَالْبَشَرُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ مَزِيدِ الْخُشُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ؟ وَتَمَامُ التَّحْقِيقِ أَنَّ الْفَضْلَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، ثُمَّ إِنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِنِهَايَةِ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ، وَكَوْنُ الْعَبْدِ مَوْصُوفًا بِنِهَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يُلَائِمُ صَيْرُورَتَهُ مُسْتَنْكِفًا مِنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ يُنَاقِضُهَا وَيُنَافِيهَا فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَمَّا اتِّصَافُ الشَّخْصِ بِالْقُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ وَالْقُوَّةِ الْكَامِلَةِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِلتَّمَرُّدِ وَتَرْكِ الْعُبُودِيَّةِ، فَالنَّصَارَى لَمَّا شَاهَدُوا مِنَ الْمَسِيحِ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءَ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ أَخْرَجُوهُ بِسَبَبِ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِيسَى لَا يَسْتَنْكِفُ بِسَبَبِ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُبُودِيَّتِي، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ الَّذِينَ هُمْ فَوْقَهُ فِي الْقُدْرَةِ وَالْبَطْشِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى عَالَمِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَنْتَظِمُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي الشِّدَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ، لَكِنَّهَا لَا تَدُلُّ الْبَتَّةَ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْبَشَرِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَيُقَالُ أَيْضًا: إِنَّمَا ادَّعَتِ النَّصَارَى إِلَهِيَّةَ عِيسَى لِأَنَّهُ
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وُجِدَ لَا مِنْ أَبٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: الْمَلَكُ حَصَلَ وَوُجِدَ لَا مِنْ أَبٍ وَلَا مِنْ أُمٍّ، فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ الْمَسِيحُ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ لِكَوْنِهِ وُجِدَ مِنْ أُمٍّ لَا أَبٍ وَالْمَلَكُ الَّذِي وُجِدَ لَا مِنْ أَبٍ وَلَا مِنْ أُمٍّ لَا يَسْتَنْكِفُ عَنْهَا؟ فَالْمَلَائِكَةُ أَعْجَبُ فِي هَذَا مِنَ الْمَسِيحِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ تَعَالَى احْتَجَّ بِعَدَمِ اسْتِكْبَارِ الْمَلَائِكَةِ عَنْ عِبَادَتِهِ عَلَى أَنَّ الْبَشَرَ يَجِبُ أَنْ لَا يَسْتَكْبِرُوا عَنْهَا، وَلَوْ كَانَ الْبَشَرُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمَا تَمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ عَلَى رَعِيَّتِهِ وُجُوبَ طَاعَتِهِمْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْمُلُوكُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طَاعَتِي فَمَنْ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينُ؟ وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ. (الثَّانِي) أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ عِنْدَهُ وَهَذِهِ عِنْدِيَّةُ الْفَضِيلَةِ وَالْقُرْبَةِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ تَمَامِ قُوَّتِهِمْ وَشَدَّةِ بَطْشِهِمْ لَا يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ، فَمَا بَالُ الْبَشَرِ يَتَمَرَّدُونَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ مَعَ غَايَةِ ضَعْفِهِمْ؟ وَهَذَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمَلَكِ أَقْوَى مِنَ الْبَشَرِ، لَا كَوْنَهُ أَفْضَلَ مِنْهُ بِمَعْنَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَيُجَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْبَشَرِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وَقَالَ - ﵇ - حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: " «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ» ". وَهَذَا أَفْضَلُ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَلَائِكَةِ إِنَّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَقَالَ فِي وَصْفِ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ إِنَّ رَبَّهُمْ عِنْدَهُمْ. وَمِنْهَا أَنَّ عِبَادَاتِ الْمَلَائِكَةِ أَدْوَمُ وَأَشَقُّ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ بِشَاهِدِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَوْ كَانَتْ أَعْمَارُهُمْ مُسَاوِيَةً لِأَعْمَالِ الْبَشَرِ لَكَانَ طَاعَتُهُمْ أَدْوَمَ وَأَكْثَرَ، فَكَيْفَ وَلَا نِسْبَةَ لَعُمْرِ كُلِّ الْبَشَرِ إِلَى عُمْرِ الْمَلَائِكَةِ؟ وَإِنَّمَا فَضْلُ الْأَدْوَمِ لِأَنَّهُ أَشَقُّ فَكَانَ أَفْضَلَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ بِأَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَمَّا كَوْنُ عِبَادَتِهِمْ أَشَقَّ (فَنَقُولُ) بَلْ عِبَادَةُ الْبَشَرِ أَشَقُّ، لِمَا فِيهِمْ مِنْ دَوَاعِي التَّخَلُّفِ وَالتَّقَاعُدِ وَالْفُتُورِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى قُوَّةِ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا مُسَلَّمٌ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِبَشَرٍ خَاصَّةٍ، وَلَا يَلْزَمُ فِي تَفَاضُلِ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ بِشَيْءٍ التَّفَاضُلُ بِهِ فِي غَيْرِهِ كَمَا
[ ٢ / ٤٠٨ ]
لَا يَخْفَى، وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَجَدْتَهُ غَيْرَ دَالٍّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ، وَقَدْ قَامَتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَلْحَقْنَاهُمْ بِهِمْ فِي التَّفْضِيلِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي فَضِيلَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَفْضَلِيَّتِهِمْ عَلَى خَوَاصِّ بَنِي آدَمَ. هَذَا وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَسْأَلَةُ تَفْضِيلِ الْبَشَرِ عَلَى الْمَلَكِ أَوِ الْمَلَكِ عَلَى الْبَشَرِ لَيْسَتْ مِمَّا يَضُرُّ اعْتِقَادُهُ وَيَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ، وَلَوْ لَقِيَ الْعَبْدُ رَبَّهُ سَاذَجًا مِنَ الْمَسْأَلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِثْمٌ فَمَا هِيَ مِمَّا كُلِّفَ النَّاسُ بِمَعْرِفَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ عَرَفَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاعْتَقَدَهُ بِالدَّلِيلِ، وَآخِرُ جَهِلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَانِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَثَالِثٌ قَضَى بِأَنَّ الْمَلَكَ أَفْضَلُ وَهَذَا عَلَى خَطَرٍ، وَهَلْ يُقَالُ مَنْ قَضَى بِتَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى خَطَرٍ فَيَكُونُ السَّاذَجُ أَسْلَمَ مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ نَاجٍ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ مِنَ الْخَطَرِ؟ هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، قَالَ: وَالَّذِي أَفْهَمُهُ عَنِ الْوَالِدِ السَّلَامَةُ فِي السُّكُوتِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ الدُّخُولَ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ وُرُودِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ دُخُولٌ فِي خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَحُكْمٌ فِي مَكَانٍ لَسْنَا أَهْلًا لِلْحُكْمِ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ تَحْسِمُ بِإِشَارَتِهَا مَادَّةَ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ - ﷺ -: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» . وَنَحْوَهُ وَنَحْنُ عَلَى قَطْعٍ بِأَنَّهُ - ﷺ - أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ - ﵇ - وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، لَعَلَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّكُمْ لَا تَدْخُلُوا فِي أَمْرٍ لَا يَعْنِيكُمْ، وَمَا لِلسُّوقَةِ وَالدُّخُولُ بَيْنَ الْمُلُوكِ؟ وَأَعْنِي بِالسُّوقَةِ فِي هَذَا أَمْثَالَنَا، وَبِالْمُلُوكِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ ﵈. وَقَدْ عَلِمْتَ مَذَاهِبَ النَّاسِ مِمَّا أَسْلَفْنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ) اخْتُلِفَ فِي تَكْلِيفِ الْمَلَائِكَةِ - ﵈ - وَعَدَمِهِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوعِ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ: الْإِنْسُ كَالْجِنِّ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ، قَالَ: وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ إِخْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ مِنَ التَّكْلِيفِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى الْجِنِّ. وَكَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِمَامَةِ فِي كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي: إِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ
[ ٢ / ٤٠٩ ]
خَالِيًا هِيَ مَسْأَلَةُ سَتْرِهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ، قَالَ: وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجِبُ عَنِ الْجِنِّ، لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ أَجَانِبُ، وَكَذَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ عَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مُكَلَّفٌ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ فِي خَبَرِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ بِحِفْظِهَا عَنْ كُلِّ أَحَدٍ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَهَذَا مَعَ الْعِلْمِ بِحُضُورِهِمْ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَلَعَلَّ مُرَادَهُ إِخْرَاجَهُمْ عَنِ التَّكْلِيفِ بِمَا كُلِّفْنَا. لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا فَهِمَ مُكَلَّفُونَ قَطْعًا، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي شَرْحِ بَدْءِ الْأَمَالِي: الْمُكَلَّفُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ كُلِّفَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ قَطْعًا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَآدَمُ وَحَوَّاءُ - ﵈ -، وَقِسْمٌ لَمْ يُكَلَّفْ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ وَهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ، وَقِسْمٌ فِيهِمْ نِزَاعٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ وَهُمُ الْجَانُّ. انْتَهَى. قُلْتُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ظَاهِرُهُمَا تَكْلِيفُ الْمَلَائِكَةِ إِذْ فِيهِ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]- ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وَقَالَ: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] وَهَذَا كُلُّهُ تَكْلِيفٌ وَنَاشِئٌ عَنِ التَّكْلِيفِ، وَالْأَحَادِيثُ طَافِحَةٌ بِمَعْنَى ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) فِي ذِكْرِ بَعْضِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْجَوَاهِرُ وَالْأَجْسَامُ كُلُّهَا مُتَسَاوِيَةٌ مِنْ جِهَةِ ذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا يُفَضَّلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِصِفَاتِهَا وَأَعْرَاضِهَا وَانْتِسَابِهَا إِلَى الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ فِي التَّفَاضُلِ النَّفِيسَةِ، وَأَوْصَلَهَا تِلْمِيذُهُ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنْوَارِ الْفُرُوقِ إِلَى عِشْرِينَ قَاعِدَةً، أَوَّلُهَا تَفْضِيلُ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ بِذَاتِهِ دُونَ سَبَبٍ يَعْرِضُ لَهُ يُوجِبُ التَّفْضِيلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَهُ مِثْلٌ، أَحَدُهَا الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ الْمُسْتَغْنِي فِي وُجُودِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، الثَّانِي الْعِلْمُ حَسُنٌ لِذَاتِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الظَّنِّ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ الْجَهْلِ مَعَهُ وَتَجْوِيزِ الْجَهْلِ مَعَ الظَّنِّ، وَذَلِكَ لِذَاتِ الْعِلْمِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ نَقِيصَةٌ لِذَاتِهِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ أَوْجَبَتْ نَقْصَهُ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ، نَقْصُ الْجَاهِلِ لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ بِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْعِلْمُ، الثَّالِثُ الْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنْ
[ ٢ / ٤١٠ ]
الْمَوْتِ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنَى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ، وَسَبَبُ تَفْضِيلِهَا كَوْنُهَا تَتَأَتَّى مَعَهَا الْعُلُومُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَاتُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ كَالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْوِلَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَتَعَذَّرَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعَ الْمَوْتِ - يَعْنِي ابْتِدَاءَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَنْقَطِعْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِالْمَوْتِ وَلَا تَفْنَى وَلَا تَضْمَحِلُّ بَلْ تَدُومُ وَتَسْتَمِرُّ - وَتِلْكَ لِلْحَيَاةِ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنًى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ.
(الْقَاعِدَةُ) الثَّانِيَةُ التَّفْضِيلُ بِالصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ كَتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ وَالْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ عَلَى الْمُوجَبِ بِالذَّاتِ بِسَبَبِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ الْقَائِمِ بِهِ، وَتَفْضِيلِ الْقَادِرِ عَلَى الْعَاجِزِ بِسَبَبِ الْقُدْرَةِ الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ تَفْضِيلٌ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ لِذَاتِهِ وَبِهِ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى.
(الْقَاعِدَةُ) الثَّالِثَةُ التَّفْضِيلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَتَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ، وَتَفْضِيلِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَأَحَلَّ تَعَالَى ذَبَائِحَهُمْ وَأَبَاحَ تَزْوِيجَنَا مِنْ نِسَائِهِمْ دُونَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا ذَبَحُوهُ كَالْمَيْتَةِ وَتَصَرُّفَهُمْ فِيهِ بِالذَّكَاةِ كَتَصَرُّفِ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ مِنَ السِّبَاعِ وَالْكَوَاسِرِ فِي الْأَنْعَامِ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ، وَجَعَلَ نِسَاءَهُمْ كَإِنَاثِ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ مُحَرَّمَاتِ الْوَطْءِ، كُلُّ ذَلِكَ اهْتِضَامٌ لَهُمْ لِجَحْدِهِمُ الرِّسَالَةَ وَالرُّسُلَ، وَكَتَفْضِيلِ الْوَلِيِّ عَلَى آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقَصِّرِينَ فِي الطَّاعَةِ، وَقِيلَ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ الْوَاجِبِ وَكَثْرَةِ طَاعَةِ الْوَلِيِّ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَ وَلِيًّا أَيْ تَوَلَّى اللَّهَ بِطَاعَتِهِ، وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّاهُ بِلُطْفِهِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا تَفَاضَلَ الْأَوْلِيَاءُ بَيْنَهُمْ بِكَثْرَةِ الطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ رُتْبَتُهُ فِي الْوِلَايَةِ أَعْظَمَ، وَبِتَفْضِيلِ الشَّهِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لِأَنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى بِبَذْلِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ وَأَعْظِمْ بِذَلِكَ طَاعَةً، وَكَتَفْضِيلِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الشُّهَدَاءِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَا جَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي الْجِهَادِ إِلَّا كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ، وَمَا الْجِهَادُ وَجَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلَّا كَنُقْطَةٍ فِي بَحْرٍ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَوْ وُزِنَ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ لَرَجَحَ» . بِسَبَبِ طَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى بِضَبْطِ شَرَائِعِهِ وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ الَّتِي
[ ٢ / ٤١١ ]
مِنْ جُمْلَتِهَا الْجِهَادُ وَهِدَايَةُ الْعِبَادِ إِلَى الْمَلِكِ الْجَوَادِ، وَتَوْصِيلُ مَعَالِمِ الْأَدْيَانِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَوْلَا سَعْيُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَانْقَطَعَ الْجِهَادُ، وَغَيْرُهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ " اللَّهَ "، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: هَذَا انْتِصَارٌ لِلْقَوْلِ بِأَفْضَلِيَّةِ الْعِلْمِ عَلَى الْجِهَادِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ - ﵄ - فَعِنْدَهُمَا الْعِلْمُ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَيْضًا، لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُرْشِدُ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ: وَمِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ حَبَّبَ إِلَيَّ الْعِلْمَ، فَهُوَ أَسْنَى الْأَعْمَالِ وَأَشْرَفُهَا. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ - وَاخْتَارَهُ أَيِ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا - وَلَفْظُ الرِّوَايَةِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ، قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يَنْوِي أَنْ يَتَوَاضَعَ فِيهِ وَيَنْفِيَ عَنْهُ الْجَهْلَ. نَقَلَهُ مُهَنَّا.
الرَّابِعَةُ التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ الْوَاقِعِ فِي الْعَمَلِ، وَلَهُ مِثَالَاتٌ مِنْهَا: الْإِيمَانُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ بِكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، فَإِنَّ ثَوَابَهُ الْخُلُودُ فِي الْجِنَانِ وَالْخُلُوصُ مِنَ النِّيرَانِ وَمِنْ غَضَبِ الدَّيَّانِ، وَمِنْهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَمِنْهَا الصَّلَاةُ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَمِنْهَا صَلَاةُ الْقَصْرِ أَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ مِنَ الْإِتْمَامِ وَإِنْ كَانَ الْإِتْمَامُ أَكْثَرَ عَمَلًا.
الْخَامِسَةُ التَّفْضِيلُ لِشَرَفِ الْمَوْصُوفِ، مِنْهَا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِلْمِهِ وَكَلَامِهِ وَقُدُرَاتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مَنْ غَيْرِهَا لِوُجُوهٍ مِنْهَا شَرَفُ الْمَوْصُوفِ، وَمِنْهَا صِفَاتُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَعِلْمِهِ وَكَرَمِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَحِلْمِهِ وَجَمِيعِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَهُ الشَّرَفُ وَالْفَضْلُ عَلَى صِفَاتِنَا مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا شَرَفُ الْمَوْصُوفِ.
السَّادِسَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمَدْلُولِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ، مِنْهَا تَفْضِيلُ الْأَذْكَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ الْعُلَى وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَمِنْهَا تَفْضِيلُ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ كَـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] عَلَى الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَبِي لَهَبٍ كَـ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]
[ ٢ / ٤١٢ ]
وَمِنْهَا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ أَفْضَلُ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالنَّدْبِ، لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحَثِّ عَلَى أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ وَالزَّجْرِ عَنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ.
السَّابِعَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الدَّلَالَةِ لَا بِشَرَفِ الْمَدْلُولِ كَشَرَفِ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَوْصَافِ الدَّالَّةِ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْجَبَ شَرَفَهَا عَلَى جَمِيعِ الْحُرُوفِ لِهَذِهِ الدَّلَالَةِ، وَأَمَرَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهَا فَلَا تُمْسَكُ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ، وَيَكْفُرُ مَنْ أَهَانَهَا بِالْقَاذُورَاتِ وَلَهُ وَقْعٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ، فَلَا يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا عَنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِ الْكَافِرِينَ خَشْيَةَ أَنْ تَنَالَهَا أَيْدِيهِمْ. قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ مِنْ أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْحَقُّ أَنَّ مَا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحَبْلُهُ الْمَتِينُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ الْعِلْمِ عَلَى الْحَيَاةِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ بَلْ لَهَا مَوْصُوفٌ فَقَطْ، وَالْعِلْمُ لَهُ مَوْصُوفٌ وَمُتَعَلِّقٌ فَلَهُ مَزِيَّةُ شَرَفٍ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ بِالْأَصْوَاتِ وَالْبَصَرُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُبْصَرَاتِ.
التَّاسِعَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمُتَعَلِّقِ كَتَفْضِيلِ (الْعِلْمِ) الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، وَكَتَفْضِيلِ الْفِقْهِ عَلَى الطِّبِّ لِتَعَلُّقِهِ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْقِسْمُ عَيْنُ الْمَدْلُولِ فَكُلُّ مَدْلُولٍ مُتَعَلِّقٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَلِّقٍ مَدْلُولًا، لِأَنَّ الدَّلَالَةَ وَالْمَدْلُولَ مِنْ بَابِ الْأَلْفَاظِ وَالْحَقَائِقِ الدَّالَّةِ كَالصَّنْعَةِ عَلَى الصَّانِعِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعِلْمُ وَنَحْوُهُ فَلَا يُقَالُ لَهُ دَالٌّ بَلْ هُوَ مَدْلُولٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ خَاصَّةً وَهُوَ مَعْلُومُهُ، وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرُورِ، وَالنِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنَ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ، لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَقَاصِدِ وَالثَّانِيَةُ بِالْوَسَائِلِ، وَالْمَقَاصِدُ أَفْضَلُ مِنَ الْوَسَائِلِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْأَفْضَلِ أَفْضَلُ.
الْعَاشِرَةُ التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ
[ ٢ / ٤١٣ ]
وَاخْتِصَاصُ الْإِرَادَةِ بِالْمُمَكَّنَاتِ وَجُودًا وَعَدَمًا وَالْقُدْرَةُ بِوُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ خَاصَّةً وَاخْتِصَاصُ السَّمْعِ بِالْمَسْمُوعَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالْمُجَاوَرَةِ كَتَفْضِيلِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ عَلَى سَائِرِ الْجُلُودِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالْحُلُولِ كَتَفْضِيلِ قَبْرِهِ - ﷺ - عَلَى جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعًا وَالْمُرَادُ وَالْأَعْضَاءُ الشَّرِيفَةُ فِيهِ، وَفِي بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: سَأَلَنِي سَائِلٌ أَيُّمَا أَفْضَلُ حُجْرَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوِ الْكَعْبَةُ؟ فَقُلْتُ: إِنْ أَرَدْتَ مُجَرَّدَ الْحُجْرَةِ فَالْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، وَإِنْ أَرَدْتَ وَهُوَ - ﷺ - فِيهَا فَلَا وَاللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ وَلَا جَنَّةُ عَدْنٍ وَلَا الْأَفْلَاكُ الدَّائِرَةُ، لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِالْكَوْنَيْنِ لَرَجَحَ. انْتَهَى.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] أَضَافَهُمْ إِلَيْهِ تَعَالَى لِيُشَرِّفَهُمْ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ، وَإِضَافَةُ الْبَيْتِ إِلَيْهِ تَعَالَى وَكَذَا النَّاقَةُ وَنَحْوُهَا.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ كَتَفْضِيلِ ذُرِّيَّتِهِ عَلَى جَمِيعِ الذَّرَارِيِّ، بِسَبَبِ نَسَبِهِمُ الْمُتَّصِلِ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَتَفْضِيلِ نِسَائِهِ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ وَإِنْ تَفَاوَتْنَ فِي ذَلِكَ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالثَّمَرَةِ وَالْجَدْوَى كَتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ يُثْمِرُ صَلَاحَ الْخَلْقِ وَهِدَايَتَهُمْ إِلَى الْحَقِّ بِالتَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ، وَأَمَّا الْعِبَادَةُ فَقَاصِرَةٌ عَلَى مَحَلِّهَا، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَفْضِيلُ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِأَكْثَرِيَّةِ الثَّمَرَةِ بِأَنْ تَكُونَ الْحَقِيقَتَانِ لِكُلِّ
[ ٢ / ٤١٤ ]
وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَرَةُ إِحْدَاهُمَا أَعْظَمُ وَجَدْوَاهَا أَكْثَرُ كَثَمَرَةِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْهَنْدَسَةِ، فَإِنَّ كِلَاهُمَا مُثْمِرٌ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً لِأَنَّ الْهَنْدَسَةَ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحِسَابِ وَالْمِسَاحَاتِ، وَالْحِسَابَاتُ تَدْخُلُ فِي الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا وَالْمِسَاحَاتُ تَدْخُلُ فِي الْإِجَارَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ نَوَادِرِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ قَلِيلَةٌ، فَثَمَرَةُ الْفِقْهِ أَعْظَمُ وَعِلْمُ النَّحْوِ أَفْضَلُ مِنْ عِلْمِ الْمَنْطِقِ، وَعِلْمُ الْأُصُولِ أَنْفَعُ مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ وَكُلُّ عِلْمٍ بِحَسَبِ ثَمَرَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِالتَّأْثِيرِ كَقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّأْثِيرِ، فَإِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي تَحْصِيلِ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْعِلْمُ تَابِعٌ فَمِنْ حَيْثُ سِعَةُ الْمُتَعَلِّقِ وَالْعُمُومُ فَالْعِلْمُ أَفْضَلُ وَمِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرُ فَالْقُدْرَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْإِرَادَةَ مُؤَثِّرَةٌ لِلتَّخْصِيصِ فِي الْمُمْكِنَاتِ بِزَمَانِهَا وَصِفَاتِهَا الْجَائِزَةِ عَلَيْهَا وَالْحَيَاةُ لَا تُؤَثِّرُ إِيجَادًا وَلَا تَخْصِيصًا، وَلَيْسَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ السَّبْعَةِ الَّتِي تُثْبِتُهَا الصِّفَاتِيَّةُ إِلَّا الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ فَقَطْ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِجَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ كَتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ - ﵈ - عَلَى الْجَانِّ بِسَبَبِ جَوْدَةِ أَبْنِيَتِهِمْ وَحُسْنِ تَرْكِيبِهِمْ، فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، فَجِبْرِيلُ يَسِيرُ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الْفَرْشِ مَسِيرَةَ سَبْعَةِ آلَافِ سَنَةٍ لَحْظَةً وَاحِدَةً، وَيَحْمِلُ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ الْخَمْسَةَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ عَلَى جَنَاحَيْهِ وَلَا يُضْرَبُ مِنْهَا شَيْءٌ، بَلْ يَقْتَلِعُهَا مِنْ تَحْتِهَا وَيَصْعَدُ بِهَا إِلَى الْجَوِّ ثُمَّ يَقْلِبُهَا وَهَذَا عَظِيمٌ، وَالْمَلَكُ الْوَاحِدُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَقْهَرُ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ مِنَ الْجَانِّ، وَلِهَذَا سَأَلَ سُلَيْمَانُ - ﵇ - رَبَّهُ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الْجَانِّ الْمَلَائِكَةَ فَفَعَلَ لَهُ ذَلِكَ، فَهُمُ الزَّاجِرُونَ عِنْدَ الْعَزَائِمِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ هَذَا الْعِلْمِ، فَيُقْسِمُونَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِتِلْكَ الْأَقْسَامِ الَّتِي تُعَظِّمُهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَفْعَلُ فِي الْجَانِّ مَا يُرِيدُهُ الْمُقْسِمُ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْعَظِيمَةِ. كَذَا زَعَمَ الْقَرَافِيُّ قَالَ: وَكَانُوا قَبْلَ زَمَنِ سُلَيْمَانَ - ﵇ - يُخَالِطُونَ النَّاسَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَعْبَثُونَ بِهِمْ عَبَثًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَتَّبَ سُلَيْمَانُ - ﵇ - هَذَا التَّرْتِيبَ وَسَأَلَهُ مِنْ رَبِّهِ انْحَازُوا
[ ٢ / ٤١٥ ]
إِلَى الْفَلَوَاتِ وَالْخَرَابِ مِنَ الْأَرْضِ فَقَلَّتْ: أَذِيَّتُهُمْ، وَالْمَلَائِكَةُ - ﵈ - تُرَاقِبُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمَنْ عَبَثَ مِنْهُمْ وَعَثَا رَدُّوهُ أَوْ قَتَلُوهُ كَمَا يَفْعَلُ وُلَاةُ بَنِي آدَمَ مَعَ سُفَهَائِهِمْ، قَالَ: وَمَا سَبَبَ اقْتِدَارِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْجَانِّ إِلَّا فَضْلُ أَبْنِيَتِهِمْ وَوُفُورُ قُوَّتِهِمْ، فَهُمُ الْمُفَضَّلُونَ عَلَى الْجَانِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُضَافًا لِبَقِيَّةِ الْوُجُوهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فُضِّلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى الْبَشَرِ.
فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ، فَإِذَا وَرَدَ نَصٌّ فِي تَفْضِيلِ الْمَلَكِ حُمِلَ ذَلِكَ التَّفْضِيلُ وَالثَّنَاءُ عَلَى الْأَبْنِيَةِ وَجَوْدَةِ التَّرْكِيبِ إِذَا كَانَ النَّصُّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، فَتَنْدَفِعُ أَكْثَرُ الْأَسْئِلَةِ وَالنُّقُوضِ عَنِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - وَلَا نِزَاعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ (أَفْضَلُ) فِي أَبْنِيَتِهِمْ، وَأَبْنِيَةُ بَنِي آدَمَ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبْنِيَةِ الْمَلَائِكَةِ فَتُحْمَلُ نُصُوصُ التَّفْضِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ الْجَانِّ فِي الْأَبْنِيَةِ وَجَوْدَةِ التَّرْكِيبِ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَمِنْ ثَمَّ الْجَانُّ يَعِيشُونَ الْآلَافَ مِنَ السِّنِينَ وَلَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَنِي آدَمَ، بِسَبَبِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَيْسَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى الرُّطُوبَاتِ وَأَجْرَامِ الْأَغْذِيَةِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُمُ التَّعَفُّنُ وَالْآفَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرُّطُوبَاتِ، وَمِنْ حَيْثُ جَوْدَةُ الْعُنْصُرِ وَحُسْنُ التَّرْكِيبِ فُضِّلَ الذَّهَبُ عَلَى الْفِضَّةِ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ التَّفْضِيلُ بِاخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَلِمَا يَشَاءُ عَلَى مَا يَشَاءُ، فَيُفَضِّلُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَتَفْضِيلِ شَاةِ الزَّكَاةِ عَلَى شَاةِ التَّطَوُّعِ، وَكَتَفْضِيلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَاخِلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى الْفَاتِحَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْفَضَائِلُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا فَضْلُ الْجَمَادَاتِ كَفَضْلِ الْجَوْهَرِ عَلَى الذَّهَبِ، وَفَضْلِ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ، وَفَضْلِ الْفِضَّةِ عَلَى الْحَدِيدِ، وَفَضْلِ الْأَنْوَارِ عَلَى الظُّلُمَاتِ، وَفَضْلِ الشَّفَّافِ عَلَى غَيْرِ الشَّفَّافِ، وَفَضْلِ اللَّطِيفِ عَلَى الْكَثِيفِ، وَالنَّيِّرِ عَلَى الْمُظْلِمِ، وَالْحَسَنِ عَلَى الْقَبِيحِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي فَضَائِلُ الْحَيَوَانِ وَهِيَ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا حُسْنُ الصُّوَرِ، (الثَّانِي) قُوَّةُ الْأَجْسَامِ كَالْقُوَى الْجَاذِبَةِ وَالْمُمْسِكَةِ وَالدَّافِعَةِ وَالْغَاذِيَةِ وَالْقُوَى عَلَى الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ وَحَمْلِ الْأَعْبَاءِ وَالْأَثْقَالِ، (وَالثَّالِثُ) الصِّفَاتُ الدَّاعِيَةُ إِلَى الْخَيْرِ وَالْوَازِعَةُ عَنِ الشَّرِّ كَالْغَيْرَةِ وَالنَّخْوَةِ وَالْحَيَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالْحِلْمِ، (الرَّابِعُ) الْعُقُولُ، (الْخَامِسُ) الْحَوَاسُّ، (السَّادِسُ) الْعُلُومُ الْمُكْتَسَبَةُ وَهِيَ أَقْسَامٌ كَمَعْرِفَةِ
[ ٢ / ٤١٦ ]
وُجُودِ الْإِلَهِ وَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَتَنْبِئَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَعْرِفَةِ مَا شَرَعَ اللَّهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَأَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا وَمَوَانِعِهَا، وَمَعْرِفَةِ الْأَحْوَالِ النَّاشِئَةِ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْمَعَارِفِ كَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْقِيَامِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَمَا رَتَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَالطَّاعَاتِ مِنْ لَذَّاتِ الْآخِرَةِ وَأَفْرَاحِهَا بِالنَّعِيمِ الْجُثْمَانِيِّ وَالرُّوحَانِيِّ كَلَذَّةِ الْأَمْنِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَالْأُنْسِ بِقُرْبِهِ وَجِوَارِهِ وَسَمَاعِ كَلَامِهِ وَسَلَامِهِ، مَصْحُوبَةً بِالرِّضَا الدَّائِمِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ مَعَ الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.
فَهَذِهِ فَضَائِلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَمَنِ اتَّصَفَ بِأَفْضَلِهَا كَانَ أَفْضَلَ الْبَرِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةَ صِفَاتِهِ وَلَذَّاتِ رِضَاهُ وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ أَفْضَلُ مِمَّا عَدَاهُنَّ، وَأَفْضَلُ الْمَلَائِكَةِ مَنْ قَامَ بِهِ أَفْضَلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنْ تَسَاوَى اثْنَانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي ذَلِكَ لَمْ يُفَضَّلْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَذَا إِذَا تَسَاوَى الْمَلَكُ وَالْبَشَرُ فِي ذَلِكَ لَمْ يُفَضَّلْ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَإِنَّ فُضِّلَ الْمَلَكُ عَلَى الْبَشَرِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَإِنَّ فُضِّلَ الْبَشَرُ عَلَى الْمَلَكِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَالْفَضْلُ مُنْحَصِرٌ فِي أَوْصَافِ الْكَمَالِ، وَالْكَمَالُ إِمَّا بِالْمَعَارِفِ وَالطَّاعَاتِ وَالْأَحْوَالِ، وَإِمَّا بِالْأَفْرَاحِ وَاللَّذَّاتِ، فَإِذَا أَحْسَنَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَرْوَاحِهِمْ بِالْمَعَارِفِ الْكَامِلَةِ وَالْأَحْوَالِ الْمُتَوَالِيَةِ، وَأَذَاقَهُمْ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَسُرُورَ رِضَاهُ عَنْهُمْ وَكَرَامَةَ تَسْلِيمِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَيْنَ لِلْمَلَكِ مِثْلُ هَذَا؟
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَجْسَادَ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ وَلِلسَّاكِنِ وَالْمَسْكَنِ أَحْوَالٌ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ السَّاكِنُ أَشْرَفَ مِنَ الْمَسْكَنِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكَنُ أَشْرَفَ مِنَ السَّاكِنِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الشَّرَفِ فَلَا يُفَضَّلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِذَا كَانَ الشَّرَفُ لِلسَّاكِنِ فَلَا مُبَالَاةَ بِخَسَاسَةِ الْمَسْكَنِ، وَإِذَا كَانَ الشَّرَفُ لِلْمَسْكَنِ فَلَا يَشْرُفُ بِهِ السَّاكِنُ - وَالْأَجْسَادُ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ -، ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي التَّفْضِيلِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَكِ، فَقَالَ: إِنْ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ تَفَاوُتِ الْأَجْسَادِ الَّتِي هِيَ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ، فَأَجْسَادُ الْمَلَائِكَةِ أَشْرَفُ وَأَفْضَلُ مِنْ أَجْسَادِ الْبَشَرِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ الْأَخْلَاطِ، وَإِنْ فَاضَلَ بَيْنَ أَرْوَاحِ الْبَشَرِ وَأَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ
[ ٢ / ٤١٧ ]
مَعَ قَصْرِ النَّظَرِ عَنِ الْأَجْسَادِ الَّتِي هِيَ مَسَاكِنُ الْأَرْوَاحِ، فَأَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَرْوَاحِ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُمْ فُضِّلُوا عَلَيْهِمْ بِالْإِرْسَالِ وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلٌ، لِأَنَّ رَسُولَ الْمَلَائِكَةِ يَأْتِي إِلَى نَبِيٍّ وَاحِدٍ وَرَسُولُ الْبَشَرِ يَأْتِي إِلَى الْأُمَمِ وَإِلَى أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ تَبْلِيغِهِ وَمِثْلُ أَجْرِ مَنِ اهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ وَلَيْسَ مِثْلُ هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ، وَبِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبِالصَّبْرِ عَلَى مَصَائِبِ الدُّنْيَا وَمِحَنِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَلَا عِبْرَةَ بِفَضْلِ أَجْسَادِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ، لِأَنَّ الْأَجْسَادَ مَسَاكِنُ وَلَا شَرَفَ بِالْمَسَاكِنِ، وَإِنَّمَا الشَّرَفُ بِالْأَوْصَافِ الْقَائِمَةِ بِالسَّاكِنِ فَالِاعْتِبَارُ بِالسَّاكِنِينَ دُونَ الْمَسَاكِنِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَدْ سَكَنُوا فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ، فَرُوحُ الْمَسِيحِ أَفْضَلُ مَنْ جَسَدِ مَرْيَمَ، وَكَذَلِكَ رُوحُ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ مَنْ جَسَدِ أُمِّهِ، وَرُوحُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - ﷺ - أَفْضَلُ مَنْ جَسَدِ أُمِّهِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فِي أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّفْضِيلِ قَدْ تَتَعَارَضُ، فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ مَنْ حَازَ أَكْثَرَهَا وَأَفْضَلَهَا، وَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ - ﷺ - «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ، وَأَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَزْهَدُكُمْ أَبُو ذَرٍّ - ﵃» -. مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - أَفْضَلُ مِنَ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ فُخَصَّ سُلَيْمَانُ بِالْمُلْكِ الْعَظِيمِ، وَنُوحٌ بِالْإِنْذَارِ الْمِئِينَ مِنَ السِّنِينَ، وَآدَمُ أَبَا الْبَشَرِ مَعَ تَفْضِيلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَلَوْلَا جَوَازُ تَخْصِيصِ الْمَفْضُولِ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ لَلَزِمَ التَّنَاقُضَ، فَلَا جَرَمَ عَلِمْنَا أَنَّ التَّفَاضُلَ مَا بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ - ﵈ - إِنَّمَا هُوَ بِالطَّاعَاتِ وَكَثْرَةِ الْمَثُوبَاتِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّاتِ وَشَرَفِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّاتِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ فِيهَا أَتَمُّ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ تَعْدَادِ أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ الرَّدُّ عَلَى الْمَأْمُونِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ الْخَلِيفَةِ فِي زَعْمِهِ أَنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّهَا فِي عَلِيٍّ - ﵁ - أَكْمَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَهِيَ الْعِلْمُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْكَرَمُ وَشَرَفُ النَّسَبِ. وَأَخَذَ يَرُدُّ عَلَى الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَيَرُدُّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَبَطَلَ بِمَا ذُكِرَ دَعْوَى هَذَا الْحَصْرِ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ هَذَا
[ ٢ / ٤١٨ ]
رَافِضِيًّا مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا، وَمَسَائِلُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْعِبَارَةَ وَذَكَرْنَا مَا لَعَلَّهُ يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ غَيْرَ أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا ذُكِرَ كَانَ أَلْيَقَ بِشَرْحِ هَذِهِ الْأُرْجُوزَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْإِمَامَةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا]
«الْبَابُ السَّادِسُ فِي ذِكْرِ الْإِمَامَةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا»
«وَلَا غِنَى لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ عَصْرٍ كَانَ عَنْ إِمَامِ»
«يَذُبُّ عَنْهَا كُلَّ ذِي جُحُودِ وَيَعْتَنِي بِالْغَزْوِ وَالْحُدُودِ»
«وَفِعْلِ مَعْرُوفٍ وَتَرْكِ نُكْرِ وَنَصْرِ مَظْلُومٍ وَقَمْعِ كُفْرِ»
«وَأَخْذِ مَالِ الْفَيْءِ وَالْخَرَاجِ وَنَحْوِهِ وَالصَّرْفِ فِي مِنْهَاجِ»
قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَغَيْرِهِمْ: نَصْبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - ﵃ - أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَصْبَهُ وَاجِبٌ بَعْدَ انْقِرَاضِ زَمَنِ النُّبُوَّةِ، بَلْ جَعَلُوهُ أَهَمَّ الْوَاجِبَاتِ حَيْثُ اشْتَغَلُوا بِهِ عَنْ دَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِهِ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَلِتِلْكَ الْأَهَمِّيَّةِ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَامَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ فَلَا بُدَّ لِهَذَا الْأَمْرِ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ فَانْظُرُوا وَهَاتُوا آرَاءَكُمْ.
قَالُوا: صَدَقْتَ، نَنْظُرُ فِيهِ، فَلِهَذَا قُلْنَا «وَلَا غِنَى» وَلَا مَنْدُوحَةَ، وَلَا بُدَّ «لِأُمَّةِ» دِينِ «الْإِسْلَامِ» وَهِيَ بِالضَّمِّ الْجَمَاعَةُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ وَالْجِيلُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ وَمَنْ هُوَ عَلَى الْحَقِّ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَالرَّجُلُ الْجَامِعُ لِلْخَيْرِ. وَفِي نُسْخَةٍ لِمِلَّةٍ بَدَلَ أُمَّةٍ وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ الشَّرِيعَةُ أَوِ الدِّينُ «فِي كُلِّ عَصْرٍ» مِنَ الْأَعْصَارِ وَزَمَنٍ مِنَ الْأَزْمَانِ «كَانَ» أَيْ وُجِدَ وَحَصَلَ وَاسْتَمَرَّ «عَنْ إِمَامٍ» مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا غِنَى، بَلْ هُوَ فَرْضٌ لَازِمٌ وَوَاجِبٌ جَازِمٌ وَوُجُوبُهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ بِالسَّمْعِ يَعْنِي التَّوَاتُرَ وَالْإِجْمَاعَ. وَزَعَمَ جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ وَجُوبَهُ بِالْعَقْلِ، وَوَجْهُ وَجُوبِهِ شَرْعًا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ - ﷺ - أَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ لِلْجِهَادِ وَحِمَايَةِ الْبَيْضَةِ
[ ٢ / ٤١٩ ]
وَالذَّبِّ عَنِ الْحَوْزَةِ وَلِهَذَا قَالَ «يَذُبُّ» - بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ - أَيْ يَدْفَعُ وَيَمْنَعُ «عَنْهَا» أَيْ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَبَيْضَةِ الدِّينِ «كُلَّ» مَلَكٍ جَبَّارٍ وَمُلْحِدٍ مِغْوَارٍ وَمُعْتَدٍ مِهْزَارٍ وَظَلُومٍ كَفَّارٍ «ذِي» أَيْ صَاحِبِ «جُحُودٍ» أَيْ إِنْكَارٍ يُقَالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ وَبِحَقِّهِ كَمَنَعَهُ جَحْدًا وَجُحُودًا أَنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْجَاحِدُ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ وَالضَّالُّ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَأَضْرَابِهِ «وَيَعْتَنِي» ذَلِكَ الْإِمَامُ الْمَنْصُوبُ - يُقَالُ عَنَاهُ الْأَمْرُ يَعْنِيَهُ وَيَعْنُوهُ عِنَايَةً وَعَنَايَةً وَعُنِيًّا أَهَمَّهُ وَاعْتَنَى بِهِ اهْتَمَّ - «بِالْغَزْوِ» أَيْ غَزْوِ الْكُفَّارِ وَقَهْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفُجَّارِ، يُقَالُ غَزَاهُ غَزْوًا أَرَادَهُ وَطَلَبَهُ وَقَصَدَهُ كَاغْتَزَاهُ وَغَزَا الْعَدُوَّ سَارَ إِلَى قِتَالِهِمْ وَانْتِهَابِهِمْ غَزْوًا وَغَزَوْنَاهُ فَهُوَ غَازٍ، فَيُقَاتِلُ مَنْ عَانَدَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ أَوْ يَدْخُلَ فِي الذِّمَّةِ «وَ» يَعْتَنِي الْإِمَامُ الْمَنْصُوبُ أَيْضًا بِإِقَامَةِ «الْحُدُودِ» جَمْعِ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَحُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى مَحَارِمُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وَحُدُودُ اللَّهِ أَيْضًا مَا حَدَّهُ وَقَدَّرَهُ، وَالْحُدُودُ الْعُقُوبَاتُ الْمُقَدَّرَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ الذَّنْبِ الَّذِي رُتِّبَتْ تِلْكَ الْعُقُوبَةُ عَلَيْهِ، أَوْ لِكَوْنِهَا زَوَاجِرَ عَنْهَا أَيِ الْمَحَارِمُ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَيُقِيمُ الْحُدُودَ لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الِانْتِهَاكِ وَتُحْفَظَ حُقُوقُ الْعِبَادِ مِنَ الْإِتْلَافِ وَالِاسْتِهْلَاكِ، «وَ» يَعْتَنِي أَيْضًا بِالْأَمْرِ بِـ «فِعْلِ مَعْرُوفٍ»، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَالنُّصُوصِ السَّمَاوِيَّةِ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَكُلُّ مَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ وَنَهَى عَنْهُ مِنَ الْمُحَسَّنَاتِ وَالْمُقَبَّحَاتِ، وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ أَيْ أَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهُ لَا يُنْكِرُونَهُ، «وَتَرْكِ نُكْرٍ» مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَيْ وَيَعْتَنِي أَيْضًا بِالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ فَكُلُّ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ وَحَرَّمَهُ وَكَرِهَهُ فَهُوَ مُنْكَرٌ «وَ» يَعْتَنِي الْمَنْصُوبُ بِـ «نَصْرِ مَظْلُومٍ» مِنْ ظَالِمِهِ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ نَحْوِ سِجْنِهِ وَرَدِّ ظُلَامَتِهِ عَلَيْهِ مِنْ ظَالِمِهِ، وَأَخْذِ حَقِّهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ «وَقَمْعِ» أَهْلِ «كُفْرٍ» أَيْ قَهْرِهِمْ وَذُلِّهِمْ، يُقَالُ: قَمَعَهُ كَمَنَعَهُ وَأَقْمَعُهُ وَالْمَقْمُوعُ الْمَقْهُورُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجَلِّ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَصَالِحِ الْإِسْلَامِيَّةِ «وَ» يَعْتَنِي أَيْضًا
[ ٢ / ٤٢٠ ]
بِـ «أَخْذِ مَالِ الْفَيْءِ» أَصْلُ الْفَيْءِ مَصْدَرُ فَاءَ يَفِيءُ فَيْئًا إِذَا رَجَعَ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَالِ الْحَاصِلِ مِنْ جِهَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ سُمِّيَ فَيْئًا لِأَنَّهُ رَاجِعٌ مِنْهَا إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، كَأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: سُمِّيَ فَيْئًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ الْأَمْوَالَ إِعَانَةً عَلَى عِبَادَتِهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ لِعِبَادَتِهِ فَالْكَافِرُونَ بِهِ أَبَاحَ أَنْفُسَهُمُ الَّتِي لَمْ يَعْبُدُوهُ بِهَا وَأَمْوَالَهُمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ، فَأَفَاءَ إِلَيْهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ كَمَا يُعَادُ عَلَى الرَّجُلِ مَا غَصَبَ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالٍ كَافِرٍ بِحَقِّ الْكُفْرِ بِلَا قِتَالٍ كَالْجِزْيَةِ «وَالْخَرَاجِ» وَزَكَاةِ تَغْلِبِيٍّ وَعُشْرِ مَالِ تِجَارَةِ حَرْبِيٍّ وَنِصْفِهِ مِنْ ذِمِّيٍّ، «وَنَحْوِهِ» أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ كَالْمَالِ الَّذِي تَرَكَهُ الْكُفَّارُ فَزَعًا وَهَرَبُوا وَبَذَلُوهُ فَزَعًا مِنَّا فِي الْهُدْنَةِ وَغَيْرِهَا، وَلِخُمْسِ الْخُمْسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَمَالِ مَنْ مَاتَ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَا وَارِثَ لَهُ، وَمَالِ الْمُرْتَدِّ إِذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ حَرْبٍ، «وَ» يَعْتَنِي أَيْضًا بِـ «الصَّرْفِ» لِذَلِكَ الْمَالِ الْمَذْكُورِ «فِي مِنْهَاجِ» أَيْ طَرِيقِ وَجِهَةِ مَصْرَفِهِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ شَرْعًا، فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيُبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الدَّارِ الَّتِي بِهَا حَفِظُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَظَائِفِ جُنْدِ الْإِسْلَامِ وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَكِفَايَةِ أَهْلِهَا، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ يَدْفَعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَسَدِّ الْبُثُوقِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ وَعَمَلِ الْقَنَاطِرِ عَلَى الطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَكُلُّ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُسِّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، نَعَمْ لَا يُفْرَدُ الْعَبْدُ بِالْعَطَاءِ بَلْ يُزَادُ سَيِّدُهُ، وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - أَنَّهُ لَا حَظَّ لِلرَّافِضَةِ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ زَادِ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ عَنِ الْإِمَامَيْنِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ - ﵄ -.
وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَحِفْظِ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَلِهَذَا قُلْنَا وَلَا غِنَى لِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ
[ ٢ / ٤٢١ ]
عَنْ إِقَامَةِ إِمَامٍ فَنَصْبُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذْ فِي نَصْبِهِ جَلْبُ مَنَافِعَ لَا تُحْصَى وَدَفْعُ مَضَارٍّ لَا تُسْتَقْصَى، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَإِنَّ جَلْبَ الْمَنَافِعِ وَدَفْعَ الْمَضَارِّ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى نَصْبِ الْإِمَامِ تَكَادُ تَلْحَقُ بِالضَّرُورَاتِ بَلْ بِالْمُشَاهَدَاتِ بِشَهَادَةِ مَا تَرَاهُ مِنَ الْفِتَنِ وَالْفَسَادِ وَانْفِصَامِ أُمُورِ الْعِبَادِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنَ الصَّلَاحِ وَالسَّدَادِ، فَإِقَامَةُ الْإِمَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ عَقْلًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ وَالْجَاحِظِ وَالْخَيَّاطِ وَالْكَعْبِيِّ فَبِالضَّرُورَةِ، وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ فِي الْوُجُوبِ فَلَا اعْتِدَادَ بِهَا، لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ كَسَائِرِ الْمُبْتَدِعَةِ لَيْسَ قَادِحٌ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا يُخِلُّ بِمَا يُفِيدُهُ مِنَ الْقَطْعِ بِالْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ.
وَدَعْوَى أَنَّ فِي نَصْبِهِ ضَرَرًا مِنْ حَيْثُ إِلْزَامُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ فِيهِ إِضْرَارٌ بِهِ فَيُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَةِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ مِنْ نَحْوِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ، فَإِنْ لَمْ يُعْزَلْ أَضَرَّ بِالنَّاسِ وَإِنْ عُزِلَ أَدَّى إِلَى مُحَارَبَةٍ وَفِيهَا ضَرَرٌ بَاطِلَةٌ لَا يَنْظَرُ إِلَيْهَا لِأَنَّ الْإِضْرَارَ اللَّازِمَ مِنْ تَرْكِ نَصْبِهِ أَعْظَمُ وَأَقْبَحُ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا اجْتَمَعَ ضَرَرَانِ دُفِعَ أَعْظَمُهُمَا بِأَخَفِّهِمَا وُجُوبًا، وَفَرْضُ انْتِظَامِ النَّاسِ بِدُونِ إِمَامٍ مُحَالٌ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
[أوجه تولي الإمامة وشروطه]
«وَنَصْبُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَقَهْرِهِ فَحُلْ عَنِ الْخِدَاعِ»
«وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّهْ عَدَالَةٌ سَمِعٌ مَعَ الدَّرِيَّهْ»
«وَأَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَالِمَا مُكَلَّفًا ذَا خِبْرَةٍ وَحَاكِمَا»
«وَ» يَثْبُتُ «نَصْبُهُ» أَيِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ «بِالنَّصِّ» مِنَ الْإِمَامِ عَلَى اسْتِخْلَافِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهَا، بِأَنْ يَعْهَدَ الْإِمَامُ إِلَى إِنْسَانٍ يَنُصُّ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِالْخِلَافَةِ إِلَى عُمَرَ الْفَارُوقِ - ﵄ -، «وَ» يَثْبُتُ نَصْبُهُ أَيْضًا بِـ «الْإِجْمَاعِ» مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَإِمَامَةِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِذَا بَايَعَهُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِصِفَةِ الشُّهُودِ مِنَ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا ثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ، وَكَذَا فِي جَعْلِ الْأَمْرِ شُورَى فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ لِيَتَّفِقَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَارَ إِمَامًا
[ ٢ / ٤٢٢ ]
كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - حَيْثُ جَعَلَ أَمْرَ الْإِمَامَةِ بَيْنَ سِتَّةِ أَنْفَارٍ حَتَّى وَقَعَ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -، «وَ» يَثْبُتُ نَصْبُهُ أَيْضًا بِـ «قَهْرِهِ» النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يُذْعِنُوا لَهُ وَيَدْعُوهُ إِمَامًا فَتَثْبُتُ لَهُ الْإِمَامَةُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً وَسُمِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَبِيتُ وَلَا يَرَاهُ إِمَامًا بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا انْتَهَى. لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ - ﵄ -، فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا وَدَعَوْهُ إِمَامًا، وَلِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: «فَحُلْ» أَمْرُ إِرْشَادٍ أَيِ ابْعُدْ وَزُلْ وَمِنْهُ: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]، «عَنِ الْخِدَاعِ» مُتَعَلِّقٌ بِحُلْ مِنْ خَدَعَهُ كَمَنَعَهُ خُدَعًا وَيُكْسَرُ خَتَلَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْمَكْرُوهَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَاخْتَدَعَهُ فَانْخَدَعَ وَالِاسْمُ الْخَدِيعَةُ، يَعْنِي اتْرُكْ مَخَادِعَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَتَزْوِيقَ مَا يُظْهِرُونَ مِنْ جَوَازِ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ وَعَنْ طَاعَتِهِ، وَزَعْمِهِمْ عَدَمَ وُجُوبِ نَصْبِهِ، فَإِنَّهُمْ ضَالُّونَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ صَارَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ أَخَذَ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ الْإِمَامِ الْمَنْصُوبِ وَمَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ وَمُتَّصِفًا بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، «وَشَرْطُهُ» أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ «الْإِسْلَامُ» لِأَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَبِيلٌ، «وَالْحُرِّيَّةُ» لِأَنَّ الرَّقِيقَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ فَلَا يَكُونُ وَالِيًا عَلَى غَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَخَاصَّتِهِمْ، وَأَمَّا حَدِيثُ: " «اسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا وَلَوْ وَلِيَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَسْوَدُ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» " مَحْمُولٌ عَلَى نَحْوِ أَمِيرِ سَرِيَّةٍ. وَشَرْطُهُ أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا «عَدَالَةٌ» لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَهِيَ دُونَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، نَعَمْ إِنْ قَهَرَ النَّاسَ غَيْرُ عَدْلٍ فَهُوَ إِمَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَيْضًا «سَمِعٌ» أَيْ أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّصِفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَصْلُحُ لِسِيَاسَةِ الْخَلْقِ، «مَعَ الدَّرِيَّةِ» - بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ فَهَاءُ تَأْنِيثٍ - مِنَ الدِّرَايَةِ وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْخِبْرَةُ، يُقَالُ دَرَيْتُ الشَّيْءَ وَدَرَيْتُ بِهِ دَرْيًا وَدِرَيَانًا بِالْكَسْرِ وَدُرْيَا كَحُبْلَى عَلِمْتُهُ أَوْ بِضَرْبٍ مِنَ الْحِيلَةِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وَأُرِيدَ بِهِ اعْتِبَارُ كَوْنِهِ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالسِّيَاسَةِ وَالْحُرُوبِ، ذَا بَصِيرَةٍ قَدْ عَلِمَ بِأَحْوَالِ النَّاسِ وَمَكْرِهِمْ وَخَتْلِهِمْ وَخَبِرَ أَحْوَالَهُمْ، لِاحْتِيَاجِ الْإِمَامِ إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُغَفَّلِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، «وَ» يُعْتَبَرُ أَيْضًا «أَنْ يَكُونَ» الْإِمَامُ «مِنْ قُرَيْشٍ» وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ نَسْلِ فِهْرٍ - بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ - وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ - وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ إِلْيَاسَ - وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، فَفِهْرٌ جُمَّاعُ قُرَيْشٍ فِي قَوْلِ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنْسَابِ الْعَرَبِ، وَسُمُّوا قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرِشُونَ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - أَيْ حَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، وَمَعْنَاهُ يُنَقِّبُونَ عَنْهَا وَيَسْتَعْمِلُونَهَا لِيُغْنُوهُمْ وَيَسُدُّوا خَلَّتَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ تَقَارَشَتِ الرِّمَاحُ إِذَا تَدَاخَلَتْ فِي الْحَرْبِ، لِأَنَّ الْمُسْتَعْلِمَ الْمُسْتَخْبِرَ يُدَاخِلُ أَحْوَالَ الَّذِي يَطْلُبُ عِلْمَ حَالِهِ لِيَحْصُلَ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّقْرِيشِ وَهُوَ التَّعْيِيشُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعَيِّشُونَ الْحَاجَّ فَيُطْعِمُونَ الْجَائِعَ وَيَكْسُونَ الْعَارِيَ وَيَحْمِلُونَ الْمُنْقَطِعَ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقَرْشُ الْكَسْبُ وَالْجَمْعُ وَقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ - بِالْكَسْرِ - قَالَ الْفَرَّاءُ: وَبِهِ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ. وَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِدَابَّةٍ عَظِيمَةٍ تَأْكُلُ الدَّوَابَّ فِي الْبَحْرِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ كَوْنَهُ مِنْ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ - ﵁ -، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ: " «الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ» ". وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: " «الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ» ". وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، وَرَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: " «الْأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ أَبْرَارُهَا أُمَرَاءُ أَبْرَارِهَا، وَفُجَّارُهَا أُمَرَاءُ فُجَّارِهَا» ". وَفِي الْحَدِيثِ: " «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» ". وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ وَالْمُهَاجِرِينَ لِلْأَنْصَارِ: إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَدِينُ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَوَوْا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْبَارَ.
وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ «عَالِمًا» بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى مُرَاعَاتِهَا فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَأَنْ يَكُونَ «مُكَلَّفًا» أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا، لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ، فَلَا يَكُونُ وَالِيًا عَلَى أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ
[ ٢ / ٤٢٤ ]
وَأَنْ يَكُونَ «ذَا خِبْرَةٍ» بِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، «وَ» أَنْ يَكُونَ «حَاكِمًا» أَيْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى إِيصَالِ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَكَفِّ ظُلْمِ الْمُعْتَدِي وَقَمْعِ أَهْلِ الِافْتِرَاءِ وَالِاعْتِدَاءِ، وَقَادِرًا عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَقَمْعِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْجُحُودِ، لَا تَأْخُذُهُ رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالذَّبِّ عَنِ الْأُمَّةِ.
فَإِنْ عُقِدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ فَسَقَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْعَدَالَةِ الْمُقَارَنَةِ لِلْعَدْلِ لَمْ يَنْعَزِلْ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ، وَلَا تُشْتَرَطُ عِصْمَتُهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلَا كَوْنُهُ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ، وَلَا كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا، أَوْ إِظْهَارُ مُعْجِزَةٍ عَلَى يَدِهِ يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُهُ خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ، وَهَذَا مِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَجَهَالَاتِهِمْ. وَمِنْ جَهَالَاتِهِمْ أَيْضًا زَعْمُهُمْ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ يُسَمَّى ظَالِمًا فَيَتَنَاوَلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] إِذِ الظَّالِمُ لُغَةً مَنْ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَشَرْعًا الْعَاصِي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْصُومٍ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا وَلَا ظَالِمًا لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَحْفُوظًا فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ ذَنْبٌ أَوْ إِذَا صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ تَابَ مِنْهُ تَوْبَةً نَصُوحًا.
[وجوب طاعته بشرطه]
«وَكُنْ مُطِيعًا أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرْ مَا لَمْ يَكُنْ بِمُنْكَرٍ فَيُحْتَذَرْ»
«وَ» إِذَا عُقِدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ فَصَارَ إِمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَـ «كُنْ مُطِيعًا» أَنْتَ وَسَائِرُ رَعِيَّتِهِ «أَمْرَهَ فِيمَا» أَيْ فِي الشَّيْءِ الَّذِي «أَمَرَ» بِهِ إِنْ كَانَ طَاعَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ طَاعَتَهُ تَجِبُ فِي الطَّاعَةِ وَتُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ وَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ، فَإِذَا أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ «مَا لَمْ يَكُنْ» أَمْرُهُ «بِـ» شَيْءٍ «مُنْكَرٍ» ضِدِّ الْمَعْرُوفِ، «فَـ» لَا يُطَاعُ فِي ذَلِكَ بَلْ «يُحْتَذَرُ» وَيُجْتَنَبُ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ، بَلْ تَحْرُمُ إِذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ أَمْرَكُمْ» ". قَالَ: وَآيَةُ الْأُمَرَاءِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩]
[ ٢ / ٤٢٥ ]
قَالَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الرَّعِيَّةِ مِنَ الْجُيُوشِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ الْفَاعِلِينَ لِذَلِكَ فِي قَسَمِهِمْ وَحُكْمِهِمْ وَمَغَازِيهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - ﷺ -، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وُلَاةُ الْأُمُورِ ذَلِكَ أُطِيعُوا فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأُدِّيَتْ حُقُوقُهُمْ إِلَيْهِمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأُعِينُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا يُعَاوَنُونَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ.
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: " «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «مَنْ قَلَّدَ رَجُلًا عَمَلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» "، وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا لِمَوَدَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
[فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ]
[صلاح العباد لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
«فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ»
وَلَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ لَا يَتِمُّ وَلَا يَصْلُحُ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ حَالٌ إِلَّا بِذَلِكَ قَالَ:
«وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَعَا فَرْضَا كِفَايَةٍ عَلَى مَنْ قَدْ وَعَا»
«وَإِنْ يَكُنْ ذَا وَاحِدًا تَعَيَّنَا عَلَيْهِ لَكِنْ شَرْطُهُ أَنْ يَأْمَنَا»
«فَاصْبِرْ وَزُلْ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ لِمُنْكَرٍ وَاحْذَرْ مِنَ النُّقْصَانِ»
«وَاعْلَمْ» أَيُّهَا الْمُتَبَحِّرُ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ الْمُحَرِّرِ لِدَعَائِمِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِ الْحَقِّ الْمُبِينِ «بِأَنَّ الْأَمْرَ» أَيْ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، «وَالنَّهْيَ» عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ «مَعًا» أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
[ ٢ / ٤٢٦ ]
مُنْفَرِدًا وَكِلَاهُمَا «فَرْضَا كِفَايَةٍ» عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُخَاطِبُ بِهِ الْجَمِيعَ وَيَسْقُطُ بِمَنْ يَقُومُ بِهِ، بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، «عَلَى مَنْ» أَيْ إِنْسَانٍ أَوِ الَّذِي «قَدْ وَعَا» أَيْ حَفِظَ حُكْمَهُ وَعَلِمَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ إِصْلَاحَ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ إِنَّمَا هُوَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ زَوَاجِرِهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِهِ صَارَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وَقَالَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ «عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» ". وَفِي لَفْظٍ مِنْ عِنْدِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» ".، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إِلَّا يُوشَكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ» ".
«وَإِنْ يَكُنْ ذَا» أَيِ الَّذِي عَلِمَ بِالْمُنْكَرِ وَتَحَقَّقَهُ وَشَاهَدَهُ وَهُوَ عَارِفٌ بِمَا يُنْكِرُ «وَاحِدًا» أَوْ كَانُوا عَدَدًا وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إِلَّا بِهِمْ جَمِيعًا «تَعَيَّنَا» أَيِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَصَارَا فَرْضَ عَيْنٍ «عَلَيْهِ» أَوْ عَلَيْهِمْ لِلُزُومِهِ عَلَيْهِمْ «وَلَكِنْ شَرْطُهُ» أَيْ شَرْطُ افْتِرَاضِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ
[ ٢ / ٤٢٧ ]
أَوِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ كَانَا فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ «أَنْ يَأْمَنَا» بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَخَفْ سَوْطًا وَلَا عَصًا وَلَا أَذًى وَلَا فِتْنَةً تَزِيدُ عَلَى الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ إِذَا زَادَتْ وَجَبَ الْكَفُّ، وَإِنْ تَسَاوَيَا سَقَطَ الْإِنْكَارُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ -: يَأْمُرُ بِالرِّفْقِ وَالْخُضُوعِ، فَإِنْ أَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ لَا يَغْضَبُ فَيَكُونُ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَصِرَ. وَلِهَذَا قَالَ: " فَاصْبِرْ " عَلَى الْأَذَى مِمَّنْ تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ وَلَا تَغْضَبْ لِنَفْسِكَ، بَلْ لِلَّهِ، (وَزُلِ) الْمُنْكَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ زَالَهُ عَنْ مَكَانِهِ يُزِيلُهُ زَيْلًا وَإِزَالَةً وَإِزَالًا «بِالْيَدِ» وَهُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِنْكَارِ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ كَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ، وَكَسْرِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَنَحْوِهِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ إِلَى مَالِكِهِ، «وَ» غَيْرُ الْمُنْكَرِ بِـ «اللِّسَانِ» حَيْثُ لَمْ تَسْتَطِعْ تَغْيِيرَهُ بِالْيَدِ بِأَنْ تَعِظَهُ وَتُذَكِّرَهُ بِاللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ وَتُوَبِّخَهُ وَتُعَنِّفَهُ مَعَ لِينٍ وَإِغْلَاظٍ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ بِالرِّفْقِ وَالسِّيَاسَةِ بِأَزْيَدَ وَأَتَمَّ مِمَّا يَحْصُلُ بِالْعُنْفِ وَالرِّيَاسَةِ، كَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ رَآهُ مُتَكَشِّفًا فِي نَحْوِ حَمَّامٍ: اسْتُرْ سَتَرَكَ اللَّهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ «لِمُنْكَرٍ» مُتَعَلِّقٌ بِزُلْ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ زُلْ " ذُدْ " أَيِ اطْرُدْ وَامْنَعْ لِلْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، «وَاحْذَرْ» مِنَ النُّزُولِ عَنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تُغَيِّرَ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ إِلَى أَوْسَطِهَا وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ إِلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَسُوغُ لَكَ الْعُدُولُ عَنِ التَّغْيِيرِ لِلْمُنْكَرِ بِاللِّسَانِ وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَى الْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرِ لَا بِيَدِكَ وَلَا بِلِسَانِكَ فَاعْدِلْ إِلَى الْإِنْكَارِ بِقَلْبِكَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ، فَلِذَا حَذَّرَ «مِنَ النُّقْصَانِ» .
وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَغَيَّرَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَغَيَّرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِلِسَانِهِ فَغَيَّرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مَنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» ". وَفِي هَذَا الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ وَقَدْ دَلَّتْ كُلُّهَا عَلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ إِنْكَارَهُ بِالْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: إِنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ الْمَعْرُوفَ، وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ نُكِّسَ، فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِقَلْبِهِ. يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ، وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» ". وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا نَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ وَاجِبًا تَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ رَجَاءُ الثَّوَابِ، وَتَارَةً خَوْفُ الْعِقَابِ فِي تَرْكِهِ، وَتَارَةً الْغَضَبُ لِلَّهِ عَلَى انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، وَتَارَةً النَّصِيحَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ، وَرَجَاءُ إِنْقَاذِهِمْ مِمَّا أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ إِجْلَالُ اللَّهِ وَإِعْظَامُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَأَنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَأَنْ يُفْتَدَى مِنَ انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ بِالنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ أَطَاعُوا اللَّهَ وَأَنَّ لَحْمِي قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ.
فَمَنْ لَحَظَ مَا ذَكَرْنَاهُ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْأَذَى فِي اللَّهِ - ﷿ -، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا مَنْ كَانَتْ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ: رَفِيقٌ بِمَا يَأْمُرُ رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى، عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ عَدْلٌ
[ ٢ / ٤٢٩ ]
بِمَا يَنْهَى، عَالِمٌ بِمَا يَأْمُرُ عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ -: النَّاسُ يَحْتَاجُونَ إِلَى مُدَارَاةٍ وَرِفْقٍ، الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ بِلَا غِلْظَةٍ إِلَّا رَجُلٌ مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ فَلَا حُرْمَةَ لَهُ. وَلِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ عَدْلًا بِمَا يَنْهَى، أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
[الآمر بالمعروف يبدأ بنفسه]
«وَمَنْ نَهَى عَمَّا لَهُ قَدِ ارْتَكَبْ فَقَدْ أَتَى مِمَّا بِهِ يُقْضَى الْعَجَبْ»
«فَلَوْ بَدَا بِنَفْسِهِ فَذَادَهَا عَنْ غَيِّهَا لَكَانَ قَدْ أَفَادَهَا»
«وَمَنْ» إِنَّ أَيَّ إِنْسَانٍ أَوِ الَّذِي «نَهَى» الْخَلْقَ «عَمَّا» أَيِ الشَّيْءِ الَّذِي «لَهُ» أَيْ لِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي نَهَى النَّاسَ عَنْهُ «قَدِ ارْتَكَبَ» وَفَعَلَهُ وَخَالَفَ قَوْلُهُ عَمَلَهُ مِنْ فِعْلِ الْمَحْظُورِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ، «فَقَدْ» وَاللَّهِ «أَتَى» مِنْ قَالِهِ وَحَالِهِ «مِمَّا» أَيْ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي «بِهِ» أَيْ مِنْهُ «يُقْضَى» بِانْبِنَائِهِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ «الْعَجَبُ» نَائِبُ الْفَاعِلِ، أَيْ يَقْضِي الْعُقَلَاءُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْحَزْمِ مِنْ مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ الْعَجَبَ، أَيْ يَحْكُمُونَ وَيَقْطَعُونَ بِالْعَجَبِ وَهُوَ إِنْكَارُ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ وَيَخْفَى سَبَبُهُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَيَكْبُرَ لَدَيْهِمْ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْقَبِيحِ وَيَأْتِيَهُ وَيَأْمُرَ بِالْحَسَنِ وَلَا يَأْتِيَهُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ - أَيْ أَمْعَاؤُهُ وَمَعْنَى تَنْدَلِقُ أَيْ تَخْرُجُ - فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ فِي الرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَكَ، أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلِيَ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ - ﵁ - سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: " «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِأَقْوَامٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» ". وَرَوَى نَحْوَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا وَفِيهِ فَقَالَ: «الْخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ
[ ٢ / ٤٣٠ ]
- ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: " «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ» ". رَوَى الْأَصْبِهَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ قَلْبُهُ مَعَ لِسَانِهِ سَوَاءً، وَيَكُونُ لِسَانُهُ مَعَ قَلْبِهِ سَوَاءٍ، وَلَا يُخَالِفُ قَوْلُهُ عَمَلَهُ، وَيَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ".
كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - ﵀ - إِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَكَأَنَّهُ رَجُلٌ عَايَنَ الْآخِرَةَ ثُمَّ جَاءَ يُخْبِرُ عَنْهَا، فَكَانُوا إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ خَرَجُوا وَهُمْ لَا يَعُدُّونَ الدُّنْيَا شَيْئًا، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا تُذْكَرُ الدُّنْيَا فِي مَجْلِسِهِ وَلَا تُذْكَرُ عِنْدَهُ، إِنَّمَا يَصْلُحُ التَّأْدِيبُ بِالسَّوْطِ مِنْ صَحِيحِ الْبَدَنِ ثَابِتِ الْقَلْبِ قَوِيِّ الذِّرَاعَيْنِ، فَيُؤْلِمُ ضَرْبُهُ فَيَرْدَعُ، فَأَمَّا مَنْ هُوَ سَقِيمُ الْبَدَنِ لَا قُوَّةَ لَهُ فَمَاذَا يَنْفَعُ تَأْدِيبُهُ بِالضَّرْبِ؟ وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِكَلَامِ مَنْ لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَصِفُ لَهُ الطَّبِيبُ دَوَاءً لِمَرَضٍ بِهِ مِثْلُهُ، وَالطَّبِيبُ مُعْرِضٌ عَنْهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ بَلِ الطَّبِيبُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ هَذَا الْآمِرِ الْمُخَالِفِ لِمَا أَمَرَ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقُومُ عِنْدَ الطَّبِيبِ دَوَاءٌ آخَرُ مَقَامَ هَذَا الدَّوَاءِ، وَقَدْ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى تَرْكِ التَّدَاوِي بِخِلَافِ الْوَاعِظِ فَإِنَّ مَا يَعِظُ بِهِ طَرِيقَ النَّجَاةِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَلِهَذِهِ النَّفْرَةِ قَالَ شُعَيْبٌ - ﵇ - لِقَوْمِهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨]، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَإِذَا أَمَرْتَ بِشَيْءٍ فَكُنْ أَوَّلَ الْفَاعِلِينَ لَهُ الْمُؤْتَمِرِينَ بِهِ، وَإِذَا نَهَيْتَ عَنْ شَيْءٍ فَكُنْ أَوَّلَ الْمُنْتَهِينَ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ «فَلَوْ بَدَا» الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ قُبِلَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ لِغَيْرِهِ «بِنَفْسِهِ» مُتَعَلِّقٌ بِبَدَا «فَذَادَهَا» أَيْ مَنَعَهَا وَرَدَّهَا «عَنْ غَيِّهَا» مُتَعَلِّقٌ بِذَادَهَا أَيْ عَنْ ضَلَالِهَا، وَالْغَيُّ الضَّلَالُ وَالِانْهِمَاكُ فِي الْبَاطِلِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ: " «لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ» ". أَيْ ضَلَّتْ «لَكَانَ» بِبِدَايَتِهِ بِإِرْشَادِ نَفْسِهِ وَرَدِّهَا عَمَّا هِيَ فِيهِ مِنَ ارْتِكَابِ مَهَاوِي الْهَوَى وَالضَّلَالِ وَالْغَيِّ وَالْوَبَالِ «قَدْ أَفَادَهَا» النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ وَالرُّشْدَ وَالِاسْتِقَامَةَ، فَإِنَّ النَّاصِحَ الشَّفِيقَ وَالْمُرْشِدَ الرَّفِيقَ يَبْدَأُ فِي إِرْشَادِهِ مِنَ الْأُمَمِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ وَلَا أَهَمَّ وَلَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَقَدْ قَالَ مَنْ أَفْصَحَ فِي الْمَقَالِ وَنَصَحَ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى
[ ٢ / ٤٣١ ]
الْبَالَ وَتَرَكَ الْوَبَالَ.
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ مِنَ الضَّنَا كَيْ يَشْتَفِيَ مِنْهُ وَأَنْتَ سَقِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
وَلَمَّا جَلَسَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الْوَاعِظُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّالِحَاتِ فَأَنْشَدَتْهُ:
يَا وَاعِظًا قَامَ لِاحْتِسَابٍ يَزْجُرُ قَوْمًا عَنِ الذُّنُوبِ
تَنْهَى وَأَنْتَ الْمُرِيبُ حَقًّا هَذَا مِنَ الْمُنْكَرِ الْعَجِيبِ
لَوْ كُنْتَ أَصْلَحْتَ قَبْلَ هَذَا عَيْبَكَ أَوْ تُبْتَ مِنْ قَرِيبِ
كَانَ لِمَا قُلْتَ يَا حَبِيبِي مَوْقِعُ صِدْقٍ مِنَ الْقُلُوبِ
تَنْهَى عَنِ الْعَمَى وَالتَّمَادِي وَأَنْتَ فِي النَّهْيِ كَالْمُرِيبِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهْوَ سَقِيمُ
وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تَفْضَحَكَ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فَافْعَلْ وَإِلَّا فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ تَلَا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ - ﵇ - ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] .
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) مَا قَدَّمْنَا مِنَ اعْتِبَارِ كَوْنِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ مُسْتَقِيمَ الْحَالِ هُوَ عَيْنُ الْكَمَالِ وَالْمُؤَثِّرُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ فِي الْقُلُوبِ، وَالَّذِي قَالَهُ وَحَالُهُ تِرْيَاقُ الذُّنُوبِ فِي ظُهُورِ الْإِنْجَاحِ وَإِدْرَاكِ الْفَلَاحِ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، بَلْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالْعَفَافِ، فَعَلَى مُرْتَكِبِ الذَّنْبِ النَّهْيُ عَنْ مِثْلِ مَا ارْتَكَبَ، لِأَنَّ تَرْكَهُ لِلْمُنْكَرِ
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وَنَهْيَهُ فَرْضَانِ مُتَمَيِّزَانِ لَيْسَ لِمَنْ يَتْرُكُ أَحَدَهُمَا أَنْ يَتْرُكَ الْآخَرَ، فَيَجِبُ عَلَى مُتَعَاطِي الْكَأْسِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْجُلَّاسِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ وَالِانْكِفَافَ عَنِ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ، وَالْإِخْلَالَ بِأَحَدِ الْوَاجِبَيْنِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ فِعْلِ الْآخَرِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا: " «مُرُوا النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَانْهَوُا النَّاسَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَتَنَاهَوْا عَنْهُ كُلِّهِ» ". وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ فُلَانًا لَا يَعِظُ وَيَقُولُ أَخَافَ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَدَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِهَذَا فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: (وَصَدَقَ) وَمَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ!
(الثَّانِي) مُتَعَلِّقُ وُجُوبِ الْإِنْكَارِ الرُّؤْيَةُ لِلْمُنْكَرِ وَتَحَقُّقِهِ، فَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا فَلَمْ يَرَوْهُ وَلَكِنْ عَلِمَ بِهِ، فَالْمَذْهَبُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ لِتَحَقُّقِهِ وَالْمَنْصُوصُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَا يُفَتِّشُ عَلَى مَا اسْتَرَابَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَكْسِرُ الْمُغَطَّى إِذَا تَحَقَّقَهُ وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا إِذَا سَمِعَ صَوْتَ مَلْهَاةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَسَوُّرُ الْجُدْرَانِ عَلَى مَنْ عَلِمَ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ فَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، نَعَمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إِنْ كَانَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الِاسْتِسْرَارُ بِهِ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَنْهُ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ جَازِ التَّجَسُّسُ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ اسْتِدْرَاكِ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فِي الرُّتْبَةِ لَمْ يَجُزِ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا الْكَشْفُ عَنْهُ. انْتَهَى.
وَحِكْمَةُ عَدَمِ وُجُوبِ التَّفْتِيشِ مَعَ وُجُودِ النُّصُوصِ عَلَى التَّجَسُّسِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ إِذَا خَفِيَتْ إِنَّمَا تَضُرُّ مَنْ يَعْمَلُهَا، وَإِذَا أُعْلِنَتْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُونَهُ، فَإِذَا فَعَلُوا
[ ٢ / ٤٣٣ ]
ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ» ". وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ: يَا رَبُّ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ النَّاسَ» ". وَأَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا مَرْفُوعًا: " «لَا يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ كَيْفَ يُحَقِّرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: إِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى» ".
فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنَ الْإِنْكَارِ مُجَرَّدُ الْهَيْبَةِ دُونَ الْخَوْفِ الْمُسْقِطِ لِلْإِنْكَارِ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ السَّيْفَ أَوِ السَّوْطَ أَوِ الْحَبْسَ أَوِ الْقَيْدَ أَوِ النَّفْيَ أَوْ أَخَذَ الْمَالِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ خَافَ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ سَقَطَ وُجُوبُ الْإِنْكَارِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَتَعَرَّضُ لِلسُّلْطَانِ فَإِنَّ سَيْفَهُ مَسْلُولٌ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ كَالْجِهَادِ يَجِبُ عَلَى الْوَاحِدِ أَنْ يُصَابِرَ فِيهِ الِاثْنَيْنِ وَيَحْرُمَ عَلَيْهِ الْفِرَارُ مِنْهُمَا وَلَا يَجِبَ عَلَيْهِ مُصَابَرَةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ خَوْفِ السَّبِّ أَوْ سَمَاعِ الْكَلَامِ السَّيِّئِ فَلَا يُسْقِطُ الْإِنْكَارَ - نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِنِ احْتَمَلَ الْأَذَى وَقَوِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ. نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: " «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ". وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا، وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ.
وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ «عَنْ أَمِينِ الْأُمَّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: " رَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَقَتَلَهُ» "، وَحَدِيثُ: " «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الْأَذَى وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، فَلَا يَتَعَرَّضْ حِينَئِذٍ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهَذَا حَقٌّ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ، كَذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَسُفْيَانُ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَغَيْرُهُمْ.
(الثَّالِثُ) إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فَهَلْ يَسْقُطُ وُجُوبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؟ حَكَى
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ فِي هَذَا فَقَالَ: تَكُونُ مَعْذِرَةً، وَهَذَا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَى الْمُعْتَدِينَ فِي السَّبْتِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ قَالَ لَهُمْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] وَقَدْ وَرَدَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالِانْتِفَاعِ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - ﵁ - قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْتَهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ» ". وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَيَجُوزُ الْإِنْكَارُ فِيمَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَإِنْ خَافَ أَذًى، وَقِيلَ لَا، وَقِيلَ يَجِبْ، وَلَا يَجِبُ الْإِنْكَارُ فِيمَا فَاتَ وَمَضَى إِلَّا فِي الْعَقَائِدِ وَالْآرَاءِ.
(الرَّابِعُ) الَّذِي يَجِبُ إِنْكَارُهُ مِنَ الْمُنْكَرِ هُوَ مَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُجْتَهِدًا فِيهِ أَوْ مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ تَقْلِيدًا سَائِغًا، وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مَا ضَعُفَ فِيهِ الْخِلَافُ وَكَانَ ذَرِيعَةً إِلَى مَحْظُورٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَإِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الزِّنَا الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَذُكِرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُتْعَةَ هِيَ الزِّنَا صُرَاحًا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ لَا يُفْسَخُ نِكَاحٌ حَكَمَ بِهِ قَاضٍ إِذَا كَانَ قَدْ تَأَوَّلَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَضَى لِرَجُلٍ بِعَقْدِ مُتْعَةٍ، وَالْمَنْصُوصُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - الْإِنْكَارُ عَلَى اللَّاعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى مَنْ لَعِبَ بِهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ سَائِغٍ، وَنَظَرَ فِيهِ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ بِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ أَيْضًا أَنْ يُحَدَّ شَارِبُ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ أَبْلَغُ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُنْكِرُ كُلَّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ضَعُفَ الْخِلَافُ فِيهِ لِدَلَالَةِ السُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَاعِلُهُ الْمُتَأَوِّلُ مِنَ الْعَدَالَةِ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - ﵁ - عَلَى
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَلَا يُقِيمُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ لِضَعْفِ مِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ لِمُصَادَمَتِهِ لِلنُّصُوصِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَدَلِيلُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَتَوَاصَوْنَ بِذَلِكَ، وَيُوَبِّخُونَ تَارِكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَعَلَى النَّاسِ إِعَانَةُ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَصْرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا يَخْتَصُّ عِلْمُهُ بِالْعُلَمَاءِ يَخْتَصُّ إِنْكَارُهُ بِهِمْ وَبِمَنْ يَأْمُرُونَهُ بِهِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْعَوَامِّ، وَمَنِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ ظَاهِرٍ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ أَوْ عُذْرٍ ظَاهِرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.